من تدبر القرآن وتصفح السنة والتأريخ علم يقينًا أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما، وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلوا آية من آيات القرآن من الحض على ذلك. وهذا يقضي قضاء باتًا بأن عقائدهم هي العقائد التي يثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيدان فيه عندهم القطع، ويظنون ما لا يفيد أن فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك، وهذا هو الذي تبينه الأخبار المنقولة عنهم كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن اكبارهم، ثم نقله أعلم التابعين بالصحابة وأخصهم بهم واتبعهم لهم عنهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلم أتباعهم بهم، وأتبعهم لهم، وهلم جرا.
وهذا قول السلفيين في عقيدة السلف، ويوافقهم عليه أكابر النظار، صرح بذلك من لم ينصب نفسه منصب المدافع عن الدين والمحامي عن عقائد المسلمين كابن سينا وابن رشد وأشار إليه من نصب نفسه ذاك المنصب كما يأتي في مسألة الجهة. وأما من دون هؤلاء فمضطربون فمنهم من يقف، ومنهم من يزعم أن السلف كانوا واقفين في غالب العقائد التي اختلف فيها من بعدهم يطلقون بألسنتهم ما يوافق ظاهر النصوص غير جازمين بأنه على ظاهره أو على غير ظاهره، ومنهم من ينتحل السلف، فمن أتباع الأشعرية من يقول كانت عقيدة السلف هي عقيدة
[ ١٩٩ ]
الأشعرية نفسها! فكانوا يرون بطلان ظواهر النصوص التي يقول الأشعرية ببطلانها! إلا أنهم لم يكونوا يخوضون في بيان معانيها الأخرى، فكانوا يعتقدون أن الله ﷿ غير مباين للعالم ولا محايث له ولا ولا، ومع ذلك أنهم يطلقون أنه تعالى على عرشه فوق سماواته، معتقدين بطلان ظاهر هذا ساكتين عن معناه الذي يرونه صحيحًا! وهذا القول الأخير شهره المتعمقون حتى لا يكاد يخلوا عنه كتاب من كتب الخلف في أي فن كان.
ويمكن أن يتشبثوا في الانتصار له بأن يقول: لا نزاع أن السلف كانوا أفضل الأمة
وخيرها وأعلمها بالدين وأثبتها على الحق، وكان أسلافنا من المتعمقين علماء خيارًا صالحين، يعرفون فضل السلف، فلم يكونوا ليخالفوهم.
فيقال لهؤلاء إن أسلافكم ذهبوا إلى أنه لا يحتج بالعقائد بالكتاب ولا السنة ولا أقول السلف، بل كان المتبعون منهم من أجل خلق الله بالسنة، وأقول السلف، وإنما استقروا عقائدهم من النظر العقلي المتعمق فيه، ثم اعتراض بعض نصوص القرآن التي تخالف راية ورأي أشياخه من المتعمقين، فحاول صرفها عن معانيها، مع أنه في مواضع آخر يقرر أن مثل ذلك الصرف لا يسوغ وأن الخبر إذا كان صريحًا في معنى أو ظاهرًا فيه ولا قرينة صحيحة تصرف عنه، فزعم أن ذاك المعنى غير واقع تكذيب للخبر وإن زعم أن المخبر تأول في نفسه معنى آخر كما تقدم إيضاحه غير مرة، وهكذا تصدى بعضهم لنصوص السنة التي تخالف راية ورأي أشياخه فرد بعضها زاعمًا أنها مخالفة للعقل، وحاول صرف بعضها عن تلك المعاني كما صنعوا في نصوص القرآن، ولعلهم بظهور سخافتهم فيما يرتكبونه يحاولون ترويجه بأمرين:
الأول: زعمهم أن الملجئ لهم إلى ذلك احتياجهم إلى الدفاع عن الدين، لئلا يلزم من مجيئه بتلك النصوص بطلانه!
الثاني: عيب أئمة المؤمنين الذين يصدقون الله ورسوله، والسخرية منهم بأنهم لا
[ ٢٠٠ ]
بيان أن كلمة العقل وقع فيها تدليس
يعقلون ولا يفهمون، ويسمونهم «الحشوية» وغير ذلك من الأسماء المنفردة - كما صنع ابن الجويني المدعو إمام الحرمين في رده على كتاب «الإبانة» للحافظ أبي نصر السجزي، وذلك قبل أن يرجع ابن الجويني ويتمنى الموت على دين عجائز نيسابور، وكما صنع ابن فورك في كتابه (مشكل الحديث)، وإني والله ما آسى على ابن فورك وإنما آسى على مسحوره البيهقي الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رعبًا فاستسلم لهم وانقاد ورائهم. (١) وكان عبد الرزاق ابن همام الصنعاتي قد أخذ عن جعفر بن سليمان الضبعي طرفًا من التشيع، فشنعوا عليه بذلك حتى قال محمد بن أبي بكر المقدمي، فقدت عبد الرزاق، ما أفسد جعفر بن سليمان غيره، وليت شعري لوكان ابن فورك والبيهقي أدركا المقدمي ما عسى كان يقول فيها. فأما ما يعترضهم من كلام السلف، فإنهم يصرحون بقلة حياء بأن تلك الأقوال تجسيم كما صنعوا فيما صح عن كبار أئمة التابعين من تفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له وقد مر ذلك في الباب الثالث. فإذا كان أشياخهم يردون القرآن والسنة ويجهلون أئمة السلف فكيف تظنون بهم أنهم لا يخالفون السلف؟
(فإن قيل) حاصل هذا أنهم كانوا يعتمدون النظر العقلي، وعلى هذا فما أثبته العقل فهو حق لا ريب فيه، وإذا كان حقًا فلن يكون الكتاب والسنة مخالفين له، ولن تكون عقيدة السلف إلا موافقة له، لأنهم خير الأمة وأفضلها وأعلمها بالحق وأولاها به.
قلت: قد مر في الباب الأول كلمة «العقل» وقع فيها التدليس، فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه، وهو الذي أعده الله تعالى ليبنى عليه الشرع والتكليف وهو الذي كان حاصلًا للأمم التي بعث الله تعالى فيها رسله وأنزل فيها كتبه، وهو الذي كان حاصلًا للصحابة ومن لعدهم من السلف، فهذا هو
_________________
(١) يعني أن البيهقي سحر بتأويلات فورك وانبهر بها فأخذته عن السير في طريق الصحابة وكبار التابعين وتابعيهم إلى السير وراء ابن فورك كما تجد كثيرًا من ذلك في كتابه «الأسماء والصفات» . م ع.
[ ٢٠١ ]
الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعًا فهو حق، ودون ذلك نظر متعمق فيه، مبني على تدقيق وتخرص ومقاييس يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه ويكثر الخطأ واللغط، ويطول النزاع والمناقضة والمعارضة على ما أوضحناه في الباب الأول. فهذا هو الذي اعتمده أشياخكم مع اعترافهم بوهنه، ولذلك رجع بعض أكابرهم عنه كما سلف.
فإن قالوا: وكيف يجوز أن يعتمد أولئك الأجلة على ما يسوغ الاعتماد عليه.
قلت: لم يكونوا معصومين، وقد اختلفوا، وخالفهم من هو مثلهم وأعرف منهم بالنظر وبحسبكم أن أكابرهم رجعوا في أو اخر أعمارهم كما مر.
هذا وما منا إلا من يعتز بآبائه وأشياخه، ويعز عليه أن يتبين أنهم كانوا على باطل، ولكن أقل ما يجب علينا أن نعلم أن آباءنا وأشياخنا لم يكونوا معصومين، وهب أنه يبعد عندنا جدًا أن يكونوا تعمدوا الباطل، فما الذي يبعد أن يكونوا غلطوا وأخطأو ا؟ وعلى كل حال فليسوا إلا أفرادًا من المسلمين وقد اختلف المسلمون، في الفرق الأخرى أئمة وأكابر إن لم يكونوا أفضل من آبائنا وأشياخنا فلم يكونوا دونهم، وإذا راجعت نفسك علمت أنك لست بأحق من مخالفك بالقناعة بما مضى عليه الآباء الأشياخ، وأنه كما يحتمل أن يكون آباؤه وأشياخه هم المبطلين عمدًا أو خطأ فمن المحتمل أن يكونوا هم المحقين، بل الحق أنه لك ولا له في التضحية بالنفس والدين في سبيل التعصب الفارغ الذي يعود بالخسران المبين، وبالضرر على الآباء والأشياخ أنفسهم، كما مر في أو ائل الرسالة. فدع الآباء والأشياخ، والتمس الحق من معدنه، ثم إن شيءت فاعرض عليه مقالة آبائك وأشياخك فما وافقه حمدت الله تعالى على ذلك، وما خالفه التمست لهم العذر، برجاء أن يكونوا لم يعتمدوا الباطل، ولم يقصروا تقصيرًا لا يسعه عفوالله ﵎، بل قد ثبت رجوع بعض أكابرهم كما مر (١) في الباب الأول، ولعل
_________________
(١) في وصية الرازي وإمام الحرمين عند موته. م ع.
[ ٢٠٢ ]
غيرهم قد رجع وإن لم ينقل. فإذا سلكت هذه الطريق فقد هديت، وإن أبيت إلا التعصب لآبائك وأشياخك، والجمود على اتباعهم، فقد قامت عليك الحجة. والله المستعان.
(الأينية، أو الفوقية، أو كما يقولون: الجهة)
أطلقت أنا: الأينية لما ثبت عن النبي ﵌ من قوله للسوداء: أين الله؟ قالت: في السماء، وفي آخر الحديث قوله ﵌ لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة.
وفي حديث أبي رزين العقيلي قال: «قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هو اء وما فوقه هو اء، وخلق عرشه على الماء» (٢)
في الأثر عن عثمان أنه قال لرجل ظنه أعرأبيًا: «يا أعرأبي أين ربك؟» .
وأرى أن أسوق هنا عبارة الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) (١)
_________________
(١) وحديث الجارية السوداء في الموطأ وصحيح مسل وغيرهما وحديث أبي رزين في «جامع الترمذي» وانظر أثر عثمان في كتب الآثار، ولعل المؤلف يشير فيما بعد إلى من أخرجه. م ع قلت: حديث أبي رزين مع شهرته وتحمس بعض السلفيين له لا يصح من قبل إسناده، فيه وكيع بن حدس، قال الذهبي: «لا يعرف»، وفيما صح في الباب ما يغني عنه. ن
(٢) كتاب مشهور للأشعري طبع مرارًا في الهند ومصر، وقد ذكره جماعة من القدماء ونقلوا عنه - منهم الحافظان الشافعيان أبوبكر البيهقي وأبوالقاسم بن عساكر وجماعة آخرون كما في رسالة ابن درباس المطبوعة مع الإبانة. المؤلف قلت: وكما في «تبين كذب المفتري» لابن عساكر فقد اعترف فيه بالإبانة للأشعري ونقل منها ودافع عن الأشعري بما نقله منها. م ع
[ ٢٠٣ ]
نص كلام الأشعري في إثبات الفوقية
تأنيسًا للمنتسبين إليه وغيرهم لأنه أشهر المتبوعين في المقالات التعمقية، وفي (روح المعاني) وغيره أن كتاب (الإبانة) آخر مصنفاته - قال: «باب ذكر الاستواء على العرش: إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له نقول: إن الله ﷿ مستوٍ على عرشه كما قال: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»، وقد قال الله ﷿: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»، وقال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه»، وقال ﷿: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه»، وقال حكاية عن فرعون: «يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا» كذب موسى ﵇ في قوله إن الله ﷿ فوق السموات، وقال ﷿: «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْض»، فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال: «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، لأنه مستوعلى العرش الذي فوق السموات وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحوالسماء لأن الله ﷿ مستوعلى العرش الذي هو فوق السموات (سؤال) وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية أن قول الله ﷿: [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» أنه استولى وملك وقهر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله ﷿ على
[ ٢٠٤ ]
عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولوكان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض وزعمت المعتزلة والحرورية (١) والجهمية أن الله ﷿ في كل مكان، فلزمهم أن الله في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم » .
ثم ساق الكلام وذكر حديث «ينزل الله ﷿ كل ليلة إلى السماء الدنيا » من طرق، ثم قال:
(دليل آخر): وقال الله ﷿: «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ»، وقال «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه»، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ»، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا»، وقال: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ» فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه
_________________
(١) الحرورية هم الخوارج نسبة إلى حروراء بلد على دجلة والفرات لجأو ر وتحصنوا به بعد ما خرجوا على علي ابن أبي طالب فخرج إليهم فيها وقاتلهم حتى شتت شملهم، وقد ثبت منهم الأباصية والأزارقة وغيرهم ووكرهم بجزيرة العرب مسقط وعمان- - ولحج ولهم فروع بجنوب افريفيا زنجبار، وبشمالها بالجزائر ولهم مؤلفات في الحديث والفقه كمسند الربيع بن حبيب، وشرحه بعض متأخريهم باسم «الجامع»، كلاهما مطبوع بمصر. م ع.
[ ٢٠٥ ]
(دليل آخر): وقال ﷿: «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا»، وقال: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ»، وقال: [) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى» إلى قوله: «لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى»، وقال ﷿ لعيسى بن مريم ﵇: «إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ»، وقال: «وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» . وأجمعت الأمة على أن الله ﷿ رفع عيسى إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله ﷿ في الأمر النازل بهم يقولون جميعًا: يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعًا: لا والذي احتج بسبع سماوات
دليل آخر: وقال ﷿: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ»، وقال «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِم»، وقال «وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُورُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»، وقال ﷿: «وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّا» فلم يثبتوا (١) له في وصفهم حقيقة، ولا أو جب له الذي يثبتون له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أو صافهم تدل على النفي أو التعطيل، وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال:
_________________
(١) يعني الجهمية ومن معهم. المؤلف
[ ٢٠٦ ]
«تفكروا في خلق الله ﷿ ولا تفكروا في الله ﷿، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله ﷿ فوق ذلك» .
دليل آخر: وروت العلماء عن النبي - ﷺ - بأمة سوداء فقال يا رسول الله إني أري أن اعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها؟ فقال لها النبي - ﷺ - أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: اعتقها فإنها مؤمنة. وهذا يدل أن اللع ﷿ على عرشه فوق السماء.» (١)
يعلم من عبارة الأشعري وغيرها أن الأمة كانت مجمعة على إثبات الأينية (٢) غير أن السلف يثبتون الفوقية، والجهمية تقول بالمعية، أي أنه تعالى في كل مكان، وثبت السلفيون على قول السلف على الحقيقة، ووافقهم على ذلك في الجملة فرق قد انقرضت، وصار المتعمقون إلى فرقتين، الأولى: تدعي موافقة السلف، والأخرى: تنمى إلى الجهمية، واتفقت الفرقتان على نفي الأينية، لكن الأولى تطلق ما يظهر منه الفوقية، وتتأول ذلك بالفوقية المعنوية، والثانية: تطلق أنه تعالى في كل مكان، وتتأول ذلك بالعلم والقدرة، وعرضهما التمويه والتمهيد لتأويل النصوص وأقوال من سبق.
وعلى كل حال فعبارة الأشعري التي سقناها صريحة واضحة في أنه يثبت الفوقية الذاتية على الحقيقة، والمنتسبون إليه يواربون محتجين بأنه ينفي الجسمية.
_________________
(١) اه. كلام الأشعري رحمه الله تعالى. م ع.
(٢) يعني أن الأمة الإسلامية جميعًا من سلفيين صحابة وتابعيهم وجهمية مخالفين لهم، جميعًا يؤمنون بجواب أين الله تعالى؟ فالسلفيون يؤمنون أن الله في السماء فوق العرش، والجهمية والمعتزلة يؤمنون أنه في كل مكان، فرد عليهم الأشعري بالنصوص السلفية إثباتًا لعلوا الله على عرشه. م ع.
[ ٢٠٧ ]
من حجج مثبتي الأينية العقل وجواب النفاة والرد عليه
فيقال لهم: إن كان صريح بنفي الجسمية فيحتمل حاله أوجهًا:
الأول: أن يكون رجع عن ذلك وقد تقدم أن (الإبانة) آخر مصنفاته.
الثاني: أن يكون إنما ينفي الجسمية المستلزمة للمحذور - على حد قول جماعة: «جسم لا كالأجسام» .
الثالث: أن يكون يخص اسم الجسم بما يستلزم المحذور، ويرى أن ما ثبت لله ﷿ بما ذكره في عبارته السابقة من الفوقية والنزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة، وغير ذلك لا يقتضي أن يسمى جسمًا، وإن كان يستلزم ما يسميه غيره جسمية. وأيا ما كان فلندع الأشعري وننظر في أصل القضية.
احتج مثبتو الأينية مع النصوص الشرعية وإجماع السلف بأنه لا يعقل الموجود بدونها، وهذا من أجلى البديهيات وأوضح الضروريات.
أجاب المتعمقون بأن هذه بديهية وهمية، قال الغزالي في (المستصفي) ج ١ ص ٤٦: «السادس الوهميات، وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارًا إلى جهته، فإن موجودًا لا متصلًا بالعالم، ولا منفصلًا عنه، ولا داخلًا، ولا خارجًا محال، وإن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل، ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ. وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان:
والأولى منهما: ربما وقع لك الإنس بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة إثبات وجود ليس في جهة وهذه القضايا مع أنها وهمية فهي في الأنفس لا تتميز عن الأوليات القطعية بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية» .
قال المثبوت: أما أن القضية بديهية فطرية فحق لا ريب فيه. وأما زعم أنها وهمية فباطل، فإن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافًا
[ ٢٠٨ ]
واضحًا، ومن شأن الشرع إذا كانت ماسة بالدين كهذه أن يكشف عنها. وكلا هذين منتف، أما الشرع فإنما جاء بتقرير هذه القضية وتثبيتها وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر، بل أصل بناء الشرائع على نزول الملك من عند الله ﷿ بالوحي على أنبيائه.
وأما النظر فقد اعترف الغزالي بأن أقصى ما يمكن من مخالفته لهذه القضية أنه ربما حصل الإنس بتكذيبها لمن كثرت ممارسته للأدلة العقلية ، ففي هذا أن تلك الأدلة كلها فضلًا عن بعضها لا تثمر اليقين، ولا ما يقرب منه، ولا ما يشبهه، وإنما غايتها أنه ربما حصل الإنس لمن كثرت ممارسته لها.
وقد شرح الغزالي نفسه في (المستصفى) ج ١ ص ٤٣ يقين النفس بقوله: «أن تتيقن وتقطع به، وينضاف إليه قطع ثان، وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس، فلا يجوز الغلط في يقينها الأول، ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لوحكى لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها، فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بني، وأن ما ظن بأنه معجزة فهي مخرقة، فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله، وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيًا على سرٍ به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقينًا، مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة »
فأنت إذا عرضت قوله: «ربما حصل لك الإنس » على هذا اليقين الذي شرحه علمت أن بينهما كما بين السماء والأرض، فثبت أن ما سماه أدلة عقلية موجبة إثبات موجود ليس في جهة، ليس معنى ايجابها ذلك إثمار اليقين ولا ما يقاربه ولا ما يشبهه، فإذا كانت كذلك فكيف تسوغ أن اعرض بها القضية البديهية الواضحة؟
فإن قيل: لكنها تزلزل اليقين بتلك القضية فلا تبقى يقينية؟
[ ٢٠٩ ]
نكات حول دعوى النفاة
قلت: أما زلزلة اليقين في جميع النفوس فممنوع. وأما زلزلته في بعض النصوص فلا يقدح، ألا ترى أن من العقلاء من شك في البديهيات كلها وقدح فيها كما مر في الباب الأول؟ أولا ترى أن الغزالي نفسه صرح في كتابه (المنقذ من الضلال) بأنه نفسه كان يشك في الحسيات والبديهيات، وأنه بقي على ذلك نحو شهرين، وقد تقدم حكاية ذلك في الباب الأول (١) .
فالحق أن اليقين قد يطرأ عليه التفات إلى الشبهات ورعب منها إذا حكيت عن جماعة اشتهروا بالتحقيق والتدقيق، وأنهم اعتمدوها فيعرض التشكك، وهذا هو الذي ربما يعرض هنا، بما ذكره الغزالي من كثرة الممارسة، وقد تقدم في الباب الأول أن القادحين في البديهيات احتجوا بقولهم: «من مارس مذهبًا من المذاهب برهة من الزمان ونشأ عليه فإنه يجزم بصحته وبطلان ما يخالفه» . (٢) ولم يجب مخالفوهم إلا بقولهم: «الجواب أنه لا يدل على كون الكل كذلك» . فإذا كانت كثرة الممارسة للباطل قد تورث الجزم ببطلان ما يخالفه فكيف لا تورث ما ذكره الغزالي هنا بقوله: «ربما حصل لك الإنس» وإذا وجب أن لا يعتد بالجزم الحاصل عن طول الممارسة فكيف يعتد باحتمال حصول الإنس؟ ولوكان هذا كافيًا للتشكيك في البديهيات، وخشية أن تكون وهمية لثبب القدح في عامة البديهيات وطوي بساط العقل وحقت السفسطة، وقد تقدم في الباب الأول (٣) قولهم في الجواب عن شبهات القادحين في البديهيات: «ولا نشتغل بالجواب عنها لأن الأوليات مستغنية من أي يذب عنها، وليس يتطرف إلينا شك فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجه فاسدها» . أفلا يكفي مثبتي الأينية (٤) أن يجيبوا عما سماه الغزالي أدلة بمثل هذا؟
_________________
(١) ص (٦٤ - ٧٥ - ٧٣) .
(٢) تقدم ص ٥٢.
(٣) ص ٤٥.
(٤) أي المؤمنين بجواب «أين الله» وأنه في السماء فوق العرش مباين للخلق. م ع
[ ٢١٠ ]
فإن قيل: إن من تلك الأدلة البراهين على وجوب واجب الوجود لنه لا يصح كونه واجب الوجود إلا إذا لم يكن له أين فجمودهم على تلك القضية يقتضي نفي وجود واجب الوجود.
قلت: البراهين الصحيحة على وجوده لا تقيد بعدم الأين، بل منها ما يقتضي بوجوده مع ثبوت الأين له، فأما المقاييس التي يتشبث بها النفاة فهي من الشبهات التي نتيقن فسادها وإن فرض أنه لم يتعين لنا وجهه.
أقول: وفي هذا مع الأدلة الشرعية ما يكفي الراغب في الحق الخاضع له، فلا حاجة بنا إلى التشاغل بتلك الشبهات، ولكن أشير هاهنا إلى نكات:
الأولى: المتعمقون يقولون أن ذاك البارئ ﷿ مجردة، ثم منهم من يثبت ذوات كثيرة مجردة حتى عدوت منها الملائكة وأرواح الخلق، (١) ومنهم من يقتصر على تجويز ذلك، وردوا على من نفى ذلك محتجًا بأنه لووجدت ذات أخرى مجردة لكانت مماثلة لذات الله ﷿، بأن المشاركة في التجرد لا تقتضي المماثلة التي تستلزم اشتراك الذاتيين فيما يجب ويجوز ويمتنع.
وأنت إذا تدبرت علمت ما في هذا القول كما مر في الباب الثالث. (٢)
فإن قيل: الإنصاف أن من أثبت المشاركة في أمر ما فقد أثبت المثل في مطلق ذاك الأمر، ولزوم التساوي في الأحكام إنما هو بالنظر لذاك الأمر فالمثبت الشريك في الوجود يلزمه تساوي الذاتين في أحكام مطلق الوجود، وهكذا يقال في التجرد والجسمية والأينية وغيرها وليس المحذور هنا إثبات مثل في أمر ما، ولا إثبات مساوفي أحكام أمر ما، وإنما المحذور لزوم حكم باطل.
_________________
(١) يعني أرواح بني آدم ويمونها النفوس الناطقة ولا يدخل في ذلك عندهم أرواح الحيوانات. م ع
(٢) ص ٢٧٨.
[ ٢١١ ]
قول الفلاسفة إن ذات الله وجود ومعنى الوجود عندهم والرد عليه
قلت: فهذا يوضح سقوط تشبثهم بقوله تعالى: «ليس كمثله شيء»، وقوله: «ولم يكن له كفوًا أحد»، ويبين ما قدمناه في ذلك في الباب الثالث. ولله الحمد.
ثم أقول: التجرد المزعوم إنما حاصل عند العقول الفطرية العدم وذلك مناف للوجود فضلًا عن الوجوب، وعلى فرض أنه لا ينافي الوجود، فأي فرق يعقل بين ذاتين مجردتين حتى تكون هذه روح بعوضة وتلك ذات رب العالمين؟ فأما ذاتان مشتركتان في مطلق الأينية، فإن معقولية الفرق بينهما بغاية الوضوح، بل يجيئ ذلك في الجسمية وإن كنا لا نقول أنه ﷾ جسم. فأما زعمهم أن في أحكام مطلق الأينية ما ينافي الوجود. فإنما مستندهم فيه تلك الشبهات التي تقدم أنه لا يلزمنا التشاغل بها للعلم ببطلانها مع اعتراف أشد أنصارها تحمسًا ومجازفة بأن غايتها أنها ربما تورث منطالت ممارسته لها الأنس بمقتضاها، ومن تدبر تلك الشبهات علم وهنها.
يقول الفلاسفة: إن ذات الله تعالى وجود. ومال إلى هذا كثير من متأخري المتكلمين.وأو رد عليهم أن الوجود عندهم أمر عدمي. فأجابوا بأنه لا مانع من تفاوت الأفراد، فيكون هذا الفرد المعروف من الوجود أمرًا عدميًا، وفرد آخر منه واجب الوجود لذاته، ومن العجب أن يزعموا معقولية هذا، وينكروا معقولية التفاوت في الأينية، أو قل في الجسمية. (١)
الثالثة القائلون: جسم لا كالأجسام، يقولون لا حاجة أن تلزمونا ذلك بإثباتنا الفوقية، بل نحن نلزمكم ذلك بما اعترفتم به أنه سبحانه موجود قائم بنفسه، بل ذلك
_________________
(١) مجاراة للذين يزعمون أن إثبات الصفات من العلووالأستواء والنزول والوجه واليدين لله ﷿ يستلزم أن يكون جسمًا. فيقال لهم على سبيل التنزل والمجاراة: إذا قلتم بتجرد ذات الله وتجرد العقول النفوس الناطقة مع عدم المشابهة فقولوا بإثبات النصوص الشرعية وقولوا لمن يقول بلزومها للجسمية بعدم المماثلة والمشابهة، وحينئذ تكونون قد وافقتم الشرع والفطرة وسنن المرسلين. م ع.
[ ٢١٢ ]
هو معنى القيام بالنفس، وهذه من أجلى البديهيات. وذكروا أن بعضهم أو رد هذا على أبي إسحاق الإسفرائني (١) ففر إلى قوله: إنما أعني بقولي: قائم بنفسه، أنه غير قائم بغيره. وهذا عجب! فإنه إذا كان موجودًا والموجود إما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، فقوله: «غير قائم بغيره»، إنما حاصله أنه قايم بنفسه، فحاصل جوابه إنما يعني بقوله " قايم بنفسه، أنه قيم بنفسه!
أقام يُعْمِلُ أيامًا رَوَّيته وشبَّه الماء بعد الجهد بالماء
الرابعة: في عبارة الغزالي ذكر قضية الخلاء والملأ، فالفلاسفة ومن تبعهم قولون: إنه ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ، والعقول الفطرية تنكر ذلك، وأو رد عليهم أنا إذا فرضنا إنسانًا على طرف العالم فمد يده إلى خارجه فإن امتدت فثم خلاء، وإلا فثم ملأ، فأجابوا باختيار أنها لا تمتد، ولكن لا لوجود ملأ، بل لعدم شرط الامتداد وهو الخلاء.
أقول: وهذه القضية قريبة من سابقتها. فإن الفطر قاضية بأن الخلاء والملأ إذا فقد أحدهما وجد الآخر، وعلى هذا ففقد الخلاء ومعناه وجود الملأ.
الخامسة: مذهب المتكلمين أن الخلاء أمر عدمي، والأعدام قديمة، واستدل الفلاسفة على أنه أمر وجودي بأنه يشار إليه ويتقدر، ومما دفع أنهم يقولون: ليس وراء العالم خلاء ولا ملأ، فلنفرض أن الله ﷿ خلق وراء العالم جدرانًا وخلق لها خلاء (٢) تقوم فيه وتكون بحيث يأتلف منها مربع ويبقى جوفه على ما كان عليه، فإن ذاك الجوف يكون مشارًا إليه متقدرًا، ومع أنه بات على ما كان
_________________
(١) كذا الأصل بالهمزة بين الألف والنون، والصواب (الإسفرايني) بالياء المكسورة كما في كتب الأنساب. وقال السيوطي: قلت «بلا همزة» . ونحوه في «معجم البلدان» إلا أنه زاد في ضبطها ياء أخرى ساكنة. يعني (الإسفراييني) . ن.
(٢) أي بناء على زعم أن الخلاء أمر وجودي. المؤلف.
[ ٢١٣ ]
عليه. والعقول الفطرية يمكنها أن تتصور أن يكون الكون له جسمًا واحدًا مثلًا، وأن تتصور عدم الأجسام، وأن يكون الكون كله خلاء، (١) ولا تتصور ارتفاع الأمرين، وهذا يقضي بأن الخلاء أمر عدمي، فإن يعقل ارتفاع العدم بالوجود، ويستحيل ارتفاعهما معًا. (١) وظواهر النصوص الشرعية توافق هذا، فإنها تعرضت لخلق العالم في الخلاء، ولم تتعرض لخلق الخلاء، بل في عدة نصوص ما يقتضي أن الخلاء لم يكن مرتفعًا (٢) فقط قبل وجود الملأ، ولا أعلم من سلف المسلمين قائلًا بأن الخلاء أمر وجودي، وانه لم يكن خلاء ولا ملأ حتى خلق الله تعالى ذلك. وقال لي قائل: هب أن زاعمًا زعم أن الخلاء وجودي، وأنه قديم محذور في هذا؟ فإن الخلاء لا يصلح أن يكون منه تخليق ولا تدبير فلا يتوهم أن يكون هو رب العالمين أو مغنيًا عنه أو شريكًا له، وقضية الافتقار إليه على فرض كونه واجبًا لا ينافي الوجود، ولا تز عن الافتقار إليه على فرض أنه عدمي، وعلى الافتقار إلى المانع نحو ذلك.
وأقول: خير لمن يعرض له مثل هذا أن يعرض عن التفكير، ويستغني بما ثبت بالقواطع، وسيأتي لهذا مزيد. والله الموفق.
السادسة: من تدبر عبارة الغزالي علم أنه يعترف أن العرب والصحابة والتابعين
_________________
(١) بل العلوم التجريبية التي هي أصح من تفكير المتكلمين وأقيستهم قد ثبت فيها بما لا شك فيه أن بين الأجرام السماوية من شموس وكواكب خلاء حقيقي ففوق الأرض بنحومائة كيلومتر بعد طبقة الهو اء الأرضي خلاء صرف إلى ما يشاء الله تعالى لا يشغله غير الأجرام السماوية والحرارة والنور والأشعة الأخرى تأتي إلينا من مصادرها في خلاء صرف. فليتخيل المتخيلون في هذا الخلاء الواسع الأطراف الذي لا يعلم حدوده إلا الله سبحانه ماشؤوا من خيالات القدم والحدوث والعدم فهو بحر تسبح فيه الأجرام السماوية سباحة الأسماك في البحار. م ع
(٢) أي منفيًا. م ع
[ ٢١٤ ]
وكل من لم تطل ممارسته لمزاعم الفلاسفة في التجرد (١) إذا أيقن أحدهم بوجود الله ﷿ فإنه يوقن بثبوت الأينية له ولابد، وإذ كانت الفطر قاضية بأنه سبحانه فوق سمواته، فإنهم يوقنون بذلك على ظاهره وحقيقته، فإذا سمعوا النصوص الشرعية الموافقة لذلك، فإنما يفهمون منها تلك المعاني الموافقة، وليس في وسع أحد منهم أن يتوقف عن فهم ذلك منها، وعلى فرض أن في النصوص ما يشعر بخلاف ذلك، فإنهم يحملونه على خلاف ما يشعرون به. وبهذا تعلم أن من ينكر تلك المعاني فإنه ينسب النصوص إلى الكذب البتة، ولعل للغزالي عبارات أصرح مما ذكر، وفيما ذكر كفاية، وفإن الأمر واضح جدًا. وكذلك غيره من المتعمقين يلزمهم ذلك، ويظهر من حالهم أنهم يعرفونه ويعترفون به. ومن آخرهم السعد التفتازاني قال في (شرح المقاصد): - «فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق (؟) كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع وأكدت غاية التأكيد، مع أن هذا أيضًا حقيق بغاية التأكيد والتحقيق لما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلوعند الدعاء ومد الأيدي إلى السماء؟
أجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعزتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث» .
_________________
(١) أي عموم بني آدم الذين لم يخرجوا عن سنن الفطرة التي فطر الله عليها عباده ولم تفسدها عليهم خيالات الفلاسفة والمتكلمين وهو سهم وأقيستهم الباطلة. م ع.
[ ٢١٥ ]
أقول: تدبر عبارة هذا الرجل وانظر ما فيها من التلبيس والتدليس!
أولًا: قوله: «الدين الحق» وكل مسلم يعلم (أن الدين عند الله الإسلام) والإسلام باعتراف هذا الرجل جاء بنقيض ما زعم أنه الدين الحق، وكذلك جميع أديان الأنبياء، فكيف يقول مسلم أن الدين الحق نقيض ما جاء به الأنبياء؟ ثم ما الذي جعله حقًا وهو مع مخالفته للكتب والسنة وسائر كتب الله تعالى وأنبيائه منابذ لبدائة العقول؟!
ثانيًا قوله: «مشعرة» ومن عرف الكتاب والسنة علم يقينًا أن نصوصهما بغاية الصراحة في الإثبات.
ثالثًا قوله: «تقصر عنه عقول العامة» والحق أن العقول كلها تنبذه البتة، إلا أن من أرعبته شبه المخالفين لعظمتهم في وهمه وطالت ممارسته لها قد يأنس بالنفي الساقط كما تتقدم، وهذا الأنس إنما هو ضرب من للحيرة بل هو ضرب من الجنون، افرض أنك خرجت من بيتك وعلى رأسك عمامة فيلقاك رجل فيقول لك: لم خرجت بلا عمامة؟ فترى أنه يمازحك، قم يلقاك آخر فيقول لك نحوما قال الأول، ثم يلقاك ثالث، ثم رابع ثم خامس وهكذا كل منهم يقول لك نحومقالة الأول، ألا ترتاب في نفسك وتخاف أن تكون قد جننت حيث تعتقد أن على رأسك عمامة تراها وتلمسها وتحس بثقلها وهؤلاء كلهم ينفون ذلك، وينتهي بك الحال إلى أن تحاول أن تقنع نفسك بأنه ليس على رأسك عمامة، وتتقي أن تخبر أحدًا بأنك تعتقد أن على رأسك عمامة، بل قد ترى الأولى أن ترمي العمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض رميت بها واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة حتى يتفق اعتقادك واعتقاد الناس، ولكن افرض أنك رميت العامة واعتقدت أنه ليس على رأسك عمامة فلقيك رجل فقال لك: عمامتك هذه كبيرة، ثم لقيك آخر فقال: عمامتك هذه وسخة، ثم ثالث ثم رابع ثم خامس وهلم جرا كل منهم يثبت لك أن على رأسك عمامة، فماذا يكون حالك؟ وقد وقع ما يشبه هذا فكانت نتيجته الجنون!
[ ٢١٦ ]
أُخبرت أنه كان في هذه البلدة امرأة من نساء كبار الأمراء وكان ولد يعارضها ويمانعها عما تريد، واشتدت مضايقته لها، حتى عمدت إلى جماعة أعدتهم لمجالسة ولدها وصحبته وأن يتعمدوا مخالفته وإظهار التعجب منه في أشياء كثيرة، كانوا يقولون في الحلوإنه حامض، وفي الأصفر إنه أحمر، ونحوذلك ففعلوا ذلك وألحوا فيه حتى تشكك الولد وجن.
وأُخبرت أنه كان لرجل من كبار الوزراء ابن أخ أو قريب آخر، وكان القريب عاقلًا ذكيًا فطنًا مهذبًا نبيل الأخلاق، وكان الأبن دون ذلك فخاف الوزراء أن يموت فيتولى الوزراة قريبه دون أبنه، فأعد جماعة لمجالسة قريبه وأمرهم بمخالفته، وتشكيكه، ففعلوا ذلك حتى جن المسكين. (١)
رابعًا قوله: «حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة» . والحق أنها تجزم بذلك كل الجزم، إلا أن يبتلى بعضها بالتشكك كما مر.
خامسًا قوله: «مع تنبيهات دقيقة» إن أراد بالتنبيهات قوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ونحوها فقد تقدم الجواب، وإن أراد الدلائل على وجوب الوجود والغنى فقد تقدم الكلام فيها، وعلى كل حال فليس في العقول
_________________
(١) ومغزى الحكايتين أن من عاش في وسط مخالف له في التفكير والتعبير، فإما أن يوافق هذا الوسط وينسى فكره وعقله، أو يجن إذا أصر على مناقضتهم والخلاف معهم. وقد فسروا الجنون بالحالة التي لا يقدر صاحبها على الأنسجام مع وسطه الذي يعيش فيه. وقد سمعت من بعض المفكرين في إصلاح العامة أن ذلك يكون بأمرين إما يتنزل رجل ممتاز التفكير إلى طبقتهم حتى يأخذ بأيديهم إلى الارتقاء والتهذيب بلطف، أو بنبوغ رجل منهم يقودهم برفق وهو في وسطهم لا يترفع عنهم. وقال: هكذا كانت حال الأنبياء والمصلحين مع أممهم أهـ م ع
[ ٢١٧ ]
الفطرية ولا النصوص الشرعية ما يصح ونظراءه لزومًا واضحًا تكذيب النصوص ولابد.
وقد حكى بعض المحشين على (المواقف) عبارة التفتازاني المذكورة ثم تعقبها بقوله: «فيه فتح باب الباطنية لأنه جاز إظهار الباطل حقًا في آيات كثيرة وتقريره في عقول عامة المسلمين لقصور دركهم جاز مثله في سائر الأحكام كخلود العذاب الجسماني والجنة والجسماني والصراط الأدق من الشعر لأن الصرف عن الظاهر لا يتوقف على استحالة بل الاستبعاد كاف نحورأيت الأسد في الحمام، فالحق أن تأويل تلك الآي بظهور المجرد في صورة الجسماني» .
أقول: حاصل هذا التعقب موضحًا أن الاستحالة المزعومة لم تكن تدركها عقول المخاطبين فلا يصح عدها قرينة تدفع الكذب، فإن زعمتم أنه اقتضت المصلحة التسامح في هذا والاكتفاء بجواز الكذب من الله ورسله والتكذيب منكم بأن هناك ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة وهو الاستحالة العقلية كان للبطنية أن يعتذروا بنحوعذركم عن تأويلاتهم لغالب العقائد والأحكام متشبثين بدعوى الاستبعاد كما تشبثتم بدعوى الاستحالة، والحاصل أنكم تشبثتم باقتضاء المصلحة ودعوى وجود ما لوعلمه المخاطبون لكان قرينة، وهذه حال الباطنية أيضًا.
ثم أقول: الاستحالة مدفوعة، وكثير من النصوص صريح لا يحتمل غير ذاك المعنى الذي ينكره المتعمقون، والكلام الذي غير الظاهر احتمالًا قريبًا لا يصرف عن ظاهر إلا بقرينة، ومن شرط القرينة أن يكون من شأنها أن لا تخفى على المخاطب، فإن لم يتحمل غير ظاهره أو احتمله ولا قرينة فزعم أن ظاهره باطل تكذيب له ولابد، ومعلوم من الدين بالضرورة استحالة أن يقع كذب من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر به عنه، والله تعالى أجل وأعظم من أن يكذب
[ ٢١٨ ]
لمصلحة، والمصلحة المزعومة قد مر إبطالها في الباب الثالث، ومر هناك ما يكفي ويشفي.
فأما ظهور المجرد في صورة الجسماني، فالتجرد المزعوم لا حقيقة له، وإنما المعروف ثمثل الملك بشرًا ولا يلزم من جواز ذلك في المخلوق جوازه أو نحوه في الخالق جل وعلا، ومع ذلك فتلك حال عارضة والنصوص صريحة في حال مستقرة مستمرة وبدائه العقول تقتضي بذلك كما لا يخفى. والله الموفق.
السابعة: المباحث التي تتعلق بالتدقيق في شأن وجود الله ﷿، يلتبس فيها الأمر فينزل النظر من الوجود الواجب الذاتي الذي لم يزل الممكن والحادث كما تقدم في الباب الثالث (١) وتقدم هناك المخلص من أمثال ذلك، وإمتثالًا لذلك نقول: إننا لا نطلق ما لم يطلقه الشرع ولا وضح به الحق، وإنما ندين بما ثبت بالمأخذين السلفيين، عاملين أنه لا يلزم الحق إلا حق، فكل ما ثبت بالمأخذين السلفيين فهو حق، وم اأو رد عليه من الإلزامات التعمقية لم يخل الخال أن يكون اللزوم باطلًا أو يكون اللازم حقًا لا ينافي ما ثبت بالمأخذين السلفيين.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
القرآن كلام الله غير مخلوق
هذه القضية كانت بغاية الوضوح في عهد السلف، ثم جحدها الزائغون، ثم التبس الأمر فيها على بعض الناس، وقد كفى فيها وشفى ما بينه إمام السنة أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ثم ما حرره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
_________________
(١) ص ١٣١ - ١٣٦.
[ ٢١٩ ]
البخاري، ثم ما حققه ونقحه شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، ولكن لا أخلي هذه الرسالة عن إشارة إلى ذلك، فأقول:
العقول الفطرية قاضية بأن لله تعالى الكمال المطلق والقدرة التامة، وأنه متى شاء أن يتكلم الكلام الحقيقي المعروف بعبارة وحرف وصوت تكلم كيف شاء، ثم جاءت كتب الله تعالى ورسله بإثبات أنه سبحانه تكلم ويتكلم، وكلم ويكلم، وقال ويقول، ونادى وينادي، وأن القرآن هذا المعروف كلام الله على الحقيقة الحقة. وقد أخبر الله تعالى أن الجمادات قد تتكلم كلامًا حقيقيًا، وأن أعضاء الإنسان تنطق يوم القيامة فتشهد عليه، وأخبر النبي ﵌ أنه كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه، وأسمع أصحابه تسبيح الحصى. فكان من المعلوم عند الناس أن التكلم بالعبارة والحرف والصوت ليس موقوفًا على الآلات التي يتكلم بها الإنسان، بل قد يتكلم المخلوق بغيرها فكيف الخالق ﷿؟ فلم يلزم من تكلم الله ﷿ أن يكون له جوف اوغير ذلك مما هو منزه عنه.
ثم جحد الزائغون كلام الله ﷿، وحاولوا تحريف معاني النصوص التي لا تحصى تحريفًا ليس بخير من التكذيب الصريح، بل لعله شر منه، ثم حال بعض الناس التلبيس فحمل النصوص على كلام نفسي ليس بعبارة ولا حرف ولا صوت، بل راد أنه معنى واحد لا تنوع فيه ولا تعدد، فلا أمر فيه ولا نهي، ولا خبر ولا ولا، ثم لم يزالوا في تخبيط وتخليط إلى أن صاروا إلى ما في (روح المعاني) ج ١ ص ١٥ قال: «الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى ﵇ سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب معه قال وقيل» . ثم ذكر آيات النداء ثم قال: «واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت، بل قد ورد إثبات
[ ٢٢٠ ]
الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى، وأخبار لا تستقصى. روى البخاري في (الصحيح): يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» .
ثم ذهب إلى تخليط المتصوفة، إلى أن قال:
والفرق بين سماع موسى ﵇ كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى ﵇ سمع من الله ﷿ واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي» . وعاد إلى تخليط المتصوفة.
فأقول: قد مر الله ﵎ عباده بتدبر القرآن وتصديقه والإيمان به على حسب فطرهم وعقولهم الفطرية، ولم يكلفهم تعمق المتكلمين فضلًا عن تغلغل المتصوفة، سواء أكان عن تخيل أم عن تعقل، وفي (الصحيحين) عن ابن عمر «قال رسول الله - ﷺ -: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (أشار بيديه مبسوطة أصابعهما) وعقد الإبهام على الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا (أشار بها مبسوطة أصابعهما في الثلاث كلها) يعني تمام الثلاثين يعني تسعة وعشرين مرة ثلاثين» .
وإذ أعترف المتعمقون بأن الله ﵎ يتكلم بلا واسطة بعبارة وحرف وصوت ويسمع كلامه من يشاء من خلقه، فهذا الذي قامت عليه الحجة، وعليه سلف الأمة وأتباعهم، ولم يبق إلا التنطع عن الكيفية، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يبتغيه إلا أهل الزيغ «والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ومن لدنك رحمة أنك أنت الوهاب» .
[ ٢٢١ ]
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
اشتهر عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ليس العمل من الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص. وروى الخطيب عن جماعة من أهل السنة إنكارهم ذلك على أبي حنيفة، ونسبته إلى الأرجاء، فتكلم الكوثري في تلك الروايات، وحاول التشنيع على أولئك الأئمة، وأسرف وغالط على عادته، فاضطررت إلى مناقشته دفعًا لتهجمه بالباطل على أئمة السنة.
قال الكوثري ص ٤٠ من (تأنيبه): «يرى أبوحنيفة أن العمل ليس بركن أصلي من الإيمان، بحيث إذا أخل المؤمن بعمل يزول منه الإيمان، كما يرى أن الإيمان هو العقد الجازم بحيث لا يحتمل النقيض، ومثل هذا الإيمان لا يقبل الزيادة والنقص» .
وقال ص ٣٤: «وحيث كان أبوحنيفة وأصحابه لا يرون تخليد المؤمن العاصي في النار، رماهم خصومهم في الأرجاء وأعلنوا عن أنفسهم أنهم منحازون إلى الخوارج في المعنى» .
وقال ص ٤٤: «والإرجاء بالمعنى الذين هم يقولون به هو محض السنة، ومن عادى ذلك لا بد أن يقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة شاعرًا أو غير شاعر» . ثم قال:
كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى إن الإيمان هو العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال الله تعالى: «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم»، (١) وقال النبي - ﷺ -: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله
_________________
(١) وقع في «التأنيب: «قلوبهم» سهو ًا. المؤلف
[ ٢٢٢ ]
ذكر الاختلاف في مرتكب الكبيرة وقول المرجئة في ذلك
واليوم الآخر، ونؤمن بالقدر خيره وشره» أخرجه مسلم عن ابن عمر، (٢) وعليه جمهور أهل السنة، وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا، إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة، لأن الإخلال بعمل من الأعمال - وهو ركن الإيمان - يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخل بعمل خارجًا من الإيمان، إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه، بل في منزلة بين منزلتين - الكفر والإيمان - كما هو مذهب المعتزلة، وهو من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرموا أيضًا مما كان عليه أبي حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم، وإما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدونه ركنًا منه أصليًا، ونتيجة ذلك كما ترى فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة، وأما الإرجاء الذي يعد بدعة، فهو قول من يقول: لا تضر مع الإيمان معصية، وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين، لإخلالهم من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى» .
أقول: اختلفت الأمة فيمن كان مؤمنًا ثم ارتكب كبيرة. فقالت الخوارج: يكفر، وقالت المعتزلة: لا يكفر ولكن يزول إيمانه، وإذا مات من غير توبة دخل النار وخلد فيها مع الكفار، وقالت المرجئة لا يكفر ولا يزول إيمانه ولا يدخل النار، لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقال أهل السنة: لا يكفر، ولا يزول إيمانه البتة بمجرد ارتكابه الكبيرة ولكنه يكون ناقصًا، وقال بعض الأئمة: إلا ترك الصلاة المكتوبة عمدًا فإنه كفر، وحقق بعض إتباعهم أن الترك نفسه
_________________
(١) كذا الأصل، أعني «التأنيب» وهو خطأ، والصواب: «عمر بن الخطاب» فإنه من مسنده عند مسلم وغيره، وإنما رواه ابن عمر عنه، فتوهم الكورثي أنه من مسند ابن عمر. ن
[ ٢٢٣ ]
ليس كفرًا، ولكن الشرع قضى انه لا يكون إلا من كافر.
يستدل المرجئة والمعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن المؤمنين لا يعذبون، ويستدل المعتزلة والخوارج ظاهرها بنصوص أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمنًا، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرها أن ارتكاب لعض الكبائر كفر. وأهل السنة يجيبون عن الأولين؛ بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي نقص الإيمان لا زواله، ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليس من الإيمان.
وهذا القول قد كان أبوحنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري أنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان، ولا غرض في النظر في هذا وتتبع الروايات.
بل أقول: تلك الموافقة يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة، أما من لم يعترف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح، وأما من عرف فيكفي لإنكار القول أنه مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يقتدي بأبي حنيفة، ولا يعلم قوله أن أهل المعاصي يعذبون فيتغير بذلك، وقد يبلغ بعضهم قولاه معًا إلى الثاني بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب وقد دلت النصوص على أن المؤمنين
لا يعذبون؟ ! ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، ويقول أحدهم لم أعذب نفسي في الدنيا بما لا يزيد إيماني شيئًا، حسبي أن إيماني مساوٍ لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين قائلين: أعظم ما عندهم الإيمان، وأفجر الفجار مساوٍ لهم فيه!
وإذا كان أبو حنيفة كما يقول الكوثري يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعض الناس فيقولن: إذا كنت لا
[ ٢٢٤ ]
أصير مؤمنًا إلا بأن يكون يقيني مساويًا ليقين جبريل ومحمد ﵉ فهذا ما لا يكون، ففيم إذًا أعذب نفسي بالأعمال فأجمع عليهما عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟ !
وبعد فيكفي مبررًا لإنكار ذاك القول مخالفته للنصوص الشرعية، وأما النصوص على أن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص بحسبها فمعروفة، حتى اضطر الكوثري إلى المواربة، فزعم أن أبا حنيفة إنما كان يدفع أن يكون العمل ركنًا أصليًا لا أنه من الإيمان في الجملة، كاليدين والرجلين وغيرها من الأعضاء بالنسبة إلى الجسد هي منه وينقص بفقدها مع بقاء أصله، وإن كان في لعض عبارات الكوثري ما يخالف هذه الدعوى.
وأما النصوص على أن الإيمان القلبي يزيد وينقص، فمنها الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه مثقال حبة خردل من لإيمان، ثم من قالها وفي قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان. (١)
فأما قول الله ﷿: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» فليس فيها ما ينافي أن تكون الأعمال من الإيمان، وإنما غاية ما فيها أن الاعتقاد القلبي ركن ضروري للأيمان، فلا يكون الإنسان مؤمنًا حقًا بدونه، فإن قوله «لم تؤمنوا» نفي لإيمانهم، ويكفي نفيه
_________________
(١) قلت: من شاء الاطلاع على الأحاديث الواردة في زيادة الإيمان ونقصانه، وكذا الآثار عن الصحابة والتابعين فليرجع إلى «كتاب الإيمان» لأبي بكر ابن أبي شيبة الذي قمنا بتحقيقه، وأشرفنا على طبعه مع رسائل أخرى، تم طبعها على نفقة صاحب المعالي الشريف شرف رضا آل يحيى وجعلها وقفًا لله تعالى، جزاه الله خيرًا. ن
[ ٢٢٥ ]
انتفاء ركن ضروري عنه كما لا يخفى، وقوله: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» لا يقتضي أن الإيمان كله هو الذي يكون في القلب، ألا ترى أنه يصح أن يقال: لم يدخل الإسلام في قلب فلان.. أو: لم يدخل الدين في قلب فلان. مع الاتفاق أن الإسلام والدين لا يختص بما في القلب.
وأما ما في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر » فقد أجاب عنه البخاري في «كتاب الإيمان» من (صحيحه) قال: «باب سؤال جبريل النبي ﵌ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي ﵌ ثم قال: «جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم»، فجعل ذلك كله دينًا وما بين النبي ﵌ لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ»» .
وقصة وفد عبد القيس التي أشار إليها هي في (الصحيحين) أيضًا وقد وردها فيما بعد فأخرج من طريق ابن عباس في قصة محاورة النبي ﵌ لهم « فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده،، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة » فقد يقال: الإيمان في حديث جبريل منحوٌّ به المعنى اللغوي لا المعنى الشرعي، ويؤيد ذلك أن السائل في حديث جبريل كان في الظاهر كما يعلم من الروايات أعرابيًا لم يجتمع قبل ذلك بالنبي ﵌ فلما أبتدأ فقال: ما الإيمان؟ كان الظاهر أنه إنما يريد بالإيمان ما يعرفه في اللغة، فإذا كان معناه في اللغة التصديق القلبي، فظاهر السؤال: ما الذي يطلب في الدين التصديق القلبي به؟ . وأما في قصة عبد القيس، فإن النبي ﵌ هو ابتدأ فأمرهم بالإيمان ثم فسره لهم، فكان المعنى الشرعي للإيمان هو ما جاء في قصة عبد القيس.
[ ٢٢٦ ]
الرد على الكوثري في زعمه أن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص
فإن قيل: فإنه لم يستوعب الأعمال.
قلت: هذا السؤال مشترك، ولا قائل أن ما ذكر فيه من الأعمال هي من الإيمان دون
غيرها، ومثل هذا في النصوص كثير من الاقتصار على الأهم، وإما لعلم المخاطب بغيره، وإما اتكالًا على أنه سيعلمه عند الحاجة، وإما لأن في الإجمال ما يدل عليه، وكثيرًا ما يقع الاختصار من بعض الرواة.
وبالجملة، فإذا صح قول الكوثري أن أبا حنيفة لا يقول إن الأعمال ليست من الإيمان مطلقًا وإنما يقول إنها ليست ركنًا أصليًا وإنما الركن الأصلي العقد والكلمة، فالأمر قريب.
فلندع هذا، ولننظر فيما زعمه أن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص حتى قال ص ٦٧: «لأن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض لا يتصور تفاوت أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم والتيقن، ويكون النقص عن مرتبة اليقين كفرًا» .
أقول: تفاوت الإيمان القلبي ثابت نقلًا ونظرًا.
أما النقل فمعروف، وقد تقدمت الإشارة إلى حديث الخروج من النار.
وأما النظر فإن الإنسان إذا قارن بين اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة وبين اعتقاداته الدينية التي يجزم أنه موقن بها بأن له الفرق. فإن أحب الكوثري فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس بعدم الإيمان، وإن أحب فليثبت ما نفاه، وقد صرح النظار بأن اليقين يتفاوت قوة وضعفًا كما تراه في (المواقف) (١) وغيرها، وفي
(فتح الباري) «قال الشيخ محي الدين (٢) الأظهر المختار أن التصديق
_________________
(١) موقف ٦ مرصد ٣ مقصد ٢.
(٢) محي الدين كأنه النووي الفقيه الشافعي شارح «صحيح مسلم» رحمه الله تعالى، وليس المراد به محي الدين بن عربي الحاتمي المتصوف فذاك له مجال آخر. م ع هو النووي قطعًا. المؤلف
[ ٢٢٧ ]
يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: (تعظيم قدر الصلاة) عن جماعة من الأئمة نحوذلك» .
فإن أحب الكوثري فليحكم على نفسه وعلى جمهور الناس أن أحدهم يختلف حاله في حياته، فيكون تارة مؤمنًا وتارة غير مؤمن! وإن أحب فليثبت ما نفاه.
وفي (صحيح مسلم) وغيره قصة أبي ابن كعب ﵁ في اختلاف القراءة وفيها قوله: «فسقط في نفسي من التكذيب في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﵌ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا..» ولا يرتاب عاقل أن لإيمان هذا الصحابي الجليل عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها. وقد عرض لعمر بن الخطاب وغيره قصة الحديبية ما يشبه ذلك. وفي حديث الرجل الذي قاتل مع النبي ﵌: هو من أهل النار: «فكاد بعض الناس يرتاب» .
ولا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتًا عظيمًا، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت. بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى فترغب نفسك في الطاعة وعن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك. وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضًا، وقد يتراءى له أنها تتناقض. وقد يرى نصوصًا في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصًا في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك. ويرى نصوصًا في الأخبار عن الجن والشياطين، والأرض والسماء،
[ ٢٢٨ ]
رأي المصنف في من يقول أن يقينه مثل يقين الأنبياء
النهي عن السفر يوم الجمعة لم يصح (تعليق)
والشمس والقمر، وغير ذلك، فيتبين له أنها موافقة للواقع، وقد يتراءى له أنها مخالفة له. ويطالع السيرة فيها أمورًا واضحة الدلالة على النبوة، وقد يرى فيها ما يتراءى له منه خلاف ذلك. ويسمع من الأطباء وغيرهم ما يوافق ما جاء في الشرع، وقد يسمع منهم ما يخالفه. يطيع النبي صلى الله عليه آله وسلم في بعض الأمور فيناله نفع، وقد يتفق له خلاف ذلك، وهذا كمن يريد سفرًا مع رفقة فتعزم الرفقة على الخروج يوم الجمعة قبل الصلاة فيأبى أن يخرج قبل الصلاة للنهي الشرعي عن ذلك، (١) وسافر الرفقة فتصيبهم مصيبة كاصطدام القطار، أو غرق الباخرة أو نحو ذلك، وينج لتأخره، وقد يتفق خلاف هذا بأن تسلم الرفقة وتغنم، ويخرج هو بعد الصلاة فيصيبه ضرر. وأشباه هذا كثيرة لا تكاد تمضي ساعة إلا ويقع شيء منها. ولا ريب أن اعتقاد الإنسان بنبوة محمد - ﷺ - لا يبقى على حال واحدة مع اختلاف الأمور المذكورة، بل يصفوتارة، ويتكدر أخرى، ويقوى تارة، ويضعف أخرى، ويزيد تارة، وينقص أخرى.
ولا أدرى عاقلًا يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. وقد حاول الكوثري أن يجيب عن هذا فقال ص ٦٧:
«نعم، إن الإيمان الأنبياء، وإيمان العلماء، وإيمان العوام يتفاوت من جهة ما يحتمل الزوال منها، وما لا يحتمله، واحتمال الزوال أو عدم احتماله، ناشيء من أمر خارج، وذلك من تفاوت طرق حصول الجزم عندهم، لا من التفاوت في ذات الإيمان، فالإيمان عند الأنبياء لا احتمال لزواله منهم، لأن حصوله عن مشاهدة ووحي قاهر، وإيمان العلماء يحتمل الزوال بطروء بعض شبه على أدلة الإيمان عندهم، ولواحتمالًا ضعيفًا، وأما إيمان العوام فربما يزول بأيسر تشكيك فبهذا البيان
_________________
(١) قلت: لم يثبت النهي عن السفر يوم الجمعة، بل صح عن عمر ﵁ أنه قال لمن سمعه يقول: لولا أن اليوم جمعة لخرجت! قال عمر: «أخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر» . راجع لهذا وغيره مما روي في النهي كتابنا «سلسلة الأحاديث الضعيفة» رقم (٢١٨، ٢١٩) . ن
[ ٢٢٩ ]
اتضحت المسألة تمام الاتضاح إن شاء الله تعالى لكل من ألقى السمع وهو شهيد» .
ونَوَّهَ عن هذا الكلام ص ١٩٣ بقوله: «تحقيق بديع » !
أقول: لنا أن نلتمس من الأستاذ الكوثري أن يفكر في اعتقاده أن الثلاثة من حيث العددية أقل من الستة، هل يمكن أن يتشكك فيه يومًا ما مع بقاء عقله؟ فإن قال: لا، فليستعرض الاعتقادات الدينية الضرورية للإيمان، التي يرى أنه جازم حق الجزم، هل يمكن أن يتشكك في بعضها يومًا ما؟ فإن قال: لا، فقد أخرج نفسه من زمرة العلماء الذين قضى في عبارته السابقة بأن يحتمل الزوال!
وإن قال: يجوز ذلك.
قيل له: فتجويزك هذا ألا يدل على أن جزمك بتلك العقيدة دون جزمك بأن الثلاثة نصف الستة؟ .
فإن قال: قد قلت: إن هذا الأمر خارج.
قيل له: هذا الأمر الخارج إنما حاصله قوة الدليل في حق الأنبياء، وكونه دون ذلك في حق العلماء، أوليس من لازم تفاوت الأدلة في القوة تفاوت الجزم بمدلولاتها عند العارف بتفاوتها؟ فالدليل الذي الذي يكون عندك غاية في القوة، ويكون جزمك بمدلوله، وانتفاء نقيضه أقوى من جزمك بمدلول دليل دونه عندك في القوة.
فإن قال: ليس هذا بلازم الجزم قد يقع عن شبهة باطلة.
قلت: من جزم عن شبهة باطلة، فإنه لا يراها شبهة، بل يراها دليلًا قاطعًا، وكلامنا إنما هو في العالم الذي يميز بين الأدلة.
فإن عاد وقال: تفاوت الأدلة مع الجزم بمدلولاتها إنما يكون من جهة إن بعضها لا يحتمل إن تعرض شبهة تشكك فيه، وبعضها يحتمل ذلك.
[ ٢٣٠ ]
معيار الإيمان القلبي العمل وذكر آيات وأحاديث في ذلك
قيل له: تسمية العارض شبهة، فيه شبه مغالطة، فإن من جزم بشيء ثم عرض له ما يجزم بأنه شبهة، فإن لا يتغير جزمه الأول، وإنما يتغير حيث يجوز أن العارض دليل، فعلى هذا، إذا كنت الآن تجوز في بعض ما تجزم أن يعرض ما يشكك فيه ويزيل جزمك، فمعنى ذلك أنك تجوز أن يعرض مشكك فيه يحتمل أن يكون دليلًا صحيحًا، وأن يكون شبهة، (١) ويوضح هذا أن بعض المسائل الحسابية والهندسية واليقينية يجوز لجازم بها بعد أن يحيط بها أن يعرض ما يظهر منه خلاف ما جزم به، ولكنه يجزم الآن بأنه لوعرض ألف عارض من تلك العوارض لما تغرير جزمه، وكما يجزم بهذا في حق نفسه، فكذلك يجزم في حق غيره بأن من عرف تلك المسألة كما عرفها، لا يتغير جزمه ما دام عقله، فهذا هو الذي يصح أن تحكم بأنه جازم أن العارض لا يكون إلا شبهة.
فإن قيل: فما قولك أنت؟
قلت: أقول: إن الإيمان يتفاوت، وإن ذلك التجويز المستعبد إذا كان صاحبه ينفر عنه، ويشفق منه، ويستعيذ بالله ﷿ فإنه لا يضر، بل ولا يضره عروض الشبهة إذا كان عند عروضها يتألم ويتأذى وتشق عليه، ويبادر إلى طردها عن نفسه مستعيذًا بالله ﷿، وإنما يضره أن يأنس بها، وتستقر في نفسه، وتبيض، وتفرخ، حتى يصدق عليه اسم «مرتاب» هذا هو تدل عليه النصوص، والذي لا يسع الناس غيره و«لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» .
ومعيار الإيمان القلبي العمل، ولهذا كان السلف يقولون: «الإيمان قول وعمل»، ولا يذكرون الاعتقاد، وكانت المرجئة تقول: «الإيمان قول» . ثم منهم من يوافق أهل السنة على اشتراط الاعتقاد، ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولكن يشترطه للنجاة، وهذا قول الكرامية. ومنهم من لا يشترطه في اسم الإيمان، ولا في النجاة، وهؤلاء هم الغلاة.
_________________
(١) كذا الأصل لا، ولا تخلوا العبارة من شيء. ن
[ ٢٣١ ]
وقال الله ﷿: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» إلى قوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» الحجرات: ١٤ - ١٥
وقال تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» . الأنفال: ١ - ٤
وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» . وفي رواية مسلم: «أعلاها لا آله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق» .
وذكر الله ﷿ في سورة (التوبة) المنافقين ثم قال: «وآخرون اعترفوا بذنبهم» إلى أن قال: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» التوبة: ١٠٢ - ١٠٥.
وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة: «قال رسول الله - ﷺ -: آية المنافق ثلاث: - زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم - إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» . وفيها من حديث عبد الله بن عمرو: «قال رسول الله - ﷺ -: أربع
من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» .
وفي (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ٥٣: عن سفيان الثوري أنه قال: «خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول لا عمل، ونقول: قول وعمل، ونقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: أنه لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق،
[ ٢٣٢ ]
توجيه المصنف لقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص
وهم يقولون: لا نفاق» .
أقول: كأنهم في قولهم: «النطق بالشهادتين هو الإيمان»، يشترطون أن يقع النطق من قائليه طوعًا ولا يكذبون أنفسهم فيه إذا خلا بعضهم إلى بعض، ثم يقولون: إن المنافقين الذين كانوا في عهد النبي محمد - ﷺ - كانوا ينطقون تقية ويكذبون أنفسهم إذا خلوا، فهذا هو النفاق، فأما من يقول طوعًا، ولا يكذب نفسه إذا خلا، فهو مؤمن، وإن كان في نفسه شاكًا مرتابًا، بناء على جحدهم اشتراط الاعتقاد في الإيمان، وأهل السنة يقولون هذا نفاق إذا شرط الإيمان عندهم الاعتقاد.
وبالجملة فلا أرى عاقلًا لقوله يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلا على أحد أوجه:
الأول: أن يكون يخص لفظ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتد بها دونه، فهو بمنزلة النصاب، فكما أن نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب، فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق لا يزد ولا ينقص وإن تفاوت الخلف في التصديق. أو قل: إنه بمنزلة زكاة الفطر، وهي صاع لا يزيد ولا ينقص، وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائة أو ألفًا اوأكثر من ذلك.
الثاني: أن يكون عنده أن الإيمان قول فقط، وهذا إن فسر القول بالشهادتين، وقال: إنه لا يكفي للنجاة فهو قول الكرامية، وإن فسره بهما وقال: إنه يكفي، فهو قول غلاة المرجئة، وإن فسره بالاعتراف اللساني بربوبية الله ﷿، وقال: إنه لا يكفي للنجاة ولجريان أحكام الإسلام فهو قريب من الأول، وإن قال إنه يكفي لذلك فهو أشد من قول غلاة المرجئة.
الثالث: أن يزعم أن الإيمكان هو القوزل والاعتقاد الذي لا يقين فوقه، ولا أرى هذا إلا قاضيًا على نفسه وغالب الناس بعدم الإيمان. والله المستعان.
[ ٢٣٣ ]
فيه بيان أنه قول السلف وكراهة قول: أنا مؤمن حقا
قول: أنا مؤمن إن شاء الله
جاء عن بعض السلف كراهية أن يقول الرجل: «أنا مؤمن حقًا» والأمر بأن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله» (١) وكذلك كانوا يقولون، وقال البخاري في (كتاب الإيمان) من (صحيحه): «باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﵌ كلهم يخاف النفاق عن نفسه، ما منهم أحد يقول: أنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن (البصري): ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق » .
وفي (فتح الباري) أن مقالة الحسن صحيحة من طرق، وأن في رواية المعلى بن زياد: «سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا آله إلا هو ما مضى مؤمن قط وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. وفي رواية هشام: سمعت الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخالف النفاق، ولا أمنة إلا منافق إلا» .
واقتبس البخاري أول الترجمة من قول الله ﵎: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» . أول (الحجرات) .
_________________
(١) راجع الآثار الواردة في ذلك في «كتاب الإيمان» لابن أبي شيبة الذي سبقت الإشارة إليه قريبا كتاب، واستعن على ذلك بـ «فهرس الآثار» الذي وضعناه في آخره. ن
[ ٢٣٤ ]
والمؤمن لا تحبط أعماله، قال الله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا» طه: ١١٢.
وقال تعالى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . التوبة: ١٠٢.
وإنما تحبط أعمال الكافر، قال الله تعالى: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» . المائدة: ٥
وأقرأ من آل عمران: ٢٢، والأنعام: ٨٨، والأعراف: ٧٧، والتوبة: ١٧، و٦٩، وإبراهيم: ١٨، والكهف: ١٠٥، والفرقان: ٢٣، والزمر: ٦٥، والقتال: ٣٢ - ٣٤،.
وقد قال تعالى: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . الحجرات: ١٤.
فإذا كان حال هؤلاء فما الظن بحال من قد آمن واستقر الإيمان في قلبه؟
فأما قوله تعالى: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» . هو د: ١٥ - ١٦.
فهي في سياق الكلام في الكفار فهي ورادة فيهم ويدخل فيهم المنافقون، وللمؤمنين المخلصين في بعض أعمالهم المرائين في بعضها نصيب من الآية بالنظر إلى ما وقع فيه الرثاء دون غيره.
وأما قوله سبحانه: «فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
[ ٢٣٥ ]
قول سفيان: أرجو إذا قيل له: أمؤمن عند الله
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ» البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢.
فالفريق الأول هم الذين يكون جميع دعائهم وعبادتهم لطلب الدنيا فقط ولا شأن لهم بالآخرة، وهذا أنما يكون ممن لا يؤمن بالآخرة إيمانًا صادقًا، ومن لا يؤمن بها فليس بمؤمن، فأما المؤمن فإنه لا بد أن يهتم بالآخرة، فالمؤمن لا يحبط عمله حتى دعاؤه لطلب حاجته المباحة
من الدنيا، فإنه قد لا يقضي الله ﷿ له بعض تلك الحوائج، ولا يعوضه في الدنيا، بل يدخر له ثواب دعائه في الآخرة، كما ورد في أحاديث تفسير استجابة الدعاء، وقد اتفق الأمة فيما أعلم على أن المؤمن لا تحبط أعماله التي أخلص فيها واستمر على إخلاصه، ومن قال من المعتزلة: إن الكبيرة تحبط الأعمال هم الذين يقولون أن ارتكاب الكبيرة يبطل الإيمان.
وروى الخطيب بسنده إلى محمود بن غيلان «حدثنا وكيع قال سمعت الثوري يقول نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله، قال وكيع: وقال أبوحنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شرك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقًا. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبوحنيفة عندنا جرأة» .
وذكر الكوثري في (تأنيبه) ص ٣٤ هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: «حدثنا وكيع قاتل كان سفيان الثوري إذا قيل أمؤمن أنت؟ قال: نعم، فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبوحنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا» .
وقال الكوثري ص ٦٧: «لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقق الجزم المنافي لتجويز النقيض فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراد بذلك إن الخاتمة مجهو لة وأرجوالله أن يختم لي بخير فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء، وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما اعتقده إيمانًا هنا إيمانًا عند الله فهو شاك غير جازم بل جوز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من
[ ٢٣٦ ]
الإيمان في شيء، لأنه ليس من اليقين على شيء، فتبين من هذا البيان أنه لا يتصور تفاوت أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفرًا» .
أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها.
فأما المسألة الأخرى فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا:
الأولى: اعتقادك ثبوت كل أمر من الأمور التي ترى اعتقاد ثبوت جميعها هو الإيمان الذي لا بد منه.
الثانية: اعتقادك أنك جازم بكل واحد من تلك الأمور الجزم الكافي عند الله ﷿.
الثالثة: اعتقادك أنك وافٍ بجميع الأمور الضرورية للإيمان في نفس الأمر، من اعتقاد وفعل وترك.
فمن قيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو، أو: إن شاء الله، فهذا يتعلق بالقضية الثالثة كما لا يخفى، ولا يجب تعلقه بالثانية، فأما الأولى فبعيد عنها.
وقد دلت آيات الحجرات السابقة على أن المؤمن قد يزول إيمانه وهو لا يشعر فكيف يسوغ ذلك مع هذا أن تجزم بالقضية الثالثة فتقول: أنا عبد الله مؤمن حقًا، اللهم ألا أن تريد بالإيمان معنى هذا كمجرد النطق بالشهادتين، أو مجرد الاعتراف اللساني بربوبية الله ﷿.
وتدبر آيات الحجرات، وتأمل معاملتك للنصوص الشرعية التي تخالفها في العقائد والإيمان والفقه زاعمًا أنك تخالف ظواهرها، وأنعم النظر في ذلك ألا تخشى أن يكن في معاملتك لها ما هو قديم بين يدي الله ورسوله ورفع لصوتك خلاف صوته وجهر له بالقول كما تجهر لمخالفيك ودون جهرك لأئمتك في الكلام والفقه بكثير؟ !
[ ٢٣٧ ]
وتدبر قوله تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُون» إلى قوله: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا» إلى قوله: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» . النساء - ٥٩ - ٦٥
وانظر أين أنت منها، ففي هذا الإجمال كفاية، وبها يتضح ما في عبارة الكوثري من المغالطة، فإنها توهم أن قول القائل: أرجو، أو: إن شاء الله، ينافي الجزم بما في القضية الأولى، فإن قول الكوثري في تفسير ذلك «ولا أدري ما إذا كان ما اعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله» يصدق بأن تكون الإشارة إلى الإيمان بما في القضية الأولى، كأنه قال:
لا أدري هل الإيمان بنبوة محمد إيمان عند الله؟ وهكذا في بقية الأمور، وقول الكوثري: «بل جوز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده» كالصريح فيما ذكر من الإيهام.
فإن قلت: إذا كان الرجل جازمًا بوجود الله تعالى وبروبيته وتفرده بالألوهية ونبوة محمد وغير ذلك من أمور الإيمان التي تتضمنها القضية الأولى فما الذي يشككه في القضية الثانية أي في أنه جازم في تلك الأمور؟ ثم ما الذي يشككه في الثالثة أي في أنه عند الله تعالى مؤمن حقًا؟
قلت: قد مر ما يكفي لوتدبرته، وأزيده إيضاحًا:
تقدم في المسألة السابقة أن الجزم يتفاوت، فإذا ثبت ذلك ولم يكن عندك برهان واضح على أن القدر الذي عندك منه كاف عند اله تعالى، فمن أين يتهيأ لك أن تجزم بذلك؟ وهب أن الجزم الأول لا يتفاوت فمن أبن لك أن تجزم بأن جزمك مسار لجزم جبريل ومحمد ﵉؟ فإن منتك نفسك ذلك فأنظر إن كنت من إتباع المتكلمين في النصوص المصرحة بأن الله تعالى في السماء فوق سماواته على عرشه، والنصوص الدالة على أنه ﷾ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وإنه يجيء
[ ٢٣٨ ]
يوم القيامة، وغير ذلك مما خالفت فيه السلفيون، ثم تأمل في جزمك بأن محمدًا رسول الله صادق في كل ما أخبر به عن الله واستحضر ما تقدم عن أئمتك في مسألة الجهة وفي الباب الثالث: فإن زعمت أنك جازم، فوازن بين ذاك الجزم وبين جزمك بأن الثلاثة أقل من الستة.
وانظر إن كنت فقيهًا في الأحاديث الذي اشتهر أن إمامك يخالفها، وتفكر فيما تعاملها به، وانظر هل تقع منك تلك المعاملة وأنت جازم بأن محمدًا رسول الله صادق بكل ما أخبر به عن الله، وأنك محكم له فيما وقع فيه الاختلاف، مسلم لحكمه تسليمًا لا تجد في نفسك جرحًا مما قضى؟
وانظر، وانظر، وأعم ذلك أن تنظر في عملك اعمل من يوقن بأن محمدًا رسول الله صادق في كل ما أخبر به من التكليف والحساب والجزاء والجنة والنار؟ وهل عملك مساوأو مقارب لعمل النبي ﵌ وأفاضل أصحابه وخيار التابعين؟
وأما القضية الثالثة: فإنك إن تدبرت وجدت شأنها أوضح فأن الأمة اختلفت في أمور الإيمان، فمن الناس من يشترط الجزم بثبوت بعض ما تنفيه أنت أو ينفي بعض ما تثبته، أو يعد منها ما لا تعده.
ومن أهل السنة من يشترط المحافظة على الصلوات المكتوبة، والمعتزلة والخوارج يشترطون المحافظة على الفرائض والسلامة من الكبائر، وليس جزمك بخطأ هؤلاء في جميع ما يخالفونك فيه كجزمك بأن الثلاثة أقل من الستة، أفلا تخشى أن يكون من أقوالهم ما هو حق في نفس الأمر، وتكون أنت مقصرًا تقصيرًا لا تعذر فيه؟ !
وقد اختلف الفقهاء في كثير من أحكام الصلاة فلعل كثيرًا من صلواتك يقول بعض مخالفيك أنها باطلة، فلعلك غير معذور في مخالفته فيكون حكمك حكم من ترك تلك الصلوات. ولعل فيما تسامح نفسك ما يكون فريضة في نفس
[ ٢٣٩ ]
الأمر، وفيما تسامح نفسك بفعله ما يكون كبيرة في نفس الأمر، ولعلك لا تستح عذر الجاهل أو المخطئ.
وأشد من ذلك أن رأس أمور الإيمان شهادة ألا آله إلا الله، فهل حققت معنى الألوهية، أفلا تخشى أن يكون في اعتقاداتك وأعمالك ما هو تأليه وعبادة لغير الله ﷿، وقد قال تعالى: «وما يؤمن أكثرهم بالله وهم مشركون» . يوسف - ١٠٦ وقال سبحانه: «اتخذوا أحباركم ورهبانهم أربابًا من دون الله» . التوبة - ٣١
وفي حديث: «أتقوالشرك فأنه أخفى من دبيب النمل»، ذكرت طرقه في كتاب (العبادة) وأوضحت أنه على ظاهره. وبسيط هذا المطلب في ذاك الكتاب.
وبالجملة فمن تدبر علم أنه لا يمكنه أن يجزم غير مجازف أنه عند الله مؤمن حقًا إلا أن يريد بقوله «مؤمن» معنى ناطق بالشهادتين وإن لم يعرف معناها تحقيقًا، ولا التزم مقتضاهما تفصيلًا، بل قد يكن مصرًا على بعض ما ينافيهما، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
[ ٢٤٠ ]