الباب الثاني: في تنزيه الله ورسله عن الكذب
المتعمقون يردون كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة في العقائد، فمنهم من ردها مع تصريحه بأن كثيرًا منها لا يحمل إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع إنما أتي بها مجاراة لعقول الجمهور ليمكن انقيادهم للشرع العملي.
ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقاُ، زاعمًا أن ظهورها في معنى اعتقادي أو صراحتها فيه، اومبالغتها في تأكيده، كل ذلك لا يمكن أن يعلم به أن ذاك المعنى هو مراد المتكلم لدلالة النظر العقلي المتعمق فيه، أو الكشف التصوفي على بطلان كثير من تلك المعاني في زعمه واحتمال مثل ذلك في الباقي.
ومنهم من لم يصرح بما ولكنه قدم غيرها عليها وتعسف في تأويلها تعسفًا مخرجًا عن قانون الكلام، أو اقتصر - مع زعمه أن المعاني المفهومة منطا باطلة - على زعم أن لها معاني أخرى صحيحة لا حاجة إلى معرفتها.
فتحصل من كلامهم حملهم لتلك النصوص على الكذب، أما القول الأول فواضح، وأما الثاني فقريب منه كما يأتي، وأما الثالث فيلزمه ذلك.
تنزيه الله ﵎ عن الكذب
مما علم من الدين بالضرورة وشهدت به الفطرة السليمة والعقول المستقيمة أن من
[ ٨٥ ]
المحال الممتنع أن يقع الكذب من رب العالمين، وكيف يتصور وقوعه منه؟ وهو عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الحكيم الحميد الذي له الحمد كله، وإنما تخبط في ذلك متأخروا الأشعرية. وكأن الموقع لهم في التخبط ما ألزمهم به المعتزلة في مسألة القدر، - والخوض في القدر أم كل بلية - ولأمر ما ورد في الشرع النهي عن ذلك وشدد فيه السلف.
وإيضاح هذا أن الأشعرية لما صار قولهم إلى أن العباد مجبورون على أفعالهم، قال لهم المعتزلة: كيف يجبر الله تعالى خلقه على الكفر والفجور ثم يعاقبهم عليه، وهذا قبيح ومفسدة والله تعالى منزه عن القبائح، وأفعاله مبنية على المصالح، فاضطرب الأشعرية في هذا ثم لم يجدوا محيصًا إلا أن يجحدوا هذين الأصلين، فقالوا: الأفعال كلها سواء عند العقل ولا يدرك منها حسنًا ولا قبحًا، والله ﷿ لا يفعل لشيء، ولا لأجل، إنما يفعل ما يريده، وإرادته لا تعلل بشيء البتة. فقال المعتزلة: فيلزمكم أن يجوز عقلًا أن يكذب الله تعالى، فحاول بعض الأشعرية التملص من هذا الإلزام بوجهين:
الأول: أن الكذب نقص والله سبحانه منزه عن النقص.
الثاني: أنه لو جاز لكان قديمًا، وما ثبت قدمه استحال عدمه فيمتنع الصدق. فلم ير بقية الأشعرية هذين الوجهين شيئًا.
أما الأول فلأنه لم يقم برهان عندهم - زعموا - على براءته تعالى من النقص، ومن قال منهم بالبراءة، إنما يقول به في الصفات لا في الأفعال، فأما النقص في الأفعال فهو القبح العقلي الذي ينكرونه.
وأما الثاني فلإنه لو تم يختص بما يسمونه الكلام النفسي، والنزاع إنما هو في الكلام اللفظي.
فصار الأشعرية إلى التزام أنه يجوز عقلًا أن يقع الكذب من الله ﵎، ثم حاولوا القول بأنه وإن جاز عقلًا فلا يقع، لأن النبي ﵌
[ ٨٦ ]
أخبر بأن كلام الله تعالى كله صدق. فقالت المعتزلة: إنما ثبتت نبوة النبي بإخبار الله ﷿ بأنه صادق، وذلك بإظهار المعجزة على يده إظهار مستلزمًا لذاك الإخبار، إذ هو بمنزلة أن يقول تعالى: صدق في دعواه أنني أرسلته.قالوا: فإن كان العقل يجوز وقوع الكذب من الله تعالى جاز أن يكون هذا الخبر كذبًا، فلا يكون مدعي النبوة نبيًا، فتجويزكم عقلًا أن يقع الكذب من الله تعالى يلزمه أن لا تثبت نبوة محمد يكون لكم أن تحتجوا على نفي وقوعه بخبر؟ أجاب الأشعرية بأن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة عادية، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقبها، قالوا: «فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكنًا عقلًا فمعلوم انتفاؤه عادة» .
قال العضد: «وقد ضربوا لهذا مثلًا قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد الجم الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال الملك: إن كنت صادقًا فخالف عادتك وقم من الموضع المعتاد لك من السرير واقعد بمكان لا تعتاده، ففعل كان ذلك بمنزلة التصديق بصريح مقاله ولم يشك أحد في صدقه بقرينة الحال، وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا للتفهيم» .
أقول: الذين شاهدوا المعجزات لم يوقنوا جميعًا بل بقي كثيرون منهم مرتابين، وفي القرآن كثيرة نصوص تصرح بذلك، وهذا يدفع أن يكون الله ﷿ أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقب المعجزة.
فإن قيل، الذين بقوا مرتابين إنما ارتابوا لعدم علمهم بأن ذلك فعل الله ﷿ بل جوزوا السحر.
قلت: فإذا لم يقع العلم بالصدق إلا لمن علم أن ذلك فعل الله ﷿ فهذا نظير المثال الذي ذكروه، فلوفرضنا فيه أن ذلك الجم الغفير كانوا يعتقدون أن الملك لا يبالي أصدق أم كذب ولا أَفَعَل ما تقتضيه الحكمة أم ما آتاه، لم يحصل لهم بقيامه
[ ٨٧ ]
حديث: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وبيان أنها ليست من المعاريض وأنها وقعت قبل النبوة
وقعوده أدنى ظن، فصلًا عن الظن الغالب، فضلًا عن العلم، فأما إذا كانوا يعتقدون أنه لا يفعل شيئًا لأجل شيء فالأمر أشد. فثبت أن الذين يعلمون أن المعجزة من فعل الله ﷿ وإنما يصدقون لا اعتقادهم أن الله تعالى منزه عن أن يقع منه الكذب أو فعل مناقض للحكمة، وهذا الاعتقاد هو مقتضى الفطر الزكية والعقول النقية وهو اعتقاد كل من يؤمن حق الإيمان بوجود الله تعالى وكمال علمه وقدرته حتى من الأشاعرة أنفسهم، يعتقدون ذلك بمقتضى فطرهم، وإن أنكروا بألسنتهم.
تنزيه الأنبياء عن الكذب
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله ﷿، وأن من كذب نبيًا في خبر من ذلك فقد كفر، ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله ﷿، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه.
فإن قيل: قد جوز بعض الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوز أن يخطئ النبي لكنه إن أخطأ نبهه الله ﷿ فورًا، ولعل من يجيز من هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة.
قلت: إن جاز الخطأ فإنما يخبر النبي بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق، فإن بان خطأ ظنه لم يقل له: كذبت، وإن قيل: كذب ظنك، فأما الأمور الدنيوية فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبرًا عن الله ﷿ فكالأمور الدنيوية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمد الكذب فيها، وأو رد على ذلك كلمات إبراهيم ﵇. وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » فذكر تلك الكلمات، وفي (مسند أحمد) من حديث ابن عباس نحوه، وفي (الصحيحين) من حديث أنس مرفوعًا ذكر فزع الناس إلى الأنبياء يوم
[ ٨٨ ]
القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم فنوحًا فإبراهيم فموسى فيعتذر كل من هؤلاء بتقصير كان منه في الدنيا، فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: «فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته» . زاد مسلم: «التي أصاب فيستحي ربه منها» وفي رواية للبخاري في «كتاب التوحيد»: فيقول: لست هنا كم - ويذكر خطاياه التي أصابها» وفي أخرى: «ويذكر ثلاث كذبات كذبهن» وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا وفيه قول إبراهيم في عذره: «إن ربي قد غضب اليوم وإني كنت كذبت ثلاث كذبات» لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء)، ولفظ مسلم: «إن ربي قد غضب اليوم ، وذكر كذباته» وقد جاء الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة. فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات «كذبات» يدفع أن تكون من المعاريض التي لا راحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديدا التقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وصح عنه أنه قال: «نحن أولى بالشك من إبراهيم » وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: «ذاك إبراهيم» فكيف يظن به أن يقول: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» وه يعلم أنها ليس من الكذب في شيء، مع أنه تحرى في هذا الحديث الثناء على إبراهيم فبين أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث ثم قال: «ثنتين منهم في ذات الله ﷿، وقوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا»، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتي على جبار من الجبابرة » .
فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح من المستثنى منه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد سماها في الحديث الآخر «خطايا» ونظمها في سلك أكل آدم من الشجرة وقتل موسى للنفس، وحكم إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتتقضى إستحياءه من ربه لأجلها فالجواب عن تلك
[ ٨٩ ]
الكلمات بأنها ليس بكذب كما ترى.
وثم وجب آخر وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم ﵇ قبل نبوته، وكما أن قتل موسى للنفس كذلك فقد قص الله تعالى عنه أنه ذُكر بتلك الفعلة فقال: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء: ٢٠-٢١.
وقريب من ذلك حال آدم، فإن أكله من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا»، وهي إحدى الكلمات: «قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» الأنبياء: ٥٩ - ٦٣.
والكلمة الثانية وهي قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ»، كانت قبل ذلك.
فأما الثالثة وهي قوله: «هي أختي» فالظاهر والله أعلم أنها بعد ذلك، ولكن في سياق القصة ما قد يشعر بأنها كانت قبل النبوة، فإطلاقهم عليه «فتى» ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في (المصباح)، وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نبئوا بعد بلوغ كل منهم أربعين سنة كما وقع لنبينا ﵊، ز جزم به القاضي أبوبكر ابن العربي وآخرون، وتاولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب.
فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعوقبل النبوة؟
قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله ﷿: «وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» . ثم ذكر القمر والشمس «فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
[ ٩٠ ]
تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ » الأنعام: ٧٥ - ٨٠.
فكان يحاج قومه بما هداه الله إليه بنظره.
فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشد.
قلت: قد ذكر في بعض الروايات لكن قيل إنه خطأ من الرواي. وعلى هذا فقد يقال إنما تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي ﵌: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» يعم الطفولة. وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يرد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، ورده، وروي عن ابن عباس ما ينص على أن الكلام على الإخبار وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه، ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر
وجّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك أقرب إلى جرهم إلى الحق، وعلى هذا فهذه الكلمة أشد من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك كما مر.
فإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقًا؟
قلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع، فإن إبراهيم ﵇ قال ذلك قبل أن تعرض عليه، فضلًا عن أن تقوم عليه حجة بنظر ولا غيره وهو حريص على معرفة الحق، باذل وسعه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق، فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح.
[ ٩١ ]
الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع عمدا أو خطأ
فإن قيل: فعلى هذا أيضًا يبقى الإشكال بحاله أو أشد فإن قوله: «هذا ربي» يكون خبرًا مخالفًا للواقع ظاهرًا وباطنًا، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها مخالفًا الواقع فظاهرًا فقط.
قلت: تلك الثلاث كانت عمدًا أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع، وأم قوله: «هذا ربي» فخطأ محض غير مؤاخذ به (١) . والمتبادر من قولهم «لم يكذب فلان» نفي أن يكون وقع منه إخبار بخلاف الواقع يلام عليه، وفي (صحيح مسلم) في أحاديث البكاء على الميت «فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ» وفي رواية «قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطيء» . وقولهم: «كذب فلان» المتبادر منه أنه تعمد أو أخطأ خطأ حقه أن يلام عليه، ومن ذلك حديث «كذب أبو السنابل» وقول عبادة: «كذب أبو محمد» وقول ابن عباس: «كذب نوف» وما أشبه ذلك، والكذب لغة هو مخالفة الخبر - أي ظاهره الذي لم تنصب قرينة على خلافه - للواقع مطلقًا، لكن لشدة قبح الكذب وأن العمد أغلب من الخطأ كان قولنا: «كذب فلان» مشعرًا بذمه فاقتضى ذلك أن لا يؤتى بذلك حيث ينبغي التحرز عن الإشعار بالذم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
هذا، ولم يرد إبراهيم ﵇ بقوله: «هذا ربي»، رب العالمين، وإنما بنى على ما كان يقوله قومه في الكواكب أن أرواح الملائكة متعلقة بها مدبرة بواسطتها ما أقدرها الله عليه، أو شافعه إليه، ولما رأو اأن الكواكب لا تكون ظاهرة أبدًا اتخذوا الأصنام تذكارات لها ولأرواحها، وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب
_________________
(١) هذا هو الجواب عن عدم ذكرها مع الثلاث، ثم ظهر لي جواب آخر، وهو أن قوله «هذا ربي» لم يكن إخبارًا منه لغيره بل لعله لم يكن عنده أحد وإنما قال ذلك على وجه الاعتراف كالمخاطب لنفسه، وجواب ثالث وهو أن القرائن تدل أنه إنما بنى على ظنه فكأنه قال: «أظن هذا ربي» ومن ظن أمرًا فأخبر بأنه يظنه فهو صادق وإن أخطأ ظنه كما مر ويأتي إيضاحه. المؤلف
[ ٩٢ ]
قصة إبراهيم مع الملك الجبار وقوله: هي أختي
تقربًا إلى تلك الأرواح، ويقولون: أن الله رب الأرباب وآله الآلهة وقد أوضحت هذا بدلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف والآثار التاريخية والمقالات في كتاب (العبادة) ولله الحمد.
وعلى كل حال فتلك الكلمات أن ترجح أنها داخلة فيما يسمى كذبًا فهي من أخف ذلك وأهونه ولنبين ذلك في إحداها:
دخل إبراهيم ومعه امرأته (سارة) بلدًا كان ملكه جبارًا، إذا سمع بامرأة جميلة أخذها فإن كان لها زوج بطش به، فلما سمع الجبار بسارة أرسل إلى إبراهيم فسأله عنها فخاف أن يقول: امرأتي، فيبطش به، وأن يقول: أجنبية عني، فيقال: فما شأنك معها؟ فقال: هي أختي، واراد الأخوة الدينية. فإطلاق أخ وأخت في الأخوة الدينية شائع ذائع، فاحتمال الخبر للمعنى الواقع قريب كما ترى، ومع ذلك فهناك قرينة من شأنها إذ تبه لها المخاطب أن توهن الظاهر، وهي أن تلك الحال يحتاج من وقع في مثلها إلى التورية والإيهام خلاف الواقع ليدفع عن نفسه الظلم، ويدفع عن مخاطبيه الوقوع في الظلم، ولا تترتب على ذاك الإيهام مفسدة، فقد يقال: إن هذه الحال إذا نظر إليها على هذا الوجه ولوحظ أن الخبر محتمل إحتمالًا قريبًا لغير ظاهره صار الخبر مجملًاَ محتملًا لكل من المعنيين على السواء، فعلى هذا لا يكون كذبًا. لكن قد يرد على هذا أن تلك الحال إذا لوحظت إنما تقتضي أن من وقع فيها قد يترخص في الكذب، فالاعتداد بها لا يبرئ الخبر عن إسم الكذب، ألا ترى أنه لوعلم الجبار بالواقع لكان له أن يقول لإبراهيم: لم كذبت؟
وعلى كل حال فالأحاديث أطلقت على تلك الكلمات: كذبات، فإن كانت كذلك حقيقة فقد يتعين أنها كانت قبل النبوة كما مرة، وإلا فسواء أكانت قبلها أم بعدها فالأحاديث صريحة بأنها - بالنظر لما فيها من شبه الكذب - هي مما يعد وقوعه من مثل إبراهيم ﵇ خطيئة، فينبغي أن لا يكون وقع مثلها فضلًا عما هو أشد منه من محمد ﵌ لأنه مبعوث إلى الناس كافة من
[ ٩٣ ]
عصمة النبي ﷺ من الكذب قبل النبوة وبعدها
حين بعث إلى يوم القيامة فالعناية بشأنه آكد، وهذا هو الواقع.
أما قبل النبوة فقد شهد له أعدائه بالصدق والأمانة حتى سموه «الأمين»، ولم يستطيعوا مع إسرافهم في عداوته، واضطرارهم إلى صد الناس عن إتباعه، أن يذكر أحدهم أنه كذب أو وقع منه ما يشبه الكذب، وقد سئل هرقل أبا سفيان أشد المشركين عدواة للنبي ﵌ يومئذ وأحرصهم على أن يعيبه كما يعلم من سياق القصة في أوائل (صحيح البخاري) وغيره، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه (يعني النبي ﵌) بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ (يعني قبل النبوة) قال أبو سفيان: لا، ثم قال هرقل: فقد أعرف إن لم يكن ليذر (١) الكذب على الناس ويكذب على الله. وقال الله ﵎ لرسوله: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الأنعام: ٣٣.
يعني والله أعلم لا ينسبونك إلى تعمد الكذب، وهذا بين واضح من كلماتهم، كقولهم: «مجنون» أي لا يعقل ما يقول، «كاهن» أي تلقي إليه الشياطين ما تلقي فيحسبه من عند الله. فأما قولهم: «شاعر» فقصدوا به توجيه بلاغة القرآن. وأما قولهم: «ساحر» فقصدوا به توجيه المعجزات، ومنها بلاغة القرآن وعجزهم عن معارضته. فإن كان في كلماتهم ما فيه ذكر تعمد الكذب فذاك من باب اللجاج الذي يعرف قائله قبل غيره أنه لا يخفى بطلانه على أحد وإنما أعتني القرآن بحكاية ذلك وأبطاله إبلاغًا في إقامة الحجة، وليبين للناس أنه لا شبه لهم إلا مثل ذلك اللجاج، وهذا مثل ما قصه الله ﷿ من قول بعض اليهود (٢): «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
_________________
(١) أي ليدع ويترك. م ع
(٢) هذا قول بعض المفسرين مستدلًا على ذلك برد الله عليه بإنزال التوراة التي يعترفون بها. ولكن السياق والأسلوب يدل على أن ذلك من قريش ورد الله عليهم بإنزال التوراة من باب الإفحام بما لا يمكن رده، وفشهرة التوراة وإنها كتاب الله مما لم يجحده قريش، فالحجة قائمة على جاحد الوحي من قريش بشهرة التوراة وأنها كتاب الله =
[ ٩٤ ]
قول أبي جهل: إنا لا نكذبك وتخريجه
عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ»، قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» الأنعام: ٩١ حمل اللجاج ذلك اليهودي على أن جحد أساس دينه على حد قول الشاعر
اقتلوني ومالكًا واقتلوا مالكًا معي
وفي (جامع الترمذي) و(تفسير ابن جرير) وغيرهما بسند رجاله رجال (الصحيح) (١) .
عن ناجية بن كعب قال: «قال أبو جهل للنبي - ﷺ -: إنا لا نكذبك،
_________________
(١) = واعتراف جمهور الناس بذلك من يهود ونصارى وعرب وعجم. أفاده المحقق ابن القيم في بعض كتبه. م ع يقول المؤلف: جمهور المفسرين على أن القائلين بعض اليهود، وهو المنقول عن ابن عباس من رواية على بن أبي طلجة، وسيأتي في تفسير (قل هو الله أحد) رأي الشيخ في روايته، وعن عكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بع كعب القرضي والسدي وغيرهم، ويعنيه ويكاد قوله تعالى «تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا منها» هكذا قرأها جمهور القراء وقرأها ابن كثير وأبوعمروبالياء على الالتفات، وأما القول بأن القائلين من قريش فنقل عن مجاهد واختاره ابن جرير وقال: «والأصوب من القراءة في قوله (يجعلونه قراطيس ببدونها ويخفون كثيرًا) أن يكون بالياء لا بالتاء» كذا قال، واستبعاد أن يقول بعض اليهود ذاك القول ليس في محله لأن اليهود بهت وقد قالوا «يد الله مغلولة» وقالوا «إن الله فقير ونحن أغنياء» قاتلهم الله أنا يؤفكون، وأما السياق والأسلوب فلا يقاوم دلالة «تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا منها» . على أنه لا مانع من الجمع بين الوجهين، القاتل من اليهود، وقريش توافقه على ذاك القول.والله أعلم.
(٢) قلت: لكن هذا السند ينتهي إلى ناجية بن كعب، وهو تابعي يروي عن علي، فالقصة مرسلة، بيد أن الترمذي قد وصله في إحدى رواياته وكذا الحاكم (٢ / ٣١٥) عنه عن علي. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» . وأقره ابن كثير، ورده الذهبي في «التلخيص» بقوله: =
[ ٩٥ ]
ولكن نكذب الذي جئت به» . وفي رواية: «ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به» . وفي (تفسير ابن جرير) وغيره عن السدي قصة وقعت قبيل بدر وفيها: «فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش» .
وأما بعد النبوة فالأمر أوضح، فمن المشركين من كان مرتابًا فيما جاء به النبي - ﷺ -، ومنهم من استيقنت نفسه ولكنهم عاندوا، وكلا الفريقين عرفوا من حاله - ﷺ - سابقًا ولاحقًا أنه لا مجال لاحتمال تعمده الكذب، وأن اتهامه بذلك مكابرة مفضوحة إلى حد أنهم رأوا أن أقرب منها أن يقولوا: مجنون، مع علمهم وعلم كل من عرف النبي ﵌ أنه أعقل الناس.
وفي (المستدرك) ج ٣ ص ٤٥ وغيره في قصة أبن أبي سرج لما جيء به إلى النبي - ﷺ - ليبايعه «فرفع رأيه منظر إليه ثلاثًا «ثم بايعه» ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أو مأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» . (١) وجاءت قصة أخرى في
_________________
(١) = «قلت: ما خرجنا لناجية شيئًا» . قلت: وأيضًا فقد قال الترمذي عقب الطريق الأول المرسل: «وهذا أصح» .
(٢) قلت: قال الحاكم عقبة «صحيح على شرط مسلم» . ووافقه الذهبي. قلت: وفيه أحمد بن المفضل وهو صدوق في حفظه شيء. عن أسباط بن نصر، وهو صدوق كثير الخطأ، كما في «التقريب» . وهما من رجال «الميزان» للذهبي، والآخر من «الضعفاء» له. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود أيضًا (٢٦٨٣ و٤٣٥٩) والنسائي (٢ / ١٧٠) وإلى هذا وحده عزاه الحافظ في «الفتح» (٦ / ١٢٠) وسكت عليه، وما بين =
[ ٩٦ ]
الكذب في الحرب جائز إلا للنبي ﷺ
رجل من المشركين كان شديدًا على المسلمين فنذر أحدهم قتله، ثم جاء المشرك ليسلم، فكف النبي - ﷺ - عن مبايعته مرارًا، ثم بايعه، فقال الناذر: أني نذرت القصة، وفيها أيضًا: «أنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .
فقد كان النبي - ﷺ - يحب قتل الرجلين إما لأنه قد سبق منهما من شدة الكفر والإسراف ما أحب النبي - ﷺ - أن ينالهما عاقبه في الدنيا والآخرة كما قص الله تعالى من دعاء موسى وهارون على آل فرعون: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ» يونس: ٨٨.
وأما لمعنى آخر يعلم بالتدبر وكأنه ألطف من هذا. فقد أحب - ﷺ - قتل الرجلين، لكن كره أن يصرح بالأمر يذلك في تلك الحال لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل من جاءه تائبًا، فأما إذا قتلا بدون أمر جديد منه فإنه يقال: إنهما قتلا بدون أمره، وكره أن يومض لأن الإيماض من شعار أهل الغدر لا ينبغي للأنبياء.
أقول: فإذا لم ينبغي للأنبياء الإيماض في الحق لأنه في الجملة من شعار أهل الغدر فكيف ينبغي لهم (١) الكذب وهو نفسه قبيح مذموم؟ !
وقال ابن حجر في (الفتح) «باب الكذب في الحرب»: «قال
_________________
(١) = المعكوفين، إنما وضعه المصنف بينهما إشارة ألا أنها ليست في «المستدرك»، وإنما هي عند من ذكرنا بلفظ «فبايعه» . ن
(٢) كذا الأصل ولا غبار عليه في الأسلوب العربي: ففي القرآن: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) وفيه (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) . أي لا يجوز، فلا أدري ما الذي ما الذي بدأ لفضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق من هذه الكلمة «ينغى لهم» حتى كتب في الأصل فوقها كالمصحح لها «يجوز عليهم» مع أن المعنى واحد، واللفظ على الأسلوب القرآني فهو أفصح. ن
[ ٩٧ ]
النووي: الظاهر إباحة الكذب حقيقة في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي في قصة عبد الله بن سعيد بن أبي سرح » ثم قال ابن حجر: «والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقًا من خصائص النبي - ﷺ - فلا يتعاطى شيئًا من ذلك وإن كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرًا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزووجهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ويتجهز للسفر » .
أقول: كان ﵌ إذا أراد غزوة شرع في التجهيز وأمر أصحابه بذلك، فقد تكون هناك قرينة تشعر بالجهة التي يريد، وقد يكون هناك جاسوس لأهل تلك الجهة، فإذا رأى التجهز وعرف تلك القرينة أسرع فأنذرهم فتحرزوا، فكان النبي ﵌ يقول ما يدافع تلك القرينة ليلتبس الأمر على الجاسوس، فأما أن يتأخر ليعرف الحال فيسبقه النبي ﵌ وأصحابه، وإما أن يرجع إلى جهته فيخبرهم بأمر محتمل فلا يقوى الباعث لهم على التحرز. فإن التوريه تحصل بهذا وليس من لازمها أن يكون ما يقوله ﵌ ظاهرًا في غير ما في نفسه.
واختصاص النبي ﵌ دون أفراد أمته بوجوب تنزهه عن كل ما يقال إنه كذب حكم معقول المعنى، لأن وقوع مثل ذلك منه ﵌ لا ينفعك عن احتمال ترتب المفاسد عليه.
منها أنه لو ترخص في بعض المواضع لكان ذلك حاملًا على اتهامه في الجملة فيجر ذلك إلى ما عدى ذاك الموضع، وهو ﵌ مبلغ عن الله فوجب أن لا يكون منه ما قد يدعوإلى اتهامه ولو في الجملة.
ومنها أنه ﵌ لم يزل منذ بعثه الله تعالى محاربًا أو في معنى
[ ٩٨ ]
تفصيل القول في خطأ الأنبياء وحديث تأبير النخل وعيره
المحارب فلو وقع منه شيء مما يقال إنه كذب في الحرب لجر ذلك إلى الارتياب في كثير من أخباره، إذ يقال: لعله كايد بها المشركين، لعله، لعله.
ومنها أن الناس يقيسون فيقولون إنما ساغ ذلك في الحرب للمصلحة، فينبغي أن تكون هي المدار فيسوغ مثل ذلك للمصلحة ولو في غير الحرب فيرتابون في أكثر أخباره ﵌ حتى في الدين.
ومنها أنه فتح باب للمحدثين ولكل من غلبه هواه، ولا يشاء أحدهم أن يندفع نصًا من النصوص النبوية إلا قال: إنما كان للمصلحة في عصره ﵌. وهلم جرًا، فيصبح الدين ألعوبة كما وقع فيه الباطنية.
إلى غير ذلك من المفاسد التي تكون صغراها أكبر جدًا من جميع المفاسد التي كانت تعرض في حروبه ﵌، وكان يمكنه أن يدفعها ببعض ما يقال: أنه كذب. فوجب أن تكون كلماته كلها حقًا وصدقًا.
فأما الخطأ فلا ريب أن الأنبياء قد يخطئ ظنهم في أمور الدنيا، وأنهم يحتاجون إلى الأخبار بحسب ظنهم، لكنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدهم بأنه يظن وذلك - كما تقدم - صدق، وحتى على فرض خطأ الظن، فمن ذلك ما جاء في قصة تأبير النخل، نشأ النبي ﵌ بمكة وليست بأرض نخل، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح، فلا غروظن أن الشجر كلها كذلك، فلما ورد المدينة مر على قوم يؤبرون نخلًا، فسأل فأخبروه فأخبروه، فقال: «ما أظن يغنى ذلك شيئًا» وفي رواية «لعلكم لولم تفعلوا كان خيرًا» فتركوه، فلم يصلح، فبلغه ﵌ فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله» .
وفي رواية «إنما أنا بشر أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أن بشر. أو كما قال» أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث
[ ٩٩ ]
حديث رضاعة الغيل وإباحته
طلحة بن عبيد الله، والثانية من حديث رافع بن خديج، ثم أخرج من طريق حماد بي سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن ثابت عن أنس القصة مختصرة وفيها أن النبي ﵌ قال: «لولم تفعلوا لصلح» وحماد على فضله كان يخطئ فالصواب ما في الروايتين الأوليين. وقوله ﵌ «ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله» و«إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به» واضح الدلالة على عصمته - ﷺ - من الكذب خطأ فيما يخبر به عن الله وأمر الدين.
ومن ذلك قسصة ذي اليدين: سلم - ﷺ - في الظهر أو العصر من ركعتين فقام إليه ذواليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال ذواليدين " بل يعض ذلك قد كان، فسأل - ﷺ - الناس فصدقوا ذا اليدين، فقم فأتم بهم الصلاة. فقوله: «كل ذلك لم يكن» يتضمن خبرين:
الأول: عن الدين وهو أن الصلاة لم تقصر، وهو حق.
والثاني: عن شأن نفسه، وهو أنه لم ينس، والواقع أنه كان قد نسي.
والقرائن واضحة في أنه اعتمد في الخبر الثاني على ظنه، فهو في قوة قوله: «لم أنس فيما رأى» .
ومما يدخل في هذا ما جاء في رضاع الغيل، (١) ففي (صحيح مسلم) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: لوكان ذلك ضارًا لأضر فارس
_________________
(١) الغيل وطء المرضع، فربما حملت من هذا الوطء فيفسد لبنها فيضر ذلك برضيعها، فكان العرب يتجنبون ذلك محافظة على صحة أولادهم أثناء رضاعهم، وهم النبي ﷺ بالنهي عنه جريًا على تجارب العرب ولكنه رجع عن ذلك لفعل الروم وعدم ضرره لهم. م ع
[ ١٠٠ ]
والروم»، وفيه من حديث جذامة (٢) بنت وهب مرفوعًا: «لقد همت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا» .
وفي (سنن أبي داود): «حدثنا أبو توبة نا محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد ابن السكن قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقتلوا أولادكم سرًا فان الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» . أبو توبة ومحمد بن مهاجر من رجال (الصحيح)، ومهاجر روى عن جماعة وذكره ابن حبان في (الثقات) . (٣) فالله أعلم.
_________________
(١) كذا الأصل بالذال المعجمة، وهو رواية لمسلم، وفي أخرى له: «جذامة» بالدال المهملة، قال مسلم: «وهو الصحيح» . قال الدارقطني: «هي بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة فقد صحف» . وعلى الصواب، وقع فيما يأتي بع سطور، وبالذال أيضًا، فكان المصنف ذكره على الروايتين، مشيرًا إلى أنه لم يترجح عنده الصواب منهما. ن
(٢) قلت وهو معروف بتساهله في التوثيق كما سبق بيانه من المؤلف ومنا ج ١ ص ٤٣٦ - ٤٣٨، ولم نر أحدًا قد وافقه على توثيقه، بل إن أبي حاتم لما أو رد في كتابه (٤ / ١ / ٢٦١) سكت عنه، مشيرًا بذلك إلى أنه غير معروف عنده، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في تعليقنا ص ٤٣٦ ولذلك لم يعتمد توثيقه الحافظ بن حجر، فقال في «التقريب»: «مقبول» . يعني عن المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص على ذلك في المقدمة. ولذلك، فإن القلب لا يطمئن لصحة هذا الحديث، وقد أشار إلى تضعيفه العلامة ابن القيم في «تهذيب السنن) بقوله (٥ /٣٦٢): «فان كان صحيحًا فيكون النهي عن (الغيل) أولًا إرشادًا وكراهة، ولا تحريما» . قلت: وهذا التأويل وإن كان بعيدًا عن ظاهر حديث أسماء كما بينه المصنف، فالمصير إليه واجب لحديث عبد الله ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عن الاغتيال، ثم قال: لو ضر أحدًا لضر فارس والروم. قال الهيثمي في «المجمع» (٤ /٢٩٨): «رواه الطبراني والبزار ورجاله رجال =
[ ١٠١ ]
زعم الطحاوي أن حديث أسماء كان أولًا، وأن النبي - ﷺ - بنى ذلك على ما هو المشهور بين العرب، ثم كان حديث وجدامة بعد ذلك عندما أطلع - ﷺ - على أن الغيل لا يضر.
هذا معنى كلامه وليس بمستقيم.
أولًا: لأن حديث أسماء جزم بالنهي، وحديث سعد وجدامة ظن مبني على أنه - ﷺ - بلغه عن فارس والروم أنهم يغيلون ثم لا يظهر بأولادهم ضرر لا يطهر مثله بأولاد العرب الذين لم يكونوا يغيلون فيتجه حمله على أنه عن الغيل.
ثانيًا: في حديث أسماء جزم بضرر يخفى على الناس، فإنما يمون ذلك عن الوحي، وحديث سعد وجدامة إنما فيه نفي الضر الذي يظهر.
ثالثًا: في حديث جدامة: «لقد همت أن أنهى» وفي حديث أسماء نهي صريح وكل من هذه الأوجه يقتضي تأخر حديث أسماء - على فرض صحته - وأن حديث سعد وجدامة كان رأيًا رآة - ﷺ - وظنًا ظنه.
هذا وقد أطلت في هذا الفصل ومع ذلك بقيت أمور مما يشتبه على بعض الناظرين كتأخير البيان إلى الحاجة عند الجماعة من أهل العلم، وما روي في نزول قوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد»، وقوله - ﷺ - لأزواجه «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا» .
فأما المجمل الذي لا ظاهر له فواضح أنه ليس فيه رائحة من الكذب، وأما
_________________
(١) = الصحيح» . قلت: وكذلك رواه بن أبي حاتم في «العلل» (١ / ٤٠١) لكنه قال عن أبيه: «الصحيح مرسل» لكن له شاهد من شاهد من حديث أبي هريرة مثله. رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه ليث بن حماد وهو ضعيف.
[ ١٠٢ ]
الذي له ظاهر، فإنما يتأخر بيانه إذا كانت هناك قرينة تدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل الذي لا ظاهر له، وأما الآية والحديث فالحق أن فهم غير المراد منهما إنما كان من تقصير السامع، ولو تدبر سياق الكلام ولاحظ القرائن لما فهم غير المراد، وقد شرحت ذلك بأدلته في رسالة (أحكام الكذب) وشرحت فيها ما حقيقة الكذب؟ وما الفرق بينه وبين المجاز؟ وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك.
«وَقَالُوا (*) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ» الأعراف: ٤٣.
[ ١٠٣ ]