وتحته مبحثان:
المبحث الأول: "العبد له قدرة على فعله وله مشيئة".
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم".
[ ٢ / ٤٦٣ ]
[المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدة من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: «وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة» (^١).
وقال ﵀: «أهل السنة يقولون: إن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة، وهو فاعل لفعله حقيقة» (^٢).
وقال ﵀: «ويؤمنون [أي: أهل السنة والجماعة] أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار» (^٣).
وقال مرعي الكرمي: «فإن العبد له قدرة وإرادة وفعل حقيقة، يقدر به على فعل ما كلف به وعلى تركه» (^٤).]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل الكتاب والسنة والإجماع على هذه القاعدة.
أما الكتاب والسنة؛ فقد دلَّا عليها في مواطن كثيرة، ويمكن تقسيم دلالتهما إلى أنواع:
الأول: الآيات والأحاديث الصريحة في إثبات قدرة العبد ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، أي: ذوي قدرة، كما أُثر عن ابن عباس ﵁، وأُثر نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد ﵏ (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. . . إلى أن قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠ - ٢١]، فأثبت قدرتهم على الأولى، ونفاها عن الثانية.
ومنه الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات القوة للعبد، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
وقوله ﷺ للمستحاضة: (وإن قويت على أن تؤخري الظهر
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٠).
(٢) المصدر السابق (١٢/ ٣٣١).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٣٧٤).
(٤) رفع الشبهة والغرر (٥٠).
(٥) روى هذه الآثار ابن جرير (٢٣/ ١٧٦ - ١٧٧). تعليق الشاملة: سقطت هذه المسألة من المطبوع، فأضفناها من أصل الرسالة العلمية.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وتعجلي العصر. . . فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك) (^١).
وقوله ﷺ: (خذوا من العمل ما تطيقون) (^٢).
ومنه أيضًا الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات الاستطاعة للعبد، كقوله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷾ حكاية عن شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
وقوله ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (^٣).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٦، ٣٧]، وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].
وقوله ﷺ لمن سأله عن الوضوء من لحوم الغنم: (إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ) (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٤٥/ ٤٦٧) (٢٧٤٧٤)، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (١/ ١٤٤) ح (٢٨٧)، من حديث حمنة بنت جحش ﵂، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٢٨٧).
(٢) رواه البخاري: كتاب الصوم، باب صوم شعبان (٣/ ٣٨) ح (١٩٧٠)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد. . . (١/ ٥٤٢) ح (٧٨٥)، من حديث عائشة ﵂.
(٣) تقدم تخريجه ص (٢٦٤).
(٤) رواه مسلم: كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل (١/ ٢٧٥) ح (٣٦٠)، من =
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الثاني: الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الكسب للإنسان، كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضرر (^١)، ولا يكون كسبًا إلا بالقدرة عليه ومشيئته.
الثالث: الآيات والأحاديث التي فيها إضافة أفعال العباد إليهم، نحو: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، و﴿يَفْعَلُونَ﴾، و﴿يَتَّقُونَ﴾، و﴿يُؤْمِنُونَ﴾، و﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، وأمثال ذلك وهو أكثر من أن يحصر.
ولا تضاف أفعالهم إليهم حتى يكونوا قادرين عليها، شائين لها.
وبالجملة، فكل نص تضمن إثبات الوسع أو الطاقة أو الملك أو نفي العجز مضافًا إلى العبد، أو الثواب والعقاب على فعله، أو انقطاع عمله بعد موته؛ فهو دليل على قدرة العبد ومشيئته (^٢).
وأما الإجماع فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: "ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. . . وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله" (^٣).
_________________
(١) = حديث جابر بن سمرة ﵁.
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٧).
(٣) انظر: صيانة الإنسان (٢٥٢)، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة على قدرة العبد، انظر ص (٢٦٣ - ٢٦٤).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وقال ﵀: "وكذلك جماهير أهل السنة من أهل الحديث والفقه والتفسير والتصوف، لا يقرون بهذه الأقوال المتضمنة للخطأ، بل هم متفقون على أن الله خالق أفعال العباد، وعلى أن العبد قادر مختار يفعل بمشيئته وقدرته والله خالق ذلك" (^١).
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي إحدى القاعدتين اللتين تنبني عليهما مسألة خلق الأفعال، وهي المسألة العظيمة في باب القدر، فهذه المسألة لها متعلقان:
- ما يتعلق بالرب ﷿، وهو إثبات خلقه ﷾ لأفعال عباده واراداتهم وقدرتهم.
- ما يتعلق بالعبد، وهو إثبات أن له قدرة ومشيئة بهما فعل.
ولا بد قبل البدء بتحرير هاتين القاعدتين من التذكير بمقدمات ثلاث تتعلق بها:
الأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ﷾، فجهة فعلها غير جهة خلقها.
فالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.
الثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعل شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.
الثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله ﷾ هو الذي أقدره على ذلك.
والذي للعبد منها فعله وكسبه الذي يستحق عليه المدح والذم والثواب والعقاب، والذي لله منها العلم والكتابة والمشيئة والخلق.
والله ﷾ ممدوح على كل ما قدَّر وشاء - إذ له ﷾ الحكمة البالغة -، والعبد يمدح على حسن فعله ويذم على قبيحه.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وقد سبق بيان هذه المقدمات، والمقصود هنا بيان علاقتها بخلق الأفعال.
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.
الثانية: معنى المشيئة المضافة إليه كذلك.
الثالثة: قدرته ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.
الرابعة: قدرة العبد حقيقية، لها أثر في وجود الفعل.
الخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.
السادسة: ثبوت تأثير القدرة والمشيئة لا يعني الاستقلال بالفعل، بل هما تابعتان لقدرة الله ﷾ ومشيئته.
المسألة الأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.
المراد بالقدرة المضافة إلى العبد: أي أن الله ﷾ أعطاه استطاعة يقدر بها على فعل الشيء وتركه، وهذه الاستطاعة هي التمكُّن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل.
وذلك أن الاستطاعة - على ما سيأتي في مبحث مستقل - نوعان:
- سابقة للفعل، وهي المصححة للفعل، وهي المرادة هنا.
- ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة، وهي المختصة بالفاعل.
فالعبد بما أودع الله ﷿ فيه من صفات وغرائز يقدر على أفعاله، وهذا يكون بحسب ما أعطاه الله ﷾ من الكمال، والناس متفاوتون في قدراتهم، فمنهم من يقدر على أشياء كثيرة لا يقدر عليها كثيرون، ومنهم من لا يقدر إلا على القليل.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ولكن المقصود هو الكلام على القدرة عمومًا.
والقدرة قرينة الحياة وملزومها، فكل حي فهو قادر على ما أقدره الله عليه من أفعال، ومن لا يقدر على شيء من الأفعال البتة؛ فهو ميت ليس بحي، كما ذكر البخاري عن نعيم بن حماد: "أن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل؛ فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت" (^١).
فالذي لا يفعل ليس بحي، والفعل لا يكون إلا بقدرة، فمن لا قدرة له؛ لا حياة له.
والقدرة المرادة هنا هي القدرة الكونية لا الشرعية (^٢)، إذ الشرعية أخص منها؛ فكل قادرٍ شرعًا فهو قادرٌ كونًا، وليس كل قادرٍ كونًا قادرٌ شرعًا (^٣)، فالأعرج الذي خرج للجهاد قادر على الجهاد كونًا ولكنه غير قادر شرعًا، وهذا من رحمة الشارع وتيسيره على المكلفين.
المسألة الثانية: معنى المشيئة المضافة إلى العبد.
والمراد بها أن للعبد إرادة واختيارًا فيما يقدر عليه، فله إرادة واختيار في الفعل والترك.
وما قيل في الإرادة من جهة استلزام الحياة لها يقال في المشيئة، فلا حياة بغير قدرة ولا حياة بغير مشيئة.
فلا يمكن خلو الإنسان عن المشيئة، فإن الإنسان حساس يتحرك
_________________
(١) خلق أفعال العباد (٢/ ١٩٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٠).
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٣٩).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
بالإرادة، فلا بد له من مراد، سواء كان مراد خير أو مراد شر (^١).
المسألة الثالثة: قدرة العبد ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.
من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله، ومن المتقرر عندهم كذلك أن صفات ما دونه من المخلوقين كذلك على ما يليق بما جبلوا عليه من نقص وضعف.
ومن ذلك اتصاف العباد بالقدرة والمشيئة؛ فهو بهما لم يخرج عما جبل عليه من نقص، وهما على ما يليقان به، وكذا القدرة والمشيئة المضافتين إلى الرب ﷿ هما على ما يليق بكماله وعظمته.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ما يوصف الله به ويوصف به العباد؛ يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام" (^٢).
المسألة الرابعة: قدرة العبد حقيقية لها أثر في وجود الفعل.
يثبت أهل السنة والجماعة للعبد قدرة على ما تعرفه العرب من كلامها، وهي القدرة التي لها أثر في المقدور، وأما قدرة لا علاقة لها بالمقدور إلا الاقتران العادي، أو كونها علامة عليه فليست قدرة على الحقيقة.
ومعنى أن القدرة لها أثر: أي أنها سبب من الأسباب التي يحصل بها
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٦/ ٣٤)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ١٩٦)، وجامع المسائل (٣/ ٥٤)، وشفاء العليل (٢/ ٨٣٠ - ٨٣١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٦٥).
[ ٢ / ٤٧١ ]
الفعل، وهذا السبب له أسباب أخرى تعاونه، وموانع تعوقه، لا أن المراد أنها مستقلة بالأثر موجبة له.
فلفظ التأثير يراد به هذين المعنيين: أنها سبب من جملة الأسباب، وأنها علة تامة مستقلة بإيجاد السبب، فالثاني باطل، والأول هو الصواب.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود هنا أن التأثير إذا فُسر بوجود شرط الحادث، أو بسبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار.
وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع؛ فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ندَّ له، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن" (^١).
ومما يدل على تأثير قدرة العبد ومشيئته قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فأخبر أنه لا يملك الضر والنفع لنفسه إلا إذا شاء الله، ومفهومه أنه إذا شاء الله ملك لنفسه ذلك، والنفع والضر هما أثر الفعل الحاصل بقدرته ومشيئته، فدل على أن لهما أثرًا في الفعل.
فدلت هذه الآية "على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته" (^٢)، فنص على القدرة، والمشيئة قرينتها في ذلك.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٥٥).
(٢) روح المعاني (٩/ ١٣٦).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
[يس: ١٢]، فـ (آثارهم): آثار أعمالهم من خير وشر، سواء كانت في الحياة أو بعد الممات، والتعبير بالآثار يدل على أن لها أثرًا في وجود العمل.
قال السعدي ﵀: " ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم" (^١)، يوضحه:
المسألة الخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.
فالله ﷾ لكمال حكمته - ربط الأسباب بمسبباتها، وجعل لهذه الأسباب أضدادًا وموانع؛ فلا بد للوصول إلى الفعل من الإتيان بأسبابه ودفع أضدادها.
وهكذا الأمر في أفعال العباد؛ من جملة الأسباب التي تحصل بها: قدرة العبد ومشيئته، ومن لطيف ما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣، ٧٤]، فأخبر ﷾ بأن مراد الكفار وهو فتنة النبي ﷺ عن الوحي قد انعقدت أسبابه من قبلهم إلى حد أنه قارب الوقوع، إلا أنه لم يقع لوجود المانع، وهو تثبيت الله لنبيه ﷺ.
فقدرتهم ومشيئتهم كانت من جملة أسباب هذه الفتنة، إذ أن الله ﷾ أضاف الفعل إليهم، فدل على أنه واقع بقدرتهم ومشيئتهم.
_________________
(١) تفسير السعدي (٣/ ١٤٤٧).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وتقرير كون قدرة العبد ومشيئته من أسباب الفعل يعني أنهما - كسائر الأسباب - لا تستقلان بالفعل، بل لا بد من وجود أعوانها ودفع أضدادها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأن قدرة العباد لها تأثير فيها كتأثير الأسباب في مسبباتها، وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب، وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل - مع أن أكثر أسبابه ليست إليه -؛ فقد خرج عن موجب العقل والشرع. . . ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء؛ فقد كابر العقل والحس" (^٢).
المسألة السادسة: قدرة العبد ومشيئته تابعتان لقدرة الله ﷾ ومشيئته.
يثبت أهل السنة والجماعة لله ﷾ الملك التام والحمد التام، فيثبتون له الحكمة وينزهونه عن الظلم والقبيح، ويثبتون له التصرف المطلق في خلقه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته.
وكل ما في العباد من نعمة؛ قوة وقدرة وإرادة وغيرها؛ فهي من الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
_________________
(١) درء التعارض (١٠/ ١١٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧).
(٢) شفاء العليل (١/ ٤٢١ - ٤٢٢).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وما يثبت للمخلوقات من قدرة ومشيئة وتصرف فهو بإذن الله ﷾، ولا يخرج عما يشاؤه ﷿.
فقدرة العباد إنما كانت بإقدار الله ﷾ لهم، فلا حول لهم ولا قوة إلا به، كما في دعاء الاستخارة: (وأستقدرك بقدرتك. . . فإنك تقدر ولا أقدر) (^١)، ففيه سؤال العبد القدرة من ربه القدير، وتعليل ذلك بانفراده بالقدرة على الحقيقة، مع خلو العبد منها إلا أن يقدره على شيء.
وكذا مشيئته هي تابعة لمشيئة الله ﷾، لا تخرج عنها، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠]، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦]، فأثبت لهم مشيئة، وجعلها تابعة لمشيئته متوقفة عليها.
قال الشافعي ﵀: "في كتاب الله المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله؛ يقول الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فأعلم خلقه أن المشيئة له" (^٢).
وقال الأشعري ﵀ في "الإبانة": "فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء الله أن نشاءه" (^٣).
وقد جمع الله ﷾ بين إثبات المشيئة النافذة له ﷾ وحده،
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة (٨/ ٨١)، (٦٣٨٢)، من حديث جابر ﵁.
(٢) رواه ابن بطة (٢/ ٢٦٢) رقم (١٨٨١)، واللالكائي (٣/ ٦٢٩) رقم (١٠١٣).
(٣) الإبانة (٧)، وانظر: التمهيد (٦/ ١٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٣٨).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ونفي القدرة عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].
والحاصل أن للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله ومشيئته، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة القدرية والجبرية.
فذهبت القدرية إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه.
قال القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك" (^١).
وقال أيضًا: "أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك" (^٢).
وهم مع قولهم بذلك يقرون بأن الله سبحانه هو الذي أقدرهم عليها، كما تقدم في قول عبد الجبار: "وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك".
وقد حكى البغدادي وابن حزم عنهم إنكار قدرة الله سبحانه على أفعال العباد (^٣)، وحكى الأشعري تنازعهم في قدرته على مثلها (^٤).
والواقع أن المعتزلة قالوا باستقلال العبد بالقدرة والمشيئة لأفعاله لقولهم
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٧٧٨).
(٣) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٤)، والفصل (٥/ ٥٧).
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
بأن العباد يخلقون أفعالهم.
وأما الجبرية فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه كالريشة في مهب الريح ليس له من أمره شيء بل هو مجبور على أفعاله.
وقد حكى عامة أصحاب المقالات (^١) عن رأسهم الجهم الجبر، وأنه لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده وأنه هو الفاعل، وأن الناس مضطرون إلى أفعالهم وإنما تنسب إليهم على سبيل المجاز كما يقال تحركت الشجرة وسقط الجدار وانخسفت الشمس، حالهم في ذلك حال الجمادات.
وهؤلاء هم الجبرية الخالصة، وأما الجبرية المتوسطة؛ فهم الأشاعرة (^٢)، الذين ذهبوا إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل.
وهذا الكسب - كما سيأتي - اختلفت في بيانه عباراتهم اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيه اضطرابًا عظيمًا.
وأما قدرة العبد ومشيئته فمذهبهم أنها غير مؤثرة، ومن أقوالهم في ذلك:
قال الشهرستاني: "لم يثبت شيخنا الأشعري للقدرة الحادثة صلاحية أصلًا، لا لجهة الوجود ولا لصفة من صفة الوجود" (^٣).
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٣/ ٣٣)، والتبصير في الدين (١٠٧)، والملل والنحل (٩٧ - ٩٨).
(٢) انظر: الملل والنحل (٩٧)، والتعريفات للجرجاني (٧٧).
(٣) نهاية الإقدام (٧٢).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وقال: "ونجا أبو الحسن ﵀؛ حيث لم يثبت للقدرة أثرًا أصلًا" (^١).
وهذا القول هو الذي استقر عليه الأشعري فيما حكاه ابن القيم ﵀ حيث يقول: "والذي استقر عليه قول الأشعري أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه، وتابعه على ذلك عامة أصحابه" (^٢).
فعموم الأشاعرة إذن على نفي تأثير القدرة الحادثة.
وكلام المخالفين في هذه المسألة متضمَّنٌ في كلامهم على خلق الأفعال الآتي في المبحث القادم.
_________________
(١) المصدر السابق (٧٨).
(٢) شفاء العليل (١/ ٣٦٩)، وانظر: منهاج السنة (١/ ٤٥٩)، والأربعين للرازي (٣٢٠).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٤٨١ ]
المبحث الثاني: "الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال يحيى بن سعيد القطان ﵀: "ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة" (^١).
وقال أبو ثور ﵀: ". . . وذلك أن الله خالق كل شيء، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فمن زعم أن شيئًا ليس بمخلوق من أفاعيل العباد كان بذلك ضالًا" (^٢).
وقال البخاري ﵀: "أفعال العباد مخلوقة" (^٣).
وقال ابن أبي عاصم ﵀: "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر. . . وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم" (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (٢/ ٧٠) رقم (١٣٢).
(٢) رواه اللالكائي (٤/ ٧٩٥) رقم (١٣٣١).
(٣) رواه البيهقي في القضاء والقدر (١/ ٣٤٤) رقم (٩٢).
(٤) السنة (٢/ ١٠٢٧).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وقال الأشعري ﵀: "قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها:. . . وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة" (^١).
وقال الصابوني ﵀: "ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدُّون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه" (^٢).
وقال العِمْرَاني ﵀ (^٣): "ونؤمن بأخبار الصفات. . . وأن الله خلق أفعال العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية" (^٤).
وقال ابن الحَاج القفْطي ﵀ (^٥): "ولا يلحقك شك ولا ارتياب في أن الله خالق أفعال العباد" (^٦).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله
_________________
(١) الإبانة (٩).
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٨٥).
(٣) هو: أبو الحسين، يحيى بن سالم بن أسعد بن يحيى العمراني اليماني، شيخ الشافعية في بلاد اليمن، ولد سنة (٤٨٩ هـ)، من كتبه: "الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار"، و"مختصر الإحياء"، مات بذي سفال باليمن سنة (٥٥٨ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٣٣٦)، شذرات الذهب (٦/ ٣٠٩).
(٤) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٠٠).
(٥) هو: شيث بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة المعروف بابن الحاج القناوي القفطي النحوي، من كتبه: "حز الغلاصم وإفحام المخاصم"، و"تهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي"، مات سنة (٥٩٨ هـ). انظر: بغية الوعاة (٢/ ٦)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٨١).
(٦) حز الغلاصم (١٢٤).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم" (^١).
وقال الذهبي ﵀: "فالله تعالى خالقنا، وخالق أفعالنا وأدواتنا" (^٢).
وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٠).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٧٧).
(٣) شرح الطحاوية (١/ ٣٢١).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
قال ابن القيم ﵀: "وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول والفطر" (^١).
وقال ﵀ في النونية (^٢):
أَوَليس قد قامَ الدليلُ بأنَّ أفعـ … ــالَ العبادِ خليقةُ الرحمنِ
من ألفِ وجهٍ أو قريبِ الألفِ يحصيـ ـها الذي يُعنى بهذا الشَّأْنِ
وأدلة الكتاب والسنة على نوعين، عامة وخاصة:
أما الأدلة العامة: فهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأدلة الدالة على عموم خلق الله ﷾ لكل شيء، كقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ووجه دلالتها أن أفعال العباد داخلة في عموم الأشياء التي خلقها الله.
القسم الثاني: الأدلة الدالة على تفرد الرب بالملك، كقوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].
ووجه دلالتها أن تفرد الرب بالملك يقتضي ألا يكون في خلقه إلا ما
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٦١).
(٢) (٥٣ - ٥٤) رقم (٧١٤ - ٧١٥).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
يريد، وألا يوجد شيء إلا بإيجاده، ومن هنا كان من لم يثبت خلقه لأفعال العباد؛ لم يثبت له تمام الملك (^١).
القسم الثالث: الأدلة الدالة على سبق المقادير، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷺ: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز) (^٢).
ووجه دلالتها أن تقدير الله ﷿ للمقادير يقتضي أنه علمها وكتبها وشاءها وخلقها، وأفعال العباد داخلة في عموم المقادير.
وهذا النوع من الأدلة خنجر في نحر من ينكر خلق أفعال العباد مع إثباته للعلم والكتابة، لذلك قال من قال من السلف: "ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا" (^٣).
وأما الأدلة الخاصة: فهي على قسمين: صريحة وغير صريحة.
أما الأدلة الصريحة: فهي كل دليل على خلق الأفعال بصفة خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] سواء كانت (مَا) مصدرية - وهو ضعيف -، أو كانت موصولة - وهو الأصح -، وإن كان الأول أصرح.
والمعنى: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، ووجه الدلالة حينئذ أن هذه الأصنام إنما صارت أصنامًا بصنعتهم وعملهم، فدل على أن
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٧٧).
(٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥) ح (٢٦٥٥)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) انظر ما تقدم ص (١٥٧).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
أعمالهم وصنعتهم خلق له ﷾، كما أن الحجارة التي جُعلت أصنامًا خلق له، فلما كان المسبب الذي هو الصنم مخلوقًا له؛ كان السبب وهو فعل العبد مخلوقًا له من باب أولى.
وأما وجه الدلالة على المعنى الأول فظاهر، إذ المعنى حينئذ: والله خلقكم وخلق عملكم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠، ٨١].
ووجه الدلالة أن الله ﷾ أخبر أنه هو الذي خلق لهم البيوت والسرابيل، وإنما صارت بيوتًا وسرابيل بصنعتهم وعملهم.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢]، فأخبر ﷾ أنه خلق لهم الفلك، وقد صارت فلكا بعملهم كما أخبر ﷾ عن نبيه نوح ﵇: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨].
وقوله ﷺ: (إن الله خالق كل صانع وصنعته) (^٢).
_________________
(١) انظر هذا الدليل ووجه الاستدلال به وما قيل فيه في: منهاج السنة (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧ و٧٩ و١٢١)، وبدائع الفوائد - وأطال فيه النفس - (١/ ٢٥٣ - ٢٦٨).
(٢) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (٢/ ٦٦) رقم (١٢٤)، والحاكم (١/ ٣١)، من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵁ مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٩٨)، والألباني في الصحيحة ح (١٦٣٧).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قال البخاري ﵀: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (^١).
ووجه الدلالة فيه كالآية الأولى؛ إن أريد بالصنعة الفعل فظاهر، وإن أريد بها المفعول المصنوع؛ فإنما صار مصنوعًا بفعل المخلوق.
وأما الأدلة غير الصريحة: فهي على أصناف:
الصنف الأول: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يهدي ويضل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله ﷺ: (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له) (^٢).
الصنف الثاني: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يشرح الصدر ويضيِّقه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الصنف الثالث: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يحبب الإيمان إلى المؤمنين ويبغِّض إليهم خلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
الصنف الرابع: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يجعل القلوب قاسية ومخبتة، كقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا
_________________
(١) خلق أفعال العباد (٢/ ٦٦)، بعد روايته للحديث السابق.
(٢) رواه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢) ح (٨٦٧)، من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
الصنف الخامس: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يلهم عباده التقوى والفجور، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].
الصنف السادس: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يعز ويذل، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
الصنف السابع: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يضحك ويبكي، ويحيي ويميت، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٣، ٤٤].
ومن هذا الباب ما جاء في النصوص من سؤال الله ﷾ أن يجعل كذا، كقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله ﷺ: (رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا، لك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) (^١).
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٤٥٢) ح (٣٥٥١)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم (٢/ ١١٨) ح (١٥١٠)، والترمذي: أبواب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ (٥/ ٥١٧) ح (٣٥٥١)، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ (٥/ ٣٥٤) ح (٣٨٣٠) من طريق سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن طليق بن قيس، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن =
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ووجه الدلالة من هذا القسم أن الله ﷾ أخبر أنه خلق هذه الأشياء في العباد مع كونها من أفعالهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ففي القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم وجوارحهم، وأنه هو ﵎ يحدث من ذلك ما يطول وصفه" (^١).
وأما الإجماع فممن حكاه:
- اللالكائي، قال ﵀: "سياق ما فسر من الآيات. . . وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعاتها ومعاصيها" (^٢).
- شيخ الإسلام، قال ﵀: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة" (^٣).
_________________
(١) = صحيح"، وصححه ابن القيم في الوابل (٤٠٤)، والألباني في صحيح أبي داود ح (١٣٥٢).
(٢) منهاج السنة (٣/ ٢٦٢).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٨٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠٦).
[ ٢ / ٤٩١ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة من القواعد العظيمة في القدر وهي مرتبطة ارتباطًا مباشرا بالمرتبة الرابعة من مراتب القدر التي هي الخلق.
ونفي ما تضمنته هذه القاعدة من خلق الله ﷿ لأفعال العباد نفي لقسط كبير من ملك الله وآياته؛ بل نفي لما هو من محاسن ملكه وأعظم آياته ومخلوقاته (^١).
وهذه المسألة هي لب باب القدر، وعنها تشعبت كثير من مسائله.
ولا بد قبل البدء بشرحها من بيان خمس مقدمات هي:
الأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ﷾، فجهة فعلها غير جهة خلقها.
فالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.
الثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعله شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.
الثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم، وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله ﷾ هو الذي أقدره على ذلك.
قد سبق الكلام على هذه المقدمات الثلاث في المبحث السابق.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٣٠).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
الرابعة: إثبات عموم خلقه ﷾.
وقد دل على عموم خلقه أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
ونفى ﷾ عن غيره أن يكون خالقًا لشيء، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال ﷿: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣].
ومن أسمائه: الخالق والخلاق، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].
وهذا العموم يدخل فيه أفعال العباد قطعًا، إذ لا موجب لإخراجها عنه، لذلك كان نفاة خلق أفعال العباد مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقًا مع الله ﷾، بل خالقين.
الخامسة: إثبات كمال ملكه ﷿.
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ متصف بالملك التام على ما يليق بجلاله وكماله، ومن أسمائه سبحانه: الملك والمالك والمليك.
ومن الأدلة على هذه الأسماء: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على قراءتين: (ملك) و(مالك) (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) قرأ عاصم والكسائي (مالك)، وقرأ الباقون: (ملك)، انظر: حجة القراءات (٧٧).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وقوله ﷺ: (يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) (^١).
قال الزَّجَّاج ﵀ (^٢): "وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والمُلَّاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى" (^٣).
وقال الخطابي ﵀: "هو التام الملك، الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك: فهو الخاص" (^٤).
وقد أخبر الله ﷿ أنه الملك على الحقيقة، ومن سواه فلا يملك شيئًا، فقال ﷾: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التفسير، وما قدروا الله حق قدره، (٦/ ١٢٦) ح (٤٨١٢)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج البغدادي، نحوي زمانه، كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، من تصانيفه: "معاني القرآن"، و"الاشتقاق"، مات سنة (٣١١ هـ). انظر: وفيات الأعيان (١/ ٤٩)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٠).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (٣٠).
(٤) شأن الدعاء (٤٠).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
وكل من الخَلْق والمُلْك من خصائص الربوبية، أي أخص ما يتصف به الرب ﷿.
وإثبات كمال الملك يقتضي إثبات خلقه لأفعال العباد، لأن إخراجها عن خلقه إخراج لها عن ملكه.
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: معنى كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد.
الثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله ﷾ وفعلًا للعبد.
الثالثة: شمول خلق الله ﷾ لجميع أفعال العباد.
المسألة الأولى: معنى كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد.
يُراد بكونه ﷿ خالقًا لأفعال العباد ما يُراد بكونه خالقًا لغيرها من الأشياء؛ إذ الباب واحد، فالجميع أُخرج من العدم إلى الوجود بقدرته ﷾ ومشيئته وحكمته، وإنما التباين بينها في الأسباب التي بها وُجدت، فالزرع وُجد بسبب البذر والماء وغيرهما من الأسباب، والولد وُجد بسبب الجماع.
وكذا الأمر في أفعال العباد؛ وُجدت بما قدره الله ﷾ من الأسباب، كقدرة العبد ومشيئته.
وكون قدرة العبد ومشيئته سببًا لا يعني استقلاله بالخلق، إذ لا موجب تام إلا قدرة الله ومشيئته كما تقدم (^١).
والله ﷾ خالق السبب والمسبب وهو قادر على خلق أفعال
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٢١ و٢٧٢).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
العباد بدون هذه الأسباب، لكن حكمته تأبى ذلك، بل هو سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها.
وهذا - عند التأمل - من أقوى الأدلة على كون أفعال العباد مخلوقة.
المسألة الثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله ﷾ وفعلًا للعبد.
لا إشكال عند أهل السنة بين كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد، وبين كونها أفعالهم وكسبهم، لأمرين:
أولهما: أن الشارع هو الذي أخبر بهذا وأخبر بهذا، والتناقض في كلامه ممتنع باتفاق، فيلزم ألا يكون بينهما تناقض، بل لكل واحد منهما وجهه الصحيح.
ثانيهما: أن الجهة مختلفة، فهي لله مفعولة مخلوقة، وهي للعبد فعل وكسب، وفرق بين الفعل والمفعول - كما تقدم (^١) - فالتنافي غير وارد أصلًا.
فلله ﷾ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وللمخلوق منها الفعل والكسب.
قال ابن القيم ﵀: "ويؤمنون بأن من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلي مصليًّا والمتحرك متحركًا، وهو الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك. . . ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازًا، وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول. . . فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه" (^١).
المسألة الثالثة: شمول خلق الله ﷾ لجميع أفعال العباد.
أفعال العباد فيها الحسن والقبيح، والطاعة والمعصية والإيمان والكفر، وفيها ما ليس كذلك.
فهي إما أن ترجع إلى الخير وأسبابه، أو إلى الشر وأسبابه، أو إلى ما ليس بخير ولا شر - بالنظر إلى ذاته -.
وهذه الأقسام الثلاثة مخلوقة لله ﷿، أما الخير وأسبابه، وكذا ما ليس بخير ولا شر؛ فلا إشكال فيه عند من يثبت أصل خلق الله ﷾ لأفعال العباد.
وأما أفعال الشر وأسبابه، فيدل على دخولها تحت خلق الله أمران:
الأول: أنها كالقسمين السابقين؛ لا فرق، والنظير له حكم نظيره.
الثاني: أنها لا تعدو أن تكون من جملة الشرور التي هي خلق لله ﷿ كما تقدم - وله فيها الحكمة البالغة.
ولا يلزم من كون الله ﷾ خالقًا لأفعال عباده - بأقسامها الثلاثة - أن يتصف بما تضمنته، بل له ﷾ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق - كما تقدم -، وله في تقديرها الحكمة البالغة والرحمة السابغة والحمد التام.
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٢٠١).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وللمخلوق منها الفعل والكسب، ويحمد على إحسانه، ويذم على إساءته، حمدًا وذمًا تترتب عليه الأحكام الشرعية في الدنيا والآخرة.
وقد مضى في المقدمات تقرير أن أهل السنة يثبتون الفرق بين الفعل والمفعول، وبين فعل وأفعل، وأن حكم الصفة يرجع إلى محلها.
فالله ﷿ يوصف بما فعله وقام به لا بما خلقه في غيره، ولا بما جعل غيره فاعلًا له.
والمقصود أن الله ﷾ هو خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة ومشيئة لهم، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
تقدم في المبحث الماضي حكاية أقوال الفرق في مسألة خلق الأفعال على سبيل الإجمال، وأنها على قولين: قول القدرية، وقول الجبرية.
أما الأول: فقول القدرية المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن العباد يخلقون أفعالهم ويحدثونها، وأن الله سبحانه لم يخلقها.
وأقوال أئمتهم في تقرير هذا المذهب كثيرة، بل قد حكوا اتفاقهم عليه، ومن ذلك ما تقدم من قول القاضي عبد الجبار: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه" (^١) (^٢).
وقال أيضًا: "فصل في خلق الأفعال، والغرض به الكلام على أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها" (^٣).
وقال أيضًا: "أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣)، وانظر: الإرشاد للجويني (١٨٧).
(٢) وخالف في ذلك من المعتزلة: ضرار بن عمرو وحفص الفرد؛ فقد وافقا أهل السنة، ومعمر والجاحظ؛ فقد قالا إنها اضطرارية وهي فعل الطبيعة وليس للإنسان من الفعل إلا الإرادة، انظر: الفصل (٣/ ٨١ - ٨٢) و(٥/ ٥٧).
(٣) شرح الأصول الخمسة (٣٢٣).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك" (^١).
وقال ابن المرتضى: "وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه" (^٢).
واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].
قالوا: نفى الله عن خلقه التفاوت، فلا يخلو أن يكون هذا التفاوت في الخلق أو في الحكمة، والأول غير مراد لأن التفاوت في الخلق مشاهد لا يخفى، فيتعين أن المراد الثاني، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون أفعال العباد مخلوقة له، لما فيها من التفاوت المنافي للحكمة (^٣).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].
قالوا: الإحسان المذكور إما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله الله سبحانه فهو إحسان، وإما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله حسن، والأول غير مراد؛ لأن في أفعاله سبحانه ما ليس إحسانًا كالعقاب، فتعين أن الثاني هو المراد، وإذا كان كذلك؛ امتنع أن تضاف أفعال العباد إليه سبحانه لاشتمالها على ما ليس بحسن (^٤).
الدليل الثالث: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].
قالوا: بيَّن سبحانه أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام
_________________
(١) المصدر السابق (٧٧٨)، وانظر: المحيط بالتكليف (١/ ٣٥٦).
(٢) طبقات المعتزلة (٨).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٥٥).
(٤) انظر: المصدر السابق (٣٥٧).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
والحسن معًا، وأفعال العباد فيها ما ليس بمتقن؛ فوجب ألا تكون مخلوقة لله سبحانه (^١).
الدليل الرابع: أن جميع القرآن - أو أكثره - قد تضمن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب، فلو كانت أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه؛ لم يصح تعلق ذلك بالعباد، إذ فيه مدح الغير وذمه ونحو ذلك على ما ليس فعلًا له (^٢).
هذا ما استدلوا به من جهة السمع، وأما من جهة النظر:
الدليل الخامس: أن الفرق ثابت بين ما قام بالعباد من أوصاف بسبب أفعالهم، وبين ما قام بهم من أوصاف خَلْقية، فالأول يمدح ويذم، والثاني لا يتوجه إليه مدح ولا ذم، ولو كانت أفعال العباد مخلوقة لله؛ للزم أن يكونا سواء، وللزم ألا يتوجه لفاعليها مدح ولا ذم (^٣).
الدليل السادس: أن أفعال العباد تجب بحسب قصودهم ودواعيهم، وتنتفي بحسب كراهتهم وصوارفهم، فلولا أنها محتاجة إليهم ومتعلقة بهم لما صح ذلك (^٤).
الدليل السابع: أنه قد ثبت في الشاهد أن العاقل لا يسيء إلى نفسه ولا يريد من غيره ذلك لعلمه بقبحه ولغناه عنه، والله سبحانه أولى بذلك، فوجب أن لا يكون خالقًا لأفعال العباد لأن ذلك يقتضي أنه يسيء إلى نفسه (^٥).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٣٥٨).
(٢) انظر: المصدر السابق (٣٥٩).
(٣) انظر: المصدر السابق (٣٣٢).
(٤) انظر: المصدر السابق (٣٣٦).
(٥) انظر: المصدر السابق (٣٤٤).
[ ٢ / ٥٠١ ]
الدليل الثامن: أن في أفعال العباد ما هو جور وظلم، فلو كان الله سبحانه خالقًا لها لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا، والله منزه عن ذلك، فوجب أن لا تكون مخلوقة له سبحانه (^١).
والجواب على ما استدلوا به من وجهين: مجمل ومفصل.
أما المجمل؛ فمن وجوه ثلاثة هي أصول سبق الكلام عليها (^٢):
الأول: أن الفرق ثابت في - حقيقة الأمر - بين الفعل والمفعول، ففرق بين فعل الفاعل والمفعول المنفصل؛ إذ الفعل إحداث الشيء والمفعول هو الحدث، فلا يلزم من كون أفعال العبد مخلوقة لله سبحانه أن تكون فعلًا له، بل هي مفعولة له، وهي فعل من فعلها وهم العباد، فجهة الفعل غير جهة الخلق.
ومثال ذلك: الصلاة، فإنها تطلق على فعل المصلي القائم به الذي يسمى بسببه كان مصليًا، وهو قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، وتطلق على المفعول المنفصل، وهي الصلاة التي وجدت بفعله.
الثاني: أن الفرق ثابت بين فعل وأفعل، فالفعل هو الذي يقوم بالفاعل، وأما الإفعال فلا يقوم به، وإنما يقوم بمن جعله فاعلًا له.
فالله سبحانه أفْعَلَ العبدَ - أي جعله فاعلًا - والعبدُ فَعَل، فالله الذي جعله مصليًا والعبد صلى، وهو الذي جعله مطيعًا والعبد أطاع، وهو الذي جعله كافرًا والعبد كفر، وهكذا. . .
الثالث: أن الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٣٤٥).
(٢) انظر ما تقدم ص (٣٩٠) وما بعدها و(٤٦٨).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
غيره، فالله سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما خلقه في غيره، فلا يوصف الله تعالى بأفعال العباد، لأن تلك الأفعال لم تقم به وإنما قامت بمن فعلها وهم العباد، وهم المتصفون بها.
وهذا الرد شامل لكل مخالف في هذا الباب.
وأما الرد المفصل؛ فهو بتتبع كل دليل على حدة.
أما الدليل الأول؛ فجوابه أن المراد بالتفاوت في الآية: التفاوت في الخلقة، ويدل عليه السياق، فإنه ذكر خلق السموات، ثم ذكر عدم التفاوت، ثم أعقب ذلك بالأمر بإرجاع البصر لإدراك انتفاء الفطور وهو النقص والخلل، من تشقق ونحو ذلك، فدل على أن المراد بذلك التفاوت في الخلقة.
قال ابن قتيبة: " ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلافٍ، وأصله من الفوت وهو: أن يفوت شيء شيئًا فيقعَ الخللُ، ولكنه متصل بعضُه ببعض.
﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أي من صُدوع" (^١).
وقال الفرَّاء: "والتفاوت: الاختلاف، أي: هل ترى في خلقه من اختلاف" (^٢).
قال ابن كثير: "وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب
_________________
(١) غريب القرآن لابن قتيبة (٤٧٤).
(٢) معاني القرآن للفراء (٣/ ١٧٠).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللا؛ أو فطورًا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: شقوق" (^١).
وقال البغوي: "ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض، بل هي مستقيمة مستوية، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت بعضها بعضًا لقلة استوائها ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع" (^٢).
وأما الدليل الثاني؛ فبطلانه من وجوه:
الأول: أن تخطئة القول بأن جميع ما خلقه الله إحسانٌ ليست بصحيحة، بل كل ما خلقه الله فهو إحسان، وما وجد فيه من خلاف ذلك فهو جزئي مغمور في جانب الإحسان، إذ أفعاله سبحانه - كما تقدم - كلها خير (^٣)، والعقاب ونحو ذلك هو إحسان في حقيقة الأمر، حتى للمعاقَب، كما قال الحسن في أهل النار: "لقد دخلوا النار وإنَّ حمده لفي قلوبهم؛ ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلًا" (^٤).
والعقاب الذي هو ظلم هو أن يعاقب الإنسان على عمل غيره، فأما عقوبته على فعله الاختياري وإنصاف المظلومين من الظالمين، فهو من كمال
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٧٢).
(٢) تفسير البغوي (٨/ ١٧٦).
(٣) انظر ما تقدم ص (٣٨٥) وما بعدها.
(٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٠٢) و(٢/ ٦١٢)، ومختصر الصواعق (٢/ ٦١٨).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
عدل الله تعالى وإحسانه، والعدل ممدوح (^١).
الثاني: أن جهة إضافة أفعال العباد إلى الله سبحانه غير جهة إضافتها إلى العباد، فالأولى إضافة خلق وتقدير، والثانية إضافة فعل ومباشرة وكسب، فلا يلزم من إضافتها إلى الرب سبحانه خلقًا أن يتصف بما تضمنته من حكم - على ما تقدم في الرد المجمل -.
الثالث: أن خلق الله سبحانه لما خلقه من أفعال العباد القبيحة إنما هو لحكم عظيمة، يمدح الله سبحانه عليها، وبعدم خلقها تفوت هذه الحكم.
وأما الدليل الثالث؛ فكسابقه.
وكذا الدليل الرابع.
واحتجاج المعتزلة وسائر المتكلمين بالنقل لا يستقيم لهم لسببين:
الأول: أن ما هم عليه مناف لما جاء به النقل.
الثاني: أنهم ليسو من أهل العناية بالنقل، وبخاصة الأحاديث النبوية.
وأما ما احتجوا به من النظر، وهو باقي الأدلة:
فالدليل الخامس؛ وهو احتجاجهم بتوجه المدح والذم إلى أفعال العباد دون ما قام بهم من صفات خلقية، فباطل من وجهين:
الأول: أن متعلق المدح والذم هو الفعل والكسب، وخلقة الإنسان مما لا كسب له فيها، فلا يتوجهان إليه فيها، وأما أفعاله فهي كسبه وفعله، وأنتم أثبتم الفرق بينهما، يوضحه:
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٩).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
الثاني: ما تقدم مرارًا من اختلاف الجهة بين الخلق والفعل، فأفعال العباد من جهة خلقها كأوصافهم الخلقية لا يتوجه إليها مدح ولا ذم.
والدليل السادس؛ وهو احتجاجهم بوجوب أفعال العباد بحسب دواعيهم وانتفائها بحسب صوارفهم، فلا حجة لهم فيه لوجوه:
الأول: أنه لا تلازم بين وقوع الفعل بحسب الداعي أو انتفائه بحسب الصارف وبين خلق الفعل، فلا يلزم من قيامي إذا أردت القيام وجلوسي إذا تعبت أني أنا الخالق لقيامي وجلوسي.
الثاني: أن فعل العبد قد يحصل بغير داعيه هو، بل بداعي غيره، كمن يقيم رجلًا ويجلسه، فقيامه وجلوسه كان بحسب داعي غيره وقصده، ولم يلزم من ذلك أن يكون الغير هو الخالق للقيام والجلوس.
الثالث: أن قصد الفاعل وداعيه من جملة الأسباب التي يخلق الله سبحانه بها الفعل، والسبب لا يستقل بوجود المسبَّب كما تقدم، وهذا السبب مخلوق لله سبحانه.
والدليل السابع؛ وهو احتجاجهم بكون العاقل لا يسيء إلى نفسه، وأن خلق أفعال العباد السيئة يقتضي إساءة للرب فاقتضى أن لا يكون خالقها، فباطل كذلك لاختلاف الجهة بين خلق أفعال العباد وكسبها كما تقدم.
وأما الدليل الثامن؛ وهو احتجاجهم بوجود الظلم في أفعال العباد، مما يستدعي تنزيه الرب عن خلقها، فباطل لما تقدم من اختلاف الجهة كذلك.
وهذان الدليلان - السابع والثامن - يردهما معًا أن الظلم والسوء في أفعال العباد إنما خلقهما الله سبحانه لحكمة كانا بها خيرًا ومصلحة، وما
[ ٢ / ٥٠٦ ]
تضمناه من شرور فهو مغمور في جانب هذه الحكمة (^١).
وبعد تقريرهم هذا اختلفوا في جواز إطلاق خلق الإنسان لفعله على ثلاثة أقوال (^٢):
الأول: المنع من إطلاق ذلك لنهي الشرع عنه، مع أن معنى فاعل وخالق واحد.
قال القاضي: "أما تسمية أفعالنا بأنها مخلوقة؛ فغير جائزة على الإطلاق، وقد منع السمع من إطلاق لفظ الخالق في العبد، وإن كان من حيث اللغة لا يمتنع تسميته بذلك، وليس يمتنع أن يكون محدثًا" (^٣).
الثاني: ضده، وهو جواز ذلك، لأن خالق معناه: مقدر، فمن وقع منه الخلق أطلق عليه خالق سواء كان قديمًا أو محدثًا.
الثالث: المنع لأن الخلق في الحقيقة هو الفعل لا بآلة ولا جارحة، والمخلوق يفعل بآلة وجارحة.
وأما القول الثاني وهو قول الجبرية، فقالت به طائفتان:
_________________
(١) وهذا التقرير عند المعتزلة هو للفعل المباشر، إذ الأفعال عندهم قسمان: أفعال مباشرة، وأفعال متولدة، ومثال الأفعال المتولدة: تدحرج الحجر الحادث عن رميه، والألم الحادث عند الضرب ونحو ذلك، وهذا القسم اختلفوا فيه فيما بينهم اختلافًا كثيرًا، ما بين قائل إنه لا محدث لها، وما بين قائل إنها طبعية، وجمهورهم على أنها قسمان: ما تولد من فعل الحي، فهذا فعله، وما تولد من فعل غير الحي ففيه خلاف بينهم. انظر: المعتزلة وأصولهم الخمسة (١٨٤ - ١٨٩).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٨).
(٣) المحيط بالتكليف (١/ ٤٣٤).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
الجبرية الغلاة، وهم الجهمية؛ وذهبوا إلى أن العبد مجبور على فعله بالكلية وأنه لا اختيار له ولا قدرة ولا مشيئة، بل هو كالريشة في مهب الريح، وهو مضطر إلى أفعاله اضطرارًا.
الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؛ الذين يقولون إن الله سبحانه خالق أفعال العباد، وأن العبد كاسب لفعله، فالله خالق للفعل، والعبد كاسب له.
ثم اختلفوا اختلافًا عظيمًا في تفسير هذا الكسب، واضطربوا في تقريره اضطرابًا شديدًا، وأقوالهم ترجع إلى قولين اثنين:
القول الأول: وهو الذي عليه جمهور الأشاعرة - واستقر عليه قول أبي الحسن (^١) - أن الكسب هو اقتران عادي بين القدرة المحدثة والفعل، وأنه لا أثر للقدرة أبدًا.
قال السنوسي: "وعن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له من غير تأثير: عبَّر أهل السنة بالكسب، وهو متعلق التكليف الشرعي، وأمارة على الثواب والعقاب" (^٢).
وقال أيضًا: "مذهب أهل الحق - على ما سبق - أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في شيء من الممكنات، وهي تتعلق بمقدورها تعلقًا من غير تأثير، بل نسبته إليها كنسبة العلم الذي يتعلق بمعلومه ولا يؤثر فيه" (^٣).
وقال الجرجاني: "والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٤٧٨ - ٤٧٩).
(٢) السنوسية مع شرحها (١٨٨ - ١٨٩).
(٣) شرح السنوسية (١٩٧ - ١٩٨).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًّا له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري" (^١).
وقال - شارحًا لقول الإيجي: "المقصد الأول: في أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها" (^٢) -: "ليس لقدرة العباد تأثير فيها بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد" (^٣).
وقال الآمدي: "وذهب من عدا هؤلاء من أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالاكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والاختراع، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا" (^٤).
وقال الدردير: "فلا تأثير لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية، كالحركات والسكنات والقيام والقعود ونحو ذلك، بل جميع ذلك مخلوق له ﷾ بدون واسطة، كما أن قدرتنا مخلوقة له تعالى" (^٥).
لذلك فقد فُسِّر الكسب عند هؤلاء بتفسيرين:
أولهما: ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به، بل ومن غير صحة مشاركته - إذ لا تأثير له - وإنما هو مجرد المقارنة.
_________________
(١) شرح المواقف (٨/ ١٦).
(٢) المواقف (٣١١).
(٣) شرح المواقف (٨/ ١٤٦).
(٤) غاية المرام (١٨٢).
(٥) شرح الخريدة البهية (٦١).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
الثاني: ما يقع به المقدور في محل قدرته (^١).
القول الثاني: وهو قول من يثبت للقدرة الحادثة أثرًا، واختلفوا في تفسير التأثير - بعد اتفاقهم على نفي التأثير الذي يثبته أهل السنة على ما تقدم (^٢) - على أقوال منها:
قول الباقلاني: فقد ذهب إلى أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، على أن تتعلق قدرة الرب سبحانه بأصل الفعل، والقدرة الحادثة بصفته التي لا يجوز أن توصف بها قدرة الرب سبحانه، ومثال ذلك لطم اليتيم تأديبًا وإيذاءً، فذات اللطم في كلا الحالين واقع بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأول، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره (^٣).
قال الباقلاني: "ويجب أن يُعلم أن العبد له كسب وليس مجبورًا، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية، لأنه تعالى قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني: من ثواب طاعة، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] يعني: من عقاب معصية. . . فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى، فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنه خالق" (^٤).
وقوله هذا يؤول في حقيقة الأمر إلى إنكار تأثير قدرة العبد، لأن الثواب
_________________
(١) انظر: تحفة المريد (١٧٦).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٧١ - ٤٧٣).
(٣) انظر: شرح المواقف (٨/ ١٤٧).
(٤) الإنصاف (٤٣ - ٤٤).
[ ٢ / ٥١٠ ]
والعقاب والطاعة والمعصية أوصاف شرعية لا علاقة لها بأصل الفعل، والبحث هنا في الناحية الكونية لأفعال العباد، فليس ورود الشرع بحرمة الفعل أو كونه طاعة أو معصية ونحو ذلك مؤثِّرًا في المسألة.
فما قاله ليس ببعيد عن قول أبي الحسن، فهو يتفق معه في المعنى وإن خالفه في اللفظ.
ويكفي في بطلان هذا القول عدم الدليل عليه، وكونه قولًا محدثًا.
قول أبي المعالي الجويني: فقد ذهب إلى إثبات تأثير القدرة الحادثة في مقدورها لا على وجه الإحداث والخلق؛ إذ نفي هذه القدرة يأباه العقل والحس، وإثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهي كنفي القدرة أصلًا، وأما إثبات في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصًا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال (^١).
وهذا القول قرره في "العقيدة النظامية" بكلام طويل (^٢)، قال في آخره: "وقد أطلت أنفاسي قليلًا، ولكن - حرس الله مولانا (^٣) - لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان - وحق القائم على كل نفس بما كسبت - أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها" (^٤).
_________________
(١) انظر: الملل والنحل (١/ ١١١ - ١١٢)، ونهاية الإقدام (٧٨).
(٢) انظر: (٤٦ - ٥٤) منها.
(٣) يقصد الوزير نظام الملك الذي صنف له الكتاب الذي اجتُزئت منه هذه العقيدة.
(٤) العقيدة النظامية (٥٤).
[ ٢ / ٥١١ ]
وكان قبل ذلك يؤيد المشهور من مذهب الأشاعرة من نفي تأثير القدرة الحادثة، كما في كتاب الإرشاد (^١).
وما ذهب إليه - فيما قرره - موافق لمذهب السلف في الجملة، وهو توسط حسن، وإن كان فيما قرره ما لا يوافق عليه (^٢).
قول الغزالي: فقد ذهب إلى إثبات مقدور بين قادرين، وأن الفعل يقع بمجموع القدرتين على فعل واحد، وكلاهما مؤثر فيه.
قال: "وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما؛ فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال" (^٣).
والقول بمقدور بين قادرين بهذا المعنى - كما سيأتي - باطل، ولا يسعفه أن يحمل قوله على تأثير القدرة الحادثة على وجه السببية، إذ هو - والأشاعرة - منكرون للأسباب.
وقد استدل جمهور الأشاعرة - القائلون بنفي تأثير القدرة المحدثة - لمذهبهم بأدلة منها:
الدليل الأول: الآيات التي فيها إثبات خلق الله سبحانه لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾
_________________
(١) انظر: (١٨٧) منه.
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٣) الاقتصاد في الاعتقاد (٩٠).
[ ٢ / ٥١٢ ]
[الأنعام: ١٠٢] فتضمنت الآية تفرد الباري بخلق كل مخلوق، والاستدلال بها يعتضد بكونها في سياق التمدح، فاقتضى اختصاصه بها (^١)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، قالوا هي نص في محل النزاع (^٢).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، سواء كانت (ما) مصدرية أو موصولة (^٣).
الدليل الثالث: ما دل على أن الله سبحانه يجعل العبد مسلمًا ومصليًا، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] (^٤).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، قالوا: نفى عنهم القتل وأثبته لنفسه، ونفى عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه.
الدليل الخامس: دليل التمانع المشهور، وتقريره أنه لو كانت قدرة العبد مؤثرة؛ وأراد تحريك جسم في وقت وأراد الله تعالى سكونه في ذلك الوقت، فإما أن يقع المرادان جميعًا وهو ظاهر الاستحالة، أو لا يقع شيء منهما وهو أيضًا محال، وإما أن يقع أحدهما دون الآخر فيلزم الترجيح بلا مرجح لأن
_________________
(١) انظر: الإرشاد (١٩٨)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٣٨).
(٢) انظر: الإرشاد (١٩٩).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢٠١)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٤٠).
(٤) انظر: شرح المقاصد (٤/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٥١٣ ]
التقدير استقلال كل من القدرتين بالتأثير من غير تفاوت (^١).
الدليل السادس: أن فعل العبد مقدور لله، فلو كان مقدورًا كذلك للعبد للزم اجتماع المؤثرين على أثر واحد، والقول بمقدور بين قادرين، وهو ممتنع (^٢).
الدليل السابع: أن الفعل المتقن لا يصدر إلا عن عالم محيط بالفعل، فلو كانت أفعال العبد مخلوقة له لوجب أن يكون عالمًا بها، وهذا منتف، للقطع بعدم إحاطته بعلمها، ولصدور أفعال عن النائم والغافل (^٣).
الدليل الثامن: أنه لو جاز تأثير القدرة الحادثة في الفعل بالإيجاد والاختراع؛ لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود، من حيث إن الوجود قضية واحدة لا يختلف وإن اختلفت محاله وجهاته، والقول بجواز تأثيرها في إيجاد كل موجود باطل بالمشاهدة، فوجب بطلان تأثيرها في فرد من أفراده (^٤).
هذه أبرز أدلتهم، وبيان بطلانها من وجهين: مجمل، وقد تقدم في الرد على أقرانهم المعتزلة ومفصل على كل دليل بدليله.
أما الدليل الأول؛ فالاستدلال به على خلق أفعال العباد صحيح، لكن ليس فيه ما يدل ما ذهبوا إليه من نفي القدرة والاختيار عن العبد، ففرق بين كون العبد فاعلًا لفعله، له قدرة واختيار فيه، وبين كونه خالقًا له.
وأما الدليل الثاني، فلا ريب في دلالة هذه الآية على خلق أفعال العباد،
_________________
(١) انظر: الأربعين للرازي (٣٢٦)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٣٣)، والسنوسية وشرحها (١٨٠ - ١٨١).
(٢) انظر: المقاصد وشرحه (٤/ ٢٢٧).
(٣) انظر: نهاية الإقدام (٦٧ - ٦٨)، وغاية المرام (١٩٢)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٢٨).
(٤) انظر: نهاية الإقدام (٧٠ - ٧١).
[ ٢ / ٥١٤ ]
لكن ليس فيها ما يدل على انتفاء قدرتهم واختيارهم، بل فيها ما يثبت ذلك، وهو إضافة الفعل إليهم، فأفعالهم مضافة إليهم اكتسابًا وفعلًا ومباشرة، ومضافة إلى الرب سبحانه خلقًا وتقديرًا.
وأما الدليل الثالث؛ فهو كذلك حق في نفسه، لكنه لا يدل على نفي قدرة العبد واختياره، بل يدل عليها، إذ فيه ثبوت كون العبد فاعلًا لفعله من صلاة وصيام وإيمان وكفر، وهذا كاف في الدلالة على المقصود.
وبالجملة فما يذكره الجبرية من أدلة على خلق أفعال العباد فهو حق، لكن إنما يتوجه على القدرية الذين ينفون خلق الرب سبحانه لأفعال العباد.
ثم القرآن دل في مواطن كثيرة على ثبوت قدرة العبد على فعله وثبوت اختياره - كما تقدم (^١) -.
وأما الدليل الرابع؛ فقد جعل أصلًا للقول بالجبر (^٢)، ولا يصح الاستدلال به على ذلك، فإنه خطاب للمؤمنين في وقعة بدر، فقوله لهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن الملائكة جنود الله كانت تقاتل معهم، فلم ينفرد المسلمون بقتلتهم بل قتلهم الملائكة.
وقوله لنبيه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ لأن الرمي المثبت غير الرمي المنفي؛ لأنه أثبت ونفى؛ والمثبت لا بد أن يكون غير المنفي، فإنه أثبت لنبيه رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رميًا بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والرمي المثبت هو ما فعله النبي ﷺ وهو حذف الحصى في وجوه
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٤٦٤) وما بعدها.
(٢) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٤٢٦).
[ ٢ / ٥١٥ ]
المشركين، والرمي المنفي هو إيصال الحصى إلى وجوه المشركين، فأضاف إليه ﷺ ما هو مقدور له وفي محل قدرته وهو ابتداء الرمي، ونفى عنه ما لا يقدر عليه إلا هو، وهو إيصال الحصى إلى وجوه الكفار، ولو صح الاستدلال بهذه الآية لصح أن يقال: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل ونحو ذلك مما يعلم بطلانه ضرورة.
فوجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه (^١).
وأما الدليل الخامس؛ فلا ريب في صحة دليل التمانع على إفراد الله سبحانه بالخلق والإيجاد (^٢)، لكن ذلك لا يمنع من ثبوت تأثير لقدرة العبد واختياره كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، وهذا الدليل إنما يتوجه إذا قيل إن تأثير قدرة الله مكافئ لتأثير قدرة العبد، وهذا لا يقوله أحد (^٣).
وأما الدليل السادس؛ فهو ثمرة الدليل الرابع، وهو تلبيس وتضليل، إذ القول باجتماع مؤثرين على أثر إن أريد به استقلال كل منهما بالتأثير فباطل، وإن أريد به أن لأحدهما تأثير بالإيجاد والخلق، وللآخر تأثير من جنس تأثير السبب في مسببه، فليس بباطل.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨)، ومجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٩٦)، ومدارج السالكين (٣/ ٤٢٦)، وشفاء العليل (١/ ٢١٧)، وزاد المعاد (٣/ ١٨٢ - ١٨٣)، وانظر كذلك: تفسير الطبري (١١/ ٨٢ - ٨٣)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٤٠ - ٤٢).
(٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٥٤)، وشفاء العليل (١/ ٤٣٧).
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٥١٦ ]
ففعل العبد يضاف إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير.
فالتعبير عن ذلك بمقدور بين قادرين أو اجتماع مؤثرين فيه تلبيس من جهة إيهامه تكافؤ قدرة الرب وقدرة العبد (^١).
وأما الدليل السابع؛ فلا ريب أن من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، وبدونه لا يوجد، لكن ليس كل علم شرط في ذلك، وضابط هذا العلم هو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله؛ وهذا علم جملي ليس بتفصيلي، كمن أراد أن يصنع بابًا، فلا بد له من العلم بما يتوقف صنع الباب عليه من وجوب وجود خشب، وكونه مستو، ووجود مسامير ومطرقة ونحو ذلك، وهذا القدر من العلم كاف في وجود الفعل، ولا يلزم العلم بالتفاصيل من ذلك كنوع الخشب ومن أي شجر قطع، ومن أي غابة، ومن قطعه، وكم بقي حتى يبس، ومن صنع المسامير، ومن صنع المطرقة، ونحو ذلك (^٢).
وأما الاستدلال على ذلك بأفعال النائم والساهي، فباطل كذلك، أما النائم فلأن أفعاله في الحقيقة ضرورية له غير مكتسبة، كحركة المرتعش (^٣).
وأما الساهي؛ فهو قادر على الفعل، وله علم وتصور إرادة، وإنما حصل في حقه غياب الشعور بالإرادة لانشغال محل التصور منه بشيء آخر منعه من
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٢٨ و٤٣٧).
(٢) انظر ما تقدم ص (١٩٤) وما بعدها.
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٣٣).
[ ٢ / ٥١٧ ]
الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي غير مشعور بها، إذ الفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه (^١).
وأما الدليل الثامن؛ فمن أعجب العجب، وأغرب ما يكون من الاستدلال، ومضمونه أنه لا يقدر على شيء من الموجودات إلا من يقدر على كل شيء، وهذا مضاد للعقل والشاهد، وهو منتقض بما أثبتوه من كسب للعبد، إذ يلزم من كون العبد كاسبًا لفعله أن يكون كاسبًا لكل موجود، وهذا ما لا يقولون به، وهو باطل بداهة (^٢).
وبهذا يتبين بطلان قول القدرية والجبرية في أفعال العباد.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٣٤).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).
[ ٢ / ٥١٨ ]