الفصل الأول: طريق الهداية الصوفي
لم يصل في - حدود علمي - أحد ممن بحث في التصوف إلى معرفة الرجل الأولي الذي تسمى باسم (الصوفي) في الإسلام ولا من وضع اللبنات الأولى لهذا الفكر.
ولا شك أن التصوف منهج نشأ قبل الإسلام فكرًا وسلوكًا وعقيدة، وأنه كان في كل الأمم والديانات وخاصة في البرهمية الهندوكية والفلسفة الإشراقية اليونانية والمجوسية الفارسية، وكذلك نشأت النصرانية - ولا شك أن التصوف غير الرهبانية وغير الزهد كما سنعلم تفصيلًا - ثم انتقل بعد ذلك إلى الفكر الإسلامي عن طريق الزنادقة المجوس، وأخذ مجراه في واقع الأمة الإسلامية وتطور حتى بلغ شأوه وألفت مصادره، ووضعت أصوله وقواعده النهائية في القرن الرابع والخامس الهجري.
ولكن بعض الكتاب ظن أن هناك صلة بين التصوف والزهد، ولذلك نسب إلى التصوف كل من عرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم وكالفضل بن عياض، وعبد الله بن المبارك وبشر الحافي وإبراهيم بن أدهم ونحوهم من العباد والزهاد. . والذي ساعد في هذا الخلط بين الزهد والتصوف أن الذين وضعوا طبقات الصوفية جعلوا أمثال هؤلاء أئمة في هذا الشأن، بل تجاوز بعضهم الحدود من أمثال الشعراني، وجعل الخلفاء الراشدين هم أو رجال في طبقات الصوفية وحاشاهم. .
والحال أنه شتان ما بين الزهد والتصوف فالزهد في الدنيا فضيلة وعمل مشروع مستحب وهو خلق الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين الذين يؤثرون ما عند الله على التنعم، والتلذذ والانشغال بالمباحات، بل يتركون بعض الطيبات في المباحات طمعًا فيما عند الله ﷾ كما قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩] . وقال أيضًا: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩] .
وفي الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار) . قيل فما كان طعامكم: قالت (الأسودان التمر والماء) .
وهذا لكمال زهدهم، ورغبتهم عن الدنيا. وأما التصوف فمنهج آخر لأن الصوفي إذا تحقق في صوفيته يصبح الزهد عنده شيئًا لا معنى له، فهو قد يحتاج الزهد فقط في أول الطريق الصوفي ثم في النهاية عليه أن يعب من كل ما قدر عليه ولو كان حرامًا في الشرع خمرًا أو زنا، أو حتى إتيانًا للذكران لأن عقيدة وحدة الوجود لا تجعل في النهاية فرقًا بين الزنديق والصديق، ولا بين الأخت والأجنبية، ولا بين الملَك والشيطان، بل ولا بين العبد والرب على حد قول ابن عربي المهندس الأخير للفكر الصوفي:
العبد رب والرب عبد ** ياليت شعري من المكلف؟ !
إن قلت عبد فذاك ربُّ ** وإن قلت رب أنى يكلف؟ !
وهذا سيأتي تفصيله وبيانه، والشاهد هنا أن هناك فرقًا هائلًا بين الزهد الذي هو فضيلة ونهاية في الشريعة الإسلامية وبين التصوف الذي قد يجعل الزهد من شعائره ولكنه للمبتدئين فقط وأما في النهاية فيجب عند الصوفي أن يتمتع بكل ما قدر عليه.
وأعود فأقول أنه لا يعرف بالتحديد من أول من تسمى بالصوفي حقيقة في الإسلام وكنت في الطبعة الثانية من الكتاب لما قرأت ما كتبه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات شممت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترجمة إبراهيم بن أدهم فوجدت أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله فغلب على ظني أنه ربما كان الرائد الأول الذي وضع البذرة الصوفية. .
ولقد لفت نظري بعد ذلك كثير من الأخوة أن شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتميًا إلى هذا المنهج وكنت قد قرأت ما كتبه شيخ الإسلام ﵀ وقد رأيت أنه ربّما يثني على شخص ما من أجل موقف صحيح في العقيدة، وهو قد لا يرضى عنه في موقف آخر بل إنه كثيرًا ما يستدل بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئًا من الحق. .
وبعد أن أعدت النظر وجدتُ أن كلام أئمة الجرح والتعديل لا يرقى إلى اتهام إبراهيم بن أدهم ﵀ بشيء مما وضعه المتصوفة في عقائدهم ومناهجهم، وأما الحكايات التي رويت عنه والموجودة في طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي فإنه لا يعول عليها في الجرح والتعديل لأن أبا عبد الرحمن السلمي نفسه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يضع الحكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم ﵀.
وعلى كل حال فيعلم الله أن قصدي من تأليف الكتاب هو بيان الفكر الصوفي من حيث هو مدون ومسطور في كتب القوم وبيان ما فيه من الباطل والتغرير، وأنا أعلم أيضًا أن الذين وضعوا هذا الفكر قد كذبوا على كثير من فضلاء الناس، وزهاد الأمة وليس قصدنا عداوة مع هؤلاء الفضلاء فنعوذ بالله أن نؤذي مسلمًا بلسان أو يد. . وإنما مقصدنا الذب عن عقيدة الإسلام وشريعة سيد المرسلين وبيان ما في هذا الفكر من الانحراف، وما في هذه الحكايات من الباطل.
ومرة أخرى أقول لا نستطيع أن نجزم من هو أول شخص تسمى باسم الصوفي في الإسلام، وألقى بالكلمات الأولى والقواعد الأولى ليؤسس هذا المنهج. ولا شك أن ذلك كان في منتصف أو أوائل القرن الثاني من الهجرة. فإن الإمام الشافعي المتوفي سنة ٢٠٥هـ - يقول: " تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع " ا. هـ
(والزنادقة) هنا هم الصوفية (والسماع) هو الغناء والأناشيد التي كانوا يتجمعون عليها، ولا شك أن ظهور الصوفية بهذه البدعة لم يكن وليد سنة أو سنتين إنما كان وليد سنوات تطورت بدعة الصوفية حتى استطاعوا أن يعلنوا بدعتهم بالغناء والطرب بالدفوف ونحو ذلك في عاصمة الخلافة ببغداد، ولا شك أن مثل هذه المظاهر والعقائد المنافية للإسلام الصحيح بدأت دعوة سرية ثم تطورت واستفحل شرها، وأعلن عنها أصحابها ومن أجل ذلك لا يعلم على القطع والحقيقة الرائد الأول للفكر الصوفي في الإسلام وواضع لبناته الأولى. .
ومما يدل على أن الأمر كان سريًا في أوله ما روي عن الإمام أحمد أنه سمع الحارث المحاسبي يجتمع مع جماعة في منزل من المنازل وأنهم يقضون ليلهم في البكاء ومحاسبة النفس والكلام على الخطرات والوساوس وأن الإمام أحمد بعد أن استمع إليهم خلسة من منزل مجاور أصبح يقول: نفروا الناس عن الحارث المحاسبي، وقال لمن سأله هل يجلس معهم ويقضي الليل معهم قال: لا أرى لك أن تجالسهم.
والشاهد أن هذه البدعة لا شك أنها بدأت سرية ثم تطورت واستعلنت.
ونعود إلى أبي عبد الرحمن السلمي المتوفي سنة ٤١٢هـ - والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة المشايخ السابقين لنجد أنه جعل إبراهيم بن أدهم رائدًا ومؤسسًا لبدايات هذا الفكر. .
نأتي إلى حكايات السلمي لنناقش هذه الحكايات لا من حيث ثبوتها ونفيها ولكن من حيث أنها قد أصبحت هي العماد الذي قام عليه هذا الفكر. . نأتي لنناقش هذه الحكايات على ضوء الكتاب والسنة لنرى ما فيها من الباطل ولنعرف كيف بدأ هذا الفكر وتطور:
١ - قال أبو عبد الرحمن السلمي (توفي سنة ٤١٢هـ ـ): " سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، قال حدثني أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السنجاري، فقلت: يا أبا إسحاق! خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابًا فركبت إلى الصيد، فخرجت يومًا على دابة لي، ومعي كلب، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فبينما أنا أطلبه، إذ هتف بي هاتف لا أراه، فقال: يا إبراهيم: ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ففزعت، ووقفت، ثم
[ ٤٣ ]
عدت فركضت الثانية، ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي هاتف من قربوس (قربوس: كحلزون، حنو السرج ومنعطفه، وهما قربوسان) السرج: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت فصادفت راعيًا لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إلى مكة فبينما أنا في البادية، إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب، حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلت وشرب، وكنت معه على هذا أيامًا، وعلمني (اسم الله الأعظم) ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله به، فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه! ! فراعني قوله، فقال: لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدعو به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني " (طبقات السلمي (٢٩ - ٣١» .
وهذا خبر آخر:
٢ - " سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت علي بن الحسن بن أحمد المصري يقول: سمعت أحمد بن عيسى الخراز يقول: حدثني غير واحد من أصحابنا منهم: سعيد بن جعفر الوراق، وهارون الآدمي، وعثمان النجار، قالوا: حدثنا عثمان بن عمارة قال حدثني إبراهيم بن أدهم عن رجل من أهل الإسكندرية يقال له أسلم بن يزيد الجهني قال: لقيته بالإسكندرية فقال لي: من أنت يا غلام؟ قلت: شاب من أهل خراسان. قال: وما حملك على الخروج من الدنيا؟ قلت زهدًا فيها، ورجاء لثواب الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر. فقال رجل ممن كان معه: وأي شيء الصبر؟ فقال: إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس. قال: قلت: ثم مه؟ قال: إن كان
[ ٤٤ ]
محتملًا للمكاره أورث الله قلبه نورًا. قلت: وما ذلك النور؟ قال: سراج يكون في قلبه، يفرق بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه، قلت: هذه صفة أولياء رب العالمين. قال: استغفر الله، صدق عيسى بن مريم ﵇ حين قال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتضيعوها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها! !
فبصصت إليه، وطلبت إليه، وطلب معي أصحابه إليه، فقال عند ذلك: يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار أو حادثت الأبرار أن تغضبهم عليك، فإن الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله ﷿ إذا سخط الناس، وهم جلساء الله غدًا بعد النبيين والصديقين.
يا غلام احفظ عني واعقل، واحتمل ولا تعجل، فإن التأني معه الحلم والحياء، وإن السفه معه الخرق والشؤم، قال: فسالت عيناي، وقلت: والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي، إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى.
قال: فإياك والبخل، قلت: وما البخل؟ فقال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل بخيلًا بماله، وأما الذي عند أهل الآخرة فهو الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى. ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطى السكينة والوقار والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك تفتح له أبواب السماء، فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا، فقال له رجل من أصحابه: " اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله تعالى! ! " قال: فتعجب الشيخ من قول أصحابه: " لقد وفق لولاية الله تعالى " فقال لي: يا غلام أما إنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطأون عليها، وإن ضربوك وشتموك وطردوك، وأسمعوك القبيح، فإن فعلوا بك ذلك ففكر في نفسك: من أين أتيت، فإنك إذا فعلت ذلك يؤيدك الله بنصره، ويقبل بقلوبهم عليك،
[ ٤٥ ]
واعلم أن العبد إذا قلاه (أي كرهه) الأخيار، واجتنب صحبته الورعون وأبغضه الزاهدون، فإن ذلك استعتاب من الله تعالى لكي يعتبه، فإن أعتب الله ﷿ أقبل بقلوبهم عليه، وإن تمرد على الله أورث قلبه الضلالة، مع حرمان الرزق، وجفاء من الأهل، ومقت من الملائكة، وإعراض من الرسل بوجوههم، ثم لم يبال في أي واد يهلكه.
قال: قلت: إني صحبت - وأنا ماش بين الكوفة ومكة - رجلًا فرأيته إذا أمسى يصلي ركعتين فيهما تجاوز، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنة من ثريد عن يمينه، وكوز من ماء، فكان يأكل ويطعمني. قال: فبكى الشيخ عند ذلك، وبكى من حوله، ثم قال: يا بني أو يا أخي ذاك أخي داود، ومسكنه من وراء بلخ، بقرية يقال لها (الباردة الطيبة) وذلك أن البقاع تفاخرت بكينونة داود فيها، يا غلام: ما قال لك؟ وما علمك؟ قال: قلت: علمني اسم الله الأعظم، فسأل الشيخ ما هو؟ فقلت: إنه يتعاظم علي أن أنطق به. فإني سألت به مرة، فإذا برجل آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه، فراعني، فقال: لا روع عليك: أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك إياه، فإياك أن تدعو به إلا في بر، ثم قال: يا غلام إن الزاهدين في الدنيا، قد اتخذوا الرضا على الله لباسًا، وحبه دثارًا والأثرة له شعارًا، فتفضّل الله تعالى عليهم ليس كتفضله على غيرهم، ثم ذهب عني. فتعجب الشيخ من قولي، ثم قال: إن الله سيبلغ بمن كان في مثالك ومن تبعك من المهتدين، ثم قال يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك، وعلمناك علمًا.
ثم قال بعضهم: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه، قال إبراهيم: فما أدري أين ذهبوا؟ ! ! ! " (ا. هـ من طبقات السلمي بنصه) .
لقد وضع من وضع هاتين الحكايتين أصول التصوف، ومنها تفرع الفكر الصوفي فيما بعد، ولنستعرض معًا أصول هذا الفكر:
أولًا: إن الهداية قد جاءت بزعمه لإبراهيم من هاتف هتف به أولًا، ثم من
[ ٤٦ ]
كلام خرج من قربوس السرج، ولست مناقشًا الآن صحة هذه الدعوى أو بطلانها، ولكني أريد أن أذكر الآن أن هذا طريق للهداية يغاير ويخالف الطريق الذي جاء به الرسول ﷺ فالهداية في الإسلام إنما تكون دائمًا عن طريق كتاب الله الذي أنزل للناس هدى ونورًا. والدعوة إلى الإيمان في شريعة الرسول محمد ﷺ إنما تكون بالحجة والإقناع، وبتقديم الدليل على إعجاز القرآن وصدق رسول الله ﷺ.
ثانيًا: الهداية التي ادعاها أبو عبد الرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، (وترك الدنيا) على حد التعبير، وليس ملابس الصوف التي كانت على جسم الراعي، ومن سمي هذا المنهج بالتصوف، وليس من شروط الهداية في الإسلام أن يترك المهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إلا إذا قابل فيه اضطهادًا أو منعًا من أداء الشعائر، أو كان في بلد كثير المعاصي وأراد النقلة إلى بلد آخر يكثر فيه الصالحون، ولم تكن (بلخ) التي هجرها إبراهيم كذلك؛ لأنه جاء في حكايته أنها مسكن (داود) وأن البقاع قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية التي سميت (الباردة الطيبة) التي يسكن فيها داود ويخرج إلى البراري والقفار، وليس من سبب شرعي لهذا التحول؟
ثالثًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم لقي رجلًا بالبادية يسير، وليس معه زاد ولا طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا الرجل علمه اسم الله الأعظم، ثم أخبر أن هذا الرجل إنما هو داود ﵇ وأنه لما دعا باسم الله الأعظم حضر الخضر إليه في الحال، وسأله عن طلبه.
ولست أدري شرعًا ما الذي يدعو داود ﵇ أن يعود إلى الدنيا، (إن كان ذلك في مكنته) ويتجاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجلًا من أمة محمد ﷺ اسم الله الأعظم، مع العلم أن الرسول ﷺ قال لعمر: (والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني) فكذلك لو عاد
[ ٤٧ ]
داود حيًا لوجب أن يتبع رسول الله ﷺ ولا يجوز له أن يعلم الناس شيئًا من الدين لم يعلّمه رسول الله ﷺ.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو قائلًا: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله (رواه أحمد (٥/٣٤٩ - ٣٥٠) وأبو داود (١٤٩٩٣) وغيرهما عن بريدة بن الحصيب ﵁) الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
فقال: ﷺ: (قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)
فالرسول ﷺ أخبر أن اسم الله الأعظم في هذا الدعاء، وأن الله ﵎ إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولم يقل ﷺ: إن هذا الاسم من دعا به أتاه الخضر في التو والحال، وقال: سل تعطه! ! هكذا على الإطلاق: اسأل ما بدا لك. . ما أشبه هذا الكلام بالقصص الخرافي الذي يزعم بأن سليمان نبي الله ﵇ كان له خاتم إذا حركه أتاه عفريت من الجان! ! .
ثم لو فرضنا صحة الحكاية، أليس لنا أن نسأل: لما خص داود ﵇ إبراهيم بن أدهم باسم الله الأعظم، ولم يخص به أحدًا قبله من الصحابة والتابعين؟ .
ثم لماذا يقول الخضر لإبراهيم بن أدهم - كما جاء في الحكاية ـ: لقد تعلمت اسم الله الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، هكذا وإبراهيم بن أدهم ليس معصومًا، فربما تخاصم مع رجل مسلم، فإذا دعا باسم الله الأعظم على هذا الرجل هلك هلاك الدنيا والآخرة، وحرم جنة الله، وباء بالنار، لأنه خاصم إبراهيم بن أدهم فقط، وهذا ليس للرسول، لأن الرسول دعا على أناس فقال له الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] . (انظر حديث البخاري في شأن نزول هذه الآية) . هذا مع أن الحال في الخصومة بين النبي ﷺ وبين أعدائه إنما هو من أجل
[ ٤٨ ]
العقيدة والدين، وليس كخصومة غيره من أهل الدنيا.
رابعًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهجه الذي سلكه في تعبده أنه " الخروج من الدنيا " ولقد علمنا نتائج هذا الخروج، وهي خلع ملابسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول في البادية، ولن نناقش الآن مدى قرب هذا المسلك أو بعده عن الرسالة التي بعث بها محمد بن عبد الله ﷺ ولكننا سنناقش الآثار التي ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخبره أسلم بن يزيد الجهني في الإسكندرية أنه إذا كان حقًا طالبًا لثواب الله فلا بد له من تحمل الصبر، وأنه إن فعل ذلك أورث الله قلبه نورًا يفرق به بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه (هكذا) ! ! وهنا تضع الحكاية الأصل الرابع في التصوف، وهو أنه بالمجاهدة والصبر يحصل النور الذي يعرف به علم الحق والباطل، والناسخ والمتشابه! ! والمعروف أن المجاهدة بالصبر مهما عظمت لا تعلم الإنسان الآيات الناسخة والمنسوخة، والمحكم والمتشابه من كلام الله ﵎ ولا تجعله يفرق بين حق وباطل، بل لا بد من التعلم، لأن رسول الله ﷺ يقول: (إنما العلم بالتعلم) (ذكره البخاري في (صحيحه - ١/١٧٠ من فتح الباري) معلقًا، وبين الحافظ بن حجر من وصله في شرحه عليه، وحسن إسناده، وأورده أستاذنا الألباني في (السلسلة الصحيحة - ٣٤٢) بأتم منه، وصححه وقال في مختصره لصحيح البخاري (١/٢٨): " هو طرف من حديث رواه ابن خيثمة (١١٤) بسند صحيح عن أبي الدرداء موقوفًا، ورواه غيره عنه مرفوعًا، وله شاهد من حديث معاوية ") ولم يقل: إنما العلم بالصبر. وأما أن الله ﵎ يوفق العامل بعلمه، والقائم بتقواه إلى الهداية والعلم فنعم، وذلك بتيسير أسباب العلم الجديد فقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢] . هي ختام أطول آية في كتاب الله، وقد نزلت بشأن الدّين وكتابته والإشهاد عليه، والتعلم المقصود في الآية هو هذا التعلم الذي أنزله الله على الرسول ﷺ. ويستحيل شرعًا وعقلًا أن يبلغ المسلم علم شيء بالصبر أو
[ ٤٩ ]
الصيام مثلًا دون بذل السبب الموصل إلى هذا العلم. فالعلم الشرعي بالتعلم، والعلم الدنيوي أيضًا بالتعلم، وليس شيء من ذلك يورث بالصبر والمجاهدة.
ولا شك أن الحكاية عندما دعت إلى هذا العلم فإنما أرادت علمًا آخر، لأنها قالت على لسان أسلم بن يزيد: " وذلك أن الحكماء هم العلماء " فهو يعني طائفة أخرى لها تقاليدها وعاداتها، ومجاهداتها المستقلة وعلمها المستقل أيضًا، وستعلم هذا بأدلته فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ولم يعن بالطبع علماء الشريعة الذين يعلمون الكتاب والسنة، لأن علم هؤلاء لا يتأتى إلا بالدرس والنقل والكتابة والحفظ، وسؤال الله الفهم والعمل والتوفيق، وأما طريق القوم الذين عنتهم الحكاية فإنما هو المجاهدة بأسلوب خاص، وعادات خاصة، ومنهج خاص ليصل الإنسان منهم إلى علم خاص، وفهم خاص، ووجد خاص، ولا يستطيع علماء الشريعة مهما بلغ علمهم أن يصلوا إلى شيء منه. وباب هذا العلم الخاص الذي عنته الحكاية هو ما عبر عنه بقوله: " وأن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار، والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك يفتح له أبواب السماء فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا "! ! .
فهذا العلم الخاص بابه السماء، وينظر أهل هذا العلم إلى فتح هذه الأبواب بقلوبهم حتى لو كانوا مطروحين في طريق الدنيا، وقبل أن نحكم على هذا العلم المزعوم بالصحة أو البطلان لا بد أن نرى نماذج منه، وهذا موعده فيما يأتي إن شاء الله.
خامسًا: الغاية التي حددتها هذه الرواية المزعومة لهذا الطريق، وهذا المنهج هو: " والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى " وقد فسر له على حد زعمه أسلم بن يزيد (البخيل) بأنه " الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى ".
[ ٥٠ ]
فالأثرة لله التي جاءت في الحكاية ليست هي حب الله وإيثار مرضاته، والطمع في جنته، وخوف ناره، بل سنعلم بالنصوص والنقول من مقالات القوم أنهم يعنون بالأثرة لله (الفناء به عن كل ما سواه) وعبادته دون رجاء مثوبة، أو خوف عقوبة، وسنعلم كيف تطور هذا الفكر فيما بعد إلى أن أنتج القول بوحدة الوجود، وأن العابد هو عين المعبود! !
سادسًا: من الغرائب في الحكاية عن إبراهيم السابقة أنه قال إن أصحاب أسلم بن يزيد الجهني قالوا له: " اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله ﷿ " وكأن إبراهيم في زعم الحكاية قد فاز بكنز لم يفز به أحد قبله، وهو ولاية الله ﷿ وقد ذكر الله ﷾ أنه ولي كل مؤمن. قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وأخبر الرسول ﷺ في حديث البخاري الصحيح أن الله تعالى يقول (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به. .، الحديث) . فبين الله ﵎ طريق ولايته، وهي أداء الفرائض ثم الاستزادة من النوافل، ولم يذكر ﵎ أن الولاية تأتي بهاتف من قربوس السرج، ثم بلقاء مع داود في البادية وتعليم للاسم الأعظم. وسنعلم في جولتنا القادمة في الفكر الصوفي أن الولاية ستصبح قاصرة على أناس مخصوصين، لهم منهج مخصوص وطريق مخصوص، وأن هذه الولاية سيجزم بها جزمًا، وسيدعيها من يدعيها بكل إصرار وتشبث! ! .
سابعًا: جاء في الحكاية أن أسلم بن يزيد الجهني نصح إبراهيم قائلًا: " يا غلام أما أنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطئون عليك، وإن ضربوك وشتموك، وطردوك وأسمعوك القبيح " ولا نعلم أن صحبة الأخيار تكون كذلك، بل الأخيار إذا صحبتهم أكرموك وسامحوك، وعلموك وقربوك وغفروا إساءتك، وسيعلم القارئ السر وراء هذا
[ ٥١ ]
المنهج، في النقول القادمة وفي بيان فرعيات هذا المنهج ودروبه.
ثامنًا: جاء في الحكاية أن الشيخ وهو أسلم بن يزيد الجهني قال له: " إن الله سيبلغ بمن كان مثالك، ومن تبعك من المهتدين، وإنه قال له: يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علمًا ".
وهذا كله إشعار بأن هناك طريقًا آخر وروادًا جددًا قد هيئوا لأمر ما، ووجهوا وجهة خاصة، وأن الله سيبلغ بهم ما لم يبلغ بسواهم من قبل في رجال القرن الأول، ومن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وسيعلم القارئ إن شاء الله تعالى أي مهمة هذه التي توجهت إليها هذه الفئة، وأي بلاغ عن الله ﵎ سيبلغون! ! .
تاسعًا: لقد ختمت الحكاية بمثل ما بدئت، وهي أن قائلًا ممن كانوا حول الشيخ أسلم بن يزيد قال: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه. ففي الحال ذهبوا، ولا يدري أين ذهبوا؟ هكذا كما جاءه الهاتف وقال له: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت.
وهذا الأصل من الحكايات الغريبة سيكون بداية لحكايات تعتبر هذه الحكاية بالنسبة إليها أمرًا مقبولًا وسائغًا، فما هذه الحكايات؟
وبهذه الأضواء يكون أمامنا تسع نقاط يجب أن نكون على ذكر منها في رحلتنا هذه في الفكر الصوفي، وخلاصة هذه النقاط هي أن هناك طريقًا للهداية هو طريق الهواتف، وأن هذه الهداية تحمل الإنسان على ترك الدنيا، وترك الآباء والأمهات والدخول إلى البراري والقفار، وأن المهتدي على هذا النحو يرى الأنبياء ويتكلم معهم، ويأكل من الغيب لا من الشهادة، وأن الخضر ﵇ خادم لاسم الله الأعظم، هذا الإسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطريق الذي يلج فيه الصوفي يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو المنهج الوحيد للحصول على ولاية الله ﷿ وأنه يجب الصبر مع أهل هذا الطريق، وعدم الإنكار عليهم،
[ ٥٢ ]
بل يجب على المهتدي أن يكون أرضًا لهم يطئون عليها. وأن هؤلاء القوم قد أرسلوا في مهمة خاصة، وأنهم يتلقون عن الله هكذا رأسًا بلا وساطة، ويبلغون علمًا خاصًا، وأنه بدعاء واحد يختفي الموجود، ويوجد المفقود! ! . .
[ ٥٣ ]
الفصل الثاني: طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا
في الفصل السابق علمنا أن التصوف في بدء نشأته قد جعل غايته ما عبر عنه إبراهيم بن أدهم (بالأثرة لله)، وأنه في سبيل ذلك يجب أن تتحقق مفارقة الدنيا والانخلاع منها، وعلى هذا الأصل كان تشريع ترك الزواج والتكسب، لأنهما من أسباب القعود عن تحقيق هذه الغاية. وهذا الإله الذي سعى المتصوفة الأولون ومن بعدهم إلى إثاره على كل شيء. لا يستمدون معرفته والعلم بذاته وأفعاله عن طريق الكتاب والسنة، وإنما عن طريق فتح أبواب السماء - على حد تعبيرهم - بالمجاهدة والسلوك الصوفي، لينكشف لهم وجه الحق، ويعلموه على حقيقته، وعندما نتتبع هذه العقيدة منذ ظهورها إلى أن اكتملت في صورتها النهائية، وحددت تحديدها الأخير، فإننا سنعلم الصورة الكاملة للعقيدة الصوفية في الرب ﷾، والجنة والنار، والرسالات والغيب كله.
أولًا: عبادة الله لذاته
زعم المتصوفة أن العبادة الحقة هي ما كانت دون طلب العوض من الله وأن يشهد فيها فعل الله لا فعل العبد، وأن من شاهد فعله في الطاعة فقد جحد، وقد استدلوا على ذلك بأدلة نذكرها فيما يلي:
١ - ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف) وهو الموسوعة الفقهية التي نشرها الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، وشهدا في مقدمة الكتاب بأنه أقدم ما كتب عن هذا العلم ورجاله وأدقه وأصفاه، أقول؛ قال الكلاباذي في بيان المعنى الحق للعبادة، وأنها لا تجوز في حق الصوفي أن تكون عن عوض، قال: " العوض ما لله عليك في العمل في قوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ " [التوبة: ١١١]، ولم يكمل الآية ثم
[ ٥٥ ]
قال: " لتعبدوه بالرق لا بالطمع " (ص١٤١) فرؤية الجنة عندهم معصية، وطلبها نقص في حق العابد ".
ولذلك قال (ص١٥٥): " دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حالك؟ قالت: والله ما أعرف لعلتي سببًا، غير أني عرضت على الجنة (هكذا) فملت بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار علي، فعاتبني فله العتبى ". ومعنى هذا أن مجرد ميل القلب إلى الجنة يعتبره المتصوفة ذنبًا يعاقبون عليه. وفي سبيل هذه العقيدة حول المتصوفة معاني الآيات والأحاديث إلى ما يريدون إثباته من ذلك. وهذه بعض أدلتهم التي أخذوها من الآيات والأحاديث:
١ - قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] . بهذا المقطع من الآية فقط يستدل الكلاباذي علي عقيدة القوم، ويقول: ليعبدوه بالرق لا بالطمع. ويقطع الآية عن نهايتها التي ترد فيها قوله، وهي قوله تعالى: ﴿بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] . فشراء الله لأنفس المؤمنين وأموالهم إنما كان بعوض وهو الجنة، وعمل المؤمنين كان سببًا للوصول إلى هذه الجنة، وإن كان غير مكافئ لها، ولكن لا يمنع هذا المؤمن أن يطمع في فضل الله ورحمته، ودخول الجنة، وأن يسعى إلى ذلك، بل هذا هو التعبد الصحيح.
٢ - قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ [الحاقة: ٢٤] . يقول الكلاباذي: " أي الخالية عن ذكر الله، لتعلموا أنه بفضله نلتم لا بأعمالكم " (ص١٤٢) فسر الخالية هنا بمعنى الخالية عن ذكر الله، أي لأنكم لم تذكروا الله في بعض الأيام استحق هذا مني أن أدخلكم الجنة، لتعلموا أنما دخلتموها بفضلي لا بعلمكم. وهذا تفسير خاطئ معكوس لمعنى الآية، فالله ﷿ يقول للمؤمنين يوم القيامة: كلوا واشربوا هنيئًا بسبب ما أسلفتموه في الأيام الخالية أي السابقة التي خلت. والذي أسلفوه هو العمل الصالح.
[ ٥٦ ]
٣ - استدل الكلاباذي أيضًا على هذه العقيدة بقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي: (الصوم لي، وأنا أجزي به) (هو جزء من حديث رواه بنحوه البخاري ومسلم (٣/١٥٧ و١٥٨ نووي) والترمذي (٧٦٤) عن أبي هريرة) قال: " قال أحد الكبراء: أي أنا الجزاء به " (ص١٤٣) .
وأحد الكبراء هذا هو الحلاج. وهذا تحريف لمعنى الحديث، ليوافق هذا المعتقد الباطل.
وقد يظن المسلم في عصرنا الحاضر أن هذه العقيدة في الجنة عقيدة سامية، وهي أن يعبد الإنسان الله، لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، ولكنها عقيدة غير صحيحة إذ هي مخالفة لعقيدة الكتاب والسنة.
فقد وصف الله حال الأنبياء في عبادتهم وتقربهم ودعائهم بأنهم كانوا ﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والرغب هو الطمع في جنة الله وفضله، والرهب هو الخوف من عقابه، والأنبياء هم أكمل الناس عقيدة وإيمانًا وحالًا.
وكذلك وصف ﵎ أكمل المؤمنين إيمانًا بقوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خروا سجدًا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧] .
فهؤلاء الذين ادخر الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لا شك أنهم أكمل الناس إيمانًا وحالًا، ومع ذلك فهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا: خوفًا من عذابه، وطمعًا في جنته. وآيات القرآن في هذا المعنى لا تحصى كثرة.
وأما السنة فلا حصر للأحاديث في ذلك، ومن أبلغها في الدّلالة على هذا
[ ٥٧ ]
الأمر قول أحد الأعراب للنبي ﷺ: والله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ فقال ﷺ: [حولها ندندن] (رواه أبو داود (٧٩٢ و٧٩٣) وابن ماجة (٩١٠) وأحمد (٣/٤٧٤ و٥/٧٤) وابن خزيمة، وصحح إسناده الألباني في (صفة الصلاة - ٢٠٢»، فإذا كان الرسول ﷺ يدندن بدعائه حول الجنة، فهل يتصور عقلًا وجود رجل أو امرأة أكمل منه ﷺ فيدعو الله ويعبده لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من نار؟ .
وهذه الحالة التي سعى المتصوفة إلى تحقيقها، أعني عبادة الله مجردة عن الطمع والخوف جرت عليهم البلايا: فقد سعوا إلى غاية أخرى بالعبادة وهي القول بالفناء في الرب، وجرهم هذا إلى الجذب، ثم جرهم هذا إلى الحلول، ثم جرهم هذا في النهاية إلى وحدة الوجود.
وفي هذا الفصل من الرسالة سنسوق إليك الأدلة على هذا التسلسل العقائدي.
وقد مر بك أن رابعة العدوية لما اشتكت، وعادها بعض المتصوفة زعمت أن ذلك بسبب غيرة الله عليها (هكذا) لأنها مالت بقلبها إلى الجنة. وإني لأتساءل: من أين لها أن تعلم حب الله لها وقبوله لعملها، فضلًا عن غيرته ﷾ عليها؟ وقد وصف الله ﵎ المؤمنين بقوله: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١] .
وقد سألت السيدة عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠] . فقالت يا رسول الله يسرقون ويزنون ويخافون؟ قال: (لا يابنة الصديق، ولكن يصومون ويصلون ويخافون
[ ٥٨ ]
أن لا يتقبل منهم) (رواه أحمد في (المسند - ٦/١٥٩ و٢٠٥) والترمذي في (سننه - ٢٠١/٢) وابن ماجه (٤١٩٨) وإسناده ضعيف: منقطع، عبد الرحمن بن سعيد بن وهب لم يدرك عائشة، كما قال الحافظ العسقلاني في (التهذيب) ولكن له عند ابن جرير (١٨/٢٦) طرقًا وشاهدًا موصولًا يتقوى به، وقد حسنه الألباني في (الصحيحة ١٦٢) .
فإذا كان حال المؤمن هو الخوف دائمًا من الله ﵎ حتى مع الطاعة، فمن أين لرابعة العدوية أن تعرف أن الله قد غار عليها؟ (العياذ بالله. .) لأنها مالت بقلبها إلى الجنة؟ أليس هذا القول من رابعة (إن صح نسبته إليها، وقد ذكر في أقدس كتب القوم وأنقاها باعترافهم) هو قول على الله بلا علم، وهو من اتباع خطوات الشيطان التي نهانا الله عنها بقوله: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إن لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٨: ١٦٩] .
[ ٥٩ ]
الفصل الثالث: التنفير من الطريق الشرعي للهداية
لما كان الدخول في الطريق الصوفي لا يشترط له التوجه إلى الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأتي أحيانًا عن طريق الهاتف، وأحيانًا بطرق أخرى سنعرفها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن القوم منذ نشأتهم رأوا أن علمهم الذي يحصلون عليه - في زعمهم - أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسنة مشغلة عن طريقهم ومسلكهم، وهذه بعض عباراتهم في ذلك:
أـ قال أبو يزيد البسطامي (مات سنة ٢٦١هـ ـ) ناعيًا على علماء الشريعة مفاخرًا لهم:
" أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات " (الفتوحات المكية ج١ - ص٣٦٥) .
ب - وهذا الجنيد يقول: " ما أخذنا التصوف عن القيل والقال " (طبقات السلمي ١٥٨) .
ج - ويقول أيضًا: " أحب للمبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث، وإلا تغيرت حاله: التكسب وطلب الحديث والتزوج، وأحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه " (قوت القلوب: ٣/١٣٥) .
د - وقال أبو سليمان الداراني: " إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في
[ ٦١ ]
طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا " (الفتوحات المكية ١/٣٧) .
وهذه أقوال قليلة مما نسب إلى القوم في وجوب ترك علم الشريعة، والانصراف إلى طريقهم الخاص في التلقي والكشف.
ولا يخفى على أي منصف يتقي الله ﵎ ويقول كلمة الحق أن هذه الأقوال كافية في هدم الشريعة الإسلامية، بل في هدم العمران كله، لأن الحضارة الإنسانية حتى المادية منها لا تقوم إلا على هذه الثلاث: العلم، وطلب الكسب والمعاش، والزواج. وحضارة الإسلام خاصة تقوم على هذه الثلاث، وتأمر بطلب علم الآخرة وهو علم الكتاب والسنة، وكذلك علم الدنيا وهو كل علم نافع لحياة الإنسان ورقيه في هذه الأرض.
ولم يكتف أهل هذا المنهج من المتصوفة بالتنفير من علم الشريعة والحديث بل جعلوا كشفهم، وما يزعمون نقله من العلم عن الله ﵎ حاكمًا على إسناد الحديث فيصححون ما شاؤوا من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة عند علماء الحديث والسنة، ويضعفون ما شاؤوا منها، وإن كانت ثابتة صحيحة حسب الموازين العلمية الدقيقة التي تعارف عليها علماء الحديث ومصطلحه، والتي هي بحق مفخرة الإسلام، فليس عند أمة من أمم الأرض قديمًا وحديثًا تثبت في النقل على النحو الذي درج عليه علماء هذه الأمة في التعرف على الحديث الصحيح من الضعيف، وبذلك - ولله الحمد - سلم دين الأمة من دخول أقوال الزنادقة والملاحدة فيه.
أقول عمد رؤساء المتصوفة إلى هدم الإسناد في الحديث، وهو مفخرة الإسلام بحق، وذلك عن طريق الحكم على الإسناد بعلمهم الخاص. يقول ابن عربي في رسائله:
" وربما قالوا (أي علماء الشريعة) إذا عاينوهم (أي عاينوا علماء الصوفية) يتكلمون بمواجيدهم مع أصحابهم: دين مكتوم، دين مشوم، وما عرفوا جهات الدين. وهؤلاء ما تكتموا بالدين فقط، وإنما تكتموا بنتائجه، وما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين أطاعوه، وبما صح عندهم من أحاديث الأحكام ما اتفق
[ ٦٢ ]
على ضعفه، وتجريح نقلته، وهم أخذوه عن الكشف (الكشف: هو انكشاف حجاب القلب ورؤيته أشياء من الغيب زعم الصوفية أنه يحصل لهم، ومراد ابن عربي هنا بالكشف الاتصال بالرسول، ومعرفة الحديث منه رأسًا (انظر الباب الخاص بالكشف الصوفي»، عن قائله صحيحًا، فتعبدوا به أنفسهم على غير ما تقرر عند علماء الرسوم، فينسبونهم إلى الخروج عن الدين، وما أنصفوا فإن للحق وجوهًا يوصل إليه منها هذا أحدها، ورب حديث قد صححوه واتفقوا عليه، وليس بصحيح عندهم من طريق الكشف، ويتركون العمل به مثل ذلك سواء " (رسائل ابن عربي: ص٤) .
ومعنى هذا كله أن للمتصوفة حكمهم الخاص على إسناد الحديث، فعن طريق الكشف يتصلون رأسًا بالنبي ويصححون الحديث أو يضعفونه! ! وبهذا الهجوم على قواعد علم الحديث تتهدم السنة، وتبقى ألعوبة في يد هؤلاء الذين يحكمون عليها بما شاؤوا وليس من ضابط يرجع إليه، ولا فيصل يحتكم إليه ما دام أن الكشف هذا علم غيبي، وقد يكون كشف هذا غير كشف ذاك.
أقول: لم يكتف المتصوفة بوضع الأصول على ترك العلم الشرعي والتنفير منه، بل أصلوا الأصول أيضًا لهدم علوم الشريعة وزوالها، وهذا أول معول من معاول الهدم، هدم الإسناد لمعرفة الحديث الصحيح من الضعيف.
ولم يكتف المتصوفة بالنهي عن العلم، بل جعلوا العلم عورة يجب أن تستر وتغطى، حتى إن شيخًا يرى مريدًا له، وقد سقطت منه محبرة، فيقول له: اخف سوأتك! ! (عن تلبيس إبليس لابن الجوزي ص٣٧٠)
وبعد أن وضع المتصوفة هذه القواعد لهدم العلم الشرعي والتنفير منه دعوا الناس إلى العلم الباطني الذي أطلقوا عليه اسم الحقيقة، وقالوا: إن طريق الوصول إليه هو الكشف والفتح الرباني والفيض الرحماني. لنعلم أنهم لا يعنون
[ ٦٣ ]
بالعلم الباطن إصلاح حال القلوب كما يزعم بعضهم، بل إنهم يعنون علمًا خاصًا يكشفون به حقائق يزعمون رؤيتها والتحقق بها. ولقد بالغوا في تفضيل هذا العلم، وتشديد التنكير على من نفاه أو خالفه. وقد كانوا يخفون هذا العلم والكشف في أول أمرهم، ويجعلونه من الأسرار والخصوصيات، ولكنهم سرعان ما أعلنوا عنه وكشفوه بعد أن تحولت دفة الناس إليهم.
[ ٦٤ ]
الفصل الرابع: القول بالحلول
لما كان طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا عند المتصوفة بل كان هذا هو طلب العامة والدهماء في زعمهم فإن المتصوفة جعلوا لهم أهدافًا أخرى غير ذلك وهو أن يكون كل منهم إلهًا وربًا يعلم الغيب كله كما يعلمه الله ﷾ ويتصرف في الكون كله كما يتصرف الله فيحيي، ويميت ويخفض ويرفع، ويعز ويذل. .
لقد أصبح الهدف الصوفي هو الوصول إلى مقام النبوة أولًا ثم الترقي حتى يصل الفرد منهم في زعمهم إلى مقام الألوهية والربوبية.
فهذا مثلًا أبو يزيد البسطامي وهو من أئمة القوم ومقدميهم، توفي سنة ٢٦١هـ - فهو من أعلام القرن الثالث في التصوف، وقد مر بك كلامه في شأن الرجل الذي استفتاه في أنه لا يجد في نفسه من علوم القوم شيئًا، فأفتاه بتلك الفتوى العجيبة. يذكر عن نفسه ما يأتي:
" رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا " (اللمع ص٤٦١) .
وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير وتأويل، والاعتذار عنه مشاركة لصاحبه في الباطل الذي يسعى إليه، ولنترك سيد الطائفة في وقته (الجنيد) يفسر كلام صاحبه أبي يزيد البسطامي يقول الجنيد في تفسير الكلام السابق:
[ ٦٥ ]
" هذا كلام من لم يلبسه حقائق وحدة التفريد في كمال حق التوحيد، فيكون مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله. . وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك، وليس المقارب للمكان بكائن فيه على الإمكان والاستمكان. . وقوله: ألبسني وزيني، وارفعني يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه " ا. هـ (اللمع ص٤٦١) .
وبالطبع لن يستطيع أحد أن يفهم شرح الجنيد لكلام صاحبه أبي يزيد إلا من فهم عقيدة القوم، وعرف محتواها على الحقيقة. وإليك شرح كلامه حتى كأنك تحسه وتراه إن شاء الله.
أقول: حكم الجنيد على صاحبه أبي يزيد بأنه لم يصل بعد إلى كمال حقيقة التفريد (ومعنى التفريد أن يعتقد الصوفي أنه ما تم في الحياة إلا فرد واحد، هو الله، تعددت وجوداته بحسب ما يظهر للناس، ولكن الحق واحد! ! ولذلك قال عن أبي يزيد: " هذا كلام من لم يُلبسْهُ (أي الله تعالى) حقائق وحدة التفريد "، أي لم ير غير الله غيرًا كما مر من كلام الحلاج. . ولذلك قال عنه أيضًا بأنه لو رأى التفريد على الحقيقة لكان مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله، فقد سأل البسطامي ربه أن يلبسه أنانيته، ويرفعه إلى أحديته. . ولو كان متحققًا من القول بوحدة الوجود لم يقل ذلك، ولم يطلبه، لأنه سيعلم يقينًا أنه هو الله. . ولذلك رآه الجنيد بسؤاله هذا مقاربًا للحقيقة الصوفية النهائية، فقال: " وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك. . " ثم شرح هذا القول بقوله:
" وقوله ألبسني وزيني وارفعني: يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه " أي فهذا مكان أبي يزيد في فهم الحقيقة الصوفية، ولم يصل بعد إلى فهمنا على الحقيقة.
فانظر أيها الأخ المنصف أين كان الجنيد سيد الطائفة الصوفية من قضية التوحيد في الإسلام. .
ولم يكن حكم الجنيد على أبي يزيد البسطامي في قوله السابق منفردًا به، بل حكم بهذا الحكم صاحبها الشبلي الذي كان أوحد القوم حالًا كما قالوا.
[ ٦٦ ]
وروى صاحب اللمع الحكاية الآتية (ص٧٤١): " حكي عن الشبلي ﵀. . أنه سئل عن أبي يزيد البسطامي ﵀. وعرض عليه ما حكي عنه مما ذكرناه وغير ذلك، فقال الشبلي ﵀: لو كان أبو يزيد ﵀ ها هنا لأسلم على يد بعض صبياننا. .، وقال: لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشددت الزنانير ".
فانظر كيف حكم الشبلي على أبي يزيد بأنه لا يصلح تلميذًا له، بل لو كان موجودًا معه الآن في وقته لأسلم على يد بعض صبيان الشبلي. . وأنا أجزم الآن أنه يقصد بهذا الإسلام أن يعلمه أنه لا موجود إلا الله. . ولذلك قال بعد ذلك: " لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشدد الزنانير " ومعنى شد الزنار أن يلبس لباس أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس، لأنه كان يعتقد - بما لبس على الناس - أن أحدًا من معاصريه لا يفهم ما يشير إليه بهذه الأقوال. . وهذا حق، لأن القوم ليسوا على الناس بما ادعوه من الصلاح والتقوى ومحبة الله ورسوله. وقد مر بك أن هذا الشبلي كان سمينًا بدينًا، ومع ذلك كان يزعم أنه يحمي المرود ويكتحل به حتى لا ينام.
ومما يدلك على ما جزمت به سالفًا من تفسير قول الشبلي الآنف ما فسر به أيضًا الجنيد حال أبي يزيد البسطامي قائلًا:
" إن أبا يزيد ﵀. . مع عظم حاله، وعلو إشارته لم يخرج من حال البداية، ولم أسمع منه كلمة تدل على كمال النهاية " (ص٤٧٩) .
فانظر وتيقن الآن معتقد القوم الذين يشهدون على البسطامي بأنه لم يجاوز حال البداية، وهو الذي قال الأقوال السالفة. . ولا غرو في ذلك ما دام الشبلي يقول عن نفسه لأبي عبد الله بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن يخرج من عنده هو وبعض زملائه: " مروا أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي " (ص٤٧٨) .
فالذي وصل إلى هذه النهاية لا شك أنه يحكم على كلام البسطامي أن ما جاوز البداية. .
وقد يظن ظان أن الجنيد كان دون الشبلي في هذه الأقوال، وهذا من
[ ٦٧ ]
الجهل والغفلة، وعدم تتبع القضية الصوفية، والغوص على مغاليقها وأسرارها، والأمر على غير ذلك، فالجنيد كان أسبق أولئك القوم إلى العقيدة الصوفية، وأعلم الناس بها، ويدلك على هذا أن الشبلي يسأله يومًا، فيقول له: يا أبا القاسم ما تقول فيمن كان الله حسبه قولًا وحقيقة؟ فقال الجنيد ﵀. . يا أبا بكر (وهي كنية الشبلي) بينك وبين أكابر الناس في سؤالك هذا عشرة آلاف مقام، أوله محو ما بدأت به (اللمع ص٤٨٧) .
فانظر كيف سأل الجنيد عن حقيقة من حقائق الإسلام، وهي أن يكون الله حسب المرء في اعتقاده وقوله وكل شؤونه، أي أن يعتقد المسلم أن الله كافيه في كل ما يهمه ويشغله، وهذا من كمال التوحيد كما قال تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال الرسول ﷺ عندما قيل له: إن قريشًا عزمت أن ترجع لتستأصل شأفة المسلمين بعد هزيمة أحد قال ﷺ: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي الله كافينا ومنجينا ﷾. انظر كيف حكم الجنيد على هذه الحقيقة الشرعية بأن سؤال الشبلي عنها يدل على أن بينه وبين أكابر الناس أي (كبراء الصوفية) عشرة آلاف مقام، أول هذه المقامات محو هذه الحقيقة الشرعية التي بدأ الشبلي بالسؤال عنها. .
[ ٦٨ ]
الفصل الخامس: القول بوحدة الوجود
لما بدأ القول بالحلول، وجعل المتصوفة غايتهم من التصوف أن يتشبهوا بصفات الله في زعمهم فيكون أحدهم إلهًا يعلم كل شيء، ويتصرف في كل شيء فإن هذا الحال استمر بهم حتى وصلوا في النهاية إلى القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء إنما هو الله وأن الله هو الذي في الكون وحده وليس هناك شيء آخر معه.
ومصطلح وحدة الوجود يعني في العقيدة الصوفية أنه ليس هناك موجود إلا الله فليس غيره في الكون، وما هذه الظواهر التي نراها إلا مظاهر لحقيقة واحدة، هي الحقيقة الإلهية (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا)، هذه الحقيقة التي تنوعت وجوداتها ومظاهرها في هذا الكون المشاهد، وليس هذا الكون - في هذه العقيدة الباطلة - إلا الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك.
وقد رأينا كيف عبر الحلاج عن هذه العقيدة بكل صراحة ووضوح فيما نقلناه عنه آنفًا، وكيف عبر عنها الشبلي بشيء من التعمية واللف والدوران، وكيف جاءت في الكلام المنسوب إلى الجنيد في شيء من الحذر والحيطة.
ولقد استمرت هذه العقيدة معلومة عند أناس مخصوصين فقط بلغوا النهاية في الطريق الصوفي، ولكنهم لم يعبروا عنها إلا بتعبيرات ملفوفة غامضة، لا يفهمها إلا من سار سيرتهم، وذاق ذوقهم، وكشف غوامض كلامهم.
ولكن القرن السادس الهجري شهد في أواخره، وبداية القرن الذي يليه رجلًا عجيبًا استطاع أن يصوغ هذه العقيدة صياغة كاملة، ويضرب لها آلاف الأمثلة، ويبني عليها فروعها المختلفة في الاعتقاد والتصور، ويؤلف فيها عشرات الكتب، ذلك الرجل هو محيي الدين بن عربي المتوفي سنة ٦٣٨هـ
[ ٦٩ ]
ـ نشأ هذا الرجل في الأندلس، واستقر به المقام في الشام، ورمي بالكفر والزندقة والإلحاد والكذب، ولكن عقيدته ومذهبه وجدت المشيعين والمروجين الذين استطاعوا أن يرفعوه - كما رفع نفسه - إلى مرتبة الولاية، بل إلى ختم الولاية ومرتبة المشيخة الكبرى وإحياء الدين.
وبالرغم من أن ابن عربي هذا قد زعم أنه نقل علمه وكتبه عن الرسول ﷺ مباشرة، وكتب عن اللوح المحفوظ بلا وساطة، وصاغ عقيدة وحدة الوجود بكل جرأة وبلا مواربة، بل بقليل من التدليس والمراوغة، واستطاع أن يحرف آيات القرآن فيزعم أن قوم هود الكافرين كانوا على الصراط المستقيم، وأن فرعون كان مؤمنًا كامل الإيمان، وأن قوم نوح كانوا مؤمنين، فجازاهم الله بأن أغرقهم في بحار الوحدة، وأدخلهم نار الحب الإلهي ليتنعموا فيها، وأن هارون أخطأ لأنه نهى بني إسرائيل عن عبادة العجل، وما كان العجل إلا المعبود الحق، أو صورة من صور المعبود الحق، وأن قوم نوح أصابوا في عدم تركهم ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا لأنها مظاهر للإله الواحد، وأن النار عذوبة لا عذاب، وأنه ما من إنسان إلا مرحوم مرضي عنه، وأن الله لا يعلم شيئًا قبل وجوده، لأن وجود الشيء هو وجود العلم، بل وجود كل شيء هو ترجمة لوجود الله (تعالى الله عن ذلك) أقول: بالرغم من أن ابن عربي قال هذا الكلام كله، بل هذا جزء يسير جدًا مما قاله، فإنه أدعى بأن كل ذلك قد نقله بلا زيادة ولا نقصان عن الرسول الذي أمره بتبليغ ذلك للناس، وبالرغم أيضًا من كل ذلك فقد وجد هذا الرجل من المروجين والأتباع ما لا يقع تحت الحصر منذ ظهوره إلى زماننا هذا، ومن أمة الإسلام الذين يشهدون في كل يوم مرات كثيرة بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا من أعجب العجب.
وهاك الآن نقولًا صوفية من كتبه تدلك على هذه العقيدة.
١ - قال في مطلع كتابه " فصوص الحكم " وهو الكتاب الذي جعله خاتمة لأعماله جامعًا لعقيدته: " أما بعد فإني رأيت رسول الله ﷺ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده
[ ٧٠ ]
ﷺ كتاب، فقال لي: هذا " كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا " ثم يقول:
فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي الرسول ﷺ من غير زيادة ولا نقصان " (الفصوص، ص٤٧، طبع بيروت. تحقيق: أبو العلاء عفيفي) .
ويقول في مكان آخر بعد أن ذكر مواضيع الكتاب: " فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب، فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حد لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإن الحضرة تمنع من ذلك " (ص٥٨) .
ويقول أيضًا في " فص حكمة علوية في كلمة موسوية ": " وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب " (ص٥٨) .
وهذه النقول من مقدمة الكتاب ومن ثناياه تعلمك إصرار الرجل أنه ينقل عن الله مباشرة بل مشافهة، وعن اللوح المحفوظ رأسًا، وعن الرسول الذي أمره في تلك الرؤيا المزعومة أن يخرج على الناس بهذا الكتاب، فماذا في هذا الكتاب من العلم بالله ورسالاته والهدى والنور؟ لننظر.
٢ - يزعم ابن عربي أن قوم نوح أجابوا رسولهم إجابة حقيقية، وأن نوحًا مكر بهم فمكروا به، وأن تمسكهم بآلهتهم إنما هو تمسك بحق أراد نوح أن يزيلهم عنه، وهاك نص عباراته في ذلك:
" علم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ﵇ في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه. .، دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه ﷺ. لذلك ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾ [نوح: ٧] . وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك.
[ ٧١ ]
قال نوح في حكمته لقومه: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١١] . وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، ﴿ويمددكم بأموال﴾ [نوح: ١١] . أي بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرفه، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف " (ص٧١) .
فانظر كيف جعل المطر والخصب الذي هو نتيجة للصلاح والتقوى والإيمان والاستغفار والمعارف العقلية. . وكيف جعل الأموال أي ما يميل بهم إليه فيرون صورتهم فيه، وهذه هي وحدة الوجود، ولذلك يقول بعدها: " فمن تخيل أنه رآه فما عرف وأما من رأى نفسه فهو العارف ".
ثم يقول: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾ [نوح: ٢٢] . لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، أدعو إلى الله فهذا عين المكر، فأجابوه مكرًا كما دعاهم (ص٧٢)، فانظر كيف جعل الدعوة إلى الله مكرًا بالمدعوين، بل عين المكر ثم بين نوع المكر الذي قابل قوم نوح نوحًا، فيقول: " فقالوا في مكرهم: لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودًا ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق ونسرًا، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله. .، فما عبد غير الله في كل معبود " (ص٧٢) .
وبهذا يجعل ابن عربي تلك الآلهة الباطلة التي عبدها قوم نوح آلهة حقة، لأنها في زعمه وجه من وجوه الحق.
ثم يقول مكملًا تبديل آيات الله: ﴿ولا تزد الظالمين﴾ [نوح: ٢٤، ٢٨] . لأنفسهم (المصطفين) الذين أورثوا الكتاب أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق ﴿إلا ضلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . إلا حيرة " (ص٧٣) .
وهنا يجعل ابن عربي قول الله في شأن قوم نوح: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . وهو الدعاء الذي دعا به نوح على قومه، يجعل ابن عربي هذا الظلم كالظلم الذي وصف الله به طائفة من الذين أورثهم الكتاب حيث قال: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ فيجعل هذا الظلم كذاك الظلم،
[ ٧٢ ]
وهذا غاية التلبس والثعلبية.
ثم يقول ابن عربي: ﴿مما خطيئاتهم﴾ [نوح: ٢٥] . فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله. ﴿فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا﴾ [نوح: ٢٥] . فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد " (ص٣٣)، ثم يحرف قول الله تعالى: ﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾ [نوح: ٢٧] . قائلًا: " أي يحيروهم، فيخرجوهم من العبودية إلى ما هم فيه من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أربابًا بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدًا، فهم العبيد الأرباب " (ص٧٤) .
فيجعل ضلال قوم نوح إنما هو حيرة، لأنهم عرفوا أسرار الربوبية، وأن كل موجود هو الله، فأصبحوا بذلك أربابًا عند أنفسهم. .
ثم يحرف كلمات الآية الباقية فيجعل ﴿رب اغفر لي﴾ [نوح: ٢٨] . وهو بقية كلام نوح أي استرني، ﴿ولوالدي﴾ [نوح: ٢٨] . يعني العقل والطبيعة و﴿لمن دخل بيتي﴾ [نوح: ٢٨] . يعني قلبي، ﴿وللمؤمنين﴾ [نوح: ٢٨] . أي العقول. ﴿والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨] . أي النفوس ﴿ولا تزد الظالمين﴾ [نوح: ٢٨] . أي أهل الغيب، ﴿إلا تبارًا﴾ [نوح: ٢٨] . أي هلاكًا، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم، ثم يقول بعد ذلك: " ومن أراد أن يعرف أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك نوح، وهو في (التنزلات الموصلية) لنا والله يقول الحق " ا. هـ (ص٧٤) .
٣ - لم يكتف ابن عربي بتصحيح موقف قوم نوح الضالين المكذبين، بل عمد إلى جميع كفار الأرض فجعلهم مؤمنين موحدين عارفين واصلين، وعمل إلى المسلمين فجعلهم مؤمنين بجزء من الحق فقط كافرين بأجزاء أخرى، ولم ينس ابن عربي فرعون اللعين الذي لم تعرف الأرض قبله أكفر منه ولا أظلم، فجعله من المؤمنين الموحدين الفائزين بالجنة حيث يقول:
" ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . أي وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا ربكم الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه، بل أقروا له بذلك، فقالوا: ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ [طه: ٧٢] . ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] . فالدولة لك، فصح قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . (ص٢١٠، ٢١١) .
[ ٧٣ ]
وهذا الكلام واضح ووازنه بكلام الحلاج الآنف في شأن فرعون، لتعلم وحدة العقيدة التي دعا إليها هؤلاء الأقوام. بقي أن تعلم إشاراته الخبيثة في كلامه، نحو: أن فرعون كان الخليفة بالسيف، ويعني بالخليفة قول الله لداود: ﴿إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ [ص: ٢٦] . فيقيس الخلافة الشرعية النبوية على الملك المتسلط الفاجر، ثم شريعة موسى عُرفًا، أي ما يعرفه موسى، ولذلك اتهم بعض الصوفية الآخرين موسى ﵇ بالجهل، وفرعون بالعلم والمعرفة، فقال: كان فرعون أعلم بالله من موسى، لأنه عرف حقيقة الحق، وأما موسى فما عرف إلا وجهًا واحدًا، ولم يعرف أن الكل أرباب وأنهم مخلوقون في نفس الوقت، فالإنسان عندهم هو الحق والخلق، كما سيأتي بالنص إن شاء الله من كلام ابن عربي، ولذلك قال ابن عربي معللًا كلمة فرعون: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . أن الكل أرباب بنسبة ما؛ وفرعون أعلى من هؤلاء الأرباب، لأنه الملك المطاع في ذلك الوقت.
وعلى هذا فقد حكم له بالإيمان والجنة زاعمًا أنه آمن عندما رأى انفلاق البحر لبني إسرائيل، فنجاه الله من العذاب الآخروي، وعمته النجاة حسًا ومعنى، وأنكر على من يقول: إنه من المعذبين قائلًا: " ليس لديهم نص في هذا المعنى "، مع العلم أن الله يقول عنه: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ [هود: ٩٦ - ٩٩] .
وما غاب هذا النص عن ابن عربي، ولكنه التلبيس والثعلبية والمكر، ومخالفة سبيل المؤمنين من أولهم إلى آخرهم.
وعلى هذه العقيدة الباطلة أيضًا صحح ابن عربي موقف السامري، وصناعته للعجل الذي فتن به بنو إسرائيل، فعبدوه من دون الله، وخطّأ ابن عربي هارون ﵊، لأنه ما عرف الحق، وأنكر على بني إسرائيل، وزعم ابن عربي أن موسى عرف الحق وأنكر على السامري أن يحصر
[ ٧٤ ]
الإله في شيء واحد فقط، لأن عين كل شيء هي عين الإله، وهي عين الحق - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.
يقول ابن عربي في ذلك: " ثم قال هارون لموسى ﵇: ﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل﴾ [طه: ٩٤] . فتجعلني سببًا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعًا للسامري وتقليدًا له، ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه أن الله قضى ألا يعبد إلا إياه. . وما حكم الله بشيء إلا وقع. . فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء " ا. هـ (الفصوص ص١٩٢) .
فانظر كيف زعم الخبيث أن موسى علم أن أصحاب العجل ما عبدوا إلا الله، لأن الله قال: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣]، فجعل هذا القضاء قضاء كونيًا قدريًا، وأن الله ما حكم بشيء إلا وقع، ومعنى هذا عنده أن كل معبود في الأرض إنما هو الله، وما عبد الإنسان شيئًا حجرًا أو غيره إلا عبد الله، مستدلًا بالآية السالفة بمعنى حكم وأمر، وهذا الحكم والأمر حكم شرعي، فمن هداه الله ووفقه إليه امتثله. ومن اتبع سبيل الغواية والشيطان انحرف ومال عنه، كبقية الأوامر الشرعية، نحو وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ونحو قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦] . وقد خالف قضاء الله وأمره كثير من الكفار والملاحدة والجاحدين، وخالف بعض المؤمنين بعض ما قضى الله به ورسوله، وكثيرًا مما أمر به.
وها قد رأيت أن ابن عربي ختم عبارته بقوله: " فالعارف من يرى الحق
[ ٧٥ ]
في كل شيء، بل يراه عين كل شيء " وهذا منتهى العقيدة الصوفية، والفارق هو الاصطلاح الصوفي لمن تحقق من هذه العقيدة الخبيثة، ووصل النهاية في هذا العلم الخبيث (والحق) هو الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك وسبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم يتمم ابن عربي شرح عقيدته الباطلة، فيحرف معنى قول الله تعالى: ﴿فما خطبك يا سامري﴾ [طه: ٩٥] . قائلًا: " يعني فما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص " ا. هـ أي لماذا خصصت العجل فقط بكونه إلهًا، والحال في هذه العقيدة أن كل شيء هو الله، ولذلك حرق موسى العجل حتى لا يحصر الإله في شيء واحد - تعالى الله عن ذلك - ثم يستطرد الخبيث قائلًا: " وقال له: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ [طه: ٩٧] . فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم أنه بعض المجالي الإلهية " ا. هـ.
فانظر كيف زعم أن قول موسى للسامري: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ [طه: ٩٧] . أن هذا اعتراف موسى بألوهية العجل، لأنه بعض الأشياء التي يتجلى فيها الرب (سبحانك هذا بهتان عظيم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) .
ثم يفلسف ابن عربي عدم تسلط هارون على نسف العجل وإحراقه، وكون موسى هو الذي سلط على ذلك، زاعمًا أن هذا كان ليعبد الله في كل صورة، والعجل هو إحدى هذه الصور التي يجب عنده - لعنه الله - أن يعبد الله فيها، ويحرف في ذلك قول الله تعالى: ﴿رفيع الدرجات﴾ [غافر: ١٥] . فلله درجات يعبد فيها، وكل صنم وإله عبد في الأرض، فهو إحدى درجات الله في زعمه - تعالى الله عن ذلك - ثم يجعل عبادة الهوى أعظم هذه الدرجات وأسماها. وهاك نص عبارته في ذلك: " فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود، ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية " ثم يقول " وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في
[ ٧٦ ]
قلبه، وكذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل. . رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيًا عبد فيها، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه (الهوى) كما قال: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به. . ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول:
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى "
(الفصوص ص١٩٤)
ثم يقول بعد ذلك: " والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهًا مع اسمه الخاص بحجر أو شجر، أو حيوان أو إنسان، أو كوكب أو ملك " (الفصوص ص١٩٥) .
ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] . غير منكرين لله، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور، ونسبوا الألوهية إليها، ثم يزعم أن الرسول محمد ﷺ قد جاء داعيًا لهم إلى إله يعرف، ولا يشهد. . ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلًا: " فدعا (أي الرسول محمد ﷺ) إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة. . ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في صور فلا بد منها، ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت. . " ا. هـ ثم يقول مستهزئًا بعقول الجاهلين: ﴿وعلى الله قصد السبيل. .﴾ [النحل: ٩] .
وأظنك أيها القارئ قد فهمت الآن العقيدة التي دعا إليها ابن عربي
[ ٧٧ ]
والإله الذي تخيله، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري في جميع الموجودات، بل الموجودات هي صورته الظاهرة. . وهي عينه (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) ولم يكتف أن ينسب هذا إلى نفسه، ومن شايعه، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسى ومحمد، بل وجميع الأنبياء والمرسلين الذين عرفوا الأمر على حقيقته، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين الحق، والرسالة الصحيحة، وأنه نقل فقط، وما تصرف في شيء، بل سار في حدود ما أمر به، ولم يزد حرفًا واحدًا.
٤ - ولم تستطع عقبة أن تقف أمام ابن عربي لترده إلى صوابه، وليعلم العقيدة الحقة، ولكنه مضى في شوط التلبيس والتخطيط إلى منتهاه.
وكانت من هذه العقبات العقيدة في النار: جهنم التي أعدها الله للكافرين، والتي يصطرخون بها: ﴿ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] . والتي يتمنون فيها الموت، بل يكون هو منتهى آمالهم وغاية مطلبهم ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] . فيرد عليهم مالك قائلًا ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧]، جهنم التي يدعو أهلها على أنفسهم بالويل والثبور، ويرد الله عليهم قائلًا: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] لأنه لا استجابة لهم، ولا خروج منها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وآيات كثيرة في وصف جهنم، وبشاعتها وحرقتها، وعذاب أهلها بها، كل هذه الآيات لم تمنع ابن عربي الذي حكم لقوم نوح بالمعرفة والإيمان، ولقوم فرعون ولكفار مكة كذلك، بل لكل كافر على الأرض أنه ما عبد إلا الله في صورة من الصور، أقول: كذلك هذه الآيات لم تمنع ابن عربي أن يحكم لأهل النار بالنعيم المقيم، والسعادة والهناء.
[ ٧٨ ]
وأين ذلك؟ . . في النار نفسها، هذه النار التي وصفها الله بما وصف، ووصف أهلها بما وصف. . هذه النار دار سعادة عند ابن عربي، لا دار شقاوة وعذاب، بل دار عذوبة وهناء. وهاك نص عبارته في ذلك:
" وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ** على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد، فالأمر واحد** وبينهما عند التجلي تباين
يسمى عذابًا من عذوبة طعمه** وذاك له كالقشر والقشر صاين
(الفصوص ص٩٤)
فانظر كيف جعل نعيم النار كنعيم الجنة، لأن الأمر واحد في زعمه، وأن العذاب من العذوبة، وأن النار قشرة تخفي وراءها النعيم المقيم لأهل النار.
ويقول أيضًا: " فمن عباد الله من تدركه تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه إنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إما بفقد ألم كانوا يجدونه، فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم. . أو أن يكون النعيم مستقلًا زائدًا كنعيم أهل الجنان والله أعلم ". انتهى (الفصوص ص١١٤) .
ومع أنه تناقض هنا مع ما قرره في أبياته السابقة، وقال: يكون النعيم لأهل النار بفقد آلام سابقة، أو بحصول لذة ومتاع بالنار كنعيم الجنة و(أو) تقتضي الشك، ولذلك قال: والله أعلم، مع العلم أنه قال في مطلع الكتاب وفي ثناياه أنه ينقل عن الله بلا زيادة ولا نقصان. . فانظر هذا التهافت والتخبط والعمى. . نعوذ بالله من الخذلان.
أقول مع هذا يعود ويقرر دون شك أن النار ستكون بردًا وسلامًا على أهلها، كما كانت نار إبراهيم بردًا وسلامًا عليه، يقول في (الفصوص ص١٦٩): " وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار. . إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فينعم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ﵇ تعذب برؤيتها.
[ ٧٩ ]
وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان " ا. هـ.
٥ - أظنك أيها القارئ الكريم قد عرفت الآن فرعيات هذه العقيدة الصوفية الباطلة، ولمزيد من هذه المعرفة والتوضيح سأنقل إليك بيانًا واضحًا من كلام ابن عربي أو الشيخ " الأكفر أو الأكبر " كما يسمونه، مما تتصور به هذه العقيدة، ويكفي في إبطالها أن تتصورها، فهذه العقيدة لا تحتاج إلى رد يبطلها، وإنما تصورها تصورًا صحيحًا يكفي لبطلانها. فما عرف البشر في تاريخهم الطويل كفرًا وإلحادًا أعظم من هذا الكفر؛ فإن الله ﵎ استعظم مقالة من قالوا: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ [البقرة: ١١٦] . ﷾ عن ذلك قائلًا: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٤ - ٥] .
وقال جل وعلا: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] .
فإذا كانت السماوات تكاد تنفطر من تلك المقالة الخبيثة، بل وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا، فكيف بمن ينسب كل شيء خبيث في الأرض إلى ذات الله، بل جعله عين الله؟ ! . . فالذين نسبوا لله ولدًا نسبوا شيئًا صالحًا كنبي أو ملك، أما الذي جعل الله عين كل شيء. .
أقول: إن تصور هذه العقيدة يكفي لبطلانها عند من له أدنى حس أو شعور، ولا أقول عقل ولب، فالقضية لا تحتاج معقولية لردها، وإنما تحتاج قليلًا من الإحساس والشعور، والحياء والخجل، وقد لبّس هؤلاء الشياطين على الناس زاعمين أن كلامهم لا يفقهه إلا من ذاق ذوقهم، ووجد وجدهم، وعرف معرفتهم، هأنا ذا أعطيك مفاتيح هذه المعارف الباطلة، والذوق الخبيث، والوجد اللعين، لتعرف الأمر عندهم على ما هو
[ ٨٠ ]
عليه، ولذلك فسأسرد لك طائفة أخرى من الشرح التفصيلي لهذه العقيدة، وكل هذا الشرح من كلام القوم حتى لا يبقى عندك في الحق لبس، ولتعلم أيضًا أن من زعم منهم أن هذا الكلام المنقول عن أساتذة الضلال إنما هو شطح فقط، وغلبة حال فزعمه باطل، لأن الأمر ليس شطحًا، وإنما هو عقيدة فلسفية مقررة مشروحة في عشرات الكتب، وأن كل آي القرآن قد حرفوها واستدلوا بها، ليغيروا عقيدة المسلمين الحقة في إلههم ﷾، الذي يتصف بصفات الكمال، والذي لا يشبه أحدًا من خلقه، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولمن يكن له كفوًا أحد.
يقول ابن عربي شارحًا عقيدته مستدلًا عليها بالحديث الموضوع: " من عرف نفسه عرف ربه " قال: " قال ﵇: " من عرف نفسه عرف ربه "، وهو أعلم الخلق بالله، فإن بعض الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يعرف الإله من غير نظر في العالم، وهذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو الدليل عليه، ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس سوى تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا، ثم يأتي الكشف الآخر، فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا " ا. هـ (الفصوص ص٨١، ٨٢) .
فهنا قد أنكر ابن عربي على أبي حامد وبعض المتصوفة الآخرين الذين قالوا: إن الحق لا يشترط لمعرفته النظر في الكون، بل قد يأتي ذلك عن طريق الكشف رأسًا دون استدلال بالكون المشاهد على الخالق ﷾. وقال ابن عربي: " إن هذا لا يكفي إلا لمعرفة ذات قديمة أزلية، ولكن لا بد من النظر في الكون لتعلم أن الذي تشاهده هو الحق، وهو الدليل على الحق، أي أن الصور المشاهدة في الكون هي الله، وهي الدليل عليه، ثم يأتي بعد ذلك الكشف الآخر الذي يتحقق الإنسان فيه من نفسه أيضًا بأنه نفسه صورة من صور الحق، فعند ذلك يعرف نفسه، فيعرف ربه، يعرف نفسه أنه
[ ٨١ ]
الله، فيعرف الله أنه كل موجود. . "
ولم يكتف ابن عربي بأن يتبع أسلوب الثعالب في اللف والدوران والمراوغة، بل اتبع أيضًا أسلوب الاستفزاز لكل مؤمن، والنيل من عقيدة الإسلام بكل احتقار واستهزاء، ويدلك على ذلك أن اسم الله ﷿ (العلي) يفهم منه سلف الأمة وعلماؤها الأفاضل أن المقصود به العلو الحقيقي المستلزم مباينته تعالى لخلقه، والعلو المجازي الذي هو علو المكانة، فالله علي بذاته ﷾ لأنه فوق عرشه، والعرش سقف المخلوقات كما مدح نفسه بذلك في سبع آيات من كتابه الكريم، وكما قال مالك بن أنس:
" الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وأما المكانة فمنزلة الله ﷿ فوق كل منزلة، فهو العلي العظيم ﷾، والخالق القوي القدير، وما سواه معبود مربوب مقهور، فحتى العلماء الذين نفوا عن الله العلو الحقيقي، وأثبتوا علو المكانة فقط ما نفوا عن الله هذه الصفة، ولكن انظر إلى ابن عربي كيف فهم هذه الصفة، وطبقها حسب عقيدته الباطلة:
قال (الفصوص ص٧٦ - ٧٧): " ومن أسمائه الحسنى العلي، على من. . وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته. أو عن ماذا. وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى المحدثات هي العلّية لذاتها، وليست إلا هو، فهو العلي، لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات، والعين واحدة من المجموع في المجموع، فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية، وليس إلا العين الذي هو الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة، فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة، لذلك نقول في: هو لا هو، أنت لا أنت، قال الخراز (﵀ تعالى) وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن،
[ ٨٢ ]
فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات ".
فانظر استهزاءه باسم الله (العلي) حيث يقول: على من؟ وعن ماذا؟ وليس في الوجود غيره، فهو المحدثات، بل هو المسمى أبو سعيد الخراز، وأبو سعيد هذا أحد أئمة القوم في القرن الثالث الهجري. .
وانظر كيف جعلوا العلو إنما هو لبعض المحدثات على بعض، وما دام أن جميع المحدثات هو الحق، وهو الله عندهم، فلا يوصف الله بالعلو إضافة أبدًا، لأنه ليس شيء غيره في الكون، ولكن يوصف - عندهم - بالعلو لذاته فقط.
ولا يتورع ابن عربي مع ذلك أن ينسب ما في الوجود من شر وقبائح وظلم وسفك دم إلى الله، بل يجعل كل ذلك هو الله فيقول: " فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية، حيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة " (الفصوص ص٧٩) .
فانظر كيف جعل مسمى الله يستغرق جميع الأمور الوجودية، سواء كانت ممدوحة في العرف والعقل والشرع، أم كانت مذمومة في العرف والعقل والشرع، وليس هناك كفر على الأرض أكبر من هذا الكفر، بل ليس هناك وقاحة وسوء أدب مع الله أعظم من هذا، فاللهم رحمتك بنا ونقمتك بأولئك، أبعدهم الله. .
ولقد كرر هذا المعنى كثيرًا في كتابه فقال أيضًا: " ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ " (الفصوص ص٨٠) .
ولم يكتف بهذا القول المجمل، بل فصل ذلك أيضًا حيث جعل الكبش الذي أنزله الله فداءً لإسماعيل من الذبح هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.
[ ٨٣ ]
قال ابن عربي:
فيا ليت شعري كيف ناب بذاته** شخيص كبيش عن خليفة رحمان
(الفصوص ص٨٤) .
فوقتًا يكون العبد ربًا بلا شك** ووقتًا يكون العبد عبدًا بلا إفك
فإن كان عبدًا كان بالحق واسعًا** وإن كان ربًا كان في عيشة ضنك
(الفصوص ص٩٠)
بل لم يكتف بهذا أيضًا حتى زعم أن الحق لا يشهد أتم شهود، ولا يعرف حق المعرفة إلا في المرأة. . حال اللذة والشهوة. . وهاك نصوص عباراته القبيحة في ذلك، ووالله لولا وجوب بيان هذا الباطل وتحذير الأمة منه ما كان لي أن أخط قلمًا بهذا الإثم والفجور، ولكن ما حيلتنا وبين أظهرنا من يدافع عن هذا الباطل، ويعتقد الولاية لقائليه، بل ويكفّر من تعرض لهذا الإثم والفجور، ويرميهم بالكفر والزندقة، وهؤلاء الضالون قد ملؤوا أكبر المراكز الدينية في بلادنا، واتبعهم عوام الناس دون وعي منهم بما خلف هذه العمائم الفارغة، والشهادات الزائفة من الإثم والفجور والباطل؟ !
هذا ابن عربي سيد الصوفية وشيخها من لدنه إلى هذا يفسر حديث الرسول ﷺ: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) فيقول:
" اشتق الله من الإنسان شخصًا على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه، فحببت إليه النساء، فإن الله أحب من خلقه على صورته، وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلو نشأتهم الطبيعية، فمن هناك وقعت المناسبة والصورة أعظم مناسبة، وأجلها وأكملها " (الفصوص ص٢١٦) .
وقبل أن نستطرد في النقل عن ابن عربي أشرح لك الإفك الذي أفكه
[ ٨٤ ]
هنا، فقد زعم أن الإنسان أحب المرأة، لأنها جزء منه ولا مانع في ذلك، وقد يكون هذا قولًا صحيحًا، ثم قاس على هذا أن الله أحب الإنسان لأنه خلقه على صورته، يعني أن ابن آدم ظهر في الوجود على صورة الرحمن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فكان ابن عربي مشبهًا لله بخلقه أيضًا، وهذا القول منه يخالف عقيدته السابقة في وحدة الوجود، وأن جميع الموجودات هي صورة للحق، ولا تنفرد صورة واحدة بأن تكون مثلًا للخالق بل جميع الصور ذاتها ذات الخالق، وهذا يدلك على تناقضه وخبثه وثعلبيته، ويجعل السبب الذي من أجله أحب الله الإنسان أن الصورة التي خلق عليها هي أعظم مناسبة وأقرأ عبارته السابقة مرة أخرى حتى تفهم ما يقول. ثم يستطرد ابن عربي شارحًا ومفلسفًا عقيدته قائلًا:
" فإنها زوج (أي صورة الإنسان آدم) أي شفعت وجود الحق كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل، فصيرته زوجًا، فظهرت الثلاثة: حق ورجل وامرأة! ! ! فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فحبب إليه ربه النساء، كما أحب الله من هو على صورته، فما وقع الحب إلا لمن تكوّن عنه، وقد كان حبه لمن تكوّن منه، وهو الحق، فلهذا قال (حبب) ولم يقل (أحببت) من نفسه، لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب الله إياه تخلقًا إلهيا ") ا. هـ.
فانظر كيف جعل حب الرجل للمرأة من التخلق بأخلاق الله في زعمه، لأن الله قد أحب محمدًا الذي خلقه على صورته (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا)، ولأن محمدًا هو أول موجود حسب عقيدة ابن عربي.
ثم يستطرد ابن عربي في عباراته الوقحة الكافرة القبيحة قائلًا:
" ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصل التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره! ! فطهره بالغسل، ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، إذ لا يكون إلا
[ ٨٥ ]
ذلك، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودًا في منفعل، وإذا شاهد في نفسه - من حيث ظهور المرأة عنه - شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكوّن عنه كان شهوده في منفعل عن الحق بلا وساطة، فشهوده للحق في المرأة أم وأكمل. . ولأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل. . ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة، فلهذا أحب الرسول ﷺ النساء، لكمال شهود الحق فيهن. . إذ لا يشهد الحق مجردًا عن المواد أبدًا. . " (الفصوص ص٢١٧) .
وأظن ليس بعد هذا الكلام كلام، وليس بعد هذا البيان بيان، ولا يملك المسلم الذي عصمه الله من هذا التردي الخلقي والعقلي إلا أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) .
ويستطرد ابن عربي مقررًا هذا المعنى شارحًا له بمثل هذه العبارات: " فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله. . ".
وقائلًا أيضًا: " فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي ". وقائلًا بعد هذا أيضًا:
صح عند الناس أني عاشق ** غير أن لم يعرفوا عشقي لمن
(الفصوص ص٢١٨)
[ ٨٦ ]
الفصل السادس: طريقة المتصوفة في الإعراب عن عقيدتهم الباطنية
مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا الجنيد يقول للشبلي: " نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ " فرد عليه الشبلي بقوله: " أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري " (التعرف على مذهب التصوف ص١٤٥) .
وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود.
ثم ابتدأت جماعة من المتصوفة تصرح بشيء من هذا العلم الباطن الذي لم يكن في حقيقته إلا القول بالحلول، الفناء في ذات الله الذي تقول به العقيدة الهندية البرهمية، والقول بوحدة الوجود، وكان هذا في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع. وهذه طائفة من هذه الأقوال التي ظهرت على أفواه القوم، وكانت تخفي تحتها العقيدة الباطنة التي زعموا أنها في منتهى الكمال والرقي في سلم التعبد الإسلامي.
أـ ذكر أبو نصر السراج الطوسي صاحب كتاب اللمع في التصوف، وهو الكتاب الذي نشره الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور أن أبا حمزة الصوفي دخل دار الحارث المحاسبي فثغت (ثغاء الشاه: صوتها) شاة الحارث، فشهق أبو حمزة شهقة وقال: " لبيك يا سيدي "! ! فأنكر عليه الحارث المحاسبي، فقال له أبو حمزة: إن إنكارك علي يشبه أحوال المريدين المبتدئين " (اللمع في التصوف ص٤٩٥) أي الذين لم يصلوا بعد إلى التحقق من وحدة الوجود.
ب - وهذا أبو الحسين النوري يسمع كلبًا يعوي فيقول: " لبيك
[ ٨٧ ]
وسعديك " (اللمع ص٤٩٢) .
ج - وهذا الشبلي أيضًا يقول لأحد زواره عند خروجه: " أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي ".
د - وكان من أجرأ هؤلاء الذين صرحوا بهذا العلم الباطن الحلاج وقبل أن أستشهد بشيء من أقواله أحب أن أقدم هذه المقدمة عنه:
نشأ الحلاج في أواخر القرن الثالث الهجري، وهو من أهل بيضاء فارس، ونشأ بواسط بالعراق، وصحب الجنيد الذي يعتبر سيد الطائفة الصوفية، وأبا الحسين النوري والفوطي، وقد قتل ببغداد، وصلب يوم الثلاثاء السادس من ذي القعدة سنة تسع وثلاث مئة وعموم المتصوفة راضون عنه، وإن كان قد رده بعضهم بعد قتله خوفًا على أنفسهم، ولكن ذكر الأقدمون منهم أقواله في كتبهم دون ذكر اسمه، بأن يقولوا مثلًا: قال أحد الكبراء (وهذا صنيع أبي بكر محمد الكلاباذي الذي ألف الموسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه (التعرف على مذهب أهل التصوف) وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب الموسوعة الصوفية الأولى (اللمع) وقد استشهد بكلام الحلاج في أكثر من خمسين موضعًا من كتابه مصدرًا القول بقوله: قال بعضهم، أو قال القائل) (انظر مقدمة كتاب الحلاج ص١١) ولم يستطيعوا التصريح باسمه، وهذا صنيع أكبر رجلين كتبا في التصوف في القرن الرابع، وهما أبو بكر محمد الكلاباذي المتوفي سنة ٣٨٠هـ - وأبو نصر السراج الطوسي المتوفي سنة ٣٧٨هوقد بالغت طائفة منهم بالثناء عليه حتى قال عنه محمد بن خفيف: " الحسين بن منصور عالم رباني " (طبقات الصوفية ص٣٠٨) .
وفي القرن الخامس وما يليه ابتدأ المتصوفة يصرحون باسمه، ويذكرون مقالاته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد أشاد به أبو حامد الغزالي، وابن عربي، وعبد الغني النابلسي وكل المتصوفة منذ القرن الخامس. وأما في العصر الحديث فقد كتب فيه طه عبد الباقي سرور كتابًا بعنوان: (الحلاج شهيد التصوف الإسلامي) وقد جعله في هذا الكتاب ثائرًا على الفساد، ومصلحًا إجتماعيًا، وداعية إسلاميًا إلى الله ﷾.
[ ٨٨ ]
وبعد هذه المقدمة أعود إلى سياق البحث، وهو أن أجرأ الناس في إظهار العقيدة الباطنية للفكر الصوفي كان الحسين بن منصور الحلاج، وهذه الجرأة هي التي أدت بعد ذلك إلى القتل والصلب، ولقد كان هناك من المتصوفة من هم على عقيدته ولكنهم كتموا. يقول الشبلي:
" كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمت " (الحلاج لطه عبد الباقي سرور)، ومن أبرز ما صرح به الحلاج عن المعتقد الباطن للتصوف ما أنقله بنصه عن كتاب الطواسين للحلاج (نشر لويس ماسنيون) قال الحلاج (طاسين الأزل والالتباس) .
" ما صحت الدعاوي لأحد إلا إبليس وأحمد، غير أن إبليس سقط عن العين، وأحمد كشف له عن عين العين، قيل لإبليس: اسجد، ولأحمد: انظر. هذا ما سجد وأحمد ما نظر، ما التفت يمينًا ولا شمالًا، ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] . أما إبليس فإنه دعا لكنها ما رجع عن حوله، وأحمد ادعى ورجع عن حوله بقوله: (بك أحول وبك أصول) وبقوله: (يا مقلب القلوب) وقوله: (لا أحصي ثناء عليك) .
وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير، وعبد المعبود على التجريد، ولُعن حين وصل إلى التفريد، وطُلب حين طلب المزيد.
فقال له: (اسجد) قال: " لا غير " قال له: (وإن عليك لعنتي) قال: " لا غير "، مالي إلى غيرك سبيل، وإني محب ذليل، قال له: (استكبرت) قال: لو كان لي معك لحظة لكان يليق بي التكبر والتجبر، وأنا الذي عرفتك في الأزل (أنا خير منه) لأن لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، ولي فيك إرادة، إرادتك في سابقة، إن سجدت لغيرك، فإن لم أسجد لا بد من الرجوع إلى الأصل، لأنك خلقتني من النار، والنار ترجع إلى النار، ولك التقدير والاختيار، تيقنت أن القرب والبعد واحد! ! " ثم يستطرد الحلاج قائلًا:
" التقى موسى وإبليس على عقبة الطور، فقال له: يا إبليس ما منعك
[ ٨٩ ]
عن السجود؟ قال: منعني الدعوة بمعبود واحد، ولو سجدت له لكنت مثلك، فإنك نوديت مرة واحدة. . انظر إلى الجبل. . فنظرت، ونوديت أنا ألف مرة أن أسجد فما سجدت لدعواي بمعناي، فقال: تركت الأمر؟ قال: كان ذلك ابتلاء لا أمرًا، فقال له: لا جرم قد غير صورتك. قال: يا موسى ذا وذا تلبيس، والحال لا يعول عليه فإنه يحول، لكن المعرفة صحيحة كما كانت وما تغيرت وإن الشخص قد تغير.
فقال موسى: الآن تذكره؟ فقال: يا موسى الفكرة تذكر، أنا مذكور وهو مذكور، ذكره ذكري، وذكري ذكره، وهل يكون الذاكرون إلا معًا.
خدمتي الآن أصفى، ووقتي أخلى، وذكري أجلى، لأني كنت أخدمه في القدم لحظي، والآن أخدمه لحظِّه ".
ثم استطرد بعد ذلك قائلًا: " وفي أقوال عزازيل (زعم المتصوفة أن إبليس كان يسمى عزازيل قبل أن يطرد من رحمة الله) أحدها أنه كان في السماء داعيًا وفي الأرض داعيًا: في السماء دعي الملائكة بربهم المحاسن، وفي الأرض دعا الإنس بربهم القبائح، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ".
وفي هذه الصياغة الطويلة لمعصية إبليس تستطيع الآن أن تلم بملامح العقيدة الصوفية الباطنية، ونستطيع أن نلخصها على النحو التالي:
١ - أعبد الناس في كلام الحلاج هو إبليس والرسول ﷺ وانظر كيف ينظمها عدو الله في سلك واحد، ثم يستدل على ذلك بأن إبليس أمر بالسجود فلم يسجد، والذي منعه من ذلك هو مشيئة الرب فيه وجبر الرب له. وتحققه أن لا موجود إلا هو، وأن القرب والبعد من الرب واحد، لأنه ليس على الحقيقة إلا الله، وأن إبليس قد كان داعيًا للملائكة إلى المحاسن، بإقامة الله له، وفي الأرض إنما هو داع إلى القبائح، وما هو في الحقيقة إلى قائم بمراد الرب ومشيئته.
وأما الرسول ﷺ وحاشاه - فقد أصبح أعبد الناس عند الحلاج - وهذا
[ ٩٠ ]
من التلبيس - لأن الله أمره في السماء أن ينظر إليه، فما نظر، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] . والآية في أن رسول الله ﷺ قد رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وأن البصر ما زاغ ولا طغى، وهو ينظر إلى جبريل (فانظر كيف حول الحلاج الآية عن معناها، وأن المقصود بها هو: ما زاغ البصر أي ما نظر إلى الله، لأنه ليست هناك ذات مستقلة لله ﵎ في زعم الصوفية، بل ذاته هي ذات موجوداته. انظر هذا في كلام النابلسي الآتي) .
وأما الدليل الآخر الذي ساقه الحلاج، فهو قول الرسول ﷺ: (اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقول) (هو جزء محرف من حديث رواه أبو داود في (سننه ٢٦٣٢) عن أنس بن مالك، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول، وبك أصول، وبك أقاتل) وصحح إسناده أستاذنا الألباني في (تخريج الكلم الطيب ص٧٥) كما رواه ببعض اختصار الترمذي (٢/٢٧٨) وحسنه، وأحمد (٦/١٦» والمعنى الذي هو مراد الرسول ﷺ هو معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يستطيع أحد أن يفعل خيرًا، أو يوفق إلى خير إلا بحول الله وقوته ولكن الحلاج قلب هذا المعنى إلى عقيدته الخبيثة في الرب جل وعلا، وجعل معناها أن الرسول قال ذلك لأنه كان متحققًا أنه هو هو، أي أنه هو الله! ! .
وأما موسى في نظر الحلاج فلم يكن على معرفة بحقيقة الرب، ولذلك قال له: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
ولقد كان من الجرأة بمكان أن يظهر الحلاج دعوته وعقيدته على هذا النحو من الصراحة والوضوح، ولقد كان يعاصره عدد كبير من المتصوفة في العراق وإيران والشام، ولكنهم قنعوا بالإشارات والرموز إلى عقيدتهم، ولم يقنع هو إلا بالتصريح، وقد سمى هو هذا المقام الذي وصل إليه مقام الفتوة، وفي ذلك يقول:
" تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة (الفتوة التي عناها الحلاج هنا هي الجرأة في إظهار معتقده، وأستاذه في ذلك كما يقول إبليس وفرعون! !)، فقال إبليس: إن سجدت سقط
[ ٩١ ]
عني اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضًا: إن رجعت عن دعواي وقولي سقطت من بساط الفتوة! ! وقال إبليس: أنا خير منه، حين لم ير غيره غيرًا، وقال فرعون: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨] . حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل! ! وقلت أنا: إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق لأني ما زلت أبدًا بالحق حقًا! ! فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة أبدًا، وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي، ما رجعت عن دعواي " (الطواسين ص٥٢) .
وهذا الذي وصل الحلاج إليه قد كان عقيدة لكثير من معاصريه، ولكنهم لم يستطيعوا التصريح به بنفس الوضوح والصراحة التي صرح بها الحلاج، يقول الشبلي: " كنت والحسين بن منصور شيئًا واحدًا إلا أنه أظهر وكتمت " وقد مرّ بك هذا القول.
ولقد حاول الحلاج أن ينقل عموم المتصوفة إلى موقفه، ولذلك لم يفتأ يحركهم نحو هذه الغاية، ففي الرسالة القشيرية أنه لقي إبراهيم الخواص فقال له الحلاج: ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه المفاوز؟ قال: بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه. فقال الحلاج: أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد! !
ويدخل الحلاج مسجد بغداد، ويرى الجنيد يتكلم على المنبر والجنيد سيد الطائفة في وقته فيقول له: يا أبا القاسم إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل، فنزل الجنيد ولم يتكلم على الناس شهرًا (أخبار الحلاج طبع ماسنيون) .
وهذا القول من الحلاج للجنيد إنكار شديد عليه، وأمر له بأن يظهر ما يعتقده، وبأن يتحقق ظاهرًا فيما تحقق فيه باطنًا. وهذا معنى قوله: " فإن
[ ٩٢ ]
كنت في العلم فالزم مكانك " أي إن كنت قد وصلت إلى حقيقة معتقد التصوف فالزم هذا المكان، وأظهر ما تعتقد. والحلاج هنا لم ينكر على الجنيد معصية شرعية ظاهرة، ولكنه أنكر عليه إظهاره من علوم الشريعة للعامة ما يخالف ما وصل إليه من عقيدة التصوف، ولذلك احتجب عن الناس شهرًا لا يكلمهم، ولم يستطع الجنيد أن يظهر ما أظهر الحلاج، لأنه كان يعلم نهاية الإفصاح عن حقيقة المعتقد.
ولذلك روى أبو عبد الرحمن السلمي في طبقاته في ترجمة الشبلي أن الجنيد قال للشبلي " لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت " فقال الشبلي: " يا أبا القاسم لو ردّ الله أمرك إليك لاسترحت " فقال الجنيد: " سيوف الشبلي تقطر دمًا! ! " (الطبقات ص٣٤٣) .
والمعنى الذي عناه الجنيد في كلامه للشبلي أنه إذا استسلم لأمر الله، واسترسل معه كما يقولون: التصوف الاسترسال مع الله (يعني المتصوفة بهذا القول أن لا يكون لك اختيار وفعل، بل تترك مشيئة الرب تسيرك، وهذا معناه هدم الإرادة البشرية وترك الوسائل كلها) أي ترك الاختيار معه لاسترحت وهدأت.
فرد الشبلي عليه بعكس العبارة وبالمعنى نفسه! ! ومعنى عبارة الشبلي أن الله قد جبر العبد وأقامه بما هو فيه، ولم يردّ أمره إليه، بل جعل أمر العبد إليه هو، ولو رد أمر العبد إلى نفسه لاستراح، واختار ما يحلو له. وكانت عبارة الشبلي للدلالة على المعنى أصرح من عبارة الجنيد، ولذلك قال الجنيد ردًا على ذلك: سيوف الشبلي تقطر دمًا. أي أنه بهذا التصريح عن معتقده سيعرض نفسه للقتل! !
ومما يدل على ذلك أن الحلاج عندما أحضر للقتل والصلب جمعت المتصوفة، وأرغموا على النيل من الحلاج وسبه، وكان ممن أحضروا لذلك الشبلي، وضعوا المنديل في رقبته، وسحبوه إلى الحسين بن منصور الحلاج
[ ٩٣ ]
ليلعنه فتأبى من ذلك، فأمره الجند بأن يذهب بنفسه أو يرسل من يلعن الحلاج، فأرسل امرأة متصوفة، وأمرها أن تقول للحلاج: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم الحديد! ! (ماسنيون. وانظر نشرات الصوفية) .
وهذه الروايات كلها تدل على أن أفراد الطائفة في القرن الثالث الهجري كانوا على علم باطني واحد قد تفاوتوا في إظهاره وإعلانه! !
طريق الوصول إلى العلم الباطن
ولقد ظن كثير من الناس أن هذا العلم الباطني كان نتيجة للصلاح والتقوى، والمداومة على التسبيح والذكر، فداوم على هذا وسار في طريقهم زمانًا عله يظفر بما يظفرون به، ولكنه لم يصل إلى شيء، من هؤلاء من يحدثنا عنه أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء يقول (ج٤ ص٣٥٨): " حكي أن شاهدًا عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يومًا: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئًا، وأنا أصدق به وأحبه!
فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة! ! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزًا، واجمع الصبيان حولك، وقل. . كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك! !
فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك. . " سبحان الله " شرك! ! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك. . إنك لا تقبل. .! . "
[ ٩٤ ]
والعجيب أن أبا حامد الغزالي يعقب على هذه القصة بقوله: فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو جزاء من اعتل بنظره إلى نفسه.
فهذا الرجل الصالح الذي صام دهره وأقام ليله، يرجو الوصول إلى علوم القوم، وما جاءه خاطر، ولا مرّ به هاتف، تعجب من هذا وشكا إلى أبي يزيد، فقال له: لن تصل إلى شيء لأنك محجوب بنفسك. ومعنى ذلك أنه يرى أنه القائم بالعبادة فيرى نفسه عابدًا لله، وعقيدة الصوفية تعتقد أن الله قد أقامك فيها، وأنه اختارها لك، وتلك إرادته، ولا إرادة لك معه، وبالمقابل لا بد أن تعتقد أن الله قد أقام العصاة في معاصيهم، والكفرة في كفرهم، وإبليس في إغوائه (كما مرّ بنا في كلام الحلاج)، وكذلك أيضًا قال أبو يزيد لذلك الرجل عندما قال: سبحان الله: سبحان الله شرك. ثم قال له: كيف؟ قال: لأنك نزهت نفسك عن فعل السوء، ولم تنزه الله الذي يفعل السوء ويريده، ويقيم الناس فيه، فقد عظم الرجل نفسه في عقيدة أبي يزيد وطائفته عندما امتنع عن عمل يقوم الله به ويريده ويحبه! !
ولهذا أمر أبو يزيد البسطامي ذلك الرجل ليصل إلى هذه الحقيقة الصوفية أن يفعل بنفسه ذلك الفعل المرعب، وبهذه الوسيلة التي تعتبر مجاهدة في عرف التصوف سيتحقق يقينًا بهذا العلم الباطني، وهو أن الكون على هذا النحو مراد لله سبحانه، ولذلك قالوا: " أقام العباد فيما أراد "! !
ولا شك أن الخطأ في فهم قضية القضاء والقدر قد جرت البلايا والفتن على كثير من الناس، والعياذ بالله، والسبب في ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين علم الله الأزلي ﷾، وما سطره من مقادير الكون وفق هذا العلم، وأنه سبحانه يعلم ما سيكون كيف يكون، وبين الاختيار والمشيئة للعبد التي جعلها الرب ﵎ أساسًا ومناطًا للتكليف والحساب. فللعبد مشيئة خاصة يوقع بها الفعل الذي يريده، ولكنه لا يوقعه جبرًا على الله ورغمًا عنه " وسيأتي لقضية القضاء والقدر رسالة مستقلة إن شاء الله أرجو عون الله في إتمامها ".
فالطاعة بتوفيقه وهدايته، والمعصية بإذنه سبحانه ومشيئته، إذ لا يقع في
[ ٩٥ ]
ملكه إلا ما شاء، وهو ﷾ القادر على منع الكافر من الكفر، والفاجر من الفجور، ولكنه الابتلاء والاختيار والتكليف: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقد جعل ﷾ الهداية حقًا عليه لمن جاهد في سبيلها، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وقال: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٦] . وجعل ﷾ الضلال أيضًا ثمرة للسعي في طريقه، والحيدة عن هدى الله. قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥] . وقال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠] .
وقال ﷿: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ [الزخرف:] . وقال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] . إلى آخر الآيات التي تدل على أن الرب ﵎ لا يعجل الشر ابتداء، ولكنه يعاقب به جزاء، وسبحانه وتعالى أن يبدأ الإنسان بالشر، تعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا.
فهؤلاء لم يفهموا هذه العقيدة الشرعية التي بينها الله في كتابه أتم البيان، وشرحها رسوله ﷺ غاية الشرح. ظنوا - وخابت ظنونهم - أن الشر والمعاصي والفجور مرادة الله ﵎ إرادة حب وقبول ورضى، فقالوا ما قالوا، ولم يعلموا أنها مرادة لله أن تقع في ملكه فقط، فليست تفعل من فاعليها رغمًا عن الله ﷾، وعجزًا عن دفعها ومنعها، وحاشاه ربنا ﷾ عن ذلك، ولكنها إرادة وقوع، ومشيئة إذن وسماح، ووراء ذلك كله العقوبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والمذمة واللعنة والطرد والإبعاد لأهلها، وحاشا الله أن ينسب هذا إليه [والشر ليس إليك] (هو جزء من حديث رواه مسلم في (صحيحه - ٦/٥٧ - ٥٩ بشرح النووي) وأبو داود (٧٦٠) وأحمد وغيرهم، وأوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا. .) وهو من أدعية استفتاح الصلاة المأثور عنه ﷺ) .
[ ٩٦ ]
أقول إن هؤلاء المتصوفة لما لم يفهموا هذه الحقيقة الشرعية، رأوا أن فعل الكفرة والفجرة موافق للرب في إرادته ومحبته، وكذلك قال الحلاج عن إبليس وفرعون: إنهما عرفا الحقيقة، وأنهما قائمان بأمر الله في ذلك، ولهذا ما سجد إبليس، وما آمن فرعون إلا بأنه هو الله، ولهذا أيضًا ما رجع هو عن قوله.
والعجيب بعد هذا كله أن المتصوفة الذين جرهم سوء الفهم لقضية القضاء والقدر إلى هذه العقيدة الباطلة، والمعتقد السيء، زعموا أنهم وصلوا إلى هذا الفهم عن طريق الكشف والعلم اللدني والفيض الرحماني (العلم اللدني نسبة في زعمهم إلى قوله تعالى عن الخضر: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥] . وهو بمعنى الفيض عندهم، ويعنون بكل ذلك انفتاح علم الغيب وحقائق الدنيا والآخرة عليهم! !)، وأن الله ﷾ هو الذي أوحى إليهم بهذا.
وبعد أن قدس المتصوفة الأقدمون علمهم الباطن على هذا النحو، وأظهره بعضهم بذلك الوضوح، وجعلوا علم الشريعة المنزلة على رسوله ﷺ علمًا خاصًا بالعوام، وجعلوا علمهم الباطني علمًا خاصًا بالخواص يتلقى رأسًا عن الله بطريق انكشاف حجاب الغفلة - في زعمهم - لم يكتف المتأخرون منهم بهذا التقسيم، بل غالوا إلى أن جعلوا علوم الشريعة مرحلة فقط لعلمه الباطني، وجزموا بأن من وقف عند علم الشريعة، وتقيد بظاهره فقط فلا ينجو من الآخرة، بل هو غافل عن دين محمد، شأنه شأن الكافرين.
يقول الشيخ عبد الغني النابلسي (وهو كما ترجم له صاحب " الأعلام " من كبار العلماء المتأخرين، له مصنفات كثيرة جدًا في علوم الشريعة والتصوف والأدب، ولد ونشأ في دمشق، وتوفي بها سنة ١١٤٣هـ - يقول فيكتابه: " الفتح الرباني والفيض الرحماني ص١٣٣ "): " فكل من اشتغل بالعلوم الظاهرة، ولم يعتقد أن وراء ما هو ساع في تعلمه من الفقه والحديث والتفسير حقائق وعلومًا باطنة، رمزها الشارع تحت ما أظهر من هذه الرسوم هي مقصودة له، لأنها المنجية عند الله تعالى، فهو غافل
[ ٩٧ ]
عن الله تعالى، جاهل بدين محمد ﷺ داخل تحت قوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخر هم غافلون﴾ " [الروم: ٧] . ا. هـ.
وقد ساغ في كلام الشيخ كما ترى أن يستدل بالآية السابقة على أن علوم الشريعة من الفقه والحديث والتفسير، العلم بها كالعلم بظاهر الحياة الدنيا. والغفلة بها عن العلم الباطني كالغفلة بعلوم الدنيا وزخرفها عن حقائق الآخرة! ! .
الذنب عند النابلسي
لقد كتب الشيخ عبد الغني النابلسي هذا الكلام في كتابه الفتح الرباني، وقد قال في مقدمته: إنه يكتب كتابه هذا مترجمًا عن الإلقاء الرحماني له مباشرة، وبغير وساطة، فهو وحي أو إلهام أو كشف حسب ما يدعيه، قال النابلسي في تعريف الذنب حسب العلم الباطني:
" اعلم أن الذنب له حقيقة متى علمت علم سره، ومتى علم سره علم جهره، وله حال ومقام، وله أقسام، وأنا أتكلم لك الآن في ذلك بحسب الوارد ترجمة عن الإلقاء الرحماني ".
فالنابلسي عندما قرر في (ص١٣٣ من كتابه الفتح الرباني) أن علوم الشريعة لا تنجي وحدها من عذاب الآخرة، بل لا بد أن يدخل المتعلم إلى الحقائق والعلوم الباطنية التي ذكرت في الشريعة بالرمز فقط، ولم ينص عليها نصًا؛ وذلك لينجو من عذاب الله يوم القيامة، عندما قرر النابلسي كل ذلك فإنما قرره ترجمة عن الإلقاء الرحماني في زعمه، ولم يقرر ذلك إجتهادًا ورأيًا! !
ولعلك أخي القارئ تحب أن تقف على نماذج من هذا الإلقاء الرحماني على الشيخ عبد الغني النابلسي، لتعلم الحقيقة الباطنة التي أرادها الله، وأرادها رسوله ﷺ في زعم القوم - والتي تكلم الله ورسوله عنها بطريق الرمز في زعمهم، والتي فهمها وعقلها، بل نزل الفيض الرحماني والفتح الرباني بها على الشيخ عبد الغني النابلسي! !
يقول الشيخ في بيان حقيقة الذنب:
" وأما الذنب بحسب باطن الأمر الإلهي المسمى الحقيقة فهو: الموافقة للرب
[ ٩٨ ]
﷾ في شيء مما أراد بنفسه من نفسه بعد وصول التبليغ عن نفسه بنفسه إلى نفسه، ويرجع ذلك إلى تعيين وجود العبد " ا. هـ.
(ونفسه) هذه التي تكررت في العبارة خمس مرات هي مضمون وحدة الوجود، فالله نفسه هو المريد، وما أراد شيئًا بغيره، وإنما أراد بنفسه، والمبلّغ عنه هو الرسول، وهو الله نفسه في زعمهم، والمبلغ إليهم هم البشر، وهم الله نفسه أيضًا - في زعمهم - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وحتى لا يظن القارئ أن تفسيري هذا تجن على الرجل أنقل نص عبارة الشيخ النابلسي في تفسيره للفقرة السابقة. يقول: " ما ثم إلا ذات وصفات، وصفات صفات، وهي الأفعال، ومنفعلات وهي العالم فالأول هو المعبود، والثاني الموصل إليه وهو الوساطة، والثالث هو العابد، والرابع هو العائق والمانع، والأول مرتبة الله تعالى، والثاني مرتبة محمد ﷺ والثالث مرتبة المؤمنين، والرابع مرتبة الشيطان، وهذه الأربعة في الحقيقة شيء واحد، لكنه تنزل وتفصل، فظهرت له هذه الأطوار وتعددت وجوداته " (الفتح ص٥١) .
فهذا شرح واضح لوحدة الوجود التي ينقلها الشيخ عبد الغني النابلسي عن شيخه الأكبر ابن عربي، فليس في الوجود عندهم إلا الله، وهذه الموجودات المشاهدة جميعها صفاته، تعددت وتنوعت لتعرب عن الصفات الكثيرة التي يتصف بها الرب في زعمهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فالمعبود والرسول والمؤمنون والشياطين كلهم بنص النابلسي شيء واحد، ولذلك فالذنب عند النابلسي هو " الموافقة للرب سبحانه " وهذا راجع بنص كلامه إلى " تعين وجود العبد ". ويشرح النابلسي " تعين الوجود " هذا بقوله:
فمن تعين عنده وجوده مع الله تعالى ظاهرًا أو باطنًا فقد أفحش، وبغى وقال ما لم يعلم (كذا! !) وذلك لأن التعينات في الوجود الحادث إنما هي
[ ٩٩ ]
لبيان امتياز المحضرات الصفاتية، لتنفصل مجملاتها، وتبين كمالاتها، وليست المغايرة أمرًا مقصورًا، وإنما لزمت من ظهور حقائق بعض الصفات كالغفور والحليم والمنتقم بوساطة تحقق الذنب.
قال الجنيد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها، وأنا مار ببعض الطرقات منها:
وإن قلت: ما ذنبي إليك؟ ** أجبتني: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
(الفتح ص٤٩)
فالذنب عند النابلسي بمقتضى كلامه السابق هو أن يظن العبد أن له وجودًا مستقلًا عن وجود الله! ! ومن ظن ذلك فقد أفحش وبغى، وقال ما لم يعلم، واستدل على ذلك ببيت الشعر الذي سمعه الجنيد.
ويبالغ النابلسي أكثر من ذلك، فيزعم أن حال الذنب هو القرب من الله، وليس البعد منه. ولذلك يقول بالنص:
" فالمذنب في حال ذنبه أقرب إلى الله منه في حال طاعته "! !
الفرق بين الصديق والزنديق
وقد أوضح النابلسي هذه العقيدة الباطنية أكثر من ذلك عندما عقد فصلًا مطولًا قارن فيه بين الزنديق والصديق، وكانت خلاصة هذا الفصل أن الزنديق من يرى أن كفره وفسقه صادر منه فقط، وأنه مستقل بهذا الكفر. وأما الصديق فهو من يرى أن كل أفعال العباد صادرة من الله سبحانه - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وأن المؤمن والكافر والفاسق والبار ما هم جميعًا إلا مظاهر مختلفة لحقيقة الرب الموجود وحده، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]، فالمؤمن عنده والكافر من خلق الله، ولا فرق بين هذا وذاك، ومن عرف هذه الحقيقة فهو الصديق، ومن جهلها وظن أن الكافر يصنع كفره، ويخلق فعله، ويستقل
[ ١٠٠ ]
بأمر نفسه فهو الزنديق! ! .
ويحسن أن أنقل كلامه في هذه المسألة بنصه حتى تتضح صورة هذه العقيدة الباطنية وضوحًا لا شك فيه. يقول الشيخ النابلسي:
" واعلم أن الأديان كلها التي في العالم بالنسبة إلى المتدينين بها من الخلق تنقسم إلى قسمين: دين واحد حق وهو الإسلام، وأديان جميعها باطلة، وهي ما عدا دين الإسلام.
وأما بالنسبة إلى الخالق ﷾ فجميع الأديان الباطلة والصحيحة مخلوقة له تعالى، وهو خالقها، وقد قال تعالى: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي انقادوا إليه طائعين في حق المؤمنين، ومكروهين، لأنه لا خالق غيره، في حق الكافرين.
فمن نظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وقال: إن جميع ذلك صواب وحق فهو الزنديق، ومن لم ينظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وإنما نظر إلى يد الله العليا التي فوق أيديهم جميعًا، واعتقد أن جميع ما يصدر منها صواب وحق فهو الصديق، والفرق بينهما دقيق. لا يدرك إلا بعناية من الله تعالى وتوفيقه.
فربما يظهر الصديق في حلية الزنديق، وربما يظهر الزنديق في حلية الصديق، وموقع النظر واحد، وهو الخلق. فمن نظر إلى الخلق وقال: إنهم كلهم على الصواب: فإما أن ينظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، ويقول ذلك فهو الصديق. وإما أن ينظر إليهم من حيث ذواتهم ويقول ذلك فهو الزنديق.
وسبب ذلك أن من نظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، فحكم بالتساوي بينهم، لأن الله تعالى يقول: ﴿ما ترى في خلق الرحمن
[ ١٠١ ]
من تفاوت﴾ [الملك: ٣]، (انظر كيف قطع النابلسي هذا المقطع من الآية عن موضعه، فبدل معناه، وموضعه هكذا: ﴿الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ [الملك: ٣] . والتفاوت المقصود هنا هو التفاوت في خلق السماوات والأرض، لا في فعل البشر، لأن كل عاقل يعلم أن فعل البشر متفاوت، فكم بين الإيمان والكفر من تفاوت! !) ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الرعد: ١٨]، فلا يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو صادق في حكمه بذلك التساوي، لأنه مأمور بالإيمان بذلك.
وأما من نظر إليهم من حيث ذواتهم، وما هم عليه من الأحوال، فحكمه بالتساوي بينهم خطأ محض وجهل. قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٥: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨] . وإنما يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو كاذب في حكمه بالتساوي بينهم، قد يشتبه كلام الصديق بالزنديق، والقصد هو الفارق، ويعرف ذلك من كلام آخر في موضع آخر كقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (﵁) من أبيات الفتوحات المكية:
عقد البرية في الإله عقائدًا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
ومراده جميع ما اعتقدوه من حيث صدور ذلك عن الصانع القديم، فإن جميع ذلك آثار دالة عليه تعالى، لا من حيث صدور ذلك عن المعتقدين لأنها من حيث هم دالة عليهم لا عليه، وعقيدة أهل الاختصاص فيها الغفلة عن الآثار، والنظر إلى المؤثر، يعلم ذلك في مواضع شتى في كلامه " (الفتح ص٨٥ - ٨٦) .
وبهذا النقل المطول عن الشيخ النابلسي تتضح أمامنا الآن صورة العقيدة
[ ١٠٢ ]
الباطنية التي سعى القوم إلى غرسها وبنائها، وأنها التحقق - في زعمهم - من أن الموجودات ما هي إلا مظاهر لحقيقة واحدة هي الله، وأن الأفعال لا تتفاضل ولا تتناقض إلا بالنظر إلى الخلق، وأما بالنظر إلى الله الفاعل الحقيقي - في زعمهم - فإنما هي شيء واحد يدل على ذات واحدة.
وبهذه العقيدة هدموا جميع الأديان، وأبطلوا جميع الشرائع واستحلوا كل المحرمات، وهذا الذي أقرره هنا لا أقرره أيضًا استنباطًا واجتهادًا، وتحميلًا لألفاظ القوم ما لا تحتمل، فقد مر بك بيت
الشعر المنسوب إلى ابن عربي
عقد البرية في الإله عقائدًا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
وقد فسره ابن عربي بأن من اعتقد بأن هناك دينًا واحدًا حقًا، وبقية الأديان باطلة فقد فاته خير كثير، لأنه آمن بجزء من الحقيقة، ولم ير الحقيقة كاملة، وهي أن كل هذه الأديان التي ظنها باطلة هي مرادة لله ﵎ بل هو خالقها وبارئها.
وأصرح من هذا كله ما وصل إليه الشيخ النابلسي، وهو أن مقام الزهد المشهور في التصوف ما هو إلا مرحلة في الطريق الصوفي، وأما المرحلة النهائية في فهو ترك الزهد، والاستمتاع بالمقسوم على أتم وجه، وفي ذلك يقول النص:
" وأما بالنظر إلى غير الله تعالى فهو اشتغال الروحانية بما يرد عليها من أسئلة الأكوان السائرة للكون الحق، والستر هو الكفر، وأصحاب هذا الاشتغال المذكور هم الزهاد الذين يزهدون في الأشياء، فإنهم لولا ملاحظتهم للأشياء وادعاؤهم بثبوتها ما زهدوا فيها، فقد استتر الحق عنهم بزهدهم في الأشياء، فكفروا كفرًا خفيًا، ولو عقلوا لما زهدوا في شيء، لأن الذي ليس لهم عدم، فكيف يزهدون في العدم وهو غير مقدور، والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه، لما أمكنهم وعاندوا الأقدار فهم مشغولون بزهدهم عن الله تعالى، فمتى يتفرغون له تعالى؟ ولله در القائل:
[ ١٠٣ ]
تجرد عن مقام الزهد فلبي** فأنت الحق وحدك في شهودي
أأزهد في سواك، وليس شيء** أراه سواك يا سر الوجود
(الفتح الرباني ص١٣٤) .
فانظر كيف نسب الكفر الخفي إلى الزهاد، لأنهم اشتغلوا بزهدهم في الأشياء، لأن الذي ليس لهم عدم، أي أن ما قدر لهم لا بد أن يكون. ولذلك يقول: " والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه لما أمكنهم ".
ولذلك رآهم النابلسي معارضين للأقدار، مشغولين بزهدهم عن الله ﵎. .
أحب أن أكرر هنا أن النابلسي ليس رجلًا مغمورًا جاهلًا، بل هو مقدم عند القوم، مستشهد بأقواله عند الجميع وبعضهم يعتذر عن مثل مقالاته هذه بأنه من الشطح، والشطح مغفور لهؤلاء، لأن ذلك من غلبة وجدهم وحبهم لمولاهم.
وأقول: إذا كان ثم شطح مغفور عند الله، معذور صاحبه، فهو أن تصدر كلمة أو جملة في غلبة حال كما يقولون. أما أن يؤلف رجل مئتي كتاب، كلها على هذا النحو، وذلك يستغرق آلاف الساعات والأيام، فكيف يكون التأليف والتحقيق شطحًا وسكرًا؟ فافهم أخي المسلم هذه الحقيقة فإنها سهم قاتل لهذا الباطل.
وبعد هذا الاستطراد أعود إلى السياق الأصلي، وهو أن القوم في نهاية مطافهم وصلوا إلى هدم الأديان، والتسوية بين الكفر والإيمان، بل وجعل مرتبة الزهد التي هي بداية للطريق الصوفي، ومرحلة من مراحله شركًا خفيًا بالله، لأن ذلك غيبة بالزهد عن الله تعالى.
ولعل ظانًا يظن أن هذه العقيدة الباطنية التي وصل إليها كانت عقيدة نظرية فقط، ولم يكن لها واقع عملي في حياة القوم، وهذا الظن ساذج ومريض، بل إن القوم قد مارسوا هذه العقيدة الباطنية ممارسة واقعية، وقد جاءت ممارستهم الواقعية لهذه العقيدة شيئًا صارخًا لا يكاد العقل يصدق به. ولكن ماذا نفعل والحقيقة قد أصبحت أكبر من الخيال.
[ ١٠٤ ]
الفصل السابع: الحقيقة المحمدية في الفكر الصوفي
يستحيل علينا أن نفهم ما يريده المتصوفة بقولهم (الحقيقة المحمدية) إلا بمعرفة عقيدتهم في الله. فالنظرية الصوفية الفلسفية قد وصلت في نهاية القرن الثالث إلى القول بأن الله هو هذا الوجود القائم المتجدد المتغير فهو السماوات والأرض والعرش والكرسي والملائكة والإنسان والحيوان والنبات وهو الأزل والأبد - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - وإن كانت عباراتهم تختلف أحيانًا فمرة يقولون: هو الروح الساري في الموجودات ويشبهون هذا السريان بأنه كرائحة الورد في الورد. ووجود الروح في الجسم الحي. وتارة يقولون نفس وجود الموجودات هو وجود الله فليس عناك اثنان في الوجود خالق ومخلوق بل المخلوق هو عين الخالق، والخالق هو نفس المخلوق، اعتقد بذلك ونشره في الناس كبار الصوفية من أهل الزندقة والإلحاد كابن عربي، والحلاج، والجيلي، وابن سبعين، ومن على شاكلتهم، وهؤلاء الصوفية أنكروا في كتبهم على من يشهد بأن الله ﷾ هو الإله القائم بنفسه المستوي على عرشه البائن من خلقه والذي هو معتقد المسلمين في ربهم ﷾. وقد كان هذا المعتقد أيضًا هو معتقد بعض من نسب إلى التصوف ولذلك شدد ابن عربي عليهم النكير أيضًا وخطّأهم ونسبهم إلى القصور وعدم الفهم (اقرأ كتاب ابن عربي التجليات الذي يزعم فيه أنه التقى برجال التصوف السابقين في البرزخ وناقشهم في عقائدهم هذه في التوحيد وبين لهم خطأهم وعرفهم في النهاية أن لا موجود إلا الله، وأن الله والعبد شيء واحد، وأنهم أقروا جميعًا بذلك وكل ذلك في كتاب التجليات) . والمهم أن هؤلاء المتصوفة الذين نقلوا عقيدة وحدة الوجود عن الفلسفة الأفلاطونية واعتقدوها وجعلوها هي الحقيقة الصوفية وسر الأسرار وهي معتقد أهل الإسلام في زعمهم، نقلوا ما قاله هؤلاء الفلاسفة في نظرياتهم في بدء الخلق فقد قال الفلاسفة الأقدمون " إن أول شيء
[ ١٠٥ ]
بدأ في الخلق هو الهباء (أي الذرات) وإن أول موجود وجد هو العقل الأول وسموه (العقل الفعال)، وأنه عن هذا العقل الأول نشأ العالم العلوي السماوات والكواكب ثم العالم السفلي. . إلخ.
هذه النظرية الفلسفية القديمة جاء ابن عربي ونقلها هي نفسها إلى الفكر الصوفي ولكنه استبدل بدلًا من العقل الفعال عند الفلاسفة ما أسماه هو الحقيقة المحمدية فزعم أن أول الخلق كان هباء، - كلام الفلاسفة نفسه - وأن أول موجود هو " الحقيقة المحمدية " التي زعم ابن عربي أنها أول الموجودات وعلى حد تعبيره أول التعينات - أي أول عين تشكلت وتصورت من الذرات - يتطاول ابن عربي ويقول إن هذه (الحقيقة المحمدية) هي التي استوت على العرش الإلهي. فيجعل ما حدثنا الله ﷾ به عن نفسه من أنه خالق الخلق، وأنه المستوي على العرش. . يلوي ابن عربي كل ذلك ويلبس على المسلمين وينقل لهم كلام الفلاسفة الملحدين في أسلوب جديد بغطاء إسلامي وآيات قرآنية فيقول إن ذات محمد هي أول ذات تكونت من الهباء وهي التي استوت على العرش الإلهي. ومن نور هذه الذات خلق الله الخلق جميعًا بعد ذلك فالملائكة والسماوات والأرض كل ذلك قد خلق من نور الذات الأولى وهي الذات المحمدية عند ابن عربي، والعقل الفعال في الفكر الفلسفي، وهكذا استطاع ابن عربي أن ينقل ترهات الفلاسفة وتخيلاتهم المريضة إلى دنيا المسلمين وعقائدهم بل جعل هذه العقيدة الإلحادية هي العقيدة الأساسية التي قام الفكر الصوفي كله بعد ذلك عليها، فإذا علمنا ماذا يعنيه المتصوفة المتفلسفون بوحدة الوجود وأن الله عندهم ليس ذاتًا يراها المؤمنون في الآخرة وتستوي على العرش، وإنما هو نفس الوجود بكل درجاته وتناقضاته، فالله عندهم هو عين وجود المَلَك والشيطان والإنس والجان، والحيوان والنبات، أقول إذا علمنا بعد ذلك ماذا يريد المتصوفة من قولهم بالحقيقة المحمدية المستوية على العرش وجعل النبي محمدًا ﷺ هو المخلوق الأول قبل الأكوان جميعًا وهو الذي
[ ١٠٦ ]
استوى على العرش ومن نور النبي ﷺ خلق الله جميع الأكوان بعد ذلك السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات. فأصبحت الحقيقة المحمدية - في زعمه - الصورة الكاملة المتجسدة للذات الإلهية التي لا ترى بذاتها، ولا تنفصل عن هذا الوجود. . فالنبي محمد ﷺ عند ابن عربي ومشايخ التصوف الذين جاؤوا من بعده هو الله المتجلي على العرش. أو - قل - هو صورة الله المصغرة وهو الذي منه استمدت كل الموجودات وجوداتها وانفلقت عنه كل الأنوار وكل الأكوان وكل الموجودات. . وهو يعني أن محمدًا ﷺ هو البذرة الأولى لكل موجود فكأنه بذرة لشجرة كان منها بعد ذلك الساق والفروع والأوراق والثمار والأشواك، فهكذا بدأ الوجود بمحمد ﷺ ثم خلق من نوره العرش والكرسي والسماوات والأرض وآدم وذريته وتفرع الخلق وتدرج بعد ذلك من المخلوقات التي خلقت من نور النبي محمد ﷺ فالموجودات كلها في عقيدة التصوف شيء واحد متفرع عن أصل واحد أو قل شجرة متفرعة عن بذرة واحدة. وإليك الآن نصوص عبارات هؤلاء الملاحدة الكافرين في هذه العقيدة الكفرية الزندقية:
قال القاشاني شارح فصوص الحكم لابن عربي: " إن محمدًا أول التعينات التي عين به الذات الأحدية قبل كل تعين فظهر به ما لا نهاية من التعينات، فهو يشمل جمع التعينات. فهو واحد فرد في الوجود لا نظير له: إذ لا يتعين من يساويه في المرتبة، وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحدّ ونعت، فله الفردية المطلقة، ومن هذا يعلم أن الاسم الأعظم لا يكون إلا له دون غيره من الأنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله: (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين) كونه خاتم النبيين وأول الأولين وآخر الآخرين، ومن أوليته وجمعيته سر قوله: (أوتيت جوامع الكلم) وكونه أفضل الأنبياء فإنهم في التصاعد وسعة الاستعداد والمرتبة ينتهون إلى التعين الأول ولا يبلغونه، والتعين الأول هو محمد الذي يرجع إليه جميع التعينات فهو البرزخ بين الذات الأحدية وبين سائر الموجودات " (شرح القاشاني على الفصوص ص ٢٦٦، ٢٦٧) .
[ ١٠٧ ]
ومعنى أول التعينات أي أول موجود معين له ذات وجسمه وقبله لم يكن هناك أي ذات لا عرش ولا كرسي ولا سماوات ولا أرض. وقول القاشاني شارح الفصوص (وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحد ونعت. . الخ) يعني أنه ليس فوق مرتبة الرسول شيء إلا الذات الإلهية التي لا توصف بأي صفة بتاتًا لأن ذات الله عنده مطلقة عن كل قيد - في زعمه - منزهة عن أن تكون ذاتًا معينة محدودة مثلًا كأن يقول لله وجه أو يد أو ساق، أو استوى على العرش، أو يأتي يوم القيامة لأن الذات الإلهية في العقيدة الصوفية هي المطلقة عن كل هذه القيود لأنها كل الموجودات. ويشرح ابن عربي نفسه عقيدته هذه بقوله: " بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي " (الفتوحات المكية ج١ ص١٥٢) .
فالخلق في زعمه بدأ بالهباء أي الذرات وأول موجود وجد بذات قائمة محدودة هي ذات الرسول التي سماها الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي.
وجاء بعد ابن عربي من شرح هذه العقيدة واستفاض فيها، قال أحمد بن مبارك السلجماسي في كتابه الأبريز فيما يرويه عن شيخه عبد العزيز الدباغ: " (وسمعته) ﵁ يقول في قوله وانفلقت الأنوار أن أول ما خلق الله تعالى نور سيدنا محمد ﷺ ثم خلق منه القلم والحجب السبعين وملائكتها ثم خلق اللوح ثم قبل كماله وانعقاده خلق العرش والأرواح والجنة والبرزخ أما العرش فإنه خلقه تعالى من نور وخلق ذلك النور من النور المكرم نور نبينا ومولانا محمد ﷺ وخلقه أي العرش ياقوتة عظيمة لا يقاس قدرها وعظمها وخلق في وسط هذه الياقوتة جوهرة فصار مجموع الياقوتة والجوهرة كبيضة بياضها هو الياقوتة وصفارها هو الجوهرة ثم إن الله تعالى أمد تلك الجوهرة وسقاها بنوره ﷺ فجعل يخرق الياقوتة ويسقي الجوهرة فسقاها مرة
[ ١٠٨ ]
ثم مرة ثم مرة إلى أن انتهى إلى سبع مرات فسالت الجوهرة بإذن الله تعالى فرجعت ماء ونزلت إلى أسفل الياقوتة التي هي العرش ثم إن النور المكرم الذي خلق العرش إلى الجوهرة التي سالت ماء لم يرجع فخلق الله منه ملائكة ثمانية وهم حملة العرش فخلقهم من صفائه وخلق من ثقله الريح وله قوة وجهد عظيم فأمرها تعالى أن تنزل تحت الماء فسكنت تحته فحملته ثم جعلت تخدم وجعل البرد يقوى في الماء فأراد الماء أن يرجع إلى أصله ويجمد فلم تدعه الرياح بل جعلت تكسر شقوقه التي تجمد وجعلت تلك الشقوق تتعفن ويدخلها الثقل والنتونة وشقوق تزيد على شقوق ثم جعلت تكبر وتتسع وذهبت إلى جهات سبع وأماكن سبع فخلق الله منه الأرضين السبع ودخل الماء بينها والبحور وجعل الضباب يتصاعد من الماء لقوة جهد الريح ثم جعل يتراكم فخلق الله منه السماوات السبع ثم جعلت الريح تخدم خدمة عظيمة على عادتها أولًا وآخرًا فجعلت النار تزيد في الهواء من قوة حرق الريح للماء والهواء وكلما زندت نار أخذتها الملائكة وذهبت بها إلى محل جهنم اليوم فذلك أصل جهنم فالشقوق التي تكونت منها الأرضون تركوها على حالها والضباب التي تكونت منه السماوات تركوه على حاله والنار التي زندت في الهواء أخذوها ونقلوها إلى محل آخر لأنهم لو تركوها لأكلت الشقوق التي منها الأرضون السبع والضباب الذي منه السماوات السبع بل وتأكل الماء وتشربه بالكلية لقوة جهد الريح ثم إن الله تعالى خلق ملائكة الأرضين من نوره ﷺ وأمرهم أن يعبدوه عليها وخلق ملائكة السماوات من نوره ﷺ وأمرهم أن يعبدوه عليها، وأما الأرواح والجنة إلا مواضع منها فإنها أيضًا خلقت من نور وخلق ذلك النور من نوره ﷺ وأما البرزخ فنصفه الأعلى من نوره ﷺ فخرج من هذا أن القلم واللوح ونصف البرزخ والحجب السبعين وجميع ملائكتها وجميع ملائكة السماوات والأرضين كلها خلقت من نوره ﷺ بلا وساطة وأن العرش والماء والجنة والأرواح خلقت من نور خلق من نوره ﷺ ثم بعد هذا فلهذه المخلوقات أيضًا سقي من نوره ﷺ أما القلم فإنه سقي سبع مرات سقيًا عظيمًا وهو أعظم المخلوقات بحيث إنه لو كشف نوره لجرم الأرض لتدكدكت
[ ١٠٩ ]
وصارت رميمًا وكذا الماء فإنه سقي سبع مرات ولكن ليس كسقي القلم وأما الحجب السبعون فإنها في سقي دائم وأما العرش فإنه سقي مرتين مرة في بدء خلقه ومرة عند تمام خلقه لتستمسك ذاته وكذا الجنة فإنها سقيت مرتين مرة في بدء خلقها ومرة بعد تمام خلقها لتستمسك ذاتها وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا سائر المؤمنين من الأمم السابقة ومن هذه الأمة فإنهم سقوا ثماني مرات الأولى في عالم الأرواح حين خلق الله نور الأرواح جملة فسقاه الثانية حين جعل يصور منه الأرواح فعند تصور كل روح سقاها بنوره ﷺ. الثالثة يوم ألست بربكم فإن كل من أجاب لله تعالى من أرواح المؤمنين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام سقي من نوره ﷺ لكن منهم من سقي كثيرًا ومنهم من سقي قليلًا فمن هنا وقع التفاوت بين المؤمنين حتى كان منهم أولياء وغيرهم. وأما أرواح الكفار فإنها كرهت شرب ذلك النور وامتنعت منه فلما رأت ما وقع للأرواح التي شربت منه من السعادة الأبدية والإرتقاآت السرمدية ندمت وطلبت سقيا فسقيت من الظلام والعياذ بالله. الرابعة عند تصويره في بطن أمه وتركيب مفاصله وشق بصره فإن ذاته تسقى من النور الكريم لتلين مفاصله وتنفتح أسماعها وأبصارها ولولا ذلك ما لانت مفاصلها. الخامسة عند خروجه من بطن أمه فإنه يسقى من النور الكريم ليلهم الأكل من فمه ولولا ذلك ما أكل من فمه أبدًا. السادسة عند التقامه ثدي أمه في أول وضعه فإنه يسقى من النور الكريم أيضًا. السابعة عند نفخ الروح فيه فإنه لولا سقي الذات بالنور الكريم ما دخلت فيها الروح أبدًا مع ذلك فلا تدخل فيها إلا بكلفة عظيمة وتعب يحصل للملائكة معها ولولا أمر الله لها ومعرفتها به ما قدر ملك على إدخالها بالذات ". انتهى. منه بلفظه (الأبريز ص٢٢٤، ٢٢٥) .
وهذا الهذيان الكامل، والتخريف الكامل شرح لعقيدة الصوفية فيما يسمونه بالحقيقة المحمدية، وأنها الذات الأولى التي انطلقت منها بعد ذلك كل الذوات
[ ١١٠ ]
والكائنات والموجودات.
ويستطرد أحمد مبارك شارحًا عقيدة الصوفية فيما يسمونه بالحقيقة المحمدية فيقول أيضًا:
" (وسمعته) ﵁ يقول مرة أخرى إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن سقوا من نوره لم يشربوه بتمامه بل كل واحد يشرب منه ما يناسبه وكتب له فإن النور المكرم ذو ألوان كثيرة وأحوال عديدة وأقسام كثيرة فكل واحد شرب لونًا خاصًا ونوعًا خاصًا، قال ﵁: فسيدنا عيسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام الغربة، وهو مقام يحمل صاحبه على السياحة، وعدم القرار في موضع واحد. وسيدنا إبراهيم ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام الرحمة والتواضع مع المشاهدة الكاملة؛ فتراه إذا تكلم مع أحد يخاطبه بلين، ويكلمه بتواضع عظيم، فيظن المتكلم أنه يتواضع له وهو إنما يتواضع لله ﷿ لقوة مشاهدته. وسيدنا موسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام مشاهدة الحق سبحانه في نعمه وخيراته وعطاياه التي لا يقدر قدرها. وهكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام والله أعلم " (الأبريز ص٢٢٦) .
ويقول كذلك:
" (وسمعته) - أي شيخه عبد العزيز الدباغ ﵁ يقول إني لم أزل أتعجب من الوالي الذي يقول إنه يملأ الكون وذلك لأن للكون بابًا منه يقع الدخول إليه وهو النبي ﷺ ولا يطيق مخلوق من المخلوقات أي يحمل نوره ﷺ ومن عجز عن الباب فكيف يطيق غيره اللهم إلا أن يكون دخل من غير باب؛ يعني فيكون فتحه شيطانيًا ظلمانيًا، وهذا لا يملأ بيته فضلًا عن داره فضلًا عن شيء آخر. قال ﵁ واعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضًا من نور النبي ﷺ وأن مجموع نوره ﷺ لو وضع على العرش لذاب ولو وضع على
[ ١١١ ]
الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع عليه ذلك النور العظيم لتهافتت وتساقطت وإذا كان هذا شأن نوره ﷺ فكيف يقول من يقول إنه يملأ الكون، فأين تكون ذاته إذا بلغت المدينة المنورة، وقربت من القبر الشريف. أم كيف تكون إذا تصاعدت نحو البرزخ وقربت من الموضع الذي فيه النور العظيم القائم بالروح الشريفة؟ أفتكون ذاته حاملة له والمخلوقات بجملتها عاجزة عنه أم يتخطى ذلك الموضع فلم يملأ الكون؟ والغرض أن الموضع المذكور آخذ من القبر الشريف إلى قبة البرزخ تحت العرش ولعله أراد بالكون ما بين السماء والأرض ما عدا موضع البرزخ الذي فيه نور المعظم فقلت ولعله أنه يملؤه من حيث النور أي يملؤه بنوره لا بذاته كالشمس التي سطعت على السماوات والأرض. فقال ﵁ وما مراده إلا أنه يملؤه بنوره ولا يريد أنه يملؤه بذاته. ولكن أين نوره من نور المصطفى ﷺ فإن ذلك النور من النور المكرم بمنزلة الفتيلة في وسط النهار وقت الظهيرة. وهل يصح أن يقال إن تلك الفتيلة كسفت نور الشمس؟ فقلت ونور الشمس من النور المكرم بمنزلة الفتيلة فما باله ملأ الأكوان؟ فقال ﵁: لم يملأ الأكوان بمعنى أن النور المكرم ذهب بسببه واضمحل فكيف ونور الشمس إنما هو من نور أرواح المؤمنين الذي هو من نوره ﷺ وإنما سبب ذلك أنا حجبنا عن مشاهدة النور المكرم كما حجبنا عن مشاهدة أنوار الأولياء فلو كشف الحجاب لكانت له أنوار من النور المكرم بمنزلة الفتائل وسط النهار ولم يظهر للشمس ولا لغيرها نورًا إلا كما يظهر للفتائل وسط النهار " (الأبريز ص٢٣٠) . ا. هـ
ويقول أيضًا في شرح قول الشاذلي (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار) .
الباب السابع في تفسيره ﵁ لبعض ما أشكل علينا من كلام الأشياخ
﵃) فمن ذلك أنه شرح لنا ﵁ بعض الألفاظ من صلاة القطب الكامل الوارث الواصل مولانا عبد السلام بن مشيش رضي
[ ١١٢ ]
الله عنه فسمعته ﵁ يقول في شرح قوله (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار) حاكيًا عن سيد محمد بن عبد الكريم البصراوي ﵁ أن الله تعالى لما أراد إخراج بركات الأرض وأسرارها مثل ما فيها من العيون والآبار والأنهار والأشجار والثمار والأزهار أرسل سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك ثلاث سبعينات من الألوف فنزلوا يطوفون في الأرض؛ فالسبعون الأولى يذكرون اسم النبي ﷺ ومرادنا بالاسم الاسم العالي ما يأتي في شرح وتنزلت علوم آدم. والسبعون الثانية يذكرون قربه ﷺ من ربه ﷿ ومنزلته ﷺ منه. والسبعون الثالثة تصلي عليه ﷺ ونوره ﷺ مع الطوائف الثلاث فتكونت الكائنات ببركة ذكر اسمه ﷺ وحضوره بينها ومشاهدتها قربه ﷺ من ربه ﷿ قال وذكروه على الأرض فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فلانت بإذن الله تعالى وعلى مواضع عينيه ففتحت بالأنوار التي فيها فهذا معنى قوله منه انشقت الأسرار. فقلت: فهذا معنى دلائل الخيرات وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار وعلى السماوات فاستقلت وعلى الأرض فاستقرت وعلى الجبال فرست وعلى البحار ففجرت وعلى العيون فنبعت وعلى السحاب فأمطرت. فقال ﵁: نعم ذلك الاسم هو اسم نبينا ومولانا محمد ﷺ فببركته تكونت الكائنات والله أعلم. قلت وقد سبق كلام سيدي أحمد بن عبد الله الغوث ﵁ وقوله لمريده يا ولدي لولا نور سيدنا محمد ﷺ ما ظهر سر من أسرار الأرض؛ فلولا هو ما تفجرت عين من العيون ولا جرى نهر من الأنهار، وإن نوره ﷺ يا ولدي يفوح في شهر مارس ثلاث مرات على سائر الحبوب فيقع لها الإثمار ببركته ﷺ ولولا نوره ﷺ ما أثمرت، ويا ولدي إن أقل الناس إيمانًا من يرى إيمانه على ذاته مثل الجبل وأعظم منه فأحرى غيره، وأن الذات تكل أحيانًا عن حمل الإيمان فتريد أن ترميه فيفوح نور النبي ﷺ عليها فيكون معينًا لها على حمل الإيمان فتستحيله وتستطيبه " (الأبريز ص ٢٢٢) . اه ـ.
وصلاة ابن مشيش هذه يقول فيها
[ ١١٣ ]
" اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، ووحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط " (أذكار الطريقة الشاذلية) .
والحق أن هذه العبارات في وصف (الحقيقة المحمدية) حسب المفهوم الصوفي الفلسفي، قد يختلف بعضها عن بعض قليلًا ولكنها جميعها مجمعة على شيء واحد وهو أن الرسول هو أول موجود فمنهم من يقول نور الرسول هو أول موجود، ومنهم من يقول بل وأيضًا ذاته النورانية المستوية على العرش، وأن وجوده البشري في وقته إنما كان مجرد تعيين جديد، وتجسد جديد لذات الرسول ﷺ وبعض الصوفية أيضًا يجعل عين الرسول وذاته هي عين الله وذاته، وأنه ليس هناك حقيقة إلهية غير الحقيقة المحمدية ومن ذهب إلى ذلك عبد الكريم الجيلي وغيره، وبعضهم يفرق بين الذات الإلهية التي ليس لها تعين ذاتي ووجود منفصل عن الخلائق بل هي كل الموجودات بل هي في زعمهم الروح الخفي الساري في الموجودات. وأن هذه الذات الإلهية خلقت النبي محمدًا أولًا قبل المخلوقات جميعًا ثم خلقت المخلوقات بعد ذلك من نور ذات الرسول، وأن ذات الرسول هي المستوية على العرش الرحماني كما قال ابن عربي. ومنهم ولا سيما المتأخرون يجعل ذات الرسول والحقيقة المحمدية هي عين الحقيقة الإلهية، ويجعلون الرسول بصورته البشرية صورة كاملة أو هو أكمل صورة للحقيقة الإلهية. ويجعلون كذلك الصورة البشرية المحمدية هي إحدى الصور الممكنة للرسول، ويعتقدون أنه يتشكل كثيرًا في أي صورة يشاء وهذا نص عبارة عبد الكريم الجيلي في ذلك قال في الباب الستين:
" اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك
[ ١١٤ ]
الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الإنسان الكامل للجيلي)، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخر أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة، وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية. ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ﵁ قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر منكور، وهو كما يرى النائم فلانًا في صورة فلان وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم ولكن بين الكشف والنوم فرقًا، وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع في التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ لما أعطاك الكشف أن محمدًا متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئًا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا الله وحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ذلك مرادي، بل إن
[ ١١٥ ]
رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم مَيَلانَهُم فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم ". ا. هـ
وأظن أنه قد وضح الآن حقيقة المعتقد الصوفي الفلسفي في النبي ﷺ وحتى تتضح الصورة أمامنا أكثر من ذلك نجمل ما قدمناه فيما يلي، فنقول. . معتقد المتصوفة في النبي محمد ﷺ على ثلاث درجات:
١ - من يقولون بوحدة الوجود، وأن الله هو ذات الموجودات فيجعلون الرسول هو المخلوق الأول ومنه وعنه صدرت الموجودات جميعًا وهو الإله المستوي على العرش وهذا هو معتقد ابن عربي ومن على شاكلته.
٢ - من يقولون إن نور الرسول هو أول موجود فعلًا ومنه انشقت الأنوار وخلق الخلق جميعًا لكن لا يقولون بأن ذات الرسول مستوية على العرش.
٣ - من يقولون بأن نور الرسول أول موجود وهو أكرم الخلق ومن أجله خلق الله الكون جميعًا دون أن يصرحوا بأن العوالم قد خلقت من نوره، وإنما يقولون خلقت لأجله.
هذا وبالرغم من أن الصوفية على هذه الدرجات الثلاث في الاعتقاد في النبي محمد ﷺ فإنهم متفقون ومجمعون تقريبًا إلا ما شذ منهم أن ذات الرسول الذات التي منها تفيض كل العلوم وتنزل كل الرسالات، فالرسل لا ينزل عليهم الوحي إلا من الرسول ويعبرون عن ذلك بقولهم إن الرسل جميعًا والأولياء أيضًا لا تفيض ولا تنزل عليهم العلوم الإلهية إلا من ذات الرسول في الأزل والأبد أي قبل أن يوجد الرسول بذاته الترابية في الأرض، وبعد أن وجد ثم بعد أن خرجت ما يسمونه بذاته الترابية من هذه الأرض. . وهذا بالطبع هو حاصل اعتقادهم في أن الرسول أول موجود وأن العوالم من نوره، أو أن الكون خلق لأجله.
وكذلك مفهوم المتصوفة - المعتدلين - منهم يعتقدون أن الرسول يعلم الغيب كله، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات.
ولا شك أن المتصوفة الذين يعتقدون في مثل هذه العقائد في الرسول ﷺ لم
[ ١١٦ ]
يتأثروا فقط بالفلاسفة في نظريتهم في الخلق وقولهم بالهباء، والعقل الأول أو العقل الفعال. . بل إنهم تأثروا أيضًا بما قاله النصارى في عيسى، ولا شك أن نظرية النصرانية في المسيح متأثرة بقول الفلاسفة أيضًا في العقل الفعال. ولقد استطاع المتصوفة نقل هذه النظرية بالرغم من غموضها الفلسفي، وصعوبة التدليل عليها بدليل منطقي يقبله العقل. وبمجافاة هذه النظرية عن عقيدة الإسلام الواضحة السهلة، أقول بالرغم من كل ذلك فإن المتصوفة استطاعوا أن يجعلوا هذه العقيدة هي عقيدة العوام والكثرة من المسلمين وذلك بصياغتها لعبارات سهلة، وفي شعر سلس يجري على الألسنة سريعًا كقولهم مثلًا: (لولاك ما خلقت الأفلاك) ! ! . . وكنت مرة أخطب في الحرم النبوي في نحو سنة ١٣٨١هـ - الموافقة ١٩٦٠م تقريبًا مبينًا العقيدة الواجبة في الرسول ﷺ فقام إلي أحد الحجاج من كبار السن وقال لي: أليس يقول الله تعالى (لولاك ما خلقت الأفلاك) فقلت: له ليست هذه بآية من القرآن، ولا بحديث أيضًا واعتقادها شرك بالله! ! فانظر كيف جرى هذا المعتقد على ألسنة الناس بكلام مسجوع يظنه العامي قرآنًا وما هو بقرآن.
فكيف إذا كان شعرًا من أمثال شعر البوصيري الذي سارت به الركبان كقوله:
وإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم
وقوله:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ** فإنما اتصلت من نوره بهم
وهذا البيت يعبر عن معتقد الصوفية في أن علم الرسل كله من الرسول محمد مأخوذ من ذاته الأولى قبل أن تخلق ذاته الترابية كما يقولون. والبيت الأول يجعل الدنيا والآخرة نفحة من نفحات الرسول، وما سطره القلم ووعاه اللوح المحفوظ جزء وبعض من علوم الرسول ﷺ.
وكذلك وصفوا مثل هذه العقيدة في أذكار تقرأ صباحًا ومساءً لا أقول عشرات المرات بل يوجبون قراءتها أحيانًا على مريديهم آلاف المرات؛ نحو قولهم في
[ ١١٧ ]
صلاة ابن مشيش:
" اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار وفيه ارتفعت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة ولا شيء إلا وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط صلاة تليق بك إليه كما هو أهله اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك واقذف بي على الباطل فأدمغه، وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد ". ا. هـ
وكذلك لقولهم في مناجاة الرسول: " يا أول خلق الله يا نور عرش الله " ومثل هذه الكلمات كان وما زال المؤذنون في أماكن شتى من العالم الإسلامي يقولونها في المآذن قبل الآذان وبخاصة آذان الفجر. . فالعامي يفهم معنى عامًا من هذه الكلمات وأما الصوفي المتمرس القارئ أو المريد المترقي في سلم التصوف فإنه يظل يأخذ من هذه العقيدة حتى يتشربها أخيرًا وتنطبعفي نفسه ويظن - حقًا - أن الرسول هو أول موجود أو متعين ومنه انفلقت أنوار الوجود فكان العرش والكرسي والسماوات والأرض الملائكة والجن والإنس وأن الله ما خلق هذا الخلق إلا من أجله وحتى يستوي هو أي الرسول على عرش الكون ويكون كما قال ابن عربي قبة الكون. .! !
ولو أن المسلمين يقرءون القرآن ويفهمونه، ويتعلمون أحاديث الرسول ﷺ ويدرسون سيرته كما استشرت وانتشرت مثل هذه العقيدة الباطلة في أوساطهم لنجحوا في البعد عن البدع ولكن الصوفية كانوا قد أحكموا الطوق على المسلمين فزعموا أن القرآن كله أسرار وأن أسراره في الفاتحة، وأن سر الفاتحة في البسملة وسر البسملة في الباء وسر الباء في النقطة! ! !
ومن هذا الذي يستطيع أن يفتح نقطة الباء حتى يعلم أسرار القرآن، وكذلك جعلوا قراءة الحديث تبركًا فقط دون محاولة فهم لأن من حاول الفهم
[ ١١٨ ]
لا بد أن يكون مجتهدًا ولا اجتهاد بعد الأئمة الأربعة. وجعل المتصوفة قراءة السير لا تعدو أن تكون ترديدًا لمنظومات ملئوها بالكفر والشرك والغلو والتغزل في عيون الرسول الكحلية، وخدوده الوردية، وقوامه الممشوق. . هكذا والله. . وأما سيرته وجهاده وحياته ومعاناته ﷺ فإنهم شغلوا الناس عن كل ذلك بهذه الترهات والخرافات، ولذلك ضاعت حقيقة الرسول ﷺ من أوساط عامة المسلمين إلا من رحم الله، وحل مكانها هذه العقيدة الصوفية الكفرية.
المعتقد الواجب في الرسول محمد ﷺ وسائر الرسل:
من المعلوم أن الإيمان بالرسل من أركان الإيمان الستة كما جاء في حديث جبريل لما سأل النبي عن الإيمان قال: [أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى] (متفق عليه)، وقد وصف الله الرسل في القرآن بأنهم بشر اختارهم لدعوة الناس إليه وأنهم كانوا يأكلون الطعام وكانوا يعالجون المعاش والسعي في الأرض كبقية البشر، ولم يكن أحد منهم يعلم من الغيب، أو يتصرف في الأكوان كما يشاء، أو يأتيه الطعام من الغيب وقتما يشاء إلا آية واحدة جعلها الله لعبده عيسى بعد تهديد ووعيد من الله بأن من يكفر بعد تنزل هذه الآية فإنه يعذبه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين كما قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥] .
وهكذا لم تكن هذه الآية والكرامة إلا علامة على الرسالة وصدق عيسى فيما دعا قومه إليه وأنه عبد الله ورسوله، لقد كانت سيرة الرسل وعلى رأسهم محمد ـ
[ ١١٩ ]
ﷺ مبينة أنهم بشر قاسوا ما قاساه البشر من الآلام والأسقام والأوجاع والفتن والبلايا وتضرعوا إلى ربهم ودعوه، وخافوه، وأحبوه كذلك وطلبوا نصرته وعونه ﷾، وكان خاتمهم وخيرهم محمدًا ﷺ أكمل الرسل في تحقيق عبودية الله ﷾ على نفسه فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وأوذي بالله أشد الأذى، وأخرجه كفار مكة منها، وعاداه المنافقون في المدينة عداء شديدًا فسبوه أقذع السباب، ورموا زوجته بأشنع فرية، وقال قائلهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. .! ! . . وعاش ﷺ على الكفاف، وقالت عائشة ﵂ " كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. .! ! قيل لها فما كان طعامكم؟ قالت الأسودان التمر والماء " (رواه البخاري)، وربط رسول الله الحجر بل الحجرين على بطنه. . وجاع مع أصحابه وصبر معهم. . وكان في المرض يتألم ويوعك كما يوعك رجلان من المسلمين. . وحياة الرسول ﷺ لا تخفى فأموره أغلبها من المعلوم من الدين ضرورة. . وأشهر ذلك أنه لم يطلب من أحد أن يعظمه أو يعطيه حقًا لله فيسجد له أو يركع له، أو يقوم على رأسه أو يقوم لمقدمه كما قال أنس " كان أصحاب النبي ﷺ يحبونه وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من شدة كراهته لذلك " ومعلوم كذلك أن الرسل لا يعلمون الغيب كما قال تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النمل: ٦٥] . (اقرأ الفصل الخاص بذلك في باب الكشف الصوفي)، وكذلك لم تكن كل دعواتهم تستجاب لهم فقد دعا نوح وشفع في ابنه قائلًا: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥] . فقيل له ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] . ودعا إبراهيم لأبيه فلم يستجب له، وجاء في صحيح البخاري أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة وقد سربل بسربال من قطران وقد علت وجه آزر غبرة وقترة فيقول له إبراهيم: يا أبت ألم أقل لك لا تعصني. فيقول له آزر: يا بني الآن لا أعصيك. فينادي إبراهيم ربه قائلًا: ربي لقد وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أكبر من أبي
[ ١٢٠ ]
الأبعد، فيقال له يا إبراهيم إني حرمت الجنة على الكافرين. . وانظر تحت قدميك فينظر تحت قدميه فإذا هو بزيخٍ متلطخ بالدماء - والزيخ هو ذكر الضبع - فيؤخذ من قوائمه ويلقى في النار، وكذلك امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ولم ينفعهما القرب من الأنبياء، وأما النبي محمد ﷺ فقد شفع في أبي طالب فلم يستجب الله له إلا بأن أخرجه من مكانه في النار إلى مكان آخر في ضحضاح من النار يغلي منه رأسه، وقال أيضًا ﷺ (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنت أن أستغفر لها فلم يأذن لي) وقال ﷺ لابنته فاطمة (لا أغني عنك من الله شيئًا سليني من مالي ما شئت) . .! !
وقال أيضًا ﷺ (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) قالوا ولا أنت يا رسول الله. قال (ولا أنا ما لم يتغمدني الله برحمة منه وفضل) وكل هذه الأحاديث مما أخرجه أهل الصحيحين وما تضمنته هو من المعلوم في الإسلام ضرورة فإن الآيات القرآنية التي وصفت حال الرسل وافتقارهم إلى ربهم، ومعاتبته إياهم على مجرد فعلهم لخلاف الأولى كثير، كقوله لرسوله محمد ﷺ ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] . وقوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١: ٢] . وقوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وأما الآيات التي يبين الله تعالى فيها فضله على عبده ورسوله محمد ﷺ فكثيرة جدًا يصعب حصرها وسردها في هذه المقام ومنها قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى ووجدك ضالًا فهدى﴾ [الضحى: ٦: ٧] . فكيف يقول تعالى ﴿ووجدك
[ ١٢١ ]
ضالًا فهدى﴾ [الضحى: ٧] . وتقول صوفية وجد محمد قبل الخلق جميعًا ومن نوره استمد جميع الأنبياء علومهم!؟ ويقول تعالى أيضًا: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢] .
والمهم أن من قرأ القرآن وعلم شيئًا من الإسلام ودرس سيرة الرسول ﷺ حصل العلم الضروري الذي لا يدافع بأن محمدًا ﷺ هو عبد الله ورسوله وأنه وجد يوم وجد على الأرض بشرًا كالبشر لا علم له بشيء مما كان في الملأ الأعلى كما قال تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٦٧: ٧٢] . (ص: ٦٧ وما بعدها)، فالرسول أمره الله أن يقول هنا: ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ [ص: ٦٩] . والملأ الأعلى هم الملائكة عندما أمرهم الله بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فكان بينه وبين الرب ﷾ ما كان مما قصه على رسوله محمد ﷺ ومما لم يكن عن الرسول قبل بعثته وقبل نزول هذا الوحي أو في علم منه. . بل إن رسول الله عندما جاءه جبريل بالوحي ظنه شيطانًا وجاء أهله ترتعد فرائصه، وهو يقول زملوني وقال للسيدة خديجة ﵂: لقد خشيت على نفسي! !
وظن أن الذي أتاه في غار حراء شيطان من الذين ينزلون على الكهان والسحرة فلو كان جبريل مخلوقًا من نور الرسول كما زعمت المتصوفة لقال الرسول لجبريل عندما نزل إليه أهلًا بمن خلقه الله من نوري. ولم يكن شأن الرسول أمام جبريل كما كان حيث يأمره بأن يقرأ ما في يده من آيات ما أنا بقارئ. . فيضمه جبريل حتى تكاد أنفاس الرسول تنقطع ثم يرسله ويقول له مرة ثانية اقرأ ويفعل ذلك ثلاث مرات، وما كان ذلك إلا لإشعار الرسول أن ما يراه وما يسمعه ليس خيالًا ولا رؤيا منامية وإنما هو حق. . أقول لا شك أن من قرأ سيرة الرسول ﷺ وعلم شيئًا يسيرًا من عقيدة الإسلام استحال
[ ١٢٢ ]
عليه الإيمان بما آمن به الصوفية في شأن الرسول، ولكن هؤلاء لأنهم تركوا الكتاب والسنة وراءهم ظهريًا وتركوا العقول أيضًا وراءهم وألقوها واتبعوا ما كتبه شياطين الإنس من الفلاسفة مما توهموه بعقولهم في قولهم بالهباء والهيولي والعقل الأول، والعلة، وواجب الوجود الذي لا يوصف بصفة ثبوتية وإنما يوصف بالصفة وضدها. . كالوجود والعدم، والحياة والموت، والفوق والتحت، وغير ذلك من هذه الأوهام والخرافات، والمتناقضات.
أقول: عندما آمن فلاسفة التصوف بهذه الخرافات الإغريقية وتركوا الإسلام والعقل فإنهم خرجوا على الناس بهذه الخرافات وأدخلوا في الدين الإسلامي هذه الخزعبلات. والعجيب أنهم استطاعوا بفنهم الشيطاني أن يجعلوا عقيدتهم هذه وما سموه (بالحقيقة المحمدية) عقيدة العامة والدهماء من المسلمين الذين أحسنوا الظن برجال التصوف الذين لبسوا لهم مسوح الرهبان وأضمروا لهم عقائد الشيطان، وخرجوا على الناس بجلود الضأن، وقد أخفوا عنهم قلوب الذئاب. .
وقد تذرع المتصوفة لنشر عقيدتهم فيما سموه (بالحقيقة المحمدية) أيضًا بحديث موضوع وهو (كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث) وذكره الشوكاني في الأحاديث الموضوعة ص٣٢٦، وحديث آخر (كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد) ذكرها الحاكم وقال الصنعاني هو موضوع وكذا قال ابن تيمية. وعلى فرض صحة هذا الحديث الأخير فإنه لا شاهد فيه على عقائد الصوفية وإنما يعني أن الرسول قد قدر الله كونه نبيًا عندما خلق آدم. ولا شك أن الله قد قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون) (رواه أبو يعلى والبيهقي وصححه الألباني وأخرجه في الصحيحة برقم١٣٣) . وبهذا يتضح لك أن ما ذكره الصوفية في عقائدهم عن (الحقيقة المحمدية) ما هو إلا هذيان وأقوال فلاسفة وكهان، وليس هو في شيء من دين الإسلام.
وصلى الله على عبده محمد إمام أهل الإيمان.
[ ١٢٣ ]
الفصل الثامن: الخضر ﵇ في الفكر الصوفي
قصة الخضر ﵇ التي وردت في القرآن في سورة الكهف، ووردت في السنة في البخاري وغيره، حرّف المتصوفة معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، فقد جعلوا هذه القصة دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًا، وحقيقة صوفية تخالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة على علماء الحقيقة أمرًا مستغربًا (فقد أنكر موسى من قبل على الخضر وكان كل منها على شريعة خاصة) وجعل الصوفية الخضر مصدرًا للوحي والإلهام والعقائد والتشريع. ونسبوا طائفة كبيرة من علومهم التي ابتدعوها إلى الخضر، وليس منهم صغير أو كبير دخل في طريقهم إلا ادعى لقيا الخضر والأخذ عنه.
ولما كان لهذه القصة هذا الدور العظيم في الفكر الصوفي فقد أحببت أن أجلي هذا الأمر وأوقف الإخوة القراء على حقيقة الأمر ولنبدأ أولًا بالقصة في القرآن والسنة:
الخضر في القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربًا فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصًا فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه
[ ١٢٥ ]
رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا قال إنك لن تستطيع معي صبرًا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله قال أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني ذكرًا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا وأما الجدار
[ ١٢٦ ]
فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا﴾ [الكهف: ٦٠: ٨٢] .
الخضر في السنة
وقبل أن نتعرض لبعض ما جاء في هذه الآيات الكريمة بالشرح والتفسير نستعرض ما رواه الإمام البخاري ﵁ في شأن هذه القصة. قال الإمام البخاري:
باب حديث الخضر مع موسى ﵉
١ - حدثنا عمرو بن محمد حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثني أبي عن صالح عن أبي شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره (عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيّه، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: [بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى بل عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل له الحوت آية، وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان يتبع الحوت في البحر، فقال لموسى فتاه: أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصًا فوجدًا خضرًا، فكان من شأنهم الذي قص الله في كتابه) .
٢ - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن إسرائيل، إنما هو موسى آخر. فقال كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن موسى قام خطيبًا في بني
[ ١٢٧ ]
إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فقال له: بلى، لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال أي رب ومن لي به؟ - وربما قال سفيان؟ أي ربّ وكيف لي به؟ - قال تأخذ حوتًا فتجعله في مكتل، حيثما فقدت الحوت فهو ثم وربما قال: فهو ثمه - وأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما، فرقد موسى واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق - فقال هكذا مثل الطاق - فانطلقا يمشيان بقية ليلتهما ويومهما، حتى إذا من الغد قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله، قال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبًا، فكان للحوت سربًا ولهما عجبًا، قال له موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصًا - رجعا يقصان آثارهما - حتى انتهيا إلى الصخر، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلم موسى فرد عليه فقال: وأنّى بأرضك السلام، قال أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علّمك الله لا أعلمه. قال هل أتبعك؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا - إلى قوله - إمرًا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول. فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر. إذا أخذ الفأس فنزع لوحًا، قال فلم يفجأ موسى إلا وقد قلع لوحًا بالقدّوم، فقال له موسى: ما صنعت؟ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا. فكانت الأولى
[ ١٢٨ ]
من موسى نسيانًا، فلما خرجا من البحر مروا بغلام يلعب مع الصبيان، فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده هكذا - وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا - فقال له موسى: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض مائلًا - أومأ بيده هكذا، وأشار سفيان كأنه يمسح شيئًا إلى فوق، فلم أسمع سفيان يذكر (مائلًا) إلا مرة - قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، عمدت إلى حائطهم، لو شئت لاتخذت عليه أجرًا. قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما تستطع عليه صبرًا، قال النبي ﷺ: (وددنا لو أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما) . قال سفيان: قال النبي ﷺ: (يرحم الله موسى لو كان صبر يقص علينا من أمرهما) . وقرأ ابن عباس: أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا. وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين. ثم قال لي سفيان: سمعته منه مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان قبل أن تسمعه عن عمرو أو تحفظه من إنسان؟ فقال ممن أتحفظه؟ ورواه أحد عن عمرو غيري؟ سمعته منه مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه.
٣ - حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء] قال الحموي قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري حدثنا علي بن خشرم عن سفيان بطوله. .
فقه القصة كما وردت في الكتاب والسنة:
ومن هذا العرض الكامل لنصوص القصة في القرآن وفي صحيح البخاري نستخلص الفوائد التالية:
١ - أن الله ﷾ أراد أن يؤدب نبيه موسى ﷺ الذي قال جوابًا عن سؤال (لا أعلم على الأرض أعلم مني) ! ! إن كان يجب أن يرد علم ذلك إلى الله
[ ١٢٩ ]
﷾، فأراه الله جل وعلا أن هناك عبدًا لا يعلمه موسى هو على علم من علم الله لا يعلمه موسى وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بين موسى والخضر.
٢ - أن الخضر بعد أن تم لقاؤه بموسى أخبره أن علم الخضر وعلم موسى بجوار علم الله سبحانه لا شيء وأنهما لم ينقصا من علم الله إلا كما شرب العصفور من ماء النهر.
٣ - أن الشريعة التي كان عليها الخضر لم تكن في حقيقتها مخالفة للشريعة التي عليها موسى، وإنما كان يخفى على موسى فقط الخلفية التي من أجلها فعل الخضر ما فعله، ولذلك فإن الخضر عندما بين لموسى الأسباب التي دفعته إلى خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار لم يستنكر موسى شيئًا من ذلك لأن هذا كله سائغ في الشريعة، فإتلاف بعض المال لاستنقاذ بعضه جائز فلو وكلت مثلًا رجلًا على عمل لك ثم جاء لصوص أو ظلمه قطاع طريق ليستولوا على المال كله ولم يجد هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إلا بأن يدفع لهم بعض المال ويتركوا بعضه لما كان ملومًا شرعًا، ولا يلام ممن وكله بل يستحسن فعله، وما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة لا يعدو ذلك فهو إنما أفسد السفينة فسادًا جزئيًا لتظهر لأعوان ذلك الملك الظالم أنها غير صالحة فيتركوها وبذلك تسلم من الغصب، ولا شك أن ما فعله الخضر في حقيقته إحسان لأصحاب السفينة لأن الله أطلعه على شيء من المستقبل في أن ذلك الملك الظالم سيصادر السفن لأمر ما كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانًا إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة. .
فما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة موافق للشرع الإلهي تمامًا في كل دين وملة وليس مخالفًا للتشريع، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ من أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان الله قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده.
وأما قتل الغلام فهو كذلك سائغ في الشريعة إذا كان هذا الغلام سيكون ظالمًا لوالديه، مجبرًا لهما على الكفر وكان هذا مما علمه الله مستقبلًا، وأطلع عليه الخضر، فكان قتله أيضًا سائغًا، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي. حقًا إن الشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان،
[ ١٣٠ ]
والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر الله ﷾ الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه ﷾ رحمة بعبدين من عباده صالحين أراد الله جل وعلا أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين، الألم الأول أنه ولدهما وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء، والثاني أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان وهذا عذاب آخر، فجمع الله ﷾ لهما عذابًا واحدًا فقط وهو فقد الولد، وفيه خير لهما ولا شك لأن صبرهما، أيضًا على فقده فيه خير لهما. فلما علم الله ذلك، وأطلع الخضر عليه، ونفذ هذا بأمر الله كان ذلك كله موافقًا للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد ﷺ وعليها سائر الأنبياء.
ولذلك لما قيل لابن عباس على هذه الحادثة: أيجوز أن نقتل الأولاد؟ . . قال: إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل. . أي إن ذلك سائغ في الشريعة ولكن أين من يطلعه الله على الغيب كما أطلع الخضر ﵇.
وأما مسألة بناء جدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القرى (بكسر القاف) والضيافة الواجبة، فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية والمسيحية واليهودية ففي القرآن ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤] . وفي الإنجيل (أحسنوا إلى من أساء إليكم وباركوا لأعينكم)، وقال تعالى فيما أوحاه لموسى ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة.
ثم إن إحسانه لهذين الغلامين لم يتأت منهما إساءة وكان أبوهما رجلًا صالحًا وهم في قرية ظالمة بخيلة ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم. .
فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر، وأي حقيقة اطلع عليها الخضر تخالف ظاهر شريعة كان عليها موسى بل ما فعله الخضر موافق تمامًا لشريعة موسى
[ ١٣١ ]
ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ولكل شرائع الله المنزلة، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئًا يخالف ما كان عليه الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما فقط أطلعه الله على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه الله عليها. وباختصار لم يفعل الخضر شيئًا مخالفًا لشريعة موسى فافهم هذا جيدًا وتمسك به.
٤ - وجود الخضر ﵇ على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمرًا سائغًا وسنة من سنن الله قبل بعثة محمد ﷺ لأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسولًا إلى بني إسرائيل فقط، ولم يكن رسولًا للعالمين، ولذلك لما سلم موسى ﵇ على الخضر قال الخضر: وأنّى بأرضك السلام. قال له موسى أنا موسى. قال الخضر: موسى بني إسرائيل!؟ قال: نعم. . أي أنت مبعوث إلى بني إسرائيل ومنهم، ولذلك لم تكن شريعة موسى لازمة للخضر ولجميع الناس في زمانه، وأما بعد بعثة محمد ﷺ فإنه لا يجوز شرعًا أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته، لأن الرسول ﷺ رسول للعالمين، فلا يسع الخضر ولا غيره أن يتخلف عن الإيمان به واتباعه ولذلك فلا وجود بتاتًا للخضر وأمثاله بعد بعثة الرسول محمد ﷺ.
٥ - لا شك أن ما فعله الخضر فعله عن وحي حقيقي من الله وليس عن مجرد خيال أو إلهام لأن قتل النفس لا يجوز بمجرد الظن، ولذلك قال الخضر: وما فعلته عن أمري. . فلم يفعل إلا عن أمر الله الصادق ووحيه القطعي. ومثل هذا الأمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ فلا وحي بعده، ومن ادعى شيئًا من ذلك فقد كفر لأنه بذلك خالف القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وقال أيضًا رسول الله ﷺ (وختم بي النبيون فلا نبي بعدي) [رواه مسلم] .
[ ١٣٢ ]
من بيان الحقائق السالفة تتضح لنا الصورة الحقيقية لقصة الخضر ﵇ والاعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة. ولكن المتصوفة جعلوا من هذه القصة شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه وليّ وليس بنبي، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول محمد ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها، فكما أن الخضر وهو وليّ فقط في زعمهم كان أعلم من موسى فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة، وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة فما يكون معصية في الشريعة كشرب الخمر والزنا واللواط، قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني، وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل ولي كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف عن الوحي النبوي. .
وهكذا جعل المتصوفة من قصة الخضر بابًا عظيمًا لإدخال كل أنواع الخرافات والزندقة والجهل والإسفاف. .، بل بلغ الهذيان وحده عندهم حيث يوجد من زعم منهم أن الخضر لا يصلي لأنه على شريعة خاصة! ! ومنهم من زعم أن الخضر يصلي ولكن على المذهب الحنفي! !
ولكن صوفيًا آخر يزعم أنه رأى الخضر يصلي ولكن على المذهب الشافعي! ! بل وأكثر من ذلك زعموا أن الخضر هو الذي يلقنه أذكار الطريقة الإدريسية والسنوسية.
وهكذا أصبح الخضر الصوفي هذا ألعوبة عظيمة، ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا في كل مكان في الأرض تقريبًا مكانًا زعموا أن الخضر جلس فيه أو رآه صوفي عنده، ولذلك أصبح له في كل أرض من أراضي الإسلام مقام ومزار،
[ ١٣٣ ]
تذبح فيه الذبائح، وتقدم فيه القرابين، وينتفع بذلك الكذابون والغشاشون.
باختصار لقد تحول الخضر إلى قصة خرافية كبيرة أشبه بقصة ما يسمونه بالسوبرمان الذي يطير في كل مكان، ويلتقي بالأصدقاء والخلان في كل البلدان، ويشرع للناس ما شاء من عبادات وقربات، ويلقن الأذكار وينشئ الطرق الصوفية، ويعمد الأولياء والأقطاب، ويولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وما عليك إذا أردت لقاء الخضر إلا أن تذكر مجموعة من الأذكار فيأتيك الخضر في الحال، ويبشرك بما تشاء من البشارات، ويجعلك وليًا من الأولياء، ويعطيك علومًا لدنية لم يعلمها الرسل أنفسهم ولا خطرت لهم على بال.
ولنذهب معًا في جولة مع الفكر الصوفي وخرافاته حول قصة الخضر
أول من افترى القصة الصوفية للخضر
يبدو أن أول من افترى القصة الصوفية للخضر هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي المسمى بالحكيم والمتوفي في أواخر القرن الثالث الهجري - فالترمذي هذا يقول في كتابه ختم الولاية - (وهذا الكتاب بنظري هو أخطر كتاب صوفي على الإطلاق) يقول في جوابه عن علامات الأولياء:
" وللخضر ﵇ قصة عجيبة في شأنهم وقد عاين شأنهم في البدء ومن وقت المقادير فأحب أن يدركهم، فأعطى الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم، حتى يكون تبعًا لمحمد ﷺ وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة ففاتته وأصابها الخضر، في قصة طويلة.
وهذه آياتهم وعلاماتهم. فأوضح علاماتهم ما ينطقون به من العلم وأصوله.
قال له قائل: وما ذلك العلم؟
قال: علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف.
فهذه أصول الحكمة وهي الحكمة العليا. وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء
[ ١٣٤ ]
الأولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الولاية " (ختم الولاية ص٣٦٢)
وفي هذا النص يزعم مجرد زعم بلا أدنى دليل أو علم أن الخضر هذا عاين منذ بدء الخليقة أمور الأولياء وعرفهم منذ كتابه المقادير (انظر) وأحب - في زعم الترمذي - أن يدرك هؤلاء الأولياء، فأعطى الحياة حتى يبلغ أمة محمد ﷺ. .
وأما هو أي الخضر فكان في قرن إبراهيم أي وجد في زمانه. . وزمن ذي القرنين. . فانظر هذا الجهل والتخريف والإفتراء. . الذي لا يقوم على أدنى دليل إلا الكذب والبهتان. . ثم يستطرد في بهتانه فيزعم أن ذا القرنين كان يحارب ويسافر ليصل إلى عين الحياة التي من شرب منها فلا يموت أبدًا فلم يستطع الوصول إليها ولكن الخضر وصل إليها. . فانظر هذا الكذب والتخريف.
وهذا بالطبع منقول بعضه من تخريف اليهود وافتراءاتهم أن آدم لما خلقه الله في الجنة أكل من شجرة المعرفة فأصبح كالله يعلم الخير والشر، ثم خاف الله منه أن يأكل من شجرة الحياة فيحيا أبدًا ولا يموت فلما خاف الله من ذلك طرده من الجنة من أجل ذلك. . (انظر التوراة الإصحاح الثالث) .
ولقد لفق الترمذي من هذه القصص الخرقاء قصته عن الخضر التي تلقفها الصوفية فيم بعد وزادوا عليها ما شاؤوا. والمهم هنا أنه زعم كل هذه المزاعم وأن الخضر حي أبدًا وأنه قاتل مع ذي القرنين. . ولسنا ندري أين كان ما دام أنه حي يرزق إلى آخر الحياة. أين كان عن شهود غزوة بدر وأحد والخندق والمواقع، ولماذا لم يشارك في فتح القادسية واليرموك، ولماذا لم يلتق بأبي بكر وعمر، ولم يتشرف قبل ذلك برؤيا رسول الله ﷺ ما دام أنه حي أبدًا واطلع على جميع الأولياء منذ البدء. . بل ولماذا لم ينزل ولم يلتق إلا بالكذابين الضالين أمثال هذا الترمذي الذي لم يتنبأ له إلا امرأته التي تنزل عليها الوحي حسب زعمه وبشرته بأنه سيكون من شأنه كذا وكذا إلى أن يكون خاتم الأولياء كما كان محمد خاتم النبيين! !
والترمذي الذي هذا هو شأنه يذكر أيضًا من صفات أوليائه المزعومين أنه
[ ١٣٥ ]
تظهر علي أيديهم الآيات كطي الأرض، والمشي على الماء، ومحادثة الخضر ﵇ الذي زعم أيضًا أن الأرض تطوي له برها وبحرها، سهلها وجبلها، يبحث عن الأولياء شوقًا إليهم (ختم الولاية ص٣٦١) .
ومنذ ذلك الوقت الذي افترى فيه من افترى هذه الفرية على الخضر ﵇ سواء كان الترمذي نفسه هذا أو هو ناقل عمن قبله. . أقول سواء كان هذا أو هذا فإن المتصوفة بدأوا ينسحبون الخرافات حول قصة الخضر وإليك بعضًا من هذه الخزعبلات والخرافات:
الخضر يصلي على المذهب الشافعي
من أطرف القصص ما ذكره أحمد الفاروقي السرهندي في كتابه المنتخبات أنه رأى الخضر وإلياس ﵉ حضرا عنده في حلقة الدرس وأن الخضر قال له إنهما من عالم الأرواح وأنهما يتشكلان بما شاءا من الصور. . وأنه أي السرهندي هذا سأل الخضر هل تصلون بمذهب الشافعي فقال له الخضر لسنا مكلفين بالشرائع! ! ولكن لأن قطب الزمان الشافعي فنحن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي. . ويعلن السرهندي على ذلك فيقول إن كمالات الولاية مختصة بالمذهب الشافعي، وأما كمالات النبوة فهي من اختصاص المذهب الحنفي! ! ولذلك عندما ينزل عيسى بن مريم فإنه يصلي ويعمل بالمذهب الحنفي! ! وإليك نص أحمد السرهندي في هذه الخرافات قال:
المكتوب الثاني والثمانون والمئتان إلى الملا بديع في بيان ملاقاة الخضر وإلياس ﵍ وبيان نبذة من أحوالهما الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد مضت مدة من استفسار الأصحاب عن أحوال الخضر على نبينا ﵊. ولما لم يكن للفقير اطلاع على أحواله كما ينبغي كنت متوقفًا في الجواب فرأيت اليوم في حلقة الصبح أن الإلياس والخضر ﵉ حضرا في صورة الروحانيين فقال
[ ١٣٦ ]
الخضر بالإلقاء الروحاني:
نحن من عالم الأرواح قد أعطى الحق سبحانه أرواحنا قدرة كاملة بحيث تتشكل وتتمثل بصورة الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسكنات الجسمانية والطاعات والعبادات الجسدية. فقلت له في تلك الأثناء: أنتم تصلون الصلاة بالمذهب الشافعي. فقال نحن لسنا مكلفين بالشرائع، ولكن لما كانت كفاية مهمات قطب الدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشافعي نصلي نحن أيضًا وراءه بمذهب الإمام الشافعي ﵁ فعلم في ذلك الوقت أنه لا يترتب الجزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة لأهل الطاعة ومراعاة لصورة العبادة وعلم أيضًا أن كمالات الولاية موافقة لفقه الشافعي وكمالات النبوة موافقة لفقه الحنفي فعلم في ذلك الوقت حقيقة كلام الخواجة محمد بارسا قدس سره حيث ذكر في الفصول الستة نقلًا أن عيسى عليه وعلى نبينا السلام يعمل بعد نزوله بمذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ ﵁ فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أن نستمد بهما وأن نطلب منهما الدعاء فقال إذا كانت عناية الحق سبحانه شاملة لحال الشخص فلا مدخل لنا هناك وكأنهم أخذوا أنفسهم من البين. وأما إلياس على نبينا وعليه الصلاة والسلام فلم يتكلم في ذلك الوقت أصلًا والسلام (المنتخبات من المكتوبات لأحمد الفاروقي ص٩١ طبع تركيا) .
الخضر حنفي وليس شافعيًا
ويبدو أن الكشف السابق لما يسمونه بالعالم الرباني أحمد السرهندي الذي أراد به التنقص من المذهب الشافعي وعلاء منزلة المذهب الحنفي وذلك أنه جعل المذهب الحنفي للأنبياء، والمذهب الشافعي للأولياء. . أقول يبدو أنه لم يطلع على كشف الشعراني الذي زعم أن الخضر كان حنفيًا ولم يكن شافعيًا حيث ذكر في كتاب معارج الألباب عن بعض شيوخه أنه ذكر له أن الخضر ﵇ كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة في كل يوم بعد صلاة الصبح يتعلم منه الشريعة فلما مات (أي أبو حنيفة) سأل الخضر ربه أن يرد روح أبي حنيفة
[ ١٣٧ ]
إلى قبره حيث يتم له علم الشريعة وأن الخضر كان يأتي إليه كل يوم على عادته يسمع منه الشريعة داخل القبر وأقام على ذلك خمس عشرة سنة حتى أكمل علم الشريعة (معارج الألباب ص٤٤) .
فانظر أي تخليط وكذب سمج، فهذا الخضر المزعوم أين هو من تعلم الشريعة على يد محمد ﷺ وهم يزعمون أنه كان حيًا ذلك الوقت ولماذا لم يتتلمذ على الخلفاء الراشدين وهم أعلم الناس بالشريعة. . ولقد قال أبو حنيفة نفسه: دعوا قولي لقول أصحاب رسول الله فإنهم كانوا أعلم بالتنزيل! ! فإذا كان أبو حنيفة يأمرنا أن نترك قوله لقول رسول الله ﷺ وقول أصحابه فكيف يترك الخضر المزعوم تعلم الشريعة عن الرسول وأصحابه وينتظر حيًا حتى يأتي أبو حنيفة ليتعلم منه الشريعة. . ثم أي تلميذ بليد هذا الخضر الصوفي المزعوم حتى يمكث مع أبي حنيفة كل حياته ولا يستطيع أن يتعلم علمه. . ويدعو الله أن يظل أبو حنيفة حيًا في قبره ليستكمل الدراسة ويستمر في التردد على القبر يوميًا لمدة خمس عشرة سنة ليتعلم علم أبو حنيفة فضلًا عن عشرات السنين قبل ذلك! !
ثم كيف يكون الخضر هو ممد الأولياء ومعلمهم وهو بهذه البلادة وقلة الحفظ! !
لقد فات الذين يفترون هذه القصص كل هذه الأمور، ولكن لأنهم لم تكن لهم عقول سليمة فإنهم كذبوا مثل هذا الكذب السمج.
ورحم الله الإمام الشافعي القائل: " لا أرى أن رجلًا يتصوف أول النهار حتى يكون أحمق في آخره ". . وقال: " لا أرى أن رجلًا يصاحب الصوفية أربعين يومًا فيعود إليه عقله أبدًا ".
وهؤلاء لا شك أنهم كانوا كذلك حمقى مجانين ذهبت عقولهم ولم ترجع إليهم أبدًا.
والعجيب أن مثل هذه الخرافات تظل تسري وتجري فقد زعم الحصفكي
[ ١٣٨ ]
الحنفي في مقدمة كتابه الدر المختار أن الخضر أودع أوراق المذهب الحنفي في نهر جيحون إلى وقت نزول عيسى ﵇ حتى إذا نزل أخذ هذه الصحائف وتعلم منها المذهب الحنفي حتى يحكم به في آخر الزمان! !
الخضر يعلم الأذكار الصوفية
الخضر الصوفي المزعوم يكاد يكون في كل ميدان من ميادين التصوف، فهو صاحب الكشف وهو نقيب الأولياء، وهو آخذ العهود، وهو مرشد الأنام، وهو معلم الأذكار. يقول أحمد بن إدريس: " اجتمعت بالنبي ﷺ اجتماعًا صوريًا ومعه الخضر ﵇ فأمر النبي ﵇ الخضر أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية فلقنني إياها بحضرته ﷺ " (مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص٨) ويستطرد أيضًا قائلًا: " ثم قال ﷺ للخضر ﵇ يا خضر لقنه ما كان جامعًا لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار " (مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص٨) .
قلت اعلم أن أذكار الطريقة الشاذلية هذه فيها كفر وشرك فمن أذكارها صلاة ابن مشيش (اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة) وفيها أن محمد ﷺ هو أصل هذا الوجود وأول مخلوق فيه ومنه انشقت كل الأنوار وظهرت كل الموجودات (اقرأ الباب الخاص بالحقيقة المحمدية، والباب الخاص بالذكر الصوفي) . .
والمهم هنا التنبيه على أن الخضر الصوفي يختلف تمامًا عن الخضر الذي ذكره الله في القرآن وقص علينا النبي ﷺ قصته. فذاك نبي عبد موحد مؤمن على علم من علم الله بالوحي عاش ومات لوقته وزمانه وفعل ما فعل موافقًا للحق والشريعة أما الخضر الصوفي فهو ما رأينا مصدرًا للخرافة والجهل والشرك ولذلك أخبر الإمام ابن تيمية بأن الخضر المزعوم هذا لا حقيقة له شأنه في ذلك
[ ١٣٩ ]
شأن الغوث والقطب الصوفي، ومنتظر الرافضة.
الخضر الصوفي خرافة لا حقيقة
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ما نصه:
" ثلاثة أشياء ما لها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجهال، فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة، وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء هو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله لا يحصيه إلا الله ﷿ وأنبياء الله الذي هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: ٧٨] . وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: وإني بأرضك السّلام، فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال أنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا، في زمان النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرفع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة في دينهم ودنياهم، فإن دينهم
[ ١٤٠ ]
أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم (لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ﷺ قد أخبرهم بنزول عيسى ﵇ من السماء وحضوره مع المسلمين وقال [كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى في آخرها] فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﷺ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك فقط، ولا خلفاؤه الراشدين؟ ! !
وقول قائل إنه نقيب الأولياء، فيقال له، من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر، وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك. وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان. انتهى المراد منه.
[ ١٤١ ]
الفصل التاسع: الكشف الصوفي
الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة
من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده ﷾ وأنه يطلع وسبحانه تعالى على ما شاء من الغيب من شاء من أنبيائه ورسله فقط وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه كما قال ﷾ لرسوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
وقال جل وعلا: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨] .
وأمر رسوله محمدًا ﷺ أن يخبر الناس أنه ليس ملكًا ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وهذا الذي قاله الرسول ﷺ هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعالى على لسان نوح: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذًا لمن الظالمين﴾ [هود: ٣١]
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
[ ١٤٣ ]
[مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله] . وهذا الحديث يقرر قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤] .
وفي صحيح البخاري أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] . ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] .
فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جدًا قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، فيقولون سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلم كما جاء في الحديث الشريف، وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فنوح لم يعلم أن ابنه ليس من أهله وأن زوجته على غير دينه، وإبراهيم لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلًا وقربه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة علمًا أنهم قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف من القوم، وأما محمد ﷺ فقد حدث له مئات بل آلاف الوقائع التي تدل يقينًا أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه. . فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار
[ ١٤٤ ]
شيطان وقال لخديجة لقد خفت على نفسي، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله. . ولم يدر بخلد النبي أنه سيؤذى ويخرج من مكة أبدًا علمًا بأن النبي ﷺ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة، وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقه وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله. . بل النبي محمد ﷺ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق. . فغدر المشركون بأربعين رجلًا من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ما يكون من أمر الله بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه لما أسلم لهم أصحابه وحبس المشركون يومًا وليلة في مكان ليس فيه ماء لأن السيدة عائشة ﵂ قد فقدت عقدًا لها ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد السيدة عائشة الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي. . ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا - شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبها ـ. . ومكث رسول الله شهرًا كاملًا لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيئًا. . ولم يستطع رسول الله ﷺ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء. . هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله وأكرم خلق الله من البشر على الله لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة. .
الغيب في المعتقد الصوفي
ولكن الصوفية منذ القدم. . منذ نشأتهم في الإسلام وإلى يومنا هذا عمدوا
[ ١٤٥ ]
إلى هذا الأصل الأصيل من أصول الدين فهدموا بل اقتلعوا جذوره من قلوب من يسير في طريقهم وينتهج منهجهم هذا الأصل فهدموه جعله الله أول صفة في كتابه للمتقين حيث يقول ﵎ في سورة البقرة الثانية في القرآن بعد الفاتحة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ١: ٣] . الآية.
جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيبًا إلا من الله ومن أقامه للأخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط، جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل فأقاموا شيئًا سموه (الكشف الصوفي) وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي. . هكذا والله؛ وسيرى القارئ في هذا الفصل النقول من كتب القوم كلها تنص على أن الصوفي لا يقف أمامه حجاب، ولا يوصد أمامه باب، ولا يعجزه علم شيء في الأرض ولا في السماء. فهو يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح المحفوظ، وماذا في أم الكتاب، وماذا كان منذ الأزل وماذا سيكون إلى الأبد، لا أقول قد ساوى الصوفية أنفسهم بالأنبياء بالغيب أو ساووا أنفسهم بالخضر الذي يزعمون النقل عنه لا والله بل جعلوا كل زنديق منهم ممن لا وزن له في خلق ولا علم جعلوا هؤلاء هم الله علمًا بكل شيء، وإحاطة بما في السماوات والأرض. .
وسيرى القارئ أن أي زندقة وأي كفر في الأرض لم يجرؤ كاتبوه ومؤيدوه أن يكتبوا مثل هذا ولكن الصوفية سبقوا كل الكفار في كل الملل والنحل والأقوام وكتبوا بأقلامهم ما لم يجرؤ أحد بتاتًا أن يكتبه أو يسطره فيما علمناه من الكفرة والزنادقة والملاحدة. .
[ ١٤٦ ]
لقد ترقى المتصوفة في قضية الكشف عندهم فزعموا أولًا أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى. .، وأما هم فيلتقون بالرسول ﷺ يقظة أحيانًا، ومنامًا أحيانًا ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم ثم ترقوا فقالوا إن لنا علومًا ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى ومحمد والأنبياء على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحسانًا منه لمن أساء إليهم. . ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علومًا خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم. . والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن الخضر إتيان (الحمارة) والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء والإدعاء بأن كل مخلوق هو الله وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى بالله وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد هو الله المستوي على العرش. . هذه الأشياء قليلة جدًا من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ﵇ هو مبلغ كل هذا لهم، وتارة يترقون في هذا الكذب أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ﷺ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفًا من الله رأسًا وبلا وساطة وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأسًا وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير
[ ١٤٧ ]
وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها. .
ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم. . فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيرًا ما هو موجود فعلًا في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائمًا رأي العين، بل هي ساقطة أصلًا من عيونهم لأن النار وما النار، لو بصق أحدهم عليها لأطفأها كما قال أبو يزيد وغيره منهم. . وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط. .
ولذلك قال قائلهم معيبًا على الصحابة عندما قرأ ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] . قال. . أف. . أليس منكم أحد يريد الله. . وقال آخر عن قوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥] . قال. . ألهاهم عنه. .
باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ﷺ وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علومًا كثيرة جدًا لا يعلمها غيرهم. . وما هذه العلوم. . إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف. .
ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال:
خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله. . فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء. . وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله. .
[ ١٤٨ ]
هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها. . لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلًا أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلًا من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحيانًا تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات ما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات، لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقًا أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقًا، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقًا وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقينًا وبذلك راجت يومًا بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة.
وها نحن نورد بعد هذه المقدمة التي لا بد منها طائفة من النقول من كتب القوم المعتمدة التي تبين هذا الباطل الذي يدعونه ويسمونه كشفًا، وحقيقة، وعلمًا لدنيًا، وتحققًا واطلاعًا ليكون القارئ المسلم على بينه مما عليه هؤلاء الزنادقة.
عبد الكريم الجيلي وكتابه الإنسان الكامل:
هذا عبد الكريم الجيلي يكتب كتابه (الإنسان الكامل) زاعمًا أيضًا أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول:
". . ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئًا
[ ١٤٩ ]
في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه.
وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئًا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرًا، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقًا بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم.
واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيدًا بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه " (الإنسان الكامل ص٨) .
علمًا بأنه لم يضع فيه شيئًا مطلقًا وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئًا في الأرض فما عبد إلا الله. بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب، والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر. .
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا واستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته. . اللهم رحماك رحماك. . لقد قلت في كتابك عن الذين ادعوا الألوهية في عيسى وهو نبي كريم ونفس طيبة ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٥] . وقلت أيضًا ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن
[ ١٥٠ ]
أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٠: ٩٣] . . وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءًا منك، ومظهرًا لك (ومجلى) - حسب عبارتهم - من مجاليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص:
" وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح (. . انظر) وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل " ثم يقول: " فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعًا للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلًا على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه (الدن: هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه) القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم) ا. هـ (ص٦) .
ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب:
إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق. . هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحًا كاملًا في كتابه، وأضاف أن محمدًا ﷺ هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي: قل يا محمد الإنسان هو الله أحد. فهاء الإشارة في (هو) راجع إلى فاعل قل وهو أنت. . فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد. . هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة.
وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك:. .
" الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي
[ ١٥١ ]
هو عين الإنسان قال الله تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الإنسان (الله أحد) فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتًا بيانيًا إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء.
قال الله تعالى ﴿ولو ترى إذ وقفوا﴾ [الأنعام: ٢٧] . ليس المراد به محمدًا وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز.
قال الله تعالى (والله هو الولي) يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت:
لي الملك في الدارين لم أرى فيهما ** سواي فأرجو فضله أو فأخشاه
ولا قبل من قبلي فالحق شأنه** ولا بعد من بعدي فأسبق معناه
وقد حزت أنواع الكمال وإنني ** جمال جلال الكل ما أنا إلا هو
فمهما ترى من معدن ونباته ** وحيوانه مع أنه وسجاياه
ومهما ترى من عنصر وطبيعة ** ومن هباء الأصل طيب هيولاه
ومهما ترى من أبحر وقفاره**ومن شجر أو شاهق طال أعلاه
ومهما ترى من صورة معنوية ** ومن شهد للعين طال محياه
إلى أن يقول:
[ ١٥٢ ]
فإني ذلك الكل والكل مشهدي** أنا المتجلي في حقيقته لا هو
" (ص٣١) ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيليًا في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص:
الباب الملفى ستين: في الإنسان الكامل وأنه محمد ﷺ وأنه مقابل للحق والخلق.
" اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الكنيسة مكان العبادة عند النصارى. والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار: وما الكلب والخنزير إلهنا ** وما الله إلا راهب في كنيسة.
فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية.
ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي - رضي الله - عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فلان في صورة فلان. وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقًا وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها
[ ١٥٣ ]
في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك
الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ. لما أعطاك الكشف أن محمدًا ﷺ متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئًا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا لله وحاشا الرسول ﷺ أن يكون ذلك مرادي، بل إن رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملها ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم " ا. هـ
ثم يستطرد الجيلي حسب اعتقاده مبينًا كيف يكون محمد ﷺ إنسانًا كاملًا، وإلهًا تحققت فيه كل مظاهر الربوبية والألوهية وتجلت فيه كل أسماء الله وصفاته. .
ولما كان الله عند الجيلي ومن على طريقته من هؤلاء الزنادقة الملحدين هو هذه المخلوقات لا غير. . استطرد الجيلي مبينًا أن الكون الوجود في كل شيء منه مقابل للذات المحمدية. ففي ذات الرسول شبيه العرش والكرسي، والسماوات والأرض والملائكة والحيوان والنبات والجماد. . وسائر الموجودات التي هي في حقيقتها عند الجيلي هي الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. .
يقول الجيلي شارحًا ذلك:
" واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه.
فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته، فأول ما يبدو في مقابلته للحقائق الخلقية يقابل العرش بقلبه، قال ﷺ (قلب المؤمن
[ ١٥٤ ]
من عرش الرحمن)، ويقابل الكرسي بآنيته، ويقابل سدرة المنتهى بمقامه، ويقابل القلم الأعلى بعقله، ويقابل اللوح المحفوظ بنفسه، ويقابل العناصر بطبعه، ويقابل الهيولي بقابليته، ويقابل الهباء بحيز هيكله، ويقابل الفلك الأطلس برأيه، ويقابل الفلك المكوكب بمدركته، ويقابل السماء الخامسة بهمته، ويقابل السماء الرابعة بفهمه، ويقابل السماء الثالثة بخياله، ويقابل السماء الثانية بفكره، ويقابل السماء الأولى بحافظته، ثم يقابل زحل بالقوى اللامسة، ويقابل المشتري بالقوى الدافعة، ويقابل المريخ بالقوى المحركة، ويقابل الشمس بالقوى الناظرة، ويقابل الزهرة بالقوى المتلذذة، ويقابل عطارد بالقوى الشامة، ويقابل القمر بالقوى السامعة، ثم يقابل فلك النار بحرارته، ويقابل فلك الماء ببرودته، ويقابل فلك الهواء برطوبته، ويقابل فلك التراب بيبوسته، ثم يقابل الملائكة بخواطره، ويقابل الجن والشياطين بوسواسه، ويقابل البهائم بحيوانيته، ويقابل الأسد بالقوى الباطشة، ويقابل الثعلب بالقوى الماكرة، ويقابل الذئب بالقوى الخادعة، ويقابل القرد بالقوى الحاسدة، ويقابل الفأر بالقوى الحريصة، وقس على ذلك باقي قواه، ثم إنه يقابل النار بالمادة الصفراوية، ويقابل الماء بالمادة البلغمية، ويقابل الريح بالمادة الدموية، ويقابل التراب بالمادة السوداوية، ثم يقابل السبعة أبحر بريقه ومخاطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه وبوله والسامع المحيط، وهو المادة الجارية بين الدم والعرق والجلد، منها تتفرع تلك الستة، ولكل واحد طعم، فحلو وحامض، ومر وممزوج، ومالح ونتن وطيب، ثم يقابل الجوهر بهويته وهي ذاته، ويقابل العرض بوصفه، ثم يقابل الجمادات بأنيابه، فإن الناب إذا بلغ وأخذ حده في البلوغ بقي شبه الجمادات لا يزيد ولا ينقص وإذا كسرته لا يلتحم بشيء، ثم يقابل النبات بشعره وظفره، ويقابل الحيوان بشهوانيته، ويقابل مثله من الآدميين ببشريته وصورته، ثم يقابل أجناس الناس، فيقابل الملك بروحه، ويقابل الوزير بنظره الفكري، ويقابل القاضي بعلمه المسموع، ورأيه المطبوع، ويقابل الشرطي بظنه، ويقابل الأعوان بعروقه وقواه جميعها، ويقابل المؤمنين بيقينه، ويقابل المشركين
[ ١٥٥ ]
بشكه وريبه، فلا يزال يقابل كل حقيقة من حقائق الوجود برقيقة من رقائقه، فقد بينا فيما مضى من الأبواب خلق كل ملك مقرب من كل قوى من الإنسان الكامل، وبقي أن نتكلم عن مقابلة الأسماء والصفات.
اعلم أن نسخة الحق تعالى كما أخبر ﷺ حيث قال: (خلق الله آدم على صورة الرحمن) وفي حديث آخر (خلق الله آدم على صورته) وذلك أن الله تعالى حي عليم قادر مريد سميع بصير متكلم، وكذلك الإنسان حي عليم. . إلخ.
ثم يقابل الهوية بالهوية، والإنية بالإنية، والذات بالذات، والكل بالكل، والشمول بالشمول، والخصوص بالخصوص، وله مقابلة أخرى يقابل الحق بحقائقه الذاتية، وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب في غير ما موضع، وأما هنا فلا يجوز لنا أن نترجم عنها، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها.
ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية، والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضي الذاتي، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه لا بمرآة الاسم الله فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضًا مرآة الحق، فإن الحق تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه ولا صفاته إلا في الإنسان الكامل، وهذا معنى قوله تعالى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] . يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة، جهولًا بمقداره لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري " ا. هـ (المصدر السابق ص٧٦، ٧٧) .
ادعاء رؤية العوالم العلوية والسفلية
ولا يتوقف هذا الهذيان الذي يطالعنا به الجيلي في كتابه لحظة واحدة فهو يزعم أنه قد كشفت له الحجب فرأى العالم عاليه وسافله وشاهد الملائكة جميعًا
[ ١٥٦ ]
وخاطبهم والرسل والأنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: " وفي هذا المشهد (يعني بالمشهد اتصال الصوفي بأرواح المخلوقات التي وجدت في الحياة والتي لم توجد أيضًا لأن الأرواح في زعمه مخلوقة أبدًا لا تفنى)، اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد (زبيد: مدينة من مدن اليمن المشهورة) بشهر ربيع الأول في سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين، والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد " (انظر) ويستطرد قائلًا " وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه " (ص٩٧ ج٢) .
ويستطرد الجيلي في هذيانه وكفرياته قائلًا عن مشاهداته المزعومة في خلق السماء الثانية: " رأيت نوحًا ﵇ في هذه السماء جالسًا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلمت عليه وتمثلت بين يديه فرد علي السلام ورحب بي وقام ".
إلى أن يقول: " وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان " (ص١٠٠) ا. هـ.
ويستطرد الجيلي مبينًا مشاهداته المزعومة في السماء الثالثة وأنه رأى يوسف ﵇ وأنه دار بينهما هذا الحديث الذي يزعم الجيلي في آخره أنه كان يعلم هذه العلوم التي أخبره يوسف بها قبل أن يتفوه بها يوسف. وما هذه العلوم. . إنها هذه الكفريات والهذيانات نفسها وهذا نص عبارته في ذلك:
" اجتمعت في هذه السماء مع يوسف ﵇، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفًا عن رمز الأنوار عالمًا بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار متحققًا بأمر المعاني، مجاوزًا عن قيد الماء والأواني فسلمت إلى تحية وافد إليه فأجاب وحيًا ثم رحب بي وبيا، فقلت له: سيدي أسألك عن قولك ﴿رب قد آتيتني من
[ ١٥٧ ]
الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ [يوسف: ١٠١] . أي المملكتين تعني وعن تأويل أي الأحاديث تكنى فقال: أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية (يعني أن يوسف ﵇ أجابه بأن الله أطلعه عل وجود الرحمن في كيان الإنسان) وتأويل الأحاديث: الأمانات الدائرة في الألسنة الحيوانية، فقلت له يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللًا من البيان والتصريح. فقال: اعلم أن للحق تعالى أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد، قلت: كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة، فقال: ذلك وصفه وهذا شأنه وذاك حكمه وهذه عبارته، والأمانة يجعلها الجاهل في اللسان ويحملها العالم في السر والجنان، والكل في حيرة عنه، ولم يفز غير العارف بشيء منه، فقلت: وكيف ذلك. فقال: اعلم أيدك الله وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات (يعني أن سر الخلق قد صحبه الله في أسرار العبارات التي يوحيها إلي)، فهي ملقاة في الطريق دائرة على ألسن الفريق، يجهل العام إشارتها، ويعرف الخاص ما سكن عبارتها، فيؤولها على حسب المقتضى ويؤول بها إلى حيث المرتضى، وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلًا بهذا التحقيق، ثم تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق " ا. هـ (ص١٠١) .
ثم يزعم الجيلي أن السماء الرابعة هي قلب الشمس وأن فيها إدريس وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس. . وغيرهم. . إلخ.
أسمعتم يا مسلمون نبيًا من أنبياء الله يسمى جرجيس،. . ها هو الجيلي اطلع عليه في السماء وجاءكم باسمه كما جاءكم باسم ملك يسمى توحائيل. . أنظرتم كيف يكون الكشف وعلم الغيب. هذه هي نماذجه. وأما السماء الخامسة عند الجيلي فهي سماء الكوكب المسمى بهرام. . وحاكم هذه السماء
[ ١٥٨ ]
عزرائيل وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ. . (هكذا والله. .) ويستطرد الجيلي فيصف السماء السادسة فهي عنده كوكب المشتري. . ويقول " رأيت فيها موسى ﵇ متمكنًا في هذا المقام واضعًا قدمه على هذه السماء قابضًا بيمينه (يلاحظ في هذا التخليط والتقول على الله أن هؤلاء الكاذبين يعمدون إلى الوحي القرآني والحديثي فيأخذون منه ما يشاءون ويخلطونه بهذه الأكاذيب ويزعمون أن ذلك هو الكشف الذي كشف لهم فذكر منصبة موسى على ساق سدرة المنتهى مأخوذ من قول الرسول ﷺ أكون أول من يفيق فأجد موسى باطشًا بساق العرش) ساق سدرة المنتهى سكران من خمر تجلي الربوبية. . " أي موسى انطبعت في مرآة علمه أشكال الأكوان وتجلت فيه ربوبية الملك الديان. . وأنه دار بينه وبين الجيلي هذا الحوار. . يقول الجيلي بالنص:
" فوقفت متأدبًا بين يديه، وسلمت بتحقيق مرتبته عليه، فرفع رأسه من سكرة الأزل ورحب بي ثم أهل، فقلت له: يا سيدي قد أخبر الناطق بالجواب الصادق في الخطاب، أنه قد برزت لك خلعة لن تراني من ذلك الجناب، وحالتك هذه غير حالة أهل الحجاب، فأخبرني بحقيقة هذا الأمر العجاب، فقال: اعلم أنني لما خرجت من مصر أرضي إلى حقيقة فرضي، ونوديت من طور قلبي بلسان ربي من جانب شجرة الأحدية في الوادي المقدس بأنوار الأزلية ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه: ١٤] . فلما عبدته كما أمر في الأشياء، وأثنيت عليه بما يستحقه من الصفات والأسماء تجلت أنوار الربوبية لي فأخذني عني، فطلبت البقاء في مقام اللقاء، ومحال أن يثبت المحدث لظهور القديم، فنادى لسان سري مترجمًا عن ذلك الأمر العظيم، فقلت: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فأدخل بانيتي في حضرة القدس عليك فسمعت الجواب من ذلك الجناب ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل، ﴿فإن استقر مكانه﴾ [الأعراف: ١٤٣] . . بعد أن أظهر القديم سلطانه ﴿فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وجذبتني حقيقة الأزل وظهر القديم على المحدث ﴿جعله دكًا وخر موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فلم يبق في القديم إلا القديم، ولم يتجل بالعظمة إلا العظيم، هذا على أن استيفاؤه غير ممكن وحصره غير
[ ١٥٩ ]
جائز، فلا تدرك ماهيته ولا ترى ولا يعلم كنهه ولا يدري، فلما اطلع ترجمان الأزل على هذا الخطاب أخبركم به من أم الكتاب (أي أن الجيلي اطلع على هذه المكاشفة من أم الكتاب) فترجم بالحق والصواب، ثم تركته وانصرفت وقد اغترفت من بحره ما اغترفت (ص١٠٤) ا. هـ.
ويستطرد الجيلي مبينًا مشاهداته في هذه السماء فيقول: " ثم إني رأيت ملائكة هذه السماء مخلوقة على سائر أنواع الحيوانات فمنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الطائر وله أجنحة لا تنحصر للحاصر، وعبادة هذا النوع خدمة الأسرار ورفعها من حضيض الظلمة إلى عالم الأنوار، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الخيول المسومة، وعبادة هذه الطائفة المكرمة رفع القلوب من سجن الشهادة إلى فضاء الغيوب، ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة النجائب وفي صورة الركائب، وعبادة هذا النوع رفع النفوس إلى عالم المعاني من عالم المحسوس، ومنه من خلقه الله تعالى على هيئة البغال والحمير! ! وعبادة هذا النوع رفع الحقير وجبر الكسير والعبور من القليل إلى الكثير ومنهم من خلقه الله تعالى على صرة الإنسان وعبادة هؤلاء حفظ قواعد الأديان، ومنهم من خلق على صفة بسائط الجواهر والأعراض وعبادة هؤلاء إيصال الصحة إلى الأجسام المراض، ومنهم من خلق على أنواع الحبوب والمياه وسائر المأكولات والمشروبات، وعبادة هؤلاء إيصال الأرزاق إلى مرزوقها من سائر المخلوقات، ثم إني رأيت في هذه السماء ملائكة مخلوقة بحكم الاختلاط مزجًا، فالنصف من نار والنصف من ماء عقد ثلجًا، فلا الماء يفعل في إطفاء النار ولا النار تغير الماء عن ذلك القرار " (ص١٠٥) .
وأما السماء السابعة التي شاهدها الجيلي وجاء يقص علينا مشاهداته فهي السماء السابعة، وهي عنده زحل، ويحكى أنه شاهد فيها إبراهيم ﵇ قائمًا في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
[ ١٦٠ ]
ويستطرد الجيلي بعد ذلك تبجحًا أنه صعد إلى سدرة المنتهى وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة، ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله. . وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم - هكذا. . علمًا بأن الله ﷾ يقول في محكم كتابه ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٠-٣١] .
فأكد الله سبحانه سجود الملائكة بكل وجميع ولكن جاءنا الجيلي ليخبرنا بأن الملائكة هؤلاء الذين شاهدهم في السماء لم يؤمروا بالسجود لآدم فاكتشف ما لم يعلمه الله ورسوله. وهذا نص عبارته في ذلك:
" ثم رأيت سبعة جملة هذه المائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيين، ورأيت ثلاثة مقدمين على هذه السبعة يسمون بأهل المراتب والتمكين، ورأيت واحدًا مقدمًا على جميعهم يسمى عبد الله، وكل هؤلاء عالون ممن لم يؤمروا بالسجود لآدم، ومن فوقهم كالملك المسمى بالنون والملك المسمى بالقلم وأمثالهم أيضًا عالون، وبقية ملائكة القرب دونهم، وتحتهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (ليس في ملائكة الله ﷿ ملك يسمى عزرائيل ولم يثبت ذلك في حديث صحيح أو ضعيف ولكنه اسم يجري على ألسنة العامة، ولكن هؤلاء الجهلة يلتقطون مثل هذه الأسماء ويجعلونها كشفًا وعلمًا لدنيًا وروحيًا وإلهامًا لهم فانظر وتعجب. .) وأمثالهم.
ورأيت في هذا الفلك من العجائب والغرائب ما لا يسعنا شرحه " (ص١٠٧) .
ولا يكتفي الجيلي ببيان كفرياته وهذيانه في السماء فينتقل إلى الأرض وهي عنده ليست أرضًا واحدة بل هو يزعم أنه شاهد سبعة أرضين وسبعة بحار ومحيطات وهاك بعضًا من هذا الهذيان الذي يزعم فيه الجيلي أنه رأى فيه الخضر وموسى، وأفلاطون وأرسطو والاسكندر، إلى هذيان وكفر لا يسع المؤمن عند سماعه وقراءته إلا أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) وأن يقول أيضًا (الحمد لله الذي عافانا وما علينا ووقانا) وهاك أخي القارئ شيئًا من هذا الهذيان:
[ ١٦١ ]
" إن الله تعالى لما بسط الأرض جعلها على قرني ثور يسمى البرهوت وجعل الثور على ظهر الحوت في هذا البحر يسمى البهموت، وهو الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله ﴿وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦] . ومجمع البحرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى ﵇ بالخضر على شطه، لأن الله تعالى كان قد وعده بأن يجتمع بعبد من عباده على مجمع البحرين، فلما ذهب موسى وفتاه حاملًا لغذائه ووصلا إلى مجمع البحرين لم يعرفه موسى ﵇ إلا بالحوت الذي نسيه الفتى على الصخرة وكان البحر مدًا، فلما جزر بلغ الماء إلى الصخرة فصارت حقيقة الحياة في الحوت، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فعجب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار، وهذا الفتى اسمه يوشع بن نون، وهو أكبر من موسى ﵇ في السن سنة شمسية وقصتهما مشهورة، وقد فصلنا ذلك في رسالتنا الموسومة (بمسامرة الخليل ومسايرة الصحيب) فليتأمل فيه.
سافر الإسكندرية ليشرب من هذا الماء اعتمادًا على كل كلام أفلاطون أن من شرب من ماء الحياة فإنه لا يموت، لأن أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل وشرب من هذا البحر فهو باق إلى يومنا هذا في جبل يسمى دواوند، وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الاسكندر صحب الاسكندر في مسيره إلى مجمع البحرين، فلما وصل إلى أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون في مدينة تسمى ثُبُتْ برفع الثاء المثلثة والباء الموحدة وإسكان التاء المثناة من فوق وهو حد ما تطلع الشمس عليه، وكان في جملة من صحب الاسكندر من عسكر الخضر ﵇، فساروا مدة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر، وكلما نزلوا منزلًا شربوا من الماء، فلما ملوا من طول السفر أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام العسكر، وقد كانوا مروا بمجمع البحرين على طريقهم من غير أن يشعروا به، فما أقاموا عنده ولا نزلوا به لعدم العلامة، وكان الخضر ﵇ قد ألهم بأن أخذ طيرًا فذبحه وربطه على ساقه، فكان يمشي ورجله في الماء، فلما بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه، فأقام عنده وشرب من ذلك الماء واغتسل منه وسبح فيه، فكتمه عن الاسكندر وكتم أمره إلى أن خرج، فلما نظر أرسطو إلى الخضر عليه
[ ١٦٢ ]
السلام علم أنه قد فاز من دونهم بذلك، فلزم خدمته إلى أن مات واستفاد من الخضر هو والاسكندر علومًا جمة " (ص١١٧) .
ويستطرد الجيلي شارحًا له عن طريق كشوفاته وهذيانه فيقول:
". . واعلم أن الخضر ﵇ قد مضى ذكره فيما تقدم، خلقه الله تعالى من حقيقته
﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩] . فهو روح الله، فلهذا عاش إلى يوم القيامة، اجتمعت به وسألته، ومنه أروي جميع ما في هذا البحر المحيط (جميع الصوفية يزعمون أن كل ما ينقلونه من علومهم يسمعونه من الخضر، وقد زاد الجيلي أن الخضر مخلوق من روح الله. . ولا يعلم هذا الجاهل أن آدم هو الذي أمر الله جبريل أن ينفخ فيه وجبريل هو روح الله وليس الخضر خلقًا خاصًا) .
واعلم أن هذا البحر المحيط المذكور، وما كان منه منفصلًا عن جبل (ق) مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المذكور، وما كان منه متصلًا بالجبل فهو وراء المالح، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة وما كان من وراء جبل (ق) متصلًا بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر، وهو من الطعم كالسم القاتل، ومن شرب منه قطرة هلك، وفني لوقته، وما كان منه وراء الجبل يحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح ولا يبلغه أحد، بل وقع به الأخبار، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم.
وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأذفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمى، رأيت على ساحل هذا البحر رجالًا مؤمنين، ليس لهم عبادة إلا تقريب الخلق إلى الحق، قد جبلوا على ذلك، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف الله بقدر معاشرتهم، وتقرب إلى الله بقدر مسايرتهم، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار، إذا أرادوا السفر في هذا البحر نصبوا شركًا لحيتانه، فإذا اصطادوا ركبوا عليها لأن مراكب هذا البحر حيتانه، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه، ولكنهم عند أن يستووا على ظهر هذا الحوت ينتعشون بطيب
[ ١٦٣ ]
رائحة البحر فيغمى عليهم، فلا يفيقون إلى أنفسهم، ولا يرجعون إلى محسوسهم ما داموا راكبين في هذا البحر، فتسير بهم الحيتان إلى أن يأخذوا حدها من الساحل، فتقذف بهم في منزل من تلك المنازل، فإذا وصلوا إلى البر وخرجوا من ذلك البحر، رجعت إليهم عقولهم، وبان لهم محصولهم فيظفرون بعجائب وغرائب لا تحصر، أقل ما يعبر عنها، بأنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " (ص١١٨) .
وفي ختام هذا الهذيان يقول الجيلي
" وأما البحر السابع فهو الأسود القاطع، لا يعرف سكانه، ولا يعلم حيتانه، فهو مستحيل الوصول غير ممكن الحصول، لأنه وراء الأطوار وآخر الأكوار والأدوار، لا نهاية لعجائبه، ولا آخر لغرائبه، قصر عنه المدى فطال، وزاد على العجائب حتى كأنه المحال، فهو بحر الذات الذي حارت دونه الصفات، وهو المعدوم الموجود والموسوم والمفقود والمعلوم والمجهول والمنقول والمحتوم والمعقول، وجوده فقدانه، أوله محيط بآخره وباطنه مستو على ظاهره، لا يدرك ما فيه، ولا يعلمه أحد فيستوفيه، فلنقبض العنان عن الخوض فيه والبيان ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] . وعليه التكلان " (ص١١٨) ا. هـ.
وهكذا يكون الهذيان مختومًا بقوله تعالى ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. .﴾ [الأحزاب: ٤] . . . أعرفتم الحق الذي يدعونا إليه الجيلي ومن على شاكلته من هؤلاء الملاحدة والزنادقة؟ إنه هذا الهذيان الذي لا أول له ولا آخر.
ما الذي يريده هؤلاء الملاحدة؟ !
وقد يسأل سائل: وما الذي يريده هؤلاء من تأليف هذه الكتب، ونشر هذا الجنون والهذيان؟ ! ولست أنا الذي سأجيب عن هذا السؤال، وإنما سأثبت الجواب من كلام الجيلي نفسه. إنه يقول بالنص:
" اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على
[ ١٦٤ ]
ذلك مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا هو يعبد الله بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع لله تعالى، لقوله تعالى للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ [الأحزاب: ٤] . وليس المراد بالسماوات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانه. وقال تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] . ثم شهد لهم النبي ﷺ أنهم يعبدونه بقوله (كل ميسر لما خلق له) لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته وهم ميسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجل باسمه المضل، كما هو متجل باسمه الهادي، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم. واختلاف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [البقرة: ٢١٣] . يعني عباد الله مجبولون على طاعته من حيث الفطرة الأصلية، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه المضل، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب.
ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر، وهذا معنى قوله ﴿ما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦] . فهو الفاعل بهم على حسب ما يريد مريده، وهو عين ما اقتضته صفاته، فهو ﷾ يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك، بل هو ﷾ يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله، فكل من في الوجود عابد لله تعالى، مطيع لقوله تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] .، لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحودًا وغير ذلك، فلا يفقهه كل أحد، ثم إن النفي إنما وقع على الجملة، فصح أن يفقهه البعض؛ فقوله ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] . يعني من حيث الجملة، فيجوز أن يفقهه بعضهم " (ص١٢٠) .
[ ١٦٥ ]
وبعد أن يذكر الجيلي طوائف الناس ومللهم يقول: " فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد لأنه خلقهم لنفسه لا لهم فهم له كما يستحق ثم إنه ﷾ أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف " (ص١٢٢) .
ويشرح هذا المعنى تفصيليًا فيقول:
" فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات، لأنه لما كان الحق ﷾ حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود وهو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها (وما دام أنهم في زعمه وكفره هم عين الله فهم ينفذون لثبته وأمره بل هم الله فلا حاجة بهم إلى أن يعلموا ذلك أو لا يعلموه. وبالتالي فكفرهم بإله غيرهم وخارج عن طبيعتهم هو عين الإيمان وعين الحق في نظر الجيلي الزنديق ومن على شاكلته من هؤلاء الملاحدة الذين لم تعرف الأرض أفجر ولا أكفر منهم) .
ثم من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذوات الوجود، فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها فما عبدوا إلا الله " (ص١٢٢) .
وأظن أنه ليس هناك عبارة أصرح وأوضح من هذه العبارات تبين المقصود والمآل الذي يرمي المتصوفة والوصول إليه.
ويستطرد الجيلي مبينًا عقائد الناس وأنهم جميعًا على حق. فيقول عن اليهود: " وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد الله تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين. . ويتعبدون بالاعتكاف يوم السبت، وشرط الاعتكاف عندهم أن لا يدخل في بيته شيئًا مما يتمول به، ولا مما يؤكل، ولا يخرج منه شيئًا، ولا يحدث فيه نكاحًا ولا بيعًا ولا عقدًا، وأن يتفرغ لعبادة الله تعالى لقوله تعالى في التوراة:
[ ١٦٦ ]
(أنت وعبدك وأمتك لله تعالى في يوم السبت)، فلأجل هذا حرم عليهم أن يحدثوا في يوم السبت شيئًا مما يتعلق بأمر دنياهم، ويكون مأكوله مما جمعه يوم الجمعة، وأول عندهم إذا غربت الشمس من يوم الجمعة، وآخره الاصفرار من يوم السبت.
وهذه حكمة جليلة؛ فإن الحق تعالى خلق السماوات والأرضين في ستة أيام، وابتدأها في يوم الأحد ثم استوى على العرش في اليوم السابع وهو يوم السبت، فهو يوم الفراغ، فلأجل هذا عبد الله اليهود بهذه العبادة في هذا اليوم إشارة إلى الاستواء الرحماني وحصوله في هذا اليوم فافهم " (ص١٢٧) .
ثم يقول مادحًا النصارى كذلك فيقول:
" وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين، سببه أنهم طلبوا الله تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بمقدمه على وجوده في محدث عيسى وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجناب الإلهي ".
أي أن فعل النصارى هذا من تشبيه الله بخلقه ومن عبادة الثلاث ومن اتخاذ أرباب مع الله كل ذلك لائق في عقيدة عبد الكريم الجيلي ولكنه يراهم أيضًا مقصرون لأنهم حصروا الله في ثلاث نقط، والله عنده لا ينحصر في ثلاثة لأن كل موجود هو الله.
هذه هي الغاية التي يسعى هؤلاء الزنادقة سعيًا حثيثًا إليها. إنها التسوية بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والكفر والإيمان، وإبليس وجبريل، ومحمد ﷺ وأبو جهل، والخمر والماء، والأخت والأجنبية، والزواج والزنا واللواط، والقتل ظلمًا والرحمة، والتوحيد والشرك، فلا ضلال في الأرض إلا في نظر القاصرين فقط، وأما العارفون فكل هذه الموجودات شيء واحد بل ذات واحدة تعددت وجوداتها، وتعددت أشكالها وألوانها وهي حقيقة
[ ١٦٧ ]
واحدة - وبهذا الدين الذي لم تعرف البشرية أظلم ولا أفجر ولا أكفر منه - اعتقد هؤلاء الزنادقة وألبسوا هذا الدين الفاجر آيات القرآن وأحاديث النبي الكريم، ووصفوا أنفسهم بأنهم خير الناس وأعلمهم وأتقاهم، وهذه هي حالهم في الظلم والكفر والفجور، وهدم دين الإسلام وإحلال شرائع الشيطان مكان شريعة الرحمن، وطمس صفات الله ونوره سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وأستغفر الله من نقل هذا الكفر وتسطيره. فإنه كفر لم تقله اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا الصابئة. . ورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك الذي كان يقول: إنا لنحكي كفر اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي كفر الجهمية. . فكيف لو رأى كفر هؤلاء الصوفية الملاحدة ماذا كان يقول في ذلك؟ !
حقًا إن هذا لشيء عظيم ولكننا مضطرون أن نذكر كفرهم لندحضه ولنبينه للناس ليحذرون بعد أن عم شرهم البلاد والعباد، وبعد أن اغتر بهم جمع غفير من المسلمين، فظنوا أن الحق مع هؤلاء فاتبعوهم حتى صرفوهم عن دين الرسول ﷺ وأوصلوهم إلى هذه النهاية المزرية التي يستحيل على الإنسان إذا وصلها أن يميز بين خير وشر، وهدى وضلالة، لأن كل هذه الأضداد ستكون عنده شيئًا واحدًا.
ومع ذلك فإن الجيلي يستطرد في هذا الباب شارحًا مراده تمامًا فيقول:
" ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم، ولا يحتاج إلى نياتهم، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا أن تظهر " ا. هـ. يعني أن الله لا يحتاج أن يعلم الكافر به ما دام أن وجود هذا الكافر هو وجود الله، وأن هذه الحقيقة لا بد وأن تظهر للعيان يومًا ما. .
ويمضي الجيلي شارحًا معتقده فيقول. .
" وأما الطباعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع. .، لأن أربعة الأوصاف الإلهية. . التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة أصل بناء الوجود
[ ١٦٨ ]
فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان، فالرطوبة مظهر الحياة، والبرودة مظهر العلم، والحرارة مظهر الإرادة، واليبوسة مظهر القدرة. وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها ﷾. . فعبدت هذه الطبائع لهذا السر فمنهم من علم ومنهم من جهل العالم سابق، والجاهل لاحق فهم عابدون للحق من حيث الصفات، ويؤول أمرهم إلى السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بني أمرهم عليها " (ص١٢٣-١٢٤) .
وهكذا يقرر الجيلي أن الفلاسفة الطبائعيين الذين قالوا برجوع الطبيعة إلى العناصر الأربعة هم عابدون لله شاؤوا أم أبوا، علموا أم جهلوا، وأن أمرهم إلى السعادة الأبدية. ويستدل لهذا الكفر الشنيع أيضًا بالقرآن فيقول: " والدليل من القرآن أن الله قال في الأحزاب المختلفين ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣] . فيقول: " إن فرحهم هذا في الدنيا والآخرة، فكل حزب يفرح بما عنده في الدنيا، ويفرح به أيضًا في الآخرة عندما يطلع الجميع أنه لا ثمة إلا الله وأنهم جميعًا مظاهر للذات الإلهية، وليسوا شيئًا خارجًا عنها ".
وهكذا يستخدم القرآن أيضًا في هذا الكفر والباطل الذي لم تعرف البشرية له مثيلًا في كل تاريخها فقد ارتكز في الفطرة أن هناك حقًا وباطلًا، هدى وضلالًا، نورًا وظلامًا، كذبًا وصدقًا، وإيمانًا. .، ولكن عند هؤلاء الصوفية كل هذا شيء واحد وحق واحد اختلفت مظاهره ولم تختلف حقيقته فالجنة والنار كلاهما نعيم، وإبليس وجبريل كلاهما عابد، بل معبود، بل شيء تعددت صفاته بتعدد موجوداته. .
ويستطرد الجيلي في شرح كفره وفجوره فيقول:
" وأما الثنوية فإنهم عبدوه من حيث نفسه تعالى، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية، وظهر في الوصفين بالحكمين، وظهر في الدارين بالنعتين، فما كان منسوبًا إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار وما كان منسوبًا إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة، فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهي الجامع للوصفين والضدين والاعتبارين والحكمين
[ ١٦٩ ]
كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه.
فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه ﷾، فهو المسمى بالحق، وهو المسمى بالخلق، فهو النور والظلمة " (ص١٢٥) ا. هـ.
بهذا الوضوح شرح الجيلي مذهب الفلاسفة الصوفية الزنادقة الملاحدة، وبهذا التفصيل والبيان يستطرد أيضًا قائلًا:
" وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصاءات وأرفعها، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها، لا تقاربها طبيعة إلا تستحيل إلى النارية لغلبة قوتها، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا يندرج فيها ويضمحل، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاتها وتعالى ".
فيجعل المجوس قسمًا غير الثنوية والمعلوم أنهم قسم واحد فالثنوية القائلون بالنور والظلمة وإله للخير وإله للشر هم أيضًا المجوس عبدة النار التي يجعلونها ستارًا وعلامة لإلهم إله الخير في زعمهم ولكن الجيلي الملحد يجعل هؤلاء أيضًا عبدة النيران من أهل الحق والتوحيد وأن عبادتهم للنار حق أقوى العناصر وأرفعها ويقول والنار حقيقتها ذات الله تعالى. فأي كفر يا قوم في الأرض أعظم من هذا وأكبر. . ويمدح الجيلي المجوس فيقول:
" فلما انتشقت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمه سواه فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار " ا. هـ (ص١٢٦) .
فأي تصريح عن عقائد القوم أبلغ من هذا. .
ثم يقول: " وأما الدهرية (أي الاسم) فإنهم عبدوه من حيث الهوية (الدهرية: هم القائلون بأنه لا إله والحياة مادة فما هي أرحام تدفع وأرض يبلع واسمهم هذا مأخوذ من قوله تعالى ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢٤] فقال ﵇:
[ ١٧٠ ]
(لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) ".
قلت: هذا إبليس والزنادقة لم يصل إلى هذا الحد في الكفر فالمقصود بقول رسول الله [إن الله هو الدهر] هو أنه ﷾ مقدر المقادير؛ فسب الأيام سب لله لأنه هو مقدر المقادير ﷾ والزمان لا دخل له في ذلك. فنهانا الرسول ﷺ عن سب الزمان لأن هذا من ثم يتوجه إلى الله ﷾. وليس مقصود الرسول حتمًا أن الله هو الزمان لأن الله جل وعلا هو خالق الزمان والمكان والخالق غير المخلوق. وأما الدهرية فإنهم لا يؤمنون بإله أصلًا والجيلي يجعل هؤلاء الملاحدة عبادًا لله. . انظر. .
الغزالي وطريق الكشف
لعل من العجائب والغرائب أن يسقط رجل في طريق التصوف كالغزالي ﵀ وعفا عنه. وعلى ما كان منه فقد كان من علماء الشريعة. ولكن لقصر باعه -﵀- في علم السنة ومعرفة صحيح الحديث من ضعيفه فقد اغتر بما عليه الصوفية من ظاهرهم، وما يبدونه ويعلقونه من الورع والتقوى، ولما كان عنده من الفلسفة الأولى التي دخل في بطنها ولم يستطع الخروج منها على حد قول تلميذه الإمام ابن العربي المالكي ﵀ فإنه قد دون للمتصوفة ما دون في كتابه إحياء علوم الدين. ومن ذلك ما نقله عنهم في زعمهم بالكشف حيث يقول:
" فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور، لا بالتعليم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. فمن كان لله، كان الله له - وزعموا أن الطريق في ذلك، أولًا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها، وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن، وعن العالم والولاية والجاه، بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود الشيء وعدمه. ثم يخلوا بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض
[ ١٧١ ]
والرواتب، ويجلس فارغ القلب، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في تفسيره، ولا يكتب حديثًا ولا غيره. بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى. فلا يزال، بعد جلوسه في الخلوة، قائلًا بلسانه: الله. . الله. . على الدوام، مع حضور القلب، حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه. ثم يصير عليه إلى أن يمحي عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، ويبقي معنى الكلمة مجردًا في قلبه حاضرًا فيه، كأنه لازم له، لا يفارقه، وله اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحد، واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس. وليس له اختيار في استجلاب رحمة الله تعالى. بل هو بما فعله صار متعرضًا لنفحات رحمة الله، فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق.
وعند ذلك إذا صدقت إرادته، وصفت همته، وحسنت مواظبته، فلم تجاذبه شهواته، ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا - تلمع لوامع الحق في قلبه، ويكون في ابتدائه كالبرق الخاطف ثم يلبث ثم يعود وقد يتأخر. وإن عاد فقد يثبت، وقد يكون مختطفًا. وإن ثبت قد يطول ثباته وقد لا يطول، وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق وقد يقتصر على فن واحد.
ومنازل الأولياء الله تعالى فيه لا تحصر، كما لا يحصى تفاوت خلقهم وأخلاقهم - وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك، وتصفية وتجليات، ثم استعداد وانتظار فقط " ا. هـ
فانظر قول الغزالي عن الصوفي الذي يريد الوصول إلى الكشف (ويجلس فارغ القلب، مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة القرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا يكتب حديثًا ولا غيره. . بل يقول. . الله الله على الدوام. .) فهل وجد مثل هذا الأمر في كتاب أو سنة أو أنه عمل مبتدع يريد به صاحبه غاية لا تحصل له، وهي رؤية الله أو أنوار الله، أو الملائكة أو رسول الله؟ !
[ ١٧٢ ]
وهل يرى الصوفي من وراء هذا الذكر المبتدع غير طوالع نار الشياطين، وبوارق كيدهم، ولوائح طلوعهم على من جعل له غاية غير غايات الدين وطريقًا غير طريق المؤمنين الذي سنه لنا رسول الله ﷺ ولم يسن لنا الرسول أن يجلس أحدنا في زاوية مظلمة ولا يجعل على خاطره شيئًا غير الله وينتظر أن ينزل عليه الوحي والكشف. . وبالطبع من جعل له غاية غير غايات الكتاب والسنة تلاعبت به الشياطين وظن أن ما تنزل عليه إنما هو من الله وما هو من الله. . والغزالي الذي قرر هذا الكلام للصوفية وساعد في نشر زندقتهم وكفرهم لم يتقدم فيما أعلمه خطوة أخرى وجعل من تنزل الملائكة على الصوفية وذلك فيما أظن وأعلم أن الرجل يعلم أن من قال بنزول الوحي عليه بعد النبي فقد كفر ولذلك أنكر الغزالي أن تكون الملائكة تنزل على الأولياء والصوفية كما تنزل على الأنبياء، واكتفى بما ذكرناه عنه آنفًا أن الأولياء والصوفية تشرق على قلوبهم هذه العلوم التي يقولونها إشراقًا من الغيب فضلًا من الله لهم ورحمة -في زعمه- بهم. لقد اكتفى الغزالي في تقريره الكشف الصوفي بإشراق العلوم في القلب وسماع الصوت أيضًا كما قال: " الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم فإن لم يكن له مكان مظلم فليلق رأسه بجيبه، أو يتدثر بكساء أو إبراز ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال - الحضرة البوبية) (إحياء علوم الدين ج٢ ص٦٦) .
وعلى الرغم من أن الغزالي جارى الصوفية في مزاعمهم هذه، وقرر ما ابتدعوه من الخلوة والظلام ولف الرأس وانتظار العلوم إلا أن إنكاره نزول الملك على الصوفي لم يعجب كبار الصوفية، وأهل الحقيقة منهم، ولذلك عنفوه وجهلوه وجعلوا هذا منه لقلة الذوق وعدم التحقق بنفسه وعدم مقابلته لمن هو أعلى منه مقامًا، وأحسن منه حالًا، وأنه لو التقى بمن هو أعظم منه وأكبر منه في هذا الطريق لعلم أن الملائكة ينزلون على أولياء الصوفية تمامًا كما ينزلون على الأنبياء وأنه لا فرق إلا في نوع العلوم فقط لا في كيفية النزول
[ ١٧٣ ]
ولذلك كتب عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر اعتراض الغزالي وإنكاره لنزول الملك على الصوفي وأتى بالجواب من ابن عربي الذي خطأ الغزالي ورد عليه في عدم جواز نزول الملك على الصوفي فقال:
" (فإن قلت) قد ذكر الغزالي في بعض كتبه أن من الفرق بين تنزل الوحي على قلب الأنبياء وتنزله على قلوب الأولياء نزول الملك فإن الولي يلهم ولا ينزل عليه قط، والنبي لا بد له من الوحي من نزول الملك به فهل ذلك صحيح؟
(فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب الرابع والستين وثلاثمائة أن ذلك غلط والحق أن الكلام في الفرق بينهما إنما هو في كيفية ما ينزل به الملك لا في نزول الملك إذ الذي ينزل به الملك على الرسول أو النبي خلاف ما ينزل به الملك على الولي التابع فإن الملك لا ينزل على الولي التابع إلا بالاتباع لنبيه وبإفهام ما جاء به بما لم يتحقق له علمه كحديث قال العلماء بضعفه مثلًا فيخبره ملك الإلهام بأنه صحيح فللولي العمل به في حق نفسه بشروط يعرفها أهل الله ﷿ لا مطلقًا. وقد ينزل الملك على الولي ببشرى من الله بأنه من أهل السعادة كما قال تعالى في الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا؛ وهذا وإن كان إنما يقع عند الموت فقد يعجل الله تعالى به لمن يشاء من عباده *قال الشيخ: وسبب غلط الغزالي وغيره في منع تنزل الملك على الولي عدم الذوق وظنوا بأنهم قد علموا بسلوكهم جميع المقامات فلما ظنوا ذلك بأنفسهم ولم يروا ملك الإلهام نزل عليهم أنكروه وقالوا ذلك خاص بالأنبياء فذوقهم صحيح وحكمهم باطل مع أنهؤلاء الذين منعوا قائلون بأن زيادة الثقة مقبولة وأهل الله كلهم ثقات. قال ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله وأخبرهم بتنزل الملك على الولي لقبلوا ذلك ولم ينكروه. قال وقد نزل علينا ملك الإلهام بما لا يحصى من العلوم وأخبرنا بذلك جماعات كثيرة ممن كان لا يقول بقولنا فرجعوا إلينا فيه ولله الحمد ".
وهكذا يقرر ابن عربي، الفيلسوف الصوفي والذي يسمونه الشيخ الأكبر، جواز، بل وقوع نزول الملائكة على شيوخ الصوفية وأن هذا قد وقع له ومد لمشايخ كثيرين ممن هم على شاكلته من أهل الكذب والزيغ. وإليك في
[ ١٧٤ ]
الفصل الآتي طائفة من كلام ابن عربي في هذا الصدد:
ابن عربي والكشف الصوفي
لم أطلع فيما اطلعت على كاتب صوفي أكثر تبجحًا فيما زعمه من العلم الباطني أكثر من ابن عربي الأندلسي الأصل، المغربي، ثم الشامي، سكنًا ووفاة.
لقد ملأ هذا الكاتب كتبه مدحًا لنفسه، وأنه لا يستطيع أحد مجاراته قط. فقد زعم لنفسه الإطلاع على كل ما سطره الفلاسفة قديمًا وما كتبه اليهود والنصارى. . والمطالع لكتبه يجد هذا واضحًا جدًا في مؤلفاته فقد ادعى لنفسه ختم الولاية الكبرى الخاصة وأنه خاتم الأولياء كما كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وكان في هذا الكذب متبعًا لمن سبقه ممن ادعى ختم الولاية كالترمذي الذي يسمونه الحكيم وهو محمد بن علي الترمذي. . وادعى لنفسه العلم الكامل المحيط بالقرآن والسنة، وأن تآليفه كلها معصومة من الخطأ، وأنه لا يكتب شيئًا إلا عن وحي يوحى، بل زعم أن أبواب كتابه الفتوحات المكية توقيفي يتبع فيه ما يوحى إليه وليس له يد في ترتيب فصوله وأبوابه. .
وأنه أحيانًا يتكلم بشيء بعد شيء لا رابط بينهما كما نزل في القرآن ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] . بعد آيات الطلاق ولا رابط بينهما. . وأن علومه كلها محفوظة من الخطأ. وإليك نصوص عباراته في ذلك كما جمعها الصوفي الكبير عبد الوهاب الشعراني من ثنايا كتاب (الفتوحات المكية) وضمنها عبد الوهاب في كتاب أسماه اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الكبائر:
" قال في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات المكية جميع ما أتكلم به في مجالسي وتآليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم فإني أعطيت مفاتيح العلم فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه كل ذلك حتى لا أخرج من مجالسة الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه وقال في الكلام على الآذان من الفتوحات: اعلم أني لم أقرر بحمد الله تعالى في كتابي هذا ولا غيره
[ ١٧٥ ]
قط أمرًا غير مشروع، وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء من تصانيفي وقال في الباب السادس والستين وثلاثمائة: جميع ما أكتبه في تصانيفي ليس هو عن فكر ولا روية وإنما هو عن نفث في روعي من ملك الإلهام وقال في الباب السابع والستين وثلاثمائة ليس عندي بحمد الله تقليد لأحد غير رسول الله ﷺ فعلومنا كلها محفوظة من الخطأ وقال في الباب العاشر من الفتوحات: نحن بحمد الله لا نعتمد في جميع ما نقوله إلا على ما يلقيه الله تعالى في قلوبنا لا على ما تحتمله الألفاظ وقال في الباب الثالث والسبعين وثلاثمائة: جميع ما كتبته وأكتبه إنما هو عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني كل ذلك لي بحكم الإرث لا بحكم الاستقلال فإن النفث في الروع منحط عن رتبة وحي الكلام ووحي الإشارة والعبارة ففرق يا أخي بين وحي الكلام ووحي الإلهام تكن من العلماء الأعلام وقال في الباب السابع والأربعين من الفتوحات: اعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر وإنما هي من الفيض الإلهي وقال في الباب السادس والأربعين ومائتين: منها جميع علومنا من علوم الذوق لا من علم بلا ذوق فإن علوم الذوق لا تكون إلا عن تجل إلهي والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح وقال في الباب التاسع والثمانين منها والباب الثامن والأربعين وثلاثمائة: اعلم أن ترتيب أبواب الفتوحات لم يكن عن اختيار مني ولا عن نظر فكري وإنما الحق تعالى يملي لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره وقد نذكر كلامًا بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بعده كما في قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى بين آيات طلاق ونكاح وعدة ووفاة تتقدمها وتتأخر عنها انتهى وأطال في ذلك وقال في الباب الثامن من الفتوحات: اعلم أن العارفين رضي الله تعالى عنهم لا يتقيدون في تصانيفهم بالكلام فيما بوبوا عليه فقط وذلك لأن قلوبهم عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما يبرز لهم منها فمهما برز لهم كلام بادروا إلى إلقائه على حسب ما حد لهم فقد يلقون الشيء إلى ما ليس في جنسه امتثالًا لأمر ربهم وهو تعالى يعلم حكمة ذلك. انتهى. فهذه النقول
[ ١٧٦ ]
تدل على أن كلام الكمل لا يقبل الخطأ من حيث هو والله أعلم " (اليواقيت والجواهر ص٢٤، ٢٥ ج٢) .
وفي نص آخر، يقرر الشعراني ما زعمه شيخه ابن عربي في أنه لا فرق بين وحي الأولياء وحي الأنبياء إلا أن وحي الأنبياء تشريع جديد، وأما الأولياء فإن وجهتهم كشف وعلم واتباع لمشرع الأنبياء. .
" وقال في الباب الثالث والخمسين وثلاثمائة: اعلم أنه لم يجيء لنا خبر إلهي أن بعد رسول الله ﷺ وحي تشريع أبدًا إنما لنا وحي الإلهام. قال تعالى ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ولم يذكر أن بعده وحيًا أبدًا. وقد جاء الخبر الصحيح في عيسى ﵇ وكان ممن أوحي إليه قبل رسول الله ﷺ أنه إذا نزل آخر الزمان لا يؤمنا إلا بنا أي بشريعتنا وسنتنا مع أن له الكشف التام إذا نزل زيادة على الإلهام الذي يكون له كما الخواص من هذه الأمة.
(فإن قلت) فإذن الإلهام خبر إلهي (فالجواب) نعم وهو كذلك إذ هو إخبار من الله تعالى للعبد على يد ملك مغيب عن الملهم.
(فإن قلت) فهل يكون إلهام بلا وساطة أحد (فالجواب) نعم قد يلهم العبد من الوجه الخاص الذي بين كل إنسان وربه ﷿ فلا يعلم به ملك الإلهام لكن علم هذا الوجه يتسارع إلى إنكاره ومنه إنكار موسى على الخضر عليهما الصلاة والسلام وعذر موسى في إنكاره أن الأنبياء ما تعودوا أخذ أحكام شرعهم إلا على يد ملك لا يعرف شرعًا من غير هذا الطريق فعلم أن الرسول والنبي يشهدان الملك ويريانه رؤية بصر عندما يوحي إليهما وغير الرسول يحس بأثره ولا يراه فيلهمه الله تعالى بوساطته ما شاء أن يلهمه أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط وهو أجل الإلقاء، وأشرفه إذا حصل الحفظ لصاحبه ويجتمع في هذا الرسول والولي أيضًا " ا. هـ (اليواقيت والجواهر ص٨٤ ج٢) .
وقول ابن عربي هنا " أو يلهمه أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط (أي بين الولي والله) وهو أي هذا الإلقاء بهذه الطريقة أجل الإلقاء وأشرفه - إذا حصل الحفظ لصاحبه - ويجتمع في هذا الرسول والولي أيضًا. . "
[ ١٧٧ ]
ا. هـ. . فانظر كيف جعل الولي كالنبي في تلقي الإلقاء الخاص من الله بلا وساطة ولم يكتف ابن عربي بتقرير هذا أيضًا بل راح يزعم أن هناك صورة أخرى للوحي للأولياء وهي انطباع صورة ما يريده الله في ذهن الولي قال الشعراني:
" (فإن قلت) فما حقيقة الوحي (فالجواب) كما قال الشيخ في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات أن حقيقته هو ما تقع به الإشارة القائمة مقام العبارة في غير عبارة إذ العبارة يتوصل منها إلى المعنى المقصود منها ولهذا سميت عبارة بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه والوحي هو المفهوم الأول والإفهام الأول ولا عجب من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه فإن لم يحصل لك يا أخي معرفة هذه النكتة فليس لك نصيب من معرفة علم الإلهام الذي يكون للأولياء. ألا ترى أن الوحي هو السرعة ولا أسرع مما ذكرناه انتهى.
(فإن قلت) فما صورة تنزل وحي الإلهام على قلوب الأولياء (فالجواب) صورته أن الحق تعالى إذا أراد أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما تجلى إلى قلب ذلك الولي في صورة ذلك الأمر فيفهم من ذلك الولي التجلي بمجرد مشاهدته ما يريد الحق تعالى أن يعلم ذلك الولي به من تفهيم معاني كلامه أو كلام نبيه ﷺ علم في الضر به باليد الإلهية، كما يليق بجلاله تعالى وكما وجد العلم في شربة اللبن ليلة الإسراء. ثم إن من الأولياء من يشعر بذلك ومنهم من لا يشعر بل يقول وجدت كذا وكذا في خاطري ولا يعلم من أتاه به ولكن من عرفه فهو أتم لحفظه حينئذ من الشيطان وأطال في ذلك في الباب الثاني عشر وثلاثمائة (اليواقيت والجواهر ص٨٤ ج٢) .
ويعني بالقربة الإلهية حديث النبي ﷺ الثابت في مسند أحمد: رأيت ربي الليلة في أحسن صورة فقال لي يا محمد: [فيم يختصم الملأ الأعلى] فقلت: [الله أعلم] فوضع رب العزة يده على ظهري
[ ١٧٨ ]
حتى وجدت بردها في صدري فرأيت السماوات فقلت: [يا ربي في الكفارات والدرجات. .] الحديث. ويعني ابن عربي بذلك أنه كما أن الرسول ﷺ ارتفع عنه الحجاب عندما وضع يده سبحانه على الكيفية التي شاءها سبحانه -على ظهر النبي فرأى النبي لذلك الملأ الأعلى وهم الملائكة- يختصمون أي يتناقشون في الكفارات والدرجات أي ما يكفر الذنوب لبني آدم، وما يعلي درجاتهم فقال الله ﷾ مجيبًا بعد رؤيته للملائكة وسماعه لحديثهم أما الكفارات فهي إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. . وأما الدرجات فهي إطعام الطعام وإلانة في الكلام والصلاة بالليل والناس نيام. .
أقول أراد ابن عربي أن يجعل للصوفية ما خص الله به الأنبياء من الرؤيا الصادقة في النوم والاطلاع على ما في السماوات من الملأ الأعلى والملائكة فزعم أنه يكون للولي الصوفي كذلك ما كان للنبي من كشف قناع قلبه ورؤيته للملأ الأعلى.
ولم يكتف ابن عربي بهذا أيضًا بل زعم لنفسه وجماعته الصوفية ما لم يعلمه رسل الله أنفسهم وعلى رأسهم سيدهم وخاتمهم محمد ﷺ فقد زعم أن الصوفية أحيانًا ينزل عليهم الوحي مكتوبًا من السماء.
وأنه أعني ابن عربي يعلم الفرق بين ما في اللوح المحفوظ من كتابه وما يكتبه المخلوقون وبذلك يستطيع أن يفرق بين المكتوب النازل من السماء والمكتوب في الأرض. . قلت لم يقل نبي قط ولا أخبرنا الله ﷾ أن هناك بشرًا اطلع على ما في اللوح المحفوظ ولكن العجيب أن هؤلاء يزعمون العلم والإحاطة به. بل نقل الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى عن شيخه الخواص أنه كان يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة. . وزعم أحمد بن المبارك أن شيخه الأمي عبد العزيز الدباغ يعلم اللوح المحفوظ ويعلم كتابته وأنه بالسريانية! والمهم هنا أن ابن عربي يقرر في فتوحاته أن وحي الأولياء كثيرًا ما ينزل مكتوبًا كما نزلت التوراة مكتوبة. .
يقول الشعراني عن شيخه:
[ ١٧٩ ]
" وقد يكون ذلك كتابة ويقع هذا كثيرًا للأولياء وبه كان يوحى لأبي عبد الله قضيب البان، وغيره، كبقي بن مخلد تلميذ الإمام أحمد ﵁ لكنه أضعف الجماعة في ذلك فكان لا يجده إلا بعد القيام من النوم مكتوبًا في ورقة انتهى (فإن قلت) فما علامة كون تلك الكتابة التي في الورقة من عند الله ﷿ حتى يجوز للولي العمل بها (فالجواب) أن علامتها كما قال الشيخ في الباب الخامس عشر وثلاثمائة أن تلك الكتابة تقرأ من كل ناحية على السواء لا تتغير كلما قلبت الورقة انقلبت الكتابة لانقلابها. قال الشيخ: وقد رأيت ورقة نزلت على فقير في المطاف يعتقه من النار على هذه الصفة فلما رآها الناس علموا أنها ليست من كتابة المخلوقين فإن وجدت تلك العلامة فتلك الورقة من الله ﷿ لكن لا يعمل بها إلا إن وافقت الشريعة التي بين أظهرنا.
قال: وكذلك وقع لفقيرة من تلامذتنا أنها رأت في المنام أن الحق تعالى أعطاها ورقة فانطبقت كفها حين استيقظت فلم يقدر أحد على فتحها فألهمني الله تعالى أني قلت لها إنوِ بقلبك أنه إذا فتح الله كفك أن تبتلعيها فنوت وقربت يدها إلى فمها فدخلت الورقة في فيها قهرًا عليها فقال الولي بم عرفت ذلك فقلت ألهمت أن الله تعالى لم يرد منها أن يطلع أحد عليها وقد أطلعني الله تعالى على الفرق بين كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ وغيره وبين كتابة المخلوقين وهو علم عجيب رأيناه وشاهدناه انتهى (اليواقيت والجواهر ص٨٣، ٨٤ ج٢) . .
فانظر هذا الوحي الإلهي لهذه المريدة العزيزة الذي نزل في يدها وانطبقت عليه ثم ابتلعته. . وإن العالم النحرير والشيخ الكبير عرف بالكشف مراد الله فقال ابتلعيها. . إلخ. . سبحانك يا رب لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. .
ولم يكتف ابن عربي بكل ما قرره في هذا الكشف الشيطاني للصوفية من أنه تنزل عليهم الملائكة، ويشاهدون الله ويسمعون الصوت ويأتيهم الوحي مكتوبًا بل قرر أيضًا أن قلوب الأولياء تنكشف عنها الحجب فيشاهدون الجنة
[ ١٨٠ ]
وما فيها، والنار وما فيها تمامًا كما حدث للرسول ﷺ.
قال الشعراني:
" (فإن قلت) فما صورة وصول الأولياء إلى العلم بأحوال السماوات (فالجواب) يصل الأولياء إلى ذلك بانجلاء مرآة قلوبهم كما يكشفون عن أحوال أهل الجنة وأهل النار بحكم الإرث لرسول الله ﷺ لما رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف ورأى في النار عمرو بن لحي الذي سيب السوائب وصاحب المحجن، وصاحبة الهرة التي حبستها حتى ماتت. وفي بعض طرق الحديث رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط انتهى والله أعلم. . " ا. هـ (اليواقيت والجواهر ص٨٨) .
باختصار لم يترك ابن عربي صورة من صور الوحي الإلهي الذي يوحي به للرسل إلا أثبت مثيله ونظيره بل وأكمل منه للصوفية، وبالطبع كان لا بد للمتصوفة من أن يجيبوا عن تكفير علماء الأمة لهم ونسبتهم إلى الزندقة والمروق من الدين وذلك لادعائهم ما هو من خصوصيات الرسل رضوان الله عليهم، إذ لا فرق بين الرسول وغيره إلا الوحي، ولو كان واحد من الأمة يوحى إليه ويطلع على الغيب، ويكون وارثًا للرسول في هذا الإطلاع والتحقق لما كان للرسالة معنى، ولا للنبوة منزلة وفائدة، ما دام كل إنسان يستطيع بنفسه أن يصل إلى الله ويطلع على الغيب، وأن يعلم مراد الله على الحقيقة. ما مزية الرسول هنا وما منزلته، ما دام كل أحد إذا فعل بعض المجاهدات يكون مثله وينزل عليه الوحي ويرى الملائكة ويطلع على الملأ الأعلى، ويشاهد الله ويجلس في حضرته ويطبع الله مراده في ذهنه، ويكتب له ما شاء من الرسائل كما ادعى الحلاج أنه نزلت عليه رسائل كثيرة بخط الله، وادعى هذا ابن عربي كما مر سابقًا، لماذا يكون مسيلمة إذًا كذابًا والقرآن الذي افتراه أحسن حالًا في جوانب كثيرة من حكايات كثيرة من الصوفية التي زعموا أنهم تلقوها من
[ ١٨١ ]
الله وملائكته. . لقد كان مسيلمة أقوى حجة وأكثر تابعًا، وأعز جيشًا من كل مشايخ التصوف الكاذبين. .
وإذا قال هؤلاء بأننا علمنا أن مسيلمة كاذب بتكذيب النبي له قلنا لهم وكذلك يجب أن تحكموا على كل مشايخ التصوف الذين يزعمون نزول الوحي عليهم بتكذيب النبي ﷺ أيضًا لهم. إنه ﷺ هو القائل لا تقوم الساعة حتى يقوم كذابون كثيرون يزعم كل منهم أنه نبي. . وأن لا نبي بعدي وأليس كل من زعم أنه يوحى إليه قد ادعى النبوة فكيف إذا زعم أيضًا أنه يرى الله؟ ويلتقي بالملائكة ويسمع أصواتهم، ويلتقي بالخضر، وينزل عليه الكتب مكتوبة من السماء، ويطلع بقلبه على الملأ الأعلى والملأ الأسفل، أليس مسيلمة كان أقل كذبًا من هؤلاء بل وأحكم منطقًا وأعظم عقلًا؟
أقول لما علم ابن عربي ومن على شاكلته أن دعاواهم هذه لن تنطلي إلا على جاهل من أهل القبلة، وأن علماء المسلمين لا بد أن يكفروهم ويزندقوهم فإنه احتاط لذلك وأجاب عما رماه به علماء الأمة الصالحون، ورموا به أيضًا من هم على شاكلته في ادعاء العلم الغيبي والكشف الصوفي. أجاب على ذلك بأنهم على شريعة خاصة، وأن علماء الشريعة يمكن أن يحملوا كلام الصوفية على خلاف في الرأي كما هو حادث بين الشافعي والحنفي أو ينزلوا كلام المتصوفة كأنه كلام أهل الكتاب فلا يصدقونهم ولا يكذبونهم. .
قال الشعراني:
" (فإن قلت) قد رأينا في كلام بعضهم تكفير الأولياء المحدّثين بفتح الدال المهملة لكونهم يصححون الأحاديث التي قال الحفاظ بضعفها. (فالجواب) تكفير الناس للمحدثين المذكورين عدم إنصاف منهم لأن حكم المحدثين حكم المجتهدين فكما يحرم على كل واحد من المجتهدين أن يخالف ما ثبت عنده فكذلك المحدثون بفتح الدال وكلاهما أشرع بتقرير رسول الله ﷺ. قال الشيخ محيي الدين في الباب الثالث والسبعين من الجواب السابع والخمسين: وقد وقع لنا التكفير مع علماء عصرنا لما صححنا بعض أحاديث قالوا بضعفها قال ونحن نعذرهم في ذلك لأنه ما قام عندهم على صدق كل واحد من هذه الطائفة
[ ١٨٢ ]
وهم مخاطبون بغلبة الظن ولو أنهم وفوا النظر معهم حقه لسلموا لهم حالهم كما يسلم الشافعي للحنفي حكمه ولا ينقض حكم من حكم به من الحكام. ومما اعتذروا به قولهم لو صدقت القوم في كل ما يدعونه من نحو ذلل لدخل الخلل في الشريعة لعدم العصمة فيهم فلذلك سددنا الباب وقلنا: إن الصادق من هؤلاء لا يضره سدنا هذا الباب، قال الشيخ محيي الدين ونعم ما فعلوه ونحن نسلم لهم ذلك ونصوبهم فيه ونحكم لهم بالأجر التام على ذلك ولكن إذا لم يقطعوا بأن ذلك الولي مخطئ في مخالفتهم فإن قطعوا بخطئه فلا عذر لهم فإن أقل الأحوال أن ينزلوا الأولياء المذكورين منزلة أهل الكتاب لا يصدقونهم ولا يكذبونهم انتهى (اليواقيت والجواهر ص٩٠ ج٢) . .
وهذا الاعتذار والجواب عن تكفير أهل السنة لهؤلاء في غاية الجهالة أيضًا لأن ما أتى به المتصوفة مما يسمونه كشفًا ليس من الخلاف في الرأي، ولا الخلاف الفرعي، بل هو مصادم لأحكام الإسلام ومبادئ الإيمان.
فالتصديق أصلًا بأنهم يعلمون من طريق الوحي كفر لأنه يناقض ما جاء به القرآن والحديث، من أن الوحي قاصر على الأنبياء فقط وأن لا نبوة بعد رسول الله ﷺ وأنه من النبوة الرؤيا الصادقة فقط. . وأما سماع صوت الملك وانقشاع حجاب القلب ونزول الأوراق المكتوبة من السماء كل هذا من خصائص النبوة التي انتهت بوفاة الرسول ﷺ. .
ثم ما جاء به الصوفية مما جعلوه ونسبوه إلى الكشف هو في عامته وحي إبليسي شيطاني لم يترك كفرًا في الأرض إلا نسبه إلى الدين كتبرئة إبليس من الكفر والقول بنجاة فرعون ودخوله الجنة وأن فلانًا من أهل الجنة ومن الصديقين والحال أنّ شارب الخمر زنديق، وأن فلانًا يطلع على اللوح المحفوظ، وأن فلانًا الذي يأتي (الحمارة) في الشارع ولي لله تعالى، وفلانًا القذر الذي لا يمس الماء ولا يتطهر من حدث أو جنابة ولي صالح، وفلان الذي يقول أنا الله وما في الجبة إلا الله وسبحانه ولي صالح. . إلخ.
[ ١٨٣ ]
هذا الكفر كيف يكون هذا من جنس الخلاف بين الشافعي والحنفي في قراءة الفاتحة وراء الإمام وفي نقض الوضوء من مس المرأة. . ومثل هذه الفرعيات التي كان فيها خلاف حول فهم النصوص القرآنية الحديثية. .
وأما قياس ابن عربي ما جاء به المتصوفة أيضًا على كلام أهل الكتاب الذين قال الرسول فيهم لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. . فإنه قياس بعيد أيضًا لأن هذا فيما قاله أهل الكتاب مما لا يناقض عقيدة الإسلام. وإلا كيف لا نكذب أهل الكتاب في قولهم إن الله استراح في اليوم السابع وإنه تصارع مع يعقوب (إسرائيل) وصرعه إسرائيل وإن لوطًا زنى بابنتيه وإبراهيم قدم زوجته لحاكم مصر ليحصل على إبل وغنم، وإن المسيح ابن الله وغير ذلك من الخرافات والخزعبلات وصنوف الكذب على الله والأنبياء.
لا شك أن المسلم يكذب اليهود في كل ما زعموه مما هو مناقض لعقيدة الإسلام وما قرر الله ﷾ غيره تمامًا وضده في القرآن، كيف نؤمن بكلام الصوفية وكشوفاتها وهو لا يقل في عمومه خبثًا ونجاسة عما افتراه اليهود والنصارى على الله. . كيف نصدق الصوفية في كشفهم أن الخنزير والكلب هو الله، وأن المخلوق والخالق شيء واحد، وأن القائلين بخالق فوق العرش مباين للعالم جاهلون بعقيدة التوحيد. . كيف يكون الكشف الصوفي هذا الذي يزعم أصحابه أنهم أخذوه عن الله ونقلوه بحرفيته هو الحق وأنه يجب على علماء الشريعة والإسلام أن يعاملوا الصوفية كما يعاملون اليهود والنصارى في أن لا يصدقوهم ولا يكذبوهم. . أقول بل يجب تكذيبهم في كل ما افتروه على الله وعلى رسوله مما يخالف كلام الله وكلام رسوله. ومما هو كفر صراح بواح لا يشك ولا يماري فيه من له أدنى علم بالكتاب والسنة عنده بصر وبصيرة يستطيع أن يميز فيه بين كلام الله وكلام الشياطين وبين وحي الله سبحانه الذي ينزل به جبريل الأمين محفوظًا أن يناله الشياطين أو أن يدخلوا معه ما ليس منه وبين وحي إبليس اللعين الذي يلقبه هو وأولاده وأفراخه على أوليائه من هؤلاء الكذابين والأفاكين. .
فيدعون لأنفسهم ما ادعوه من كل كذب وزور وفجور. .
[ ١٨٤ ]
والعجيب أيضًا أن ابن عربي الذي نحن بصدد بيان افتراءاته في الكشوف والعلوم التي له كان يعلم أن هناك وحيًا شيطانيًا يتنزل على بعض الصوفية، وأن هناك من يحفظ منهم من تلبيس الشيطان ومنهم من لا يحفظ.
يقول عبد الوهاب الشعراني أيضًا في كتابه اليواقيت فيما ينقله عن ابن عربي:
" (فإن قلت) فمتى يحفظ الولي من التلبيس عليه فيما يأتيه من وحي الإلهام (فالجواب) يعرف ذلك بالعلامات؛ فمن كان له في ذلك علامة بينه وبين الله عرف الوحي الحق الإلهامي الملكي من الوحي الباطل الشيطاني حفظ من التلبيس ولكن أهل هذا المقام قليل.
قال الشيخ في الباب الثالث والثمانين ومائتين: مما غلط فيه جماعة من أهل الله ﷿ كأبي حامد الغزالي وابن سيد لون (رجل بوادي اشت) قولهم إذا ارتقى الولي عن عالم العناصر وفتح لقلبه أبواب السماء حفظ من التلبيس قالوا وذلك لأنه حينئذ في عالم الحفظ من المردة والشياطين فكل ما يراه هناك حق. قال الشيخ محيي الدين وهذا الذي قالوه ليس بصحيح وإنما يصح ذلك أن لو كان المعراج بأجسامهم مع أرواحهم إن صح أن أحدًا يرث رسول الله ﷺ في هذا المعراج وأما من عرج به بخاطريته وروحانيته بغير انفصال موت وجسده في بيته مثلًا فقد لا يحفظ من التلبيس إلا أن يكون له علامة في ذلك كما مر وأطال في ذلك ثم قال واعلم أن الشيطان لا يزال مراقبًا لقلوب أهل الكشف سواء كان أحدهم من أهل العلامات أو لم يكن لأن له حرصًا على الإغواء والتلبيس لعلمه بأن الله تعالى قد يخذل عبده فلا يحفظه فيعيش إبليس بالترجي ويقول لعل وعسى فإن رأى إبليس باطن العبد محفوظًا وأنوار الملائكة قد حفت به انتقل إلى جسد ذلك العبد فيظهر له في صورة الحس أمورًا عسى أن يأخذ بها فإذا حفظ الله تعالى قلب ذلك العبد ولم ير له على باطنه سبيلًا جلس تجاه قلبه فينتظر غفلة تطرأ عليه فإذا عجز أن يوقعه في شيء يقبله منه بلا وساطة نظر في حال ذلك الولي فإن رأى أن من عادته
[ ١٨٥ ]
الأخذ للمعارف من الأرض أقام له أرضًا متخيلة ليأخذ منها فإن أيد الله تعالى ذلك العبد رده خاسئًا لاطلاعه حينئذ على الفرق بين الأرضين المتخيلة والمحسوسة وقد يأخذ الكامل من إبليس ما ألقاه إليه من الله لا من إبليس فيرده أيضًا خاسئًا وكذلك إن رأى إبليس أن حال ذلك الولي الأخذ من السماء أقام له سماء متخيلة مثل السماء التي يأخذ منها ويدرج له فيها من السموم القاتلة ما يقدر عليه فيعامله العارف بما قلناه في شأن الأرض المتخيلة والأصلية وإن رأى أن حال ذلك الولي الأخذ من سدرة المنتهى أو من ملك من الملائكة خيل له سدرة مثلها أو صورة ملك مثل ذلك الملك وتسمى له باسمه وألقى إليه ما عرف أن ذلك الملك يلقيه إليه من ذلك المقام فإن كان ذلك الشخص من أهل التلبيس فقد ظفر به عدوه وإن كان محفوظًا حفظ منه فيطرد عنه إبليس ويرمي ما جاء به أو يأخذ ذلك عن الله تعالى لا عن إبليس كما مر ويشكر الله تعالى على ذلك وإن رأى الشيطان أن حال ذلك الولي الأخذ من العرش أو من العماء أو الأسماء الإلهية ألقى إليه الشيطان بحسب حاله ميزانًا بميزان وأطال الشيخ في ذلك في الباب الثالث والثمانين ومائتين " ا. هـ (اليواقيت والجواهر ص٨٧ ج٢) .
والعجيب من الغزالي أيضًا كيف ظن أن ما يزعم الصوفي نقله من السماوات لا يكون فيه شيء شيطاني لأن الله حفظ السماء من الشياطين، وكأنه قد غاب عنه أن الصوفي الذي يزعم الوصول إلى السماوات هو جالس هنا في الأرض تستهويه الشياطين وتحف به من كل جانب.
ولم أر ابن عربي صدق في هذا الصدد إلا فيما نقلناه عنه آنفًا من بيان تلبيس الشياطين على الصوفية في تصويره لهم سماء متخيلة، أو سدرة المنتهى أو الملائكة. . إلخ. حتى يظن الصوفي أنه قد رأى ذلك فعلًا وأنه ينقل علمه من هناك والحال أنه ينقل عن الشياطين الذين يزخرفون له ذلك ويحيلون له ما يشاهده مما ليس هنالك هو تمامًا ما وقع لهؤلاء الصوفية ومنهم بل أولهم في ذلك هو ابن عربي هذا الذي لم يترك كفرًا في الأرض إلا سطره في كتبه
[ ١٨٦ ]
وبخاصة كتابه الفصوص (فصوص الحكم) وكتابه (الفتوحات المكية) .
لقد عرف ابن عربي حقًا الطريق الذي استقى منه هو والصوفية وأنه الشياطين الذي يخيلون لهم هذه الخيالات ويوحون إليهم بهذه الكلمات.
وسيجد القارئ في ثنايا هذا الكتاب نقولًا مستفيضة عن ابن عربي تبين ما هي حقيقة كشوفاته ووحيه الذي أوحي به إليه ولكني أحب أن أختم هذا الفصل في بيان موقف ابن عربي من الكشف بحقيقة موقفه من إبليس لنبين للقارئ بما لا يدع مجالًا للشك أي دين يدين به هؤلاء وأي علم يزعمون الوصول إليه وأي كشف اكتشفوه. .
فمن المعلوم يقينًا عند كل مسلم أن إبليس هو رأس الشر والبلاء وأنه عدو لآدم وذريته منذ امتنع عن السجود لآدم وطرده الله بسبب ذلك من رحمته وجعل الله عليه اللعنة إلى يوم يبعثون وأنه يكون في الآخرة في جهنم كما قال تعالى:
﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
والشيطان في هذه الآية هو إبليس بإجماع المفسرين وكذلك قوله تعالى: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ٩٤ - ١٠١] .
ولا شك أن جنود إبليس يستحيل أن يدخلوا النار ولا يدخل هو معهم إذ كيف يدخل الجنود ويبقى رأس الجند من الناجين. ولعل قائلًا يقول ولماذا هذا التطويل في بيان أن إبليس من أهل الجحيم. إن هذا أمر بديهي معلوم عند جميع أبناء الإسلام وأقول: إن هذا الأمر البديهي المعلوم من الدين بالضرورة التي
[ ١٨٧ ]
يعتبر جاحدًا وناكرًا وكافرًا مرتدًا من نفاه هو ما أثبت ابن عربي تبعًا في زعمه لسهل بن عبد الله التستري ضده، وهو أن إبليس من الناجين وأنه لن يدخل النار أبدًا وأنه أعني إبليس التقى في زعم ابن عربي بسهل بن عبد الله التستري الصوفي كان من كبار مشايخهم في القرن الثالث فناقشه في هذه المسألة وبين له أنه من الناجين، وأنه لن يدخل النار وأن الله ﷾ سيغير ما أثبته في القرآن لأن الله لا يجب عليه شيء وما دام أنه لا يجب عليه شيء ولا يقيده قيد، فإنه قد قضى بنجاة إبليس يوم القيامة، وتبرئته من جميع التهم المنسوبة إليه والعفو التام عنه. .
. . انظروا يا مسلمين هذا الكشف الصوفي ما أعظمه وأطرفه بل ما أفجره وأكفره. . إن ما أتعب النبي محمدًا ﷺ فيه نفسه طيلة ثلاثة وعشرين عامًا من بيان قصة إبليس وآدم، ومن لعن إبليس دائمًا، واستفتاح صلاته بالاستعاذة منه، وقوله ﷺ له عندما خنقه (ألعنك بلعنة الله. . ألعنك بلعنة الله. . ألعنك بلعنة الله. .) وذلك عندما جاء إبليس اللعين هذا بشهاب من نار ووضعه في وجه الرسول ﷺ وهو يصلي. .
هذا الذي أتعب فيه الرسول ﷺ نفسه ومن بعده سائر الصحابة والمسلمين؛. . جاء ابن عربي اليوم ليبين لنا عن شيخه المزعوم التستري أنه كان خطًا في خطأ، وأنه يوم القيامة يكون في الجنة مع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. . وأن هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. .
ويعني ابن عربي بذلك الأشاعرة لأنهم يقولون (لا يجب على الله شيء) وما دام لا يجب عليه شيء فيجوز أن يدخل إبليس الجنة. .
وهذا الجائز العقلي عن الأشاعرة جعله ابن عربي ممكنًا وواقعًا لأن شيخه القشيري التقى بإبليس وناقشه في هذه المسألة وتحقق منه أنه سيكون يوم القيامة من الفائزين الفالحين. . وهذا نص الحكاية المزعومة وتعقيب ابن عربي عليها بنصها من كتاب اليواقيت والجواهر. .
[ ١٨٨ ]
" وذكر الشيخ محيي الدين في الباب الثالث والتسعين ومائتين أيضًا ما يؤيد اعتقاد أهل السنة والجماعة من أن الحق تعالى لا يجب عليه شيء وهو أن سهل بن عبد الله التستري ﵁ قال لقيت إبليس مرة فعرفته وعرف مني أنني عرفته فوقع بيني وبينه مناظرة فقال لي وقلت له وعلا بيننا الكلام وطال النزاع بحيث إنه وقف ووقفت حائرًا وحرت فكان آخر ما قال لي يا سهل إن الله تعالى قال ورحمتي وسعت كل شيء نعم ولا يخفى عليك أنني شيء ولفظة كل تقتضي الإحاطة والعموم إلا ما خص وشيء أنكر النكرات فقد وسعتني رحمته أنا وجميع العصاة فبأي دليل تقولون إن رحمة الله لا تنالنا. قال سهل فوالله لقد أخرسني وحيرني بلطافة سياقه وظفره بمثل هذه الآية وفهمه منها ما لم أكن أفهمه وعلمه من دلالتها ما لم أكن أعلمه فبقيت حائرًا متفكرًا وأخذت أردد الآية في نفسي فلما جئت إلى قوله تعالى فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة إلى آخر النسق فسررت بها وظننت أني قد ظفرت بحجة وظهرت عليه بما يقصم ظهره فقلت له: تعال يا ملعون، إن الله تعالى قد قيدها بنعوت مخصوصة تخرجك عن ذلك العموم فقال سأكتبها للذين يتقون إلى آخر النسق. فتبسم إبليس وقال: يا سهل، التقييد صفتك لا صفته تعالى. ثم قال: يا سهل ما كنت أظن أن يبلغ بك الجهل بالله ما رأيت وما ظننت أنك ههنا ليتك سكت، قال سهل فرجعت إلى نفسي وغصصت بريقي وأقام الماء في حلقي وما وجدت له جوابًا ولا سددت وجهه بابًا وعلمت أنه طمع في مطمع وانصرف وانصرفت ووالله ما أدري بعد هذا ما يكون فإن الله تعالى ما نص بما يرفع هذا الإشكال فبقي الأمر عندي على المشيئة منه في خلقه لا أحكم عليه بذلك إلا بما حكم به على نفسه من حيث وجود الإيمان به. انتهى كلام سهل. قال الشيخ محيي الدين: وكنت قديمًا أقول ما رأيت أقصر حجة من إبليس ولا أجهل منه فلما وقفت له على هذه المسألة التي حكاها عنه سهل ﵁ تعجبت وعلمت أن إبليس قد علم علمًا لا جهل فيه فله رتبة الإفادة لسهل في هذه المسألة. انتهى فقد بان لك أن الله تعالى خلق العالم كله من غير حاجة إليه لا موجب أوجب ذلك عليه " ا. هـ (اليواقيت والجواهر ص٦٠ ج١) .
[ ١٨٩ ]
وأظن الآن أنه قد وضح للقارئ تمامًا ما هو الكشف الصوفي، وأنه عملية هدم منتظمة للدين الحنيف الذي جاء به سيد المرسلين ﷺ فما دام إبليس من الناجين فليس هناك شيء ثابت في هذا الدين.
ولا عجب فيما رووا عن إبليس، فإن أستاذهم الحلاج وأحد كبرائهم قال في إبليس ما لم يقله أحد منهم في جبريل؛ إذ جعله سيد الملائكة أجمعين ذلك لأنه أبى أن يسجد إلا لله. . لأن عبادته لله خاصة فقط وذلك كان أعظم الموحدين. وإليك هذه النماذج من الكشف الصوفي اللعين.
ملك ينزل إلى الأرض على شكل خواجة
كتب أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي كتابًا سماه (الإبريز) زعم أنه ينقل ما فيه عن شيخه عبد العزيز الدباغ المغربي أيضًا، وهذا الشيخ أمي جاهل لم يكن يحفظ حزبًا واحدًا من القرآن بشهادة تلميذه أحمد بن مبارك، ولكنه مع ذلك كان يستطيع التفريق بين القرآن والحديث بمجرد السماع، بل كان يستطيع أيضًا أن يفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي وكل ذلك بالكشف من غير علم ولا تعليم، وليس كذلك فقط بل كان يستطيع أيضًا أن يفرق ويعلم صحيح الحديث من موضوعه وضعيفه فإذا ألقي إليه الحديث علم هل قاله الرسول أو لا ويقول أحمد بن مبارك اختبرته في ذلك فكنت ألقي عليه الحديث من الجامع الصغير للسيوطي فما قال فيه السيوطي صحيح كان يقول الشيخ عنه صحيح وما قال فيه موضوع يقول موضوع دون أن يتلقى هذا بالعلم وإنما بالكشف فقط بل كان يعرف إن كان الحديث في البخاري أو مسلم أو فيهما أو انفرد فيه أحدهما. . إلخ. . ولم يكن هذا هو كل علم عبد العزيز الدباغ بل كان يعرف معاني القرآن كلها وتفسيره الباطني وعلم الحروف المقطعة في القرآن. بل وكان يعلم جميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء ويعلم تفاسيرها ومعانيها. ولم يكن هذا فقط هو علم
[ ١٩٠ ]
الدباغ أستاذ أحمد بن مبارك المزعوم بل كان يعلم ما في اللوح المحفوظ كله من المقادير. بل كان كل هذا الذي لا يحفظ حزبًا من القرآن بشهادة تلميذه لا تغيب عنه ذرة في الأرض ولا في السماء، وأنه هو الغوث الأكبر المتحكم في العالم العلوي والسفلي والوارث للحقيقة المحمدية.
والحقيقة المحمدية في الفكر الصوفي هو الله المستوي على العرش كما قال ابن عربي: " الحقيقة المحمدية هي الموصوفة بالاستواء على العرش " (أهل التصرف في الفكر الصوفي هم أهل الديوان الذين يتحكمون في المقادير وهو الغوث والأقطاب الأربعة)، المهم أن أحمد بن مبارك يزعم فيما يزعم أن شيخه الأكبر وهو رئيس الديوان الصوفي وأنه استفاد منه علومًا جمة من بعضها كتابه الإبريز.
وسيجد القارئ جانبًا كبيرًا من هذه العلوم في الفصل الخاص بالديوان الصوفي لأن الدباغ هذا وصف ما سماه بالديوان الصوفي وصفًا عجيبًا. . والمهم هنا أن ننقل بعض كشوفات الدباغ. .
قال أحمد بن مبارك: " وسمعته ﵁ يقول:
إن في كل مدينة من المدن عددًا كبيرًا من الملائكة مثل السبعين ملكًا أو أقل أو أكثر يكونون عونًا لأهل التصوف من الأولياء فيما لا تطيقه ذات الولي؛ قال ﵁ وهؤلاء الملائكة الذين يكونون موجودين في المدن يكونون على هيئة بني آدم فمنهم من يلقاك في صورة خواجة، ومنهم من يلقاك في صورة فقير (أي صوفي أو شحاذ)، ومنهم من يلقاك في صورة طفل صغير وهم منغمسون في الناس ولكنهم لا يشعرون " ا. هـ (الإبريز ص١٦٤، ١٦٥) .
فانظر هذا الكشف العجيب؛ الملائكة تنزل إلى الأرض تأتمر بأمر الصوفية وهو على أشكال الخواجات والشحاذين والأطفال. .
فإذا رأيت خواجة فلا تزعجه في الطريق ولا تنظر إليه شذرًا فربما كان ملكًا من ملائكة الله نزل لتنفيذ أوامر مشايخ الصوفية. .
[ ١٩١ ]
تاريخ بناء الأهرام عن طريق الكشف
الكشف الصوفي لم يترك شيئًا إلا حاول الدخول فيه وإليه؛ من ذلك تاريخ بناء الأهرام التي بناها خوفو الفرعون قبل ميلاد المسيح ﵇ بنحو أربعة آلاف سنة ولكن بالكشف الصوفي يقول ابن عربي: " بلغنا أنه وجد مكتوبًا بالقلم الأول على الأهرام أنها بنيت والنسر الطائر في الأسد، وهو الآن في الجدي ". .
قال عبد الوهاب الشعراني تعليقًا على كلام ابن عربي " ومعلوم أن النسر الطائر لا ينتقل من برج إلى غيره إلا بعد مضي ثلاثين ألف سنة قال الشيخ عبد الكريم الجيلي، وهو اليوم في الدلو فقد قطع نحو عشرة أبراج ولا يتأتى ذلك إلا بعد ثلاثمائة ألف سنة " ا. هـ (الكبريت الأحمر على هامش اليواقيت والجواهر ص٩) .
وعلى الكشف الصوفي هذا يصبح عمر الأهرام حسب تخريفاتهم أكثر من ٢٩٥ مائتين وخمسة وتسعين ألف سنة فقط من عمرها الحقيقي.
الدباغ يكتشف نبيًا جديدًا اسمه هويد
قال أحمد بن مبارك في كتابه الإبريز:
" ومما قاله ﵁ في نسب هود محصلة كشف وعيان فإنه أمي لا يعرف تاريخًا، ولا غيره فلا ينبغي لأحد أن يعارضه بما قال أهل التاريخ في نسب هود لأنه مبني على خبر الواحد، ومع ذلك فقد اضطرب في خبر الواحد في نسب هو فقيل نسبه هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عماد بن عوض بن آدم بن سام بن نوح، وقيل هو هود بن شارخ بدار فخشذ بن سام بن نوح ﵇ فهو على هذا ابن عم أبي عماد دائمًا جعل من عاد وإن لم يكن منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف لحاله وأرغب في اقتفائه. . قال - رضي الله
[ ١٩٢ ]
عنه ـ: وأما عادًا الأولى فكانوا قبل نوح ﵇ وأرسل الله لهم نبيًا يسمى (هويد) وهو رسول مستقل بشرعه بخلاف هود الذي أرسل إلى عاد الثانية فإنه مجدد لشرع من قبله من المرسلين. قال: وكل رسول مستقل فلا بد أن يكون له كتاب. قال: ولسيدنا (هويد) المذكور كتاب وأنا أحفظه كما أحفظ جميع كتب المرسلين. فقلت له وتعدها. قال أحفظها ولا أعدها اسمعوا مني. ثم جعل يعدها كتابًا كتابًا، قال: (أي الدباغ) ولا يكون الولي وليًا حتى يؤمن بجميع هذه الكتب تفصيلًا ولا يكفيه الإجمال فقلت هذا لسائر الأولياء المفتوح عليهم فقال: بل لواحد فقط وهو الغوث فاستفدت منه في ذلك الوقت أنه ﵁ هو الغوث وعلومه دالة على ذلك فإني لو قيدت جميع ما سمعت منه لملأت أسفارًا، وكم من مرة يقول جميع كلامي معكم على قدر ما تطيقه العقول " ا. هـ (الإبريز ص١٠٣-١٠٤) .
وليس هناك من تعليق على مثل هذا الهراء إلا أن يقول المسلم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. .
وانظر بعد ذلك تتمة هذه الفتوح الدباغية كيف أنه اكتشف أيضًا بطريقة الكشف أن بين نوح وآدم سبعين رسولًا لم يقص الله تعالى في القرآن شيئًا من قصصهم ولكن عبد العزيز الدباغ عرفهم بطريق الكشف. .
قال أحمد بن مبارك تلميذ الدباغ: (وسمعته) ﵁ يقول كان قبل نوح سبعمائة رسول من الأنبياء وفي قصصهم من العجائب الكثيرة وإنما لم يقصص علينا في كتابه العزيز منها شيئًا لعدم اشتهار أهلها في أزمنة الوحي فقلت فما معنى قوله في حديث الشفاعة في صفة نوح وأنه أول الرسل فقال ﵁ المراد أنه أول الرسل إلى قوم كافرين ومن قبله من المرسلين أرسلوا إلى قوم عقيدتهم صحيحة فقلت فلم عوقب قوم هويد بالحجارة والنار إذا كانوا مؤمنين فقال ﵁ كانت عادته تعالى مع القوم الذين قبل نوح أن يهلكهم على ترك أكثر القواعد وإن كانوا على العقائد " ا. هـ (الإبريز ص١٠٤) .
[ ١٩٣ ]
فانظر كيف اكتشف الدباغ سبعين رسولًا قبل نوح وكيف أن الله أهلكهم ليس على الشرك والكفر ومعاندة الرسل بل على المعاصي فقط. .
أولياء أكثرهم أميون
دباغ يفضل نفسه على إبراهيم الدسوقي
ولا عجب بعد ذلك إذا علمنا أن أهل هذه الكشوف المزعومة في غالبهم أميون كعبد العزيز الدباغ الذي روى عنه أو افترى عليه أحمد بن مبارك كان رجلًا أميًا، وشيخ عبد الوهاب الشعراني وهو الخواص كان أميًا كذلك واسمع ما يقول أحمد بن مبارك عن شيخه الأمي الدباغ.
" وسمعته ﵁ يقول مرة أخرى السماوات والأرضون بالنسبة إلى كالموزونة (الموزونة: عملة مغربية) في فلاة من الأرض يصدر هذا الكلام منه ﵁ وما أشبهه إذا شهدنا منه زيادة بل هو في زيادة دائمًا ﵁ وقد كنت معه ذات يوم خارج باب الفتوح فجعل يذكر لي أكابر الصالحين مع كونه أميًا فقلت فمن أين تعرفهم فقال ﵁ أهل الفتح الكبير مسكن أرواحهم قبة البرزخ فمن رأيناه فيها علمنا أنه من الأكابر ثم جرى بيننا ذكر الشيخ سيدي إبراهيم الدسوقي فقلت هو من الأكابر فجعلت أذكر مناقبه والغرائب التي نقلت من كراماته فقال ﵁ لو عاش سيدي إبراهيم الدسوقي من زمنه إلى زماننا ما أدرك من المقامات ولا ترقى مثل ما ترقى أخوك عبد العزيز يعني نفسه من أمس إلى اليوم والله ما قاله أخوك افتخارًا وإنما قاله تعريفًا وتحدثًا معكم بالنعمة " ا. هـ (الإبريز ص١٦٨) . .
ونسأل ما فيه البرزخ هذه التي تجتمع فيها أرواح الصوفية. .
ولماذا لا يختار الله لولايته -في زعمهم- إلا أميين علمًا بأنه ﷾ فضل أهل العلم والعلماء وما كان اختياره للرسول محمد ﷺ أميًا إلا ليقيم به الحجة
[ ١٩٤ ]
على عباده وحتى لا يتهم بأنه أتى بالقرآن من عند نفسه كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
وأما بعد النبي ﷺ فقد فضل الله علماء هذه الأمة على أهل الجهالة منها، وجعل تعلم العلم بالكتابة والقراءة والسماع والأسباب الأخرى البشرية المؤدية لذلك. . وليس بطريقة الغيب لأن هذا الطريق خاص بالأنبياء رضوان الله عليهم وما سوى النبي الصادق فمتنبئ كاذب وهذا هو حال هؤلاء المساكين الذين استحوذ عليهم الشيطان فراحوا يهيمون في أودية الضلال على هذا النحو المهين.
دباغ يكتشف سر ليلة القدر
ولم يكتف الدباغ بكشوفاته في الأرض فراح يكتشف السماء أيضًا وأتى لنا بهذه الحكاية العجيبة عن سرّ ليلة القدر.
قال تلميذه أحمد بن مبارك. .
" ثم ذكر لنا ﵁ سبب ليلة القدر فقال إن العالم قبل خلق النور في حرم الشمس كان مظلمًا والملائكة عامرون له أرضًا وسماء وفي الكهوف والسهول والجبال والأودية فلما خلق الله تعالى النور في الشمس وأضاء العالم بها أصبحت ملائكة السماء وملائكة الأرض وخافوا من خراب العالم ومن أمر عظيم ينزل بهم فنزل ملائكة السماء إلى الأرض وجعل ملائكة الأرض يفرون من الضوء إلى الظل أي من ضوء النهار إلى ظل الليل فرارًا من الضوء الذي لم يعرفوه إلى الظل الذي يعرفونه خائفين متضرعين مجتمعين على الابتهال إلى الله تعالى والتضرع له والخوف منه يطلبون منه الرضا ويلجأون إليه في أن لا يسخط عليهم ولم يكن في ظنهم ألا أنه تعالى أراد أن يطوي هذا العالم فاجتمعوا على التضرع والابتهال على الصفة السابقة مقدرين في كل لحظة وقوع ما خافوه.
فإذا زاد إليهم الضوء فروا عنه إلى الظل ولم يزالوا على تلك الحالة والضوء ينسخ الظل وهم يفرون إلى أن طافوا الأرض كلها ورجعوا إلى الموضع الذي بدأوا منه فلما لم يروا شيئًا وقع حصل لهم الأمن ورجعوا
[ ١٩٥ ]
إلى مراكزهم يجتمعون من كل عام فهذا هو سبب ليلة القدر " ا. هـ (الإبريز ص١٦٥) .
فهل علمتم ما سر ليلة القدر يا مسلمون. .
طبال ومغفل من أهل الكشف
وبعض الناس قد يظنون أن هذا الكشف لا يأتي إلا لأناس عقلاء من أهل التقوى والاتزان ولكن الصوفية يقررون غير ذلك فهذا أحمد بن مبارك يحكي عن شيخه الدباغ بأن الفتح جاء إلى رجل وهو طبال، يقول:
" وأعرف رجلًا بالرملة من أرض الشام فتح الله عليه وهو بحالة يتضاحك الناس عليه، كحالة الرجل المشهور بمدينة فاس (بمعيزو) (مدينة في المغرب)، فبقي على حاله بعد الفتح ولم ينتقل عنها. قلت: وكانت حالة المتقدم أن الصبيان وغيرهم من ضعفة العقول يتبعونه طول النهار يضحكون عليه، وقال (﵁) وأعرف رجلًا آخر فتح الله عليه وكان قبل ذلك طبالًا فبقي على حالته قبل الفتح ولم ينتقل عنها " ا. هـ (الإبريز ص١٩٨) . أي ظل طبالًا كما هو وظل الفتح الصوفي ينزل عليه ولا عجب عند الصوفية في ذلك فالولاية عندهم ليست مسألة كسبية ينالها المسلم بتقوى الله ومخافته ومحبته والسعي إلى مرضاته. بل هي مسألة يقولون - وهبية - تنال الشخص هبة له من الله وإن لم يكن هناك من الأسباب والدواعي ما يستند عليها ففضل الله عندهم وحسب زعمهم لا حرج عليه فقد يصيب الطبالين أو الزمارين، وقد يكون الولي سكيرًا أو زنديقًا، أو طفلًا صغيرًا، أو مجذوبًا شاهد الأنوار العلوية فضاع عقله أو متخلفًا عقليًا يتضاحك الصبيان منه ولكنه يكون وليًا ربانيًا ويحدث الناس بأمور الغيب، ويشاهد ويطالع الحضرة الإلهية والرسولية، والخضرية (نسبة إلى الخضر)
[ ١٩٦ ]
وهكذا قلبوا كل موازين العلم، وكل قوانين الشريعة، فالولاية لا شك أنها منحة إلهية وتفضيل وفضل رباني ولكنها لا تنال إلا محلها ممن كان عنده الاستعداد لذلك ومن سعى لنيل درجات القرب من الله ﷾ كما جاء في حديث البخاري عن أبي هريرة ﵁:
(من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء إلي أحب مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، فجعل الله للولاية طريقًا وهو أداء الفرائض أولًا ثم الإكثار من النوافل حتى يصل المسلم إلى مرحلة القرب من الله ﷾، فيحمي الله سمعه وبصره ويده ورجله، ويجعل ذلك كله في طاعته ومحبته ومرضاته.
ولكن الولاية والفتح والكشف الصوفي بغير ذلك ينال كل هؤلاء. .
الوحي الصوفي لا ينزل إذا كان أحد المنكرين حاضرًا
ومما يدلك يقينًا على أن هذا الكشف الصوفي ما هو إلا إلقاء شيطاني هذه الحكاية التي يرويها أحمد بن مبارك أيضًا عن شيخه الدباغ وأنه كان إذا حضر رجل من أهل التوحيد والإيمان الصحيح ممن لا يؤمن بهذه الخرافات كان وحي الشيخ ينقطع ويعود جاهلًا كما كان لا يتكلم الكلمة.
" قال ﵁ وما مثلت الولي مع القاصدين إلا كحجر بني إسرائيل. فإذا كان بين يدي أولياء الله تعالى انفجرت منه اثنتا عشر عينًا وإذا كان بين أعدائه تعالى لا تخرج منه ولا قطرة واحدة (قلت) وقد شاهدت هذا المعنى في الشيخ ﵁ مرارًا فإذا حضر بين يديه بعض من لا يعتقده لا تخرج منه ولا فائدة واحدة ولا يقدر على التكلم بشيء من العلوم اللدنية والمعارف الربانية حتى يقوم ذلك الشخص ويوصينا ويقول إذا حضر مثل هذا الرجل فلا تسألوني عن شيء حتى يقوم وكنا قبل الوصية جاهلين بهذا الأمر فنسأل الشيخ ونريد أن نستخرج منه النفائس والأسرار الربانية كي يسمعها الرجل
[ ١٩٧ ]
الحاضر فيتوب فإذا سألناه ﵁ حينئذ وجدناه كأنه رجل آخر لا نعرفه ولا يعرفنا فكأن العلوم التي تبدو منه لم تكن له على بال أبدًا حتى ذكرنا له السبب ففهمنا السر والحمد لله رب العالمين " ا. هـ (الإبريز ص١٦٩) .
وليس ذلك بالطبع إلا لأن الشيطان يهرب إذا رأى من يؤمن بالله حقًا، كما قال النبي ﷺ لعمر: (والله ما رآك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك) . وهؤلاء الصوفية لا يأتيهم في مكانهم موحد إلا انتهت أحوالهم واضمحلت أنوارهم المزعومة وانفض سامرهم الشيطاني.
تقديم مذهب أبي حنيفة على سائر مذاهب الفقهاء بطريق الكشف
ولعل من أطرف ما تدخل فيه الكشف الصوفي أيضًا تفضيل مذهب فقهي على مذهب آخر كما فعل أحمد الفاروقي السرهندي النقشبندي الحنفي، كما في النص الآتي الذي يفسر فيه أيضًا قول محمد بارسا أن المسيح ﵇ إذا نزل يحكم بالمذهب الحنفي يقول:
" ومثل أرواح الله (يعني المسيح ﵇) مثل الإمام الأعظم الكوفي (أبو حنيفة ﵀) فإنه ببركة الورع والتقوى وبدولة متابعة السنة نال في الاجتهاد والاستنباط درجة عليا بحيث يعجز الآخرون عن فهمه ويزعمون مجتهداته بوساطة دقة المعاني مخالفة للكتاب والسنة ويسمون أصحابه أصحاب الرأي كل ذلك لعدم الوصول إلى حقيقة علمه ودرايته وعدم الإطلاع على فهمه وفراسته إلا أن الإمام الشافعي وجد نبذة من دقة فقاهته عليهما الرضوان حيث قال الناس كلهم عيال في الفقه لأبي حنيفة فويل لقاصري النظر على جراءتهم حيث ينسبون قصورهم إلى الغير
[ ١٩٨ ]
(المنتخبات من المكتوبات لأحمد الفاروقي طبع استانبول ص١٤٩، ١٥٠):
لو عابهم قاصر طعنًا بهم صفها ** برأت ساحتهم عن أفحش الكلم
هل يقطع الثعلب المحتال سلسلة ** قيدت بها أسد الدنيا بأسرها
ويمكن أن يكون ما قاله الخواجة محمد بارسا قدس عمره في الفصول الستة من أن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام يعمل بعد النزول بمذهب الإمام أبي حنيفة بوساطة هذه المناسبة التي له ﵁ بحضرة روح الله ﵇ يعني أن اجتهاد روح الله يكون موافقًا لاجتهاد الإمام الأعظم لا أنه يقلد مذهبه فإن شأنه ﵇ أعلى وأجل من أن يقلد علماء الأمة. ونقول من غير شائبة تكلف وتعصب: إن نورانية المذهب الحنفي ترى وتظهر في النظر الكشفي كالبحر العظيم وسائر المذاهب تظهر مثل الحياض والجداول " ا. هـ منه بلفظه (الإبريز ص١٥٠) .
[ ١٩٩ ]
الفصل العاشر: المعراج الصوفي
كثيرون من رجال التصوف ادعوا أنهم قد عرج بهم إلى السماوات العلى. فمنهم عبد الكريم الجيلي وقد ذكرنا بعضًا مما زعم مشاهدته في السماوات وذلك في باب الكشف الصوفي وقد سبق الجيلي من زعم مثل هذا، ويبدو أن أول من افترى ذلك هو أبو يزيد البسطامي الذي جعل لنفسه معراجًا كمعراج الرسول ﷺ وراح يحدثنا كيف أنه عرج بروحه إلى السماوات سماءً سماءً وأن بغيته كانت في الفناء في الله، أو على حد قوله البقاء مع الله إلى الأبد.
وهذه هي الفكرة البرهمية الوثنية نفسها في الفناء في الذات الإلهية حسب زعمهم.
ولكن البسطامي أول من افتري له أو عليه ذلك. يدعي أنه عرج به إلى السماء السابعة فالكرسي، فالعرش، وأن الله قال له: إلي إلي، وأجلسه على بساط قدسه وقال له: (يا صفي ادن مني واشرف على مشارف بهائي، وميادين ضيائي واجلس على بساط قدسي. . إلخ)، وهذا هو نص المعراج الكاذب المنسوب إلى أبي يزيد البسطامي.
" في رؤيا أبي يزيد: في القصد إلى الله تعالى وبيان قصته:
قال أبو القاسم العارف ﵁: اعلموا معاشر القاصدين إلى الله ﷾ أن لأبي يزيد حالات ومقامات لا تحتملها قلوب أهل الغفلة وعامة الناس، وله مع الله أسرار لو اطلع عليها أهل الغرة لبهتوا فيها، وإني نظرت في كتاب فيه مناقب أبي يزيد، فإذا فيه أشياء من حالاته وأوقاته وكلامه، ما كلت الألسن عن نعته وصفته، فكل من أراد أن يعرف كماله
[ ٢٠١ ]
ومنزلته فلينظر إلى نومه ورؤياه التي هي أصح في المعنى، وأقرب في التحقيق من يقظة غيره، فهذا ما حكى أن خادم أبي يزيد ﵁ قال: سمعت أبا يزيد البسطامي ﵁ يقول: إني رأيت في المنام كأني عرجت إلى السماوات قاصدًا إلى الله، طالبًا مواصلة الله ﷾، على أن أقيم معه إلى الأبد، فامتحنت بامتحان لا تقوم له السماوات والأرض ومن فيهما، لأنه بسط لي بساط العطايا نوعًا بعد نوع، وعرض علي ملك كل سماء، ففي ذلك كنت أغض بصري عنها، لما علمت أنه بها يجربني، فكنت لا ألتفت إليها إجلالًا لحرمة ربي، وكنت أقول في ذلك: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي، قال فقلت له: رحمك الله صف لي مما عرض عليك من ملك كل سماء قال: رأيت في المنام كأني عرجت إلى السماوات، فلما أتيت إلى السماء الدنيا فإذا أنا بطير أخضر، فنشر جناحًا من أجنحته، فحملني عليه وطار بي حتى انتهى بي انتهائي إلى صفوف الملائكة، وهم قيام متحرقة أقدامهم في النجوم يسبحون الله بكرة وعشيًا، فسلمت عليهم، فردوا علي السلام، فوضعني الطير بينهم ثم مضى فلم أزل أسبح الله تعالى بينهم، وأحمد الله تعالى بلسانهم وهم يقولون: هذا آدمي لا نوري إذ لجأ إلينا وتكلم معنا، قال: فألهمت كلمات، وقلت: باسم القادر على أن يغنيني عنكم، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن من نعته وصفته، فعلمت أن ربها يجربني، ففي ذلك كنت أقول: مرادي غير ما تعرض علي، فلم ألتفت إليها إجلالًا لحرمته، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الثانية فإذا جاءني فوج فوج من الملائكة ينظرون إلي كما ينظر أهل المدينة إلى أمير يدخلها، ثم جاءني رأس الملائكة اسمه لاويد (اسم فارسي جعله اسمًا من أسماء الملائكة)، وقال: يا أبا يزيد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول: أحببتني فأحببتك. فانتهى بي إلى روضة خضرة فيها نهر، يجري حولها ملائكة طيارة، يطيرون كل يوم إلى الأرض مائة ألف مرة، ينظرون إلى أولياء الله، وجوههم كضياء الشمس، وقد عرفوني معرفة الأرض، أي في الأرض،
[ ٢٠٢ ]
فجاؤوني وحيوني، وأنزلوني على شط ذلك النهر، وإذا على حافيته أشجار من نور، ولها أغصان كثيرة متدلية في الهواء، وإذا على كل غصن منها وكر طير، أي من الملائكة، وإذا في كل وكر ملك ساجد، ففي كل ذلك أقول: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي، كن لي يا عزيزي جارًا من جميع المستجيرين وجليسًا من المجالسين، ثم هاج من سري شيء من عطش نارياق، حتى إن الملائكة مع هذه الأشجار، صارت كالبعوضة في جنب همتي، وكلهم ينظرون إلي متعجبين مدهوشين من عظم ما يرون مني.
ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، فلم ألتفت إليه إجلالًا لحرمة ربي، وكنت أقول: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي، فلما علم الله تعالى من صدق الإرادة في القصد إليه، وتجردي عما سواه، فإذا أنا بملك قد مد يده فجذبني، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الثالثة، فإذا جميع ملائكة الله تعالى بصفاتهم ونعوتهم قد جاؤوني يسلمون علي، فإذا ملك منهم له أربعة أوجه: وجه يلي السماء، وهو يبكي لا تسكن دموعه أصلًا، ووجه يلي الأرض ينادي: يا عباد الله اعلموا يوم الفراغ (لعلها الفزع)، يوم الأخذ والحساب، ووجه يلي يمينه إلى الملائكة يسبح بلسانه، ووجه يلي يساره يبعث جنوده في أقطار السماوات يسبحون الله تعالى فيها، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ثم قال: من أنت؟ إذ فضلت علينا، فقلت: عبد قد منّ الله تعالى عليه من فضله، قال: تريد أن تنظر إلى عجائب الله؟ قلت: بلى، فنشر جناحًا من أجنحته، فإذا على كل ريشة من ريشه قنديل أظلم ضياء الشمس من ضيئها، ثم قال: تعال يا أبا يزيد، واستظل في جناحي، حتى نسبح الله تعالى ونهلله إلى الموت، فقلت له: الله قادر على أن يغنيني عنك، ثم هاج من سري نور من ضياء معرفتي أظلم ضوءها: أي ضوء القناديل من ضوئي، فصار الملك كالبعوضة في جنب كمالي،
[ ٢٠٣ ]
ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي ذلك علمت أنه بها يجربني، فلم ألتفت إلى ذلك إجلالًا لحرمته، وكنت أقول في ذلك: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي، فلما علم الله تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه، فإذا أنا بملك مد يده فرفعني ثم رأيت: كأني عرجت إلى السماء الرابعة، فإذا جميع الملائكة بصفاتهم وهيئاتهم ونعوتهم قد جاؤوني يسلمون علي، وينظرون إلي كما ينظر أهل البلد إلى أمير لهم في وقت الدخول، يرفعون أصواتهم بالتسبيح والتهليل من عظم ما يرون من انقطاعي إليه، وقلة التفاتي إليهم، ثم استقبلني ملك يقال له: نيائيل، فمد يده وأقعدني على كرسي له موضوع على شاطئ بحر عجاج، لا ترى أوائله ولا أواخره، فألهمت تسبيحه وانطلقت بلسانه، ولم ألتفت إليه، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، فلم ألتفت إليه إجلالًا لحرمته، وكنت أقول يا عزيزي، مرادي غير ما تعرض علي: فلما علم الله تعالى مني صدق الانفراد به في القصد إليه، فإذا أنا بملك مد يده فرفعني إليه ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بملائكة قيام في السماء رؤوسهم في عنان السماء السادسة يقطر منهم نور تبرق منه السماوات، فسلموا كلهم علي بأنواع اللغات، فرددت ﵈ بكل لغة سلموا علي، فتعجبوا من ذلك، ثم قالوا: يا أبا يزيد: تعال حتى تسبح الله تعالى وتهلله ونعينك على ما تريد، فلم ألتفت إليهم من إجلال ربي، فعند ذلك هاج من سري عيون من الشوق، فصار نور الملائكة فيما التمع مني كسراج يوضع في الشمس، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، وكنت أقول يا عزيزي، مرادي غير ما تعرض علي، فلما علم الله تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه فإذا أنا بملك مد يده فرفعني إليه، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بالملائكة المشتاقين جاؤوني يسلمون علي ويتفخرون بشوقهم إلي، فافتخرت عليهم بشيء من طيران سري، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، فلم ألتفت إليه، وكنت
[ ٢٠٤ ]
أقول: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي. فلما علم الله تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه، فإذا أنا بملك مد يده فرفعني، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء السابعة، فإذا بمائة ألف صف من الملائكة استقبلني. كل صف مثل الثقلين ألف ألف مرة، مع كل ملك لواء من نور، تحت كل لواء ألف ألف ملك، طول كل ملك مسيرة خمسمائة عام، وكل على مقدمتهم ملك اسمه بريائيل، فسلموا علي بلسانهم ولغتهم، فرددت ﵈ بلسانهم فتعجبوا من ذلك، فإذا مناد ينادي: يا أبا يزيد: قف قف؛ فإنك قد وصلت إلى المنتهى، فلم ألتفت إلى قوله ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، وكنت أقول: يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي، فلما علم الله تعالى مني صدق الإرادة في مقصدي إليه صيرني طيرًا، كأن كل ريشة من جناحي أبعد من الشرق إلى الغرب ألف ألف مرة، فلم أزل أطير في الملكوت، وأجول في الجبروت، وأقطع مملكة بعد مملكة، وحجبًا بعد حجب، وميدانًا بعد ميدان، وبحارًا بعد بحار، وأستارًا بعد أستار، حتى إذا أنا بملك المرسى استقبلني، ومعه عمود من نور، فسلم علي ثم قال: خذ هذا العمود، فأخذته فإذا السماوات بكل ما فيها قد استظل بظل معرفتي، واستضاء بضياء شوقي، والملائكة كلهم صارت كالبعوضة عند كمال همتي في القصد إليه، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني، فلم ألتفت إليها إجلالًا لحرمة ربي الله تعالى.
ثم لم أزل أطير وأجول مملكة بعد مملكة، وحجبًا بعد حجب، وميدانًا بعد ميدان، وبحارًا بعد بحار، وأستارًا بعد أستار، حتى انتهيت إلى الكرسي، فإذا قد استقبلني ملائكة لهم عيون بعدد نجوم السماوات، يبرق من كل عين نور تلمع منه، فتصير تلك الأنوار قناديل، أسمع من جوف كل قنديل تسبيحًا وتهليلًا، ثم لم أزل أطير كذلك حتى انتهيت إلى بحر من نور تلاطم أمواجه يظلم في جنبه ضياء الشمس، فإذا على البحر سفن من نور، يظلم في جنب نورها أنوار تلك الأبحر، فلم أزل أعبر بحارًا بعد بحار حتى انتهيت إلى البحر الأعظم الذي عليه عرش الرحمن، فلم أزل أسبح فيه حتى رأيت ما من العرش
[ ٢٠٥ ]
إلا الثرى من الملائكة الكروبيين وحملة العرش، وغيرهم ممن خلق الله ﷾ في السماوات والأرض، أصغر من حيث طيران سري في القصد إليه، من خردلة بين السماء والأرض، ثم لم يزل يعرض علي من لطائف بره وكمال قدرته وعظم مملكته ما كلت الألسن عن نعته وصفته، ففي كل ذلك كنت أقول: يا عزيزي مرادي في غير ما تعرض لي، فلم ألتفت إليه إجلالًا لحرمته فلما علم الله ﷾ من صدق الإرادة في القصد إليه فنادى: إلي إلي، وقال: يا صفي ادن مني، وأشرف على مشرفات بهائي، وميادين ضيائي، واجلس على بساط قدسي حتى ترى لطائف صنعي في آنائي، أنت صفيي وحبيبي، وخيرتي من خلقي، فكنت أذوب عند ذلك كما يذوب الرصاص، ثم سقاني شربة من عين اللطف بكأس الأنس، ثم صيرني إلى حال لم أقدر على وصفه، ثم قربني منه، وقربني حتى صرت أقرب منه من الروح إلى الجسد، ثم استقبلني روح كل نبي يسلمون علي ويعظمون أمري ويكلمونني وأكلمهم، ثم استقبلني روح محمد ﷺ ثم سلم علي، فقال: يا أبا يزيد: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، فقد فضلك الله على كثير من خلقه تفضيلًا، إذا رجعت إلى الأرض اقرأ لأمتي مني السلام، وانصحهم ما استطعت، وادعهم إلى الله ﷿، ثم لم أزل مثل ذلك حتى صرت كما كان من حيث لم يكن التكوين، وبقي الحق بلا كون ولا بين ولا أين ولا حيث ولا كيف، ﷻ وتقدست أسماؤه.
قال أبو القاسم العارف ﵁: معاشر إخواني عرضت هذه الرؤيا على أجلاء أهل المعرفة فكلهم يصدقونها ولا ينكرونها، بل يستقبلونها عند مراتب أهل الانفراد في القصد إليه، ثم يحتجون بقول النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد لا يزال من الله والله منه ما لم يجزع فإذا جزع وجب عليه العتاب والحساب) وروي أيضًا عنه ﷺ (أن من العلم كهيئة المخزون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله ولا ينكره إلا أهل الغرة بالله) ا. هـ منه بلفظه (ملحق رقم (٢) لكتاب المعراج منقول من مخطوطة حيدر آباد بعنوان القصد إلى الله) .
[ ٢٠٦ ]
معراج إسماعيل بن عبد الله السوداني
ذكرنا في باب الكشف الصوفي ما افتراه عبد الكريم الجيلي في كتابه الإنسان الكامل فيما زعمه أنه عرج به إلى السماوات ورأى هنالك الملائكة والأنبياء وكلمهم واستفاد منهم فوائد، وأفادهم كذلك فوائد فيما زعمه، وقد نقلنا في ذلك الباب نقولًا مستفيضة مما كذبه، وقد جاء من نسج على منوال الجيلي تمامًا وكتب كتابًا يكاد يكون نسخة منه وهو إسماعيل بن عبد الله السوداني والذي ألفه سنة ١٢٦١هـ - أي منذ مائة وسبع وثلاثين سنة تقريبًا وسماه (مشارق شمس الأنوار ومقارب حسها في معنى العلوم والأسرار) .
وقد سلك إسماعيل بن عبد الله السوداني هذا مسلك الجيلي نفسه حيث زعم أنه عرج به إلى السماء سماء سماء. والعجيب أنه جعل هذه السماوات هي الكواكب السبعة التي كانت معروفة في ذلك الوقت (القمر، والزهرة، والمشتري، والمريخ، وعطارد، وزحل) . والتي كان يظن قديمًا أنها هي السماوات السبع فجعل لكل سماء من هذه (روحانية) كما يعتقده الصابئة عبدة النجوم، وشوه معراج الرسول ﷺ فنقل منه أسماء الأنبياء والرسل الذين التقى بهم الرسول في معراجه، فزعم إسماعيل هذا أنه التقى بهم أيضًا وأفادوه وباركوه واحتفلوا بمجيئه إليهم، وأنه شاهد بعد ذلك العرش والكرسي وسدرة المنتهى، والملائكة الذين لم يسجدوا لآدم تمامًا كما زعم الجيلي من قبله مكذبًا بذلك القرآن حيث يقول ﷾: ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ [الأعراف: ١١] . ويبدو أنه لم يقرأ هذه الآية قط واكتفى بقراءة كتاب الجيلي ونقل عنه مشاهداته وزعمها لنفسه وجعلها كشفًا خاصًا به هو. .
وهذا هو شأن مشايخ التصوف ينقل بعضهم عن بعض نفس الدعاوي التي يدعيها من قبله فإذا قال أحدهم أنا خاتم الأولياء قال من بعده بل أنا خاتم الأولياء، وإذا قال أحدهم رفعني الله وأجلسني عنده وأعطاني وقربني جاء من يدعي هذه الدعاوي ويزيد على ذلك وهكذا. وهأنذا أنقل فقرات من هذه
[ ٢٠٧ ]
الأكاذيب المفتراة التي افتراها إسماعيل بن عبد الله السوداني: قال:
" المغرب السابع في عين العروج إلى السماء السادسة
اعلم أيها الابن البار المبرور والمهدي إلى طريق الملك الغفور أن العبد إذا طرح جميع الأكوان العارضة له في السماء الخامسة في حالة عروجه إلى حضرة الرحمن فإن الرب الكريم يصلح له السريرة ويحد له عين البصيرة فيعرج منها إلى السماء السادسة فيجد البواب فيسلم عليه فيرد ﵇ ويرحب به، ويفتح له الباب.
فافهم يا بني فإنه يدخل فينظر ما فيها من الغرائب ويتعجب من تلك العجائب فإن هذه السماء فيها من الكواكب المشتري ولونها في غاية السواد قد يرى وهو جوهر شفاف من بديع الصنائع على الاستواء من غير اختلاف ودورها أوسع يزيد على دور سماء المريخ بألفين عام ومائتين سنة وثلاثة وثلاثين سنين (كذا والصواب: بألفي عام، ومئتي سنة وثلاث سنين!) وأربعة أشهر، وفيها نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (هكذا) .
نفائس حقية من علوم ذوقية
فنقول بحسب كشفنا، فإن العبد الراقي إلى تلك المراقي إذا وصل إلى هذه السماء يرى نفسه مغيبًا في أنوار القدس موشحة بأنوار الهيبة والأنس حوله جملًا من ملائكة الرحمن ناطقًا بغميض الأسرار والعلوم معهم في حالة عروجه إلى حضرة الملك الديان. فيرى ملائكة هذه السماء متنوعة من عدة أصناف، فيهم ملائكة الرحمة الألطاف، يدرون ملائكة هذه السماء في هذه الأرض لرفع الوضيع وزيادة الرفيع، منهم من وكله الله تعالى بإيصال الرزق إلى المرزوق، ووكل غيرهم بما اقتضته الحكمة بين الخالق والمخلوق. .
وقد اجتمعت بالملك الحاكم عليهم وهو روحانية المشتري (كوكب معروف)، رأيته جالسًا على منبر من نور الحكمة ملتحفًا بثوب أصفر من أنوار الهمة، وهم مطيعون له في
[ ٢٠٨ ]
سره وجهره وممثلون له في جميع نهيه وأمره لا يفعل منهم أحد شيئًا إلا بإذنه ولا يتقدم إلا بأمره لتنفيذ ما وكل به من شأنه، فسألته عن عدة علوم فأجابني برمز مكتوم ففهمته منه بوساطة مظهر اسم الله القيوم، بفهم لا من حيث مطلق المفهوم فوثبت قائمًا وسرت منه بفضل الله تعالى عالمًا، فاجتمعت من بعده بنبي الله موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فوجدته فانيًا في الشهود والمكالمات غالبًا في أنوار المشاهدات جالسًا على كرسي من أنوار الوقار ولونه أصفر مخلوط عليه خطوط مرموزة جامعة لما حواه من الفخار من حضرة الأسرار متأدبًا مع استهلاكه مع شهود مولاه، مناجيًا له ومستغرقًا في فناه، تجلي الآنية فيحضره إظهار مظاهر الحق في حقيقة سره، إنني أنا الله، فقد عرفته بعدما عرفني فسلمت عليه ورد علي السلام وقربني وانتصب لي قائمًا وأهل بي حيث جئته حافظًا ملازمة أدبي، فسألته سؤال من دخل حضرة الأدب وعرف سر البسط والغضب.
فقلت له: يا سيدي بحق من نبأك وزكاك وأورثك هذا المقام وتولاك بأن تجود علي بإجابة مقالي وإفادتي في سؤالي، فإن رسولنا الصادق الكريم بلغنا ما قصه له ربه في الكتاب الحكيم بأنك طلبت رؤية مولاك حيث قلت له: أرني أنظر إليك. فأتاك منه الخطاب حيث قال: لن تراني، فما معنى طلبك له ومجيء هذا الخطاب إليك فاستفدنا عدم حصول الرؤية لك في حالة مجيء الخطاب فشتان ما بين حالتك هذه وحالة أهل الحجاب، فكيف هذا السر، وباطن هذا الأمر؟
فقال لي: يا عبد الله إن السر غريب والأمر عجيب، فافهم أرشدك مولاك وأورثك أسرار علومه وتولاك، فإن ربي حين أمرني بعبادته بمطلق العبودية وعرفني سر ظهور أسراره مظاهره في عموم الآنية حين أبصرت نار سر دلالتي ورجوت إتياني لأهلي بشعلة منا كي يصدقوني بها في مقالتي أو أجد عليها هدى من ضلالتي، فنوديت بعد إتياني بها من جانب طور قلبي بما اقتضت الحكمة من ربي، يا موسى إني أنا ربك الصادر أمري لك، فاخلع نعليك الكائنتين في عضويك بأن لا تشرك بعبادتي أحدًا ولا يدخلك ريب فيما آمرك به أبدًا
[ ٢٠٩ ]
إنك بالواد الذي هو فضاء سر الظهور الظاهر من ربك إلى قلبك من جانب الطور المقدس عن حلول الأغيار فيه، المطهر لك حيث اقتضت الحكمة بأنك في هذا الوادي المسمى بطوى توافيه، وأنا اخترتك حيث أمرتك فاستمع لما يوحى من الإيحاء، فلما حققت هذا المقال من حضرة القرب على لسان الحال استعددت إلى تنزله في داخل قلبي وفنيت نفسي في الاستماع لما يوحى إلي من حضرة ربي، جاءني منه الأمر بالاستفراغ لعبادته حيث قال لي: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه: ١٤] . فقبلت ذلك وعبدته كما أمرني، فلما صدق الإخلاص مني وحسن في الله ظني أردت بقاء نفسي في مقام لقاه وأيقنت بأن لا إله معبود بحق سواه. فقلت: ربي أرني أنظر إليك. فما طلبت سوى تجلي الذات للذات. وذلك من أسرار الكبريائية من التجليات، فلما علم الله استحالة بقاء القديم في الحادث وما ثم غيري في هذا المقام محادث. قال لي: لن تراني في الحال بحيث أبقى فيك، لأني قديم وأنت حادث ولكن أنظر إلى الجبل المستقر حولك إذ تنكشف لك حقيقة ذلك، فإن استقر مكانه بعد ظهور سلطاني له فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقا، أي فلما ظهر سلطان القديم للجبل ساخ في الأرض حيث نزل وقد حصل لموسى ما حصل من الصعق والوجل. وفي هذا المقام سر لطيف وتعلمت من موسى ﵇ مائة ألف علم من العلوم التي تجول في الأفكار تعذر النطق بها.
ثم تعلمت منه في هذا المشهد علومًا لم يسعني الوقت أن أفشيها فيه، وما أظن أحدًا من الأولياء المتقدمين تكلم على حقيقة هذا المشهد على ما هو عليه أبدًا إلى وقتنا هذا، وإن تكلم البعض عليه فذلك في شيء منه فلا يستطيع أحد منهم أن يستوفيه لشدة ما رأيته من عظمة حقيقته ورقة دقيقته، وقد اجتمعت برجال من الأولياء الأكابر حين تقييدي لهذا المحل فوجدته له معرفة تامة في بعض المظاهر من هذا المشهد وقدمه موسوي متحقق بإحدى وخمسين اسمًا من أسماء الله الحسنى له تعبير لطيف وبحث ظريف فسألته عن مقامه
[ ٢١٠ ]
والذي حازه من علوم هذا المقام، فأخبرني بدقائق من علومه فحققت أن له حظًا وافرًا وأخبرني أن لما وصل من هذا المقام إلى هذا المحل وجدنا سيدنا موسى ﵇.
وسأله فبحث فيه فاستفاد بوساطته خمسة آلاف علمًا وفي كل علم أسرار لا تحصى فلما سألني عن علومي في هذا المشهد وبحثت له في ذروته من دقائق العلوم والأسرار والمظاهر والأنوار غاب عن نفسه غيبة عظيمة حتى خفت عليه من أن يذوب، فلما صحا تعجبت من ثباتي مع شدة التمكين فحمدت على ذلك الملك المعين، فلما حققت زيادتي عليه وتمكني في المشاهد بالذي ظهر مني إليه طلبني اسمًا من المخفيات لأجل التبرك فأعطيته ذلك الاسم بأنواره وعلوم حضراته وأسراره فانتفع به " (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٢٨، ١٣١) انتهى منه بلفظه.
ويستطرد إسماعيل بن عبد الله السوداني مبينًا مشاهداته المزعومة في السماء السابعة فيقول:
" فنقول بحسب كشفنا، قد اجتمعت فيها (أي في السماء السابعة) بجملة من الملائكة فعرفتهم وعرفوني وسألتهم عن علوم لا تحصى، ورأيت فيها كوكبًا له توقد من شدة عظمته ولكنه خفي عن أعين الناظرين، لأن معرفته لم تحصل لأحد سوى الكاملين من العارفين أهل الفتح ولم يظفر به إلا أرباب المعارف الراقين ذروة السطح ومن ثم فعلت كيفية حلول زحل في فلكه، وعلم كيفية سيره فيه، وعلم السر الذي وضعه الله فيه وغير ذلك.
واجتمعت في هذه السماء بنبي الله سيدنا إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فوجدته جالسًا على منبر من نور أحمر متكئ على نمارق من نور أخضر لائحة على وجهه أنوار المعارف والكمال متوجهًا بتاج أسرار النبوة والأجلال بيده قضيب من سر علوم الكنوز معتقلًا سيف فتق طلاسم الرموز مسندًا ظهره إلى البيت المعمور مشاهدًا ما هو له من
[ ٢١١ ]
حضرة الغفور، فلما وصلت إليه وسلمت عليه، رد علي السلام وأكرمني بالقيام إكرامًا لنبينا أشرف الأنام فعرفني ورحب بي وبشرني ببلوغ مطلبي. . " انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٣٥) .
ويستطرد إسماعيل هذا في بيان مشاهداته في السماء السابعة والدعوة إلى طريقته الخاصة قائلًا:
" وفي باطن هذا سر لا أطيق ذكره في هذا الكتاب وفي هذا المشهد سر لطيف ومقام طريف ما تكلم عليه أحد الأولياء المتقدمين إلى وقتنا هذا، وإن أردت التكلم على بعض منه في حين تقييدي لهذا المحل اجتمعت بسيدنا إبراهيم ﵇ فأشار إلي بتركه وبشرني بمقام كبير أبلغه وأنال به في الآخرة مما لا يعطي لغير المقربين من الكاملين المحبوبين فأنعم به أنا ومن معي من أولادي وإخواني وأصحابي المجدين في طريقتي " ا. هـ (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٣٥) .
ويستطرد إسماعيل هذا في بيان مشاهداته المزعومة فيزعم رؤية سدرة المنتهى والعرش والكرسي فيقول:
" فنقول بحسب كشفنا إن العبد الراقي إلى مقام هذه السدرة يراها عظيمة جدًا وبها (نويرًا خارقًا) ممتدًا فيعلم السر الذي وضعه الله ﷾ فيها وعلم السبب الذي ينتهي إليها الصاعد والهابط. ويعلم مقام الملائكة الكروبيين منها ومنازلهم وكيفية حالتهم، فهم على أنواع مضعفة، وحالات مختلفة، فمنهم مدهوش في هويته، ومنهم مستغرق في آنيته، ومنهم واقع على جنبه، ومنهم واقع على وجهه، ومنهم حاث على ركبتيه قد غمروا في أنوار المشاهدات وانفنوا في انطباق تكرر التجليات فلا يستطيع أحد منهم حركة لعدم شعورهم وشدة استغراقهم فيما هم فيه، فهم عالون في الملائكة فما أمروا بالسجود لآدم ﵇ ولا سجدوا له قط، وقد اجتمعت بالملك الحاكم عليهم وهو مقدمهم الذي يأتي منه الأمر، والنهي إليهم وينظره من المتقدمين على
[ ٢١٢ ]
غيرهم أعمدة النور لأجل تأديب الدون منهم وغيرهم من الآدميين، فسألته عن السر الذي سرى في ذوات هؤلاء الملائكة حتى لازمتهم تلك الحالة، فأفادني بأحسن مقال، ثم سألته عن دقائق العلوم ومن خفي السر المكتوم فأفادني بحول الله وقوته فيها وفي بعض أمور مما هي من المستور، وقد حزت في هذا المشهد علومًا لم أطق إبداءها ولم أستطع إفشاءها.
ثم نرجع إلى ما كنا في سبيله فنقول: إن من هنا يرقى العبد إلى فلك الكرسي إلى كرسي جبريل ﵇، فمن ذلك يعلم حقيقة كل ستر كان وموجبه وسر حقيقته، فيرى عن ذلك أنهارًا جارية فيغترف من أكبرها وينال الشرب من أشهرها، فيحصل له بذلك التحقق بما يحويه من الأسرار التي لا تحصي والعلوم التي لا تستقصي ثم يرقى إلى الفلك المحيط الذي هو العرش.
وهو أول الأفلاك وأعظم السماك، فمن ثم يتضح له مظهر الاسم الرحمن، فهنالك يعلم ما شاء الله تعالى من مناسبة مصاحبة بعض الملائكة والأنبياء صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، فحينئذ ينظر حملة العرش، ويتعلم من علم السر الذي يحملونه به وكيفية صورهم الباقين بها، وقبل هذا يعرف مظاهر كثيرة، منها ما يتعلق بالأجسام المتغذية، ومنها ما يتعلق بالأرواح، وفي هذا المقام أشياء لا يصح إبداؤها ولا سبيل للتكلم إلى مجاوزة ما فوق ذلك مخافة أن يدعيها أهل الدعاوي المحجوبون الذين لم يصلوا إليها، فالسكوت عنها أولى والتلذذ بمطالعة مشاهدة تجليات صانعها أحلى، والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل " انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٤٠، ١٤١) .
وبعد كل هذه السخافات والخرافات التي يسرقها إسماعيل بن عبد الله السوداني من عبد الكريم الجيلي وينقلها أحيانًا بالنص ولا سيما في ألوان كل سماء، وأن كلا منها كوكب من الكواكب المشهورة يعود فيذكر مشاهداته المزعومة أيضًا في الأرضين السبع. . إلى أسفل سافلين تمامًا كما فعل عبد الكريم الجيلي،
[ ٢١٣ ]
فيزعم إسماعيل هذا أيضًا أنه طاف بالطبقة الأولى من الأرض وهي أرض في زعمه ناصعة البياض لم يعص فيها الله قط، وأن الفجر يطلع بعد الغروب بمقدار يسير جدًا وذلك على حد زعمه في زمن الشتاء.
قلت من يعلم جغرافية الأرض يعلم أن هذا وصف للقطب الشمالي وبياض الأرض هو الثلج الذي يغطيها، وكون الليل يكون نحو ساعة واحدة نعم ولكن هذا لا يحصل في الشتاء كما زعم إسماعيل هذا ولكنه يحدث في الصيف حيث يصبح الليل ساعة والعكس تمامًا في الصيف حتى لا يكون بقاء الشمس إلا نحو ساعة أو أقل أحيانًا في بعض مناطق القطب. .، ولكن هذه المعارف الجغرافية العادية التقطها هؤلاء الشيوخ وجعلوها كشفًا صوفيًا لا يتأتى إلا بالمجاهدة المزعومة وبانكشاف حجب القلب، وليتهم إذ نقلوها أيضًا نقلوها صحيحة بل لم يستطيعوا أن يميزوا بين ما عليه هذه المناطق في الصيف والشتاء.
ثم يذكر إسماعيل هذا أن الأرض الثانية مسكونة بالجن وأن ليلهم نهارنا ونهارنا ليل عندهم. وهذا خلط بين معارف الجغرافية وبين أغاليط الصوفية.
وأما الطبقة الثالثة من الأرض فيزعم أنها مسكونة بالجن كذلك (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٤٣)، وينتقل هذا الشيخ الصوفي هكذا بين الأرضين المزعومة أرضًا أرضًا يطلعنا على مشاهدته وتخريفاته فيقول مثلًا ففي الأرض السادسة:
" فنقول بحسب كشفنا: إن هذه الطبقة مسكونة بالمردة من الشياطين وهم أقوى حالًا من العفاريت وكل منهم مسلط على إنسان للعداوة السابقة، فكثير يدخلون في حوزهم فلا ترى منهم متحركًا ولا ساكنًا إلا قد قيده حكمهم بما اقتضته الحكمة الإلهية بمثابة تقلباتهم ودخولهم على الخلق بالأنواع المختلفة بحسب أجناسهم، فمنهم من يظهر للآدميين في الخواطر، ومنهم من يظهر لهم في عالم المثال لسوقهم إلى غاية الخذلان والضلال إلى غير ذلك مما لا يدركه على الحقيقة إلا الأولياء أهل الكمال وقد يتكلمون بحسب ما يؤذن لهم فيه من هذه
[ ٢١٤ ]
الأبواب والمقامات من العوالم العلويات والسفليات والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل " انتهى (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٤٨) .
ويستطرد أيضًا فيذكر مشاهداته في الأرض السابعة فيقول:
" نقول بحسب كشفنا: إن هذه الطبقة مسكونة بالحيات والعقارب وهي التي وردت بها الأخبار من أنها كأمثال الجبال وأعناق البخت وغير ذلك، فإن العبد العارف حين يدخل هذه الطبقة يدخله هم شديد مخافة أن يرى مقامًا في النار لبعض أصحابه ومريديه، فحينئذ يتطلع على جميع المقامات فإذا وجد مقامًا في النار لبعض مريديه أو بعض أصحابه سعى في هتكه بالتضرع إلى الله تعالى إلى أن يبدله الله ﷾ (له) مقامًا في الجنة.
كما أنه إذا وقف على الفلك الكوكب المسكون بطائفة من الذين هم معدودون في نعم الجنة يتطلع على مقامات الجنات، فإذا رأى مقامًا من مقامات بعض أصحابه سعى في رفعته وزيادته، وهذا كله يكون كرامة في الحق الولي العارف وشرفًا للوساطة الكبرى والوصلة الفخري عين حقائق السعود وجنة نعيم التجليات والشهود سيدنا ومولانا محمد الأسعد عليه أفضل الصلاة والسلام من البر الأوحد لأن بشرفه على أمثاله شرف أمته على سائر الأمم فإن الولي من أمة محمد ﷺ يطوف على جميع العوالم العلويات والسفليات ويطلع على مكنون غيب السبع السماوات والسبع طبقات (هكذا والصواب: سبع السماوات، وسبع الطبقات)، ويعلم منازل أهل الجنة ومنازل أهل النار، وعلم ما كان وما يكون وما هو كائن وغير ذلك ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فإنه يعلمهم قدر ما تقتضيه حكمته وتعمهم به رحمته بالوهب والتفضيل، والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل " انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٥٣) .
ولا يكتفي أيضًا بكل هذا الإفك والتخريف بل يذهب ليطلعنا أيضًا على كشفه المزعوم في بحار العلوم، فيقول:
[ ٢١٥ ]
" وقد اجتمعت مرة في بقعة من ساحل البحر المحيط الذي هو من وراء جبل قاف برجل من النقباء أصفر اللون مربوع القامة كثيف اللحية صبيح الوجه، فوجدته فانيًا في التجليات، غائبًا في أنوار المشاهدات وقدمه على قدم سيدنا يعقوب ﵇، وورده القائم به آخر سورة الحشر، ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾ [الحشر: ٢٢] . . إلخ السورة. وهو مسقي بثلاثة عشر اسمًا من أسماء الله تعالى الحسنى، ولكنه متحير في مقامه، ويطلب التخلص منه فما وجد له سبيلًا، فسلمت عليه، فإذا هو في غاية الاستغراق شاخصًا ببصره إلى الطباق، فإنه يشير إلى البحر الذي هو بساحله ففهمت منه أنه يشتكي إلي بصعوبة تخليصه من هذا المقام، كأنه يقول إن خلاصه منه أصعب حالًا من شراب ماء هذا البحر، لأنه هو البحر الأخضر، ماؤه مر لا يستطيع أحد الشراب منه، لأن الذي يشرب منه يهلك حالًا من شدة مرارته، فوجدت بيد الرجل رمانة مغلوقة وأكلت معه منها، فلما عرفته بوسمه وخاطبته باسمه قلت له ما المقصود؟
قال: مشاهدة الملك المعبود.
فلما عرفني فهمت لغزه وأدركت رمزه، وتحقق أنني مفيده فيما يريده أخذ يطلبني من غير انفكاك عني وصحبني إلى محل بعيد، فأخذت له في المقال وأطلقت له لسان الحال إلى أن شاهدنا الكنوز المستورة تحت قباب الرموز من البحر الأسود الذي انتهى إليه المورد، فإن هذا البحر رسمه معدوم وظاهره مكتوم فلا أستطيع فيه التعبير ولم أتعرض إلى البيان فيه والتفسير فمن ثم أخذ مني بعض أذكار مصاحبة أنواره وانصرف بسبيله إلى مشاهدة دليله، وفي حين تقييدي لهذا المحل اجتمعت معه فوجدته في حال عظيم ومقام فخيم فأخبرني أنه حصلت له مني مفاتحات عظيمة وإمدادات كريمة حين أكلت معه في تلك الرمانة، فحكى لي شيئًا من حاله، ووجدته سقى بخمسة وثلاثين اسمًا من أسمائه تعالى، وصار في زيادة بابتهاج طريقه الأعلى. وقد اجتمعت في ساحل البحر الأحمر برجال من أرباب الأحوال لم يزالوا في دلالة المخلوقين إلى طريق معرفة رب العالمين فإذا أمعن ناظرهم فكرة يحقق أنهم ليس لهم اشتغال أبدًا بغير
[ ٢١٦ ]
هذا، ثم أمور لا سبيل إلى ذكرها بقصور الوقت وضيقه عنها، فانتهج أيها العاقل وكابد في خوض المقامات والمنازل فإن الله تعالى حكيم كريم يورثك من علم سره العظيم أنه واهب جليل والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل " انتهى (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٥٩، ١٦٠) .
وقد يسأل السائل ما الداعي لكل هذا الكذب والانحراف، وما الذي يدفع هؤلاء إلى كل هذا التخريف والتكلف، هل هم عقلاء أو مجانين وإن كانوا عقلاء فماذا يريدون. وقطعًا لهذه التساؤلات يجيب المؤلف نفسه عن مراده وذلك في آخر كتابه فيقول:
" المغرب التاسع
في عين خاتمة الكتاب
كيفية صفة خلوة للمؤلف وغير ذلك من الأدعية المرجية
اعلم أيها الابن المجتهد والمحتسب المقتصد، أن كل خير لا ترقى ذروته إلا بجهد النفس وأتعابها فيه، وقد تكلمنا لك فيما تقدم من المجاهدات والمكابدات، وأن الطرق الموصلة إلى الله تعالى لا تحصى، وكل صاحب طريقة أدرى بما فيه الصلاح لمن يسلكها، ولما أنعم الله علي بنيل هذا المقام وجعلني من خواصه الكرام أذن لي في التكلم والظهور وإبداء طريقة أستقبل بها وأسلك بها المريدين لأجل أن يصلوا بها، إلى حضرة الغفور، فحصل الأمر كما أمر واشتهر ذلك واستمر، فلما أذنت من الحضرتين بإظهار كل ما نراه يصلح لأهل طريقتي بلامين وأفاض علي الوهاب بوارد تأليف هذا الكتاب أردت أن أختمه بصفة خلوتي التي تصلح لأهل طريقتي كما فعل قبلي أهل الطرق
[ ٢١٧ ]
بنظرهم الذي يصلح لأهل طرائقهم، وجعلت كيفية هذه الخلوة رسالة مستقرة وأفردتها في هذا المغرب لأجل أن يسهل نقلها ونظرها لمن له رغبة فيها، فمن أراد نقل جميع الكتاب فهي من جملته، ومن أراد الاستقلال بها فليفردها منه من أول البسملة إلى حد الخاتمة الآتية، وهي هذه " انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق شموس الأنوار ص١٦١) .
الخلاصة أن الرجل يريد أن يبني له طريقة خاصة لتسليك المريدين، وجمع الأغبياء والمغفلين ومن ثم جمع النذور والقرابين، وبالتالي جعل نفسه في مكان الملوك والسلاطين! ! ! هذه هي النهاية التي يسعى إليها ملوك التصوف، وأئمة الضلالة ومن أجل هذا كذبوا على الله هذا الكذب المبين ولا يسع المسلم إلا أن يحمد الله على العافية مما ابتلي به هؤلاء المارقون الكاذبون والحمد لله رب العالمين.
[ ٢١٨ ]
الفصل الحادي عشر: الولاية الصوفية
الولاية الرحمانية
أعلن القرآن أن كل مؤمن صادق في الإيمان ولي لله ﷾. قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
نصت الآية هنا على أن الله ولي كل مؤمن، وأنه بفضل هذه الولاية يخرج الله المؤمنين من الظلمات إلى النور، وقال تعالى أيضًا: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] .
وقال تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين﴾ [الجاثية: ١٨-١٩] .
يخبر ﷾ أنه ولي لكل من اتقاه وخافه. . وجاء في دعاء موسى ﵇ لربه ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
وقال تعالى أيضًا: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ١٢٦-١٢٧] .
وقال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[ ٢١٩ ]
الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢-٦٣] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا التي تبين ولايته ﷾ لكل مؤمن صالح متق لله ﷾. .
والولاية هي المحبة والنصرة. . فالله ﷾ إذا والى عبدًا فإنه يحبه وينصره ويعزه ويكرمه كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ [المائدة: ٥٤] .
وكذلك العبد إذا قيل إنه يوالي الله فمعنى ذلك أنه يحب الله وينصره كما قال تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] . وقال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: ٧] . فولي الله من ينصره ويحبه، ومن يحب الله ينصره. .، فكل من أحب الله ونصره، وسار في مرضاته، وحفظ حدوده، وأقام شريعته ودينه، فهو ولي الله ﷾.
وقد بين النبي ﷺ طريق الولاية فقال ﷺ: [قال الله تعالى من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه] (رواه البخاري) .
هنا بين الرسول فيما يرويه عن ربه ﷾ أن طريق الولاية للعبد هو أن يقوم بأداء الفرائض أولًا التي هي أحب الطاعات إليه ﷾، ثم يتدرج في أداء النوافل حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله ﷾ كان وليًا حقًا له جل وعلا، وقد جاء في الحديث الصحيح: (إن الله إذا أحب عبدًا قال يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء فيقول إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له
[ ٢٢٠ ]
القبول في الأرض) (رواه مسلم) .
ولا شك أن ولاية الله ﷾ هذه مبذولة لكل من سعى إليها وسار في طريقها ووفقه الله ﷾ إلى بلوغها كما قال جل وعلا: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ٥] .
وقال أيضًا جل وعلا:
﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩] .
ولا شك أنه على الرغم من أن كل مؤمن هو ولي الله جل وعلا فإن ولاية الله للعبد ومحبته له تتفاوت بحسب الإيمان والتقوى والعمل الصالح فكلما ازداد إيمان العبد وترقى في درجات الكمال والصلاح وتحلى بالتقوى كان أعظم ولاية، وأقرب من ربه ﷾، هذا مفهوم الولاية في الإسلام على وجه الإجمال.
الولاية الصوفية الشيطانية
ولكن في التصوف الشيطاني فإن الولاية لها معنى آخر تمامًا في الشكل المضمون والموضوع، فولي الله عند الصوفية الزنادقة من اختاره الله وجذبه إليه، وليس من شرط ذلك أن يكون عند هذا المختار والمجذوب أية مواصفات للصلاح والتقوى إذ الولاية عندهم نوع من الوهب الإلهي دون سبب، وبغير حكمة، ويجعلون الولاية الكسبية هي ولاية العوام والمتنسكين والولاية الحقيقية عندهم هي الولاية الوهبية، يستدلون لذلك بمثل قوله تعالى: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ [البقرة: ١٠٥] . فيقولون:
الولاية اختصاص وهذا تلبيس منهم لأن اختصاص الله من يشاء برحمته لا يكون إلا لحكمة وأسباب اقتضت ذلك كما قال ﷾: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٣٥] . فجعل ﷾ تقواه واتخاذ الوسيلة منه هي الطريق الموصل لرحمته فيستحيل أن تكون رحمة الله التي يختص بها من يشاء كائنة دون حكمة لأن الله ﷾ يعلم أن يجعل رسالته وأين يضع هدايته كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وقال تعالى:
[ ٢٢١ ]
﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام: ٥٣] .
فأخبر سبحانه ردًا على الكفار الذين احتقروا المؤمنين لفقرهم وقالوا: كيف يرزقهم الله التقوى ونحن أكرم على الله منهم لأنه رزقنا الأموال والأولاد. قال تعالى: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام:] ﷾ إنه أعلم من يوفق لهدايته وهم الذين يحكمون بواجب شكره ﷾ ولذلك عبد الرسول ربه حتى أتاه اليقين وهو الموت، وقام من الليل حتى تفطرت قدماه وقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: [أفلا أكون عبدًا شكورًا] [متفق عليه] . .
فالعباد الذين يعلم الله منهم الطاعة والإخلاص والقيام بشكر نعمته هم الذين يوفقهم الله لطاعته ومحبته وولايته.
ولما اعتقد الصوفية الزنادقة أن الولاية قضية وهبية بلا حكمة ولا معقولية جعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة والملاحدة المشركين من أهل وحدة الوجود، أولياء لله بمجرد أن ظهر على أيديهم بعض خوارق العادات التي ظهر مثلها على الدجال وابن صياد، وأصناف من المشركين وأهل الإلحاد. . فجعلوا الكرامة الشيطانية الإبليسية كالإخبار ببعض المغيبات واحتراف بعض الحيل والشعوذات وإتقانها كزعم الدخول في النيران وضرب الجسم بالسكاكين والسهام واللعب بالعقارب والحيات، وأمثال ذلك من المخاريق والترهات جعلوا أولياء الله هم هؤلاء الذين يدجلون على الناس بمثل هذه الخرافات مع ما هم عليه من مخالفة الإسلام، في الظاهر والباطن فظاهرهم مخالف للشريعة حيث عبدوا الله بالبدع والمظاهر الكاذبة والرياء والسمعة كملبس الخرق الملونة والمرقعات وإظهار الفقر والزهد، وذكر الله بالصياح والهوس والجنون وإقامة مشاعر الشرك عند القبور والمزارات والاستعانة بالأموات، وعبادة المشايخ والذوات، جعلوا من هذه أحوالهم في ظاهرهم أولياء لله، ومن أحوالهم في بواطنهم أشر من ذلك وأمر. فهم من أهل وحدة الوجود الكافرين والزنادقة الملحدين الذين لا يفرقون بين خالق ومخلوق، ورب
[ ٢٢٢ ]
وعبد، ومن يجعلون النبي محمدًا ﷺ هو علة الأكوان، والمستوي على عرش الرحمن، ومبدع الأرض والسماوات إلى آخر هذا الكفر والهذيان مما يأباه من عنده أدنى إسلام وإيمان. . . هذه هي الولاية الصوفية في زعمهم جعلوها لهؤلاء كما جعلوها أيضًا للمجانين والصبيان ولأهل التخاريف والهذيان حتى عدوا في أوليائهم من يأتي الحمارة في وضح النهار، وأمام الأسماع والأبصار وسلكوا في سلك الولاية الشيطانية هذه من يشرب الخمر جهارًا نهارًا، ويزني ويلوط عيانًا بيانًا، ويزعمون في كل ذلك أن هذا مظاهر غير مراد، وأنه نوع من التخييل للعباد، وأن الولي الصادق لا تضره معصية أبدًا، أو أن الأعيان ينقلب له فالخمر التي يشاهدها الناس خمرًا ينقلب في بطن الولي لبنًا خالصًا، والزانية الفاجرة التي يرى الناس الولي بصحبتها تكون زوجته، ولم يكتفوا بهذا أيضًا في تعريف الولاية عندهم بل قالوا في الفكر الصوفي إن الولي يتصرف في الأكوان ويقول للشيء كن فيكون، وكل ولي عندهم قد وكله الله بتصريف جانب من جوانب الخلق فأربعة أولياء يمسكون العالم من جوانبه الأربعة، ويسمون الأقطاب، وسبعة أولياء آخرون كل منهم في قارة من قارات الأرض السبع ويسمون البدلاء. وعدد آخر من الأولياء في كل إقليم في مصر ثلاثون أو أربعون وفي الشام كذلك، والعراق وهكذا، وكل واحد من هؤلاء قد أوكل إليه التصريف في شيء ما، حتى عدو منهم من صرفه الله في رعاية الكلاب، ومنهم من له التصريف في رعاية الحيات، وفوق هؤلاء الأولياء جميعًا ولي واحد مراد يسمى القطب الأكبر أو الغوث وهو الذي يدبر شأن الملك كله سمواته وأرضه والأولياء جميعًا في بقاع الأرض تحت أمره.
فالأرض والسماوات تدار حسب الولاية الصوفية وأما الملائكة جميعًا فإنهم في خدمة هؤلاء الأولياء ينفذون أوامرهم ويخضعون لمشيئتهم. . هذه هي الولاية الصوفية وهي لا تمت من قريب أو بعيد للولاية الإسلامية القرآنية قط. . فالولي في الإسلام عبد هداه الله ووفقه وسار في مرضاة ربه حسب شريعته، وهو يخشى على نفسه دائمًا من الكفر والنفاق وسوء العاقبة ولا يعلم هل يقبل
[ ٢٢٣ ]
الله عمله أو لا. . وأما الولي الصوفي فهو رب كبير أو صغير يتصرف في جانب من جوانب الكون ولا يلتزم بشريعة لأن له شريعته المستقلة، والملائكة تحت مشيئته والسماوات والأرض كالخلخال برجله! ! ولا يغرب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض، ولا خوف عليه مطلقًا لأنه قد جاءه الأمان، ولا يحزن لشيء مطلقًا لأن بيده التصريف. . هذه هي الولاية الصوفية. والحق أن الذي قرأ شيئًا من الفلسفة الإغريقية القديمة يعلم يقينًا أن فكرة الولاية الصوفية هذه منقولة عن هذه الفلسفة فآلهة الإغريق قديمًا - كما صورتها الإلياذة والأوديسيا - يتصرفون في الكون ولكل منهم جانب خاص من جوانب العالم، (فمارس) هو إله الحرب، (وكيوبيد) هو إله الحب و(افروديت) هي إلهة الجمال، و(أبوللو) هو رب الأرباب وهكذا. .
إن فكرة تعدد الآلهة عند الإغريق وتصرفهم في الكون هي فكرة الولاية الصوفية تمامًا حيث يعبث هؤلاء الولاية الصوفيون بمصائر البشر، ويتحكمون في أرزاقهم وأعمالهم، ويتصارعون أيضًا ويتنافسون كما يصنع آلهة الإغريق تمامًا. .
والآن اصحبني أيها القارئ لأريك نصوص المتصوفة وعباراتهم، وخيالاتهم في وصف ولايتهم الصوفية:
أول من ألف كتابًا مستقلًا في الولاية الصوفية هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي، الذي يسمونه الحكيم، وهو غير الترمذي صاحب السنن المشهورة بسنن الترمذي، وقد نشأ (الحكيم) هذا في أواخر القرن الثالث الهجري، وهو مجهول سنة الولادة والوفاة. وكتابه الذي أشرنا إليه يسمى (خاتم الأولياء) (راجع الفصل بختم الولاية الصوفية) . .
والمهم هنا أن الترمذي هذا رسم الملامح الخيالية الزندقية للولاية الصوفية ومن أجل هذا الكتاب شهد علماء زمانه بالزندقة والكفر ونفوه من بلده (ترمذ) كما أخبر بذلك صاحب الطبقات الصوفية أبو عبد الرحمن السلمي، وادعى الترمذي هذا في الولاية ما تابعه بعد ذلك عامة الصوفية عليه من أن الولاية وهب ومنحة إلهية لا كسب وموجدات، وأن الولي يعلم علم البدء
[ ٢٢٤ ]
وعلم المقادير وعلم الحروف (ختم الولاية ص٣٦٢) .
ووضع الترمذي هذا مراتب للولاية، فجعل منهم المجاذيب وأهل العته والجنون لأن الله جذبهم إليه وأسقط عنهم التكاليف، وأن هناك أربعين من أوليائهم الذين يتصرفون في شئون العالم، وأن هناك القطب الأكبر والخاتم للولاية وأن الأولياء هؤلاء محروسون عند الله فلا يلقى في صدورهم إلا الوحي الرحماني الملائكي فقط! ! وجعل هؤلاء الأولياء منهم من بلغ ثلث النبوة، ومنهم من بلغ نصفها ومنهم من زاد على ذلك وهو ختم الأولياء (ختم الولاية ص٣٤٧) . ومن هؤلاء الأولياء تظهر لهم الآيات مثل طي الأرض، والمشي على الماء ومحادثة الخضر (ص٣٦١) . وزعم كذلك أن قلوب هؤلاء الأولياء هي كتاب الله يطبع فيه ما يشاء! ! وأنهم كالأنبياء لهم من الله عقد الولاية ولذلك كشف عن قلوبهم الغطاء فيرون ملك الله في كل أجزائه في العالم العلوي والسفلي، وزعم أن هؤلاء الأولياء يعرفون منازلهم من الجنة، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ويقطعون بذلك وأن الكرامات التي تظهر على أيديهم دليل على صدقهم وإيمانهم. .، يقول الترمذي:
" ما قولك في مُحَدِّث، بشر بالفوز والنجاة فقال: رب اجعل لي آية تحقق لي ذلك الخبر الذي جاءني لينقطع الشك والاعتراض. فقال (أي الله): آتيك أن أطوي لك الأرض حتى تبلغ بيني الحرام في ثلاث خطوات، وأجعل لك البحر كالأرض تمشي عليه كيف شئت وأجعل لك التراب والجو في يديك ذهبًا، ففعل هذا هل ينبغي له أن يطمئن إلى هذه البشرى بعد ظهور هذه الآية أولًا " ا. هـ منه بلفظه (ختم الولاية ص٤٠١) .
وهذا الكلام من الحكيم الترمذي تلبيس وتدليس كله. . من هذا الذي يخاطبه الله بكلمة بعد محمد ﷺ؟ ! ولا نبي بعد رسول الله، ومن هذا الذي
[ ٢٢٥ ]
يعطيه من هذه الكرامات المزعومة ما لم يعط رسله وأنبياءه. . فإن الرسول محمد ﷺ ما سار على الماء، ولا طار في الهواء، ولا جعلت له الجبال ذهبًا. بل جاع هو وأصحابه وربط الحجر على بطنه أيامًا وسار على قدميه في جيوشه حتى تقطعت أقدامهم وما كان لهم إلا الخرق يلفونها به حتى لقد سمو غزوة من غزواتهم بغزوة ذات الرقاع لأنهم مزقوا فيها بعض ملابسهم ليلفوا أرجلهم ولقد كانوا أفضل الناس وأفضل الأمة، أيأتي بعد ذلك هؤلاء البطالون المتأكلون الآكلون أموال الناس بالباطل المعتقدون عقائد الوثنية والشرك ليعطيهم الله الولاية العظمى يمكنهم من الطيران في الهواء، والسير على الماء، وقلب الأحجار فضة وذهبًا لا شك أن الذي يزعم شيئًا من ذلك قد لبس عليه الشيطان وأدى له بعض الخدمات كأن نقله مرة من مكان إلى مكان بسرعة الشيطان، وسرق له بعض الذهب من مكان وتسمى هذه الأمثلة كرامة رحمانية وما هي إلا حيل شيطانية يلبس بها الشيطان على أوليائه.
ولا غرو أن يدعي الترمذي هذا ما يدعي فأنه قد ذكر على نفسه فيما سماه (بدو شأن الترمذي) أن زوجته قد تنبأت له، وزعمت له أنها رأت في شأنه عشرات من الرؤى منها أنها رأت أن سطح بيتها وكانت نائمة عليه قد هبط إلى الأرض وأنها وجدت داخل بيتها رجلين قاعدين في هيبة وأنهما قالا لها: قولي لزوجك: أنت وتد من أوتاد الأرض تمسك طائفة من الناس! ! (بدو شأن الترمذي مطبوع مع ختم الولاية ص٢٥) وأن هذين الرجلين الذين بشراها هما محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وزوجته هذه أيضًا تنبأت له بأنها كانت نائمة مع زوجها في فراش واحد وجاء الرسول ﷺ فدخل فراشهما معهما! ! (بدو شأن الترمذي مطبوع مع ختم الولاية ص٣٨) .
ولا يخفى أن أمثال هذه الرؤيا والتنبؤات رؤى شيطانية حتمًا فليس هناك شيء يسمى أوتادًا تمسك الأرض لأن الله ﷾ يقول: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١] .
[ ٢٢٦ ]
وإذا كان الله هو الذي يمسك السماوات والأرض فمعنى ذلك أنه ليس في حاجة إلى الترمذي وغيره ليكون وتدًا يمسك جانبًا من الأرض! ! نعم جعل الله الجبال أوتادًا للأرض ولم يجعل الترمذي الذي ينام ليله شاخرًا وتدًا من أوتاد الأرض وأما الرسول ﷺ الذي يقول (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي) يستحيل أن يأتي ليدخل في فراش رجل مع زوجته ولم يدخل مع زوجة الترمذي في فراشها وهي مع زوجها إلا الشيطان حتمًا الذي يعلم من هم أولياؤه.
واسمع إلى الترمذي يحكي عن خرافات زوجته فيقول:
" ثم رأت رؤيا أخرى وهي بالفارسية وفي آخرها قالت: فانتبهت فوقع عليها حرص الاستماع إلى الموعظة وطلب الحقوق من نفسها. فأول ما ابتدى لها من تحقيق رؤياها أنها كانت في البستان قاعدة وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة، بعد أن رأت هذه الرؤيا، بنحو من خمسة أيام (ستة) إذ وقع على قلبها: يا نور كل شيء وهداه أنت الذي فلق الظلمات نوره.
قالت فوجدت كأن شيئًا دخل صدري فدار حول قلبي فأحاط به وامتلأ الصدر إلى الحلق، حتى صرت شبه المخنوق من امتلائه، وله حرارة وحرقات على القلب فتزينت الأشياء كلها لي. فما وقع بصري على أرض ولا سماء وخلق من الخلق إلا رأيته بخلاف ما كنت أراه من الزينة والبهجة والحلاوة.
ثم وقع على قلبي كلمة بالفارسية: (نكيني من ترا داذم)، فامتلأت فرحًا وطيب نفس ونشاطًا فأخبرتني بذلك فلما كان اليوم الثاني قالت: وقع على قلبي أنا أعطيناك ثلاثة أشياء، ووقع الكلام بالفارسية: (سه جيزترا داذم جلال من (و) عظمة من وبهاء من (ومعنى هذه الكلمات بالعربية: أي أعطيناك ثلاثة أشياء هي جلالي وعظمتي وقدرتي! !» وأضاء لي من فوقي فدام هكذا فوق رأسي في الهواء كما كنت رأيته في المنام فترى في ذلك الضوء علم الجلال وعلم العظمة وعلم البهاء. .
فأما الجلال فإني رأيت كأن البيت يتحرك (ايذون جيزي همي بيود، وجمش خلق همه ازوي، وعظمة بري (و) همه جيزها ازوي، وبها (و) سرا (ي) همه
[ ٢٢٧ ]
جيزها همه جيزها (ازوي نخست فر (أي أعطيناك علم الأولين) سمانها وبذم او كنده. . تفروذ) .
ثم وقع على قلبها، اليوم الثالث (تراداذم علم اولين وآخرين) فدام بها هذا حتى نطقت بعلم أسماء الله فكان يفتح لها في كل يوم اسم الأصل: ويبدو، ذلك الضوء على قلبها وينكشف لها باطن ذلك. حتى كان يوم الجمعة، في أيام العشرة، حضرت المجلس، فذكرت أنه وقع عليها اسم (اللطيف) ".
فانظر كيف تنبأت زوجة الترمذي الفارسية وكانت الرؤى تنزل عليها بالفارسية أيضًا وأنها أخبرت أنها أخذت من الله الجلال والعظمة والقدر! ! وأنها كذلك نالت علم الأولين والآخرين، وهكذا لم يكتف الترمذي بأن يكون هو الوتد بل رأس الأوتاد الذين زعم أنهم أربعون بل زعم أخيرًا أنهم خاتم الأولياء جميعًا كما كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء ولم يكتف بكل ذلك إلا أن جعل زوجته متنبئة كذلك وأنها حصلت على علم الأولين والآخرين وأخذت ثلاث صفات من صفات لله تعالى وهي الجلالة والعظمة والقدر!؟
هذا هو الزعيم الأول والرائد الأول لفكرة الولاية الصوفية، وفكرة ختم الولاية. والعجيب أنه كتب كتابه هذا نحو سنة ٢٦٩هـ - حيث ذكر أن زوجته رأت بعض هذه الرؤى يوم السبت ٢٠ من ذي القعدة سنة ٢٦٩هـ ـ. . وبذلك يكون الترمذي أول من وضع لبنات الفكر الصوفي في قضية الولاية المزعومة. . ومن أجل هذا الكتاب رماه علماء بلده بالكفر والزندقة واستطاعوا طرده من ترمذ ولكنه عاد إليها بعد ذلك تحت جناح بعض الظالمين. . وقد أفضنا في بيان هذه القضية من كتاب الترمذي لأنه أول من سن هذا الشر المستطير الذي جاء بعده، وكتابه هو أول كتاب فيما أظن قد وضع الأسس الخبيثة هذه لفكرة الولاية الصوفية.
[ ٢٢٨ ]
مراتب الولاية عند الصوفية
وقد ذهب المتصوفة إلى تقسيم مراتب الولاية عندهم فمنهم من قالوا إنهم يتقسمون إلى الغوث وهو أكبر الأولياء جميعًا وهو واحد في كل زمان وتحته الأوتاد الأربعة وكل واحد منهم في ركن من أركان العالم يقوم به ويحفظه والأقطاب السبعة وكل منهم في إقليم من أقاليم الأرض السبعة أي في قارة من القارات السبع، (والأبدال) وزعموا أنهم أربعون وهم يعيشون في العالم، وكلما هلك واحد منهم أبدله الله بغيره لحفظ الكون! ! (والنجباء) وهم ثلاثمائة كل منهم يتولى شأنًا من شئون الخلق. .
ولا يشك مسلم يعلم شيئًا من الكتاب والسنة ولا عالم قد اطلع على علوم الكتاب والسنة أن ما قاله الصوفية في هذا الصدد هراء وكذب لا أساس له من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولكن الصوفية أرادوا أن يؤسسوا لهم دولة في الباطن تحكم وتنفذ وتتحكم في شئون الناس فبنوا هذه الدولة العجيبة الباطنية التي يتحكم فيها هؤلاء الذين سموهم بالغوث والأقطاب والأبدال والنجباء والأوتاد. . ويتعجب الإنسان وهو يطالع الفكر الصوفي في هذا الصدد كيف أن المتصوفة أحكموا خطتهم للسيطرة على عقول الناس، ولإدخالهم إلى دينهم العجب العجيب حيث أوهموهم أن التصريف في الأرض والسماء والخلق أجمعين إنما هو لدولتهم الخفية التي يتحكم فيها أولياء الصوفية. . هؤلاء الأولياء الذين قد يكونون أحيانًا أميين لا يعرفون قراءة ولا كتابة وأحيانًا مجاذيب يصرخون ويبولون في الطرقات وأحيانًا زناة وشاربي خمور قد رفعت عنهم التكاليف الظاهرة وأن منهم من يعيش طيلة عمره قذرًا وسخًا لا يتطهر بماء قط أو صابون ليوفر الماء (انظر) للفقراء! ! ومع ذلك فهؤلاء الأولياء يعلمون الغيب كله ولا يخفى عليهم شيء في الأرض ولا في السماء ولا يعجزهم شيء ولا يقف أمام إرادتهم أحد أبدًا. . وتعال معي في جولة مع خرافات القوم وترهاتهم
[ ٢٢٩ ]
لتعلم أي عالم يعيش فيه رجال التصوف.
وقد كفانا عبد الوهاب الشعراني مئونة تجميع أقوالهم في مراتب الولاية حيث جمع أقوال ابن عربي في الفتوحات ولنبدأ أولًا بمفهوم القطب الغوث أو القطب الأكبر عند الصوفية:
يقول الشعراني:
" وأما القطب فقد ذكر الشيخ في الباب الخامس وخمسين ومائتين أنه لا يتمكن القطب من أن يقوم في القطابة إلا بعد أن يحصل معاني الحروف التي في أوائل السور المقطعة مثل ألم، والمص، ونحوهما فإذا أوقفه الله تعالى على حقائقها ومعانيها تعينت له الخلافة وكان أهلًا لها.
(فإن قلت) فما علامة القطب فإن جماعة في عصرنا ادعوا القطبية وليس معنا علم برد دعواهم.
(فالجواب) قد ذكر الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁ أن للقطب خمس عشرة علامة: أن يمد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش العظيم ويكشف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات ويكرم بكرامة الحلم والفضل بين الموجودين وانفصال الأول عن الأول وما انفصل عنه إلى منتهاه وما ثبت فيه حكم ما قبل وما بعد وحكم من لا قبل له ولا بعد، وعلم الإحاطة بكل علم ومعلوم ما بدا من السر الأول إلى منتهاه ثم يعود إليه. . " انتهى.
وقال في الفتوحات في الباب السبعين ومائتين: " إن اسم القطب في كل زمان عبد الله وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية (أي أن يتصف بما يتصف به الله من السمع والبصر والقدرة. . إلخ)، بحكم الخلافة وهو مرآة الحق تعالى ومجلى النعوت المقدسة ومحل المظاهر الإلهية (يعني ظهور صفات الله فيه)، وصاحب الوقت (أي المتصرف في الخلق)، وعين الزمان وصاحب علم سر القدر وله علم دهر الدهور (فهو يعلم ما مضى وما يأتي)، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء لأنه محفوظ في خزائن الغيرة
[ ٢٣٠ ]
ملتحف بأردية الصون لا يعتريه شبهة في دينه قط ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح وراغب فيه، محب للنساء، يوفي الطبيعة حقها على الحد المشروع له، ويوفي الروحانية حقها على الحد الإلهي، يضع الموازين ويتصرف على المقدار المعين الموقت له لا يحكم عليه وقت إنما هو لله وحده حاله دائمًا العبودية والافتقار، يقبح القبيح ويحسن الحسن، يحب الجمال المقيد في الزينة والأشخاص، تأتيه الأرواح في أحسن الصور يذوب عشقًا يغار لله ﷿، ويغضب له تعالى، له الإطلاق في المظاهر من غير تقييد، لا تظهر روحانيته إلا من خاف حجاب الشهادة والغيب، لا يرى من الأشياء إلا محل نظر الحق فيها، يضع الأسباب ويقيمها، ويدل عليها، ويجري بحكمها، ينزل إليها حتى يحكم عليه، ويؤثر فيه رياسة على أحد من الخلق بوجه من الوجوه مصاحب لهذا الحال دائمًا إن كان صاحب دنيا وثروة تصرف فيها تصرف عبد في مال سيد كريم وإن لم يكن بيده دنيا وكان على ما يفتح الله تعالى له به لم تستشرف له نفس بل يقصد بنفسه عند الحاجة بيت صديق ممن يعرفه يعرض عليه ما تحتاج إليه طبيعته كالشافع لها عنده فيتناول لها منه قدر ما تحتاج إليه ثم ينصرف لا يجلس عن حاجته إلا لضرورة فإن لم يجد حاجته لجأ إلى الله تعالى في حاجة طبيعة لأنه مسؤول عنها ومتول عليها ثم ينتظر الإجابة من الله فيما سأل فإن شاء الله تعالى أعطاه ما سأل عاجلًا أو آجلًا فمرتبته الإلحاح في الدعاء والشفاعة في حق طبيعته بخلاف أصحاب الأحوال فإن الأشياء كلها تتكون عن هممهم لأن الله تعالى عجل لهم نصيبًا من أحوالهم في الجنة فهم ربانيون والقطب منزه عن الحال ثابت في العلم فإن أطلعه الله على ما يكون أخبر بذلك على وجه الافتقار الله لا على وجه الافتخار لا تطوى له أرض ولا يمشي في هواء ولا على ماء ولا يأكل من غير سبب ولا يطرأ عليه شيء من خرق العوائد إلا في النادر لا ما يراه الحق تعالى فيفعله بإذن الله من غير أن
[ ٢٣١ ]
يكون ذلك مطلوبًا له وكذلك من شأنه أن يجوع اضطرارًا لا اختيارًا ويصبر على النكاح كذلك لعدم الطول يعلم من تجلي النكاح ما يحرضه على طلبه والتعشق به لا يتحقق قط بالعبودية في شيء أكثر مما يتحقق به في النكاح لا يرغب في النكاح للنسل وإنما يرغب ففيه لمجرد الشهوة وإحضار التناسل في نفسه لأمر مشروع فنكاحه لمجرد اللذة كنكاح أهل الجنة. وقد غاب عن هذه الحقيقة أكثر العارفين لما فيه من شهود الضعف وقهر اللذة المغيبة له عن إحساسه فهو قهر لذيذ وذلك من خصائص الأنبياء ولعلو مراقي هذا المقام جهله أكثر الأولياء وجعلوا النكاح شهوة حيوانية ونزهوا أنفسهم عن الإكثار منها " (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٧٩) ا. هـ.
فانظر كيف لبس على الناس ووصف الولي المزعوم بصفات الربوبية الكاملة ثم راح يصفه بصفات العبودية أيضًا تلبيسًا على الناس.
ويستطرد الشعراني ناقلًا عن ابن عربي وصفه للغوث فيقول:
" واعلم أن من مقام القطب أن يتلقى أنفاسه إذا دخلت وإذا خرجت بأحسن الأدب لأنها رسل الله إليه فترجع منه إلى ربها شاكرة له لا يتكلف لذلك (وهذا كذب محض فالتنفس عملية لا إرادية شأنها واحد في كل إنسان وليس هناك نفس مسبح ونفس غير مسبح إلا أنه يعتقد المؤمن أن حياته لا تقوم إلا بالله فيؤجر على ذلك ويكون عائدًا لله من هذا الوجه) .
وأطال الشيخ في ذلك ثم قال فإذن القطب هو الرجل الكامل الذي حصل أربعة الدنانير منها خمسة وعشرون قيراطًا وبها توزن الرجال والأربعة هم الرسل والأنبياء والأولياء والمؤمنون فهو وارثهم كلهم ﵁. وقال الشيخ في الباب الحادي والخمسين وثلاثمائة: من شأن القطب الوقوف دائمًا خلف الحجاب الذي بينه وبين الحق جل وعلا فلا يرتفع حجابه حتى يموت فإن مات لقي الله ﷿ فهو كالحجاب الذي ينفذ أوامر الملك وليس له من الله تعالى إلا صفة الخطاب لا الشهود " (عاد إلى التلبيس مرة ثانية فزعم أن الولي يتصرف في الخلق بأمر الله) .
[ ٢٣٢ ]
القطب الغوث واحد في الزمان فقط
ويستطرد أيضًا مبينًا أن القطب الأكبر أو ما يسمونه بالغوث واحد في كل زمان. فيقول:
" قال الشيخ في الباب الخامس والخمسين ومائتين:
ومن خصائص القطب أن يختلي بالله تعالى وحده ولا تكون هذه المرتبة لغيره من الأولياء أبدًا ثم إذا مات القطب الغوث انفرد تعالى بتلك الخلوة لقطب آخر لا ينفرد قط بالخلوة لشخصين في زمان واحد أبدًا. وهذه الخلوة من علوم الأسرار. وأما ما ورد في الآخرة من أن الحق تعالى يخلو بعبده ويعاتبه فذلك من باب انفراد العبد بالحق تعالى لا من باب انفراد الحق بالعبد فافهم واكتم ". انتهى (اليواقيت والجواهر) .
وحتى لا يقع المتصوفة في الأشكال المعروفة وهو أن كان أقطاب التصوف في عهد الخلافة الراشدة لذلك بادر ابن عربي للقول أن أبا بكر وعمر كانوا أقطابًا بالمعنى الصوفي. . ونقول حاشا الصحابة أن يدخلوا في هذا الزور والبهتان.
يقول ابن عربي:
" ثم اعلم أنه لما كان نصب الإمام واجبًا لإقامة الدين وجب أن يكون واحدًا لئلا يقع التنازع والتضاد والفساد فحكم هذا الإمام في الوجود حكم القطب. قال: وقد يكون من ظهر الأئمة بالسيف أيضًا قطب الوقت كأبي بكر وعمر في وقته، وقد لا يكون قطب الوقت فتكون الخلافة لقطب الوقت الذي لا يكون إلا بصفة العدل، ويكون هذا الخليفة الظاهر من جملة نواب القطب في الباطن من حيث لا يشعر فإن الجور والعدل يقع من أئمة الظاهر ولا يكون القطب إلا عادلًا. واعلم أن القطبية كما أنها قد تكون لولاة الأمور
[ ٢٣٣ ]
كذلك قد تكون في الأئمة المجتهدين من الأربعة وغيرهم بل هي فيهم أظهر ويكون تظاهرهم بالاشتغال بالعلم الكسبي حجابًا عليهم لكون القطب من شأنه الخفاء ﵁ م أجمعين " (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨٠) .
وهكذا يجعل ابن عربي بعض الخلفاء أقطابًا وبعض الفقهاء كذلك. ولقد من ابن عربي على الإمام الشافعي فأعطاه رتبة (الوتد) في مملكته الصوفية، أي أنه كان يسيطر على ربع العالم. وأما الإمام أحمد فأن ابن عربي لم يمن عليه بشيء من هذه الرتب الصوفية واكتفى بأن جعله مجرد (صديق) ! ! وهي منزلة العامة عندهم ممن يؤمن بالخرافات الصوفية.
يقول الشعراني:
" قال الشيخ محيي الدين: وقد اجتمعت بالخضر ﵇ وسألته عن مقام الإمام الشافعي فقال: كان من الأوتاد الأربعة فسألته عن مقام الإمام أحمد فقال: هو صديق وأطال في ذلك ثم قال في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ المراد بأولي الأمر الأقطاب والخلفاء والولاة ولكن فيما لا يخالف شرعًا مأمورًا به وذلك هو المباح الذي لا أجر فيه ولا وزر فإن الواجب والمندوب والحرام والمكروه من طاعة الله ورسوله فما بقي لأولي الأمر إلا المباح فإذا أمرك الإمام الذي بايعته على السمع والطاعة بمباح من المباحات وجب عليك طاعته في ذلك وحرمت عليك مخالفته وصار حكم الإباحة منه بأمر هذا الإمام الذي بايعته " ا. هـ.
ولا شك أن الإمام أحمد لم يكن ممن يؤمن بهذه الخرافات بل قال لمن سأله عن كتب الحارث المحاسبي هذه كتب بدع وضلالات ولكن الصوفية لا يستطيعون أن يسبوا أحد الأئمة الأربعة المتبعين وذلك لمنزلة هؤلاء الأئمة من قلوب الناس.
[ ٢٣٤ ]
والمهم أن الصوفية قد بنوا لهم دولة في الباطن على هذا النحو الذي أسلفناه. . أيضًا لأجل التلبيس على الناس وتمريغ عقولهم في الأوحال والإلقاء بهم بعيدًا في مهاوي الضلال زعم ابن عربي أيضًا أن الأوتاد الأربعة يكونون على قلوب الرسل الذين زعم أنهم ما زالوا أحياء، وهم:
إدريس، وإلياس، وعيسى، والخضر، وأن هؤلاء جميعًا يرجعون في الأخذ من القطب الأكبر (الغوث) الذي هو واحد في الأرض فقط وأنه إذا مات أقام الله غيره. فهؤلاء الأولياء الأربعة (الأوتاد) الذين طبعوا على قلوب الأنبياء الأربعة الأحياء يرجعون في أحكامهم للقطب الغوث. .
وكل هذه الخرافات والخزعبلات قد عرفها ابن عربي عن طريق الكشف الخاص له والعلم اللدني ولذلك سماه المتصوفة بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر! ! .
يقول الشعراني عن شيخه ابن عربي في بيان هذه الخرافات:
" (فإن قلت) فالمراد بقولهم القطب لا يموت:
(فالجواب) كما قال الشيخ في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات:
أن المراد به من أن العالم لا يخلو زمانًا واحدًا من قطب يكون فيه كما هو في الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذلك أبقى الله تعالى من الرسل الأحياء بأجسادهم في الدنيا أربعة: ثلاثة مشرعون، وهم إدريس وإلياس وعيسى، وواحد حامل العلم اللدني هو الخضر ﵇. وإيضاح ذلك أن الدين الحنيف له أربعة أركان كأركان البيت وهم الرسل والأنبياء والأولياء والمؤمنون، والرسالة هي الركن الجامع للبيت وأركانه، فلا يخلوا زمان من رسول يكون فيه، وذلك هو القطب الذي هو محل النظر الحق ﷾ من العالم كما يليق بجلاله. ومن هذا القطب يتفرع جميع الأمداد الإلهية على جميع العالم العلوي والسفلي.
قال الشيخ محيي الدين:
ومن شرطه أن يكون ذا جسم طبيعي وروح ويكون موجودًا في هذه الدار الدنيا بجسده وحقيقته فلا بد أن يكون موجودًا في هذه الدار بجسده وروحه من عهد آدم إلى يوم القيامة ولما كان الأمر على ما
[ ٢٣٥ ]
ذكرناه ومات رسول الله ﷺ بعد ما قرر الدين الذي لا ينسخ والشرع الذي لا يتبدل دخلت الرسل كلها في شريعته ليقوموا بها فلا تخلو الأرض من رسول حي جسمه إذ هو قطب العالم الإنساني ولو كانوا في العدد ألف رسول فإن المقصود من هؤلاء هو الواحد؛ فإدريس في السماء الرابعة، وعيسى في السماء الثانية، وإلياس والخضر في الأرض. ومعلوم أن السماوات السبع من عالم الدنيا لكونها تبقى بقاء الدنيا بفنائها فهي جزء من دار الدنيا بخلاف الفلك الأطلس فإنه معدود من الآخرة في يوم القيامة تبدل الأرض غير الأرض والسماوات يعني يبدلهم بغيرهن، كما تبدل هذه النشأة الترابية منا أيها السعداء بنشأة أخرى أرقى وأصفى وألطف فهي نشأة طبيعية جسمية لا يبول أهلها ولا يتغوطون كما وردت بذلك الأخبار. وقد أبقى الله في الأرض إلياس والخضر وكذلك عيسى إذا نزل وهم من المرسلين؛ فهم القائمون في الأرض بالدين الحنيف فما زال المرسلون لا يزولون في هذه الدار لكن من باطنية شرع محمد ﷺ ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فالقطب هو الواحد من عيسى وإدريس وإلياس والخضر وهو أحد أركان بيت الدين وهو كركن الحجر الأسود واثنان منهم هما الإمامان وأربعتهم هم الأوتاد فبالواحد يحفظ الله الإيمان وبالثاني يحفظ الله الولاية وبالثالث يحفظ الله النبوة وبالرابع يحفظ الله الرسالة وبالمجموع يحفظ الله الدين الحنيف فالقطب من هؤلاء لا بعينه. قال الشيخ: ولكل واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمة من كل زمان شخص على قلبه نائبًا عنه مع وجودهم وأكثر الأولياء لا يعرفون القطب والإمامين والأوتاد ولا النواب ولا هؤلاء المرسلين الذين ذكرناهم، ولها يتطاول كل أحد لنيل هذه المقامات ثم إذا خصوا بها عرفوا عند ذلك أنهم نواب لذلك القطب فاعرف هذه النكتة فإنك لا تراها في كلام أحد غيرنا ولولا ما ألقي في سري من إظهارها ما أظهرتها " (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨١) انتهى منه بلفظه.
[ ٢٣٦ ]
ولعلك أيها القارئ بعد هذه الجولة الخرافية الصوفية تريد أن تعرف أين يسكن القطب ويجيبك ابن عربي قائلًا:
" فإن قيل هل يكون محل إقامة القطب بمكة دائمًا كما هو مشهور. (فالجواب) هو بجسمه حيث شاء الله لا يتقيد بالمكث في مكان بخصوصه ومن شأنه الخفاء فتارة يكون حدادًا وتارة تاجرًا وتارة يبيع الفول، ونحو ذلك والله أعلم " (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨١) ا. هـ.
ولعلك الآن أيها القارئ تريد أن تعرف كيفية تولي القطب منصبه الباطني هذا وهل تكون له مبايعة كما يبايع الأمراء والخلفاء. .
وقد تفضل ابن عربي أيضًا فأجاب عن هذا التساؤل بقوله:
" فإن قلت: فهل يحتاج القطب في توليته إلى مبايعة في دولة الباطن كما هي الخلافة في الظاهر؟
(فالجواب) نعم كما قاله الشيخ في الباب السادس والثلاثين وثلاثمائة وعبارته:
(اعلم أن الحق تعالى لا يولي قط عبدًا مرتبة القطابة إلا وينصب له سرير في حضرة المثال يقعده عليه ينبي صورة ذلك المكان عن صورة المكانة كما ينبي صورة الاستواء على العرش عن صورة إحاطته تعالى علمًا بكل شيء ولله المثل الأعلى فإذا نصب له ذلك السرير فلا بد أن يخلع عليه جميع الأسماء التي يطلبها العالم وتطلبه فيظهر بها حللًا وزينة متوجًا مسورًا من ملجا لتعمه الزينة علوًا وسفلًا ووسطًا وظاهرًا وباطنًا فإذا قعد عليه وقعد بصورة الخلافة وأمر الله العالم ببيعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره دخل في تلك البيعة كل مأمور من أدنى وأعلى إلا العالون المهيمنون في جلال الله ﷿ العابدون لله تعالى بالذات لا بأمر إلهي ظاهر على لسان رسول. واعلم أن أول من يدخل عليه الملأ الأعلى على مراتبهم الأول فيأخذون يده على السمع والطاعة ولا يتقيدون بمنشط ولا مكره لأنهم لا يعرفون هاتين الصفتين فيهم إذ لا يعرف شيء إلا بضده فهم في منشط لا يعرفون لها طعمًا لعدم ذوقهم للمكره وما منهم روح يدخل عليه للمبايعة إلا يسأله عن مسألة من العلم الإلهي فيقول له يا هذا أنت القائل كذا وكذا فيقول له نعم فيقول له في هذه المسألة
[ ٢٣٧ ]
وجهان يتعلقان بالعلم بالله تعالى أحدهما أعلى من الذي كان عند ذلك الشخص فيستفيد منه كل من بايعه علمًا ليس عنده ثم يخرج. قال الشيخ: وقد ذكرنا جميع سؤالات القطابة في جزء مستقل ما سبقنا أحد إليه وليست هذه المسائل معينة يتحرر السؤال بها لكل قطب وإنما يخطر الله تعالى ذلك لمن يسأل القطب حال السؤال بعد أن جرى ذلك على خاطره فيما مضى من الزمان.
قال الشيخ وأول من يبايعه العقل الأول ثم النفس ثم المقدمون من عمار السماوات والأرض من الملائكة المسخرة ثم الأرواح المدبرة للهياكل التي فارقت أجسامها بالموت ثم الجن ثم المولدات ثم سائر ما سبح الله تعالى من مكان ومتمكن ومحل حال فيه إلا العالون من الملائكة كما مر، وكذلك الأفراد من البشر لا يدخلون تحت دائرة القطب وماله فيهم تصرف إذ هم كمل مثله مؤهلون لما ناله هذا الشخص من القطبية لكن لما كان الأمر يقتضي أن لا يكون في الزمان إلا واحد تقوم بهذا الأمر تعين ذلك الواحد لكن لا بأولية وإنما هو يسبق العلم فيه بأن يكون هو الوالي وفي الأفراد من يكون أكبر منه في العلم بالله تعالى وحده " انتهى بلفظه (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٧٩، ٨٠) .
فانظر أيها المسلم هذا التهريج والتخريف والخبط الذي يريد هؤلاء الأفاكون جذب الناس إليه وإيقاع الناس فيه، وأحمد الله على نعمة العقل التي أعطاك إياها ونعمة الإيمان والإسلام إن كنت من أهله، وانظر كيف يتلاعب الشيطان بهؤلاء المتهوكين الفارغين إلا من الخرافات والخزعبلات والزندقة والكفر الذي ليس له مثل في الأرض. والعجيب أن ابن عربي لا يقف خياله الزندقي عند حد مطلقًا فقد ذهب ليزعم أيضًا أنه عرف أسماء الأقطاب منذ آدم وحتى بعثة رسولنا ﷺ حيث ينقل عنه الشعراني أنه قال في الفتوحات ما نصه:
" فإن قلت فهل كان قبل محمد ﷺ أقطاب وكم عددهم (فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب الرابع عشر من الفتوحات:
[ ٢٣٨ ]
(إن الأقطاب لا يخلو عصر منهم قال وجملة الأقطاب المكملين من الأمم السالفة من عهد آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام خمسة وعشرون قطبًا أشهدنيهم الحق تعالى في مشهد قدس في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة وهم: الفرق ومداوي الكلوم والبكاء والمرتفع والشفار والماضي والماحق والعاقب والمنحور وسجر الماء وعنصر الحياة والشريد والصائغ والمراجع والطيار والسالم والخليفة والمقسوم والحي والراقي والواسع والبحر والمنصف والهادي الأصلح والباقي فهؤلاء هم الأقطاب الذين سموا لنا من آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام وأما القطب الواحد الممد لجميع الأنبياء والرسل من حيث النشء الإنساني إلى يوم القيامة فهو روح محمد ﷺ (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨٢) ا. هـ.
فانظر كيف اكتشف ابن عربي أسماء الأقطاب المزعومين منذ آدم إلى النبي ﷺ وكيف راح يزعم أن هؤلاء جميعًا الذين افترى أسماءهم يستمدون علومهم من روح الرسول التي زعم أنها هي المستوي على العرش الرحماني كما مر تفصيل ذلك في الحقيقة المحمدية.
وذلك أن الرسول محمد ﷺ هو أول موجود في زعمهم وهو الحق الذي خلق العرش من نوره والكرسي والسماوات والأرض والجن ﷺ هو المستوي على عرش الرحمن تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. .
وهكذا نجد الصوفية قلبوا كل موازين الشريعة وغيروا جميع عقائد الدين وابتدعوا دينًا جديدًا بعيدًا عن الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ بعد المشرق عن المغرب.
قطب سنة ٥٩٣هـ - من مدينة فاس بالمغرب:
ويستطرد ابن عربي في تخريفاته وكذبه فيزعم أن لكل إقليم بلدة وقرية قطبًا صغيرًا آخر يحفظ هذه المدينة! ! وأنه التقى بالقطب الأكبر في المغرب
[ ٢٣٩ ]
في مدينة فاس وأنه كان مشلول اليد:
يقول الشعراني:
" قال الشيخ محيي الدين في الباب الثاني والستين وأربعمائة:
واعلم أن لكل بلد أو قرية أو إقليم قطبًا غير الغوث يحفظ الله تعالى تلك الجهة سواء أكان أهلها مؤمنين أو كفارًا وكذلك القول في الزهاد والعباد والمتوكلين وغيرهم لا بد لكل صنف منهم من قطب يكون مدارهم عليه. قال الشيخ: قد اجتمعت بقطب المتوكلين فرأيت مقام المتوكل يدور عليه دوران الرحى حين تدور على قطبها وهو عبد الله بن الأستاذ ببلاد الأندلس صحبته زمانًا طويلًا وكذلك اجتمعت بقطب الزمان سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمدينة فاس وكان أشل اليد فتكلمت على مقام القطبية في مجلس كان فيه فأشار علي أن أستره عن الحاضرين ففعلت " (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨٣) ا. هـ.
وهكذا تتم السيطرة الباطنية المزعومة من هؤلاء الأولياء على كل مدينة وقرية من قرى العالم، وهكذا يحكم الصوفية شباكهم ويصطادون العقول المريضة والضعيفة والتي سيقتلها الخوف عندما تعلم أن الدولة الباطنية قد أحكمت سيطرتها على العالم وأنه ليس هناك من قرية ولا مدينة إلا فيها حاكم باطني يحكم أو قالوا يحفظ هذه المدينة والقرية، وقد أعطاه الله في زعمهم التصريف في شئون عبادها. .
وظيفة القطب:
ولعلك تريد أن تعرف الوظيفة المناطة بكل هؤلاء الذين توزعوا الأرض وتصرفوا في حياة الخلائق وحفظ الله بهم -في زعم الصوفية- الوجود وكيف تورث هذه الولاية:
[ ٢٤٠ ]
يقول الشعراني عن شيخه ابن عربي:
" وقال في الباب الثالث والثمانين وثلاثمائة: اعلم أن بالقطب تحفظ دائرة الوجود كله من عالم السكون والفساد وبالإمامين يحفظ الله تعالى عالم الغيب والشهادة وهو ما أدركه الحس، وبالأوتاد يحفظ الله تعالى الجنوب والشمال والمشرق والمغرب، وبالأبدال يحفظ الله الأقاليم السبعة، وبالقطب يحفظ الله تعالى جميع هؤلاء لأنه هو الذي يدور عليه أمر عالم الكون كله فمن علم هذا الأمر علم كيف يحفظ الله الوجود على عالم الدنيا ونظيره من الطب علم تقويم الصحة (فإن قلت) فهل للقطب تصريف في أن يعطي القطبية لمن شاء من أصحابه وأولاده.
(فالجواب) ليس له تصريف في ذلك وقد بلغنا أن بعض الأقطاب سأل الله أن تكون القطبية من بعده لولده فإذا بالهاتف يقول له: ذلك لا يكون إلا في الإرث الظاهر وأما الإرث الباطن فذلك إلى الله وحده الله أعلم حيث يجعل رسالته. انتهى.
فعلم أنه ما حفظ من حفظ من الأولياء وغيرهم من جهاته الأربعة إلا بالأوتاد الذين كان منهم الإمام الشافعي ﵁ وما حفظ من حفظ في صفاته السبع إلا بالأبدال السبعة فكل صفة لها بدل يحفظها على صاحبها من حياة وعلم وقدرة وإرادة وسمع وبصر وكلام. انتهى (اليواقيت والجواهر) .
وهكذا يريد المتصوف إيهامك أن ما حفظ من سمعك وبصرك وقدرتك وعلمك، وحياتك وإرادتك إنما مرجعه إلى بدل من الأبدال السبعة الذين كان منهم الشافعي في زمانه. .
الشافعي هذا ﵁ الذين يكذبون عليه والذي قال عن الصوفية بعد أن ارتحل عن العراق إلى مصر قال: " تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع " ا. هـ.
وقال أيضًا ﵁: " لا أرى إنسانًا يتصوف أول النهار إلا يكون أحمق
[ ٢٤١ ]
في آخره "! ! ! ! . . والصحيح أن الحمق يصيب الأتباع والدهماء الذين يصدقون مثل هذه الخرافات ولكن الذين افتروا ذلك ودونوه لا شك أنهم دهاة عرفوا كيف يصرفون الناس عن عقيدة الإسلام إلى عقائد الكفر والوثنية. . فهؤلاء لم يتركوا دينًا أو فلسفة كافرة ولا زندقة إلا أضافوها إلى عقيدتهم وخرافاتهم وانظر إلى كيفية عمل الأبدال عندهم.
الأبدال السبعة ووظائفهم:
قال الشعراني: وقال الشيخ أيضًا في الباب الخامس عشر:
" اعلم أن لكل بدل من الأبدال السبعة قدرًا، يمده من روحانية الأنبياء الكائنين في السماوات فينزل مدد كل بدل من حقيقة صاحبه الذي في السماء. قال: وكذلك أمداد الأيام السبعة فتنزل من هؤلاء الأبدال لكل يوم مدد يختص به من ذلك البدل.
(فإن قلت) وهل يزيد الأبدال وينقصون بحسب الشئون التي يبدلها الحق تعالى أو هم على عدد واحد لا يزيدون ولا ينقصون؟؟
(فالجواب) هم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون وبهم يحفظ الله الأقاليم السبعة ومن شأنهم العلم بما أودع الله تعالى في الكواكب السيارة من الأمور والأسرار في حركاتها ونزوله في المنازل المقدرة.
(فإن قلت) فلم سموا أبدالًا؟ (فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب الثالث والسبعين:
أنهم سموا أبدالًا لأن كل واحد منهم إذا فارق مكانه خلفه فيه شخص على صورته لا يشك الرائي أن ذلك البدل.
(فإن قلت) فهل ترتيب الأقاليم السبعة على صورة ترتيب السماوات بحيث يكون ارتباط الإقليم الأول بالسماء السابعة والثاني بالسماء السادسة وهكذا. .
(فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب الثمن والتسعين ومائة: نعم يكون روحانية كل إقليم مرتبطة بالسماء المشاكلة له فالإقليم الأول للسماء السابعة وهكذا. .
[ ٢٤٢ ]
(وإيضاح ذلك) أن تعلم يا أخي أن الله تعالى جعل هذه الأرض التي تجن عليها سبعة أقاليم (أي سبع قارات هي قارات العالم المعروفة)، واصطفى من عباده المؤمنين سبعة سماهم الأبدال وجعل لكل بدل إقليمًا يمسك الله وجود ذلك الإقليم به فالإقليم الأول ينزل الأمر إليه من السماء الأولى التي هي السابعة وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظه هو على قلب الخليل إبراهيم ﵇ والإقليم الثاني ينزل الأمر إليه من السماء الثانية وينزل إليه الروحانية كوكبها الأعظم والبدل الذي يحفظه على قلب موسى ﵇ والإقليم الثالث ينزل إليه الأمر الإلهي من السماء الثالثة وينظر إليه روحانية كوكبها البدل الذي يحفظه على قلب هارون ويحيى بتأييد الرابعة قلب الأفلاك كلها وينظر إليه روحانية كوكبها الأعظم والبدل الذي يحفظه على قلب إدريس ﵇ وهو القطب الذي لم يمت إلى الآن والأقطاب فينا نوابه كما مر والإقليم الخامس ينزل إليه الأمر من السماء الخامسة وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظ الله به هذه الأقاليم على قلب يوسف ﵇ بتأييد محمد ﷺ والإقليم السادس ينزل الأمر عليه من السماء السادسة وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظه على قلب عيسى روح الله ويحيى ﵉ والإقليم السابع ينزل الأمر إليه من السماء الدنيا وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي يحفظه على قلب آدم ﵇.
قال الشيخ: وقد اجتمعت بهؤلاء الأبدال السبعة بمكة خلف حطيم الحنابلة حيث وجدتهم يركعون هناك فسلمت عليهم وسلموا علي وتحدثت معهم فما رأيت أحسن منهم سمتًا ولا أكثر شغلًا منهم بالله ﷿ وما رأيت مثلهم إلا سقيط الرفرف بن ساقط العرش بقونية وكان فارسيًا ﵁ وقد أطال الشيخ الكلام على أصحاب الدوائر من الأولياء في الثالث والسبعين من الفتوحات فراجعه والله أعلم " انتهى منه بلفظه (اليواقيت والجواهر ج٢ ص٨٣) .
[ ٢٤٣ ]
وهكذا استطاع المتصوفة نقل عقائد الصابئة الذي كانوا في عهد إبراهيم ﵇ وهم عبدة النجوم والكواكب الذين يؤمنون بأن لكل كوكب روحًا يتصرف في الخلق، وصوروا تماثيل لروحانية القمر والشمس والمشتري والزهرة. . إلخ. . وعبدوها. . نقل الصوفية هذه العقائد الوثنية الجاهلية إلى الفكر الإسلامي وجعلوها عقيدة من عقائد المتصوفة ومن أجل ذلك قال ابن عربي:
عقد البرية في الإله عقائدا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
وما ذلك إلا لأنه يؤمن أنه ليس إلا الله في الكون! ! ! !
مدة حكم القطب ووظيفته
ويستمر ابن عربي في تخريفاته فيذكر لنا مدة حكم القطب والأعمال المنوطة به فيقول كما نقل الشعراني:
" (فإن قلت) فهل مدة معينة للقطبية إذا وليها صاحبها لا يعزل منها حتى تنقضي؟
(فالجواب) ليس للقطبية مدة معينة فقد يمكث القطب في قطبيته سنة أو أكثر أو أقل إلى يوم إلى ساعة فإنها مقام ثقيل لتحمل صاحبها أعباء الممالك الأرضية كلها ملوكها ورعاياها. وذكر الشيخ في الباب الثالث والستين وأربعمائة أن كل قطب يمكث في العالم الذي هو فيه على حسب ما قدر الله ﷿، ثم تنسخ دعوته بدعوة أخرى كما تنسخ الشرائع بالشرائع وأعني بالدعوة ما لذلك القطب من الحكم والتأثير في العالم فمن الأقطاب من يمكث في قطبيته الثلاث والثلاثين سنة وأربعة أشهر ومنهم من يمكث فيها ثلاث سنين ومنهم كما يؤيد ذلك مدة خلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فإنهم كانوا أقطابًا بلا شك " انتهى (اليواقيت والجواهرج٢ ص٨٣) .
[ ٢٤٤ ]
ابن عربي القطب الأعظم
وبالطبع بعد أن يصف ابن عربي كل هذا الوصف الخرافي للأقطاب والأبدال والأوتاد فلا بد أن يخص نفسه بلقب من هذه الألقاب. وتأبى كرامة ابن عربي طبعًا أن يختار لقبًا دونًا، أو مرتبة صغيرة فيعلن عن نفسه أنه القطب الأعظم الذي لا أعظم منه أبدًا يقول بالنص:
" لا أعرف في عصري هذا أحدًا تحقق بمقام العبودية مثلي وذلك لأنني بلغت في مقام العبودية الغاية بحكم الإرث لرسول الله ﷺ فأنا العبد المحض الخالص الذي لا يعرف للربوبية على أحد من العالم طمعًا، وقد منحني الله تعالى هذا المقام هبة منه، ولم أنله بعمل وإنما هو اختصاص إلهي " (اليواقيت والجواهر ص٦٥، ٦٦) . .
فانظروا أين يضع ابن عربي نفسه، إنه يضعها في القمة العليا التي لا تدانيها قمة، ويدعي كذبًا مع ذلك أنه نال ذلك باختصاص إلهي حتى لا يطالبه أحد بمسوغات هذا الاختيار ومؤهلاته.
وهكذا يعلن ابن عربي نفسه ملكًا متوجًا على مملكة الباطن التي صورها الخيال الشيطاني المريض لهذه العقلية الصوفية، ويجعل من نفسه قطب الأقطاب ووارث الرسول ﷺ وعلم الأعلام، ويتبعه على هذا كل شيوخ التصوف الذين جاؤوا بعده فيجعلون منه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر. .
وهكذا استطاع هذا الزنديق دارس الفلسفة والديانات القديمة، وتخريفات الجاهلية في كل العصور أن يجمع كل ما درسه وينسج منه عقيدة وثنية جاهلية حمقاء ويلبسها بإتقان وثعلبية نادرة الآيات والأحاديث القرآنية فتروج بذلك بين أيدي جهلة المسلمين، ويتاجر بها مجموعة الشياطين الذين قادوا هذا الفكر الصوفي المنحرف عبر القرون، والذين برروا له كل هذا الكفر والانحراف.
وهكذا أخي المسلم تدرك الفارق بين الولاية الإسلامية القرآنية، وبين ولاية هؤلاء الشياطين فأولياء الرحمن وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وعباد
[ ٢٤٥ ]
الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جنهم إن عذابها كان غرامًا إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٦٦] .
فانظر كيف يمضون ليلهم كلهم في الصلاة ويستغفرون الله بعد ذلك ويخافون من عذاب النار مع ذلك، واسمع قوله تعالى: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١] .
فهؤلاء هم أولياء الله حقًا خائفون من ربهم مشفقون من عذابه، مؤمنون بربهم الواحد ﷾ الذي ليس له ند ولا شريك ولا ظهير ولا معين، ومع كل ذلك يصلون ويصومون ويخافون أن لا يتقبل الله أعمالهم. . أين هؤلاء الأولياء الصادقون من أولياء الشيطان الذين يزعمون أن الله ملكهم الدنيا والآخرة، وأن الله أمنهم من كل خوف، وأنه صرفهم في العالم العلوي والسفلي وأن الله عقد لهم ألوية المجد والعز وجعلهم جلساءه وخاصته، وعقد لهم الولاية في السماء وبايعتهم الملائكة هناك. . إلخ.
أين الولاية الإسلامية من ولاية الشياطين المتقولين على الله، الذين لم يتركوا صفة واحدة لله إلا نسبوها إلى أنفسهم، الذين لم يجعلوا لله تصريفًا إلا بهم، ولا رحمة إلا منهم، ولا إحسانًا إلا من عندهم، ولا قدر ة إلا بوساطتهم، ومهما أفاض الإنسان في وصف وقاحة هؤلاء الشياطين فلن يبلغ عشر معشار ما يستحقون ولن يكتب أيضًا شيئًا قريبًا مما سودته أيديهم في الافتراء على الله والكذب على رسله الكرام. . هؤلاء الرسل الذين قال الله لأشرفهم وسيدهم محمد ﷺ ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
[ ٢٤٦ ]
والذي كان يقول هو ﷺ (والله إني لرسول الله لا أدري ما يفعل بي غدًا) (رواه البخاري) .
وكان يقول أيضًا (واعلموا أنه لا يدخل أحدكم الجنة بعمله)، قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال: [ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل] (متفق عليه) .
فأين هذا مما يفترون ويقولون (لو بصقت على النار لأطفأتها) ! ! ! ومن يقول (أعطاني الله التصريف في الخلق) ! ! ومن يقول (سبحاني ما أعظم شأني) ! ! ! ومن ومن؟ . .
أين أولياء الرحمن من أولياء الشيطان. . شتان. . شتان. .! ! !
[ ٢٤٧ ]
الفصل الثاني عشر: ختم الولاية
نشأ في الفكر الصوفي منذ القرن الثالث الهجري دعوى كاذبة وهي أن الأولياء يختمون كما أن الأنبياء لهم نبي خاتم. وأول من أظهر هذه الفكرة ودعا رجل يسمى محمد بن علي بن الحسن الترمذي - ويسمونه الحكيم - وجد في أواخر القرن الثالث الهجري وهو مجهول سنة الولادة والوفاة. ولقد ألف كتابًا في هذا أسماه (ختم الأولياء) يقول في هذا الكتاب المذكور؛
" وما صفة ذلك الولي، الذي له إمامة الولاية ورياستها وختم الولاية؟
قال: ذلك من الأنبياء قريب، يكاد يلحقهم.
قال: فأين مقامه؟
قال: في أعلى منازل الأولياء، في ملك الفردانية، وقد انفرد في وحدانيته، ومناجاته كفاحًا في مجالس الملك، وهداياه من خزائن السعي.
قال: وما خزائن السعي؟
قال: إنما هي خزائن ثلاث: خزائن المنن للأولياء، وخزائن السعي لهذا الإمام القائد، وخزائن القرب للأنبياء ﵈، فهذا خاتم الأولياء مقامه من خزائن المنن، ومتناوله من خزائن القرب: فهو في السعي أبدًا فمرتبته ههنا، ومتناوله من خزائن الأنبياء ﵈، قد انكشف له الغطاء عن مقام الأولياء ومراتبهم وعطاياهم وتحفهم " (ختم الولاية) .
وقد تدرج الترمذي هذا في دعواه تلك تدرجًا إبليسيًا خبيثًا حيث هو يجابه العالم الإسلامي بمثل هذه العقيدة الفاسدة، فيتذرع لنشر عقيدته الباطلة
[ ٢٤٩ ]
بتحريف النصوص القرآنية والحديثية فيزعم أن للأولياء البشرى في الحياة الدنيا مستدلًا بقوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ [يونس: ٦٢-٦٤] . وأن الرسول بشر بعض أصحابه بالجنة، وأنه ﷺ قد أخبر البشرى باقية في الرؤيا، أقول. . يتذرع الترمذي بهذه النصوص من القرآن والسنة الصحيحة ليبث في عقائد المسلمين أن الولاية لا تنقطع وأن فضل الله على هذه الأمة لا يتوقف، وأن البشرى باقية بعد الرسالة، وأن الأولياء يصلون إلى معرفة الحق لأن الله في زعمه كشف عنهم الحجاب كلها ويقول في هذا الشأن بالنص:
" فهذه الطبقة التي يكبر في صدورهم (يعني علماء السنة الذين ينكرون هذه الترهات والأكاذيب) بلوغ الأولياء هذا المحل من ربهم فيدفعون هذا لجهلهم، لا يعلمون أن لله عبادًا أغرقوا في بحر جوده، فجاد عليهم، بكشف الغطاء عن قلوبهم، عن عجائب، وأطلعهم من ملكه ما نسوا في جنبه كل مذكور، حتى تنعموا به في حجبه الربانية " (ختم الأولياء ص٣٨٦) .
ثم يستطرد الترمذي أيضًا عائبًا على من يعيب على المتصوفة هذه الدعاوي الباطلة فيسميهم علماء حطامين أي أهل دنيا، وتارة بلعامين - نسبة إلى بلعام بن باعوراء - اليهودي الذي يذكر المفسرون أن الله أنزل في شأنه ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾ [الأعراف: ١٧٥] .
ثم يدعي الترمذي بعد ذلك للأولياء أنهم يخبرون ويغترفون مما يغترف منه الأنبياء. وأن الأولياء يبشرون (بالبناء للمجهول) كما يبشر الأنبياء ويرد على من يحتج عليهم أيضًا بقوله تعالى ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩] . انظر إليه يقول:
[ ٢٥٠ ]
" فإذا ذكر شأن الأولياء قدروا أحوالهم على ما يرون من أمور نفوسهم فكذبوا نعم الله تعالى، ودفعوا منه وجهلوا أمره. فهذا من أعظم الفرية على الله تعالى. .
قال له قائل: فإن بعضهم احتج بقوله (تعالى): ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩] . (. . وقال: إن الأمن من مكر الله أو ضلال هذه الطبقة، وهذا يؤدي إلى الزندقة) . - وقال تعالى ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون﴾ [النمل: ٦٥] .
والمحبة والسعادة والشقاوة غيب عند الله تعالى، لا يعلم إلا هو،. . وزعم أنك ناظرت يحيى بن معاذ في ذلك حتى بقي متحيرًا. . وأن هذه الطبقة تقدم نفسها على الأنبياء. .
قال له: أما قوله تعالى: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩] . فهذا قوله تعالى، لا ريب فيه ولا في قبوله. وهو أنه لا يعلم ما حاله عند الله تعالى فإن أمن فهو خاسر جاهل. كأنه حكم على الله من غير أن يحكمه. فأما من بشره الله فرد بشراه فقد اجترم، كما اجترم ذلك الآخر، فهذا من ذلك الوجه، فحق على من لا يعلم، أن لا يأمن، وحق على من أمن أن يأمن، فليس الأنبياء ﵈ كانوا يؤمنون (من أنفسهم) ولكن لما أُمِّنوا أَمِنُوا والأنبياء لهم عقدة النبوة والأولياء لهم عقدة الولاية. . " ا. هـ (ختم الأولياء ص٣٨٧-٣٨٨) .
ويستطرد الترمذي مجيبًا في زعمه على من يقول للمتصوفة في دعاواهم هذه أن هذا ادعاء لعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله، فيجيب الترمذي على ذلك بجواب عجيب حيث يقول:
" وأما قوله ﴿لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] . فعلم الغيب عند الله، وكم من غيب أطلع الله عليه رسوله فأية حجة في هذا؟ وإنما يريد أن يروج بمثل هذا الأغبياء. وكم من غيب أطلع الله عليه أهل الإلهام حتى نطقوا به وأهل الفراسة. . ".
[ ٢٥١ ]
وبالطبع يمهد الترمذي لهذا كله الذي يهدم به الدين من أساسه بأن الله في زعمه قد أعطاه الدليل على أن هذا الوحي المزعوم صدق، فيقول ردًا على من ينكر ذلك عليهم:
" ويقال (له أيضًا): ما قولك في محدِّث، بشر بالفوز والنجاة فقال: رب اجعل لي آية تحقق لي ذلك الخبر الذي جاءني، لينقطع (الشك والاعتراض) فقال: آتيك أن أطوي لك الأرض حتى تبلغ بيتي الحرام في ثلاث خطوات، وأجعل لك البحر كالأرض تمشي عليه كيف شئت، وأجعل لك التراب والجو في يديك ذهبًا. . ففعل هذا فهل ينبغي له أن يطمئن إلى هذه البشرى، بعد ظهور هذه الآية أم لا؟ فإن قال: لا، فقد عاند واجترأ على الله وحلت به دائرة السوء. وإن قال: نعم. فقد ذهب قوله واحتجاجه الظلماني " (ختم الأولياء ص٤٠١) .
ثم يبالغ الترمذي بعد ذلك في وصف هذا الولي المزعوم الذي يدعي أنه خاتم الأولياء فيقول في ص٤٠٦ من المصدر المذكور (ختم الأولياء): " فهذا سيد الأولياء وأمان أهل الأرض ومنظر أهل السماء، وخالصة الله وموضع نظره وسوطه في خلقه " ا. هـ
وأن هذا الذي حصل عليه ذلك الولي إنما كان باجتباء من الله ومنة منه فهو الذي جذبه إليه، وأراد به ذلك. . ثم يسأل الترمذي سؤالًا يجيب عنه وهو كيف تقدم الختم هذا الأولياء فيقول (ختم الأولياء ص٤٢١):
" قال: فيم تقدم الأولياء واحتاجوا إليه؟
قال: بأن أعطي ختم الأولياء. فبالختم تقدمهم، فصار حجة الله على أوليائه، وقد ذكرت في أول الكتاب سبب الختم. . (وهو) أن النبوة أعطيت الأنبياء ﵈، ولم يعطوا الختم فلم تخل تلك الحظوظ من هنات النفس ومشاركتها، وأعطي نبينا وختمت له نبوته. كالعهد الذي يكتب ثم يختم، فلا يصل أحد إلى أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه، وقد وصفت شأنه فيما تقدم.
وكذلك هذا الولي سير به (الله تعالى) على طريق محمد ﷺ بنبوته،
[ ٢٥٢ ]
مختومًا بختم الله، فكما كان محمد ﷺ حجة على الأنبياء فكذلك يصير هذا الولي حجة على الأولياء، أعطيتكم ولايتي فلم تصونوها من مشاركة النفس. وهذا أضعفكم وأقلكم عمرًا قد أتى بجميع الولاية صدقًا، فلم يجعل للنفس فيها نصيبًا ولا تلبيسًا.
وكان ذلك في الغيب من منة الله تعالى على هذا العبد، حيث أعطاه الختم لتقر به عين محمد ﷺ في الموقف حتى قعد الشيطان في معزل، وليست النفس فبقيت محجوبة، فيقر له الأولياء يومئذ بالفضل عليهم. فإذا جاءت تلك الأهوال لم يك مقصرًا. وجاء محمد ﷺ بالختم فيكون أمانًا لهم من ذلك الهول. وجاء هذا الولي بختمه فيكون أمانًا لهم بصدق الولاية، فاحتاج إليه الأولياء. . " ا. هـ
وهكذا يجعل الترمذي لهذا الولي المزعوم ما جعله الله لنبينا محمد ﷺ. . وصدق الله ﷾ في شأن المشركين ﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفًا منشرة﴾ [المدثر: ٥٢] .
وهؤلاء الزنادقة يريد كل منهم أن يوحى إليه كما يوحى إلى الرسول، بل لم يتركوا فضلًا مما فضل الله به عبده ورسوله محمد ﷺ إلا انتحلوه لأنفسهم بل زادوا عليه، واحتقروا منزلة الرسول ﷺ إلى المنازل التي يزعمون أن الله قد بلغهم إياها.
لقد وضع الترمذي المسمى بالحكيم في الكتاب (ختم الولاية) بذور الشر الكبرى في الفكر الصوفي، وكل الذين جاؤوا بعده إنما هم عيال عليه وتبع له في كل هذا الباطل الذي بثه في كتابه، وخاصة في مسألة الختم الولاية فلم يأت متصوف بعد الترمذي هذا من مشهوري المتصوفة إلا وادعى ختم الولاية لنفسه. وها أنذا أسوق بعضًا من ذلك.
ابن عربي وختم الولاية
يقول ابن عربي المتوفي سنة ٦٣٨هـ - مدعيًا لنفسه ختم الولاية:
" وأما ختم الولاية المحمدية فهي لرجل من العرب. من أكرمها أصلًا
[ ٢٥٣ ]
ويدًا. وهو في زماننا اليوم موجود. عرفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ورأيت العلامة التي له قد أخفاها الحق فيه من عباده، وكشفها لي بمدينة فاس، حتى رأيت خاتم الولاية منه - وهو خاتم النبوة المطلقة - لا يعلمها كثير من الناس وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به. وكما أن الله ختم بمحمد ﷺ نبوة الشرائع كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي لا التي تحصل من سائر الأنبياء فإن من الأولياء من إبراهيم وموسى وعيسى، فهؤلاء يوحدون بعد الختم المحمدي، وبعده فلا يوجد ولي على قلب محمد ﷺ هذا معنى خاتم الولاية المحمدية " (الفتوحات ج٢ ص٤٩) .
ويقول في موضع آخر من فتوحاته الضالة: " ومنهم (يعني الأولياء) الختم، وهو واحد لا في كل زمان، بل واحد في العالم يختم الله به الولاية المحمدية فلا يكون في الأولياء المحمدية أكبر منه " (الفتوحات ج٢ ص٩) .
وهذه العقيدة المفتراة التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، وإنما افتراها الترمذي وجاء هؤلاء الملاحدة لينسجوا على منواله، وكل منهم يريد فيها شيئًا، فبالرغم من أن الترمذي لم يفضل خاتم الأولياء المزعوم هذا على خاتم الأنبياء ﷺ فإن ابن عربي جاء من بعده ليزعم أن خاتم الأولياء - يعني نفسه - أفضل من خاتم الأنبياء محمد ﷺ وذلك بناء على تفضيله الولي على النبي كما قال في شعره:
مقام النبوة في برزخ** فويق الرسول ودون الولي
ويأتي إلى حديث النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) .
فيزعم أن اللبنة التي رآها الرسول هي لبنة فضة، وأما خاتم الأولياء فإنه يرى أن الجدار قد نقص لبنتين لبنة فضة ولبنة ذهب، وأنه يرى نفسه قد
[ ٢٥٤ ]
انطبع موضع هاتين اللبنتين. يقول ابن عربي: " ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن، وقد كمل سوى موضع لبنة، فمكان الرسول ﷺ تلك اللبنة، غير أنه ﷺ لا يراها إلا كما قال: لبنة واحدة. وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله ﷺ ويرى في الحائط موضع اللبنتين واللبن، من ذهب وفضة. فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين، فيكمل الحائط ".
والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين، أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر، وهو موضع اللبنة الفضية، وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام. كما هو آخذ عن الله، في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه - فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه آخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول ﷺ. فصوص الحكم ا. هـ الفص الشيسي.
والذين جاؤوا بعد ابن عربي من المتصوفة السائرين في هذا الدرب المظلم رددوا هذه العقيدة في كتبهم وزاد كثير من مشايخهم فزعم لنفسه هذه الولاية الكبرى التي يتم بها -في زعمهم- الولاية، وقد تصدى الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وـ ﵁ لهذه المزاعم في أماكن كثيرة من كتبه ومن ذلك قوله:
" وكذا خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له. وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي. وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حموي، وابن عربي، وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه، إلى غير ذلك من الكفر والبهتان، وكل ذلك طمعًا في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء، وقد غلطوا، فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك، وليس كذلك خاتم الأولياء، فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر - رضي الله
[ ٢٥٥ ]
عنه - ثم عمر ﵁ ثم عثمان ﵁ ثم علي ﵁ وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن نقي يكون في الناس، وليس ذلك بخير الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما " (الفتاوي: ج١١ ص٤٤٤) .
وقال ﵀ أيضًا:
". . إن دعوى المدعي وجود خاتم الأولياء، على ما ادعوه، باطل لا أصل له، ولم يذكر هذا أحد من المعروفين قبل هؤلاء إلا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب (ختم الولاية) وقد ذكر في هذا الكتاب وهو خطأ وغلط مخالف للكتاب والسنة والإجماع. وهو رحمه الله تعالى وإن كان فيه فضل ومعرفة، ومن الكلام الحسن المقبول والحقائق النافعة أشياء محمودة (قلت: رحم الله ابن تيمية: أي شيء محمود في كتابه وقد بناه من أوله لآخره على أن الأولياء معصومون، وأن الله هو يختصهم ويختارهم، وأن التكليف ليس شرطًا في ولايتهم، وأنهم يعلمون الغيب كله. . بل أسس في كتابه ختم الولاية كل أصول الشر لمن جاء بعده)، ففي كلامه من الخطأ ما يجب رده.
ومن أشنعها ما ذكره في ختم الولاية: مثل دعواه فيه أنه يكون في المتأخرين من درجته عند الله أعظم من درجة أبو بكر وعمر وغيرهما: ثم إنه تناقض في موضع آخر، لما حكى عن بعض الناس، أن الولي يكون منفردًا عن الناس، فأبطل ذلك واحتج بأبي بكر وعمر وقال: يلزم هذا أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر " (وأبطل ذلك) .
ومنها أنه ذكر في كتابه ما يشعر أن ترك الأعمال الظاهرة، ولو أنها التطوعات المشروعة، أفضل في حق الكامل ذي الأعمال القلبية، وهذا أيضًا خطأ عند أئمة الطريق. فإن أكمل الخلق رسول الله ﷺ وخير الهدي هدي محمد ﷺ وما زال محافظًا على ما يمكنه من الأوراد والتطوعات البدنية إلى مماته. .
[ ٢٥٦ ]
وقال أيضًا:
" ومنها ما ادعاه من خاتم الأولياء، الذي يكون في آخر الزمان وتفضيله وتقديمه على من تقدم من الأولياء، الذي يكون في آخر الزمان وتفضيله وتقديمه على من تقدم من الأولياء، وأنه يكون معهم خاتم الأنبياء مع الأنبياء، وهذا ضلال واضح، فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثالهم، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة، وخير القرون قرن ﷺ كما في الحديث الصحيح: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)
ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي، (ومهما يكن الأمر) فإن الله يقول: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [يونس: ٦٢] . الآية.، فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا. وهم على درجتين: السابقون المقربون وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين. .
وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقي في الدنيا، فليس ذلك الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم، بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم، الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم. . ".
وقد رد الإمام ابن تيمية ﵀ أيضًا على ما ادعاه الترمذي (الحكيم) في ثبوت العصمة للأولياء بقوله:
". . وإن طائفة تدعي على أن الولي محفوظ وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة -والحكيم الترمذي قد أشار إلى هذا- فهذا باطل مخالف للسنة والإجماع، ولهذا اتفق المسلمون على أن من الناس من يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول ﷺ. . وبهذا صار جميع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسنة، لا بد لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما خالف ذلك فهو باطل. . ".
[ ٢٥٧ ]
وقال أيضًا: " ثم إن صاحب الفصوص (يعني ابن عربي) وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا وساطة والنبي يأخذ بوساطة الملك. ولهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة، وهذا باطل وكذب فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بوساطة الرسول وإن كان محدثًا (يشير الإمام ابن تيمية بقوله (محدثًا) إلى حديث الرسول ﷺ عن عائشة ﵁ اعن النبي ﷺ: أنه كان يقول (قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منم واحد، فإن عمر بن الخطاب منهم) قال ابن وهب: تفسير محدثون أي ملهمون (متفق عليه)، فقد ألقي إليه بشيء وجب عليه أن يزنه بما جاء الرسول من الكتاب والسنة " ا. هـ
ولا يظنن ظان أن قول الإمام ابن تيمية أن الولي يكون (محدثًا) أن الله يكلمه، وإنما ذلك مجرد الإلهام الذي لا يستطيع الولي بأن يجزم بأنه من الله أو من الشيطان إلا بعرضه على ميزان الكتاب والسنة. وباطمئنان قلب المؤمن المتبع لشرع الله إلى مثل هذا الإلهام، وأما هذه المخاريق والخزعبلات والكفر والزندقة التي جاء بها المتصوفة فليست إلا وساوس شياطين إذ كيف يكون إلهامًا من الله وهو يدعي أنه خاتم الأولياء وأنه أفضل من محمد ﷺ وأنه يعلم الغيب كله وأنه يتصرف في الأكوان. . إلخ هذه الكفريات. ولذلك قال الإمام ابن تيمية في هذا الصدد:
" والأولياء وإن كان فيهم محدث، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال [إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم فعمر] فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر، وأبو بكر أفضل منه إذ هو صديق، والمحدث وإن كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم. . " ا. هـ
ولا شك بعد هذا أن دعوى ختم الولاية هي من الكفر الصريح الذي لا يجوز أن يماري فيها مؤمن يعي عن الله وعن الرسول ﷺ لا سيما إذا انضاف إلى ذلك الزعم بتفضيل خاتم الأولياء هذا على خاتم الأنبياء ﷺ. وقد نص ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة على كفر من زعم ذلك كقوله:
[ ٢٥٨ ]
" ومن الأنواع التي في دعواهم، أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من بعض الوجوه، فإن هذا لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذي (قلت: حقًا لم يقل هذا نصًا ولكن ما وصف به خاتم الأولياء المزعوم يجعله في منزلة فوق النبي نفسه) ولا غيره من المشايخ المعروفين. بل الرجل أجل قدرًا وأعظم إيمانًا من أن يفتري هذا الكفر الصريح ولكن أخطأ شبرًا ففرعوا على خطئه ما صار كفرًا.
وأعظم من ذلك زعم (ابن عربي) أن الأولياء والرسل، من حيث ولايتهم، تابعون لخاتم الأولياء وأخذوا من مشكاته. فهذا باطل بالعقل والدين فإن المتقدم لا يؤخذ من المتأخر، والرسل لا يأخذون من غيرهم، وأعظم من ذلك أنه جعلهم تابعين له في العلم بالله، الذي هو أشرف علومهم، وأظهر من ذلك أنه جعل العلم بالله هو مذهب أهل وحدة الوجود، القائلين بأن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق!
فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد درجة (! ! . .) .
فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن تقدمه عليه بالعلم بالله، وتقدم خاتم الأنبياء بالتشريع فقط. وهذا من أعظم الكفر الذي يقع فيه غالية المتفلسفة، وغالية المتصوفة، وغالية المتكلمة، الذين يزعمون أنهم في الأمور العلمية أكمل من الرسل. . وأن الرسل إنما تقدموا عليهم بالتشريع العام الذي جعل لصلاح الناس في دنياهم. وقد يقولون إن الشرائع قوانين عدلية، وضعت لمصلحة الدنيا، فأما المعارف والحقائق والدرجات العليا في الدنيا والآخرة فيفضلون فيها أنفسهم وطرقهم على الأنبياء وطرق الأنبياء " (حيق مذهب الاتحاديين لابن تيمية ص١١٥-١٢٣) .
وأظن بعد هذا الكلام الصريح الواضح والدليل الناصع لا يرتاب مسلم مؤمن بالله في كفر هذه الطائفة المارقة التي فتحت الباب لكل زندقة وكفر ليدخل دين الإسلام، وللأسف إن ذلك كل يحدث باسم التقوى والصلاح والزهد والتصوف والتعبد وإصلاح القلوب، والوصول إلى غاية الدين. وهؤلاء
[ ٢٥٩ ]
المتصوفة في حقيقة أمرهم متبعون في دينهم للملاحدة الذين أرادوا هدم الدين. . واقرأ ما يقوله ابن تيمية أيضًا في ذلك:
" ولهذا كان الملاحدة من المتصوفة على طريقهم، كابن عربي وابن سبعين وغيرهما، قد سلكوا مسلك ملاحدة الشيعة، كأصحاب رسائل إخوان الصفا واتبعوا ما وجدوه من كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغير ذلك مما يناسب ذلك، فصار بعضهم يرى أن باب النبوة مفتوح لا يمكن إغلاقه. فيقول كما كان ابن سبعين يقول: " لقد زَرَّبَ ابن آمنة (ضيق على الناس ويعني بابن آمنة رسول الله ﷺ حيث قال (لا نبوة بعدي) "! أو يرى، لكونه أشد تعظيمًا للشريعة، أن باب النبوة قد أغلق؛ فيدعي أن الولاية أعظم من النبوة وأن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن خاتم الأنبياء بل وجميع الأنبياء إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء. ويقول إنه يوافق النبي في معرفة الشريعة العملية لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وأنه أعلم من النبي بالحقائق العلمية لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول. .
فمحمد عندهم يأخذ من الملك الذي هو عندهم خيال في نفسه، وذلك الخيال يؤخذ عن العقل. فمحمد عندهم يأخذ عن جبريل وجبريل يأخذ عن ما علمه من النفس الفلكية، فزعم ابن عربي أنه يأخذ من العقل، وهو المعدن الذي يأخذ منه جبريل فإن ابن عربي وهؤلاء يعظمون طريق الكشف والمشاهدة والرياضة والعبادة، ويذمون طرق النظر والقياس وما يدعونه من الكشف والمشاهدة، عامته خيالات أنفسهم، ويسمونه حقيقة. . " (الرد على المنطقيين، لابن تيمية ص٤٨٦-٤٨٩) .
محمد عثمان الميرغني وختم الولاية
وممن ادعى ختم الولاية لنفسه محمد عثمان الميرغني السوداني المتوفي سنة ١٢٦٨هـ ـ.
[ ٢٦٠ ]
والذي كان يقول عن نفسه " من رآني ومن رأى من رآني إلى خمسة لم تمسه النار! ولا حرج على ذلك فإن الله يختص برحمته من يشاء " (انظر تاج التفاسير لمحمد عثمان الميرغني ص٤) .
وسمى نفسه الختم، أو خاتم الأولياء، وجعل هذا الاسم أيضًا علمًا على طريقته الصوفية حيث سماها (الختمية) أي خاتمة الطرق جميعًا! ! ومما يدعيه في تفضيل نفسه على سائر الأمة جميعًا بمن فيهم أبو بكر عمر ما يقوله في كتابه الذي سماه تاج التفاسير ص١٣٧ عند قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] . يقول:
" ولما وصلت في التفسير إلى هذا الموضع رأيت في تلك الليلة المصطفى ﷺ في محفل من الرسل الكرام ويقول لي الأنبياء من نوري، وطارت نقطة نور منه فتخلق منها صورة سيدنا إسماعيل الذبيح فقال لي هكذا خلقوا من نوري والأولياء من نور الختم ثم رأيته تلك الليلة عن يمينه جبريل وعن يده اليسرى ميكائيل وأمامه الصديق وخلفه الإمام علي، فقال لي ﷺ بعد أن دنوت منه وقبلت جبهته الكريمة: ما قام بأمر الله والمؤمنين أحد بعدي مثلك شكر الله سعيك فقلت له يا رسول الله، فقال تعبت في المؤمنين ونصحتهم ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك فقلت له أأرضاك ذلك؟ قال أرضاني وأرضى الله من فوق سبع سماواته وعرشه وحجبه. ثم نادى رضوان فقال يا رضوان: عمر جنانًا ومساكن لابني محمد عثمان وأبنائه وصحبه وأتباعه، وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة: ثم قال يا مالك فحضر فقال عمر: في النار مواضع لأعداء محمد عثمان إلى يوم القيامة. وأطال الكلام في الواقعة ونسأل الله التوفيق لشكر النعم بحق المصطفى صاحب الأسرار الجامعة " ا. هـ منه بلفظه. .
وفي هذه الرؤيا المزعومة كل الكفر والشرك. فالأنبياء لم يخلقوا من نور الرسول كما زعم في رؤياه بل النبي ﷺ بشر كسائر الناس في البشرية لقوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
[ ٢٦١ ]
فليس مخلوقًا من نور كما زعموا بل من يقول هذا يجعل الرسول جزءًا من الله وهذا كفر كما قال الله للمشركين ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا إن الإنسان لكفور مبين﴾ [الزخرف: ١٥] .
فمن قال إن الرسول خلق من نور الله فهو كافر، ومن قال أيضًا خلق من نور عرش الله فهو كافر متقول على الله ما لم يقل، متقول على رسول الله ما لم يقله. وأما الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله والذي فيه أن جابرًا سأل رسول الله ﷺ ما أول خلق الله؟ فقال: نور نبيك يا جابر، فهو حديث موضوع باتفاق أئمة الحديث جميعًا على وضعه وأنه كذب محض مخالف لما صح عن الرسول ﷺ من حديث ابن عمر أن أول شيء خلقه الله ﷾ هو القلم فقال له اكتب. قال وما أكتب؟ قال اكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. (متفق عليه)، وأما قوله الأولياء قد خلقوا من نور الختم! ! يعني محمد عثمان الميرغني فهذا ليس كذبًا فقط ولكنه كذب وصفاقة وسخافة تضحك العقلاء، فما النور الذي كان مع محمد عثمان حتى يخلق الله منه جميع الأولياء! ! ومتى كان الأولياء قد خلقوا من نور، والملائكة هم الذين خلقهم الله من النور! ! وأما الأولياء والأنبياء فبشر كالبشر فضلهم الله بعبادته وطاعته والإيمان به. وأما الإدعاء بأن الرسول قد أمر رضوان أن يبني لمحمد عثمان وأتباعه وذريته وأهل بيته. . الخ، هذه السخافات فشيء لم يدعيه الرسول لنفسه فضلًا عن أن يجعلها لرجل كان أهم ما امتاز به هو أن مهد الطريق للاستعمار الإنجليزي في السودان، واستطاع أن يأكل أموال الناس بالباطل بما لا مثيل له فقد استحوذ على أموال البسطاء والمساكين والفقراء. . وأن يتزوج مئات النساء وينجب عشرات الأطفال! ! وأما أن الرسول ﷺ يأمر مالكًا خازن النار أن يعمر مساكن لأعداء محمد عثمان إلى يوم القيامة. . هكذا. . فالنبي لا يأمر ملائكة الله من عند نفسه بل قال له سبحانه: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] ! ! فلا يتصرف في الكون كما يزعمون، بل الرسول عبد كامل العبودية لربه ﷾ يتصرف بأمر مولاه وهو أجل وأعظم ﷺ أن يأتي لرجل في المنام ويعطيه الجنة كما يشاء له ولذريته وأتباعه، ويعطي
[ ٢٦٢ ]
النار لأعدائه. . هكذا. . وأين الله ﷾ أن يتصرف مخلوق في ملكه كما يشاء المخلوق. . ودون الرجوع إلى الخالق ﷾. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وحاشا الرسول ﷺ ما يفتريه عليه المفترون. . وهؤلاء يصدق فيهم قول النبي ﷺ[من أرى عينيه ما لم تراءيا أمر يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل] .
أي أن من قال: رأيت في النوم كذا وكذا وليس بذلك فهذا قد رأى في عينه ما لم ترءيا، وإن كان رأى حقًا فإنما ذلك من الشيطان حتمًا لأن الرسول ﷺ لا يأت بعد مماته بما يخلف شريعته في حياته ﷺ.
أحمد التجاني وختم الولاية
وممن ادعى لنفسه ختم الولاية أيضًا بصفاقة ليس بعدها صفاقة أحمد التجاني الفاسي المتوفي سنة ١٢٣٠هـ - وهذا التجاني جاء ليكذب جميع الذين ادعوا الختمية قبله على ألف سنة تقريبًا. فإذا كان أول من ادعاها هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي المسمى بالحكيم وكان ذلك في أواخر القرن الثالث الهجري فقد جاء التجاني في القرن الثالث عشر ليكذب جميع الذين ادعوا الختمية قبله وليزعم لنفسه أن الله قد ختم الأولياء به حقًا وصدقًا، وأن الرسول ﷺ قد بشره بذلك.
قال صاحب كتاب رماح حزب الرحيم على نحور حزب الشيطان الرجيم:
" قال صاحب الرماح ما نصه: وشيخنا التجاني ولد عام خمسين ومائة وألف ووقع له الإذن من النبي ﷺ يقظة لا منامًا بتربية الخلق على العموم والإطلاق سنة ألف ومائة وست وتسعين، قال أخبرني سيدي محمد الغالي أن الشيخ عاش وهو في مرتبة الختمية ثلاثين سنة وإذا تأملت هذا علمت أن الختمية لم تثبت لأحد قبل شيخنا وأن أحدًا ما ادعاها وثبت على ادعائها لنفسه وأما شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا سيد أحمد بن محمد الشريف الحسني التيجاني قال: أخبرني سيد الوجود ﷺ بأني أنا القطب المكتوم منه إلي مشافهة يقظة لا منامًا فقيل له ما معنى المكتوم؟ فقال هو الذي كتمه الله تعالى عن
[ ٢٦٣ ]
جميع خلقه حتى الملائكة والنبيين إلا سيد الوجود ﷺ فإنه علم به وبحاله وهو الذي حاز كل ما عند الأولياء من الكمالات الإلهية واحتوى على جميعها وأكبر من هذا أن النبي ﷺ قال إن لله ثلاثمائة خلق من تخلق بواحد منها أدخله الله الجنة وما اجتمعت في نبي ولا ولي إلا في سيد الوجود ﷺ وأما الأقطاب الذين بعده حتى الحجة العظمى ابن عربي الحاتمي فإنما يعلمون ظواهرها فقط ويسمون المحمديين وبه ختم الله الأقطاب المجتمعة فيهم الأخلاق والإلهية وهذه الأخلاق لا يعرفها إلا من ذاقها ولا تدرك بالوصف ولا يعرف ما فيها إلا بالذوق وقال إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلى مشافهة لا يعلمها إلا الله ﷿ بلا واسطة قال أنا سيد الأولياء كما كان ﷺ سيد الأنبياء " ا. هـ منه.
وهكذا تعلم أخي المسلم ما يتمتع به هؤلاء القوم من صفاقة وكذب سبقوا به الأولين والآخرين فهؤلاء هم يكذب بعضهم بعضًا، ويدعي كل منهم لنفسه ختم الولاية وهو شيء لم يأت في كتاب ولا سنة وإنما افتراه لهم مفتر فتتابعوا وراءه على مدى ألف ومائة سنة إلى اليوم لم أقرأ عن شيخ صوفي مشهور إلا ادعى هذا لنفسه ولكنني لم أجد أكثر كذبًا وصفاقة من هذا أحمد التجاني الذي ادعى أنه قد تحقق بكل الأخلاق الإلهية وعددها ثلاثمائة خلق ولما يتحقق بها إلا الرسول محمد ﷺ كذا، وجميع الأولياء عرفوا ظاهرها فقط وأما أحمد التيجاني (الكذاب) فقد تحقق بها تمامًا، ثم تسأل أخي المسلم ما هي هذه الأخلاق فيقال لك إنها أخلاق ذوقية لا يعرفها إلا من ذاقها فقط كيف تكون الأخلاق أذواقًا يا قوم، وكيف تكون هذه هي أخلاق الله التي تخلق بها أحمد التجاني حقًا وصدقًا! ! . .
إن هذا المفتري لم يترك فرية من الفرى والأكاذيب التي افتراها من قبله على هذا الطريق الهالك طريق التصوف إلا افتراها هو لنفسه فقد زعم هنا أيضًا أن الله ينزل الفيوض (العلوم الغيبية) على الرسول محمد وأن الرسول محمد هو الذي
[ ٢٦٤ ]
يفاض منه على سائر الأنبياء، ثم يفاض من الأنبياء جميعًا على شخص أحمد التجاني فقط الذي يقوم بإمداد جميع الأولياء. بعد ذلك بهذه العلوم منذ خلق آدم وحتى النفخ في الصور! ! انظر إلى هذا الكذب الملفق ما أعظمه وأشنعه. لقد افترى الفرية رجال قبله فلم يهدأ له بال حتى نسب ذلك إلى نفسه. انظر هنا إلى النص الآتي كيف يناقش من يذكر أمامه فضيلة من الفضائل المزعومة أيضًا لشيخ من شيوخ التصوف. قال صاحب الرماح أيضًا ما نصه:
" ومدده الخاص به (يعني الشيخ التجاني) إنما يتلقاه منه ﷺ ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربًا معهم منه ﷺ قال ﵁ وأرضاه وعنا به مشيرًا بإصبعه السبابة والوسطى روحي وروحه ﷺ هكذا، روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد وسبب ذلك أن بعض أصحابه تحاور مع بعض الناس في قوله ﵁ وأرضاه وعنا به كل شيوخ أخذوا عني في الغيب فحكي له ذلك فأجاب ﵁ وأرضاه وعنا به ما ذكر.
وقال: نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني قال قدمي هذا (كذا) على رقبة كل ولي لله تعالى يعني أهل عصره وأما أنا فقدماي هاتان جميعها (وكان متكئًا فجلس وقال) على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور " ا. هـ. .
فانظر هذا الكذب والإفتراء. فإذا كان الجيلاني قد نسب إليه قوله مفصلًا لنفسه: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى! ! فإن التجاني لم يهدأ باله حتى فسر كلام الجيلاني بأن هذا في وقته فقط وأما هو فقدماه على رقبة كل ولي لله تعالى من خلق آدم إلى النفخ في الصور! ! فانظر إلى هؤلاء الذين يدوسون بأقدامهم على أولياء الله تعالى ويفضلون أنفسهم على هذا النحو. وهذه الكلمات منهم إن دلت على شيء فإنما تدل على مقدار الوقاحة والكذب الذي تحلى به هؤلاء، وعلى مقدار الجهل والفساد والتردي الذي وصلت إليه الأمة بأن تجعل أمثال هؤلاء المفترين الوقحين هم سادتها وقادتها ووسيلتها إلى الله
[ ٢٦٥ ]
وأن تملك رقابها وأموالها وعقولها لأمثال هؤلاء حيث يقودونهم إلى درب الغواية والضلال.
وقد قسم الجيلاني هذا مراتب الأولياء والأنبياء إلى سبع مراتب سماها حضرات قال فيها: الحضرة الأولى: الحقيقة المحمدية. قال: وهذه الحضرة غيب من غيوب الله تعالى لم يطلع عليها أحد ولا عرف شيئًا من علومها وأسرارها وتجلياتها وأخلاقها ولو كان من الرسل والأنبياء لأنها خاصة بالنبي ﷺ.
والثانية الحضرة المحمدية وتمثلها الدائرة الثانية ومن هذه الحقيقة المحمدية مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين. والثالثة حضرة الأنبياء وتمثلها الدائرة الثالثة وأهل هذه الحضرة يتلقون علومهم وأحوالهم وتجلياتهم من هذه الحقيقة المحمدية وخاتم الأولياء أعني الشيخ التجاني له مشرب من هذه الحضرة مع الأنبياء فهو يتلقى المدد رأسًا من النبي ﷺ من حقيقته المحمدية بلا وساطة. الرابعة حضرة خاتم الأولياء وتمثلها الدائرة الرابعة وصاحب هذه الحضرة هو الشيخ أحمد التجاني فهو يتلقى كل ما فاض من ذوات الأنبياء زيادة على ما يتلقاه بلا وساطة من الحقيقة المحمدية ولذلك سمى نفسه (برزخ البرازخ) .
وقال الشيخ التجاني: وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلى مشافهة لا يعلمها إلا الله ﷿ بلا وساطة وقال: أنا سيد الأولياء كما كان النبي ﷺ سيد الأنبياء. ثم قال صاحب الرماح " ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص لأن له مشربًا معهم منه ﷺ "! ! .
الحضرة الخامسة حضرة المتبعين للطريقة التجانية المتمسكين بها. قال الشيخ التجاني في حق أهل هذه الحضرة ما نصه " لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا يا ربنا ما أعطيتنا شيئًا ". وقال الشيخ التجاني لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا أصحاب رسول الله ﷺ.
وقال الشيخ التجاني: كل الطرائق تدخل عليه (كذا) طريقتنا فتبطلها وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره وقال من ترك وردًا من
[ ٢٦٦ ]
أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق أمنه الله في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات.
وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به مصائب الدنيا وأخرى ولا يفلح أبدًا (هامش: قلت فانظر كيف يهدم كل صاحب طريق صوفي طريق غيره من الكاذبين الضالين من أمثاله. واعتبر! !) . ثم قال ناقلًا عن شيخه التجاني كما هو في جواهر المعاني: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا إلا أنا وحدي. ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الدار الآخرة بشرى للمعتقد علي رغم أنف المنتقد. ثم استطرد صاحب الرماح ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين.
الحضرة السادسة حضرة الأولياء وتمثلها الدائرة السادسة وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا (الهدية الهادية ص٣٦) .
انظر ماذا في هذه النصوص من الكفر الصريح والمخالفة الواضحة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمعلوم من الدين ضرورة أن من قال أنا في الجنة فهو في النار كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ لأن هذا غيب بعد رسول الله ﷺ وهؤلاء لم يدعو الجنة لأنفسهم فقط بل ادعوها لكل من صدق أكاذيبهم ولو كان فاجرًا عاصيًا لله زيادة على الكفر بتصديقهم كأن يكون تارك الصلاة زانيًا. . وجعل التجانية هذا، أعني إدخاله العصاة إلى الجنة، فضلًا أعطاه الله إياه وبلغه الرسول بذلك. فانظر. . أقول: العجيب بعد كل هذا الكفر البواح المخرج من ملة الإسلام أن يدعي المدعي أن طريقته هذه مبنية على الكتاب والسنة وأنه لم يأت قط بما يخالفها فانظر هذا التلبيس على الناس، وانظر أي فتنة فتن بها المسلمون بهذا الطريق الصوفي!؟
[ ٢٦٧ ]
الفصل الثالث عشر: الديوان الصوفي الذي يحكم العالم
إكمالًا لإحكام السيطرة الخرافية على العالم، اخترع رجال التصوف بخيالاتهم الشيطانية المريضة. . اخترعوا ديوانًا للأقطاب والأوتاد وسائر صنوف الأولياء عندهم ينعقد في غار حراء، وفي أماكن أخرى أحيانًا ليدير هذا الديوان العالم من خلال قراراته. .
وقد كفانا أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي في كتابه الإبريز المؤنة وقد بسط وشرح بخيال لا يجارى، وبعقلية عندها قدرة عجيبة على الكذب والبهتان، هذا الديوان العجيب على الرغم من أنه غاية في الكفر والزندقة ولا يخلو من طرافة الخرافة. وسأحاول أن تكون تعليقاتي وشرحي لبعض ما جاء في هذا الديوان قليلة وذلك أنني أتصور وأعتقد أيضًا أن الفكرة السيئة يكفي لدحضها وبيان تفاهتها أن يعرفها الناس فلو أن الناس عرفوا الأفكار الصوفية على حقيقتها لما راج التصوف وقامت سوقه ولكن لأنه دائمًا كان يغلف الخرافة والكفر والشرك بالرموز والأسرار، واللف والدوران مع ما يعلنه من التمسك بالكتاب والسنة جعل الناس يتهافتون على ما عندهم ظنًا أن عندهم فعلًا علومًا جديدة وفوائد عظيمة ولكن لو أن الناس فهموا ما عند المتصوفة على حقيقته لتغير الحال. وهذا نمط من الأسرار الصوفية التي يدعي المتصوفة أنهم وصلوا إليها. يقول السلجماسي في وصف الديوان الباطني الصوفي ما يلي:
هيئة الديوان
الباب الرابع في ذكر ديوان الصالحين ﵃ أجمعين
[ ٢٦٩ ]
سمعت الشيخ (يعني بالشيخ عبد العزيز الدباغ الأمي الجاهل الذي يدعي أنه قد علِم علمَ الأولين والآخرين جميعًا)، ﵁ يقول الديوان يكون بغار حراء الذي كان يتحنف فيه الرسول ﷺ قبل البعثة قال ﵁ فيجلس الغوث خارج الغار ومكة خلف كتفه الأيمن والمدينة أمام ركبته اليسرى وأربعة أقطاب عن يمينه وهم مالكية على مذهب مالك بن أنس ﵁ وثلاثة أقطاب عن يساره واحد من كل مذهب ومن المذاهب الأخرى والوكيل أمامه ويسمى قاضي الديوان وهو في هذا الوقت مالكي أيضًا من بني خالد القاطنين بناحية البصرى واسمه سيدي محمد بن عبد الكريم البصراوي ومع الوكيل يتكلم الغوث ولذلك يسمى وكيلًا لأنه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان. قال والتصرف للأقطاب السبعة على أمر الغوث وكل واحد من الأقطاب السبعة تحته عدد مخصوص يتصرفون تحته والصفوف الستة من وراء الوكيل وتكون دائرتها من القطب الرابع الذي على اليسار من الأقطاب الثلاثة فالأقطاب السبعة هم أطراف الدائرة وهذا هو الصف الأول وخالطه الثاني على صفته وعلى دائرته وهكذا الثالث إلى أن يكون السادس آخرها. قال ويحضره النساء وعددهن قليل وصفوفهن ثلاثة وذلك في جهة الأقطاب الثلاثة التي على اليسار فوق دائرة الصف الأول فسحة هناك بين الغوث والأقطاب الثلاثة قال ﵁ ويحضره بعض الكمل من الأموات ويكونون في الصفوف مع الأحياء ويتميزون بثلاثة أمور أحدها أن زيهم لا يتبدل بخلاف زي الحي وهيئته فمرة يحلق شعره ومرة يحدد ثوبه وهكذا. وأما الموتى فلا تتبدل حالتهم فإذا رأيت في الديوان رجلًا على زي لا يتبدل فاعلم أنه من الموتى كأن تراه محلوق الشعر ولا ينبت له شعر فاعلم أنه على تلك الحالة مات، وإن رأيت الشعر على رأسه على حاله لا يزيد ولا ينقص ولا يحلق فاعلم أنه ميت وأنه مات على تلك الحالة، ثانيها أنه لا تقع معهم المشاورة في أمور عالم الأموات قال ﵁ ومن آداب زائر القبور إذا أراد أن يدعو لصاحب القبر ويتوسل إلى الله تعالى بولي
[ ٢٧٠ ]
من أوليائه في إجابة دعوته أن يتوسل إليه تعالى بولي ميت فإنه أنجع للمقصود وأقرب لإجابة دعوته. ثالثها أن ذات الميت لا ظل لها فإذا وقف الميت بينك وبين الشمس فإنك لا ترى له ظلًا وسره أنه يحضر بذات روحه لا بذاته الفانية الترابية وذات الروح خفيفة لا ثقيلة وشفافة لا كثيفة قال لي ﵁ وكم مرة أذهب إلى الديوان أو إلى مجمع من ملجأ الأولياء وقد طلعت الشمس فإذا رأوني من بعيد استقبلوني فأراهم بعين رأسي متميزين هذا بظله وهذا لا ظل له. قال ﵁ والأموات الحاضرون في الديوان ينزلون إليه من البرزخ يطيرون طيرًا بطيران الروح فإذا قربوا من موضع الديوان بنحو مسافة نزلوا إلى الأرض ومشوا على أرجلهم إلى أن يصلوا إلى الديوان تأدبًا مع الأحياء وخوفًا منهم. قال وكذا رجال الغيب إذا زار بعضهم بعضًا فإنه يجيء بسير روحه فإذا قرب من موضعه تأدب ومشى مشي ذاته الثقيلة تأدبًا وخوفًا. قال وتحضره الملائكة وهم من وراء الصفوف ويحضر أيضًا الجن الكمل وهم الروحانيون وهم من وراء الجميع وهم لا يبلغون صفًا كاملًا قال ﵁ وفائدة حضور الملائكة والجن أن الأولياء يتصرفون في أمور تطيق ذواتهم الوصول إليها وفي أمور أخرى لا تطيق ذواتهم الوصول إليها فيستعينون بالملائكة وبالجن في الأمور التي لا تطيق ذواتهم الوصول إليها " ا. هـ منه بلفظه (الإبريز ص١٦٣، ١٦٤) .
الغوث الصوفي هو بمنزلة رب الأرباب عندهم أو كبير المتصوفين في هذا العالم، وهناك عدد كبير جدًا من المتصوفة زعم أنه وصل إلى هذه المرحلة (الغوثية أو القطبية والقطبانية الكبرى) منهم الدباغ هذا وكان أميًا جاهلًا لا يحفظ حزبًا من القرآن الكريم (وانظر معنى الغوث في فصل الولاية الصوفية) وجعلوا هذا الغوث الذي يدبر العالم من غار حراء جعلوا في خدمته الأقطاب والأوتاد والنجباء وسائر الأولياء بل والملائكة والجن أيضًا. . ولم يقصروا الحضور على الأحياء فقط بل جعلوا الحضور للأموات أيضًا. .
[ ٢٧١ ]
زعمهم أن النبي ﷺ يحضر الديوان
ولم يكتف هؤلاء الشياطين بأنفسهم لحضور هذه الخيالات حتى زعموا أيضًا أن الرسول يحضر معهم: قال (أي الدباغ): " وفي بعض الأحيان يحضره النبي ﷺ فإذا أحضر ﵇ جلس في موضع الغوث وجلس الغوث في موضع الوكيل للصف، وإذا جاء النبي ﷺ جاءت معه الأنوار التي لا تطاق دائمًا وهي أنوار محرقة مفزعة قاتله لحينها، وهي أنوار المهابة والجلالة والعظمة حتى إننا لو فرضنا أربعين رجلًا بلغوا في الشجاعة مبلغًا لا مزيد عليه ثم فجؤوا بهذه الأنوار فإنهم يصعقون لحينهم إلا أن الله تعالى يرزق أولياءه القوة على تلقيها ومع ذلك فإنه قليل منهم هو الذي يضبط الأمور والتي صدرت في ساعة حضوره ﷺ. قال وكلامه ﷺ مع الغوث قال وكذلك الغوث إذا غاب ﷺ تكون له أنوار الخارقة حتى لا يستطيع أهل الديوان أن يقربوا منه بل يجلسون منه على بعد فالأمر الذي ينزل من عند الله تعالى لا تطيقه ذات إلا ذات النبي ﷺ وإذا خرج من عنده ﷺ فلا تطيقه ذات إلا ذات الغوث ومن ذات الغوث يتفرق على الأقطاب السبعة ومن الأقطاب السبعة تفرق على أهل الديوان " ا. هـ منه بلفظه (الإبريز ص١٦٤) .
ساعة انعقاد الديوان
ويستطرد السلجماسي قائلًا: " وأما ساعة الديوان سبق الكلام عليها وإنها هي الساعة التي ولد فيها النبي ﷺ وإنها هي ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخير التي وردت بها الأحاديث كحديث: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له. . . الحديث. قلت
[ ٢٧٢ ]
ومن أراد أن يظفر بهذه الساعة فليقرأ عند إرادة النوم ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا. .﴾ [الكهف: ١٠٧: ١١٠] . إلى آخر السورة ويطلب من الله تعالى أن يوقظه في الساعة المذكورة فإنه يفيق فيها ذكره الشيخ عبد الرحمن الثعالبي ﵁ وقد جربناه ما لا يحصي وجربه غيرنا حتى إنه وقع لجماعة غير مأمورة أن يقرأوا الآية المذكورة ويطلبوا من الله تعالى الإفاقة في الساعة المذكورة كل منهم يفعل ذلك في خاصة نفسه من غير أن يعلم به صاحبه وإذا أفاقوا أفاقوا جميعًا في وقت واحد " انتهى منه بلفظه (الإبريز ص١٦٤) .
زوجات النبي ﷺ والديوان
ويستمر السلجماسي في خيالاته الشيطانية فيقول: " وسألته ﵁ هل يحضر الديوان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى وغيرهما من الرسل على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقال ﵁ يحضرونه في ليلة واحدة في العام قلت فما هي قال في ليلة القدر فيحضره في تلك الليلة الأنبياء والمرسلون ويحضره الملأ الأعلى من الملائكة المقربين وغيرهم ويحضره سيد الوجود ﷺ ويحضر معه أزواجه الطاهرات وأكابر صحابته الأكرمين ﵁ م أجمعين " انتهى بلفظه (الإبريز) .
قلت يتعجب المسلم كيف تأتي لهؤلاء هذه القدرة على الكذب والبهتان، وكيف قادتهم الشياطين لمثل هذه الافتراءات التي يتضاحك منها الصبيان فضلًا عن العقلاء. فالحمد لله الذي نجانا وهدانا وأخرجنا برحمته من ظلمات هذه الوثنية إلى نور الإسلام والاستظلال بظلال القرآن الحكيم والسنة النبوية المطهرة وأبعدها عن تخريفات أهل البهتان.
[ ٢٧٣ ]
زعمهم حضور الملائكة للديوان
ثم يقول السلجماسي " وسمعته ﵁ يقول إن الديوان أولًا كان معمورًا بالملائكة ولما بعث الله النبي ﷺ جعل الديوان يعمر بأولياء هذه الأمة فظهر أن أولئك الملائكة كانوا نائبين عن أولياء هذه الأمة المشرفة حيث رأينا الولي إذا خرج إلى الدنيا وفتح الله عليه وصار من أهل الديوان فإنه يجيء إلى موضع مخصوص في الصف الأول أو غيره فيجلس فيه ويصعد الملك الذي في ذلك الوضع وهكذا كانت بداية عمارة الديوان حتى كمل ولله الحمد كلما ظهر ولي صعد ملك وأما الملائكة الذين هم باقون فيه يكونون في الصفوف الستة كما سبق فهم ملائكة ذات النبي ﷺ الذين كانوا حفاظًا لها في الدنيا ولما كان نور ذاته ﷺ مفرقًا في أهل الديوان بقيت ملائكة الذات الشريفة مع ذلك النور الشريف. قال ﵁ وإذا حضر النبي ﷺ في الديوان وجاءت معه الأنوار التي لا تطاق بادرت الملائكة الذين مع أهل الديوان ودخلوا في نوره ﷺ فما دام النبي ﷺ في الديوان لا يظهر منهم ملك فإذا خرج النبي ﷺ رجع الملائكة إلى مراكزهم والله أعلم " (الإبريز ص١٧٤) .
ولست أدري لماذا يقول هؤلاء الكذابون بعد كل هذا الدجل والكذب (والله أعلم) ماذا تفيدهم هذه الكلمة العظيمة في هذا الموضع الذي يكذبون فيه على الله. إنهم بزعمهم يتكلمون على حقائق وعلوم وأسرار غيبية زعموا أنهم رأوها وشاهدوها وليست عندهم مجرد ظن أو اجتهاد فلماذا يقولون بعد ذلك والله أعلم وهم يعلمون يقينًا أنهم يكذبون ويفترون، ويضحكون على عقول الدهماء والتي تسير وراءهم وتصدقهم.
أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين أعضاء في الديوان:
[ ٢٧٤ ]
ويستمر السلجماسي في خيالاته الفاجرة فيقول:
" قال ﵁ وإذا حضر سيد الوجود ﷺ مع غيبة الغوث فإنه يحضر معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين وأمهما فاطمة الزهراء تارة كلهم وتارة بعضهم ﵃ أجمعين، قال وتجلس مولاتنا فاطمة مع جماعة النسوة اللاتي يحضرن الديوان في جهة اليسار كما سبق وتكون مولاتنا فاطمة أمامهن ﵂ وعنهن قال ﵁ وسمعتها ﵁ اتصلي على أبيها ﷺ ليلة من الليالي وهي تقول اللهم صل على من روحه محراب الأرواح والملائكة والكون اللهم صل على من هو إمام الأنبياء والمرسلين اللهم صل على من هو إمام أهل الجنة عباد الله المؤمنين وكانت تصلي عليه ﷺ لكن لا بهذا اللفظ وإنما أنا استخرجت معناه. والله أعلم " انتهى (الإبريز ص١٦٨) .
لغة أهل الديوان
ويقول أحمد بن مبارك:
" سمعته ﵁ يقول إن لغة أهل الديوان ﵁ م هي السريانية لاختصارها وجمعها المعاني الكثيرة ولأن الديوان يحضر الأرواح والملائكة والسريانية هي لغتهم ولا يتكلمون العربية إلا إذا حضر النبي ﷺ أدبًا معه " ا. هـ (الإبريز ص١٦٨) .
ولست أدري لماذا يجمع المتصوفة تقريبًا على اختيار اللغة السريانية لغة للديوان، ولمعاني الحروف، وللأذكار فإما للتلبيس على الناس لأنها لغة منقرضة لا توجد إلا في قرية واحدة الآن من قرى سوريا ولا يتكلمها إلا نحو خمسمائة شخص فقط، أو لأن هذه اللغة كانت لغة أقوام اشتهروا بعبادة الجن والأوثان وهذا الذي يبدو فإن هذه اللغة كانت لأقوام وثنيين من عبدة الجن والكواكب وما يزال كثير من هذه القرية التي يتكلم أصحابها بهذه اللغة مهجورًا مسكونًا بالجن.
[ ٢٧٥ ]
أولياء يحضرون الديوان بأرواحهم فقط:
ثم يقول السلجماسي: " وسمعته ﵁ يقول إن الصغير من الأولياء يحضر بذاته وأما الكبير فلا تحجير عليه يشير ﵁ إلى أن الصغير إذا حضر غاب عن محله وداره فلا يوجد في بلدته أصلًا لأنه يذهب إليه بذاته. وأما الكبير فإنه يدبر وعلى رأسه فيحضر ولا يغيب عن داره لأن الكبير يقدر على التطور على ما شاء من الصور لكمال روحه تدبر له إن شاء ثلاثمائة وست وستون ذاتًا بل سمعت الشيخ ﵁ مرة وأنا معه خارج باب الحبشة أحد أبواب فاس حرسها الله يقول: ايش هو: الديوان والأولياء الذين يقيمونه كلهم في صدري وسمعته مرة يقول إنما يقام الديوان في صدري " (الإبريز ص١٦٧) .
ولعل الكلمة الأخيرة التي قالها الدباغ هي أصدق ما قال أعني أن الديوان يقام فقط في قلبه المريض وفي عقله المجنون وأما ذكره من غار حراء والأولياء والأنبياء والرسل وسائر هذه التخريفات فلا صحة لها.
الديوان يعقد في صحراء السودان أحيانًا
الصحراء السودانية مكان آخر لانعقاد الديوان يقول السلجماسي: " (وسألته) ﵁ هل يكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء فقال ﵁ نعم يكون في موضع آخر مرة في العام لا غير وهذا الموضع يقال له زاوية أَسَا بفتح الهمزة والسين بعدها ألف خارج أرض سوس بينها وبين أرض غرب السودان فيحضر أولياء السودان ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة ويأذن الله تعالى ويسوق أهل آفاق تلك الأراضي ويجتمعون بالوضع المذكور قبل تلك الليلة بيوم أو يومين وبعدها كذلك يجتمع في ذلك السوق من التبر ما لا يحصى فقلت وهل ثم مع آخر في غير هذين الموضعين فقال نعم يجتمعون
[ ٢٧٦ ]
ولكن لا يجتمع نحو العشرة منهم في موضع قط إلا في الموضعين السابقين لأن الأرض لا تطيقهم لأنه تعالى أراد تفرقهم في الأرض وفي الخلق والله تعالى أعلم " ا. هـ منه بلفظه (الإبريز ص٧٣) .
ماذا لو غاب الغوث:
ويقول السلجماسي أيضًا: " وسمعته ﵁ يقول قد يغيب الغوث عن الديوان فلا يحضر فيحصل بين أولياء الله تعالى من أهل الديوان ما يوجب اختلافهم فيقع منهم التصرف الموجب لأن يقتل بعضهم بعضًا فإن غالبهم اختار أمرًا وخالف الأقل في ذلك فإن الأقل يحصل فيهم التصرف السابق فيموتون جميعًا وقد اختلفوا ذات يوم في أمر فقال طائفة منهم قليلة إن يكن لكم ذلك الأمر فلتمت فقالت الطائفة الكثيرة فموتوا إن شئتم فماتت الطائفة القليلة قال ﵁ فإن تكافأ الفريقان إن حصل التصرف فيهم معًا فقلت فإنهم أهل بصيرة وكشف فلم يحصل بينهم النزاع وهم يشاهدون مراد الله تعالى ببصيرتهم فقال ﵁ إذا كان الأقل هو المخالف فإن الله يحجبهم عن المراد حتى ينفذ ما فيهم وإذا تكافأ الفريقان فإن مراد الحق سبحانه يخفى على الجميع لأن قلوب الأولياء الأوفياء مظاهر الأقدار وقد اختلفت وتكافأت فقلت فما سبب غيبة الغوث ﵁ عن الديوان فقال ﵁ سببه أحد أمرين إما غيبته في مشاهدة الحق سبحانه فلهذا لا يحضر في الديوان وإما كونه في بداية توليته كما إذا كان بقرب موت الغوث الذي قبله فإنه قد لا يحضر في بداية الأمر حتى تتأنس ذاته شيئًا فشيئًا قال ﵁ وقد يحضر سيد الوجود ﷺ في غيبة الغوث فيحصل لأهل الديوان من الخوف والجزع من حيث إنهم يجهلون العاقبة في حضوره ﷺ ما يخرجهم عن جناسهم حتى إنه لو
[ ٢٧٧ ]
طال ذلك أيامًا لانهدم العوالم " (الإبريز ص١٦٨) .
الغوث الصوفي دكتاتور كبير
وأما الغوث هذا فهو أخطر دكتاتور فإن أي أحد لا يستطيع أن يفتح فمه عنده يقول السلجماسي:
" وسألته مرة فقلت: إذا حضر الغوث فهل يقدر أحد على مخالفته فقال ﵁ لا يقدر أن يحرك شفته السفلى بالمخالفة فضلًا عن النطق بها فإنه لو فعل ذلك لخاف على نفسه من سلب الإيمان فضلًا عن شيء آخر والله أعلم " (الإبريز ص١٦٩) .
ولست أدري ما دام هذا هو حال غوثهم مع سائر أوليائهم المزعومين فلماذا الحضور إذن في هذا الديوان هل هو لمجرد تلقي الأوامر فقط. .؟ !
أولياء ينظرون في اللوح المحفوظ
ويستطرد السلجماسي مبينًا مراتب الأولياء الذين يحضرون ديوانهم المكذوب فيقول: " وسمعته ﵁ يقول ليس كل من يحضر الديوان من الأولياء يقدر على النظر في اللوح المحفوظ بل منهم من يقدر على النظر فيه ومنهم من يتوجه إليه ببصيرته ويعرف ما فيه ومنهم من لا يتوجه إليه لعلمه بأنه ليس من أهل النظر إليه قال ﵁ كالهلال فإن رؤية الناس إليه مخالفة " ا. هـ.
وأقول ألا لعنة الله على من كذب مثل هذا الكذب الذي لم تعرف البشرية له مثيلًا من قبل قط. . ولكن العجيب أن ينشر مثل هذا الفكر المجنون عند أناس يقرأون كتاب الله الذي يقول ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض
[ ٢٧٨ ]
الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النمل: ٦٥] .
لماذا يجتمع أهل الديوان:
والآن نأتي إلى بيت القصيد كما يقولون فلماذا يجتمع أهل الديوان؟ يقول السلجماسي: " وسمعته ﵁ يقول أن أهل الديوان إذا اجتمعوا فيه اتفقوا على ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله من الغد فهم ﵃ يتكلمون في قضاء الله ﷿ في اليوم المستقبل والليلة التي تليه قال ﵁ ولهم التصوف في العوالم كلها السفلية والعلوية وحتى في الحجب السبعين وحتى في عالم الرقا (بالراء وتشديد القاف) وهو ما فوق الحجب السبعين فهم الذين يتصرفون فيه وفي أهله وفي خواطرهم وما تهمس به ضمائرهم فلا يهمس في خاطر واحد منهم شيء إلا بإذن أهل التصرف ﵁ م أجمعين وإذا كان هذا في عالم الرقا الذي هو فوق الحجب السبعين التي هي فوق العرش فما ظنك بغير من العوالم " (الإبريز ص١٦٩) . .
فانظر كيف يتحكم هؤلاء بخيالاتهم وكذبهم ليس في الأرض فقط بل في الأرض والسماء وما فوق السماء من الحجب والعرش، فماذا أبقى هؤلاء الكاذبون المارقون لله ﷾ ليتصرف فيه. . تَبَّتْ عقول استساغت مثل هذا الكذب واعتقدت مثل هذا الهراء! !
[ ٢٧٩ ]