وتحته خمسة مباحث:
المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء".
المبحث الثاني: "كلٌ ميسرٌ لما خلق له".
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّة عن الظلم مع قدرته عليه".
المبحث الرابع: "قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه".
المبحث الخامس: "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل".
[ ١ / ٣٢٩ ]
المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ١ / ٣٣١ ]
المبحث الأول: "الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء"
هذه أولى القواعد المتعلقة بأفعال الله ﷾، وتتضمن بيان خلق الله ﷿ لإرادات عباده، وجعلهم راضين بها مختارين لها.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الزَّبيدِي ﵀ (^١): "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق، ويجبل عبده على ما أحبه" (^٢).
وقال الأوزاعي ﵀: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل" (^٣).
_________________
(١) هو: أبو الهذيل، محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي القاضي، الإمام الحافظ الحجة، ولد في خلافة عبد الملك، كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث وكان ثقة، مات سنة (١٤٩ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٧٢٣)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨١).
(٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٥) رقم (٩٣٢)، واللالكائي (٤/ ٧٧٥) رقم (١٣٠٠).
(٣) المصدرين السابقين.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقال سفيان الثوري ﵀: "الله ﷿ جبل العباد" (^١).
_________________
(١) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٣) رقم (٩٢٩).
[ ١ / ٣٣٤ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] فأخبر ﷿ أنه خلق الإنسان على هذه الصفة.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
ومن السنة: حديث أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع - وكان في وفد عبد القيس - قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي ﷺ ورِجْله، قال: وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عَيْبَتَه (^١) فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، قال: يا رسول الله، أنا أتخلَّق بهما، أم الله جَبَلني عليهما؟ قال: (بل الله جَبَلك عليهما)، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله (^٢).
_________________
(١) العَيْبَة: وعاء من أدَم، يضع الرجل فيها خير ثيابه وخير متاعه وأنفسه عنده. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٥٧)، ولسان العرب (٢/ ١٢٥)، مادة: (عيَب).
(٢) رواه بهذه السياقة أبو داود: كتاب الأدب، باب قُبْلة الرِّجْل (٥/ ٢٤٨) ح (٥٢٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ح (٥٢٢٥) دون ذكر تقبيل الرجل. ورواه من حديث الأشج ﵁ أحمد (٢٩/ ٣٦١) ح (١٧٨٢٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٨٠) ح (٢٥٧٣٠) عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأشج به، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (١٩٠) على شرط الشيخين. =
[ ١ / ٣٣٥ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
الجَبْلُ في اللغة مأخوذ من مادة (جَبَل)، يقال: جَبَل الله الخلق يجبُلهم جَبْلًا، أي: خلقهم، وجُبل الإنسان على هذا الأمر أي طُبع عليه، وجِبِلَّة الشيء: طبيعته وأصله وما بُني عليه (^١).
وهذا المعنى اللغوي هو المراد في لسان الشرع، فمعنى جبْل الله ﷾ للعباد: خلْقُهم؛ ذواتهم وأفعالهم، وما أودعه في نفوسهم من طبائع وصفات.
لكن المقصود في هذه القاعدة شيء خاصٌّ من هذا العموم، وهو خلق الله ﷿ لإرادات عباده من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية.
وأما خلق الأفعال فسيأتي الكلام عليه مفصَّلًا في قاعدةٍ مستقلةٍ.
وسبب الكلام في هذه المسألة عند الأئمة ﵏ هو أن القدرية - الذين أنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه ﷾ هو خالق أفعال العباد - ألزموا مخالفيهم بالقول بأن الله ﷾ يجبر العباد على أفعالهم، فالتزم بعض من ناظرهم من أهل السنة إطلاق الجبر في حق الله ﷿، ونفاه بعضهم وأطلقوا أن الله ﷾ لا يجبر العباد على أفعالهم، فأنكر الأئمة - كما سيأتي - ذلك على الطائفتين (^٢).
وأصل الجواب في هذه المسألة هو أن لفظ (الجبر) لفظ مجمل، يراد به
_________________
(١) = ورواه بدون لفظ الشاهد: مسلم من حديث ابن عباس ﵄ ح (٢٥)، ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ح (٢٦).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٩٥)، لسان العرب (٥/ ١٠٢)، مادة: (جَبَل).
(٣) انظر: درء التعارض (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٣٦ ]
معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، ولا سبيل إلى تقرير المعنى الحق ورد المعنى الباطل إلا بالرجوع إلى لفظ شرعي صحيح، وهذا اللفظ هو (الجبل)، فلا يقال: الله ﷾ جبر العباد، ولا يقال: لم يجبرهم، وإنما يقال: جَبَل العباد.
وبيان ذلك: أن لفظ الجَبْر - الذي هو بمعنى الإكراه والقهر (^١) - يراد به معنيان مختلفان (^٢):
الأول: إلزام الإنسان بخلاف رضاه، إما بإكراهه على فعل ما لا يريده، أو بمنعه مما يريده، ثم قد يكون هذا الإلزام بحق، وقد يكون بباطل.
ومثال هذا القسم: إجبار الولي المرأةَ - التي تحت ولايته - على النكاح بغير رضاها، أو عضلها ومنعها عن الكفء.
الثاني: خلق الإرادة في قلب العبد وجعله مريدًا لذلك مختارًا محبًّا له راضيًا به، وخلقه متصفًا بهذه الصفات.
_________________
(١) وللجبر معنيان آخران سوى هذا المعنى: أحدهما يرجع إلى الإصلاح، يقال جَبَر العظم، لازمًا ومتعديًا، ومنه قول العجاج: قد جَبَر الدينَ الإلهُ فجَبَر … وعوَّر الرحمن من ولَّى العَوَر والثاني: يرجع إلى العز والامتناع، ومنه الجبَّار من النخل، وهو ما طال وفات الأيدي، قال الأعشى: طريقٌ وجبَّارٌ رواءٌ أصولُه … عليه أبابيلٌ من الطير تنعَبُ انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٥٧)، ولسان العرب (٥/ ١٨٢)، مادة: (جَبَر).
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ٦٥ - ٦٩)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٢ - ٤٦٥)، وشفاء العليل (١/ ٣٨٥ - ٣٨٧).
[ ١ / ٣٣٧ ]
ومن ذلك قول قتادة ﵀: "الجبار: جبر خلقه على ما يشاء" (^١)، وقول محمد بن كعب القرظي ﵀: "إنما يسمى الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد" (^٢).
والجبر بهذا المعنى تصح إضافته إلى الله ﷾، بل لا يقدر عليه غيره، فهو ﷿ المتفرد بالخلق وتدبير العباد وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه كقلب واحد، يقلبها كيف شاء، فمعنى هذا الجبر: القهر والقدرة، وأنه ﷾ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن قهره وقدرته ﷾ أنه يجعل العبد محبًّا مريدًا فاعلًا لما يشاؤه منه، إما مع محبته واختياره، وإما مع بغضه وكرهه.
والجبر من الله ﷾ على هذا المعنى - مختص به - كما تقدم -، وهو مبني على عدله ﷾، وصادر عن علمه الشامل وحكمته البالغة (^٣)، وأما على المعنى الأول فلا يصح أن يوصف به الله ﷾، لأن الذي يكره غيره على خلاف ما يريد؛ هو عاجز في الحقيقة عن جعله مريدًا للفعل محبًا له راضيًا به، والله ﷾ على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء.
فلأجل هذا الاشتباه في معنى الجبر منع الأئمة من إطلاق القول بالنفي أو الإثبات فيه، وعدلوا عنه إلى اللفظ الشرعي الصحيح وهو: الجبْل.
_________________
(١) رواه ابن جرير (٢٢/ ٥٥٤).
(٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٧) رقم (٩٣٥ و٩٣٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٨٩) رقم (٤٨).
(٣) انظر للفروق بين الجبر بهذا المعنى وبين جبر المخلوق: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٥)، وشفاء العليل (١/ ٣٨٧ - ٣٨٩).
[ ١ / ٣٣٨ ]
كما روى الخلال عن بقية ﵀ قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: "أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه".
وقال الأوزاعي: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ، إنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق (^١) " (^٢).
فالزبيدي نفى الجبر بناء على المشهور من معناه وهو الإكراه، وأما الأوزاعي فلم يثبته ولم ينفه، بل منع من إطلاقه وعدل عنه إلى ما ذَكر، ولهذا كان جواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، مع كون جوابيهما من أحسن الأجوبة (^٣).
وروى الخلال كذلك (^٤) عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله جبر العباد؟ فقال: "هكذا لا تقول" وأنكر هذا، وقال: "يضل من يشاء ويهدي من يشاء".
وروى أيضًا عنه (^٥) قال: "سمعت بعض المشيخة تقول: سمعت
_________________
(١) العبارة في كتاب السنة: "وإنما وضعت كلاهما مذكورة هذا مخافة أن يرتاب رجل من الجماعة والتصديق"! وتصويبها من شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.
(٢) السنة (٣/ ٥٥٥) رقم (٩٣٢)، ورواه أيضًا: اللالكائي (٤/ ٧٧٥) رقم (١٣٠٠).
(٣) انظر: درء التعارض (١/ ٦٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٤٦).
(٤) السنة (٣/ ٥٥٠) رقم (٩٢٠).
(٥) المصدر السابق (٣/ ٥٥٣) رقم (٩٢٩)، وقد بوَّب الخلال لهذه الآثار وغيرها: "الرد على القدرية وقولهم إن الله جبر العباد على المعاصي".
[ ١ / ٣٣٩ ]
عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكره سفيان الثووي: جبر، وقال: الله ﷿ جبل العباد"، قال أبو بكر المروذي: "أظنه أراد قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس" (^١).
وعدول الأئمة إلى لفظ (الجبل) له ثلاثة أسباب:
الأول: شرعيته، فالجبل لفظ جاء به النص، كما في حديث أشجّ عبد القيس ﵁ المتقدم.
الثاني: سلامته من الاشتباه والإجمال، فالمعاني التي يدور عليها هذا اللفظ كلها يصح إضافتها إلى الله ﷾.
الثالث: شموله للمعنى الدال على المراد، وهو أن الله ﷿ يخلق إرادات عباده للخير والشر، ويطبعهم على ذلك، ويجعلهم فاعلين مريدين لما يشاؤه منهم.
وهذا الباب له ارتباط وثيق بباب الهدى والإضلال، فالله ﷾ يخلق الهدى في قلب عبده المؤمن وييسره لليسرى، ويخلق الضلال في قلب الفاجر، وييسره للعسرى.
ولهذا عدل الإمام ﵀ كما تقدم - عن لفظ الجبر إلى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وقال زيد بن أسلم ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: "ما جبلوا عليه من شقوة وسعادة" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٣٣٥).
(٢) رواه الفريابي في القدر (٩٠) رقم (١٠٥)، وابن جرير (٢١/ ٥٥٤)، وابن بطة (٢/ ٢٢٢) رقم (١٨٠٦).
[ ١ / ٣٤٠ ]
فجميع ما يقوم به العبد من أفعال الخير؛ فإنما قام بها لهداية الله ﷾ له إليها، وجميع ما يقوم به من خلاف ذلك فهو لإضلال الله ﷾ له، وعدم توفيقه للخير.
فالحاصل أن الله ﷾ خلق عباده وطبعهم على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته، مع ما اتصف به من علم شامل وحكمة بالغة، والله أعلم.
[ ١ / ٣٤١ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
لما كانت هذه القاعدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببابي خلق الأفعال والهدى والإضلال؛ فإن المخالف فيهما مخالف فيها على وجه الإجمال، إلا أن هذه القاعدة مختصة ببيان أن الرب سبحانه يخلق الاختيار والمشيئة في قلب العبد ويجعله شائيًا مختارًا محبَّا.
وهذا القدر خالف فيه عموم المخالفين لأهل السنة، فلم يقروا به، بل هم إزاء ذلك فريقان:
- من ينكر أن يكون الله خالقًا لإرادة العبد أو مشيئته، ويجعلُ العبد هو المختار الشائي بمعزل عن مشيئة الرب وقدرته، وهم القدرية المعتزلة من شايعهم.
- من يزعم أن الله سبحانه قد أجبر العبد على فعله، وأنه لا مشيئة له ولا اختيار؛ بل هو كالريشة في مهب الريح، وهؤلاء الجبرية الخلص وهم الجهمية.
ويلحق بهم من زعم أن العبد كاسب لفعله، وهؤلاء الجبرية المتوسطة وهم الأشاعرة، والأولون يقولون بالجبر على المعنى النفي عن الرب سبحانه وهو الذي بمعنى الإلزام بما لا يرضاه الأخر، كإجبار الرجل على ترك طعام أو فعل قبيح لا يرضى بفعله.
فالمخالفون دائرون بين هذين الأمرين: الجبر المنفي عن الرب سبحانه، وضده من نفي مشيئة الرب وقدرته، وأما إثبات مشيئة للعبد واختيار مخلوق لله سبحانه في قلب العبد يحمله به على فعل ما يريد هو سبحانه؛ فلم يثبته غير أهل السنة، وسيأتي بإذن الله في مبحثي أفعال العباد تفصيل أقوال هؤلاء المخالفين وردها.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وفي هذه القاعدة مسألة أخرى سبق الكلام عليها المبحث الثاني من الفصل الأول، وهي مسألة توقيف الكلام في القدر على النصوص الشرعية، ومنه الالتزام بالألفاظ الشرعية وعدم العدول عنها إلى ألفاظ مجملة محتملة لحق وباطل، ويخالف فيها أهل البدع من المتكلمين على ما تقدم.
[ ١ / ٣٤٣ ]
المبحث الثاني: "كل ميسر لما خلق له"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ١ / ٣٤٥ ]
المبحث الثاني: "كل ميسر لما خلق له"
هذه القاعدة أصل جامع في باب القدر، تنتظم مسائل القدر والشرع والسبب والمسبب.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
هذه القاعدة هي نص حديث للنبي ﷺ كما سيأتي -، وقد تتابع أهل العلم على تقريرها.
[ ١ / ٣٤٧ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].
ومن السنة: حديث علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة). قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية (^١).
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ: البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٦/ ١٧١) ح (٤٩٤٩)، وقد تقدم تخريجه ص (٢٤١) بدونه.
[ ١ / ٣٤٨ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي نص حديث النبي ﷺ، ولها تعلق مباشر بعدد من أبواب القدر، من أهمها: باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال.
وهي على وجه العموم قد انتظمت الشرع والقدر والسبب والمسبب (^١).
كما أن لها تعلقًا متينًا بالقاعدة السابقة: "الله ﷾ جبل العباد على ما شاء"، وذلك أن جبل الله ﷾ للعباد - كما تقدم - خلْقُ ذواتهم وأفعالهم، ومن ذلك خلق إراداتهم من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وهذا مشتمل على التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى، فتكون هذه القاعدة أخص منها.
ولهذا وضع بعض أهل العلم لفظ (التيسير) مكان لفظ (الجبل)، بديلًا للفظ (الجبر) المبتدَع، كما صنع الإمام ابن القيم ﵀ (^٢).
وأما ارتباطها بباب الهدى والضلال، فلأن التيسير لليسرى - في الحقيقة - هو الهدى، والتيسير للعسرى هو الضلال.
وأما ارتباطها بباب الحكمة، فلأن الله ﷾ يعلم المحل الذي يصلح لفضله وكرامته وعطائه، من المحل الذي لا يصلح لذلك، وحكمته ﷾ تأبى وضع الشيء إلا في المكان الذي يصلح له، فالله ﷾ علم من بعض خلقه صلاحيتهم لفضله فيسرهم لأسباب السعادة، وعلم من بعضهم عدم ذلك فيسرهم لخلافها.
وأما ارتباطها بباب الأسباب، فلأن الله ﷿ يعلم الأمور على ما هي عليه؛
_________________
(١) انظر: التبيان في أيمان القرآن (١٠٠)، وانظر (٨٨) منه.
(٢) التبيان في أيمان القرآن (٩٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
فهو يعلم أن السعيد يسعد بأسباب السعادة التي هي الأعمال الصالحة، والشقي يشقى بأسباب الشقاء وهي الأعمال السيئة، فمن كان سعيدًا يُسِّر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقيًا يُسِّر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له (^١).
وقول النبي ﷺ: (كل ميسر لما خلق له)، أجاب به في عدة مواطن على سؤال تكرر من عدد من الصحابة ﵃، ومضمون هذا السؤال: هو أنه إذا كان قد سبق القدر بالسعادة والشقاوة، فما فائدة العمل؟ فمن كتبه الله من أهل السعادة فسيصير لها، ومن كتبه من أهل الشقاوة فكذلك سيصير لها.
فأجاب النبي ﷺ بهذا الأصل الكلي المتضمن لأصول أربعة:
الأول: إثبات الأسباب، ببيان أن كلًّا من السعادة والشقاوة إنما تنال بأسبابها.
الثاني: إثبات القدر السابق، وأنه لا تنافي بينه وبين كون الإنسان له قدرة على فعله وله اختيار.
الثالث: أن هذا عام في كل مخلوق، بدلالة لفظ: (كلّ).
الرابع: أن من الناس من خلق للسعادة، ومنهم من خلق للشقاء، فلم يخلقوا كلهم للسعادة ثم منهم من اختار الشقاء.
وقد ورد حديث أبي حميد الساعدي ﵁ بلفظ: (أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسرٌ لما كتب له منها) (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٣ - ٢٤).
(٢) رواه ابن ماجه كتاب التجارات، باب الاقتصاد في المعيشة (٣/ ٥١٢) ح (٢١٤٢)، =
[ ١ / ٣٥٠ ]
فعليه يكون هذا الحديث عامًا في أمور الدنيا والآخرة، ويكون التيسير من الله ﷾ للعبد شاملًا لتيسيره لأسباب آخرته ومآله، ولتيسيره لأسباب دنياه ومعاشه.
ومعنى تيسير الله ﷾ للعبد: أي تهيئته وصرفه وتسهيله، أي أن الله ﷿ يُلهم عبده العمل الذي قدره له ويُهيئ له أسبابه (^١).
وهذا التيسير نوعان - كما في الحديث -:
- تيسير لليسرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، وأصل اليسرى: الخَلَّة والحالة السهلة النافعة المهيأة للعبد، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة، وذلك يتضمن التيسير للخير وأسبابه، فتصير خصالهما مَذلَّلة له منقادة لا تستعصي عليه (^٢).
وقد ذكر ﷾ للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب:
الأول: إعطاء العبد ما أمره الله ﷿ به، وهذا متضمن فعل العبد لجميع ما أمر الله ﷾ به، من اعتقاد وقول وعمل، ويدل على العموم حذفه للمفعول، فلم يعين مفعولًا بعينه بل أطلق.
_________________
(١) = والحاكم (٢/ ٣)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن أبي حميد الساعدي ﵁، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٨٩٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٨).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٦٦)، الهداية إلى بلوغ النهاية (١٢/ ٨٣١٢)، التبيان في أيمان القرآن (٩٥ - ٩٦).
[ ١ / ٣٥١ ]
الثاني: التقوى، وهي فعل المأمور وترك المحظور.
الثالث: التصديق بالحسنى، وهو التصديق با لإيمان وجزائه، وعلى هذا تدور تفاسير السلف للحسنى (^١).
وعند التأمل يلاحظ عود هذه الأسباب الثلاثة إلى سبب واحد وهو التقوى، فالعمل بالمأمور من قول أو عمل أو اعتقاد مع اجتناب ضده هو حقيقة التقوى، ويدخل في ذلك التصديق بخبر الله ﷾، ومن ذلك التصديق بما وعد الله من ثواب دنيوي جزئي، أو أخروي كامل.
لذلك فقد علق الله ﷿ التيسير عليها وحدها في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، والله أعلم.
والتيسير لليسرى يختلف قوة وضعفًا بحسب تحقيق العبد لهذه الأسباب.
- تيسير للعسرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]، العُسرى: هي الخَلَّة والحالة العسرى، وذلك بالعمل بالمعاصي، وهذا يتضمن التيسير للشر وأسبابه.
وقد ذكر ﷾ في مقابل ما ذكره من أسباب التيسير لليسرى - ثلاثة أسباب للتيسير للعسرى:
الأول: البخل وعدم إعطاء ما أُمر به العبد.
_________________
(١) للسلف في تفسير (الحسنى) أقوال، أوصلها بعضهم إلى ستة، وحصرها ابن القيم في ثلاثة: لا إله إلا الله، والجنة، والخَلَف، وكل ما ذكر في تفسيرها يرجع إلى الإيمان وجزائه، فمن فسرها بلا إله إلا الله؛ فقد فسرها بالإيمان والدين، ومن فسرها بالجنة أو بالخَلَف؛ فقد فسرها بجزاء الإيمان؛ الجزاء الأعلى في الأول، ونوعًا من الجزاء في الثاني. انظر: تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٢٤)، زاد المسير (٩/ ١٤٩)، التبيان في أيمان القرآن (٩١ - ٩٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
الثاني: الاستغناء وترك التقوى.
الثالث: التكذيب بالحسنى.
والتيسير للعسرى - كذلك - يختلف قوةً وضعفًا بحسب قيام العبد بأسبابه، حتى يصل إلى التعسير المطلق الذي تنسدُّ معه كل أبواب الخير، وتفتح كل أبواب الشر، عياذًا بالله ﷾.
وكل من (اليسرى) و(العسرى) فُسِّرتا بالجزاء وأسبابه، ففسرت اليسرى بالجنة وبالخير، وفسرت العسرى بالنار والشر (^١).
لذا، فإن للتيسير في كل منهما يكون للجزاء وسببه، مع دفع معارضه، بحسب وجود أسباب كل منهما.
والمراد بقول النبي ﷺ في الحديث: (لما خُلق له) أي لما قدره الله ﷾ وكتبه أن يصير إليه من سعادة وشقاوة، وجنة ونار، فمن خلقه للسعادة يسره لها ولأسبابها فضلًا منه ﷾، ومن خلقه للأخرى يسره لها ولأسبابها عدلًا منه ﷾، وهو الحكيم في كل ما يقوله ويفعله.
والمقصود أن الله سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: زاد المسير (٩/ ١٤٩ - ١٥٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
يخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة من يخالفهم في باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال؛ لما تقدم من العلاقة بينها وبين هذه القاعدة، إذ هذه القاعدة من القواعد الجامعة في باب القدر.
فهذا المعنى الذي تضمنته القاعدة وهو كون الرب سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا؛ إنما أقر به أهل السنة فقط.
والمخالفة البارزة مخالفة القدرية المعتزلة؛ فإنهم لما كانوا يرون أن الله سبحانه لا يضل أحدًا ولا يهديه؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين، لكن التيسير لليسرى يكون بألطاف من الله - مع ذلك - تحمل على الطاعة، والتيسير للعسرى يكون بالحرمان من تلك الألطاف.
قال القاضي عبد الجبار: "المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أعلمها وبين لها الفجور لتجتنب ذلك، والتقوى لتُقدِم عليها" (^١).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]: "المراد باليسرى: الثواب العاجل والآجل، وبالعسرى: العقاب العاجل والآجل. . . ويحتمل أن يكون المراد فيمن صدق بالحسنى: تيسيره للألطاف التي لأجلها يثبت على الإيمان، وفيمن كذب الحسنى تيسيره لأمور
_________________
(١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٤٦٤).
[ ١ / ٣٥٤ ]
لأجلها يفضل الثبات على ما هو عليه" (^١).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]: "ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما" (^٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]: "فسنهيؤه لها، من يسَّر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله ﵇: (كل ميسر لما خلق له) والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها".
وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]: "فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدَّه" (^٣).
وما ذهبوا إليه باطل، إذ أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على ثبوت هداية الله لخلقه وإضلالهم، وسيأتي ذكر شبه المعتزلة والرد عليها في مبحث الهدى والضلال، كما سيأتي في مبحث النعمة الخاصة ذكر مرادهم باللطف والتوفيق والرد عليه بإذن الله.
_________________
(١) المصدر السابق (٤٦٥).
(٢) الكشاف (٦/ ٣٨٢).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٣٨٦).
[ ١ / ٣٥٥ ]
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ١ / ٣٥٧ ]
المبحث الثالث: "الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه"
هذه القاعدة من القواعد المهمة في باب القدر، والبحث فيها هو في حقيقة الظلم الذي ينزه الله ﷿ عنه، وأنه داخل تحت قدرته ﷾.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال ابن قتيبة ﵀: "وعدْل القول في القدر: أن تعلم أن الله عدل لا يجور" (^١).
وقال ابن عبد البر ﵀: "وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فعُلم أن الله قادر على ما نزَّه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله. . . فعُلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله؛ لأنه حرمه على نفسه، وهو سبحانه منزَّه عن فعله مقدس عنه" (^٣).
وقال أيضًا: "ومعلوم أن الله سبحانه حَكَمٌ عَدْلٌ لا يضع الأشياء إلا
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ (٣٥).
(٢) التمهيد (٣/ ١٣٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]
مواضعها، ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعًا لذاته، بل هو ممكن لكنه لا يفعله لأنه لا يريده، بل يكرهه ويبغضه؛ إذ قد حرَّمه على نفسه" (^١).
وقال أيضًا: "فهذا الظلم الذي حرَّمه على نفسه هو ظلم بلا ريب، وهو أمر ممكن مقدور عليه، وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته واختياره لأنه عادل ليس بظالم" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (١٨/ ١٤٥).
(٢) المصدر السابق (١٨/ ١٥٦)، وانظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٣٦٠ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
أما أدلة الكتاب: فهي أنواع:
الأول: نفيه ﷾ الظلم عن نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مواضع من كتاب الله ﷾ (^١).
وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
النوع الثاني: نفيه ﷾ إرادته له: كقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١].
النوع الثالث: تأمينه ﷾ العباد منه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
النوع الرابع: إخباره ﷾ عن نفسه باتصافه بخلافه وهو العدل، تارة بالإخبار بالقيام به كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
_________________
(١) آل عمران: (١٨٢)، والأنفال: (٥١)، والحج: (١٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وتارة بالإخبار بالحكم به كما في قوله ﷾: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٥٤]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وغير ذلك.
النوع الخامس: نفيه ﷾ التسوية بين الطائعين والعاصين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وأما أدلة السنة: فحديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. . .) (^١).
وفي هذا الحديث نوع آخر من الأدلة على نفي الظلم غير ما تقدم في أنواع أدلة القرآن، وهو: تحريمه سبحانه الظلم على نفسه.
وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) ح (٢٥٧٧)، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر به. وفيه عقب الحديث: قال سعيد [يعني ابن عبد العزيز]: "كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جَثا على ركبتيه".
[ ١ / ٣٦٢ ]
تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة؛ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابٌ أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله ﷿ من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا) (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٤٨)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة ﴿ق﴾ (٦/ ١٣٨) ح (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٦) ح (٢٨٤٦)، وفي هذا الحديث دلالة أخرى على المقصود، وهي وضعه ﷾ الشيء في موضعه الذي يناسبه، وهذه حقيقة العدل. وقد أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في كتاب التوحيد ح (٧٤٤٩) بلفظ: (ولكل واحدة منكما ملؤها؛ قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من =
[ ١ / ٣٦٣ ]
وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها) (^١).
وحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (^٢).
_________________
(١) = يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد، ثلاثًا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ. . .)، وهذا اللفظ مشكل، لأن المعروف الذي اتفق عليه الشيخان أن الإنشاء يكون للجنة لا للنار. قال ابن القيم ﵀: "وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقى فيها فتقول: هل من مزيد؛ فغلط من بعض الرواة؛ انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده؛ فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته وكذب رسله". حادي الأرواح (٢/ ٨٠١)، وانظر (٢/ ٧٥٤) منه، وأنكر هذا اللفظ أيضًا: البلقيني، انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٣٧)، وانظر كلامًا مفصَّلًا نفيسًا حول هذا الحديث لابن الوزير في إيثار الحق (٢١٦ - ٢٢١).
(٢) رواه مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا (٤/ ٢١٦٢) ح (٢٨٠٨).
(٣) تقدم تخريجه ص (٣٨)، وهو صحيح.
[ ١ / ٣٦٤ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة أصل عظيم يتعلق بالدين كله من أوله إلى آخره، قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الأصل - وهو عدل الرب - يتعلق بجميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل في ذلك" (^١).
ولمادة (ظَلَمَ) في اللغة أصلان صحيحان:
الأول: من الظُّلْمة، وهي خلاف النور، وجمعه ظُلَم وظلمات، والظلام اسم لها، يقال: أظلم المكان إظلامًا، فهو مظلم.
الثاني: من الظُّلْم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم يظلم ظلمًا، ومنه المثل السائر: من أشبهْ أباه فما ظَلَم (^٢).
قال الأصْمَعيَ ﵀ (^٣): "ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه".
وقد ذُكر للظلم معان أخرى ترجع إلى هذا الأصل:
فقيل: الميل عن القصد، ومنه قولهم: الزم هذا الصوب ولا تظلم منه
_________________
(١) جامع الرسائل (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٠٠).
(٣) هو: أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع البصري، اللغوي الإخباري، حجة الأدب، ولسان العرب، ولد سنة بضع وعشرين ومئة، من تصانيفه: "الإبل" و"خلق الإنسان"، و"الشاء"، أثنى عليه الإمام أحمد في السنة، مات سنة (٢١٦ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٥٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥).
[ ١ / ٣٦٥ ]
شيئًا، أي لا تَجُر عنه.
وقيل: النقصان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، أي: ما نقصونا شيئًا بما فعلوا، ولكن نقصوا أنفسهم (^١) (^٢).
وأما الظلم في الشرع فيرجع إلى الأصل اللغوي الثاني، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو نوعان:
أولهما: الظلم في حق المخلوق، وهو قسمان:
القسم الأول: ظلم النفس، وهو على حالتين:
الأولى: ظلمها بتحميلها ما لا تطيق، بمشروع كصلاة ونحوها، أو بمباح كلهو ونحوه.
الثانية: ظلمها بالذنوب والمعاصي، وهذا على ضربين:
- ظلم أكبر، بالشرك الأكبر.
- ظلم أصغر، بالذنوب التي دون الشرك.
القسم الثاني: ظلم الغير، بالاعتداء على دمه أو ماله أو عرضه، ونحو ذلك.
ثانيهما: الظلم في حق الخالق، والكلام عليه من خلال مسائل ثلاث:
الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
الثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.
الثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٥٠٥).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٣٨٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ٤٦٨)، مادة: (ظلَم).
[ ١ / ٣٦٦ ]
المسألة الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.
تفسير أهل السنة والجماعة للظلم موافق للسان العربي الذي نزل به القرآن العزيز، فيقولون: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ويفسرون الظلم المنفي عن الله ﷾ بما يرجع إلى هذا المعنى، ولهم في تفسيره أقوال، وهذه الأقوال هي في الحقيقة صور الظلم الممكن وقوعها، وهي:
الأول: أن ينقص من حسنات العامل، أو يزاد عليه من سيئات غيره.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، لا يخاف ظلمًا: بأن يحمل من سيئات غيره، ولا هضمًا: بأن يبخس شيئًا من حسناته.
قال ابن عباس ﵄: "لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته" (^١)، وجاء هذا التفسير عن عدد من السلف: مجاهد وقتادة والحسن رحمهم الله تعالى (^٢).
الثاني: عقوبة من لم يذنب.
وقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]، يبين لهم هذا المؤمن أن هذا العقاب لم يكن ظلما منه ﷾ لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولكنه
_________________
(١) رواه ابن جرير (١٦/ ١٧٦).
(٢) انظر: المصدر السابق (١٦/ ١٧٦ - ١٧٧).
[ ١ / ٣٦٧ ]
أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بالخبر في مواضع من كتاب الله ﷿ (^٢)، وبالإنشاء في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
الثالث: أن ينقص ثواب العمل.
وجاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
يخبر ﷿ أنه يلحق بالمؤمن ذريته الذين اتبعوه على الإيمان فيرفعهم إلى درجته وإن لم يعملوا مثل عمله لتقر بهم عينه، ثم أخبر ﷾ أنه لا يظلمه فلا ينقص لأجل ذلك من عمله شيئًا.
قال سعيد بن جبير ﵀ في قوله ﷿: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: "وما ظلمناهم" (^٣)، ومثله عن قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (^٤).
المسألة الثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.
تنزيه الله عن الظلم هو مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه (^٥)، وقد تقدم تفسير الظلم ومعناه عند أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣١٥ - ٣١٦)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).
(٢) الأنعام: (١٦٤)، الإسراء: (١٥)، فاطر: (١٨)، الزمر: (٧).
(٣) رواه ابن جرير (٢١/ ٥٨٦).
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢١ و١٢٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقد دل على تنزه الله ﷾ عن الظلم - مع الإجماع - الكتاب والسنة والعقل.
وقد تقدمت دلالة الكتاب والسنة على ذلك، وأما دلالة العقل، فمن وجوه:
الأول: أن الظلم نقص وعيب بإجماع العقلاء من جميع الأمم، والله ﷾ منزه عن النقص، فوجب أن يكون الله ﷾ منزهًا عن الظلم.
الثاني: أن العدل - وهو نقيض الظلم - صفة كمال ومدح، فوجب أن يكون الله ﷿ متصفًا بها؛ لأنه أحق وأولى بكل كمال (^١).
الثالث: أن الظلم شر بالإجماع، والشر ليس إليه ﷾، كما أخبر النبي ﷺ بذلك (^٢).
الرابع: أن الله ﷾ سمى ووصف نفسه بما يدل على تنَزُّهه عن الظلم.
ومن ذلك: تسميته نفسه بالحكم والحاكم والحكيم، ووصف نفسه بالحكمة.
وأصل الحكم: المنع، وأوّل ذلك الحُكْم بمعنى المَنْع من الظُّلْم، ومن هنا قيل للحاكم بين الناس حاكم: لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكومة: رد الرجل عن الظلم (^٣).
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (١٥٥).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، والحديث المشار إليه رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ١٣٤) ح (٧٧١) من حديث علي ﵁.
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ١١٠)، ومقاييس اللغة (٢/ ٩١)، مادة: (حكَم).
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، قال ابن كثير ﵀: "أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يَجُور ولا يَظلم أحدًا؟ " (^١).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالسلام، ومن معانيه: الذي سلِم خلقه من ظلمه (^٢).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالمؤمن، ومن معانيه: الذي أمَّن خلقه من أن يظلمهم (^٣).
ومنه تسميته ﷾ نفسه بالمتكبِّر، ومن معانيه: الذي تكبَّر عن ظلم عباده (^٤).
قال ابن القيم ﵀: "فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه" (^٥).
ومعنى تحريم الظلمِ الواردُ في حديث أبي ذر ﵁: المنع، أي منعت نفسي من الظلم، وهذا المنع هو حق أوجبه الله ﷾ على نفسه تفضلًا وتكرمًا بحكم وعده، وبما كتبه على نفسه من تحريم الظلم، وبموجب أسمائه وصفاته، لا أنه يجب عليه كما يجب على المخلوق (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٩٦).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥١)، وشأن الدعاء (٤١)، وتفسير القرطبي (٢٠/ ٣٩٠).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٢).
(٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٢٧).
(٥) شفاء العليل (٢/ ٥١٢).
(٦) انظر: منهاج السنة (٢/ ٣١٠).
[ ١ / ٣٧٠ ]
المسألة الثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.
تقدم في المبحث الثامن من الفصل الماضي بيان شمول قدرة الرب ﷾ لكل شيء، وأنه يدخل في ذلك ما عُلم أنه ﷿ لا يفعله، وتقدم كذلك بيان كون الممتنع ليس بشيء أصلًا بإجماع أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم، فأغنى عن إعادته هنا (^١).
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الظلم ممكن مقدور لله ﷾، وليس هو بممتنع، وقد دل على ذلك:
أولًا: تمدحه ﷾ بتركه وعدم إرادته، ولو لم يكن مقدورا له لما كان لذلك التمدح معنى؛ لأن الأمر الذي لا يُقدر عليه لا يصح أن يُمدح الممدوح بتركه أو عدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها (^٢).
بل لم يكتف الله ﷿ بالإخبار بنفي الظلم وأنه حرمه على نفسه ولم يرده، حتى نوَّع الأدلة على ذلك ما بين تأمين العباد منه، ونفيه ﷾ التسوية بين الطائع والعاصي؛ وهذا كله يدل على أن الظلم مقدور له.
ثانيًا: أن الله ﷾ أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته؛ فلا يصح أن يقال: حرمت على نفسي خلق مثلي، ونحو ذلك من المحالات، لأن المعنى حينئذ: أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا لي لا أفعله.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٢٧١ - ٢٧٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٢).
[ ١ / ٣٧١ ]
وهذا المعنى باطل، فهو مع خلوه من معنى يستفيده السامع، ليس فيه مدح ولا ثناء، وخطاب الله ورسوله ينزه عن إرادة مثل هذا المعنى (^١).
ثالثًا: أن القدرة على الظلم صفة كمال وضدها نقص، والله ﷾ متصف بالكمال ومنزه عن النقص، فوجب أن يكون قادرًا عليه.
رابعًا: أن الله ﷾ أثبت لنفسه الملك والحمد؛ الملكَ بكونه على كل شيء قدير، والحمدَ بأنه عادل لا يظلم، فمن نفى قدرته على الظلم فقد نفى ملكه، وكذب بما أخبر به عن ذلك، كما أن من نفى عدله وأثبت قدرته فقد أثبت له حمدًا بلا ملك (^٢).
ومما يجب أن يُعلم أن أهل العلم قد نبَّهوا على مسألة مهمة، وهي أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق (^٣).
ومحل البحث فيما ظهر لي هو الصورة الثالثة من صور تفسير الظلم؛ لأن الظلم المنفي عن الله ﷾ هو - كما تقدم تفسيره - ثلاث صور:
الأولى: أن ينقص من حسنات العامل أو يزيد عليه من سيئات غيره.
الثانية: أن يعاقب من لم يذنب.
الثالثة: أن ينقص ثواب العمل.
وذلك أن المعنى المنفي في الصورتين الأولى والثانية واحد سواء أضيف إلى الخالق أو إلى المخلوق، لكن للخالق من ذلك ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠)، وشفاء العليل (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٣١٠ - ٣١١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأما الصورة الثالثة فالمعنى مختلف، لأن المخلوق إنما يكون ظالمًا للعامل إذا استوفى منه المنفعة ثم هضمه أجره، فالأمر بينهما معاوضة؛ عمل مقابل الأجرة، وأما بالنسبة لله ﷿ فالأمر مختلف، لأن إثابة المطيع فضل منه ﷾ وإحسان وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن الله ﷾ غني عن العباد وأعمالهم، فلو أطاعوه كلهم أو عصوه كلهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا ولم يزد.
وقد أخبر النبي ﷺ بأن الأعمال ليست عوضًا لدخول الجنة، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لن ينجي أحد منكم عمله)، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله، قال: (ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) (^١).
وأيضا فالله ﷾ هو الذي أقدر العامل عل العمل ووفقه له ودفع عنه موانعه، ثم مَنَّ عليه بعد ذلك بأن حفظ له العمل من الحبوط، فالفضل له ﷾ أولًا وآخرًا.
والحاصل أن الله ﷿ يقدر على الظلم، إلا أنه ﷾ لكمال عدله وإحسانه لا يفعله، والله أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٣)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٦٩) ح (٢٨١٦). ورواه كذلك البخاري في الموضع السابق (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٤)، ومسلم في الموضع السابق كذلك (٤/ ٢١٧١) ح (٢٨١٨) من حديث عائشة ﵂. ورواه مسلم أيضًا في الموضع السابق (٤/ ٢١٧٠) ح (٢٨١٧)، من حديث جابر ﵁.
[ ١ / ٣٧٣ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
تقدم أن تنزيه الله عن الظلم مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه.
فذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، ومثل كون الشيء موجودًا معدومًا، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن.
قال البَاقِلاني (^١): "الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما يكون كذبًا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا" (^٢).
وقال الغزالي: "الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فحلى ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى، أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، فلا يتصور من الإنسان أن يكون ظالمًا في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع، فيكون ظالمًا بهذا المعنى، فمن
_________________
(١) هو: أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، المعروف بالباقلاني، أو ابن الباقلاني الأشعري، من كتبه: "الإنصاف"، و"التقريب والإرشاد"، مات سنة (٤٠٣ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).
(٢) الإنصاف (١٥٠).
[ ١ / ٣٧٤ ]
لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره، ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره؛ كان الظلم مسلوبًا عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك؛ فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات" (^١).
وقال الآمدي: "الظلم وكل صفة منقصة مسلوبةٌ عنه لامتناع اتصافه بها، وذلك على نحو سلب الظلم والعبث عن الحيوانات والجمادات وغير ذلك من النباتات؛ إذ الظلم يتصور ممن يصادف تصرفه ملك غيره من غير علمه، أو مخالفة من هو داخل تحت تصرفه وحكمه، وذلك كله منفي عن الباري تعالى" (^٢).
وقال ابنُ المنيِّر (^٣): "ولا معنى للظلم إلا التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والعباد ملك الله تعالى، فكيف يتصور حقيقة الظلم منه" (^٤).
وقال الإيجي: "وتصرفه تعالى فيما هو ملكه كيف كان لا يكون ظلمًا" (^٥).
واحتج الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما منتف عن الرب سبحانه؛ إذ كل
_________________
(١) الاقتصاد في الاعتقاد (١٨٣ - ١٨٤).
(٢) غاية المرام في علم الكلام (٢١٣ - ٢١٤).
(٣) هو أبو العباس، أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار الإسكندري المالكي، المعروف بابن المنيِّر، الأشعري، ولد سنة (٦٢٠ هـ)، من كتبه: "البحر المحيط"، و"الانتصاف من صاحب الكشاف"، مات سنة (٦٨٣ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٤٩١)، وبغية الوعاة (١/ ٣٨٤).
(٤) الانتصاف (بحاشية الكشاف) (٥/ ٣١٦)، وانظر: (١/ ١٦٦) منه.
(٥) المواقف (٣٢٢).
[ ١ / ٣٧٥ ]
ما سوى الله سبحانه ملك له، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: أن الصواب في تعريف الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه - كما تقدم بيانه - لا ما ذكروا، وحصرهم للظلم في التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الواجب طاعته لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا لغة، بل قولهم مردود بالكتاب والسنة واللغة.
الثاني: أن دعوى امتناع الظلم منه سبحانه غير صحيحة، بل الظلم ممكن إلا أن الله تنزَّه عنه، وقد تقدم بيان ذلك (^١).
الثالث: أن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة مبني على مذهبهم الباطل في التحسين والتقبيح، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ولا مدخل للعقل في ذلك، فعندهم لو أمر الشارع بالزنا والكفر لحسن ذلك، ولو نهى عن التوحيد والعفة لحسن ذلك لأمر الله ﷾، وعلى مذهبهم الباطل في نفي الحكمة والتعليل، وسيأتي بيان ضلالهم في هذين البابين، وما بُني على باطل فهو باطل.
الرابع: أن التصرف في ملك الغير وكذا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته ليس بظلم دائمًا، بل قد يكون هو العدل، وهذا بيِّن، ويدل للأول: ما جاء في الشرع من الحجر على مال السفيه؛ فإنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وليس ظلمًا باتفاق العقلاء بل عدل ومنفعة.
ويدل للثاني: حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٣٧١ - ٣٧٢).
[ ١ / ٣٧٦ ]
سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا له، ثم قال أوقدوا نارًا فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف) (^١)، فقد بيَّن النبي ﷺ وجوب الخروج عن الطاعة إذا كانت في غير المعروف.
ولا مجال للأشعرية بأن ينازعوا بأن هذه الأحكام ثبتت في الشرع، لأن الأول ممدوح عقلًا قبل ورود الشرع لتضمنه حفظ مال السفيه، والثاني كان فعل الصحابة فيه صائبًا قبل ورود الشرع، بدليل استدلالهم بالعقل، ثم جاء إقرار النبي ﷺ لهم.
فهذان دليلان ومثالان على أن التصرف في ملك الغير ومخالفة الآمر قد يكونان عدلًا لا ظلمًا.
وذهبت القدرية المعتزلة إلى أن الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٩/ ٦٣) ح (٧١٤٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٣/ ١٤٦٩) ح (١٨٤٠).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وإنما كان الله سبحانه منزَّهًا عن الظلم عندهم لأن الظلم غير مراد له سبحانه، فهو - عندهم - لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان ولا خلقه، بل العباد أحدثوا ذلك بغير مشيئته، فلما أحدثوا هذه المعاصي استحقوا العقوبة عليها، فعقوبتهم عندئذٍ ليست ظلمًا.
فالإحداث ليس فعله، والعقوبة عليه عدل، ليست بظلم.
وفرَّعوا على هذا أيضًا إنكار هداية الرب سبحانه لخلقه وإضلالهم، لأنه عندهم إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، وكذلك إذا اختص بعض عباده بالإعانة دون بعض كان ظالمًا.
قال القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الظلم كل ضرر لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا استحقاق ولا الظن، للوجهين المتقدمين، ولا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور به، ولا يكون في الحكم من جهة غير فاعل الضرر" (^١).
فشروط الظلم عندهم:
١) أن يكون ضررًا لا نفع فيه ولا دفع ضرر؛ إذ لا يكون ظالمًا من كلف أجيرًا بعمل مضر به في مقابل أجرة يحصل له بها نفع معلوم.
ولا يكون ظالمًا من أضر بأحد مضرة لدفع مضرة أكبر منها، كما يقطع الطبيب اليد المتآكلة إبقاء لحياة المريض.
٢) أن يكون ضررًا غير مستحق، إذ لا يكون ظالمًا من أضر بعقوبة من يستحق هذه العقوبة، كذم الفاسق والكاذب، فإنهما مستحقان للذم.
٣) أن يكون الضرر ليس من جهة المضرور به، إذ ليس بظالم من دفع
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).
[ ١ / ٣٧٨ ]
صائلًا بضربه والإضرار به، لأنه ضرر من جهة المضرور به.
وهذا الشرط يمكن دخوله فيما تقدم، إذ المدفوع مستحق لأن يدفع ضره.
٤) أن يكون الضرر من جهة غير فاعل الضرر، فلو أن الله سبحانه أمات صبيًا ألقي به في النار لا يكون ظالمًا له، لأن هذه الإماتة كأنها في هذا الحكم من غير جهة الله سبحانه.
وعرَّفه القاضي عبد الجبَّار أيضًا مقابلًا له بضده: "وقد عُلم أن الظلم هو ما يفعله بغيره من المضار القبيحة، فيجب أن يكون العدل ما يفعله الفاعل بغيره من المضار الحسنة وما يجري مجراها" (^١).
ولا فرق في هذا بين أن يكون النفع ودفع الضر ظنيًّا أو معلومًا (^٢).
وهذا المعنى هو المقصود في حق الله عندهم، فالقاضي يعرف العدل في حق الله فيقول: "ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة" (^٣).
وقال أيضًا: "وأما في الاصطلاح، فإذا قيل إنه تعالى عدل؛ فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخلُّ بما هو واجب عليه" (^٤).
وقولهم ما يفعله الفاعل بغيره مبني على قولهم في الحكمة وأنها راجعة إلى المخلوق ولا يعود لله منها وصف، إذ ما يفعله الفاعل بنفسه لا يوصف بكونه
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٥٠).
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٤٥ - ٣٤٦).
(٣) المصدر السابق (٣٠١).
(٤) المصدر السابق (١٣٢)، وانظر: (١٣٣) منه.
[ ١ / ٣٧٩ ]
عدلًا ولا ظلمًا، قال القاضي عبد الجبار: "فصل في بيان وصف الفعل بأنه عدل وحكمة وما يتصل بذلك.
اعلم أن الذي يختص بهذه الصفة من الأفعال كل فعل فعله لينتفع المفعول به على وجه يحسن أو يضر به، وأما ما يفعله الفاعل منا بنفسه لمنفعة أو دفع مضرة فإنه لا يوصف بذلك" (^١).
فمما تقدم يظهر أن المعتزلة أحسنوا في إثبات قدرة الرب على الظلم، ولكنهم أخطؤوا في مسألتين:
الأولى: في حقيقة الظلم، فإنهم عرفوه بناءً على تشبيه أفعال الله بأفعال الخلق، وأنه يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم.
الثانية: جعلهم هذا دليلًا وحاملًا على إنكار خلق الله سبحانه لأفعال العباد، لأنه - بزعمهم - إذا كان خالقًا لها ثم عذبهم على القبيح منها فهو ظالم، وفي ذلك يقول القاضي: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب إن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (^٢).
ولا شك في بطلان ما ذهبوا إليه في المسألتين، أما الثانية؛ فلأنه لا يلزم من كون الله خالقًا لأفعال العباد أن يكونوا غير فاعلين لها، أو أن يكونوا مجبورين عليها، بل للعبد قدرة ومشيئة على فعله والله خالقه وخالق قدرته ومشيئته وفعله، وسيأتي في مبحثي خلق الأفعال الرد عليهم في هذا.
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٤٨).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).
[ ١ / ٣٨٠ ]
ومما يُردُّ عليهم به: أن الإجماع منعقد على أن الله قد خلق لهم الاستطاعة التي وقع بها منهم الظلم والكذب والجور مع علمه أنهم يظلمون بها، فيلزم على مذهبكم هذا أن يسمى بذلك ظالمًا ومعينًا على الظلم (^١).
ومما يُردُّ به عليهم أيضًا: أنه إن كان بخلقه الظلم يسمى ظالمًا فينبغي أن يكون بخلقه حركة الاضطرار يسمى متحركًا، وبخلقه السقم سقيمًا، وهكذا (^٢).
وأما المسألة الأولى، فمن وجوه:
الأول: أن الله سبحانه كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته؛ فليس له مثل في أفعاله، فتشبيه أفعاله بأفعال خلقه باطل.
الثاني: أن الله سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
الثالث: أن تنزه الرب سبحانه عن الظلم من كماله سبحانه، ومن تفضله على خلقه لا أن أحدًا يوجب عليه ذلك.
الرابع: أن الله سبحانه موصوف بالحكمة، والحكيم والحكم من أسمائه، وكل أفعاله منوطة بالحكمة، وما يقع في الوجود من شرور فقد تضمنت من الحكم ما يجعل وجودها خيرًا من عدمها.
ولذلك فإن المعتزلة - كما سيأتي - لما كانوا يرون أنه لا يعود من أفعال الله تعالى إليه وصف وإنما إلى الخلق فقط، فإنهم أوجبوا على الله سبحانه العوض على الآلام التي لا تتضمن حكمة تعود على المتألم كإيلام الأطفال؛ هروبًا من
_________________
(١) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٨٧).
(٢) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ٣٨١ ]
الظلم، وقالوا: العوض عليها يخرجها عن أن تكون ظلمًا بالنسبة لهم (^١).
وقد تقدم في المطلب الأول أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق، وأن إثابة المطيع فضل منه سبحانه وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن أعمال بني آدم ليست عوضًا لثواب الله سبحانه.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٤)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٨٧).
[ ١ / ٣٨٢ ]
المبحث الرابع: "قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ١ / ٣٨٣ ]
المبحث الرابع: "قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير. . . فإنه لا يخلق شرا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "فإن أفعاله خيرٌ كلَّها وعدل ومصلحة وحكمة، لا شر فيها بوجه من الوجوه" (^٢).
وقال ﵀: "وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٣٦).
(٣) جلاء الأفهام (٣٤٩).
[ ١ / ٣٨٥ ]
وقال ﵀: "الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه. . . بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته" (^١).
وقال ابن الوزير: "وهي [أي الحكمة] شاهدة لقول أهل المعقولات، أنه لا يكون في مخلوقات الله تعالى ما هو شر محض من جميع الوجوه، لأن ما كان كذلك لم يمكن تجويز أنه خير ولا أن فيه خيرًا" (^٢).
_________________
(١) حادي الأرواح (٢/ ٧٧٠)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٧٣٧).
(٢) إيثار الحق (٢١٠).
[ ١ / ٣٨٦ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.
أما الكتاب؛ قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
فالحسنة - كما سيأتي -: الخير وأسبابه، والسيئة الشر وأسبابه، فأضاف الخير إليه ﷾، وأضاف الشر إلى نفس الإنسان.
وكذلك ما جاء من نفي بعض أفراد الشر، كالظلم وإرادة العسر بالعباد ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما السنة؛ ففيها التصريح بنفي الشر عنه جملةً، كما في حديث علي ﵁ في دعاء الاستفتاح، وفيه قوله ﷺ: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) (^١).
ومثله حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "يُجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فينادي منادٍ: يا محمد - على رؤوس الأولين والآخرين - فيقول ﷺ: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، تباركت ربنا وتعاليت)، قال حذيفة: فذلك المقام المحمود" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٤) ح (٧٧١).
(٢) رواه النسائي في الكبرى (١٠/ ١٥٣) ح (١١٢٣٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٧٣) =
[ ١ / ٣٨٧ ]
وكل نص في الكتاب والسنة فيه تسبيح الله؛ فهو دليل على نفي الشر عنه ﷾، لأن (سبحان الله): كلمة يُنَزَّه الله بها عن السوء، كما جاء عن ابن عباس ﵄، وميمون بن مهران ﵀ (^١).
_________________
(١) = ح (٣٥٨٠٧)، والحاكم (٢/ ٣٦٣)، من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁ به، وفيه علتان: عنعنة أبي إسحاق واختلاطه، وكلتاهما مدفوعتان برواية النسائي، فقد صرح أبو إسحاق فيها بالسماع فأمن تدليسه، وهي عنده من رواية شعبة عنه، فأُمن اختلاطه لأن شعبة سمع منه قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، وصححه الحاكم، والحافظ في الفتح (٨/ ٣٩٩)، والألباني في ظلال الجنة ح (٧٨٩).
(٢) رواهما ابن أبي حاتم (١/ ٨١).
[ ١ / ٣٨٨ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة من القواعد العظيمة في باب القدر، ولها ارتباط بكل مسائل الاعتقاد.
وقبل الشروع في بيانها يحسن البدء بمقدمة مشتملة على خمس مسائل:
الأولى: اتصاف الله ﷾ بصفات الكمال، وتنزهه عن كل نقص.
الثانية: الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره.
الثالثة: عموم خلق الله ﷾ لكل شيء.
الرابعة: أن هناك فرقًا بين الفعل والمفعول.
الخامسة: أن هناك فرقًا بين فعل وأفعل.
أما المسألة الأولى: فسبق طرقها مرارًا، فأغنى عن إطالة الكلام فيها، وحاصلها أن الأدلة - من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة والحس وسائر أنواع الدلالات الصحيحة - دلت على اتصاف الله ﷿ بالكمال وتنزهه عن النقص.
ويتفرع عن هذه القاعدة الكلية قواعد وفروع كثيرة جدًا، بل لو قيل إن هذه القاعدة قد انتظمت مسائل الاعتقاد كلها لما بعُد، لأن الاعتقاد كله مرجعه إلى الإيمان بالله، والإيمان بالله قول وعمل، وإن شئت قل: علم وعمل، فالعلم بالله لا يكون إلا بالعلم بأسمائه وصفاته، والعمل لا يكون إلا بمعرفة المعبود ومعرفة مراده، فعاد أمر الاعتقاد، بل أمر الدين كله إلى معرفة أسماء الله وصفاته.
وأما علاقتها بهذا المبحث أن وصف الشر وصف نقص مطلقًا، فوجب تنزيه الله ﷾ عنه، وصفًا وتسميةً وفعلًا، مع إثبات كمال ضده
[ ١ / ٣٨٩ ]
له ﷾، وهو مسمى الخير من إحسان ورحمة وحكمة وكرم ونحوها.
بل إذا تأمل المتأمل يرى أن جميع صفات النقص مرجعها إلى الشر، وجميع صفات الكمال مرجعها إلى ضده، لذا فقد جمع النبي ﷺ بينهما في قوله: (والخير بيديك، والشر ليس إليك) (^١).
وأما المسألة الثانية: فهي من القواعد المهمة جدًّا في باب الصفات، ولها تعلق بمسائل كثيرة في شتى أبواب الاعتقاد، لأن باب الأسماء والصفات ينتظم جميع أبواب الدين.
والمراد بهذه القاعدة أن الله ﷿ إنما يوصف بما قام به لا بما خلقه في غيره، فإذا خلق سبحانه في غيره حركة أو لونًا أو كلامًا؛ لم يكن هو المتصف بأحكام هذه الصفات، فلا يوصف بأنه هو المتحرك بها، أو المتلون أو المتكلم به.
فالمحل الذي قامت به الصفة هو الذي يأخذ حكمها، ويشتق له منها اسم، لا غيره.
وقد جعل شيخ الإسلام ﵀ هذه القاعدة في أربع مسائل فقال: "وهنا أربع مسائل: مسألتان عقليتان، ومسألتان سمعيتان لغويتان:
الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل. . .
الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل، فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره. . .
وهاتان عقليتان.
الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم - إذا كانت تلك
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).
[ ١ / ٣٩٠ ]
الصفة مما يشتق لمحلها منها اسم -. . .
الرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة. . ." (^١).
وعلاقة هذه القاعدة بهذا المبحث أن الله ﷾ إذا خلق الشر في محل ما؛ قام وصف الشر بذلك المحل لا به ﷿، فلا يوصف ﷾ بسبب ذلك - بالشر، لا في صفاته ولا في أفعاله، كما أن اسم الشر يتسمى به ذلك المحل دون الله ﷿.
وأما المسألة الثالثة: فالأصل فيها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقد تقدم الكلام على مرتبة الخلق - على وجه الإجمال - مع الأدلة عليها (^٢).
والمقصود من إيرادها هنا بيان أن الشر داخل في عموم الأشياء التي خلقها الله ﷾، وأن انتفاء إضافته إليه ﷿ وصفًا وتسمية وفعلًا لا ينافي إضافته إليه خلقًا وتكوينًا، مع التنبه على أن المراد بالشر هنا: الجزئي الإضافي لا الكلي المحض - كما سيأتي بيانه -.
ومع التنبه كذلك على أنه لا يضاف إليه ﷾ خلقًا من باب الأدب معه؛ فلا يقال: خالق القردة والخنازير والكلاب، ولا خالق المعاصي والآثام ونحو ذلك، وإن كان الجميع مخلوقًا له ﷾ (^٣).
_________________
(١) شرح الأصبهانية (٤٨٤)، وانظر (٢٠) منه، ومجموع الفتاوى (٦/ ٣١٥) و(١٢/ ٢٧٣)، ودرء التعارض (١٠/ ٥٨)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٩٢).
(٢) انظر ما تقدم ص (١٠٦ - ١٠٧ و١٢٢ - ١٢٣).
(٣) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
[ ١ / ٣٩١ ]
ومن هذا الباب أيضًا عدم إضافة الأشياء الحقيرة إليه - وإن كانت ليست شرا في نفسها - كالهوام والدواب.
وبالجملة؛ فإن الله ﷾ إنما يثنى عليه ويتمدح بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئها، وعظائمها دون محقراتها (^١).
وأما المسألة الرابعة: فالمقصود منها أن أئمة السنة وجمهور الأمة يثبتون الفرق بين فعل الفاعل ومفعوله المنفصل، فالفعل هو إحداث الشيء والمفعول هو الحدث، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول (^٢)، ففعله يقوم به ويتصف بما تضمنه من معنى، وأما مفعوله المنفصل فلا يتصف به، وهذا مطَّرد في حق الخالق وفي حق المخلوق، فالصلاة من العبد - على سبيل المثال - تطلق على شيئين: على فعله القائم به، الذي يسمى بسببه بالمصلي، وهو قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، وتطلق على المفعول المنفصل، وهي الصلاة التي وجدت بفعله، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة أفعال العباد، وستأتي هناك إن شاء الله.
وكذا الأمر في حق الله ﷾ وهي المسألة المرادة هنا -؛ فرق ما بين فعله ﷿ ومفعوله المنفصل، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله ﷿، وليست هي فعل الله ﷾، كما أن ذوات العباد مخلوقة مفعولة له ﷿ وليست هي نفس فعله.
_________________
(١) انظر: القضاء والقدر للبيهقي (٢/ ٦٦١ - ٦٦٢).
(٢) انظر: خلق أفعال العباد (٢/ ٢٩٧ - ٣٠٠)، وانظر كذلك: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، و(٢/ ١١٩ - ١٢٠)، ومنهاج السنة (٢/ ٢٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٣٩٠).
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومن ذلك الشرور والآلام والمعاصي ونحوها؛ فالذي لله ﷿ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأما المعلوم المكتوب المشيء المخلوق من هذه الشرور؛ فليس إلى الله ﷾ فلا يوصف به.
وأما المسألة الخامسة: فالمقصود منها أن أهل السنة يثبتون الفرق كذلك بين فعل وأفعل، فالفعل هو الذي يقوم بالفاعل، ويشتق له منه اسم وصفة، وأما الإفعال فلا يقوم به، وإنما يقوم بمن جعله فاعلًا له.
وذلك أن الله ﷿ فاعل غير منفعل، والعبد فاعل منفعل، إما انفعالًا محضًا فيما ليس له فيه اختيار كارتعاشه ومرضه وموته، وإما انفعالًا غير محض وذلك فيما له فيه اختيار، إذ أن فاعليته - هذه - لا تخرجه عن كونه منفعلًا، لأنه فيها منفعل للرب الذي لا ينفعل.
فالله ﷾ أفْعَلَ، والعبد فَعَل، فهو الذي أضل العبد والعبد ضل، وهو الذي جعله كافرًا والعبد كفر، وهو الذي جعله مصليًا والعبد صلى، وهكذا في كل أفعال العباد من خير وشر (^١).
فلا يلزم من جعل الله ﷿ للعبد فاعلًا للشرور أن يقوم به وصف الشر، بل إنما يقوم بمن فعله وهو العبد (^٢).
وهذه القاعدة تتضمن مسألتين:
الأولى: معنى الشر، وأنواعه.
مادة (شَرّ) في اللغة أصل صحيح يدل على الانتشار والتطاير، ومن ذلك
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٣٩٩).
(٢) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).
[ ١ / ٣٩٣ ]
الشر خلاف الخير، وهو السوء، سمي بذلك لانتشاره وكثرته، ومنه الشرر: وهو ما تطاير من النار، واحدته: شررَة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢].
وشرشر الشيء إذا شققه وقطعه، وشر يشر: زاد شره، وشر إنسانًا: إذا عابه، وشرره في الناس: شهره فيهم (^١).
والشر في لسان الشارع هو خلاف الخير، وهو نوعان (^٢):
الأول: الشر المحض، ويقال: الكلي والمطلق، وهو ما خلا عن كل مصلحة وحكمة ورحمة، بل ليس فيه إلا السوء والضرر والمشقة، وهذا لم يخلقه الله ﷾ وليس له وجود.
الثاني: الشر الجزئي، ويقال: النسبي والإضافي، وهو ما اشتمل - مع ما فيه من سوء - على مصالح وحكم، فهو شر من وجه دون وجه.
المسألة الثانية: الشر بنوعيه منتف عن الله ﷾، فعلًا ووصفًا وتسميةً.
المقصود بنفي الشر عن الله ﷿ نفي الوصف والإضافة، لا نفي الخلق، فإن كل ما سوى الله ﷾ مخلوق، وهو ﷾ الذي خلقه وأوجده من العدم، ومن ذلك الشر.
كما أن المقصود بالشر المنفي هو الشر الجزئي لا الكلي، إذ أن الشر الكلي لا وجود له أصلًا، ولا هو داخل فيما خلقه الله ﷾، ويدل على
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٢٧٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ١٨٠) مادة: (شر).
(٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥١٥)، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦).
[ ١ / ٣٩٤ ]
ذلك أمور:
الأول: أنه لا حكمة فيه ولا مصلحة ولا رحمة لأحد، وما كان كذلك يستحيل أن يفعله الله ﷾ لكمال عدله ورحمته وحكمته، واتصافه بصفات الكمال.
الثاني: أنه مناف لحمد الله ﷾ وكونه أحق ما قال العبد، قال شيخ الإسلام ﵀: "وإذا قيل: يخلق ما هو شر محض، لم يكن هذا موجبًا لمحبة العباد له وحمدهم، بل العكس" (^١).
الثالث: أن الشر المحض عدم محض، والعدم لا يضاف إلى الله تعالى، لأنه ليس شيئًا ولا حقيقة له (^٢)، يوضحه:
الرابع: أن الواقع يشهد بانتفائه، فليس في الوجود ما هو شر لكل المخلوقات، بحيث يكون شرا مطلقًا عامًّا، بل يكون شرا في حق من تألم به فحسب، وقد يكون نفس تألم هذا خيرًا لغيره (^٣).
فإذا تبين أن الشر المحض لا وجود له ولا حقيقة؛ علم امتناع إضافته إلى الله ﷾.
وأما الشر الجزئي الإضافي فواقع، وهو داخل في عموم ما خلقه الله ﷿، والمقصود هنا الكلام عن انتفائه عن فعل الله ﷾، ووقوعه في مفعولاته (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٧ و٢١٣).
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٢١٣)، (١٤/ ٢٠).
(٣) انظر: المصدر السابق (١٤/ ٢٠ - ٢١).
(٤) وأما الكلام على الحكمة من خلقه فسيأتي في المبحث القادم إن شاء الله.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وقد جمع النبي ﷺ بين نفي نسبة الشر إلى الله ﷾، وبين إثبات ضده، وذلك في قوله: (الخير بيديك، والشر ليس إليك) (^١).
ومعنى: (الشر ليس إليك): أي لا يضاف إليك بوجه لا في ذاتك، ولا في أسمائك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك.
أما انتفاؤه في ذاته: فلأن ذاته أكمل الذوات، ولها الكمال المطلق من جميع الوجوه.
وأما انتفاؤه في أسمائه: فلأن أسماءه كلها حسنى، ليس فيها اسم سوى ذلك.
وأما انتفاؤه في صفاته: فلأن صفاته كلها صفات كمال ويحمد عليها ويثنى عليه بها.
وأما انتفاؤه في أفعاله: فلأن أفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة، لا شر فيها بوجه ما (^٢)، بل الشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إلى الله ﷿، فلو أضيف إليه لم يكن شرا (^٣).
وقد فسر النضر بن شميل هذا الحديث فقال: "والشر ليس إليك، تفسيره: والشر لا يُتقرب به إليك" (^٤)، وهو تفسير ابن خزيمة (^٥)، وابن حبان (^٦)
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٣٨٧).
(٢) انظر: حادي الأرواح (٢/ ٧٧٠)، وبدائع الفوائد (٢/ ٧١٨ - ٧١٩).
(٣) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥١١).
(٤) رواه الطحاوي في المشكل (٤/ ٢٢٢)، والبيهقي: كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة بعد التكبير (٢/ ٣٣).
(٥) انظر: صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٣٦).
(٦) انظر: صحيح ابن حبان (٥/ ٧٣).
[ ١ / ٣٩٦ ]
رحم الله الجميع، وهو يرجع إلى تفسير الشر بالأعمال المنهي عنها لا بالمخلوق.
وهذا المعنى خطَّأه ابن القيم ﵀ (^١)، ووجه الخطأ - فيما ظهر لي - هو قصر تفسيره على هذا، وإلا فتفسير النضر داخل في عموم المعنى، فالله ﷾ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله لا يقبل إلا خيرًا، ولا يقبل ضده، وهذا كقول النبي ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) (^٢).
ومما يبين أن الشر لا يضاف إلى الله ﷿: اتصاف الله ﷾ بصفات الكمال، كما تقدم التنبيه عليه.
ومما يبين ذلك أيضًا: تسمي الله ﷾ بما يدل على تنزهه عن الشر، وقد مضى في المبحث الماضي شيء من ذلك، فأغنى عن إعادته هنا (^٣).
ومما يبينه أيضًا: أن هذا الشر الواقع في المفعولات راجع - في حقيقة الأمر - إلى العدم؛ عدم الخير وأسبابه، وهذه هي جهة الشر فيه، وأما وجوده المحض فلا شر فيه.
فالنفوس الشريرة وجودها - من حيث هو - خير، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت متحركة، فإذا أمدت بالخير وأسبابه تحركت إليه، وإذا قطع عنها هذا الإمداد تحركت بطبعها إلى الشر، فحركتها كوجودها - من حيث هو - خير لا شر.
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٧٢٤)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٧٠).
(٢) رواه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيته (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).
(٣) انظر ما تقدم ص (٣٦٨ - ٣٧٠).
[ ١ / ٣٩٧ ]
وذلك أن الخير وأسبابه ثلاثة: إيجاد، وإعداد وإمداد، وكلها إلى الله ﷾، فإذا لم يوجد الشيء فهو باق على العدم وهو ليس بشيء حتى يكون خيرًا أو شرًا، فإذا وُجد وأُعِد وأُمِد كان خيرًا لا شر فيه، وإذا قطع عنه الإعداد والإمداد بعد وجوده حصل فيه الشر الذي سببه هذا العدم الذي ليس إلى الله ﷾، وإنما إليه ضده (^١).
فإذا تبين أن الشر راجع إلى العدم، ظهر انتفاء إضافته إلى الله ﷿.
ثم هذا الشر الحاصل لعدم الخير وأسبابه ليس شرا محضًا، بل هو نسبي إضافي، فهو شر للمحل الذي حصل فيه دون غيره، وإن كان خيرًا له من وجه آخر كذلك، وهذا الخير هو محل حكمة الله ﷾ فيه.
فالشر له وجهان: وجهٌ نسبته إلى الله ﷾ خلقًا ومشيئة، فهو من هذا الوجه خير لما تضمنه من الحكم البالغة التي اقتضت وجوده.
ووجهٌ نسبته إلى من هو شر في حقه، وإن كان خيرًا له من وجه آخر (^٢).
مثال ذلك: الشر الذي حصل للقاتل بالقصاص هو شر له من حيث إزهاق روحه، وإعدام حياته، وهو خير له من وجه آخر، إذ فيه تكفير ذنبه، وهو خير كذلك لعموم الناس إذ فيه إظهار لدين الله ﷿ وإقامة لشرائعه، وانتشار للأمن وحفظ للدماء.
ومما يبين أن الشر لا يضاف إلى الله ﷿ أيضًا: أنه لم يُضَف في كلام الله
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٠).
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٧١٩).
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولا كلام رسوله ﷺ إلى الله، وإنما ورد على أحد وجوه ثلاثة (^١):
الأول: أن يدخل في عموم المخلوقات، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وهذا يتضمن إثبات قدرة الله ﷾ عليه ومشيئته وخلقه له.
الثاني: أن يضاف إلى السبب الفاعل، ومثاله قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
الثالث: أن يُحذف فاعله، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، فجمع ﷾ بين عدم إضافة الشر إليه وبين إضافة الخير إليه ﷾.
وهذا كقول الخضر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، مع قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، فأضاف إعابتها - وهو شر إضافي - إلى نفسه، وأضاف الخير من بلوغ الأشد واستخراج الكنز إلى الله ﷿.
وأوضح منه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فأضاف الحسنة إلى الله ﷾ إذ هو المنعم بها من كل وجه، وأضاف السيئة إلى العبد إذ هو المتسبب فيها والفاعل لها، وبه قامت.
وقد فُسرت الحسنة والسيئة في هذه الآية بتفسيرات كلها ترجع إلى معنى واحد (^٢)، فقيل: الحسنة: السراء، والسيئة: الضراء، قاله أبو العالية.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨).
(٢) رواها ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٨ - ١٠٠٩).
[ ١ / ٣٩٩ ]
وقيل الحسنة: ما أصاب من الغنيمة والفتح، والسيئة: ما أصابه يوم أحد، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ والضحاك.
وقيل: الحسنة: النعم، والسيئة: المصائب، قاله قتادة.
وقيل: الحسنة: تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم، قاله السدي.
والمعنى الذي ترجع إليه هذه الأقوال أن الحسنة: الخير وأسبابه، والسيئة: الشر وأسبابه.
فالخير وأسبابه من الله ﷾ وإليه، فعلًا ووصفًا، والشر وأسبابه من نفس الإنسان وبذنوبه، وهو من الله خلقًا وتقديرًا، وليس إليه وصفًا وفعلًا.
فالحاصل أن الشر لا يضاف إلى الله ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما هو واقع في مفعولاته المنفصلة، وهو مع ذلك شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي فلا وجود له أصلًا، والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٠ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
لم يخالف في تنزه قضاء الرب سبحانه عن الشر أحد من المنتسبين إلى الإسلام، إلا ما نسب إلى الجهم بن صفوان، من أن الله سبحانه يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه ولا مصلحة لأحد، وقد عزى هذا القول إليه الإمامان: شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - (^١).
وهذا قول باطل مجانب لأصول الإسلام القاضية بتنزه الرب سبحانه عن النقص واتصافه بالكمال.
وأما سائر الفرق المنتسبة إلى الإسلام فعلى القول بتنزيه الرب سبحانه عن أن يكون في قضائه شر، والخلاف مع طائفتين:
الأولى: المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الشرور الواقعة في العالم قسمان:
- الشرور المتعلقة بأفعال العباد وما تولد منها، فهذه عندهم غير مخلوقة لله سبحانه، فليست مما يدخل في القضاء الإلهي أصلًا.
- الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام والسموم وإبليس ونحوها؛ فهذه كلها عندهم حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا لا حقيقة (^٢).
ولذا فقد عرفوا الخير بأنه النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه.
والضرر القبيح هو الضرر المحض الذي لا خير فيه ولا عاقبة حسنة،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٩٩)، وطريق الهجرتين (١/ ٣١٤).
(٢) انظر: طريق الهجرتين (١/ ٣١٤)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣١٢).
[ ١ / ٤٠١ ]
وأما الضرر الحسن فليس بشر، وإنما هو خير لما تضمنه من نفع عظيم وعواقب حميدة.
قال القاضي عبد الجبار مبينًا مذهب المعتزلة في هذا: "فإن قيل: أليس المعلوم على لسان الأمة أن الخير والشر من الله وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره؟ ولا شر أعظم من الكفر والمعاصي؛ فقولوا: إنهما من الله، وإلا خرجتم عن الإجماع.
قيل: إن الخير هو النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه في الأصل، ويجري على غيره مجازًا، ولذلك لا يقال في الضرر الحسن إنه شر، ولذلك لا نصف ما يفعله الله تعالى من العقاب في الآخرة ولا ما أمر به في الدنيا من الذم وإقامة الحدود وغيرها بأنه شر، وعلى هذا الوجه لا يوصف الله تعالى بأنه شرير، وإن أكثر من المضار الحسنة" (^١).
وقال أيضًا: "فأما قول القائل في الشر إنه بقضاء الله، فمتى أراد به الأمراض والفقر فهو مصيب بالإضافة، مخطئ في وصفه بأنه شر بالإطلاق، وإن أراد المعاصي من أفعال العباد فهو مصيب بأنه شر، مخطئ بالإضافة بالإطلاق" (^٢).
وفرَّعوا على تقريرهم هذا مذهبهم في العوض عن الآلام - على ما سيأتي بيانه -.
_________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٨ - ١٧٩)، وانظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤١).
(٢) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٩).
[ ١ / ٤٠٢ ]
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فقالوا: المراد بالحسنة والسيئة الأولى: الخصب والرخاء والشدة والأمراض، وبالحسنة والسيئة الثانية: الطاعات والمعاصي (^١).
فأحسن المعتزلة إذ قالوا بأن قضاء الرب سبحانه منزه عن الشر، لكنهم أساؤوا بأن أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه.
وما ذهب إليه المعتزلة باطل من وجوه:
الأول: أن هذا التفريق بالحكم بين الشرور الناتجة عن أفعال العباد، والشرور الأخرى غير صحيح، وليس عليه دليل، بل لا فرق في ذلك بين ما كان من أفعال العباد وغيرهم، يبينه:
الثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة دلت على أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه - كما سيأتي في موضعه -، فهي مشاركة لسائر الموجودات بأنها مخلوقة لله سبحانه، فكل ما سوى الله مخلوق.
الثالث: أن قولهم: إن الشرور والسيئات إنما يقال أنها شرور مجازًا لا حقيقة، إن أردوا به نفي كونها شرورًا في نفسها، وأنها لم تشتمل على صفات بها تكون شرا فهذا باطل، وإن أرادوا بها أنها ليست شرا محضًا بل هي - لما اشتملت عليه من مصالح ومنافع - خير؛ فهذا حق، وأصول المعتزلة في
_________________
(١) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن (١٠٢)، والمختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤٢).
[ ١ / ٤٠٣ ]
إثبات الحسن القبح العقليين تقضي أنهم أرادوا الثاني، ويدل عليه ما تقدم من قول عبد الجبار.
على أن للمعتزلة في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه تفصيلات مخالفة للصواب، منها وجوب العوض عنها، وستأتي هذه المسألة في مبحث التحسين والتقبيح بعون الله سبحانه.
وأما ما استدلوا به من قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فلا دليل لهم فيه من وجوه (^١):
أولًا: أن الله سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات، وعندهم لا فرق بينهما، بل فعل العبد عندهم - حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله.
ثانيًا: أنه سبحانه جعل الحسنات والسيئات كليهما من الله، فقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، وإنما في الجزاء.
ثالثًا: أن تفريقهم بين الحسنة والسيئة في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، والحسنة والسيئة في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ غير صحيح، ولا دليل عليه، بل تحكم محض، فهذه مثل هذه.
رابعًا: أن المراد بالحسنة والسيئة النعم والمصائب كما تقدم (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
(٢) انظر ص (٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الثانية: الأشاعرة، فقد شارك الأشاعرة أهل الإسلام في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه، لكنهم جعلوا كل ما في الوجود خير وأن الله لم يقدر شرا مطلقًا، والشر الموجود ليس ذاتيًّا.
قال الآمدي: "والوجود من حيث هو وجود خير محض لا شر فيه، وهو ما يقع مرادًا للباري تعالى، وأما الشر من حيث هو شر؛ فليس هو مستندًا إلا إلى اختلاف الأغراض، أو إلى قول الشارع افعل أو لا تفعل كما سنبينه، وذلك مما لا يوجب كونه شرا في نفسه" (^١).
وقال الجويني: "الآلام واللذات لا تقع مقدورة لغير الله تعالى، فإذا وقعت من فعل الله تعالى فهي منه حسن، سواء وقعت ابتداءً أو حدثت منه مسماة جزاء. . . بل ما وقع منهما فهو من الله تعالى حسن، لا يعترض عليه في حكمه" (^٢).
والخير عندهم في الوجود وكماله، والشر في العدم؛ عدم الوجود أو عدم كمال الوجود، فالوجود وكمال الوجود داخلان في القضاء لذاتهما، وأما الشر الذي هو نقص الوجود فهو داخل في القضاء لا بالذات بل بالعرض، وأما العدم المحض فهو شر محض.
يقول الشهرستاني: "الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان [أي الله سبحانه] مريد الخير، وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير، فهو من ذلك الوجه خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في الوجود شر محض، فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير، والعبد يريد الخير والشر.
_________________
(١) غاية المرام (١٤١).
(٢) الإرشاد (٢٧٣).
[ ١ / ٤٠٥ ]
وعن هذا قال الحكماء: الشر داخل في القضا والإرادة بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود، وإنما الداخل في القضا والإرادة بالقصد الأول هو الوجود وكمال الوجود" (^١).
وهذا جار على قاعدتهم في الحسن والقبح، وأن الحسن ما حسنه الشارع، والقبيح ما قبحه، وأنه ليس للأشياء صفات في نفسها بها تحسن وتقبح.
ومذهبهم باطل من وجهين:
الأول: أن إنكارهم وجود الشرور أمر يكذبه واقع الأمر، فالأمراض والأسقام والقتل ونحوها هي شرور بالنظر إلى ذاتها باتفاق العقلاء، وإن كان شرها جزئيًّا وليس محضًا، فهي خير لما تضمنته من حكم ومصالح.
الثاني: أن القول بأن الوجود خير والعدم شر، لا يصح إطلاقه؛ لأن العدم لا شيء حتى يقال إنه خير أو شر، كما أن من الأشياء ما وجوده شر من عدمه وعدمه خير من وجوده (^٢)، وهذا بالنظر إلى ذوات الأشياء، فكفر المؤمن وجوده شر من عدمه، وبعكسه إيمان الكافر وجوده خير من عدمه، وأما بالنظر إلى ما يترتب على الحكمة في أفعال الله سبحانه: فكل ما يفعله فهو خير، وكل ما لم يفعله فليس بخير؛ إذ لو كان خيرًا لفعله، وهذا التفضيل باعتبار الخير الراجح والشر الراجح، إذ قد يترتب على وجود بعض أفراد الخير شر راجح، وقد يترتب على عدم بعض أفراد الشر ضرر راجح، وإلا
_________________
(١) نهاية الإقدام (٢٥٢ - ٢٥٣).
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٣١)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٤).
[ ١ / ٤٠٦ ]
فإن الأشياء في نفسها منقسمة إلى خير وشر.
ولما كان الأشاعرة ينفون الحكمة عن أفعال الرب سبحانه؛ فقد انسد عليهم هذا الباب، فصار قولهم إن الموجود خير والعدم شر، كما تقدم في كلامهم.
[ ١ / ٤٠٧ ]
المبحث الخامس: "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ١ / ٤٠٩ ]
المبحث الخامس: "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والله عليم حكيم؛ ما خلقه وأمر به له فيه حكمة بالغة صادرة من علمه وحكمته وقدرته" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "قد دلت أدلة العقول الصحيحة، والفطر السليمة، على ما دل عليه القرآن والسنة، أنه سبحانه حكيم؛ لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل" (^٢).
وقال ﵀: "وقالوا [أي أهل السنة] إن له في كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة، ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٥).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٧).
(٣) طريق الهجرتين (١/ ٣٢٢)، وانظر: (١/ ٢٤٣) منه، وحادي الأرواح (٢/ ٧٦١)، والفوائد (١٩٦)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٣)، ومدارج السالكين (١/ ١٢٥).
[ ١ / ٤١١ ]
وقال ابن كثير ﵀: " ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم" (^١).
وقال ابن الوزير ﵀: "وأن له الحكمة البالغة فيما فعل وترك، وقدر وقضى" (^٢).
وقال الألوسي ﵀: " ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمة ومصلحة" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٣٦).
(٢) إيثار الحق (٢٤٩).
(٣) روح المعاني (١٠/ ٦٣).
[ ١ / ٤١٢ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
أما أدلة الكتاب والسنة فهي أكثر من أن تحصر، قال الإمام ابن القيم ﵀ "أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها" (^١).
ومن أنواع هذه الأدلة:
الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].
_________________
(١) وقال ﵀ في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٣): "والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مئة موضع أو مئتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة".
[ ١ / ٤١٣ ]
الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
الرابع: ذكر المفعول له؛ وهو علة للفعل المعلل به، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
السادس: ذكر (من أجل) وهو من صرائح التعليل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
السابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله ﷾ للتعليل مجردة عن معنى الترجي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
[ ١ / ٤١٤ ]
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فـ (لعل) في هذا كله قد أخلصت للتعليل، والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين.
الثامن: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له، تارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا.
فالأول كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].
والثاني كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨].
والثالث كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] (^١).
التاسع: تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه، كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره،
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀: "وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع، بل القرآن مملوء منه" شفاء العليل (٢/ ٥٥٠).
[ ١ / ٤١٥ ]
كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٧].
الحادي عشر: إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
الثاني عشر: إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين، وأن حكمته وعدله يأبى ذلك.
أما الأول فكقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وأما الثاني فكقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
الثالث عشر: أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ونواهيه وزواجره، ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
الرابع عشر: إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه،
[ ١ / ٤١٦ ]
فيذكر هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه، تنبيهًا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
الخامس عشر: إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير، ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
السادس عشر: إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم كما في قوله حاكيًا عن نبيه هود: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، والثاني قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، ووصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم هو كونه يقول الحق ويفعل الصواب، فلا يقول إلا ما يحمد عليه، لا يفعل إلا ما يحمد عليه لكونه حقًّا وعدلًا وصدقًا وحكمةً في نفسه.
السابع عشر: حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله، وأمره عباده بحمده، وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها
[ ١ / ٤١٧ ]
الحمد، فهو يحمد على نفس الفعل، وعلى قصد الغاية الحميدة به، وعلى حصولها، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
الثامن عشر: إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق لهم ما في السموات وما في الأرض، وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة ليتم نعمته عليهم، ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه، فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان لم يكن منعمًا في الحقيقة ولا محسنًا؛ إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان، وهذا غني عن التقرير.
يوضحه أنه سبحانه حيث ذكر إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونًا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق الخلق وشرع الشرائع لأجلها، كقوله في آخر سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فهذا في الخلق، وقال في الشرع في أمره باستقبال الكعبة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق
[ ١ / ٤١٨ ]
للإحسان وأمر بما أمر لذلك.
التاسع عشر: اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيء، وذلك لا يتحقق إلا بأن يقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به، فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كان رحمة، ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها.
العشرون: جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه، وإن كان السائل لا يعلمها، كما أجاب الملائكة لما قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فأجابهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ولو كان فعله مجردًا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم من أن يسألوا هذا السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة.
الحادي والعشرون: إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣]، فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون به - وهو سماع الفهم - بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم، وبأن فيهم مانعًا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر،
[ ١ / ٤١٩ ]
فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه، والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح (^١).
وأما الإجماع؛ فممن نقله:
- شيخ الإسلام، قال ﵀: "وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السلف" (^٢).
وقال ﵀: "ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أن الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها؛ فقوله فاسد مخالف للكتاب والسنة واتفاق السلف" (^٣).
- ابن القيم، قال ﵀: "وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه، والغايات المحمودة في أفعاله، فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم" (^٤).
- ابن الوزير، قال ﵀ في سياق كلامه على الحكمة: "فلو ادعى مدع إجماع المتأخرين مع إجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك [أي على إثبات الحكمة]؛ لما بعد عن الصواب، والله الهادي" (^٥).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٧ - ٥٦٩)، وانظر كذلك: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥).
(٣) منهاج السنة (٣/ ٩٨)، وانظر: جامع المسائل (٢/ ٢٧٨).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٥٧٠ - ٥٧١).
(٥) إيثار الحق (١٩٠).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وأما دلالة الفطرة؛ فحكاها غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢)، وابن الوزير (^٣).
وتقريرها: أن كل أحد يجد في نفسه ضرورة أن هذا الكون فيه من الحكم والمصالح ما لا يمكن حصره، وذلك أنه يرى هذا الوجود حوله "شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل، ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو استنفد عمره لم يحط علمًا بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل" (^٤).
ومن مشهور ذلك ما حصل لخديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف في قصة ابتداء الوحي، ففيه قولها ﵂ للنبي ﷺ: "كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (^٥).
فاستدلت على أن الله ﷾ لا يخزيه بأن من جعله الله متصفًا بهذه
_________________
(١) انظر: شرح الأصبهانية (٧٠٠).
(٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٧ و٥٧١ و٥٩٢).
(٣) انظر: إيثار الحق (١٨٢).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٥٧١).
(٥) رواه البخاري: كتاب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١/ ٧) ح (٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١/ ١٣٩) ح (١٦٠).
[ ١ / ٤٢١ ]
الأخلاق، فحكمته ﷾ تأبى أن يخزيه، وهذا الفهم منها لم يكن بوحي إذ لم يكن ثَمَّ وحي، بل إنما كان بفطرتها التي فطرها الله عليها (^١).
ومن هذا الباب أيضًا: أن الخلق مفطورون على التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وهذه هي حقيقة الحكمة، إذ الحكمة - كما سيأتي - وضع الشيء في موضعه، وهذا مبني على مرتبتين: تمييز وتنزيل، والتمييز راجع في الحقيقة إلى التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والتنزيل تابع للتمييز.
قال ابن القيم ﵀: "وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجميع بينهما" (^٢).
وأما دلالة العقل؛ فمن وجوه أشهرها (^٣): دلالة التخصيص والترجيح، وتقريرها أن الممكن لا بد له من مرجح لوجوده على عدمه، وإلا لم يوجد.
فلا بد مع القدرة على إيجاده من إرادة ترجح وجوده على عدمه، وهذه الإرادة لا بد أن تكون لحكمة وإلا لم تكن إرادة، فلا يعقل إرادة بغير حكمة، فآل الأمر إلى أن الحكمة هي المرجح.
فيلزم على إنكار الحكمة لوازم باطلة، لأن نفيها نفي للإرادة، وبالتالي
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٥/ ٤٣٨)، والصفدية (١/ ٢٢٥).
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨).
(٣) وثمة وجوه أخرى عقلية في الدلالة على الحكمة، أقل التصاقًا بمسألة الحكمة من هذا الدليل، كدلالة الإحكام والإتقان، ودلالة آيات الأنبياء، وغيرها. انظرها في: الحكمة والتعليل للشهري (٢/ ٤٥٢ - ٥١٩).
[ ١ / ٤٢٢ ]
نفي للفعل، أو القول بالترجيح بدون مرجح، أو القول بالعبث عليه ﷾، وكل ذلك باطل.
قال المقبلي ﵀: "الحجة على وجوب تعليل أفعاله تعالى بالحكم هو لزوم العبثية لعدم القول به، وألا يقع الفعل. . . ولزوم أن نظام العالم ومحاسن الشريعة اتفاقية، فهذه ثلاث حجج عقلية، كل منها أكبر من أختها" (^١).
وسيأتي مزيد كلام على هذه المسألة قريبًا (^٢).
_________________
(١) العلم الشامخ (١٣١ - ١٣٢).
(٢) انظر ما يأتي ص (٤٥٦).
[ ١ / ٤٢٣ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مسألة الحكمة والتعليل من أجل مسائل باب القدر، بل من أجل مسائل الدين كله، وما من شيء من أحكام الدين والدنيا إلا وله تعلق بهذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التي تكلم فيها الناس، وأعظمها شعوبًا وفروعًا، وأكثرها شبهًا ومحارات؛ فإن لها تعلقًا بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في خلقه وأمره، فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة، فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه، وكذلك الشرائع كلها: الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر وبمسائل الصفات والأفعال، وهذه جوامع علوم الناس" (^١).
وقال مرعي الكرمي ﵀: "وهذه المسألة؛ مسألة غايات أفعال الله ونهاية حكمته مسألة عظيمة، لعلها أجل المسائل الإلهية" (^٢).
وقبل الشروع في بيان هذه المسألة لا بد من التعريف بالحكمة في اللغة، وكذا التعريف بالعلة، لأن الحكمة كثيرًا ما يعبر عنها بالعلة (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٨١).
(٢) رفع الشبهة والغرر (٥٤).
(٣) وللحكمة مرادفات اصطلاحية أخرى مثل: الغرض، والغاية، والباعث، والمعنى، والسبب، والقصد، والهدف، والمرمى، وهذا بحسب اصطلاح المتكلمين وغيرهم، وإلا فاللفظ الشرعي هو الحكمة، كما سيأتي التنبيه عليه، وقد اقتصرت على بيان معنى العلة فقط، لكونها أكثر ما استُخدم، ولأنها ألصق تلك الكلمات بمعنى الحكمة، وكثيرًا ما تذكر مقرونة بها فيقال: الحكمة والتعليل.
[ ١ / ٤٢٤ ]
الحِكْمَة في اللغة: من حكم يحكم حكمًا، ومادة (حكم) أصل واحد يدل على المنع (^١)، قال جرير (^٢):
أبني حنيفة أحكموا سفهاءَكم … إنِّي أخاف عليكمُ أن أغضبا
أي امنعوهم.
وقد ذكر أهل اللغة للحكمة معانٍ مرجعها إلى هذا الأصل؛ فقيل: الحكمة العدل، لأنها تمنع من الظلم.
وقيل: الحكمة العلم، لأنها تمنع من الجهل.
وقيل: الحكمة الحلم، لأنها تمنع من السفه والطيش.
وقيل: الحكمة الإتقان، لأنها تمنع من الفساد.
وفسرت الحكمة كذلك بما يمنع من السوء والشر، ففسرت بالنبوة وبالقرآن (^٣)، وذلك أن هذه الأمور تمنع من الشر الذي هو عبادة غير الله ﷾، لذلك قال الراغب أن (حَكَمَ): "أصله: منَع منعًا لإصلاح" (^٤).
الحكمة في الشرع: اختلفت عبارات أهل العلم - سلفهم وخلفهم - في معنى الحكمة في الشرع، فمن ذلك:
قال مجاهد ﵀: "الإصابة في القول والفعل".
وقال مالك بن أنس ﵀: "الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٢/ ٩١).
(٢) ديوان جرير (٤٧).
(٣) انظر: القاموس المحيط (٤/ ٩٧).
(٤) المفردات (٢٤٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]
له"، وقال: "الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له".
وقال ابن زيد ﵀: "الحكمة العقل في الدين".
وقال قتادة ومجاهد - رحمهما الله -: "الحكمة هي الفقه في القرآن" (^١).
وقال ابن قتيبة ﵀: "الحكمة هي العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيمًا حتى يجمعهما" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ولا ريب أن الحكمة هي العلم والعمل بها، كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره من الأئمة" (^٣).
وقال ﵀: "الحكمة هي معرفة الحق والعمل به" (^٤).
وقال ابن القيم ﵀: "والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح، وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما، وأوصلا إلى غايتيهما" (^٥).
وقال ابن الوزير ﵀: "العلم بأفضل الأعمال، والعمل بمقتضى ذلك العلم" (^٦).
وقيل غير ذلك، وعند تأمل هذه الأقوال يرى أنها على قسمين:
الأول: تفسير الحكمة بالأمر العلمي، كالعلم بالدين والعقل فيه.
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي (٤/ ٣٥٦).
(٢) غريب القرآن (٣٢).
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٤١٥).
(٤) المصدر السابق (١٩/ ١٦٤)، وانظر: النبوات (١/ ١٧٣).
(٥) شفاء العليل (٢/ ٥٣٧).
(٦) إيثار الحق (١٨١).
[ ١ / ٤٢٦ ]
الثاني: تفسيرها بمجموع العلم والعمل، وهذا هو الصواب، وبناءً على هذا فالحكمة مبناها على أمرين:
- العلم بدقائق الأمور، والتمييز بينها، ومعرفة ما يخص كل معين منها.
- العمل بمقتضى ذلك العلم، وتنزيله على الواقعة المعينة.
هذا هو المراد بالحكمة على وجه العموم.
وأما العِلَّة في اللغة، فهي: من علَّ، وعلَّ في لغة العرب ترجع إلى ثلاثة أصول:
الأول: التكرر أو التكرير، ومنه العَلَل، وهي الشربة الثانية، يقال: عَلَلٌ بعد نَهَلٍ، فالنّهَل: الشربة الأولى، والعَلَل: الشربة الثانية.
الثاني: العائق يعوق، ومنه قولهم: لا تعدم خرقاء علة، أي عائقًا تتعلل به.
الثالث: المرض والضعف، يقال: عل المريض فهو عليل (^١).
وهذا الأصل هو - عند التأمل - فرع عن الأصل السابق، إذ المرض والضعف هو من جملة العوائق التي تعوق المرء عن وجهته.
ومما ذكر في معنى العلة: أنها السبب، يقال هذه علته: أي سببه (^٢).
وهذا المعنى هو الأنسب للمعنى الاصطلاحي للعلة.
وأما العلة في هذا الباب: فيراد بها ما يراد بالحكمة، فتطلق على أنها مرادف اصطلاحي لها كما تقدم.
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٤/ ١٣)، وانظر كذلك: تهذيب اللغة (١/ ١٠٥)، ولسان العرب (١٣/ ٤٩٥).
(٢) انظر: المحكم لابن سيده (١/ ٤٦).
[ ١ / ٤٢٧ ]
والكلام على عقيدة أهل السنة في الحكمة في مسائل:
المسألة الأولى: مرادهم بالحكمة، وشمولها للشرع والقدر.
ما مضى في تعريف الحكمة في الشرع هو من حيث العموم، وأما في حق الله ﷾ فتتضمن أمرين:
الأول: الإحكام والإتقان لما يفعله ﷿.
الثاني: صدور فعله ﷾ عن غايات حميدة وحكم عظيمة.
وكلا هذين النوعين هو في الشرع والقدر؛ فخلقه ﷾ في غاية الإحكام والإتقان، وهو صادر عن حكمة بالغة وغاية حميدة، وكذا الشرع هو في غاية الإحكام، وهو معلل بغايات حميدة.
فها هنا أربعة أمور:
- إحكام في الخلق.
- إحكام في الشرع.
- علل حميدة للخلق.
- علل حميدة للشرع.
فالأمران الأول والثاني لا خلاف فيهما، فكل المسلمين يقرون بأن سبحانه قد أحكم خلقه وشرعه، فهما في غاية الكمال والإتقان.
وهذا الإحكام هو دليل على الحكمة؛ إذ لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت انتفى الإحكام (^١).
_________________
(١) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٤).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وكذا التعليل في شرعه ليس فيه خلاف بين المسلمين (^١)، إلا ما كان من نفاة القياس (^٢)، وخلافهم فيه غير معتبر (^٣)، على أن بعضهم لا ينفي أصل التعليل، بل يقول بالقياس المنصوص على علته (^٤).
بل لا يمكن فقيهًا أن يتكلم في الفقه وأصوله إلا بإثبات التعليل في الشريعة (^٥).
وأما التعليل في الخلق فهو موضع النزاع، ومذهب أهل السنة فيه - على ما سيأتي بيانه - أن لله ﷾ في خلقه حكمًا عظيمة لأجلها سبحانه فعل وخلق.
قال الإمام ابن القيم ﵀ (^٦):
والحكمة العليا على نوعين أيـ … ــضًا حُصِّلا بقواطع البرهان
إحداهما في خلقه سبحانه … نوعان أيضًا ليس يفترقان
_________________
(١) فقد حكى الإجماع على أن الشرائع معللة: ابن الحاجب ﵀. انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب (٤/ ٣٢٨).
(٢) انظر: الإحكام لابن حزم (٨/ ٧٦ - ٧٧)، فقد عقد بابًا صرح فيه بأن القول بالعلل باطل في جميع أحكام الدين، وأن من قال بإثبات القياس الجلي من الظاهرية كالقاساني وأضرابه؛ فقوله لا يُعتد به، ولا هو قول داود - إمام المذهب -، وانظر كذلك: البحر المحيط للزركشي (٥/ ١٨ - ١٩).
(٣) فتاوى ومسائل ابن الصلاح (١/ ٢٠٧).
(٤) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ٨٦١).
(٥) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٣ و٥٧٥)، وانظر كذلك: الرد على البكري (٢١٩).
(٦) النونية (١٧٨) رقم (٣٢٨٤ - ٣٢٨٩).
[ ١ / ٤٢٩ ]
إحكام هذا الخلق إذ إيجاده … في غاية الإحكام والإتقان
وصدوره من أجل غايات له … وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه … أيضًا وفيها ذانك الوصفان
غاياتها اللائي حُمِدن وكونها … في غاية الإتقان والإحسان
وللحكمة - المرادة في هذا البحث - أوصاف:
الأول: أنها ملازمة لأفعال الله ﷾، فلا يخلو فعل من أفعاله من حكمة حميدة.
الثاني: أنها المرجح للفعل أو الترك.
الثالث: أنها مطلوبة بفعله ﷾، أي أنها مرادة له ﷿، فلم تقع اتفاقًا أو تبعًا.
الرابع: أنها القصد الأصلي والأولي له ﷾، والفعل وسيلة إليها.
الخامس: أنها محبوبة له ﷾.
السادس: أنها متعلق محبته وحمده والثناء عليه من خلقه.
السابع: أنها مظهر من مظاهر اتصافه ﷾ بصفات الكمال.
قال ابن القيم ﵀ معرفًا الحكمة: "هي الغاية التي يفعل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودها أولى من عدمها" (^١).
وقال: "وهي الغاية المحبوبة له، المطلوبة، التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٦١).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها" (^١).
أما ملازمتها لأفعال الله وعدم خلوها منها؛ فلأنها - كما سيأتي - من الصفات الذاتية التي لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها، فخلو فعل من أفعاله منها نقص في ذاته ينزه عنه.
وهذا شامل للشرع والقدر كما تقدم، وشامل أيضًا للدارين (^٢).
ويقال أيضًا: قد ثبت أن الله ﷾ عالم مريد، وهذا من لوازم ذاته ﷾، والحكمة لازمة للعلم وللإرادة، أما لزومها للإرادة: فلأنه لا إرادة بدون حكمة - كما سيأتي قريبًا -، وأما لزومها للعلم: فلأن العلم موجب لترك القبيح لما فيه من القبح، وفعل الحسن لما فيه من الحسن، وهذه هي حقيقة الحكمة، وخلاف ذلك بفعل القبيح وترك الحسن جهل ينزه الله عنه.
فإذا ثبت كون الحكمة لازمة للعلم والإرادة، وهما لازمان للذَّات الإلهية؛ فالحكمة لازمة لها أيضًا (^٣).
وأما كونها المرجح للفعل أو الترك؛ فلأن الإرادة والقدرة بمجردهما لا يخصصان معينًا على معين، لأن نسبتهما إلى جميع المتماثلات سواء، فلا بد من مرجح للفعل، وهذا المرجح لا يكون إلا الحكمة (^٤).
ووجوب أن يكون هذا المرجح هو الحكمة هو لأن الفاعل المريد إنما
_________________
(١) طريق الهجرتين (١/ ١٩٣).
(٢) انظر: الداء والدواء (٣٥).
(٣) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٤).
(٤) انظر: درء التعارض (٤/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٣١ ]
يرجح مرادًا على مراد بما ينضم إلى إرادته من محبة هذا المراد، أو محبة ما يؤول إليه، فلا يعقل أن يرجح المراد إذا استوى عنده وجوده وعدمه، بل لا بد أن يكون وجوده أولى عنده من عدمه (^١)، وهذه هي حقيقة الحكمة.
وليس معنى انضمام الحكمة إلى الإرادة أن الإرادة كانت ولا حكمة، ثم انضمت الحكمة إليها، بل المعنى أن الإرادة لا تستقل بنفسها بل لا بد معها من حكمة.
فالإرادة تابعة للحكمة، فكل ما يشاء الله وجوده فإنما شاءه لحكمة، وأوجده لحكمة، فالفعل وجودًا ومشيئة - قبل ذلك - إنما كان لحكمة، فصارت الحكمة هي الباعث والقصد الأول لكل فعل؛ لمشيئته أولًا، ثم لإيجاده.
قال الألوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]: " ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ أي: نوجد وما نكوِّن شيئًا من تلك الأشياء ملتبسًا بشيء من الأشياء ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي إلا ملتبسًا بمقدار معين تقتضيه الحكمة، وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير المتناهية، فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به؛ لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به" (^٢).
وكل من الحكمة والإرادة متلازمان؛ أما استلزام الإرادة للحكمة فلأنه
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٢) روح المعاني (١٤/ ٣٠).
[ ١ / ٤٣٢ ]
لا فعل حاصل بإرادة مجردة عن الحكمة، فإن هذا غير معقول - ولو عُقل لكان سفهًا وعبثًا - (^١)، ولا حكمة حاصلة بدون إرادة، إذ لا فعل حينئذ، والفعل هو مُظهر الحكمة.
وقد دلت الأدلة - كما تقدم - على أنه ﷾ يفعل لأجل هذه الحكمة، فدل على أنها هي المرجح، لأنها محبوبة له ﷿، والمحبة هي الغاية والحكمة العليا التي لأجلها كان كل شيء (^٢).
وأما كونها مطلوبة بفعله ﷾؛ فمعناه أنها لم تقع اتفاقًا، كما لو رمى رجل حجرًا من نافذة فأصاب أفعى في الطريق يتضرر بها الناس فقتلها.
وليست تبعًا للفعل؛ حصلت عقيبه حصولًا مجردًا عن إرادة الفاعل، بل هي مرادة للفاعل مقصودة له.
وذلك أن الحكمة إنما تتصور في حق من عمل شيئًا لشيء يريد بفعله الحكمة الناشئة عن فعله، وأما من لم يفعل شيئًا لشيء فلا يتصور في حقه الحكمة (^٣).
والقول بنفي قصد الله ﷾ للحكمة يلزم منه وصفه بالنقص، فإن من فعل فعلًا ليس وجه الخير فيه هو مراده، وليس وجه الشر أيضًا هو مراده؛ فليس وصفه بالخير أقرب من وصفه بالشر، ومن كان هذا حاله هو للنقص أقرب منه للكمال، لأن أفعاله أشبهت أفعال الأطفال والسفهاء والمجانين، بل هي أنقص منها؛ لأن أفعال هؤلاء لم تخل من موافقة شهوة لهم؛
_________________
(١) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٥).
(٢) انظر ما يأتي ص (٤٤٢).
(٣) انظر: طريق الهجرتين (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ٤٣٣ ]
فلم تتجرد في حقهم من كل داع، وتجردت في حق الأول من كل داع (^١).
وقصد الحكمة من عدمها هو محل الخلاف بين المسلمين في التعليل؛ فليس أحد من المسلمين إلا ويقر بالحكمة - إذ هذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر - لكن الكلام في هذه هل هي مقصودة للفاعل، أم أنها حصلت اتفاقًا أو تبعًا، يوضحه:
أنها القصد الأصلي والأولي له ﷾، والفعل إنما هو وسيلة إليها.
يبينه أن الحكمة صفة ذاتية له ﷾، وهو سبحانه لم يتصف بها لكونه فعل ما فيه حكمة، بل هي صفة لازمة له أزلًا وأبدًا، لأنه ﷾ هو الكامل وكماله ذاتي ليس متوقفًا على فعله، ليس كالمخلوق الذي إنما يكمل بفعله، فالله كمل ففعل، والمخلوق فعل فكمل، وشتان ما بين الكمالين (^٢).
فالله ﷿ أراد الحكمة ابتداءً، والفعل هو المظهِر لها والسبب في إبرازها، وحكمته ﷾ تقتضي حصول الأشياء بأسبابها، فعادت الإرادة الأصلية للحكمة.
وتقدم قريبًا أن الحكمة سابقة للفعل ومشيئته، وأنها بذلك هي القصد الأول.
وأما كونها محبوبة لله ﷾، فلأن حكمته ﷾ كسائر صفاته - محبوبة له، فالله ﷿ يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها وموجبها، لأن ذلك من لوازم كماله (^٣).
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (١/ ١٠٣)، وإيثار الحق (١٨٣).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٧).
(٣) انظر: روضة المحبين (٦٤)، وعدة الصابرين (٨٥).
[ ١ / ٤٣٤ ]
فالحكمة التي هي صفته محبوبة له، وكذا أثرها وموجبها في الخلق محبوب له.
وأما كونها متعلق محبته وحمده والثناء عليه؛ فمن وجهين:
الوجه الأول: أن متعلق محبة الله ﷾ وحمده أمران (^١):
الأول: كماله ﷿ في ذاته.
الثاني: فعله ﷾ لما يستحق عليه الحمد والثناء.
ومن ذلك حكمته سبحانه، يحمد الله ﷾ عليها لاتصافه بها وعود حكمها عليه، ويحمد كذلك على أثر هذه الصفة العظيمة، وهو ما في الوجود من الحكم والغايات الحميدة التي هي أصل منافع المخلوقين وسعادتهم.
"فالحمد لازم الحكمة" (^٢)، و"وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع" (^٣)، فيكون نفي الحكمة نفيًا لحمده، نفيًا كليًّا عند من ينفي نوعي الحكمة، ونفيًا دون ذلك لمن ينفي الحكمة العائدة إليه ويثبت الأخرى.
الوجه الثاني: أن إثبات الحكمة هو ملجأ أهل الإيمان لما يشاهدونه في الوجود من الشرور، وذلك أن المخلوقات على صنفين:
- ما خيره ظاهر.
- ما شره هو الظاهر.
_________________
(١) انظر: روضة المحبين (٦٠)، والفوائد (٢٦٦ - ٢٦٧).
(٢) طريق الهجرتين (١/ ٢٤٦).
(٣) تكررت هذه القاعدة في كلام شيخي الإسلام - رحمهما الله -، انظر على سبيل المثال: درء التعارض (١٠/ ١٢٠)، الجواب الصحيح (٢/ ١٠٤)، ومدارج السالكين (١/ ٢٠٦ و٢٠٨)، وطريق الهجرتين (١/ ٢١٧).
[ ١ / ٤٣٥ ]
فأما ما خيره ظاهر، كانتصار الدين ورفعته، وذل الكفر وانحطاطه؛ فالنفوس منه على برد ويقين، يطالعون فيه آلاء الله وحكمته، وعظم فضله ورحمته ومنته على خلقه.
وأما ما شره ظاهر، كتغلب الكفار على المسلمين، وحصول الذلة والمهانة والقتل لأولياء الله ﷾؛ فقد يقع في بعض النفوس منه شيء، ويكون مدخلًا للشيطان عليها منه؛ يشككها في كمال ربها وما وعد به من نصرة الأنبياء وأتباعهم، وكسر أعدائهم، فيعمل بذلك على تبغيض الله إلى خلقه، وصرفهم عن صراطه المستقيم.
فيقابل أهل القرآن وعسكر الإيمان هذه الوساوس والتشكيكات بالإيمان بحكمة الله ﷾، وأن له في تقدير هذه الشرور من الغايات الحميدة ما يستحق عليه أعظم الحمد وأجل الثناء، فلولا الإيمان بالحكمة وجعلها أصلًا محكمًا يرد إليه ما خفي وتشابه؛ لما تحقق الحب لله والثناء عليه، فصار للحكمة خصوصية من بين سائر صفات الكمال في ذلك.
فالله سبحانه "لما اشتملت عليه صفاته من الكمال، وأسماؤه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابه. . . لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد" (^١).
وهذا يوضح المراد بكونها مظهرًا من مظاهر اتصافه ﷾ بصفات الكمال، بل هي من أعظمها.
ونفي الحكمة نفي لأفعال الله ﷾، إذ الحكمة هي الغاية، والفعل
_________________
(١) طريق الهجرتين (١/ ٣٢٣).
[ ١ / ٤٣٦ ]
وسيلة إليها، فنفي الغاية نفي للوسيلة، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (^١).
فالحكمة مشاركة لسائر الصفات في دلالتها على كمال الرب ﷿، وتختص الحكمة من ذلك بحظ وافر على ما تقدم بيانه.
المسألة الثانية: الحكمة هي اللفظ الشرعي، وأما لفظ العلة والغرض ونحوها فهي ألفاظ مجملة.
معنى الحكمة معنى شرعي جاء التعبير عنه في الشرع بهذا اللفظ (الحكمة)، وقد سبق عند عرض أدلة الحكمة سياق ما يبرهن ذلك.
إلا أن هذا اللفظ الشرعي استُبدل بألفاظ أخرى مثل العلة، والغرض، والغاية، والباعث، والمعنى، والسبب، والقصد، والهدف، والمرمى.
وهذه الألفاظ فيها ملحظان:
الأول: أن الشارع لم يعبر بها.
الثاني: أن هذه الألفاظ - عن آخرها - لا تخلو من إجمال، فهي مشتملة على حق وباطل.
والواجب التعبير عن المعاني الشرعية بالألفاظ الشرعية ما أمكن.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية؛ فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا" (^٢).
وقال ﵀: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٩٤).
(٢) درء التعارض (١/ ٢٤٥).
[ ١ / ٤٣٧ ]
الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بُيِّنت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (^١).
وقد تطلق بعض هذه الألفاظ في أحد موطنين:
الأول: في محاججة الخصوم، فيخاطبون بما يعرفونه من مصطلحات.
الثاني: حيث أمن اللبس، وعرف مراد المتكلم (^٢).
المسألة الثالثة: أهل السنة يثبتون ما تضمنه معنى الحكمة اسمًا لله ﷾ وصفة.
أهل السنة يثبتون ما أثبته الله ﷾ لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، من الأسماء والصفات، ومن ذلك إثباتهم لصفة الحكمة، وكذا اسمه ﷿ الحكيم والحَكَم.
وصفة الحكمة صفة ذاتية، بمعنى أن الله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي كذلك شرعية عقلية، بمعنى أنها عُلمت بالشرع وبالعقل.
فمن أسماء الله ﷾ الحكيم والحَكَم، قال ابن كثير ﵀: "الحكيم: في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله" (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٢٧١).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٥)، ففيه تجويز إطلاق لفظ الجبر إذا أمن اللبس وعلم القصد، مع ما في لفظ الجبر من إيهام.
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٩٨).
[ ١ / ٤٣٨ ]
وأما الحكم فمعناه: الحاكم، أي الذي إليه الحكم، ورُد إليه فيه الأمر (^١).
واسم الله ﷾ الحكيم يتضمن معنى اسم الحكم وزيادة، فهو متضمن لمعنيين: معنى الحكم، ومعنى الإحكام للخلق أي الإتقان، وكل منهما شامل للشرع والقدر.
قال ابن القيم ﵀ (^٢):
وهو الحكيم وذاك من أوصافه … نوعان أيضًا ما هما عدمان
حكمٌ وإحكامٌ وكل منهما … نوعان أيضًا ثابتا البرهان
وأهل السنة سائرون في إثباتهم الحكمة لله ﷾ على أصولهم، من أنه ﷾ ليس كمثله شيء؛ فحكمته تليق به لا تشابه ما ثبت منها للمخلوق، فلله منها أعظم الكمال الذي يختص به فلا يشاركه فيه أحد، وللمخلوق من ذلك ما يليق بضعفه ونقصه.
قال ابن القيم ﵀: "كل ما خلقه وأمر به خلقه فيه حكمة بالغة وآيات باهرة، لأجلها خلقه وأمر به، ولكن لا نقول: إن لله تعالى في خلقه وأمره كله حكمة مماثلة لما للمخلوق من ذلك، ولا مشابهة له، بل الفرق بين الحكمتين كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذاتين، فليس كمثله شيء في وصفه ولا في فعله ولا في حكمة مطلوبة له من فعله، بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظمُ فرق وأبينُه وأوضحه عند العقول والفطر" (^٣).
_________________
(١) انظر: شأن الدعاء (٦١)، والمنهاج للحليمي (١/ ٢٠٧).
(٢) النونية (١٧٧) رقم (٣٢٦٦ - ٣٢٦٧).
(٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ١٦).
[ ١ / ٤٣٩ ]
ويتبَع ذلك أنهم يفسرون الحكمة بمعناها الذي عرف بالشرع وبلسان العرب، ولا يفسرونها بما يعرفونه - أو يتوهمونه - في المخلوق، فإن هذا من أعظم الجناية في التعامل مع الله ﷾؛ فإن في ذلك تشبيهًا لله بخلقه (^١)، فلا يفسرونها بتحصيل اللذة، أو دفع الهم والحزن ونحو ذلك.
المسألة الرابعة: حكمة الله ﷾ نوعان:
- حكمة هي صفته ﷿، وهي كما تقدم صفة ذاتية معنوية له ﷾.
- حكمة مخلوقة هي أثر اتصافه بالحكمة.
فيقال: الحكمة صفة الله ﷿، ويقال: من حكمة الله نزول المطر، وخلق البحار ونحو ذلك، وذلك أن اسم الصفة - الذي هو الحكمة هنا - يراد اسم المصدر، ويراد به كذلك متعلقها وهو مسمى المفعول، فالله ﷾ حكيم بالحكمة التي هي صفته ﷾، وما يخلقه من الحكم هو أثر تلك الحكمة (^٢).
وقد سبقت الإشارة إلى الفرق بين الفعل والمفعول (^٣).
المسألة الخامسة: الحكمة التي هي الغاية بفعله ﷾ منها ما يعود إليه ﷾، ومنها ما يعود إلى خلقه.
يقرر أهل السنة ما دلت عليه نصوص الشرع، من أن الحكمة التي
_________________
(١) وهذا المسلك كان سبب انحراف كثير من أهل البدع عن الصراط المستقيم، فإنهم لما لم يعقلوا من الصفات غير ما يشاهدونه في المخلوق؛ توهموا أن إثباتها تنقصٌ للرب ﷿ وتشبيهٌ له بخلقه، فلم يجدوا سبيلًا لتنزيهه عن هذا النقص إلا بتعطيل الصفات، فمثلوا أولًا وعطلوا ثانيًا، والله المستعان.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٧).
(٣) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).
[ ١ / ٤٤٠ ]
يفعل الله ﷾ لأجلها نوعان (^١):
- حكمة تعود إليه ﷿، يحبها ويرضاها.
- حكمة تعود إلى المخلوقين، يفرحون ويلتذون بها.
وهذا شامل للأمور الشرعية والكونية.
فأما الحكمة التي تعود إليه ﷿ فالكلام فيها مبني على مسألة عظيمة من مسائل الصفات، وهي أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، وقد سبق الكلام عليها فيما مضى (^٢)، والمقصود منها هنا أن الله ﷿ متصف بالحكمة، فالحكمة وصفه، ويفعل لحكمة، فقيام الحكمة به يقتضي أن يعود إليه حكمها، وهذا واضح جدًا، ونفي حكمها في الحقيقة نفي لأصلها، ومجموع ذلك نفي لاستحقاقه الحمد، ونفي لاتصافه بالكمال، فيلزم من أثبت له الحكمة أن يثبت أنه ﷿ يعود إليه حكمة من أفعاله.
فإنه لا يعقل في الحكيم إلا الذي يفعل لحكمة تعود إليه، بل لا يعقل أن يفعل المختار فعلًا بدون حكمة تعود إليه، أو أن تكون الحكمة وعدمها بالنسبة إليه سواء، ولو تصور وجوده؛ فهو سفيه عابث ليس بحكيم (^٣).
إذا تقرر هذا فما هي الحكم التي تعود إليه ﷿ من أفعاله؟
الحكمة التي تعود إليه سبحانه هي في الحقيقة صفات من جملة صفاته التي تقوم به.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٥ - ٣٧).
(٢) انظر ما تقدم ص (٣٩٠ - ٣٩١).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٩٢ - ١٩٣ و١٩٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٨٩ - ٩٠ و٢١١).
[ ١ / ٤٤١ ]
وبيان ذلك أن هذه الصفات هي في مقام التعليل لأفعاله ﷾، فينزل الغيث رحمة بعباده، وينصر رسله محبة لهم ولدينهم، ويهلك أعداءه غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (^١)، لذا فإن إثبات حكمة تعود إليه لا يستلزم أن يكون مستكمَلًا بغيره، لأن هذه الحكم هي صفاته.
وهذه الحكم كلها مرجعها إلى صفة المحبة، لأن الله ﷾ يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها وموجباتها في المخلوقات - كما تقدم (^٢) -، وأفعاله ﷾ التي تتضمن الحكمة - هي عن أسمائه وصفاته.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وكل فاعل بالإرادة؛ فإرادته تستلزم محبة عامة لأجلها فعل، فالحب أصل وجود كل موجود، والرب تعالى يحب نفسه، ومن لوازم حبه نفسه أنها محبة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله فهو يريده لغاية يحبها، فالحب هو العلة الغائية التي لأجلها كان كل شيء" (^٣).
لذلك كان الانحراف في فهم صفة المحبة، وعدم التفريق بينها والمشيئة هو أصل الضلال في هذا الباب، قال شيخ الإسلام ﵀: "فلو أثبتوا [أي الجهمية والمعتزلة] أنه سبحانه يحب ويفرح بحصول محبوبه - كما أخبر به الرسول -؛ تبين لهم حكمته، وتبين أيضًا أنه يفعل الأفعال لحكمة" (^٤).
وأما الحكمة التي تعود إلى المخلوقين؛ فهي أثر تلك الحكمة العائدة إليه
_________________
(١) انظر: الحكمة والتعليل للشهري (١/ ٢٠٨).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٣٤).
(٣) النبوات (١/ ٣٧٢)، وانظر: جامع المسائل (٦/ ٢٠٨).
(٤) منهاج السنة (٥/ ٣٢٤).
[ ١ / ٤٤٢ ]
سبحانه من محبته ورحمته وإحسانه وكرمه وسائر الحكم التي هي صفاته كما تقدم، فهذه الصفات تطلب أثرها وتقتضيه، وهذا الأثر هو الحِكم التي تعود على المخلوقين من حصول منافعهم وتحقق مصالحهم، ودفع الشرور عنهم.
ولهذا كانت الأمور العامة التي يفعلها الله ﷾ لحكمة عامة، ورحمة عامة (^١)، وهذه الحكمة العامة لا يلزم تحققها في كل معين، بل قد تتضمن هذه الحكم ضررًا لبعض المخلوقات، ومثال ذلك إرسال الرسل فإن فيه من الحكم والمصالح العامة ودفع الشرور ما لا يحيط به إلا الله ﷾، ومع هذا فقد تضمنت شرورًا بالنسبة لبعض المخلوقين، كفرعون وأبي جهل وأمثالهم، فلا يلزم تحقق هذه المصالح في كل معين.
وهذه الشرور مغمورة في جانب المصالح الحاصلة، ثم هي ليست شرورًا محضة بل هي مشتملة على حكم وغايات، هي باعتبارها خير ومصلحة (^٢).
المسألة السادسة: حكمته ﷾ كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق.
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وأن الله ﷿ لا يحيط عبادُه به علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالطمع مقطوع من الإحاطة بصفاته ﷾ لا من جهة أصل المعنى -، ومن ذلك الحكمة، فلا يمكن أحدًا من الخلق أن يدرك تفاصيل حكمة الله ﷾ في خلقه وأمره، وما اطلعنا عليه من تفاصيل هذه الحكمة سواء بالوحي أو بغيره لا يساوي شيئًا في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٣).
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٩٣ - ٩٤)، ومنهاج السنة (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).
[ ١ / ٤٤٣ ]
جانب ما لم نطلع عليه.
ومما يبين ذلك؛ أن الحكمة - كما تقدم - مبناها على أمرين: علم بدقائق الأمور، وعمل بمقتضى ذلك العلم.
والإحاطة بعلم الله ﷾ مما أخبر الله ﷾ ورسوله ﷺ بانتفائه، بل هو مما يُعلم اضطرارًا، لذا فقد ربط العلامة ابن القيم ﵀ بين انتفاء الإحاطة بتفاصيل الحكمة في كل شيء، وبين انتفاء الإحاطة بعلمه ﷾ فقال: "ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع، مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها، وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس، وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك" (^١).
ويكفي الإنسان فيما لم يدرك تفاصيله الإيمان المجمل بحكمة الله ﷾ وأنه لا يخلو منها شيء من الشرع ولا القدر، ويستدل على ما خفي منها بما ظهر.
قال ابن القيم ﵀: "وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره وشرعه؛ فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام؛ أن تضمَّنَتَه حكمة بالغة - وإن لم يعرفوا تفصيلها - وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، فيكفيهم في ذلك الإسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة، التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم" (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٥٧٣).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣١٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٢٨).
[ ١ / ٤٤٤ ]
ومعرفة الحكم والغايات في شرع الله ﷾ وقدره من أعظم ما يزيد اليقين والإيمان، لذا فقد أمر الله ﷾ بالتفكر والتدبر في آياته الكونية والشرعية وما تضمنته من حكم وغايات، قال ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
المسألة السابعة: ترتبط بالحكمة عدة مسائل في باب القدر، ومنها: مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة خلق الأفعال، ومسألة الهداية والإضلال، ومسألة الأسباب، ومسألة الاستطاعة، ومسألة تكليف ما لا يطاق، ومسألة الرضا بالقدر، ومسألة دخول الشر في القضاء، وهذا بيان بعضها:
أما مسألة التحسين والتقبيح؛ فالكلام فيها كان فرعًا عن الكلام في الحكمة والتعليل (^١)، وقد تباينت مذاهب الناس فيها تبعًا لتباينها في هذه المسألة.
والمقصود هنا بيان علاقة التحسين والتقبيح العقليين بمسألة الحكمة، فمن نفى الحكمة - وهم الجهمية والأشاعرة كما سيأتي -؛ نفى التحسين والتقبيح العقليين، وجعل معرفتهما سمعية فقط، ومن أثبتهما - وهم أكثر الناس من المسلمين وغيرهم -؛ أثبت التحسين والتقبيح العقليين.
وذلك أنه لا يمكن القول بالتعليل إلا بالقول بأن الأشياء متضمنة للحسن والقبح في ذاتها، وإلا فلو خلت الأشياء من صفات بها تحسن وتقبح لما أمكن تعليل فعلها، بل يكون فعلها راجعًا لمحض المشيئة.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠).
[ ١ / ٤٤٥ ]
ومن هنا كان كل دليل يدل على تعليل أفعال الله ﷾ فهو دليل على الحسن والقبح العقليين، فإثبات الحكمة متضمن لإثبات التحسين والتقبيح العقليين.
وبالعكس؛ فإثبات التحسين والتقبيح العقليين يستلزم إثبات التعليل، إذ معنى تضمن الشيء لما يكون به حسنًا أو قبيحًا، يقتضي أن فعل الحسن كان لحسنه، وترك القبيح كان لقبحه، وهذه هي حقيقة التعليل (^١).
ووجه آخر: وهو أن الحكمة قد تكون في المأمور به، وقد تكون في الأمر، وقد تكون في كليهما، فالعدل والإحسان إلى الخلق وصلة الرحم ونحو ذلك فيه منفعة وحكمة فيما لو فعله العبد بدون الأمر به، فإذ أمر به صار فيه حكمتان: حكمة في نفسه، وحكمة في الأمر، وهذا هو الغالب على الشريعة.
وأما ما ليس فيه حكمة في نفسه؛ ثم أمر به الشارع؛ صارت الحكمة فيه بالأمر لا في نفس المأمور؛ فإنه لا حكمة فيه، مثال ذلك أمر الله سبحانه لإبراهيم بذبح إسماعيل، فذات الذبح لا حكمة فيه ولا مصلحة، لذلك لم يكن مرادًا لله سبحانه، وإنما المراد له امتثال الأمر من إبراهيم، وهو الذي فيه مصلحة، فلما حصل الامتثال أُمر بعدم الذبح وبشر بأنه قد صدَّق الأمر وامتثله (^٢).
فالأول - الذي فيه حكمة في نفسه وإن لم يأت الأمر به -: حسنه عقلي.
والثاني - وهو ما فيه حكمة في نفسه وأتى الأمر به -: حسنه عقلي وشرعي.
والثالث - وهو ما أمر به مما لا حكمة فيه في نفسه -: فهذا امتحان
_________________
(١) انظر: الحكمة والتعليل للشهري (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤٤ - ١٤٥).
[ ١ / ٤٤٦ ]
وابتلاء، والحسن فيه إنما هو في الأمر به لا في ذاته.
فالتفصيل الواقع في مسألة التحسين والتقبيح مبني على التفصيل في الحكمة، والله أعلم.
وأما مسألة خلق الأفعال؛ فالكلام فيها كان سببًا في الكلام في مسألة الحكمة، إذ أن من لم يثبت للعبد قدرة ولا اختيارًا، بل جعله مجبورًا على أفعاله - وهم الجهمية والأشاعرة - لم يثبت الحكمة، وذلك لأن جبر العبد على الذنب ثم عقوبته عليه ظلم ينافي العدل والحكمة في بدائه العقول.
أما منافاته للعدل فظاهرة.
وأما منافاته للحكمة، فإن عقوبة من أكره على المعصية وضع للشيء في غير موضعه، وبناءً على ذلك فإثبات الجبرية للحكمة نقض لأصلهم في الجبر، وإذا انتقض أصلهم في الجبر انتقض مذهبهم في كل مسائل القدر وبان تناقضهم، ففرارًا من هذا المأزق نَفَوا التعليل في أفعاله ﷾، وأنه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة.
وبالمقابل؛ فإثبات القدرة والاختيار للعبد يقتضي أن إثابة المطيع إنما هي لطاعته، وعقوبة العاصي إنما هي لمعصيته، وهذا يقود إلى إثبات التعليل من طريقين:
الأول: أن إثابة المطيع لطاعته، وعقوبة العاصي لمعصيته هي حقيقة الحكمة، لأنها وضع للشيء في موضعه الذي يناسبه.
الثاني: أن ذلك يقتضي إثبات الحسن في الطاعة، والقبح في المعصية، وثبوت الحسن والقبح يستلزم التعليل كما تقدم.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ومن هذا يتبين أن إثبات الحكمة هو من أهم المطالب في باب القدر، إذ الإيمان بالقدر مداره على أصلين: إثبات القدر وخلق الله ﷾ لأفعال العباد، وإثبات الحكمة له ﷾، وهما متلازمان أشد ما تكون الملازمة، فلا إيمان بقدر إلا بإثبات الحكمة، ولا يمكن إثبات الحكمة إلا بإثبات القدر.
وكل من القدر والحكمة والشرع أصول آخذ بعضُها برقاب بعض، لتشمل الدين كله، ولا يتأتى اجتماعها إلا على أصول سلف الأمة، والله المستعان.
قال ابن القيم ﵀: "والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم - لكمال ميراثهم لنبيهم - آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم" (^١).
والحاصل أن لله ﷾ في كل ما قدره وقضاه حكم عظيمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعاله من الحكمة، والله أعلم.
_________________
(١) طريق الهجرتين (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ١ / ٤٤٨ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف المعتزلة والأشاعرة أهل السنة في إثبات الحكمة في أفعال الرب سبحانه.
أما المعتزلة؛ فذهبوا إلى إثبات الحكمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعال الرب سبحانه منها، وإلا للزم العبث عليه، تعالى الله عن ذلك.
قال القاضي عبد الجبار: "إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا لا لوجه تقتضيه الحكمة، وذلك - أي نقص من يفعل لا لغرض - ظاهر في الشاهد" (^١).
وقال الشهرستاني: "قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل فعلًا جزافًا؛ فإن وقع خيرًا فخير وإن وقع شرا فشر، بل لا بد وأن ينحو غرضًا ويقصد صلاحًا" (^٢).
ومخالفة المعتزلة لعقيدة أهل السنة من وجهين:
الأول: إنكارهم أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وأن الحكمة من الفعل مقصورة على الحكمة الراجعة إلى المخلوق، وهذا بناءً على مذهبهم في نفي صفات الله سبحانه.
فإنهم جعلوا "الحكمة في ذلك [أي الخلق] إحسانه إلى الخلق، والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب، وقالوا: إن فعل الإحسان إلى الغير حسن
_________________
(١) المغني (١١/ ٩٢ - ٩٣).
(٢) نهاية الإقدام (٤٠٠).
[ ١ / ٤٤٩ ]
محمود في العقل، فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم، ولا قام به فعل ولا نعت" (^١).
وعلة ذلك عندهم أن الحكيم من يفعل أحد أمرين، إما أن ينتفع أو ينفع غيره والباري سبحانه لما كان مقدَّسًا عن الانتفاع؛ تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره (^٢).
الثاني: أنهم جعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية دلت على اتصاف الرب سبحانه بالحكمة، وأن الحكمة وصفه سبحانه، ولكن المعتزلة لما كانوا ينفون صفات الرب سبحانه فإنهم نفوا اتصافه بالحكمة.
الثاني: أن قولهم: أن الرب سبحانه مقدس عن الانتفاع مجمل، فإن أريد بالانتفاع كون الرب سبحانه محتاجًا لغيره حتى يكمل؛ فباطل، وإن أريد أنه سبحانه يعود عليه وصف من كونه يفعل لحكمة فصحيح، يوضحه:
الثالث: أنه لا يعقل أن يفعل الحكيم فعلًا من غير أن يعود عليه منه حكم؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٨٩).
(٢) انظر: نهاية الإقدام (٣٩٧).
[ ١ / ٤٥٠ ]
فكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه - لا عاجلة ولا آجلة -؛ كان عابثًا ولم يكن محمودًا (^١).
الرابع: أن الحكمة العائدة إليه سبحانه صفات من جملة صفاته التي تقوم به - كما تقدم - فهو ينصر المؤمنين محبة لهم ولدينه، ويخذل الكافرين غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (^٢)، فالحكمة العائدة إليه من صفاته، فلا يكون سبحانه مستكملًا بغيره.
الخامس: أن الإيجاب على الرب سبحانه لا يصح أصلًا، سواء كان موجبه الحكمة أو غيرها، لأن العباد لا يوجبون على الرب سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه تفضُّلًا منه سبحانه - كما سيأتي - وإن كان سبحانه إنما أوجب على نفسه ما أوجب تفضُّلًا لحكمة، إذ الحكمة - كما تقدم - ملازمة لأفعال الله ﷾ (^٣).
وأما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، فليس ثَمَّ حكمة تبعث على الفعل أو مقصودة به، وإنما تترتب عليه، وتحصل عقيبه حصولًا مجردًا عن القصد.
قال الشهرستاني: "مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض، وأصناف الخلق والأنواع، لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة؛ إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث، فلا غرض له
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٨٩ - ٩٠)، ومنهاج السنة (٣/ ١٩٢ - ١٩٤).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٤١ - ٤٤٢).
(٣) انظر ما تقدم ص (٤٣٠).
[ ١ / ٤٥١ ]
في أفعاله ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه" (^١).
وقال أيضًا: "ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح، وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحًا يرتقبه وخيرًا يتوقعه، بل لا حامل له" (^٢).
وقال الإيجي: "المقصد الثامن في أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة" (^٣).
وقال الآمدي: "القاعدة الثانية: في نفي الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود: مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل، بل الخلق وأن لا الخلق له جائزان، وهما بالنسبة إليه سيان" (^٤).
وقال الرازي: "المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بعلة البتة" (^٥).
وقال: "مسألة: لا يجوز أن يفعل الله شيئًا لغرض" (^٦).
_________________
(١) نهاية الإقدام (٣٩٧)، تحت: "القاعدة الثامنة عشر: في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى. . .".
(٢) المصدر السابق (٤٠٠)، وانظر: غاية المرام (٢٠٢).
(٣) المواقف (٣٣١).
(٤) غاية المرام (١٩٤).
(٥) الأربعين في أصول الدين (٣٥٠).
(٦) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥).
[ ١ / ٤٥٢ ]
واستدل الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأدلة، منها:
أولًا: أن إثبات الحكمة في أفعاله سبحانه يستلزم أن يكون مستكملًا بغيره، إذ من فعل فعلًا لتحصيل منفعة أو دفع مضرة؛ إما أن يكون تحصيل تلك المنفعة أو دفع المضرة أولى له من عدمه أو لا، فإن كان الأول؛ كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وإن كان الثاني؛ بطل التعليل إذ لا رجحان حينئذ (^١).
ثانيًا: أنه لو كان الله سبحانه قد خلق لعلة؛ فإن هذه العلة لا تخلو عن أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة؛ وجب قدم الخلق لقدم علته، وإن كانت محدثة؛ فلا يخلو: إما أن يكون الله أحدثها لعلة أو لا، فإن كان الثاني بطل القول بالتعليل، وإن كان الأول فالقول فيها كالقول في العلة الأولى، فيلزم التسلسل (^٢).
ثالثًا: أن كل غرض يفرض أن الله سبحانه يفعل الفعل لأجله، فهو سبحانه قادر على إيجاده ابتداءً فيكون توسيط ذلك الفعل عبثًا، وهو محال (^٣).
كما ادعوا أن اللام في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هي لام العاقبة والصيرورة، وليست لام التعليل.
قال الشهرستاني: "وأما الآيات في مثل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة، لا لام التعليل،
_________________
(١) انظر: التمهيد للباقلاني (٥٠)، ونهاية الإقدام (٣٩٩)، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥)، والأربعين للرازي (٣٥٠)، وغاية المرام (١٩٧)، والمواقف (٣٣١).
(٢) انظر: التمهيد للباقلاني (٥١ - ٥٢)، والأربعين للرازي (٣٥٠ - ٣٥١).
(٣) انظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥)، والأربعين للرازي (٣٥١)، والمواقف (٣٣٢).
[ ١ / ٤٥٣ ]
كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] " (^١).
والجواب على شبهتهم الأولى من وجوه (^٢):
الأول: أن القول بأنه ناقص بذاته إما أن يراد به أنه كان عادمًا لكمال كان يجب أن يكون له قبل حدوث المراد، أو يراد أنه عادم لما ليس كمالًا قبل وجوده؟
فإن كان المراد الثاني؛ فلا نقص؛ إذ البحث في كونه كمالًا قبل وجود الفعل، وإن كان الأول فباطل؛ إذ لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه أن يكون عادمًا لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع أن يكون كمالًا قبل حدوثه.
الثاني: أن هذه الحكمة لم تحصل من شيء خارجي عنه، بل تلك الحكمة صفته القائمة به.
الثالث: أن الحكمة المقصودة بفعله سبحانه محبوبة له سبحانه مرادة، وإذا كانت كذلك؛ فحصولها هو الكمال في حقه، وعدمها نقص؛ إذ من كان قادرًا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقًّا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا يقدر على فعله.
الرابع: أن نفي الحكمة هو النقص لا أن إثباتها يستلزم نقصًا، لأن الحكمة كمال - كما تقدم - ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر من لزوم النقص في إثبات ذلك.
_________________
(١) نهاية الإقدام (٤٠٤).
(٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٧ - ٥٨٤).
[ ١ / ٤٥٤ ]
الخامس: أن هؤلاء يجوزون على الرب سبحانه فعل كل ممكن، حتى الأمر بالكفر والشرك ونسخ التوحيد، فإذا جازت هذه المرادات من غير أن يكون في إرادتها نقص، فجواز غيرها من باب أولى، وعليه فلا يلزم من كون الحكمة مرادة له نقص.
السادس: أن انتفاء الحكمة في الفعل الاختياري من الحي العالم ممتنع - كما تقدم -، وإنما يتصور هذا في حق زائل العقل بنوم أو جنون أو العابث، والرب سبحانه منزه عن ذلك.
وأما الشبهة الثانية فجوابها من وجوه كذلك (^١):
الأول: أن الحكمة يحذى بها حذو الفعل؛ فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها، فالفعل لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديمًا أو حادثًا، فإن أمكن أن يكون قديمًا؛ أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن كان حادثًا؛ كانت الحكمة كذلك.
الثاني: أن النفاة يقرون بقدم كونه مريدًا، ولا يلزم من هذا قدم الإرادة عندهم قدم المراد، فكذلك الحكمة لا يلزم من كونها قديمة قدم الفعل، إذ الباب واحد.
الثالث: أن أهل السنة يقولون: الله سبحانه يفعل لحكمة، وهذه الحكمة محبوبة له مرادة، ثم قد تكون مرادة لذاتها؛ فلا تسلسل، وإما أن تكون مرادة لغيرها، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لذاته قطعًا للتسلسل.
فالقول بتوقف العلة على علة أخرى ممنوع، إذ هو التسلسل الممتنع، وهو
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٨٦ - ٥٩٣).
[ ١ / ٤٥٥ ]
التسلسل في المؤثرين، يوضحه:
الرابع: أن التسلسل المذكور إما أن يكون التسلسل الممتنع، - وهو التسلسل في المؤثِّرين، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى نهاية -، وإما أن يكون التسلسل الجائز - وهو التسلسل في الآثار -، فإن كان جائزًا بطل الإلزام من أصله، وإن كان ممتنعًا فهو مدفوع بانتهاء المرادات إلى مراد لنفسه فينقطع التسلسل.
الخامس: أن نفي الحكمة يستلزم نفي الإرادة، إذ لا يعقل من كون المريد مريدًا إلا لحكمة وغاية، وإذا انتفت الإرادة لزم أن يكون موجبًا بالذات وعلة تامة لمعلوله في الأزل، فيلزم قدم الحوادث المشهودة، وهذا بيِّن البطلان.
وأما الشبهة الثالثة فجوابها من وجوه أيضًا (^١):
الأول: أنه لا يلزم من كون الفعل مقدورًا ممكنًا أن تكون الحكمة المقصودة بوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه، إذ وجود الملزوم بدون لازمه محال.
الثاني: أن دعوى العبث في توسط أحد الأمرين مطلقًا باطلة، إذ توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث منها ما يحدثه ليس بعبث بل هو الحكمة.
الثالث: أن قولهم بأن العبث على الله محال يستلزم إثبات الحكمة، لأن العابث من يفعل لا لحكمة ولا لمصلحة.
الرابع: أن يقال: هذه الوسائط إما أن تكون معللة بحكم أخرى فيها مصلحة للفاعل أو للوسائط؛ فليس توسطها حينئذ عبثًا، وإما أن تكون غير معللة بل مرادة لذاتها، ولا مانع يمنع من هذا، ولا يلزم من انتفاء التعليل في
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٨).
[ ١ / ٤٥٦ ]
بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع.
الخامس: أن غاية هذه الشبهة أنه قادر على تحصيل تلك الحكم بالوسائط وبدونها، وهذا لا ينافي الحكمة من وجهين:
أولًا: أنه إذا كان الأمران ممكنين في حقه سبحانه فإنما يكون العدول عن أحدهما إلى الآخر عبثًا إذا كانا متساويين من كل وجه، وهذا ما لا سبيل لإثباته، بل لا يمكن لعاقلٍ أن يقول به؛ إذ هو متضمن إنكار الأسباب، وهذا يعود على الشرع والقدر بالإبطال، لأن الأسباب محل الشرع والقدر - كما سيأتي - (^١).
ثانيًا: إذا كان الله قادرًا على الأمرين فالكمال فعل كلا الأمرين، فالرب لكماله قادر على تحقيق تلك الحكم بتوسط المخلوق المنفصل، وقادر على خلقها بدون توسط المخلوق، بل بما قام بنفسه من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لها.
وأما دعواهم أن لام التعليل في القرآن هي لام العاقبة؛ فباطل أيضًا من وجوه:
الأول: أن لام العاقبة ينزه الرب سبحانه عنها، فهو العليم القدير، ولام العاقبة لا تكون إلا من عاجز أو جاهل، أما الجاهل فمثاله آل فرعون في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فهم جاهلون بمآل الأمر وثمرته عليهم، وأما العاجز فمثاله قول الشاعر (^٢):
لِدُوا للموت وابنوا للخراب … فكلكم يصير إلى تباب
_________________
(١) انظر ما يأتي ص (٦٠٢) وما بعدها.
(٢) ديوان أبي العتاهية ص (٤٦).
[ ١ / ٤٥٧ ]
فهم عالمون بهذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها (^١).
الثاني: أن لام العاقبة لا يصح أن يكون الفاعل مريدًا للعاقبة فيها، والعبادة فيما مثلوا به من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ مرادة بالاتفاق، فيمتنع على هذا أن تكون اللام فيها للعاقبة ويلزم أن تكون للغاية (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤)، وجامع المسائل (٦/ ٥٩)، وشفاء العليل (٢/ ٥٣٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥)، وقد تتبع ابن القيم ﵀ ما أوردوه من أمثلة ونقضها مثالًا مثالًا، انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٤٠) وما بعدها.
[ ١ / ٤٥٨ ]