التتمة الاولى
تتمات:
الأولى:
نقل السعد٣ في كلامه على عقائد النسفي٤، من نسبة الحنابلة إلى أنهم قالوا: إن كلامه ﷾ عرض من جنس الأصوات والحروف [و] ٥، مع ذلك قديم٦.
وفي محل آخر٧: أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، ونسبهم إلى الجهل والعناد، أيضًا ما ينسبه بعض الناس للحنابلة، من أنهم يقولون بقدم الورق والجلد٨ والمداد.
_________________
(١) ١ شرح الكوكب المنير: "١٠٦٢"، وصنف البخاري كتابه: "خلق أفعال العباد"، كاملًا في هذا الباب، فانظره. ٢ انتهى نقله عن ابن حجر في: الفتح: "٤٩٤/١٣"، باختصار يسير. ٣ مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان سنة ٧١٢ هـ، وأقام بسرخس، وهما في بلاد خراسان، أبعده تيمورلنك إلى سمرقند، فتوفي فيها، ودفن في سرخس سنة ٧٩٣ هـ، له: "تهذيب المنطق"، و"المطول"، و"المختصر"، و"شرح العقائد النسفية"، و"شرح الأربعين النووية"، وغيرها، الأعلام: "٢١٩/٧". ٤ عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو حفص، نجم الدين النسفي: عالم بالتفسير والأدب والتاريخ، من فقهاء الحنفية، ولد بنسف سنة ٤٦١ هـ، وإليها نسبته، وتوفي بسمرقند سنة ٥٦٠ هـ، قيل: له نحو مائة مصنف: منها "العقائد"، و"التيسير في التفسير"، و"المواقيت"، الأعلام: "٦٠/٥". ٥ الواو زيادة اقتضاها المعنى. ٦ شرح السعد على عقائد النسفي: "صـ ٨٩". ٧ المصدر السابق: "صـ ٩١، ٩٢". ٨ هذا سخف وحمق، وليس منا من الحنابلة وأهل الحديث من يعتقد هذا، بل ألصقه بهم بعض خصومهم، ممن جعل إلهه هواه، ومن كان يظن هذا بنا، فليثبته من كتبنا، وأقوال أئمتنا، لا من كتب الخلاف، والله حسيب كل مبتدع ضالٍّ، كما قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضوان الله عليه داعيًا في الغنية: "٥٣/١".
[ ٩٩ ]
فالجواب عن ذلك: أن ما نسب إليهم من هذه المقالات لا أصل له في كلام أحد منهم، ولو كان له أصل لعثر عليه، وكيف يتأتى من أحد منهم القول به، مع أنهم في أعلى طبقات الورع في تتبع مذهب١ إمامهم، واعتقادهم مذهب السلف، واتباع السنة، وكيف يظن بأحد منهم أنه حرف شيئًا ونسبه إلى إمامه، مع أن هذا الظن لا يجوز بأحد من المسلمين، فضلًا عن هؤلاء السادة.
فإن قيل: لعل ما نقل من كتبهم مدسوس عليهم.
فالجواب: أن فتح هذا الباب بدعة شنيعة؛ لأن المطلوب٢ ناقل٣ صحيح النقل، يكون كتابه مقابل على أصل صحيح٤.
"١١/ب" وأيضًا، يتطرق هذا الظن في بقية كتب المسلمين، على أن معظم ما اعتمدنا فيما نقلناه من أصولنا وفروعنا متصل في جميع الأعصار، من زمن الإمام أحمد إلى زمننا، متواتر نقله جمع عن جمع.
_________________
(١) ١ في الأصل: "هذهب". ٢ في الأصل: "المبطوب". ٣ استدركها الناسخ في الحاشية مضبِّبًا لها مع إشارة التصحيح: "صح". ٤ العبارة في الأصل مصحفة هكذا: "المبطوب ناقل تصحيح الناقل يكون كتابة مقابلة على أصل صحيح"، وقد أثبتناها بأقرب صورة صحيحة إلى المصحفة، جامعة للمراد.
[ ١٠٠ ]
التتمة الثانية
الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: "والذي استقر عليه قول الأشعري٥، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، قال تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٦، وفي الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهة أن يناله العدو" ٧.
_________________
(١) ٥ في فتح الباري: الأشعرية: "٤٩٤/١٣"ط. السلفية. ٦ التوبة: الآية: ٦. ٧ رواه مسلم في: صحيحه: "١٤٩١/٣"، والبخاري في: خلق أفعال العباد: "صـ ٤٨"، والإمام أحمد في: المسند: "٦/٢".
[ ١٠٠ ]
وليس المراد ما في الصدور، بل ما في المصحف، وأجمع السلف على أن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى١.
قال صاحب المواقف٢ في أثناء خطبته: "وقرآنًا قديمًا ذا غايات ومواقف، محفوظًا في القلوب، مقروءًا٣ بالألسن، مكتوبًا في المصاحف"٤.
وقال السيد الشريف٥ في شرحه٦: وَصَفَ القرآن بالقدم، ثم صرح بما يدل على أنه هذه العبارات المنظمومة، كما هو مذهب السلف، حيث [قالوا] ٧: "إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة، لكن متعلقًا، أعني: المحفوظ والمقروء قديم".
وما يتوهم من أن ترتيب الكلمات والحروف، وعروض الانتهاء، والوقف، مما يدل على الحدوث، فباطل؛ لأن ذلك لقصور في آلات القارئ، وأما [ما] ٩ اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، رحمه الله تعالى: من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى، قد عبر منها١٠ بهذه العبارات الحادثة.
_________________
(١) ١ فتح الباري: "٤٩٤/١٣"، ط. السلفية. ٢ هو: عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تقدمت ترجمته. ٣ في الأصل: محفوظ، ومقرور، مكتوب. ٤ المواقف: "صـ ٣". ٥ علي بن محمد بن علي، المعروف بالسيد الشريف الجرجاني: فيلسوف، من كبار العلماء بالعربية، ولد في تاكو قرب استراباد سنة ٧٤٠ هـ، ودرس في شيراز، ولما دخلها تيمور سنة ٧٨٩هـ، فر الجرجاني إلى سمرقند، ثم عاد إليها بعد وفاة تيمور، فأقام إلى أن توفي سنة ٨١٦ هـ، له "التعريفات"، و"شرح مواقف الإيجي"، و"شرح السراجية"، وغيرها كثير، الأعلام: "٧/٥". ٦ على المواقف: "٩/١". ٧ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٨ في شرح المواقف: القراءة. ٩ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ١٠ هكذا في الأصل، وفي شرح المواقف: عنه.
[ ١٠١ ]
فقد قيل: إنه غلط من الناقل، منشؤة اشتراك لفظ المعنى بين ما يقابل اللفظ، وبين ما يقوم بغيره، ويزداد وضوحًا فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
قال [] ١: واعلم أن للمصنف مقالة مفردة٢ في تحقيق٣ كلام الله تعالى، على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها: أن لفظ المعنى تارة يطلق على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعري [لما] ٧٤ قال: الكلام هو المعنى النفسي، فهم الأصحاب منه أن مراده مدلولات٥ اللفظ وحده٦، وهو القديم عنده، وأما العبارات، فإنما تسمى كلامًا مجازًا؛ لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا، لكنها ليست كلامه حقيقة٧.
وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ، له لوازم٨ كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلِمَ من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، "وعدم كون"٩ المعارضة والتحدي بكلام الله تعالى الحقيقي، كعدم كون القروء المحفوظ كلامه حقيقة، إلى غير ذلك مما لا
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة مصحفة غير مفهومة وهي هكذا: الهياه، وما بعدها نقل عن شرح المواقف للسيد الشريف: "٣٦٤/٢". ٢ في الأصل: "مقر"، والتصحيح من شرح المواقف. ٣ في الأصل: "تحقق"، والتصحيح من شرح المواقف. ٤ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٥ في شرح المواقف: "مدلول". ٦ في الأصل: واحدة، والتصحيح من شرح المواقف. ٧ صرح بذلك من المتأخرين: الباجوري في حاشيته على السنوسية الصغرى: "صـ ٢٣"، والدسوقي في حاشيته على أم البراهين: "صـ ١١٣"، ومحمد الفضالى في: كفاية العلوم: "صـ ٧٦"، والهدهدي في: الشرح المذكور: "صـ ٧٦". ٨ في الأصل: "لوازم"، والتصحيح من شرح المواقف. ٩ في شرح المواقف: وكعدم المعارضة.
[ ١٠٢ ]
يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد [به] ١ المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى٢جميعًا، قائمًا بذاته تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة، والقراءة، والحفظ، الحادثة، وما يقال من أن الحروف والألفاظ مرتبة متعاقبة، فجوابه: إن ذلك الترتيب٣ إنما هو في التلفظ؛ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه٤ دون حدوث الملفوظ، جمعًا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه، وإن كان مخالفًا لما عليه متأخرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته، تم كلامه٥.
وهذا الحمل لكلام الشيخ٦، هو [مما] ٧ اختاره محمد الشهرستاني٨، في كتابه المسمى "بنهاية الإقدام"٩، ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرة المنسوبة إلى قواعد الملة، انتهى١٠.
_________________
(١) ١ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٢ في الأصل: لمعنى، والتصحيح من شرح المواقف. ٤ في الأصل: المتراتب، والتصحيح من شرح المواقف. ٥ في الأصل: حدوث، والتصحيح من شرح المواقف. ٦ أي: كلام صاحب المواقف، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي لكن من مصنَّفٍ آخر غير المواقف. ٧ أي: الأشعري. ٨ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٩ محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام، كان إماما في علم الكلام، وأديان الأمم، ومذاهب الفلاسفة، يلقب بالأفضل، ولد في شهرستان، بين نيسابور وخوارزم، سنة ٤٧٩هـ، وانتقل إلى بغداد سنة ٥١٠ هـ، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده، وتوفي بها سنة ٥٤٨ هـ، له: "الملل والنحل"، و"نهاية الإقدام في علم الكلام"، وغيرها، الأعلام: "٢١٥/٦". ١٠ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام: "صـ ٣١٣-٣٣١"، و"صـ ٣١٣-٣١٧". ١١ شرح المواقف: "٣٦٤/٢".
[ ١٠٣ ]
فالذي ظهر من عبارة ابن حجر العسقلاني، وشرح المواقف، موافقة الشيخ الأشعري للإمام أحمد في مسالة الكلام، وما روي عنه مخالف لذلك، فهو غلط من الناقل، منشؤه ما سبق، وقد أتى التاج [ابن] السبكي٢ في الطبقات٣ بأصرح من ذلك، فقال في ترجمة الأشعري: وما قيل: إن مذهبه أن القرآن لم يكن بين الدفتين، ليس القرآن في المصحف، ونَقْلُ ذلك عنه، فهو شنيع فظيع، وتلبس على العوام، فإن الأشعري وكل مسلم غير مبتدع يقول: إن القرآن كلام الله، وهو على الحقيقة مكتوب في المصاحف، لا على المجاز، ومن قال: إن القرآن ليس في المصاحف، على هذا الإطلاق، فهو مخطئ، بل القرآن مكتوب في المصحف، وهو قديم غير مخلوق، لم يزل سبحانه متكلمًا، ولا يزال به قائمًا، ولا يجوز انفصال القرآن عن ذات الله تعالى، ولا الحلول٣ في المحال، وكون الكلام مكتوب على الحقيقة في الكتاب، لا يقتضي حلوله فيه، لا انفصاله عن ذوات المتكلم، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ ٤، فالنبي صلى االله عليه وسلم في التوراة والإنجيل مكتوب على الحقيقة، وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف، محفوظ في قلوب المؤمنين، مقروء متلوٌّ على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين، كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز؛ معبود في مساجدنا، ومعلوم في قلوبنا، مذكور في ألسنتنا، وهذا واضح بحمد الله، ومن زاغ عن هذه الطريقة، فهو قدري معتزلي، يقول بخلق القرآن، وأنه حالٌّ في المصاحف نظير ما قالوا: إنه لما سمع موسى، ﵊ كلامه، خلق كلامه في الشجرة، وهذه من فظائع ٥المعتزلة، التى لايخفي فسادها على
محصل٥. إنتهى [ابن] السبكي.
_________________
(١) ١في الأصل: السبكي التاج، وعلَّم فوق كل منهما بعلامة التقديم والتأخير. ٢ طبقات الشافعية الكبرى: "٢٨٥/٢". في الأصل: "لحول"، والتصحيح من طبقات الشافعية الكبرى. ٣ الأعراف: الآية ١٥٧. ٤ في الطبقات: فضائح. ٥ هكذا في الأصل والطبقات.
[ ١٠٤ ]
وما قيل: إن منكر كلامية ما بين الدفتين، إنما يكفر إذا قال: من المخترعات البشرية، وأما إذا اعتقد أنه من مبتدعات الله، ودالٌّ على ما هو كلامه حقيقة، أو قائم بذاته، ولكنه ليس صفة قائمة بذاته تعالى، فلا يكفر أصلًا، فخلاف الظاهر من حيث إن الشارع٢ يحكم بكفر منكره حالًا، من "١٢/ب" غير استفسار له عن مراده، فإنَّ نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف [ما] ٣ دل عليه الشرع، والعقل، كما نقله الشيخ تقي الدين الفتوحي٤.
_________________
(١) أي: لا يخفى فسادها على من حصل هذا العالم، أو من حصل شيئًا من العلم. ٢ في الأصل: "الشاعر"، وفي هامشه جاء ما نصه وبالقلم نفسه: "لعله الشارع؛ لأن الشاعر هنا لا ينتظم الكلام به، ولا يتصور معناه إلا ذو فهم سقيم". اهـ. ٣ زيادة لابد منها؛ ليستقيم المعنى. ٤ محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين، أبو البقاء، الشهير بابن النجار: فقيه حنبلي مصري، من القضاة، قال الشعراني: صحبته أربعين سنة، فما رأيت عليه شيئًا يشينه، ما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه، ولا أكثر أدبا مع جليسه، ولد سنة ٨٩٨ هـ، وتوفي سنة ٩٧٢هـ، له: "منتهى الارادات في جمع المقنع مع التنقيح والزيادات"، طبع مع شرحه للبهوتي، وقال الزركلي: إن شرحه غير تام، والصواب أنه تام متداول معروف، الأعلام: "٦/٦".
[ ١٠٥ ]
التتمة الثالثة
التتمة الثالث:
قد نقل عن الملا عبد الرحمن الجامي٥، في كتابه "الدرة الفاخرة" المسماة بحط رحلك، ما يشير إلى الخلاف بين من يقول: إن الكلام هو الحروف والأصوات، ومن يقول: إن الكلام النفسي القائم بذاته
_________________
(١) ٥ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي، نور الدين: مفسر، فاضل. ولد في جام "من بلاد ما وراء النهر"سنة ٨١٧ هـ، وانتقل إلى هراة، وتفقه، وصحب مشايخ الصوفية وطاف البلاد، وعاد إلى هراة وتوفي بها سنة ٨٩٨ هـ. له "الدرة الفاخرة"، و"تفسير القرآن"، و"شرح فصوص الحكم"، وغيرها بالعربية والفارسية، الأعلام: "٢٩٦/٣".
[ ١٠٥ ]
تعالى لفظي، فقال: واعلم١ أن ها هنا قياسين متعارضين.
أحدهما: أن كلام الله [تعالى] ٢صفة له، وكل ما هو صفة له، فهو قديم، فكلامه قديم٣.
وثانيهما: أن كلام الله مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة [في الرجود] ٤، وكل ما هو كذلك، فهو حادث، [فكلام الله سبحانه حادث] ٥.
فافترق المسلمون أربع فرق:
فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغرى٦ القياس الثاني، وقدحت الأخرى في كبراه.
وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحة القياس الثاني، وقدحوا في إحدىمقدمتي الأول.
ثم ذكر كيفية قدحهم باعتبار مذاهبهم، فمن أراد ذلك، فليراجعه٧.
ثم قال٨: وفي الفتوحات المكية: إن المفهوم من كون القرن حروفًا أمران:
الأمر الواحد: المسمى: قولًا وكلامًا ولفظًا.
والأمر الآخر: يسمى: كتابًا ورقمًا وخطًا.
_________________
(١) ١ في الأصل: "ولعل"، وهو تصحيف، والتصحيح من الدرة الفاخرة. ٢ زيادة من الدرة الفاخرة. ٣ هكذا في الأصل، وفي الدرة الفاخرة: فكلام الله تعالى. ٤ زيادة من الدرة الفاخرة. ٥ زيادة في الدرة الفاخرة. ٦ في الأصل: "صغر"، والتصحيح من الدرة الفاخرة. ٧ انظر الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٠- ٢٨٣". ٨ القائل: الملا عبد الرحمن الجامي، الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٣-٢٨٤".
[ ١٠٦ ]
والقرآن يخط له١ حروف الرقم، وينطق به، فله حروف اللفظ، فلم٢ يرجع إلى كونه حروفًا منطوقًا بها؟، وهى كلام٣ الله الذي هو صفة له، أو للمترجم عنه.
فاعلم: أنه قد أخبرنا نبيه ﷺ: "أنه سبحانه يتجلى في القيامة بصور مختلفة، فيُعرَف ويُنْكَر" ٤، فمن كانت حقيقته تقبل هذا التجلي، لا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظة المسماة كلام الله لبعض تلك الصور، كما يليق بجلاله.
وقال أيضًا بعد كلام طويل٥: فإذا تحققت ما قررنا، ثبت أن كلام [الله] ٦ هو هذا المتلوُّ المسموع المتلفظ به المسمى قرآنًا، وتوراة، وزبورًا، وإنجيلًا٧، انتهى كلام الشيخ "الأكبر"٨.
فالذي ٩ ظهر منه، أن الكلام الذي هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علم على من يريد إكرامه١٠، وأن الكتب المنزلة المنطوقة
_________________
(١) ١ في الدرة الفاخرة: "فله". ٢ في الأصل: "فلما"،في الدرة الفاخرة: "فلماذا". ٣ في الدرة الفاخرة: "هل لكلام". ٤ روى البخاري في: كتاب التوحيد: "١٥٦/٩"، ومسلم في: معرفة طريق الرؤية: "١١٢/١، ١١٥"، واللفظ به: "فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأيتنا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأيتهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه"، والحديث طويل. ٥ أي: صاحب الفتوحات. ٦ زيادة من الدرة الفاخرة. ٧ الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٤"، وحذف المصنف بعد هذا كلامًا نقله الجامي عن الشيخ صدر الدين القونوي، فعد إليه إن شئت في: الدرة الفاخرة: "صـ ٨٥". ٨ ما بين القوسين" " كلمة مصحفة، هكذا: "الأبكيري"، ولعلها تصحيف لكلمة "الأكبر" إذ أنها لقبه عند أتباعه. ٩ النقل هنا من الدرة الفاخرة بعد حذف كلام القونوي. ١٠ فهذا منه الحديث القدسي، والتشريع الوارد في السنة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، [النجم: الآية: ٣]، ويشترك به الأنبياء وغيرهم من الصالحين، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، [القصص: الآية ٧]، وهذا يكون بتعبير، وألفاظ الموحى إليه.
[ ١٠٧ ]
من حروف وكلمات كالقرآن وأمثاله، أيضًا كلامه١؛ لأنها من بعض صور تلك الإفادة والإفاضة، ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، بمعنى عالم المثال، من بعض مجاليه ٢ الصور المثالية، كما يليق به سبحانه، فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا "١٣/أ" بمتعارضين في الحقيقة، فالمراد بالكلام في القياس الأول: الصفة القائمة بذاته، وفي الثاني: ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية٣، والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين يشعر بعدم الفرق بين الكلامين، والله أعلم٤.
_________________
(١) ١ وهذا الثاني من كلام الله ﷿، وهو لمن خاطبهم الله تعالى بكلامه ورسالاته من الأنبياء، بالقرآن والتوارة والإنجيل والزبور، حروفها وكلماتها من الله ﷿، خلاف الأول. ٢ أي: التجليات. ٣ هذه النقول التي يوردها المؤلف عن بعض أهل المذاهب نقلها ليقيم الحجة على أتباع تلك الآراء، فيما يتعلق بمسألة القرآن، ويبين أن قول أئمتهم بخلاف ما يقولون ويعتقدون، وكان يحسن به أن يقتصر النقل على الحاجة، وأن يبتعد عن آرائهم، التى أخذوها عن الهنود والرومان واليونان. ٤ الدرة الفاخرة: "صـ ٢٨٥".
[ ١٠٨ ]
التتمة الرابعة:
فإن قلت: قد قدمت فيما نقلته عن الشيخ الموفق من كلام السلف في ذم الاشتغال بعلم الكلام، ونراك قد ألفت فيه، فالجواب أن المذموم منه ما كان غير مأخوذ من كتاب ولا سنة، بل كان بمحض الأقيسة، فقد قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه رسول الله، ﷺ، واتباع القرآن، وليس في السنة٥ قياس٦، ولا
_________________
(١) ٥ السنة هنا: العقائد التي ترك النبي صلى الله عليه عليها أصحابه، وهي أخبار الصفات ووقوفهم عندها كما وردت، تمر، ولا تأول فتحرف، ولا تنكر فتعطل. ٦ في الأصل: "قياسًا"، وهو خطأ.
[ ١٠٨ ]
تضرب بها الأمثال، ولا تدرك بالعقول،-أو قال: بالمعقول-، ولا بالأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى"١ انتهى.
فعلى هذا، إن كل من اشتغل ببيان ما جاء عن السلف، ولم يؤول، ولم يعطل، ولم يشبه، ولم يستعمل الأقيسة، وآراء الرجال المزخرفة بالأقوال، لا يقال: إنه اشتغل بالمذموم من علم المكلام، فقد قال عمر بن عبد العزيز٢ كلامًا معناه: "قف حيث وقف قوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد٣كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى٤، وبالفضل - لو كان فيها- أحرى، فلئن حدث بعدهم رأي، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد صفوا٥، فجنوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، لقد قصر عنهم قوم وضعوا٦، وتجاوزهم آخرون فغلوا٧، وإنهم فيها بين ذلك لعلي هدًى٨" ولهذا قال مالك لما سئل عن
_________________
(١) ١ معتقد الإمام أحمد: طبقات الحنابلة: "٢٤١/١". نقله عن عمر بن عبد العزيز هنا بالمعنى، ونقله في طبقات الحنابلة كاملًا بلفظ عمر بن عبد العزيز، وسنورده كاملًا بعد انتهائه مختصرًا. ٣ في الأصل: وببصر قد كفوا، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/١". ٤ في الأصل: ولهم على كشفها كان أقوى، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/". ٥ في الأصل: وضعوا، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/١". ٦ الوضع: ضرب من سير الإبل دون الشد يريد أن سيرهم كان ضعيفًا. ٧ في الأصل: ففعوا، وهو تحريف، والتصحيح من الطبقات. ٨ أما كلام عمر بن عبد العزيز كاملًا، فهو كما رواه عند في طبقات الحنابلة: "٧١/١": "إياك وما أحدث المحدثون، فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، وإن السنة إنما سنها من قد علم ما جاء في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، وارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل -ولو كان فيها- أحرى، إنهم لهم السابقون، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا =
[ ١٠٩ ]
الاستواء١: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
_________________
(١) =منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، ولا فوقهم محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم" ا. هـ. قلت: أرى أنه قال: فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا. والله أعلم. ١ وقول الإمام مالك ﵁، هو قول السلف قاطبة، وهو الحق بين باطلين، ويطرد في سائر الصفات.
[ ١١٠ ]
التتمةالخامسة:
قد ذكر بعض الحنابلة في عقيدته أن الشيخ الأشعري رحمه الله تعالى، معتقد ومؤتم وموافق لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، في اعتقاده الموافق لاعتقاد السلف، من حيث إجرؤاه المتشابه على ما قاله الله من غير تصرف، فقال رحمه الله تعالى ما نصه: "وأما أحمد بن حنبل وأصحابه منهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه: فصل٢، في إبانة قول الحق والسنة"٣، فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والروافض، المرجئة، فعرفونا قولكم الذي تقولون، وديانتكم التي٤ تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديننا الذي٥ ندين الله٦ به، التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نصر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مخالفون؛ لأنه
_________________
(١) ٢ هذه الكلمة ليست تبويبًا لأحد مقاطع الكتاب، إنما من جملة ما ينقله المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية. ٣ الإبانة: "صـ ٨". ٤ في الأصل: الذي. ٥ هكذا في الأصل، وفي الإبانة: وديانتنا. ٦ زيادة من الأصل، ليست في الإبانة.
[ ١١٠ ]
الإمام١ الفاضل، والرئيس٢ الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم٣.
وجملة قولنا بأنَّا نقر بالله٤، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاءوا به من عنده، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، ولا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، ونقول فيما اختلفنا فيه بالرد إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين.
فإن قال٦ قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ٧ على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،ونبطل تأويل من تأول بمعنى استولى.
إن هذا تفسير لم يقل٨ به أحد من السلف، من سائر المسلمين، من الصحابة والتابعين، بل أول من قال ذلك الجهمية والمعتزلة، كما قاله أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، وكتاب الإبانة٩، فإنه كان معلومًا للسلف علمًا ظاهرًا، فيكون التفسير المحدث باطلًا، ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم، وأما قوله: والكيف مجهول، فالجهل بالكيف لا ينفي علم
_________________
(١) ١ في الأصل: إلا، وسقط باقيها. ٢ في الأصل: الباسق. ٣ في الإبانة: مفهم. ٤ في الأصل: بأن الله. ٥ طه، الآية: ٥. ٦ الإبانة: "صـ ٩". ٧ في الأصل: مستوي، وفي الإبانة: استوى. ٩ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: "صـ ٢٩٠"، الإبانة: "صـ ٣٤-٣٦"، ط. المنيرية.
[ ١١١ ]
ما قد علم أصله، كما نقر بالله، ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو، أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في بعض رسائله١، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هذا ليس نقلًا عن كتب ابن تيمية، بل أخذًا منه على المعنى والكيف، وهذه الإشارات في أكثر من كتاب مما في أيدينا، كمجموعة الرسائل والمسائل، ومجموعة الرسائل الكبرى، رسالة العقيدة الحموية الكبرى، فقد نقل عن المقالات والإبانة، انظر الحموية الكبرى، طي مجموعة الرسائل الكبرى: "٤٥٥/١-٤٦٠"، لكن لم يشر إلى أن أبا الحسن الأشعري من أصحاب الإمام أحمد ﵁.
[ ١١٢ ]