فأما الضرب الأول فسنبين إن شاء الله تعالى أن النظر فيه ميسر لكل أحد، وأن النظر العقلي المتعمق فيه لا حاجة إليه وهو مثار الشبهات، وملجأ الهدى ومنشأ الضلال، كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى، فمن استجاب لتلك الدعوة إلى النظر الفطري الشرعي مخلصًا من شوائب الهوى، فإن كان النظر سابقًا على حق فإنه يتبين له بهذا النظر أنه حق، فيلزمه وقد صفا له وخلص، ونجا من اتباع الهوى وصفت له الطمأنينة.
وأما الضرب الثاني فمن كان قائلًا بشيء منه عن حجة صحيحة فإن الاستجابة لتلك الدعوة لا تزيد تلك الحاجة إلا وضوحًا مع الخلاص عن الهوى، وإلا فالجهل بهذا الضرب خير من القول فيه بغير حجة وإن صادف الحق.
وأما الضرب الثالث فالمتواتر منه والمجمع عليه لا يختلف حكمه، وما عداه قضايا اجتهادية يكفي فيها بذل الوسع لتعرف الراجح أو الأرجح أو الأحوط فيؤخذ به. وإنما يجئ البلاء فيها من أوجه:
الأول: التقصير في بذل الوسع.
الثاني: التمسك بما ليس من الحق.
الثالث: الاعتداد بترجيح النفس الذي يكون منشؤه الهوى.
الرابع: عدم الرجوع عما يتبين أن غيره أولى بالحق منه.
الخامس: معاداة المخالف مع احتمال أنه هو المصيب وظهور أنه كان مخطئًا فهو معذور، فمن شأن تلك الإستجابة لتلك الدعوة أن تدفع هذه المفاسد.
٥ - فصل
هذه أمور ينبغي لإنسان أن يقدم التفكير فيها ويجعلها نصب عينيه.
١- التفكير في شرف الحق وضعة الباطل، وذلك بأن يفكر في عظمة الله عز
[ ٢٣ ]
وجل وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين، فكان سبحانه وليه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلمه خيرًا له وأفضل وأنفع وأكمل وأشرف وأرفع حتى يتوفاه راضيًا مرضيًا، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرمًا منعمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهام عظمته، وأن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئًا من نعيم الدنيا فإنما ذلك لهو انه عليه ليزيده بعدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأو هام شدته.
٢- يفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة، ويتدبر قول الله ﷿: «وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ] . الزخرف: ٣١ - ٣٥ ويفهم من ذلك أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك، وحسبك أن الله ﷿ ابتلى أنبيائه وأصفيائه بأنواع البلاء.وفي (الصحيحين) من حديث كعب بن مالك قال: «قال رسول الله ﵌: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤها الرياح تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى يأتي أجله، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة» وفي (الصحيحين) أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة. ومعنى الحديث والله أعلم أن هذا من شأن المؤمن والمنافق فلا يلزم منه أن كل منافق تكون تلك حاله لا يناله ضرر ولا مصيبة إلا القاضية.
[ ٢٤ ]
حديث: أشد الناس بلاء الأنبياء
والمقصود من الحديث تهذيب المسلمين فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجيًا أن تكون له عند ربه ﷿، ولا يتمنى خالصًا من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله ﷿، فلا يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أو تيه ولا يستكبر ولا يغتر، ولم يتعرض الحديث لحال الكافر لأن الحجة عليه واضحة على كل حال. وأخرج الترمذي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قال «سئل النبي ﵌: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه » الحديث قال الترمذي: «حسن صحيح» (١) وقد ابتلى الله تعالى أيوب بما هو مشهور (٢) . وابتلى يعقوب بفقد ولديه وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله ﷿ في كتابه: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأبيضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» يوسف:٨٤. وابتلى محمدًا عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في أوائل السيرة، فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعًا لآبائهم من الشرك والضلال، ويصارحهم بذلك سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، ويدور عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذي، إذ كان من قبيلة شريفة محترمة موقرة في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزة النفس، ومن كانت هذه حاله يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى ويشق عليه غاية المشقة الاقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الايذاء، هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه - بأبي هو وأمي -، وهذا يحاول أن يضع رجليه على
_________________
(١) انظر تخريجه وطرقه في «الأحاديث الصحيحة» (١٤٣) . ن
(٢) راجع حديثه في المصدر السابق رقم (١٧) .
[ ٢٥ ]
حديث نخس دابة النبي ﷺ
عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى (١) الجزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه (٢)، وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه ويحذر الناس منه ويقول: إنه كذاب، وإنه مجنون، وهؤلاء (٣) يغرون به السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دمًا، وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعًا، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم (٤) بالحربة في فرجها فقتلها، (٥) كل ذلك لا لشيء إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم. ومن وجه آخر ابتلى الله ﷿ نبيه ﵌ بأن قبض أبويه صغيرًا ثم جده ثم عمه الذي
_________________
(١) السلا: غشاء جنين البهيمة. م ع
(٢) نخس الدابة كان لزينب بنت الرسول فسقطت عنها وأجهضت حينما هاجرت ﵂ م ع يقول المؤلف: بل روي مثل ذلك في شأن النبي ﷺ نفسه، راجع ترجمة ضباعة بنت عامر من «الاصابة» . قلت: لكن في إسناد الرواية المشار إليها الكلبي وهو متهم! ن
(٣) هم كبراء الطائف عندما عرض نفسه عليهم ليحموه من قريش فردوا عليه ردًا قبيحًا وأغروا به السفهاء. م ع
(٤) أبو جهل قبحه الله، والمرأة سمية أم عمار. م ع
(٥) من تدبر هذه الحال علم أنها من أعظم البراهين على صدق محمد ﷺ في دعوى النبوة، فإن العادة تحيل أن يقدم مثله في أخلاقه وفيما عاش عليه أربعين سنة لما يعرضه لذلك الإيذاء ثم يصبر عليه سنين كثيرة وله مندوحة، ولهذا كان العارفون به من قومه لا ينبسونه إلى الكذب وإنما يقولون: مسحور، مجنون. قال الله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . المؤلف
[ ٢٦ ]
حديث: يؤتى بأنعم أهل الدنيا
كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده ﵌ وتفصيل هذا يطول، وهذا هو سيد ولد آدم وأحبهم إلى الله ﷿.
فتدبر هذا كله لتعلم حق العلم ما تنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشيء في جانب رضوان الله ﷿ والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفر منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس في جانب سخط الله ﷿ غضبه والخلود في عذاب جهنم. وفي (الصحيح) من حديث أنس قال: «قال رسول الله ﵌: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأشد ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا أبن آدم هل رأيت بؤسًا قط وهل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط» .
٣- يفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية، فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغبًا نشيطًا لا يريد إلا وجه الله ﷿ والدار الآخرة، فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله تعالى فيما يرجوا معونيته على السعي للآخرة، فإن كان ولا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة، وهو على كل حال متوكل على الله راغب إليه سبحانه أن يختار له ما هو خير وأنفع، ثم يباشر الطاعة خاشعًا خاضعًا مستحضرًا أن الله ﷿ يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله ﷿ وهو مع ذلك كما قال الله تعالى: «يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ» المؤمنون: - ٦٠، فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة، وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان، وقد تكون من ضعيفه الذي إنما يطيع إحتياطًا وقد لا تكون خالصة بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أو رغبة في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس، كالذي يصوم ويقوم ليكون من أهل اللكشف فيطلع على العجائب
[ ٢٧ ]
من المستحيل التوصل إلى الإطلاع على المغيبات بالتعبد وتقوية النفس
والمغيبات (١) فيلتذ بذلك ويعظم جاهه بين الناس، وكذلك يتعبد ليحصل له الكشف فيصفوا إيمانه ويستريح من الوسوسة ومدافعة الشبهات، فإن هذه الطريقة غير مشروعة، ومن شأنها أن تجر إلى تعاطي الأسباب الطبيعية لتقوية النفس وإن كانت منهيًا عنها في الشرع كما هو معروف في بدع المتصوفة، ومن حصل له الكشف بهذه الطريق فهو مظنة ان يضعف أيمانه أو يزول عقوبة له على سلوكه غير السبيل المشروع، حتى لوكشف له عن شيء مما يجب الإيمان به فشاهده لم ينفعه هذا الإيمان كما يعلم مما تقدم. وإنما المشروع أن يجاهد نفسه ويصرفها عن الشبهات والوساوس مستعينًا بطاعة الله تعالى والوقوف عند حدوده مبتهلًا إليه ﷿ أن يثبت قلبه بما شاء سبحانه، فهذا إنما يحمل على إتباع الشرع والاهتداء بهذا.
وكمنفعة البدن كالذي يصوم ليصح ويصلي التراويح لينهضم طعامه. وكموافقة الإلف والعادة كمن إعتاد الصلاة من صباه فيجد نفسه تنازعه إلى الصلاة فلا تستقر حتى يصلي، فإن هذا قد يكون كالذي اعتاد العبث بلحيته فيجد نفسه تنازعه إلى ذلك حتى لوكف عن ذلك أو منع منه شق عليه. وكحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج ويلقى أصحابه ويقف على أخبارهم. وكمراعاة الناس لكي يمدحوه ويثنوا عليه فيعظم جاهه ويصل إلى أغراضه ولا يمقتوه، إلى غير ذلك من المقاصد، كالمرأة تتزين وتتعطر وتخرج إلى الصلاة لتشاهد الرجال وتلفتهم إليها. وكالعالم يريد أن يراه الناس ويعظموه ويستفتوه فيشتهر علمه ويعظم جاهه. وكالمنتسب إلى الصلاح يريد أن يعظمه الناس ويقبلوا يده ورجليه، ويشتهر ذكره ويتساقط الناس في شبكته، وكالحاكم النابه يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته ويتزاحموا وترتفع أصواتهم بمدحة وغير ذلك.
والمؤمن ولو خلصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه.
_________________
(١) قلت: ومع كون هذه الطريقة غير مشروعية، فهي من المستحيل أن توصل إلى الإطلاع على المغيبات بعد ختم الرسالة بالنبي صلى الله عيه وسلم ونزول قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول) نعم هي في الحقيقة إنما توصل إلى أوهام وخيالات، يتوهمونها كشوفات ومغيبات! ن.
[ ٢٨ ]
خشية المؤمن أن لا تكون طاعته على الوجه المشروع وبيان ذلك من وجوه
والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وذلك من أوجه:
منها أن للصلاة مثلًا شرائط وأركانًا وواجبات قد اختلف في بعضها، والمجتهد إنما يراعي اجتهاده فيخشى أن يكون قصر في اجتهاده أو استزله الهوى، والعامي إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه، فيخشى أن يكون قصر أو تبع الهوى في اختياره قول ذاك المفتي أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختلف فيه.
ومنها أن روح الصلاة الخشوع والنفس تتنازعها الخواطر فلا يثق المؤمن خشع بأنه كما يجب، فإن حاولت نفس المؤمن أن تقنعه بإخلاصها في نيتها واجتهادها وخشوعها خشى على نفسه أن يكون مغرورًا مسامحًا لنفسه.
وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة يرجوا أن يكون قبلها الله تعالى بعفوه وكرمه، ويحشى أن يكون ردت لخلل فيها، وإن لم يشعر به، أولخلل في أساسها وهو الإيمان.
هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله ﵎: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ الأعراف - ٢٠١ - ٢٠٢.
فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه فقد يطيف به الشيطان فيغفله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه فيصرعه، وهو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه، فلا تصفوا له لذتها، ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض، حتى يتذكر فيستعيد قوة إيمانه فيثبت يعض أنامله أسفًا وحزنًا على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه، عازمًا على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة. وأما إخوان الشياطين، فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه ويمنونهم الأماني فيقنعون، فمن الأماني أن يقول: الله قدره علي، فما شاء فعل. قد أختلف العلماء في حرمة هذا الفعل. قد أختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هين. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب. لعل الله يغفر لي. لعل فلانًا يشفع لي. سوف
[ ٢٩ ]
حديث: الكيس من دان نفسه وبيان علة سنده
أتوب! وأحسن حاله أن يقول: أستغفر الله، استغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومحي ذنبه، قال الله تعالى: «وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ
خُسْرَانًا مُبِينًا. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا» .النساء - ١١٩ - ١٢٤.
وقال ﷿: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ» لأعراف - ١٦٩.
وفي (مسند احمد) و(المستدرك) وغيرهما من حديث شداد بن أوس عن النبي ﵌ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الكوت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . (١) وفي (الصحيحين) عن عبد الله بن مسعود قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وان الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - أي بيده - فذبه عنه» .
٤ - يفكر في حاله مع الهوى، أفرض أنه بلغك أن رجلًا سب رسول الله ﵌، وآخر سب داود ﵇، وثالثًا سب عمر أو عليًا ﵄، ورابعًا سب إمامك، وخامسًا سب إمامًا آخر، أيكون سخطك عليهم وسعيك في عقوبتهم وتأديبهم أو التنديب بهم موافقًا لما يقتضيه الشرع فيكون غضبك على الأول والثاني قريبًا من السواء وأشد مما بعدهما جدًا، وغضبك على
_________________
(١) قلت: في إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. ن
[ ٣٠ ]
الثالث دون ذلك وأشد مما بعده، وغضبك على الرابع والخامس قريبًا من السواء ودون ما قبلهما بكثير؟
أفرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليها سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك أو عدم صحته؟
أفرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولًا لإمامك والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيها سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما أو يضعف؟
أفرض انك نظرت في مسألة قال إمامك قولًا وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه؟
أفرض أن رجل تحبه وآخر تبغضه تنازعا في قضية فاستفتيت فيها ولا تستحضر حكمها وتريد أن تنظر ألا يكون هو اك في موافقة الذي تحبه؟
أفرض أنك وعالمًا تحبه وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صوابًا، ثم بلغك أن عالمًا آخر أعترض على واحدة من تلك الفتاوى وشدد النكير عليها أتكون حالك واحدة سواء كانت هي فتواك أم فتوى صديقك أم فتوى مكروهك؟
أفرض أنك تعلم من رجل منكرًا وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالمًا أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكر صديقك أم عدوك، والمنكر عليه صديقك أم عدوك؟
فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أو نقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أو نقص آخر ليس في الشرع بأشدمما أنت مبتلى به؟ فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساويًا لإستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساويًا لمقتك إياه؟
[ ٣١ ]
حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه وبيان ضعفه
وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى وقد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي فيلوح لي فيها معنى، فأقرره تقريرًا يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرم بذاك الخادش وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب، وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولًا تقريرًا أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لا يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم
لاح لي الخدش؟ فكيف لولم يلح لي الخدش ولكن رجلًا آخر أعترض علي به؟ فكيف كان المعترض ممن أكرهه؟
هذا ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه ثم يحترز منه ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه. وهذا والله أعلم معنى الحديث الذي ذكره النووي في (الأربعين) وذكر أن سنده صحيح وهو «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١) . والعالم قد يقصر في الإحتراس من هواه ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره. وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يكثر الإسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد، ومنهم من يقل ذلك منه ويخف، ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب، على أنه استرسل مع هواه زعم أن
_________________
(١) قلت: أنى له الصحة وفي سنده نعيم بن حماد، وقد سبقت ترجمته، وما فيه من الضعف، ثم هو قد اختلف عليه في إسناده كما بينه الحافظ ابن رجب الحنبلي في «شرح الأربعين» (ص ٢٨٢ - ٢٨٣)، وقال: «تصحيح هذا الحديث بعيدًا جدًا من وجوه، منها تفرد نعيم به » . ثم بينها، فمن شاء التفصيل فاليرجع إليه، وقد أشار البخاري إلي ضعفه في «جزء رفع اليدين» . ن.
[ ٣٢ ]
موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى. وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوة وعده فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها فيقع في مزلة عن يساره!
٤- يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ يه باطل، لا يخلوا عن أن يكون قد سلف منه تقصير أولا، فعلى الأول إن استمر على ذلك كان مستمرًا على النقص ومصرًا عليه ومزدادًا منه وذلك هو نقص الأبد وهلاكه، وإن نظر فتبين له الحق فرجع إليه حاز
الكمال وذهبت عنه معرة النقص السابق، فإن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّأبينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» . وفي الحديث «كلكم خطاءون وخير الخطائين التوابون» (١) . وأما الثاني وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير فلا يلزمه بما تقدم منه نقص يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبه، فإن تدبر وتنبه معرف الحق فإتبعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فإحتاط، وإن أعرض ونفر فذلك هو الهلاك.
٦ - يستحضر أن الذي يهمه ويسأل عنه هو حاله في نفسه، فلا يضره عند الله تعالى ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه أو مربيه أو أسلافه أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلة الله عليه وآله وسلم ورضى عنهم وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين. هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا ولم تقم عليهم الحجة. وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به فأتباعك لهم وتعصبك لا ينفعهم شيًا بل يضرهم ضررًا شديدًا فإنه يلحقهم مثل إثمك ومثل إثم من يتبعك من أولادك واتباعك إلى يوم القيامة. كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من
_________________
(١) أخرجه الترمذي وغيره بلفظ: «كل بني آدم خطاء، وخير » . وسنده حسن. ن.
[ ٣٣ ]
يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك الى الحق هو خير لأسلافك على كل حال؟
٧ - يتدبر ما يرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين، وحسن عنايته في الدنيا والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقه متبع الهوى من سخطه ﷿، والمقت في الدنيا والعذاب الأليم الخالد في الآخرة، وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة إتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين وحرمان رضوانه والقرب منه والزلفى عنده النعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مقته وسخطه وغضبه وعذابه الأليم الخالد؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من اقل الناس عقلًا، سواء أكان مؤمنًا موقنًا بهذه النتيجة، أم ظانًا لها، أم شاكًا فيها، أم ظانًا لعدمها، فإن هاذين يحتاطان، وكما أن ذلك الإشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه فلا يناقشها ولا يحتاط.
٨ - يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له، فلا يسامحها في ترك واجب أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية أو ما يقرب منها، ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق، ويشدد عليها في ذلك حتى يصبر الخضوع للحق ومخالفة الهوى عادة له.
٩- يأخذ نفسه بالاحتياط في ما يخالف ما نشأ عليه، فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول إنها شرك أو بدعة أو حرام، فيأخذ نفسه بتركها حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه، وهكذا ينبغي له أن ينصح غيره ممن هو في مثل حاله، فإن وجدت نفسك تأبى ذلك، فأعلم أن الهوى مستحوذ عليها، فجاهدها.
وأعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله ﷿، وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفار، فمن ذلك المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يدعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أن مالك الضر والنفع هو الله ﷿ وحده، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدة
[ ٣٤ ]
دعوا الله وحده، قال تعالى: «وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» لقمان: ٣٢. وقال تعالى: [وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ» الإسراء: ٦٧.
وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم وأحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثل ذلك، ثم عرض عليهم الإسلام، وعرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقًا، وأنه كان حقًا ولم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا، لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم،
فلم يمنعهم من الإسلام إلا إتباع الهوى. قال تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» فصلت: ٢٦.
وقال تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ» فصلت: ٥٢.
وقال تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» الأحقاف: ١٠.
وتكذيبهم للحق وإعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه واتباعه أحوط لهم وأقرب إلى النجاة ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله ﷿ إلى استيقان أنه حق، وهذا كما تقدم في قصة نوح، وقال الله تعالى: «وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ» الأعراف: ١٠١.ونحوها في سورة (يونس): ٧٤ وفيها: «كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ» .
وقال الله ﷿: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
[ ٣٥ ]
وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ» الأنعام ١١٠:١٠٩.
وفي (تفسير ابن جرير) ٧ / ١٩٤: « عن ابن عباس قوله: [وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ] قال لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر» . وهذا هو الصحيح، الكاف في قوله: «كما» للتعليل. وكذلك هي في قوله تعالى: «وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ» البقرة: ١٩٨.
قال ابن جرير في (تفسيره) ٢ / ١٦٣: «يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام بالثناء عليه والشكر له على أياديه عندكم، وليكن ذكركم له بالخضوع له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق» .
وهو الظاهر في قوله تعالى: «فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» البقرة: ٢٣٩.
قال ابن جرير ٣ / ٣٣٧: « فاذكروا الله في صلاتكم وفي غيرها بالشكر له والحمد والثناء عليه على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم» . وقد ذكر ابن هشام في (المغني) هذا المعنى للكاف فراجعه. وفي (الإتقان): «الكاف حرف جر له معان أشهرها التشبيه والتعليل نحو «كما أرسلنا فيكم» . قال الأخفش: أي لأجل إرسالنا فيكم رسولًا منكم فاذكروني، «واذكروه كما هداكم»، أي لأجل هدايته إياكم » .
١٠- يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخطب، فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق إن كان راغبًا في الحق قانعًا به إلى الإعراض عن شيء جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا بنظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق. والله الموفق.
[ ٣٦ ]