الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [١٠]
ما من أمة إلا وأرسل الله إليها رسولًا منها؛ لهدايتها ودعوتها إلى التوحيد، وقد ختم الله تعالى هذه الرسالة بمحمد ﷺ، فكان رسولًا إلى الثقلين: الإنس والجن، فلا يسمع به إنسي ولا جني ثم لا يؤمن برسالته إلا دخل النار، وقد استمعت الجن القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، وللجن أحوال مع الإنس ذكرها العلماء.
[ ١٠ / ١ ]
عموم رسالة النبي ﷺ لجميع الثقلين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يجب أن يعلم أن الله بعث محمدًا ﷺ إلى جميع الإنس والجن، فلم يبق إنسي ولا جني إلا وجب عليه الإيمان بمحمد ﵌ واتباعه، فعليه أن يصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر، ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به فهو كافر سواء كان إنسيًا أو جنيًا].
هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، أن من بلغه خبره ﷺ، وبلغته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم يؤمن بذلك عنادًا أو جهلًا، بأن قلد ما عليه قومه وصدق ما يزعمون في حق النبي ﵌ من التكذيب والبهتان فهو كافر؛ لقوله ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومحمد ﷺ مبعوث إلى الثقلين باتفاق المسلمين، وقد استمعت الجن للقرآن وولوا إلى قومهم منذرين، لما كان النبي ﵌ يصلي بأصحابه ببطن نخلة لما رجع من الطائف، وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢]].
فرسول ﷺ قد دعا الجن إلى الله، لذلك قالوا: «أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ».
إذًا: يجب على الجن أن يؤمنوا بالرسول ﷺ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:١ - ٣]- «تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» أي: عظمة ربنا- ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٤ - ٦].
أي: السفيه منا في أظهر أقوال العلماء].
قوله: «كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ» بسفهاء منهم ومبطلين «فَزَادُوهُمْ رَهَقًا» إلعابًا وخوفًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال غير واحد من السلف: كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فلما استغاثت الإنس بالجن ازدادت الجن طغيانًا وكفرًا كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٦ - ٨] في الآية قولان: الأول: أنهم كانوا يعوذون برجال من الجن، أي: رجال جنيون كانوا يعوذون بهم من شر سفهائهم.
الثاني: أنهم كانوا يعوذون برجال، مثل: الكهان وأمثالهم من شر الجن، وهنا إذا عذت به من كذا فهذا تفسير، آخر لكن سبب نزول الآية التي ذكرها السلف يقتضي أنهم كانوا يعوذون برجال جنيين من شر رجالهم السفهاء.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن:٧] أي: أن كفار الجن ظنوا أيضًا بعدم البعث كما ظن كفار الإنس.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] والحرس الشديد من الملائكة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكانت الشياطين ترمى بالشهب قبل أن ينزل القرآن، لكن كانوا أحيانًا يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى أحدهم، فلما بعث محمد ﷺ ملئت السماء حرسًا شديدًا وشهبًا وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا، كما قالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]]-فأصبحوا بعد نزول القرآن ممنوعين من أصل الاستماع، ومن أصل الجلوس لكي يستمعوا، وكانوا ينتظرون لعلهم يسمعون شيئًا فمنعوا من أصل الجلوس-[وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢]].
فأصبحوا معزولين بالكلية فلا يسمعون كلمة، وهذا حماية للقرآن العظيم من أن يتنزل به على كاهن، أو أن يسمع شيئًا منه كاهن فيلبس على الناس، وهل استمر الأمر بعد انقطاع الوحي كذلك؟ نعم استمر الأمر كذلك؛ لأن القرآن جاء بإبطال الكهانة، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله، فحكم القرآن باق، فلذلك ظل الأمر كما كان منذ نزل القرآن؛ لأن حكم القرآن وشريعة القرآن باقية على الدوام.
[وقالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]] وهذا من حسن الأدب حيث نسبوا الشر إلى المجهول، «أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ»، وأما الخير فنسبوه إلى الله: «أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا» وهذا كقول إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فالشفاء نسبه إلى الله، والمرض نسبه إلى نفسه، وهذا تأدب، وإلا فالخير والشر خلق من الله ﷾، ولذا نقول: كل من عند الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١٠ - ١١] أي: على مذاهب شتى، كما قال العلماء: منهم المسلم والمشرك واليهودي والنصراني والسني والبدعي].
يعني: أن الجن أيضًا كانوا وما زالوا على مذاهب متعددة، منهم رافضة، ومنهم باطنية، ومنهم زنادقة ومنهم علمانيون، ومنهم مسلمون، ومنهم كفرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢] أخبروا أنهم لا يعجزونه لا إن أقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه]-ثم أيقنوا بذلك، وهذا قول المؤمنين منهم-[﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٣ - ١٤] أي: الظالمون، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط: إذا جار ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٤ - ١٧]-فالله ﷿ يبتلي الناس بالخير والشر، ويبتليهم بالرزق ليشكروا أو يكفروا- ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٧].
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]-من إنس، ولا جن، ولا ولي، ولا نبي، ولا ملك، ولا أحد، فلا يدعى مع الله أحد- ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن:٢٠ - ٢١]] وهذا بيان للتوحيد، وحقيقة عبودية الرسول ﷺ لله ﷿، وأنه لا يملك ضرًا ولا رشدًا لأحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:٢٢]] أي: ملجأً ومعاذًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٣]] أي: لكن بلاغًا من الله ورسالاته، أو يمكن أن تقول: هذا استثناء متصل بمعنى: لن يجيرني من الله أحد إلا أن أبلغ رسالات ربي، فهذا هو الذي يجيرني من عذاب الله، فلن أجد من دونه ملجأً إلا أن أبلغ رسالات الله ﷾، فهذا الذي ألجأ به وأعوذ بالله منه ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]] والمقصود بها: معصية الكفر والعياذ با
[ ١٠ / ٢ ]
أحوال الجن مع الإنس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله ﷺ، من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ﷺ ويأمر الإنس بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه.
ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم، وينهاهم عما حرم عليهم، ويستعملهم في مباحات له].
هذا هو الموضع الذي يحتجون به على جواز الاستعانة بالجن، وابن تيمية يتكلم عن استعمال الجن وليس أن يستعين بهم فيطلب منهم قضاء الحاجات، ولا يستخبرهم عن المغيبات؛ فإن هذا فعل الكهنة، وقد سبق ما ذكره ﵀ من أحوال أولياء الشيطان أنهم قد يذهبون به إلى عرفة، ونبهنا عندها أن ذلك من أحوال إخوان الشياطين وأولياء الشياطين؛ لأن ذلك إذا كان عن طلب وعن سؤال فإن ذلك من سؤال الجن الغائبين، وهو مما لا يجوز بحال، ولكن يستعملهم فيما لو فعلوا له شيئًا من غير طلب، يعني: إذا فعلوا شيئًا من غير أن يطلب، أو أخبروه وهو قادر على أن يعرف صدقهم من كذبهم، فهذا هو المحتمل، وليس أن يطلب منهم قضاء الحاجات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك.
وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول].
يعني: أن منزلة هذا بالنسبة للرسول منزلة أقل، ومنزلة هذا الملك بالنسبة إلى أولياء الله أقل، ويستعملهم هذا في مباحات له، مع أنه إذا طلب منهم واستعاذ بهم فإن ذلك محرم بل هو من الشرك؛ لأنه كما ذكرنا أن استخدام عظماء الوادي في أن ينجوه من السفهاء شرك، مع أن الإنسان إذا أقام في بلد معين فهو يريد أن يأمن من أن يؤخذ متاعه، ولا يرعب ولا يخوف أليس هذا من الأمور المباحة؟ فلو أنه طلب الحماية من عظماء هذا الوادي الذين نزلت الآيات تبين أن هذا يزيد الجن طغيانًا وكفرًا، فإن هذا من الشرك بالله، فالاستعانة كذلك لا تجوز، فلا يجوز أن يستعين ويطلب منهم قضاء الحاجات، فهذا من الشرك والعياذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول، كسليمان ويوسف مع إبراهيم وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله ﷺ، إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليهم بغير القتل، كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من ظلمه، وإما في فاحشة، كجلب من يطلب فيه الفاحشة، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص، إما فاسق وإما مذنب غير فاسق.
وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو يحملوه إلى عرفات، ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله ﷺ، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة، ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به].
الكلام هذا واضح جدًا من شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه ذكر في المثالين الأوليين أنه يستعين بهم على الحج، ثم ذكر المسألة الثانية أنهم يطيرون به إلى عرفات ولا يحج، إذًا: لا يقصد شيخ الإسلام بهذا الاستعانة بهم في أمور مباحات، وإنما ذكر الاستعانة بهم في أمور يظنها من الكرامات، فالاستعانة غير الاستعمال، وهذا أحسن ما يفسر به كلام شيخ الإسلام وإلا فعندنا حديث النبي ﷺ حيث يقول: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وقد وردت الآية وذكر سبب نزولها، أن هذا في رجال استعانوا بالجن فأنزل الله في ذلك ذم هؤلاء وبين أنهم استعانوا بغير الله، وشرع لنا الرسول ﷺ أن نستعين بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فدل ذلك على أن الاستعانة بالمخلوق شرك.
فنحن نحمل كلام شيخ الإسلام على معنى يحتمل حقًا، أما أن نحمله على معنى باطل فهذا لا يحق لنا، فالذين يصرون على أن يحملوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه يجوز الاستعانة بالجن في المباحات، كأن يطلب منهم قضاء الحاجات -والعياذ بالله- والاستفهام على المغيبات فهم يحملوه على معنى باطل باتفاق، ومخالف لصريح الكتاب والسنة، ويبقى أنهم يتهمون شيخ الإسلام، وهو يذكر كلامه في موضع ويبينه في الموضع الثاني.
والاستعانة بالجن في المعصية قد تصل إلى الكفر، مثلما أخبر أنهم يأتون بالمرأة إلى الشخص ليفعل بها الفاحشة، أو يسرق أموالًا، أو يجعل المرأة تكره زوجها والعكس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ذلك من الجن، بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات، وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية، وبين التلبيسات الشيطانية، فيمكرون به بحسب اعتقاده.
فإن كان مشركًا يعبد الكواكب والأوثان، أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة، ويكون قصده الاستشفاع والتوسل بمن صور ذلك الصنم على صورته، من ملك أو نبي أو شيخ صالح، فيظن أنه يعبد ذلك النبي أو الصالح، وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، ولهذا لما كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها، فيقارنها الشيطان عند سجودهم، ليكون سجودهم له.
ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون، فإن كان نصرانيًا واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان في صورة جرجس أو من يستغيث به، وإن كان منتسبًا إلى الإسلام، واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء في صورة ذلك الشيخ، وإن كان من مشركي الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك].
فإذا قرأ آية الكرسي وغيرها من الآيات بعزيمة فإنه يبطل هذا الفعل، وربما يقرأ آية الكرسي وليست عقيدته راسخة، بدليل أن الشخص هذا الذي ذكر كان شخصًا عاديًا جدًا، وإنما كان يصلي في المسجد، ويحب أولياء الله وأهل بيت النبي ﷺ، ويحضر الحضرات التي تقام عند سيدنا الحسين، فهذا من الكرامات عندهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به -هذا لو كان حيًا- وإن كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم، ونقل أقوالهم له، فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم، وإنما هو بتوسط الشيطان.
ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة، فقال: يريني الجن شيئًا براقًا مثل الماء والزجاج، ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به].
مثل هؤلاء الذين يزعمون أنهم يعلمون السرقة ومكانها، فيحضرون الأرواح الشيطانية، ويستعملون الأطفال الصغار والنساء أحيانًا في مثل ذلك، فيأتون لهم بفنجان فيه ماء بهذه الطريقة، فينظر فيها الطفل وتتمثل له الجن وهي تقوم بأشياء، مثل السارق بالضبط فينظر الطفل صورة شخص على شكل الرجل الذي سرق البقرة، وهو يمشي ويدخل البيت الفلاني، فيقوم ويقول له: أنا شاهدت فلان الفلاني يأخذ البقرة ويمشي بها، فيقول له: هو فلان الذي سرق البقرة اذهب ابحث عنها في بيت فلان، فيذهب فيجد البقرة في بيت فلان، فمثل هذا هو من أحوال الجن، بأن يتمثل الجني في صورة الرجل الذي سرق، فيقوم يتمثل صورته وصورة البقرة التي سرقها في وسط الماء أو الزجاج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال فأخبر الناس به، ويوصلون إلى كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه].
وهذا لأجل أن يقال له: إنه اطلع على شيء من علم الغيب، فيقوم يصفه بصفات الله -والعياذ بالله- فيقع في الشرك، والجني هو المتوسط في ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها من لم يعرفها، وقال: إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة فتدخلون النار بحجر الطلق، وقشور النارنج، ودهن الضفادع، وغير ذلك من الحيل الطبيعية، فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون: نحن والله لا نعرف شيئًا من هذه الحيل، فلما ذكر لهم الخبير: إنكم لصادقون في ذلك، ولكن هذه الأحوال الشيطانية أقروا بذلك، وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق، وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان، ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع، وعند المعاصي لله، فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله ﷺ، من العبادات الشرعية؛ فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه، لا من كرامات الرحمن لأوليائه.
والله ﷾ أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه، وعلى آله وصحبه وأنصاره وأشياعه وخلفائه صلاة وسلامًا نستوجب بهما شفاعته آمين.
[ ١٠ / ٣ ]