وتحته عشرة مباحث:
المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية".
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة".
المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به".
المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته".
المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة".
المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة".
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة".
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه".
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب".
المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك".
[ ٢ / ٥١٩ ]
المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٥٢١ ]
المبحث الأول: "الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فإن التحقيق أنه [أي الأمر الشرعي] غير مستلزم للإرادة الكونية القدرية، وإن كان مستلزمًا للإرادة الدينية الشرعية" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا" (^٢).
وقال الشاطبي: "الأمر والنهي يستلزم طلبًا وإرادة من الآمر؛ فالأمر يتضمن طلب المأمور به وإرادة إيقاعه، والنهي يتضمن طلبا لترك المنهي عنه وإرادةً لعدم إيقاعه، ومع هذا؛ ففعل المأمور به وترك المنهي عنه يتضمنان أو يستلزمان إرادة بها يقع الفعل أو الترك أو لا يقع.
وبيان ذلك أن الإرادة جاءت في الشريعة على معنيين:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤١٢)، وانظر: (١١/ ٣٥٥) منه.
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٦٨)، وانظر: (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧) منه.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
أحدهما: الإرادة الخَلْقية القدرية المتعلقة بكل مراد؛ فما أراد الله كونه كان، وما أراد أن لا يكون فلا سبيل إلى كونه، أو تقول: وما لم يرد أن يكون؛ فلا سبيل إلى كونه.
والثاني: الإرادة الأمرية المتعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه، ومعنى هذه الإرادة أنه يجب فعل ما أمر به ويرضاه، ويحب أن يفعله المأمور ويرضاه منه، من حيث هو مأمور به، وكذلك النهي يحب ترك المنهي عنه ويرضاه.
فالله ﷿ أمر العباد بما أمرهم به؛ فتعلقت إرادته بالمعنى الثاني بالأمر؛ إذ الأمر يستلزمها لأن حقيقته إلزام المكلف الفعل أو الترك؛ فلا بد أن يكون ذلك الإلزام مرادًا، وإلا لم يكن إلزامًا ولا تصور له معنى مفهوم. . . والإرادة بهذا المعنى الأول لا يستلزمها الأمر؛ فقد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد، وأما بالمعنى الثاني؛ فلا يأمر إلا بما يريد، ولا ينهى إلا عما لا يريد" (^١).
_________________
(١) الموافقات (٣/ ٣٦٩ - ٣٧١).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:
تضمنت هذه القاعدة جزئيتين، وقد دل على كل منهما الكتاب والسنة.
أما الجزئية الأولى وهي: استلزام الأمر للإرادة الشرعية، فدلالة النصوص عليها من وجوه:
الأول: النصوص التي دلت على إرادة الله ﷾ لشيء، مع إخباره ﷾ في موضع آخر أنه يحبه، ووجه دلالته أن هذا المراد قد أمر الله سبحانه به.
كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأخبر ﷾ أنه يريد لعباده التوبة والتطهر، مع إخباره في الآية الأخرى أنه يحب ذلك.
الثاني: النصوص التي دلت على أمر الله ﷿ بشيء، مع إخباره ﷾ أنه يحبه.
كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالتطهر، ثم أخبر بأنه يحبه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، فأمره بالقسط في الحكم، ثم أخبر أنه يحب المقسطين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فأمر
[ ٢ / ٥٢٥ ]
بالإحسان وأخبر أنه يحب أهله.
الثالث: النصوص التي دلت على نهي الله ﷾ عن شيء، مع إخباره ﷾ أنه لا يحب فاعله.
كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فنهى عن الاعتداء وأخبر أنه لا يحب المعتدين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]،
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمر بعدم الخيانة، وأخبر أنه لا يحب الخائنين.
وأما الجزئية الثانية وهي: عدم استلزام الأمر للإرادة الكونية، فدلالة النصوص عليها من وجوه كذلك:
الأول: النصوص الدالة على أن الله ﷾ لا يحب الكفر والفساد ونحوهما من الشرور، ولا يرتضيهما ولا يحب أهلهما.
كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
ووجه دلالة هذه النصوص أن الشرور التي وقعت إنما وقعت بمشيئة الله وإرادته، ولولا أن الله أراد وقوعها لما وقعت، وقد أخبر ﷾ أنه يكرهها، وكراهيته لها تنافي أمره بها؛ فدل على أنه لا تلازم بين وقوعها وبين أمر الله بها.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
الثاني: النصوص الدالة على إرادة الله ﷿ لشيء، مع إخباره أنه لا يحبه.
وهذا في الكتاب والسنة كثير، كإرادته ﷿ ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج، مع إخباره أنهم كفار وفتنة ونحو ذلك.
الثالث: النصوص الدالة على نهي الله عن شيء مع إخباره أنه يقع بمشيئته. .
كالنهي عن عبادة الأوثان والشرك بالله ﷾ في آيات وأحاديث أكثر من أن تحصى، مع الإخبار بوقوع ذلك في الأمة، فضلًا عن وقوعه في الأمم الأخرى قبل البعثة وحالها وبعدها.
كقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعُزَّى)، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا! قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه؛ فيرجعون إلى دين آبائهم) (^١).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تَعبد دَوْسٌ ذا الخلصة (٤/ ٢٢٣٠) ح (٢٩٠٧).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
البحث في هذه القاعدة في مسألة مهمة من مسائل القدر، وهي مسألة الأمر واستلزامه الإرادة، وهذا الأصل مما فارق فيه المخالفون أهل السنة في باب القدر.
وقبل الكلام على هذه القاعدة لا بد من بيان خمس مقدمات:
المقدمة الأولى: معنى الإرادة.
الإرادة في الشرع نوعان (^١)، ولكل نوع منهما أحكام، وبينهما اجتماع وافتراق.
النوع الأول: إرادة كونية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة، وهي التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وتسمى: الإرادة الخلقية القدرية، وهي متعلقة بربوبيته ﷾.
ومن أحكامها:
- أنها مستلزمة لوقوع المراد؛ فلا يمكن أن تتخلف.
- أنها غير ملازمة للمحبة؛ فقد تكون مما يحبه الله سبحانه، وقد تكون مما لا يحبه.
ومن أمثلتها:
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٧ - ١٨٨)، ومنهاج السنة (٣/ ١٦)، والاستقامة (٣٠٧)، وشفاء العليل (٢/ ٧٣٦)، وإيثار الحق (٢٤٨).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وكل آية في كتاب الله ﷾ ذكر فيها مشيئته ﷾ فهي مثال على هذه الإرادة، لأن المشيئة مرادفة للإرادة الكونية.
وقول النبي ﷺ: (إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره) (^١).
وقول النبي ﷺ: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (^٢).
وقول النبي ﷺ: (إن ثلاثة في بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم. . .) الحديث (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الفضائل، باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها (٤/ ١٧٩١) ح (٢٢٨٨) من حديث أبي موسى ﵁.
(٢) رواه البخاري: كتاب القدر (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) رواه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب لا يقول ما شاء الله وشئت وهل يقول أنا بالله ثم بك (٨/ ١٣٣) ح (٦٦٥٣)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق (٤/ ٢٢٧٥) ح (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
النوع الثاني: إرادة شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي المقارنة للأمر والنهي والحب والبغض والرضا والغضب.
وتسمى: الإرادة الدينية الأمرية، وهي متعلقة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته ﷿.
ومن أحكامها:
- أنها غير مستلزمة لوقوع المراد، إلا أن تتعلق بالإرادة الكونية.
- أنها ملازمة للمحبة؛ فكل ما أراده الله شرعًا فهو يحبه.
ومن أمثلتها:
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وهاتان الإرادتان تجتمعان فيما وقع في الوجود مما أراده الله ﷾ شرعًا، كإيمان أبي بكر وعمر ﵄؛ فالله ﷾ أراد الإيمان منهما شرعًا، وأراده كونًا فوقع.
وتنفرد الكونية فيما وقع في الوجود مما لا يريده الله شرعًا، إما لكونه لا يريده ولا يريد خلافه كالمباحات من أكل وقيام وسفر، أو لكونه يريد خلافه كالكفر والمعاصي.
وتنفرد الشرعية فيما لم يقع مما أراده الله ﷾ شرعًا ودينًا، كإيمان فرعون وأبي جهل.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وتتخلف كلتا الإرادتين فيما لم يقع مما لم يرده الله شرعًا (^١).
المقدمة الثانية: الإرادة صفة لله ﷿، وهي ذاتية فعلية باعتبارين، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد.
المقدمة الثالثة: أن المراد بالأمر هنا: الأمر الشرعي الذي هو المراد الشرعي، إذ أن الأمر - كالإرادة - قسمان (^٢):
أمر كوني، وهو المتعلق بخلقه وقدره، وهو المطابق للإرادة الكونية.
وأمر شرعي، وهو ما شرعه على ألسنة أنبيائه ورسله، وهو المطابق للإرادة الشرعية.
فالأمر الشرعي هو الذي يستلزم الإرادة الشرعية دون الكونية، وأما الأمر القدري فإنه يستلزم الإرادتين أو الكونية وحدها، ولا يستلزم الإرادة الشرعية وحدها.
المقدمة الرابعة: أن الإرادة الشرعية متعلقة بأفعال المكلفين.
يُقصد بالإرادة الشرعية ما يُقصد بالحكم الشرعي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، فهي أوامر الله ﷾ ونواهيه لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.
فالمراد الشرعي هو الحكم الشرعي سواء بسواء لا فرق.
وأما الإرادة المتعلقة بفعله ﷿ فلها شأن آخر، وتلك هي الإرادة الكونية.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، وشفاء العليل (١/ ١٨٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٠ - ٤١١).
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١٨٩ و١٩٠) و(٢/ ٧٦٩ - ٧٧١).
[ ٢ / ٥٣١ ]
وحينئذ فالفرق ثابت بين إرادته ﷾ من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل - كما سيأتي -.
قال ابن القيم ﵀ عقب تقسيمه للإرادة وبيان استلزامها للمحبة: "هذا ما إذا تعلقت الإرادة بأفعال العباد، وأما إذا تعلقت بأفعال الله فإنها لا تنقسم، بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له، ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته" (^١).
المقدمة الخامسة: المراد الشرعي هو الدين كله، الشرائع والعقائد.
إذا تبين أن الإرادة الشرعية هي الحكم الشرعي؛ فينبغي أن يعلم أن هذا شامل لعقائد الدين وشرائعه، إذ أن أولى ما يدخل في الأوامر والنواهي: أصول الدين، فالتوحيد - الذي هو أساس الدين، ومضمون رسالة النبيين، ومقصود خلق الثقلين - هو أعظم مأمور به، ونقيضه أعظم منهي عنه.
والأوامر مرادٌ لله ﷾ من العبد فعلها، والنواهي مرادٌ له ﷾ من العبد تركها.
وهذه القاعدة تتضمن مسألتين:
المسألة الأولى: أن الأمر الشرعي يستلزم الإرادة الشرعية التي هي المحبة، بمعنى أن كل ما أمر الله به في الشرع فإنه يحبه، ولا يمكن أن يكون شيء من أوامره الشرعية مبغوضًا له.
وبالمقابل؛ فكل ما نهى عنه في الشرع فإنه يبغضه ولا يحبه.
قال ابن القيم ﵀: "والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٧٣٦).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وأراده إرادة دينية، وهو لا يحب شيئًا إلا ووجوده خيرٌ من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئًا إلا وعدمه خير من وجوده" (^١).
والمحبة التي يستلزمها الأمر هي محبة لذات الأمر ولما يؤدي إليه، فنفس التوحيد ونفس الصلاة ونفس ترك الشرك محبوب ذاتي له ﷿، أي من حيث هو أمر هو محبوب لله ﷾.
ويدل عليه - إضافةً إلى ما تقدم - أمور:
الأول: أن الله ﷾ موصوف بالكمال، ومن كماله أنه لا يأمر إلا بخير، ولا يأمر بالشر مطلقًا، والخير محبوب له ﷾، فأمره ﷾ محبوب له مَرْضي.
الثاني: أن أوامر الله الشرعية هي وحيه وكلامه، وهما من صفاته ﷿، وصفاته ومقتضياتها محبوبة له ﷾، فتكون أوامره الشرعية محبوبة له ﷾.
الثالث: أن الأحكام الشرعية معللة بحكم، وهذه الحكم مرجعها إلى حكمة كُلِّية هي المحبة - كما تقدم (^٢) -، لذا فالله ﷾ لم يشرع حكمًا إلا وهو يحبه.
المسألة الثانية: أنه لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية، بمعنى أنه لا يلزم من أمر الله ﷾ لعباده بأمر أن يكون هذا الأمر مراد الوقوع لله ﷾، بل قد يقع وقد لا يقع.
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٥١٣).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٤٢).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
كما أنه لا يلزم من وقوع الشيء أن يكون محبوبًا لله ﷾ مرادًا له شرغا، بل يخلق الله ﷾ ما يحبه وما لا يحبه، فالله خالق كل شيء، وكل ما خلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير ومحبوب له ﷿.
فالمراد نوعان:
مراد لذاته: وهو المحبوب لنفسه المرضي.
ومراد لغيره: وهو ما كان مبغوضًا بالنظر إلى ذاته، لكنه محبوب مراد لكونه وسيلة إلى المراد المحبوب لذاته (^١).
وقد سبق في مبحث الحكمة ما يبين هذا (^٢).
ومما يدل على هذه المسألة: واقع الأمر، إذ أن كثيرًا مما أمر الله ﷾ به لم يقع، بل وقع خلافه، فالله أمر بالإيمان والتقوى وحسن الجوار وكف الأذى وترك المعاصي وغير ذلك، والذين وقع منهم ذلك هم الأقلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
ومما يوضح هاتين المسألتين: ثبوت الفرق بين إرادته ﷿ من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل؛ فالأولى الإرادة المتعلقة بفعله ﷾، والثانية هي الإرادة المتعلقة بفعل العبد، والأولى هي الكونية، والثانية هي الشرعية.
وهذا الفرق معلوم ببدائه العقول، إذ ليس كل ما يأمر به الإنسان غيره
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٦٤).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٣٠) وما بعدها.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
يكون مرادًا له، بل قد يكون خلافه هو المراد له لاختلاف الجهة، كأمر الرجل غيره بخطبة امرأة نصحًا له، مع إضماره في نفسه إرادة خطبتها.
وإذا أمكن هذا في حق المخلوق فإمكانه في حق الخالق أولى وأحرى.
فالله ﷿ إذا أمر العبد بأمر فقد يريد إعانته وقد لا يريد، مع كونه ﷾ مريدًا منه الفعل.
بيانه أن الله ﷿ أمر عباده على ألسنة أنبيائه ورسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فأراد منهم امتثال الأمر وترك المنهي، ثم منهم من أراد الله ﷿ خلق فعله وجعله فاعلًا، فوقع منه الامتثال والترك، ومنهم من لم يرد خلق فعله فلم يقع منه ذلك - مع كونه مريدًا له، حكمةً منه ﷾، ولا يلزم من كون الأمر بالشيء حكمة أن يكون وقوع الامتثال من المأمور حكمة، بل قد تكون الحكمة في عدم الامتثال (^١).
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧]، بعد أمره لهم بالنفير بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، فأخبر أنه أمرهم بالخروج وأراده منهم شرعًا، ثم أخبر بتثبيطه لهم عنه لكرهه له منهم، ثم أخبر بالحكمة التي اقتضت ذلك وهي أن في خروجهم ضررًا على المؤمنين.
قال ابن القيم ﵀: "ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته، فإن
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٦٨ - ١٧٠)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٩).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه، وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام. . . وعلى هذا فها هنا إرادتان ومرادان: إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين" (^١).
ومما ذكره أهل العلم في الدلالة على هذه القاعدة: اتفاق الفقهاء على أن الحالف لو قال في يمينه: والله لأفعلن كذا ثم قال إن شاء الله، ولم يفعل ما حلف عليه أنه لا يحنث وإن كان ما حلف عليه واجبًا أو مستحبًا، ولو قال: إن أحب الله بدل إن شاء الله؛ حنث إذا كان مشروعًا وجوبًا أو استحبابًا (^٢).
فالحاصل أن أمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه - اللذين هما إرادته الشرعية -، ولا يستلزم خلقه وتكوينه - اللذين هما الإرادة الكونية -، والله أعلم.
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٥ - ١٦)، وإيثار الحق (٢٢٦).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف في هذه القاعدة كل من القدرية والجبرية، بعد اتفاقهم على أمرين:
- نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية.
- وأن المراد بالإرادة المحبة.
فذهب القدرية إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه.
وذلك أن الإرادة عندهم مرادفة للمحبة، ولذلك فإن ما حدث من الأفعال التي لا يحبها الله سبحانه كالكفر والفساد والمعاصي؛ فإنها إنما تحدث بغير إرادته سبحانه.
وبناء على ذلك فإنه سبحانه لا يريد الكفر ولا الفساد ولا المعاصي، وأن ما يحدث من ذلك إنما يحدث بدون إرادته ومشيئته، وإنما قالوا بعدم مشيئته للأعمال الصالحة والمباحات طردًا للأصل؛ إذ كلها من باب واحد.
قال القاضي عبد الجبار: "وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا" (^١).
فالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (^٢).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٤٦٤).
(٢) انظر: المصدر السابق (٤٦٨).
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وقال أيضًا: "فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة" (^١).
وقال أيضًا: "فثبت بهذه الجملة أن كل من جازت عليه الإرادة جازت عليه المحبة، وأنه تعالى إذا صح كونه مريدًا فيجب أن يكون محبًّا، وكل ما صح أن يريده صح أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته؛ أوجب قبح إرادته، فأما الرضا فهو إرادة الشيء، وإن كان لا يسمى بذلك إلا إذا وجد المراد" (^٢).
وقال أيضًا: "وقد بينا من قبل أن المحبة والرضا والاختيار ترجع إلى الإرادة، فما ثبت أنه تعالى أراد من فعله؛ يحبه ويرضاه ويختاره لنا ويشاؤه، وما لا يريده ثبت أنه يكرهه ويسخطه ويبغضه، فهذا جملة ما نذهب إليه" (^٣).
فالأمر عندهم ملازم للإرادة، وهي شرط فيه، فمتى انتفت الإرادة عن شيء لم يكن مأمورًا به، ومتى أمر بشيء كان مرادًا له، فالله سبحانه - عندهم - لا يأمر إلا بما يريد، وبناءً على ذلك نفوا إفادة صيغة الأمر للأمر بمجردها إلا إذا اقترنت بإرادة الآمر فعل الأمر من المأمور.
قال القاضي عبد الجبار: "وقد بينا فيما تقدم أنه إنما يكون أمرًا بإرادة المأمور به، وأنه لا بد من ذلك في كونه أمرًا، ولا بد أيضًا من أن يريد الآمر إحداث الأمر خطابًا للمأمور" (^٤).
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥١).
(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥٤).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٢١٦).
(٤) المصدر السابق (١٧/ ١٠٧).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وقال أيضًا: "إن الأمر لا يكون أمرًا لصورته ولا لسائر أحواله، وإنما يكون أمرًا لإرادة الآمر من الأمور ما أمره به" (^١).
وما لم يقع مما أمر الله سبحانه به كإيمان المشركين؛ فإنه محبوب لله سبحانه مراد كالذي وقع، لكنه لم يقع لأن المشركين اختاروا خلافه، فلم يخرج بعدم وقوعه عن كونه مرادًا لله تعالى.
ولذلك يجب أن يعلم أن البحث في كلام المعتزلة في هذه المسألة هو في الإرادة المتعلقة بأفعال المكلفين، أو بالتشريع، لا الإرادة المتعلقة بالخلق، وذلك أن أفعال العباد عندهم غير مخلوقة فلا يدخلها هذا النوع من الإرادة.
فالإرادة - على عمومها - عند المعتزلة نوعان:
النوع الأول: إرادة حتم وجبر وقسر، وهي إرادة الله سبحانه في خلق السموات والأرض وما بينهما من الخلق، فجاء خلقه كما أراد لم يمتنع منه شيء، وهذه الإرادة ملازمة للخلق والتكوين، فإذا أراد شيئًا كوَّنه، وإذا كونه فقد أراده.
النوع الثاني: إرادة تخيير وتحذير معها تمكين وتفويض، وهي إرادته سبحانه من خلقه ما أمرهم به، لأنه لو أراد منهم ما أمرهم به على معنى الإرادة الأول لما استطاعوا الخروج عن المأمور كما لا يستطيعون التحول من صورتهم الخَلقية إلى صورة غيرهم (^٢).
فالمراد بالبحث النوع الثاني لا الأول، فالإرادة الكونية غير داخلة في أفعال
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٢٢٣).
(٢) انظر: كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد -. . - ليحيى بن الحسين، (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٨٨ - ٨٩).
[ ٢ / ٥٣٩ ]
العباد أصلًا، لكونها - أي أفعال العباد - غير مخلوقة له سبحانه - بزعمهم -.
ولم أقف في كلام المعتزلة على استدلال لهم على ترادف الإرادة والمحبة على وجه الخصوص، وإنما توسعوا في الاستدلال على إرادة الرب سبحانه للطاعات بمعنى محبتها، وعدم إرادته للقبائح، بمعنى عدم محبتها، فقد ذكر عبد الجبار ثلاثة عشر دليلًا على ذلك تحت: "فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها" من المغني (^١)، وهذه الأدلة متضمنة الدلالة على ترادف المحبة والإرادة.
وكذلك استدلوا على اشتراط الإرادة في الأمر (^٢).
وهذا القدر من قول المعتزلة - أن الأمر مستلزم للمحبة - صحيح موافق لقول السلف، ومخالفتهم إنما هي في إنكار الإرادة الكونية المتعلقة بأفعال العباد، فالله عندهم لم يرد وقوع الإيمان ممن وقع منه على جهة الخلق والتكوين، ولم يرد خلافه لا على هذه الجهة ولا على جهة المحبة. وإنما ذهبوا إلى ذلك طردًا لأصلهم من أن الله سبحانه غير خالق لأفعال العباد، وقد تقدم في المبحث السابق إبطال هذا الأصل، وذلك متضمن لإبطال ما بني عليه من نفي الإرادة الكونية في أفعال العباد.
وينبغي التنبه على أن المعتزلة في إثباتهم للإرادة للرب سبحانه مخالفين لمذهب السلف، فإنهم يثبتون إرادة حادثة لا تقوم بالله سبحانه، بل في غير محل.
قال القاضي عبد الجبار: "واعلم أنه تعالى مريد عندنا بإرادة محدثة
_________________
(١) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٢١٨ - ٢٤٩).
(٢) انظر: آراء المعتزلة الأصولية دراسةً وتقويمًا (٢١٤ - ٢١٦).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
موجودة لا في محل" (^١).
وقال: "وقال شيخانا أبُو عليّ (^٢) وأبُو هاشِم (^٣) رحمهما الله وسائر من تبعهما: أنه تعالى مريد في الحقيقة، وأنه يحصل مريدًا بعد ما لم يكن؛ إذا فعل الإرادة، وأنه يريد بإرادة محدثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وأن إرادته توجد لا في محل" (^٤).
وعقد لهذه الجمل فصولًا في المغني في الجزء السادس الذي أفرده للكلام على الإرادة وما يتعلق بها، فقال: "فصل في الدلالة على أن الله تعالى مريد في الحقيقة".
"فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا لنفسه ولا لعلة".
"فصل: في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا بإرادة قديمة".
"فصل: في أنه يجب أن يكون مريدًا بإرادة محدَثة".
"فصل: في أن إرادته تعالى يجب أن تكون موجودة لا في محل وما يتصل بذلك" (^٥).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٤٤٠).
(٢) هو: أبو علي، محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، من أئمة المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة "الجبائية" منهم، مات بالبصرة سنة (٣٠٣ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).
(٣) هو: أبو هاشم، عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أئمة المعتزلة، إليه تنسب الطائفة "البهشمية"، من كتبه: "الجامع الكبير" و"العرض"، مات سنة (٣٢١ هـ). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٨٣)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٦٣).
(٤) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٣).
(٥) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٠٤، ١١١ و١٣٤، ١٣٧، ١٤٠، ١٤٩)، وانظر نحوها في المحيط بالتكليف (١/ ٢٦٩ - ٢٨٢).
[ ٢ / ٥٤١ ]
وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به.
ففسروا الإرادة بالمحبة، لكنهم جعلوها كونية؛ إذ جعلوا المراد هو الموجود، وما لم يوجد فليس بمراد، بل التزموا أنه يريد القبائح والشرور؛ لأنه إذا كان مريدًا لكل حادث - والإرادة هي المحبة - فهو محب لكل حادث راضٍ به أيًّا كان.
وهذا القول - أن الله تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقَبًا عليه - هو ما يطلقه بعض الأشعرية على العموم دون تفصيل.
ولهم مذهب ثان وهو المنع من إطلاق ذلك، لأن الكفر والفسوق والعصيان غير محبوبة لله سبحانه، والإرادة هي المحبة، ثم من هؤلاء من يجعل المحبة والرضا عبارة عن إنعامه سبحانه وإفضاله، ومنهم من يحمل المحبة والرضا على الإرادة، لكنه يقول: إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدًا فإنها تسمى محبة ورضًا، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدًا فإنها تسمى سخطًا (^١).
وتأولوا ما ورد من نصوص دالة على أن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بأن المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد الكفر، وهذا إما أن يحمل على من لم يقع منه ذلك، أو يحمل على أنه لا يريده دينًا.
وقال الباقلاني: "واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار والرضى والمحبة" (^٢).
_________________
(١) انظر: الإرشاد (٢٣٨ - ٢٣٩).
(٢) الإنصاف (٤٣).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وقال الجويني: "أصل أهل الحق أن المحرمات مرادة للرب سبحانه، وأن إرادته القديمة تتعلق بحدوث المحظورات والمباحات تعلقها بالطاعات" (^١).
وقال الدردير: "والحاصل أن كل كائن، أي واقع فهو مراد له تعالى، سواء أمر به أو لا، ومفهومه أن ما لم يكن فهو غير مراد الوقوع، سواء أمر به كالإيمان من أبي جهل، أو لم يأمر به كالكفر من المؤمنين. . . وإذا عرفت ذلك؛ فالقصد - يعني الإرادة - غير الأمر بالشيء، بل ولا يستلزمه، كما أنه لا يستلزمها" (^٢).
وتأولوا ما ورد من نصوص في نفي محبة الرب للفساد، ونفي رضاه بالكفر لعباده بأن المراد هو نفي الإرادة بالتكليف به (^٣)، فيكون المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد لعباده الكفر، قالوا: وهذا يصح على وجهين: إما أن يكون خاصًّا بمن لم يقع منه الكفر والفساد، وإما بمعنى: لا يحب الفساد دينًا، ولا يرضاه دينًا (^٤).
والأشاعرة أحسنوا إذ أثبتوا عموم قدرة الله سبحانه ونفوذ مشيئته، وأساؤوا بقولهم إن الله يريد الكفر والعصيان.
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولًا: ما جاء من نصوص في أمر الله سبحانه بأشياء لم يرد تعالى وقوعها، إذ لو أرادها لوقعت، كأمر الله سبحانه المشركين بالإيمان، وأمر الخليل بذبح
_________________
(١) التلخيص في أصول الفقه (١/ ٢٥٨).
(٢) شرح الخريدة البهية (٧٦).
(٣) انظر: غاية المرام (٦٧).
(٤) انظر: الإنصاف (١٥٩).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
ولده، وأمر إبليس بالسجود لآدم، مع إرادته سبحانه عدم وقوع ذلك، إذ لو أراده لوقع (^١).
ثانيًا: إجماع المسلمين على كلمة متلقاة بالقبول ليست من المجملات المتأوَّلات، وهي قولهم: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (^٢).
ثالثًا: أن من حلف على مأمور به فاستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، ولو كان الأمر هو الإرادة لحنث، لأن الله سبحانه قد شاء أن يقضيه إذ أمره بذلك (^٣).
رابعًا: أمر السيد عبده بما عصاه به عبده أمام القاضي ليقيم عذره، فهو آمرٌ له بما لا يريده منه، فدل على أن الأمر غير مستلزم للإرادة (^٤).
خامسًا: أنه لو كان الأمر بمعنى الإرادة لما صح أن يقول الرجل: "أريد منك كذا ولا آمرك به"، لأنه حينئذ بمنزلة قوله: "أريد منك كذا ولا أريده منك" (^٥).
سادسًا: أن المكره يصح منه الأمر ولا إرادة له، فدل على أن الأمر لا يستلزم الإرادة.
سابعًا: أن أهل اللغة لم يشترطوا الإرادة في الأمر، بل اشترطوا الصيغة مع الرتبة، ولو كانت شرطًا لما أخلُّوا بها.
_________________
(١) انظر: المحصول (٢/ ١٩)، وقواطع الأدلة (١/ ٥٣)، والإرشاد (٢٤٦)، وغاية المرام (٩٤ - ٩٥).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (٤٢)، والإرشاد للجويني (٢٤٢)، وغاية المرام (٩٤).
(٣) انظر: شرح اللمع (١/ ١٩٥).
(٤) انظر: المحصول (٢/ ٢٢)، والإرشاد (٢٤٤ - ٢٤٥)، وغاية المرام (٩٤).
(٥) انظر: المحصول (٢/ ٢٠).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وهذا الذي ذهبوا إليه من نفوذ مشيئة الرب وعموم ملكه صحيح موافق لقول السلف، لكنهم أخطؤوا في نفي إرادة الرب الشرعية واستلزام أمره سبحانه لها، وما أوردوه من أدلة صحيحة على ذلك فهو مسلَّم لهم لا ينازعون فيه، وإن كان في بعض ما أوردوه منها نظر.
والصواب في ذلك ما تقدم من قول أهل السنة من التفصيل بين الإرادتين، الكونية والشرعية، وأن الأمر يستلزم الشرعية لا الكونية.
وما تقيمه القدرية من أدلة على محبة الله سبحانه للأمر، وأنه لا يأمر إلا بما يحب؛ فهو صحيح يُدفَع به في نحر الجبرية، وما تقيمه الجبرية من أدلة على عموم ملك الرب ونفوذ مشيئته فهو صحيح ويُدفَع به في نحر القدرية.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة قي هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
المبحث الثاني: "الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الطحاوي ﵀: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب".
قال ابن أبي العز ﵀ في شرحه: "والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله؛ لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي يكون بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل؛ لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فالاستطاعة نوعان: متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة
_________________
(١) شرح الطحاوية (٢/ ٦٣٣).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
له، وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "والصواب أنها نوعان: نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه، ونوع مقارن له فليست شرطًا في التكليف" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٢).
(٢) بدائع الفوائد (٥/ ١٦١٣).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على انقسام الاستطاعة إلى سابقة مقارنة: الكتاب والسنة.
فمن أدلة الاستطاعة السابقة:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فأوجب الحج على المستطيع، ولو لم تكن هذه الاستطاعة سابقةً للفعل غير مقارنة له؛ لما وجب الحج إلا على من وقع منه، وهذا باطل بالضرورة (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فأمر بالتقوى وقيدها بالاستطاعة، فلو لم يكن المراد بالاستطاعة السابقة لما استطاع التقوى إلا من اتقى، وهذا باطل كذلك (^٢).
وقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢].
فاعتذروا عن تخلفهم بعدم استطاعتهم الخروجَ معه ﷺ، ولو لم يكن المراد بالاستطاعة هنا السابقة لما احتاجوا أن يعتذروا.
وأيضًا لو كان مرادهم الاستطاعة المقارنة لكان اعتذارهم من قبيل الاعتذار عن الشيء بنفسه، فكأنهم يقولون نعتذر على عدم الخروج بأننا لم نخرج، وهذا باطل أيضًا.
ومثله الاستطاعة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (١/ ٤٠٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٢٩ و٣٧٢)، ورفع الشبهة والغرر (٤٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٢)، ودرء التعارض (٥/ ٩٤)، ورفع الشبهة والغرر (٤٥).
[ ٢ / ٥٥١ ]
أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (^١).
وقوله ﷺ: (إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان) (^٢).
وقوله ﷺ: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (^٣).
وبالجملة، فكل استطاعة علق بها حكم تكليفي (^٤)، أو جاءت في سياق اعتذار - غير الاعتذار بالقدر - أو تحَدٍّ؛ فهي استطاعة سابقة بمعنى التمكن وسلامة الآلات - كما سيأتي -.
ومن أدلة الاستطاعة المقارنة:
قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].
فالاستطاعة المنفية هنا هي الاستطاعة المقارنة، لأن انتفاء السمع
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٦٤).
(٢) رواه مسلم: كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي (١/ ٣٦٢) (٥٠٥)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) رواه البخاري: كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ من استطاع منكم الباءة. . . (٧/ ٣) ح (٥٠٦٥)، ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه … (٢/ ١٠١٨) ح (١٤٠٠)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٣).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
والبصر الذي يكون به التكليف عذر لهم لا حجة عليهم.
ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١].
وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، ونظيرتيها.
فالمنفي هنا هو حقيقة الصبر لا أسبابه؛ فإنها كانت ثابتة لموسى، فهو من أولي العزم والصبر من الرسل، ولهذا عاتبه الخضر ﵇، ولو كان عادمًا لأسباب الصبر وأدواته لما استحق اللوم ولكان معذورًا.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة من القواعد الجليلة في القدر، لأنها أساس من الأسس التي قام عليها مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي مما هدى الله إليه أهل السنة دون من عداهم، فله الحمد والمنة.
ولا بد قبل الشروع في بيانها من توضيح معنى الاستطاعة في اللغة.
الاسْتطَاعَة: مشتقة من الطَّوْع، كأنها كانت في الأصل الاستطواع، فلما أُسقطت الواو جعلت الهاء بدلًا منها، مثل قياس الاستعانة والاستعاذة.
والاستطاعة: الإطاقة والقدرة على الشيء (^١).
والاستطاعة والقدرة والقوة والوسع والطاقة ألفاظ متقاربة في المعنى (^٢).
والاستطاعة لفظ شرعي، جاءت به النصوص ما بين إثبات ونفي، وإنما دخله الإجمال من جهة أنه أطلق في الشرع على معنيين، فغابت هذه القسمة عن كثير من الناس فصاروا يعممون أحد هذين المعنيين على كل استطاعة وردت في النصوص، وسلك أهل السنة المحجة البيضاء ففرقوا بين المعنيين، ونزلوا على كل واحد منهما النصوص الشرعية الخاصة به.
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.
الثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.
الثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٥٥)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١٤٢).
(٢) انظر: التعريفات (١٩)، وشرح الطحاوية (٢/ ٦٣٣).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
المسألة الأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.
الاستطاعة السابقة هي القدرة المصححة للفعل، أي التي يقدر بها الفاعل على الفعل، فهي سلامة الأدوات والوسائل والأسباب التي أودعها الرب سبحانه في الفاعل، والتي تشكل لديه بمجموعها استعدادًا وقوة يتمكن بها من الفعل إذا أراده - بمشيئة الله ﷿.
وهذه الاستطاعة تتنوع أفرادها بتنوع الأفعال المراد القيام بها؛ فاستطاعة الحج: الزاد والراحلة، واستطاعة الصلاة قدرة البدن، وقد تصل إلى حياة القلب فقط، واستطاعة الزكاة: ملك النصاب، واستطاعة الصيام قوة الجسم على تحمل الامتناع عن المفطر.
وهكذا كل أمر تكون الاستطاعة بحسبه، ويجمعها كلها سلامة الآلة التي يكون بها الفعل.
ومن أحكامها (^١):
أولًا: أنها متقدمة على الفعل لا متأخرة ولا مقارنة.
أما كونها سابقة للفعل فلأنها وسيلته وأداته، وسبب من أجل أسبابه الوجودية، والله سبحانه لحكمته ربط الأسباب بمسبَّباتها، وجعل وجود الشيء متوقف على وجود أسبابه ومقتضياته، فوجود الشيء مع عدم بعض أسبابه الوجودية ممتنع، فوجب أن تكون هذه الاستطاعة متقدمة على الفعل كما يتقدم سبب الفعل عليه.
وأما كونها غير متأخرة فليس المراد به أنه بعد الفعل تعدم القدرة عليه، فلا
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٤٧ - ٤٨).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
يكون في مقدور الفاعل فعله مرة أخرى؛ بل المراد أنها متأخرة عن الفعل المعين.
يبينه أن القدرة على فعل معين هي سبب من أسباب وجوده - كما تقدم -، وسبب الشيء لا يتأخر عنه وإلا لم يكن سببًا له، ثم هذه الاستطاعة تكون سببًا لفعل آخر، وهكذا، فالقول بأنها متقدمة أو غير متأخرة وكذا غير مقارنة؛ إنما هو بالنسبة إلى الفعل المعين نفسه - من حيث كونها سببًا له - لا بالنسبة إلى عموم الأفعال التي من جنسه.
وأما كونها غير مقارنة فالمراد منه أن الفعل إذا خرج بأسبابه إلى الوجود؛ فإن هذه الاستطاعة لا تكون حينئذ موجودة، بل تحل محلها استطاعة أخرى بها يتحقق الفعل - كما سيأتي -.
ثانيًا: أنها مناط الأمر والنهي؛ فإذا وجدت وجد الأمر والنهي، وإذا عدمت عدم الأمر والنهي (^١).
فالله سبحانه لرحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، فإذا عدمت الاستطاعة لم يتوجه الأمر والنهي، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة في المبحث القادم إن شاء الله.
ثالثًا: أنها استطاعة شرعية (^٢).
وهذا الحكم متمِّم للحكم السابق؛ فمعنى كونها استطاعة شرعية هو كونها مناطًا للأمر والنهي، مع تضمنه لمعنيين آخرين:
الأول: أنه لا يلزم من وجودها وجود الفعل، بل قد يتخلف الفعل، وقد
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٠) و(٨/ ١٢٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٣).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
يحصل خلافه - مع تخلفه - مع وجود هذه الاستطاعة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن" (^١).
الثاني: أنها أخص من الاستطاعة الكونية، فالاستطاعة الشرعية المشروطة في التكليف لم يكتف فيها الشارع بمجرد المكنة ولو حصل معها ضرر، بل جعل القدرة على الفعل مع الضرر كالعجز عنه تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] (^٢)، يزيده إيضاحًا:
رابعًا: أنها صالحة للضدين.
فالاستطاعة السابقة يستطيع بها الفاعل الفعل والترك، فهو قبل الفعل مستطيع مختار، بمعنى أنه لا يلزم من حصول الاستطاعة السابقة وقوع الفعل، بل قد يقع وقد لا يقع.
فعلى ساق الاستطاعة قامت الأحكام الشرعية، والتكليف مع عدمها ممتنع، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
خامسًا: أنها حاصلة للفاعل والتارك.
فلا يختص بها أحدهما، بل هي لكليهما، فالذي قدَّر الله ﷾ له أن يفعل؛ كانت الاستطاعة قبلُ حاصلة له، وإلا لما وقع منه الفعل؛ لأن هذه الاستطاعة سبب في وقوعه، ولا بد حتى يقع الفعل من وجود أسبابه.
_________________
(١) المصدر السابق (١٠/ ٣٢)، وانظر: (١٨/ ١٧٣) منه.
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٣٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٤٩).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
ومن قدَّر عليه ألا يفعل فلا يخلو من أحد حالين:
- أن لا يكون مطالبًا بالفعل أصلًا؛ لعجز أو غيره، فهذا غير داخل فيما نحن بصدده.
- أن يكون مطالبًا به؛ فلا بد من استطاعته عليه، إذ لا تكليف مع العجز، فالتكليف دليل على الاستطاعة.
سادسًا: أنها سبب من أسباب وجود الفعل.
تقدم أن سلامة الآلات التي يكون بها الفعل من جملة أسبابه الوجودية التي يتوقف عليها، فليس وجود هذه الاستطاعة كعدمها، وليست هي متفردة بإيجاده، بل هي من جملة الأسباب، فلا بد للقيام بواجب الحج من وجود أسبابه التي من جملتها وجود الزاد والراحلة، فلا حج بدون زاد وراحلة، ولا مجرد وجود الزاد والراحلة محقق لوقوع الحج.
المسألة الثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.
الاستطاعة المقارنة هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل، هي عبارة عن مجموع القدرة السابقة مع الإرادة الجازمة، اللذين هما المرجح التام للفعل بمشيئة الله ﷾.
قال شيخ الإسلام ﵀: "القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل وصار واجبًا بغيره لا بنفسه. . . ومع القدرة التامة والإرادة الجازمة يمتنع عدم الفعل، ولا يتصور عدم الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة. . . أما مع كمال قدرته وإرادته فلا يتوقف الفعل على شيء غير ذلك والقدرة التامة والإرادة الجازمة هي
[ ٢ / ٥٥٨ ]
المرجح التام للفعل الممكن، فمع وجودهما يجب وجود ذلك الفعل" (^١).
فعدم الفعل إما إن يكون لعدم القدرة عليه، أو لعدم إرادته - أصلًا أو كمالًا -، أو لعدمهما معًا.
وحصول القدرة المقارنة التي يكون بها الفعل هو من التوفيق الذي خص الله ﷾ به الفاعل على التارك، وهذا التوفيق هو هداية الله ﷾ للمؤمن، وخلافه من الإضلال.
لذلك قال الطحاوي ﵀: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل" (^٢).
ومن هنا كان من مذهب أهل السنة أن لله ﷾ على عبده المطيع نعمة دينية أمكنه بها من الطاعة، وسيأتي بيان هذه المسألة في قاعدة مستقلة إن شاء الله.
ومن أحكامها:
أولًا: أنها لا تكون إلا مقارنة للفعل، ولا تصلح إلا له.
فلا يمكن أن تتقدم عليه، كما لا يمكن أن تتأخر عنه.
وذلك لأن الفعل إنما يخرج إلى الوجود بهذه الاستطاعة، فبوجودها يوجد الفعل، وبعدمها يعدم الفعل، فهي موجب الفعل وعلة تامة له، فلا يتصور تقدمها أو تأخرها عنه، لأن العلة التامة تقارن المعلول لا تتقدمه (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ١٦٣)، وانظر: (١/ ٤٠٧) منه، ودرء التعارض (١/ ٤٦)، ومجموع الفتاوى (٧/ ١٨٨).
(٢) الطحاوية مع شرح ابن أبي العز (٢/ ٦٣٣).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٠).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
كما أنها مختصة بالفعل المعين، فلا تكون لغيره.
ثانيًا: أنها لا تصلح للضدين بل للفعل فقط، ومن هنا كانت استطاعة كونية.
أي يلزم من وجودها وجود الفعل ولا يمكن أن يتخلف، فلا يتصور وجودها مع عدم الفعل، لأنها المرجح التام له، يوضحه:
ثالثًا: أنها تختص بالفاعل دون التارك.
فالتارك إنما ترك الفعل لعدم القدرة التامة، أو لعدم الإرادة الجازمة، أو لعدمهما معًا، وعدمه أيًا منهما يخرجه عن كونه مستطيعًا هذه الاستطاعة.
والفاعل إنما صار فاعلًا لقدرته التامة ومشيئته الجازمة، وهما حقيقة الاستطاعة المقارنة، فالفاعل مستطيع بهذا المعنى دون التارك فإنه غير مستطيع.
رابعًا: أنها موجبة للفعل، وسبب تام في وجوده.
وهذا كما تقدم من كون الفعل يخرج إلى الوجود بالاستطاعة المقارنة التي هي القدرة التامة والمشيئة الجازمة.
وهذه الاستطاعة هي المرجح للفعل والسبب التام.
لكن مع كونها كذلك، فإنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من مشيئة الرب ﷾ له، ولا تنافي في ذلك؛ لأن وجود القدرة والمشيئة إنما كان بمشيئة الله وخلقه، فكون الاستطاعة المقارنة مرجحًا للفعل فهذا بمشيئة الله ﷿ لا بنفسها.
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا المعنى فقال: "القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل، وصار
[ ٢ / ٥٦٠ ]
واجبًا بغيره لا بنفسه" (^١).
ولا تنافي كذلك لأن هذه الاستطاعة هي في حقيقة الأمر توفيق من الله ﷾ لعبده، جعله به قادرًا على الطاعة، مريدًا لها.
ولا تنافي كذلك لأن لموجب هذه الاستطاعة موانع لا بد من إزالتها، إذ يبقى بعد وجود القدرة والإرادة زوال الموانع التي تحول دون وجود الفعل.
المسألة الثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.
من خلال ما تقدم تتضح العلاقة بين الاستطاعتين، وملخص ذلك أن الاستطاعة السابقة هي جزء من الاستطاعة المقارنة.
والاستطاعة المقارنة تتضمن الاستطاعة السابقة وزيادة، وهذه الزيادة هي الإرادة الجازمة على القيام بالفعل.
فكل استطاعة سابقة إذا لاقت إرادة جازمة صارتا بمجموعهما قدرة مقارنة تامة، يخرج بها الفعل إلى الوجود بمشيئة الله ﷾.
والحاصل أن مذهب أهل السنة أن الاستطاعة نوعان: سابقة ومقارنة، ولكل واحدة منهما حقيقتها وأحكامها وأدلتها من الكتاب والسنة، والله أعلم.
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٦٣).
[ ٢ / ٥٦١ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة طوائف من المخالفين.
فذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها، وقالوا: ليس للعبد قدرة على فعله ولا استطاعة، وهذا بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله.
حكى عنه ذلك أهل المقالات، فقال البغدادي: "الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها" (^١).
وقال الإسفراييني: "وكان من مذهبه أن لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، فإنهم كلهم مضطرون لا استطاعة لهم بحال" (^٢).
وقال الشهرستاني: "ومنها: قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار" (^٣).
وحكاه ابن حزم عن طائفة من الأزارقة أيضًا (^٤).
_________________
(١) الفرق بين الفرق (١٨٦).
(٢) التبصير في الدين (١٠٧).
(٣) الملل والنحل (٩٨).
(٤) انظر: الفصل (٣/ ٣٣)، والأزارقة: طائفة من الخوارج أتباع نافع بن الأزرق الحنفي، لهم مقالات فارقوا بها المحكمة الأولى وسائر الخوارج، منها: أنهم يقولون أن من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك، ومن لم يهاجر إليهم فهو مشرك وإن كان على معتقدهم، وأطبقوا على أن ديار مخالفيهم ديار الكفر وأن قتل نسائهم وأطفالهم مباح وأن رد أماناتهم لا يجب، وحرَّموا قتل من انتمى إلى اليهود أو النصارى أو المجوس، وأسقطوا الرجم عن الزاني، وجوزوا أن يبعث الله تعالى نبيًّا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرًا قبل البعثة. =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وهذا القول باطل ببدائه العقول، وهو ثمرة مذهبه في الجبر، وأن الإنسان كالريشة في مهب الريح.
وذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير.
قال القاضي عبد الجبار: "فصل في الاستطاعة، وهو الكلام في أن القدرة متقدمة لمقدورها غير مقارنة له"، ثم قال: "وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها" (^١).
وقال: "باب في أن القدرة قبل الفعل. . . إذا أعطى الله ﷿ القدرة والاستطاعة للعبد؛ فقد مكنه بها من الأفعال أجمع، ويصح منه أن يفعل بها الخير والطاعة كما يمكنه أن يفعل بها الشر والمعصية، فلذلك قلنا إنها متقدمة على الفعل" (^٢).
وحكى الأشعري إجماعهم على ذلك فقال: "وأجمعت المعتزلة على أن الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي غير موجبة للفعل" (^٣).
واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولًا: ما تقدم من أدلة على الاستطاعة السابقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
_________________
(١) = انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، والفرق بين الفرق (٧٨)، والفصل (٥/ ٥٢)، والتبصير في الدين (٤٩)، والملل والنحل (١/ ١٣٧).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٣٩٠ و٣٩٦).
(٣) المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٦).
(٤) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]، ونحو ذلك من الآيات.
ثانيًا: أنه لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه (^٢).
ثالثًا: أن القدرة صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لهما لوجب بوجودها وجود الضدين، فيجب في الكافر - وقد كلف الإيمان - أن يكون كافرًا مؤمنًا دفعة واحدة وهو محال (^٣).
رابعًا: أن القدرة لو كانت مع الفعل لكانت قدرة على الموجود فقط، والموجود استغنى بوجوده عن القدرة أصلًا (^٤).
خامسًا: أنه لو كان القادر منا إنما يقدر على الفعل حال وجوده لكان الرب سبحانه كذلك لا يقدر على الفعل إلا حال وجوده، لأن حال القادر لا يختلف (^٥).
_________________
(١) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن (٧٢)، ومتشابه القرآن (١٥٢).
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٩٦)، والمختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٧).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٩٦).
(٤) انظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٦).
(٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وعند النظر في هذه الأدلة يلاحظ أن المعتزلة استدلوا بها على أمرين: على إثبات الاستطاعة المتقدمة، وعلى نفي الاستطاعة المقارنة.
أما دلالتها على إثبات الاستطاعة المتقدمة؛ فصحيحة لا إشكال فيها، النقلية منها، والعقلية في الجملة، حاشا الدليل الأخير؛ فإنه مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا باطل.
وأما دلالتها على نفي الاستطاعة المقارنة فباطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على إثبات الاستطاعة المقارنة، كما دلت على إثبات الاستطاعة السابقة، فإثبات هذه ونفي هذه تشهٍّ وهوى.
الثاني: أن نفي الاستطاعة المقارنة يؤول إلى التسوية بين الفاعل والتارك؛ إذ لا استطاعة يختص بها الفاعل، وهذا باطل.
الثالث: أن القدرة السابقة إما أن تكون تامة أو غير تامة، فإن كانت تامة؛ لزم وجود الضدين إذ القدرة عليهما على السواء وهذا محال، وإن كانت ناقصة فهي غير موجبة للفعل، فيلزم وجود استطاعة أخرى تتممها، وهو المطلوب (^١).
الرابع: أن القدرة غير كافية في وجود الفعل، بل لا بد معها من إرادة ترجح الفعل على الترك، والقدرة مع الإرادة الجازمة موجبة للفعل بإذن الله، وهما حقيقة القدرة المقارنة - كما تقدم - (^٢).
ومذهب المعتزلة في الاستطاعة مبني على قولهم بنفي التوفيق وأن يكون للرب سبحانه على المطيع نعمة خاصة به يعينه بها على الطاعة، بل إقدار الرب
_________________
(١) انظر: الفصل (٣/ ٥١ - ٥٢).
(٢) وانظر: منهاج السنة (٣/ ٤٥ - ٤٦).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
سبحانه وإعانته للمطيع والعاصي سواء، ولكن هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد الذي أعطى كل واحد من ابنيه سيفًا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به الطريق.
وهذا مردود باتفاق أهل السنة والجماعة على إثبات نعمة دينية خص الله بها المطيع دون العاصي، أعانه بها على الطاعة (^١).
وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة للفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه.
قال الباقلاني: "ويجب أن يعلم أن الاستطاعة للعبد لا تكون إلا مع الفعل، لا تجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه" (^٢).
وقال أيضًا: "فإن قال: فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه، أو في حال اكتسابه؟ قلنا: لا، بل في حال اكتسابه، ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك" (^٣).
وقال الرازي: "مسألة: القدرة مع الفعل خلافًا للمعتزلة: لنا أن القدرة عرَض؛ فلا تكون باقية، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون قادرًا على الفعل؛ لأن حال وجود القدرة ليس إلا عدم الفعل، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدورًا، وحال حصول الفعل لا قدرة" (^٤).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) الإنصاف (٤٤).
(٣) التمهيد (٣٢٤ - ٣٢٥).
(٤) المحصل (١٠٥ - ١٠٦).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وقال: "مسألة: القدرة لا تصلح للضدين خلافًا للمعتزلة" (^١).
وقال الآمدي: "مذهب أهل الحق من الأشاعرة: أن القدرة الحادثة لا تتقدم على مقدورها ولا تتعلق به قبل حدوثه، بل وقت حدوثه" (^٢).
وقال أيضًا: "مذهب أكثر أصحابنا امتناع تعلق القدرة الحادثة بمقدورين معًا" (^٣).
وقال التفتازاني: "القدرة الحادثة على الفعل لا توجد قبله خلافًا للمعتزلة" (^٤).
وعقد الأشعري في كتابه "اللمع" بابًا في الكلام في الاستطاعة، قرر فيه أن الاستطاعة لا تكون إلا مقارنة للفعل (^٥).
واستدلوا لمذهبهم بأمور منها:
أولًا: ما تقدم من أدلة على ثبوت الاستطاعة المقارنة، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] (^٦).
وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] (^٧)، ونحوهما من الآيات.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
_________________
(١) المصدر السابق (١٠٧).
(٢) أبكار الأفكار (٢/ ٢٩٦).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٠٨).
(٤) المقاصد مع شرحه (٢/ ٣٥٣).
(٥) انظر: اللمع (٩٣) وما بعدها.
(٦) انظر: المصدر السابق (٩٩)، والإنصاف (٤٤).
(٧) انظر: اللمع (٩٩)، والإنصاف (٤٤)، وشعب الإيمان (١/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فلو كانت القدرة سابقة على الفعل لما كان لطلبه معنى، ولصح أن يقول له الله سبحانه: قد جعلتك مقيمًا، ويكون الإنسان مستغنيًا عن معونة ربه سبحانه (^١).
ثانيًا: أنه لو لم تكن القدرة الحادثة متعلقة بالفعل حال حدوثه؛ لما كانت متعلقة به أصلًا، واللازم ممتنع؛ فالملزوم ممتنع (^٢).
ثالثًا: أن القدرة عرض، والعرض لا يبقى، فلو كانت متقدمة على الفعل للزم وقوعه مع عدم القدرة، وهو محال (^٣).
رابعًا: أن من لم يخلق الله سبحانه له استطاعة محال أن يكتسب شيئًا، فلما استحال أن يكتسب الفعل إذا لم تكن استطاعة؛ صح أن الكسب إنما يوجد لوجودها، وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل للفعل (^٤).
فالاستطاعة مع الكسب كالعلة مع المعلول، ولا يصح تقدم العلة على المعلول، فلا يصح تقدم الاستطاعة على الكسب (^٥).
هذه أهم أدلتهم، وقد أرادوا منها أمرين: إثبات الاستطاعة المقارنة، ونفي الاستطاعة السابقة.
فأما دلالتها على الاستطاعة المقارنة، فصحيحة خلا الدليل الثالث، فإن
_________________
(١) انظر: الإنصاف (٤٥)، والتمهيد (٣٢٥).
(٢) انظر: أبكار الأفكار (٢/ ٢٩٨)، والإنصاف (٤٥).
(٣) انظر: اللمع (٩٣ - ٩٤)، والإرشاد للجويني (٢١٩)، والتمهيد (٣٢٥)، وشرح السنوسية (١٨٦)، والمقاصد وشرحه (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٤) انظر: اللمع للأشعري (٩٦ - ٩٧).
(٥) انظر: شعب الإيمان (١/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
مذهب الأشاعرة بأن العرض لا يبقى زمانين "قول محدَث في الإسلام، لم يقله أحد من السلف والأئمة، وهو قول مخالف لما عليه جماهير العقلاء من جميع الطوائف" (^١)، والحس يكذبه؛ فإن كل أحد يدرك أن لون ثوبه في لحظة هو لونه في لحظة تالية وهكذا.
وأما استدلالهم بها على نفي الاستطاعة السابقة فباطل من وجوه:
الأول: دلالة الأدلة الصحيحة الصريحة على إثبات الاستطاعة السابقة - كما تقدم - فنفيها معارضة لهذه الأدلة وإبطال لها.
الثاني: أن نفي القدرة السابقة لا يجعل للتارك استطاعة، وإذا لم يكن مستطيعًا كان معذورًا، وهذا معلوم البطلان، يوضحه:
الثالث: أن القول بنفي الاستطاعة المتقدمة يعود على التكليف بالإبطال، إذ الاستطاعة المتقدمة هي مناط التكليف، وهذا باطل.
وقد التزم الأشاعرة لذلك القول بالتكليف بما لا يطاق، قال الأشعري: "ومما يبين ذلك [أي أن الاستطاعة مع الفعل] أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]، وقال: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وقد أمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه، فدل ذلك على جواز تكليف ما لا يطاق، وأن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعًا" (^٢).
الرابع: أن الاستطاعة المقارنة متضمنة للاستطاعة السابقة وزيادة هي الإرادة الجازمة بتوفيق الله سبحانه، فنفي الاستطاعة المقارنة هجر من القول،
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٣٢)، وانظر: درء التعارض (٤/ ٢٦٨).
(٢) اللمع (٩٩).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
إذ حقيقته إنكار الاستطاعة أصلًا، وهذه هي حقيقة قول الأشاعرة، فإنهم لم يجعلوا للعبد في الاستطاعة المقارنة أثرًا، وهذا مبني على قولهم في خلق الأفعال، وأن للإنسان قدرة غير مؤثرة على فعله، فهو كما عبَّر الرازي - وأحسن في التعبير -: "مجبور في صورة مختار" (^١).
الخامس: أن كل أحد يجد من نفسه قدرة على كثير مما لم يفعله، وهذه القدرة لا يمكن أن تكون مقارنة، إذ لا فعل حينئذ تقارنه.
وقد تأول الأشاعرة ما ورد من أدلة على الاستطاعة السابقة بغير استطاعة البدن، فتأولوا استطاعة الحج بالمال الذي هو الزاد والراحلة، وتأولوا استطاعة خروج المنافقين بالمال والجِدة والظَّهر (^٢).
وتبعًا لقول الأشاعرة والمعتزلة بأن الاستطاعة واحدة لا غير؛ فإنهم اختلفوا في بقاء الاستطاعة ودوامها.
أما الأشاعرة فذهبوا - كما تقدم - إلى أن الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين، ووافقهم على ذلك الماتريدية مع قولهم بالاستطاعتين (^٣).
وأما المعتزلة فاختلفوا فيما بينهم في ذلك كما حكاه الأشعري في المقالات.
_________________
(١) عزاه للرازي في تفسيره: ملا علي قاري في شرح الفقه الأكبر (١٦٠)، ولم أقف عليه في تفسيره، وهذه العبارة قررها كذلك: التفتازاني في شرح المقاصد (٤/ ٢٣١) فقال: "ولهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر وإن كان في الحال الاختيار، وأن الإنسان مضطر في صورة مختار"، وانظر: (٤/ ٢٦٣) منه، والبيجوري كذلك في تحفة المريد (١٧٦) فقال: "وبالجملة فليس للعبد تأثير ما، فهو مجبور باطنًا مختار ظاهرًا".
(٢) انظر: اللمع (١٠٥ - ١٠٦).
(٣) انظر: التوحيد للماتريدي (٢٥٦) وما بعدها، والتمهيد للنسفي (٢٥٧) وما بعدها.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
فذهب أكثر المعتزلة إلى أنها تبقى.
وذهب أبو القَاسِم البَلخِي (^١) وبعض المعتزلة إلى أنها لا تبقى وقتين، وأن الفعل يوجد في الوقت الثاني بالقدرة المتقدمة المعدومة، ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز، بل يخلق الله في الوقت الثاني قدرة فيكون الفعل واقعًا بالقدرة المتقدمة.
وهذا قولهم في الفعل المباشر، فأما المتولد فقد يجوز عندهم أن يحدث بقدرة معدومة وأسباب معدومة، ويكون الإنسان في حال حدوثه ميتًا أو عاجزًا (^٢).
وهذه الأقوال لا دليل عليها يعضدها، لا من جهة الشرع ولا من جهة العقل، بل هما على خلافها، أما الشرع فلعدم الدليل على ذلك، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل هذه الأقوال لم تُحْكَ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها.
وأما العقل؛ فلأنه لا يعقل وجود الفعل إلا مع وجود القدرة عليه، إذ القدرة عليه شرط وجودي له، ووجود الشيء مع عدم شرطه الوجودي باطل (^٣).
وأما التزام بعضهم وقوع الفعل مع عدم القدرة؛ فهو باطل، لأن القدرة إذا ارتفعت وقع نقيضها وهو العجز، فيكون الفعل مقدورًا معجوزًا عنه في آن معًا، وهو محال.
_________________
(١) هو: أبو القاسم، عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة، تنسب إليه طائفة "الكعبية" المعتزلية، من كتبه: التفسير"، و"تأييد مقالة أبي الهذيل"، مات ببلخ سنة (٣٢٩ هـ) وقيل غير ذلك. انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٥٥).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).
(٣) انظر ما تقدم ص (٥٥٥).
[ ٢ / ٥٧١ ]
المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المبحث الثالث: "ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به"
هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بباب القدر، ومبناها على مسألة الاستطاعة.
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الطحاوي ﵀: "الله ﷿ لم يكلفنا ما لا نطيق، ولم يتعبدنا بما نحن عنه عاجزون" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ما لا يطاق يُفسَّر بشيئين: يُفسَّر بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدًا.
ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده فهذا هو الذي وقع فيه التكليف" (^٢).
وقال ﵀: "فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل؛ فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها؛ فلا
_________________
(١) شرح مشكل الآثار (٩/ ٢٠٦).
(٢) منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، وانظر: (٣/ ١٠٤) منه.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير.
وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين" (^١).
وقال مرعي الكرمي ﵀: "اعلم أن تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه بطريق الآلات. . . فهذا غير واقع في الشريعة ولم يكلف الله به أحدًا.
ثانيهما: تكليف ما لا يطاق للاشتغال بضده مع سلامة الآلات. . . والتكليف بهذا واقع بالاتفاق" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠).
(٢) رفع الشبهة والغرر (٤٨).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
عند التأمل في نصوص الكتاب والسنة يلاحظ أن النفي لما لا يطاق فيها متوجه إلى ما يعجز عنه، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده؛ فهذا لم يرد في النصوص كما سيأتي، ومن النصوص الدالة على أن الله لا يكلف العباد ما يعجزون عنه:
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الطبري ﵀: "لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (^١).
وقال ابن كثير ﵀: "أي لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم" (^٢).
وقوله في الآية نفسها: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، مع قول الله ﷿: (قد فعلت) (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال ابن جرير ﵀: "لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
_________________
(١) تفسير الطبري (٥/ ١٥٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٢٦).
(٣) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (١/ ١١٦) ح (١٢٦)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) تفسير الطبري (٤/ ٢١٢).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مسألة تكليف ما لا يطاق مبنية على مسألة الاستطاعة ومتفرعة عنها، وقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان مقدمتين:
الأولى: معنى الطاقة.
الطاقة في اللغة: اسم يوضع موضع المصدر، يقال: أطاق يطيق إطاقة وطاقة، والطاقة: هي القدرة على الشيء، ومنه قولهم: طوقني الله أداء حقك، أي: قوَّاني (^١).
واستخدمت الطاقة في الشرع بمعناها اللغوي لكن على وجه أخص؛ فالطاقة في الشرع: القدرة على الشيء من غير ضرر يلحق الفاعل.
الثانية: إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة.
أخبر الله ﷿ أنه لا يكلف نفسًا فوق طاقتها وقدرتها، رحمةً منه ﷾.
وهذا القدر من مسألة تكليف ما لا يطاق شرعي لا إشكال فيه، وهو القدر الذي عرفه الصحابة ﵃ وسلف الأمة، مع كونهم لم يسموه تكليف ما لا يطاق.
ثم لما تكلم من بعدهم في هذا المعنى وأضافوا صورًا غير شرعية صار هذا المعنى مجملًا مشتملًا على حق وباطل، فتوجب التفصيل فيه رفعًا للاشتباه وتمييزًا للحق منه عن الباطل.
قال شيخ الإسلام بعد ذكر التفصيل في هذه المسألة: "وإذا عرف هذا؛
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢٤٢)، القاموس المحيط (٣/ ٢٥١)، ولسان العرب (١٢/ ١٠١)، مادة: (طوَق).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام" (^١).
فمناط كون هذا الإطلاق بدعة أمران:
الأول: أن الشارع وكذا الصحابة والتابعون لم يطلقوه.
الثاني: أنه مجمل مشتمل على حق وباطل.
والكلام في هذه القاعدة في مسائل:
المسألة الأولى: معنى التكليف بما لا يطاق.
ما لا يطاق يفسر بشيئين كما ذكر أهل العلم (^٢):
الأول: ما لا يطاق للعجز عنه.
الثاني: ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده.
أما القسم الأول؛ فهو على نوعين:
أولهما: ما يُعجز عنه لا لاستحالته في نفسه، ولكن لعدم القدرة عليه مع كونه ممكنًا في نفسه، وهذا على ضربين:
- ما يكون سببه ضعف الوسائل والآلات التي يكون بها الفعل، كمن عجز عن حضور الجماعة لمرض يعوقه.
- ما يكون سببه ضرر يلحق الفاعل من زيادة مرض أو خوف ضرر معتبر في الشرع، مع سلامة الآلات والوسائل.
ثانيهما: ما يُعجز عنه لاستحالته في نفسه، وهو على نوعين كذلك:
- ما هو ممتنع عادةً، كتكليف الأعمى نقط المصحف، وتكليف
_________________
(١) درء التعارض (١/ ٦٥).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠)، ورفع الشبهة والغرر (٤٨).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
المقعد بالمشي.
- ما هو ممتنع في نفسه، كالجمع بين الضدين، كالتكليف بالنطق والسكوت في آن واحد.
ولهذا القسم أحكام:
الأول: أنه مشتمل على ما هو شرعي وما هو غير شرعي.
فالذي جاء في النصوص أن الله ﷿ لم يكلف عباده ما يعجزون عنه، أو ما يقدرون عليه مع نوع مشقة وضرر - كما تقدم في الأدلة -.
وأما ما هو ممتنع؛ سواء كان امتناعه في نفسه أو في العادة؛ فهذا - مع القول بأنه لم يقع التكليف به - فإنه لم يأت إطلاقه في النصوص.
وكذلك مع كونه لم يرد في النصوص فإنه خطأ في نفسه؛ فإن الممتنع ليس بشيء أصلًا - كما تقدم - (^١)، فكيف يوصف العبد بعدم إطاقته؟
وهذا القسم - أعني الممتنع - إنما ذكَره مَن ذكَره مِن أهل العلم في معرض الرد على المخالفين، ومخاطبتهم باصطلاحهم، وإلا فهو في حقيقة الأمر غير داخل في هذا القسم لما تقدم.
الثاني: أنه متعلق بمسائل الأمر والنهي لا بمسائل القضاء والقدر.
لمسألة تكليف ما لا يطاق تعلقان: تعلق بالأمر والنهي، وتعلق بالقدر، فما كان منها راجعًا إلى العجز؛ فإنه متعلق بالشرع، وما كان منها راجعًا إلى الاشتغال بالضد؛ فإنه متعلق بالقدر.
وعلاقة ما لا يطاق للعجز عنه بالأمر والنهي: أن النزاع فيه يتعلق بهما،
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٢٧١ - ٢٧٢).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
بمعنى: هل يكلف العبد بالقيام بالأمر مع عدم هذه الإطاقة أو لا يكلف؟ بقطع النظر عن وقوع الامتثال منه من عدمه.
فعدم التكليف لما يطاق في هذا القسم هو أن الله ﷿ لحكمته ورحمته - لم يأمر عباده وينهاهم عما إذا أرادوا امتثاله عجزوا عنه، وإن كان قد يكلفهم بما يقدرون عليه وإن لم يريدوه (^١)؛ إذ لا تلازم بين أمره سبحانه الشرعي وإرادته الكونية - كما تقدم في مبحث مستقل -، يوضحه:
الثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المتقدمة لا المقارنة.
وذلك لأن الاستطاعة المتقدمة هي التي تتعلق بالأمر والنهي دون المقارنة؛ فإنها تتعلق بالقدر، وسيأتي بيان علاقة تكليف ما لا يطاق بالاستطاعة.
وأما القسم الثاني: وهو ما لا يطاق للاشتغال بضده، فالمراد به أن المكلف المتلبس بخلاف ما أمر به غير مطيق لما أمر به، بمعنى أنه غير قادر على الإتيان به، كتكليف المشتغل عن الصلاة بغيرها في وقت أدائها، سواء كان هذا المشتغَل به مباحًا أو محرمًا أو مكروهًا أو أقل وجوبًا من الفعل المأمور به، وكتكليف الكافر بالإيمان حال كفره.
فحقيقة هذا القسم أن من لم يفعل المأمور به فقد كُلف ما لا يطيق.
ومأخذ ذلك أن الفعل لا بد في وجوده من قدرة تامة، وإرادة جازمة، فإذا انصرفت الإرادة عن الفعل المأمور به إلى ضده لم يوجد الفعل، لا لنقص القدرة، وإنما لاشتغال الإرادة؛ لأن الإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر.
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٦١٣ - ١٦١٤).
[ ٢ / ٥٨١ ]
ومأخذ توجه الأمر به إليه - والحالة هذه - هو إمكان أن يترك ذلك الضد ويفعل الضد المأمور به (^١).
ولهذا القسم أحكام:
الأول: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق عليه إطلاق غير شرعي، كما سيأتي التنبيه عليه.
الثاني: أنه متعلق بمسائل القضاء والقدر لا بمسائل الأمر والنهي.
وذلك لأن البحث فيه هو في الفعل المأمور به من حيث وقوعه من عدمه، لا في توجه الأمر به، يوضحه:
الثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المقارنة لا المتقدمة.
لأن وقوع الفعل متوقف على الاستطاعة المقارنة لا المتقدمة.
المسألة الثانية: جواز التكليف بما لا يطاق من عدمه.
المقصود بهذه المسألة بيان هل كُلِّف العباد ما لا يطيقون؟ وهي في الحقيقة ثمرة للمسألة السابقة وهي تقسيم ما لا يطاق.
وقبل الشروع فيها يُنبه على أمرين:
الأمر الأول: أن لهذه المسألة مآخذ (^٢)، من حقق الصواب فيها هدي إلى الحق في هذه المسألة، ومن لا فلا.
أولها: أن الصواب أن الاستطاعة نوعان: سابقة مصححة، ومقارنة موجبة، فالأولى شرط في التكليف دون الثانية.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٥).
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٦١٣ - ١٦١٤).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ثانيها: أن تعلق علم الله ﷿ بعدم وقوع الفعل لا يخرجه عن كونه مقدورًا للعبد القدرة المصححة السابقة، وإن أخرجه عن كونه مقدورًا له القدرة المقارنة الموجبة له.
ثالثها: أن ما تعلق علم الله سبحانه بأنه لا يكون من أفعال المكلفين؛ إما أن يكون لعدم قدرة العبد عليه، وإما أن يكون لعدم إرادة العبد له، وإما أن يكون لعدم مشيئة الله له.
فالأول: لا يكلف العبد به لعجزه عنه، إذ القدرة مناط التكليف.
وأما الثاني: فيجوز الأمر به ووقوعه، ولا يخرجه عدم إرادة العبد عن الإمكان.
وأما الثالث: فلا يخرجه عدم مشيئة الرب سبحانه له عن كونه ممكنًا في نفسه، كما لم تخرجه مشيئة العبد عن كونه ممكنًا في نفسه؛ إذ أن مناط الإمكان هو قدرة العبد لا إرادته، فلا يمتنع التكليف بما لو أراده الفاعل لفعله - بعد مشيئة الله ﷿، وإنما يمتنع بما لو أراده لم يقدر عليه.
الأمر الثاني: أن النزاع في هذه المسألة يتنوع باعتبارين:
الأول: بالنظر إلى المأمور به، أي من حيث وقوعه من عدمه.
الثاني: بالنظر إلى جواز الأمر به (^١)، فمن لم يفرق بين هذين الاعتبارين لم يوفق للحق في هذه المسألة، والفرق بينهما ثابت من وجوه:
- أن جواز الأمر به متعلق بوجود شرط التكليف وهو القدرة، بقطع النظر عن الوقوع من عدمه، فمتعلقه هو الشرع، وأما وقوعه
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ٦٤ - ٦٥)، وبدائع الفوائد (٤/ ١٦١٤ - ١٦١٥).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
فمتعلق بالقدر ومشيئة الرب ﷿ له.
- أن جواز الأمر به لا تعلق له بإرادة العبد له؛ بل يأمر سبحانه بالفعل من يريده ومن لا يريده من المكلفين، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وأما وقوعه فهو مشروط بإرادة العبد له، ولا يمكن وقوعه بدونها.
- أن جواز الأمر به لا يستلزم مشيئة الرب سبحانه له، بل يأمر سبحانه شرعًا بما لم يرد وقوعه كونًا - كما تقدم (^١) -، وأما وقوعه فلا بد فيه من مشيئته سبحانه، إذ لا يخرج شيء في الوجود عنها.
ويلاحظ أن كلا الأمرين السابقين مبنيان على مسألة الاستطاعة والتفريق بين المتقدمة منها والمقارنة، ومن هنا تظهر العلاقة بين الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق، وأن من وفق للصواب في الأولى وفق للصواب في الثانية ومن لا فلا، والله الموفق.
إذن فتكليف ما لا يطاق ينبني على مسألة الاستطاعة، فمتى وجدت الاستطاعة المتقدمة المصححة للفعل وجد التكليف، ولا يكون حينئذ تكليفًا بما لا يطاق بل هو مما يطيقه العباد باعتبار القدرة عليه، ومتى فقدت عُدِم التكليف ولم يتوجه.
وكل من وجد منه الفعل المأمور به فقد أطاقه بالمعنى القدري، ويكون قد كُلف بما أطاقه قدرًا، ومن لم يوجد منه الفعل فهو غير مطيق له، لا من جهة الوسع والقدرة - إذ لولاهما ما خوطب به ابتداءً - وإنما من جهة عدم وقوعه
_________________
(١) سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث مستقل، انظر ص (٥٢٣) وما بعدها.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
منه لانشغال إرادته بضدٍّ له.
وبعبارة أخرى: تكليف ما لا يطاق قسمان:
- ما لا يطاق للعجز عنه، سواء كان لضعف أسبابه أو وجود أضدادها، أو كان لاستحالته في نفسه أو عادة؛ فهذا لا يجوز التكليف به، فحكمة الله سبحانه ورحمته وعدله وكرمه وسائر صفات كماله تمنع منه.
وقد اتفق حملة الشريعة على عدم التكليف به.
- ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده، فهذا يجوز التكليف به (^١).
على أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا القسم بدعة من القول في الشرع واللغة، أما في الشرع: فلأنه لا يقال لمن لم يؤمر بالحج مع استطاعته إنه مكلف بما لا يطيق، بل يقال: هو لم يستطع الحج - أي الاستطاعة المقارنة، وإن كان مستطيعًا له استطاعة الوسائل والآلات - (^٢).
وأما في اللغة: فلأن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، ومضمون تسمية ما لم يفعله العبد تكليفًا بما لا يطاق: أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! (^٣).
المسألة الثالثة: ما لا يطاق مما لم يكلِّف الله سبحانه به قسمان:
- ما لا يطاق في أصل الشرع، فالشرع موافق لطاقة المكلفين من
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠)، ورفع الشبهة والغرر (٤٨).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٥).
(٣) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٤ و٦٥٦).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
حيث الجملة؛ فلم يشرع الله سبحانه من الأحكام ما لا يقدر عليه عموم المكلفين، بحيث لا يقدر عليه أحد منهم، بل شرع ما يقدرون عليه بالجملة، وإن كان يوجد في المعينين من لا يقدر على بعض ما شرعه الله تعالى.
- ما لا يطاق في حق المعينين، فلا يطالب المعين من المكلفين بما لا يقدر عليه، وإن كان يقدر عليه بنوع مشقة.
ومن هنا جاءت الشريعة بالتيسير، فخفف عن المعينين من التكاليف ما لا قدرة لهم عليه البتة، وما لهم عليه قدرة لكن مع مشقة تلحقهم.
مثال الأول: تكليف الفقير بالزكاة، فالفقير لا قدرة له على الزكاة أصلًا، فلذلك لم يطالب بها.
ومثال الثاني: جهاد الأعرج والأعمى والمريض، فالأعرج قادر على الجهاد وكذا الأعمى والمريض، لكنه شاق عليهم، فخفف الله سبحانه عنهم ولم يوجبه عليهم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
وقد سبق الكلام على الاستطاعة الشرعية وكونها أخص من الاستطاعة الكونية بما أغنى عن إعادته هنا (^١).
ومن هنا كانت الطاقة قسمان كالاستطاعة: طاقة شرعية، وطاقة كونية.
ومن الأدلة على هذا حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: (من هذه؟) قالت: فلانة؛ تذكر من صلاتها قال:
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٥٥٧).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
(مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا)، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (^١)، فهذه المرأة مطيقة كونًا لهذا القيام، بدليل أنها فعلته، وقد جعله النبي ﷺ فوق الطاقة.
ومثله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والوصال) - مرتين - قيل: إنك تواصل؟ قال: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تطيقون) (^٢).
قال ابن الوزير ﵀: "فسمح ﷾ مما يطاق الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو، ولم يبق من التكاليف إلا ما جعله سببًا لرحمته وفضله وكرامته" (^٣).
ومن هنا يعلم خطأ من أطلق القول بأن العباد لا يطيقون إلا ما كَلَّفهم ربهم، لأنه إذا قصد بالطاقة هنا السابقة للفعل التي هي سلامة الآلات؛ فغير صواب لما تقدم من أن في طاقة العبد فعل أكثر مما كلفه الله به، ولكن الله خفف ويسر على المكلفين رحمة منه ﷾، وإن قصد بها المقارنة فالمعنى صحيح، لكن هذا الإطلاق بدعة في اللغة والشرع كما تقدم (^٤).
فالحاصل أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، وأنه لا بد
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة (٢/ ٥٤) ح (١١٥١).
(٢) رواه البخاري: كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (٣/ ٣٨) ح (١٩٦٦)، ومسلم كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (٢/ ٧٧٤) ح (١١٠٣).
(٣) إيثار الحق (٣٢٦).
(٤) انظر ما تقدم ص (٥٧٨ - ٥٧٩).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، على أن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة الجبرية من جهمية وأشاعرة، والقدرية المعتزلة.
فذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل.
قال الشهرستاني في حكاية مقالات الجهم: إن "الثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر، قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا كان جبرًا" (^١).
وهذا قول باطل مصادم للنصوص القطعية الدالة على أن الله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، على ما تقدم بيانه.
وذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، قال الرازي: "قال أهل السنة [يريد الأشاعرة]: لا يمتنع تكليف ما لا يطاق، وقالت المعتزلة: إنه لا يجوز" (^٢).
وعلة ذلك عندهم أنه لا يجب على الله سبحانه شيء ولا يقبح منه شيء؛ إذ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه، إلا أنه عندهم مراتب (^٣):
الأول: ما لا يطاق لعلم الله بعدم وقوعه أو لعدم إرادته له، أو للخبر عنه بأنه لا يقع، فإن مثله لا تتعلق به القدرة الحادثة لأن القدرة مع الفعل ولا تتعلق بالضدين.
قالوا: والتكليف بهذا جائز، بل هو واقع إجماعًا، إذ لو لم يكن واقعًا لما
_________________
(١) الملل والنحل (٩٨).
(٢) أصول الدين (٩١).
(٣) انظر: المواقف (٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
كان العاصي مكلَّفًا حال معصيته.
الثاني: الممتنع عادة، فهذا جائز عندهم، وإن لم يقع بالاستقراء.
الثالث: ما لا يطاق لامتناعه في نفسه، فهذا التكليف به عندهم فرع تصوره، فمن تصوره منهم قال بجواز التكليف به، ومن لا؛ منع ذلك.
قال الجويني: "تكليف ما لا يطاق تكثر صوره، فمن صوره تكليف جمع الضدين، وإيقاع ما يخرج عن قبيل المقدورات، والصحيح عندنا أن ذلك جائز غير مستحيل" (^١).
ومن أدلتهم على ذلك:
أولًا: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقد تضمنت الآية الاستعاذة من التكليف بما لا يطاق، فلو لم يكن ذلك ممكنًا؛ لما ساغت الاستعاذة منه (^٢).
ثانيًا: أن الله قد كلف الكافر الذي مات على كفره بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، فهو مكلف بفعل الإيمان مقارنًا للعلم بعدم الإيمان، وهذا تكليف بما لا يطاق (^٣).
ثالثًا: أن القدرة على الكفر والإرادة له من خلق الله سبحانه، ومجموعهما يوجب الكفر، فإذا كلفه بالإيمان فقد كلفه بما لا يطاق (^٤).
_________________
(١) الإرشاد (٢٢٦).
(٢) انظر: الإرشاد (٢٢٨)، والتمهيد (٣٣٣).
(٣) انظر: أصول الدين (٩١).
(٤) انظر: أصول الدين (٩١).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
رابعًا: الاتفاق على جواز تكليف العبد القيام مع كونه قاعدًا حالة توجه الأمر عليه، وهذا من تكليف ما لا يطاق، لأن وقوع القيام مقدورًا من غير قدرة عليه مستحيل كجمع الضدين، وإنما المأمور به قيام مقدور عليه (^١).
خامسًا: أن أبا لهب كُلف بالإيمان، ومما كلف أن يؤمن به قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ومضمون هذه الآية أنه لن يؤمن؛ فأضحى مكلَّفًا بالإيمان بأنه لا يؤمن.
وكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بما لا يطاق (^٢).
والجواب على أدلتهم:
أما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الآية دلت على ما ذكروه من إمكان التكليف بما لا يطاق، لكن ليس المراد بهذا التكليف بما لا يطاق ما ذكروه، من وجهين:
الأول: أن المراد به أن يكلفهم ما يطيقونه بمعنى أنهم يقدرون عليه، لكن مع مشقة وعسر، كما جاء في تفسير الآية.
قال ابن الأنْبَاري ﵀ (^٣): "المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا
_________________
(١) انظر: الإرشاد (٢٢٦).
(٢) انظر: الإرشاد (٢٢٧ - ٢٢٨)، وأصول الدين (٩١)، والأربعين للرازي (١/ ٣٢٩)، والاقتصاد في الاعتقاد (١٨١).
(٣) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري، المقرئ النحوي، ولد سنة (٢٧١ هـ)، من كتبه: "كتاب الوقف والابتداء"، و"غريب الحديث"، قال أبو بكر الخطيب: كان ابن الأنباري صدوقًا ديِّنًا من أهل السنة، توفي ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٢٩٩)، والسير (١٥/ ٢٧٤)، وبغية الوعاة (١/ ٢١٢).
[ ٢ / ٥٩١ ]
مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك لكنه يثقل عليه" (^١).
وقد ذكر في تفسير الآية خمسة أقوال، ليس منها ما ذكروه (^٢):
- فقيل: إنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك والسدي وابن زيد والجمهور.
- وقيل: إنه المحبة، قاله إبراهيم.
- وقيل: الغُلمة، قاله مكحول.
- وقيل: حديث النفس ووساوسها.
- وقيل: عذاب النار.
والأقوال الأربعة الأخيرة ترجع إلى الأول، وهو ما ذكره ابن الأنباري ﵀.
الثاني: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على المشتغَل بضده لم يرد في الشرع كما تقدم، وحيثما جاء إطلاق ما لا يطاق في نصوص الشرع؛ فإنما يرجع إلى القدرة المتقدمة على الفعل، أو إلى الابتلاء.
وهذا الجواب مبني على ما ثبت في النصوص من التفريق بين الاستطاعة السابقة والمقارنة (^٣).
_________________
(١) انظر: زاد المسير (١/ ٣٤٦)، والبحر المحيط (٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: زاد المسير (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وتفسير القرطبي (٤/ ٥٠٣).
(٣) انظر ما تقدم ص (٥٤٩) وما بعدها.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وأما الدليل الثاني؛ فلا ريب أن الكافر الذي مات على الكفر كان مكلفًا بالإيمان، وأنه لم يطقه، فهو مكلف حقيقة بما لم يطقه، لكن ليس في هذا دلالة على مذهبهم من وجوه:
الأول: أن هذا الكافر كان قادرًا على الإيمان، إذ لو عجز لما كان مكلفًا، فمن هذه الحيثية لم يكلف ما لا يطيق، لكن من جهة كونه كان مشتغلًا بضد ما كلف به كان مكلفًا بما لم يطقه، يوضحه:
الثاني: أن ما لا يطاق له جانبان: كوني وشرعي، فالشرعي لم يكلف الله أحدًا ما لا يطيقه، أي ما يعجز عنه، وأما الكوني: فقد يكلف الله من علم أنه لن يفعل، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة في الشرع (^١).
الثالث: أن الفرق ثابت بين ما لا يطاق وبين ما لم يطق، فالأول راجع إلى الاستطاعة الشرعية، والثاني راجع إلى الاستطاعة الكونية المقارنة، وحقيقة البحث هي في الاستطاعة الشرعية لا الكونية، لأنهم يتكلمون فيها بجواز ووجوب ومنع.
وبهذا يتبين أن من وفق لمعرفة أن الاستطاعة متقدمة ومقارنة، وفق للصواب في التكليف بما لا يطاق.
وأما الدليل الثالث؛ فلا ريب أن أفعال العباد مخلوقة للرب سبحانه، وأن من لم يقع منه الفعل؛ فإنما لم يقع لعدم مشيئة الله وخلقه له، لكن من لم يشأ الله إيمانه ممن خاطبه بالإيمان لم يكلفه ما لا يطاق من جهة الوسع والآلة، وإن كان مكلفًا بما لا يطاق من جهة الاشتغال بالضد، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة كما تقدم.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٥٧٨ - ٥٧٩).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وأما الدليل الرابع؛ فجوابه ما تقدم من الفرق بين التكليف الراجع إلى الاستطاعة السابقة والمقارنة؛ فالقاعد المكلف بالقيام حال القعود لم يكلف ما لا يطيق بهذا الاعتبار، وإن كان كلف ما لا يطيق باعتبار عدم الاستطاعة المقارنة، لكن لا يطلق عليه أنه كلف ما لا يطيق.
وأما الدليل الخامس؛ فهو خطأ؛ إذ أن أبا لهب لما نزلت فيه الآية كانت قد حقت عليه كلمة العذاب، كالكافر الذي عاين الملائكة في النزع، وكالأقوام المعذبة لما عاينت العذاب، فهؤلاء صاروا بعد استحقاق العذاب غير مخاطبين بأمر الرسل بالإيمان (^١).
ولهذا فقد ضعف بعض الأشاعرة هذا الدليل، قال الإيجي: "وبه يعلم أن كثيرًا من أدلة أصحابنا مثل ما قالوه في إيمان أبي لهب؛ نصب للدليل في غير محل النزاع" (^٢).
وذهبت المعتزلة إلى عدم جواز تكليف ما لا يطاق.
قال القاضي عبد الجبار: "لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها؛ لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح" (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢١) و(٨/ ٣٠٢).
(٢) المواقف (٣٣١).
(٣) شرح الأصول الخمسة (٣٩٦)، وانظر: المختصر في أصول الدين له (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٨ و٢٥٨).
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وحكى الأشعري اتفاقهم على ذلك فقال: "وأنكروا بأجمعهم أن يكلف الله عبدًا ما لا يقدر عليه" (^١).
ومن أدلتهم:
الأول: ما جاء من نصوص تدل بمنطوقها على أن الله لا يكلف أحدًا ما لا يطاق، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (^٢).
الثاني: أن تكليف ما لا يطاق قبيح، والله سبحانه لا يفعل القبيح (^٣).
الثالث: أن القدرة سابقة على مقدورها صالحة للضدين، غير مقارنة له، فالكافر المكلف بالإيمان قادر عليه، فلم يكلف ما لا يطيق (^٤).
فالمعتزلة أصابوا في نفي تكليف ما لا يطاق في حق مَن عدِم الاستطاعة المتقدمة، وأخطؤوا فيما عدا ذلك.
والجواب عما استدلوا به:
أما الدليل الأول؛ فدلالة ما ذكروه من الآيات على أن الله لا يكلف العباد ما لم يطيقوه صحيحة، إذ المراد بها عندهم الطاقة المتقدمة على الفعل - إذ لا معنى للقدرة عندهم غير المتقدمة -، لكن هذا القدر لا ينفي أن يكون التارك غير مطيق للفعل حال تركه لانشغاله بضده، وإن كان إطلاق تكليف ما لا
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).
(٢) انظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٩).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٦).
(٤) انظر: المصدر السابق (٣٩٦).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
يطاق عليه بدعة، لكن المقصود أن الأدلة دلت كذلك على نفي الاستطاعة عمن اشتغل بضد ما أمر به وقت لزوم فعله (^١)، فنفي المعتزلة لهذا بدعة وضلال.
وأما الدليل الثاني؛ فهو جارٍ على سَنَن المعتزلة الأعوج في إيجابهم على الله "رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه" (^٢).
وهذا باطل، بل لا يوجب العباد على ربهم شيئًا، بل هو سبحانه أوجب على نفسه ما أوجب من العدل وغيره تفضُّلًا منه سبحانه.
وقولهم: "تكليف ما لا يطاق قبيح" على الإطلاق غير صحيح، إذ منه ما هو واقع في حقيقة الأمر، كتكليف المشتغل بالضد بضده، فإنه غير مطيق لما كُلف به بمعنى غير مستطيع الاستطاعة المقارنة، على ما تقدم.
وأما الدليل الثالث؛ فصحيح لا غبار عليه، فالكافر لم يكلف بما لا يطيق من جهة الوسع والتمكن، إلا أنه مكلف بما لم يطقه لاشتغاله بضده، على ما تقدم.
والواقع أن قول المعتزلة في أن المستطيع لم يكلف ما لا يطيق صحيح لأنهم لا يثبتون الاستطاعة المقارنة، ويبقى عليهم نفيهم للاستطاعة المقارنة التي يترتب عليها عدم المنع من تكليف ما لا يطاق بمعنى عدم الاستطاعة الكونية.
ومن هنا يعلم أن ما نُسب إلى الماتريدية من موافقة المعتزلة في هذه المسألة (^٣)
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٥٥٢ - ٥٥٣).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥٢٧).
(٣) انظر: الماتريدية دراسة وتقويمًا (٤٤٨)، ونقض عقائد الأشاعرة والماتريدية (٤٤٤)، والحسن والقبح بين المعتزلة وأهل السنة (رسالة مطبوعة على الآلة الكاتبة) (١١٤ - ١١٥).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
غير دقيق، فإنهم وإن وقع قي عباراتهم إطلاق نفي تكليف ما لا يطاق، فإنهم في حقيقة الأمر مُقرُّون بالأساس الذي بني عليه القول في مسألة تكليف ما لا يطاق، وهو تقسيم الاستطاعة إلى سابقة ومقارنة، بخاصة إذا علمنا أن إطلاق ما لا يطاق على المشتغل بضده بدعة في الشرع.
بل في عبارة إمام المذهب أبي منصور الماتريدي التصريح بذلك، فإنه عرض لقول الكعبي في دعواه أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة ورده، وهذا كلامه بنصه: "ثم نذكر ما ذكره الكعبي مما يبين وهمه في قضاياه، زعم أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة، وهذا إنما هو في العقل الذي لا يعرف الطاقة غير القوة الظاهرة وهي الصحة، وأما غيرها فليس كما يقول.
بل كلف الله صاحب موسى بما يعلم أنه لا يستطيع وكذلك تكليف ما يجهل مثله في البديهة قسمته فمثله الأول، ثم يقال له وكذلك تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل، والذي ادعيته من القبح إنما هو في عقول من يحيل وجود الفعل ولا قوة، وذلك وقت الفعل فصار قوله عند التحصيل هو القبيح في العقل إن صدق فيما ادعى ولا قوة إلا بالله.
وأما الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل، وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع وليس ذلك شرط المحنة، ولا قوة إلا بالله" (^١).
وقال الكَمَال بن أبي شريف (^٢): " (والحل) الذي به يتضح محل النزاع (أن
_________________
(١) التوحيد له (٢٦٦).
(٢) هو: أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي، كمال الدين، =
[ ٢ / ٥٩٧ ]
المراد بما لا يطاق) في قولنا: يمتنع تكليف ما لا يطاق هو (المستحيل لذاته أو) المستحيل (في العادة)، ويتضح ذلك بأن تعلم أن المستحيل ثلاثة أنواع: مستحيل لذاته، وهو المحال عقلًا كجمع النقيضين والضدين، ومستحيل عادة لا عقلًا، كالطيران من الإنسان، و(كما ذكرنا في التكليف بحمل جبل)، ومستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه، أو إخبار الله تعالى بعدم وقوعه، كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، أو من أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن.
والمراد بقولنا يمتنع التكليف بما لا يطاق: التكليف بالنوعين الأولين، (أما) الفعل (المستحيل) وقوعه (باعتبار سبق العلم الأزلي بعدم وقوعه) من المكلف (لعدم امتثاله) الأمر به حال كونه (مختارًا) عدم الامتثال، (وهو) أي ذلك الفعل (مما يدخل تحت قدرة العبد عادة فلا خلاف في وقوعه)، أي وقوع التكليف به، (كتكليف أبي جهل وغيره من الكفرة) كأبي لهب وأبي بن خلف (بالإيمان مع العلم بعدم إيمانه والإخبار به) " (^١).
وممن قرره بمثل هذا التفصيل: الفرهاري في النبراس (^٢).
وفي هذا الكلام تصريح بالمقصود وهو كونهم موافقين بالجملة لأهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم.
_________________
(١) = ولد وتوفي ببيت المقدس، من كتبه: "المسامرة بشرح المسايرة"، و"الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع"، مات سنة (٦٠٩ هـ). انظر: الكواكب السائرة (١/ ٩)، وشذرات الذهب (١٠/ ٤٣).
(٢) المسامرة شرح المسايرة (١٧٠ - ١٧١)، وما بين قوسين هو كلام الكمال بن الهمام صاحب المسايرة.
(٣) النبراس شرح العقائد (١٨٧ - ١٨٨).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
المبحث الرابع: "الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: " [الله] سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا وجعل الأسباب محل حكمته، في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري" (^٢).
وقال ﵀: "فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩١).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ١٢٠)، وانظر: (١/ ٩٦) منه.
[ ٢ / ٦٠١ ]
وقال ﵀: "فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحكم ما يجعله في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته" (^١).
وقال مرعي الكرمي ﵀: "فإن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسبَّبات تناط بتلك الأسباب" (^٢).
وقال القرطبي ﵀: "وربْطُ الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه" (^٣).
_________________
(١) حادي الأرواح (١/ ٤٠٩).
(٢) رفع الشبهة والغرر (٢٢).
(٣) المفهم (٥/ ٥٩٢).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة على إثبات الأسباب.
أما الكتاب والسنة، فأدلتهما أكثر من أن تحصى، فهما مملوءان من إثبات الأسباب.
قال شيخ الإسلام ﵀: "و[القرآن] مملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب" (^١).
وقال الإمام المتبحر ابن القيم ﵀: "ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة، بل حقيقة" (^٢).
وقال أيضًا: "والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرًا وحسًّا وفطرةً وعقلًا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار" (^٣).
ويمكن تقسيم أدلة الكتاب والسنة إلى أنواع (^٤):
الأول: أن يرتب الحكم على ما قبله بحرف يفيد التسبب، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٦).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٥٣٤)، وانظر: الداء والدواء (٣١).
(٤) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٢) وما بعدها.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
الثاني: أن يرتب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
الثالث: أن يرتب الجزاء على شرطه، وهو أكثر من أن يُستوعب، كقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
الرابع: أن يذكر الشيء جزاءً لشيء آخر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤].
الخامس: الأدلة الدالة على التعليل - وقد سبقت -، وذلك لأن مضمون التعليل هو إثبات أن هذا سبب لهذا، لذلك كان من نفى التعليل نفى الأسباب (^١)، فمن هنا تتبين العلاقة القوية بين مسألتي الحكمة والأسباب.
"وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢).
[ ٢ / ٦٠٤ ]
والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (^١).
وأما السنة، فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم) (^٢).
فأخبر ﷺ أن صلاته سبب لهذا المسبب وهو تنوير قبورهم.
وقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ في قصة مرضه: (ثم لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) (^٣).
فأخبر أن النفع لقوم والضرر لآخرين سيحصل بسببه.
وأما الإجماع، فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: "وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم، خلقًا وأمرًا" (^٤).
وقال أيضًا: "والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى" (^٥).
وقال ﵀ في نفاة الأسباب: "وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول" (^٦).
_________________
(١) الداء والدواء (٣٤).
(٢) رواه مسلم: كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر (٢/ ٦٥٩) ح (٩٥٦).
(٣) رواه البخاري: كتاب الجنائز، باب رثى النبيُّ ﷺ سعدَ بن خَولة (٢/ ٨١) ح (١٢٩٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥)، وانظر: (٨/ ٤٨٧) منه.
(٥) الرد على المنطقيين (٣١٥).
(٦) المصدر السابق.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وأما العقل، فدلالته من وجهين:
الأول: أن الأسباب هي شروط للمسبَّبات، ووجود المشروط بدون شرطه ممتنع (^١)؛ فوجود المسبَّبات بدون أسبابها ممتنع (^٢).
الثاني: أنه لا بد للمخلوق من فعل ما ينفعه ودفع ما يضره، وهذان في حقيقة الأمر جماع الأسباب، فلا بد له عقلًا من الإتيان بالأسباب.
وأما الحس، فلأننا نشاهد في الوجود ترتب المسبَّبات على أسبابها، ونشاهد عدم استغناء الناس عن الأسباب، ونشاهد كذلك تخلف المسبَّبات عند تخلف أسبابها، فهذا كله يجعل في النفوس ضرورة تقتضي ثبوت الأسباب وأن إنكارها سفَهٌ في العقول، وجحد للمسلَّمات.
وأما الفطرة، فلأن المخلوقات - بخلقتها التي خلقها الله عليها - تسعى لتحصيل منافعها ببذل أسبابها، وتسعى كذلك لدفع الشرور بدفع أسبابها من غير أن تتلقى علم ذلك من أحد، فالرضيع يلتقم الثدي ليحصل على اللبن، ويبعد يده عن النار لئلا يحترق.
وهذا موجود ملاحظ حتى في غير بني البشر.
وبالجملة، "فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء" (^٣).
_________________
(١) انظر: الصفدية (٢/ ١٤٤)، والموافقات (١/ ٤١٥).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧).
(٣) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
البحث في هذه القاعدة والتي بعدها هو في مسألة الأسباب، وهي مسألة عظيمة، وتأتي أهميتها من أمور:
الأول: أن القيام بها محض العبودية (^١).
فإن عبودية الله ﷾ تكون بفعل أوامره، وترك نواهيه، وكلاهما في حقيقة الأمر أسباب يأتي بها العبد وأسباب يتجنبها؛ إذ أنهما أعمال، والأعمال أسبابٌ شرعية يقوم بها العبد لنيل رضوان ربه. فهما محل العبودية من العبد لله ﷿، هذا وجه.
ووجه آخر: وهو أن القيام بهذه الأسباب أمرًا ونهيًا - وهذه هي العبودية - لا يكون إلا بالقيام بأسبابها، فالصلاة التي هي أعظم واجبات العبودية بعد التوحيد، - مع كونها سببًا - تحتاج إلى أسباب حتى يتأتى القيام بها.
ووجه ثالث: وهو أن هذه الأوامر والنواهي التي يأتي بها العبد بالأسباب هي أسباب للفلاح أو عدمه، فعاد الأمر للأسباب عبودية وجزاءً.
الثاني: أنه لا بد للخلق منها، والتجرد منها ممتنع عقلًا وشرعًا وحسًّا (^٢).
فاتخاذ الأسباب أمر معلوم من الدين بالضرورة؛ لما استفاض وتواتر في النصوص من ترتب النجاة على التقوى والعبادة والطاعة لله ﷿، وهذا ممتنع بدون إثبات الأسباب، لأنها محل العبودية - كما تقدم -.
وقد تقدم في الأدلة أن العقل والحس والفطرة مع الشرع قد دل على
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٣٠).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٣٧)، وطريق الهجرتين (٢/ ٥٦٤).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
إثبات الأسباب، وأن حصول مسبَّباتها بدونها ممتنع، ومعلوم أن تجرد المخلوق عن المسبَّبات ممتنع، فتجرده عن أسبابها ممتنع أيضًا.
الثالث: تعلقها بعموم مسائل القدر كالحكمة وخلق الأفعال، والإرادة والاستطاعة وغير ذلك، وكذا تعلقها بمسائل الشرع، بل تعلقها بكل موجود، فـ "الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر" (^١).
وقبل البدء بشرح هذه القاعدة لا بد من الكلام على ثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: تعريف الأسباب والمسبَّبات.
السَّبَبُ لغة: هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء (^٢).
وأما المسبَّب فهو: الأمر الحاصل عن السبب، فالولد مسبَّب والنكاح سبب، والشبع مسبَّب والأكل سبب، وهكذا.
المقدمة الثانية: أقسام الأسباب.
تنقسم الأسباب بعدة اعتبارات:
باعتبار العادة وخلافها، فتنقسم إلى:
- أسباب مألوفة: وهي الأسباب التي يعرفها عامة الناس ويعهدونها، كالبذر للزرع، والجماع للولد ونحو ذلك.
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٣١٢)، والنهاية في غريب الأثر (٢/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
- أسباب غير مألوفة: وهي الأسباب التي لا تعهد عند أكثر الناس أو كلهم، مثال الأول: إيقاد النار من غصني المَرْخ والعَفَار (^١)، ومثال الثاني: خلق عيسى من أم ولا أب.
باعتبار الشرعية وغيرها، فتنقسم إلى:
- أسباب شرعية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالشرع سواء ترتب عليها مسبَّبات شرعية أو دنيوية.
فمثال الأول: الحج المبرور سبب لغفران الذنوب، كما قال ﷺ: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه) (^٢).
ومثال الثاني: قول النبي ﷺ: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) (^٣).
ومن الأشياء ما ثبتت سببيته بغير الشرع، ثم أكد الشرع هذه السببية، كالحجامة لصحة الجسم؛ فقد ثبتت سببيتها قبل الشرع، ثم أكد النبي ﷺ على سببيتها وأمر بها، كما في قوله ﷺ: (الحجامة على
_________________
(١) المَرْخ والعَفَار: هما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها، والعَفَار: الزند وهو الأعلى، والمَرْخ: الزَّنْدَة وهي الأسفل. انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٣٥١)، والصحاح (١/ ٤٣١).
(٢) رواه البخاري: كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (٢/ ١٣٣) ح (١٥٢١)، ومسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٢/ ٩٨٣) ح (١٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري: كتاب الطب، باب المن شفاء للعين (٧/ ١٢٦) ح (٥٧٠٨)، ومسلم: كتاب الأطعمة، باب فضل الكمأة ومداواة العين بها (٣/ ١٦١٩) ح (٢٠٤٩)، من حديث سعيد بن زيد ﵁.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الريق أمثل، وفيه شفاء وبركة، وتزيد في العقل وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس. . .) (^١).
- أسباب كونية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالتجربة والحس ونحو ذلك من الأمور الكونية.
فمثال ما ثبت بالتجربة: استفراغ المؤذي سبب لصحة البدن، ومثال ما ثبت بالحس: الماء سبب لنمو النبات.
باعتبار الدنيا والآخرة، فتنقسم إلى:
- أسباب دنيوية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات دنيوية، كالماء سبب للري، والأكل سبب للشبع.
- أسباب أخروية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات أخروية، كبناء مسجد سبب في بناء بيت في الجنة، قال النبي ﷺ: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها؛ بنى الله له بيتًا في الجنة) (^٢).
ومن هذا الباب سائر الأعمال التي هي أسباب لدخول الجنة.
باعتبار الحكم الشرعي، فتنقسم إلى:
- أسباب واجبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد على وجه اللزوم، في دينهم ودنياهم من صلاة وزكاة وصوم وصدقة وأمر
_________________
(١) رواه ابن ماجه: كتاب الطب، باب في أي الأيام يحتجم (٥/ ١٤٧) ح (٣٤٨٧)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٦٦)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه أحمد (٤/ ٥٤) ح (٢١٥٧)، من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٦١٢٩).
[ ٢ / ٦١٠ ]
بالمعروف ونهي عن المنكر، وكذا الأسباب التي تحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
- أسباب مستحبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد من غير إلزام، في دينهم ودنياهم، فالأول مثل نوافل الصلاة والصدقات والصوم والحج وسائر المستحبات الشرعية، والثاني: مثل الوضوء بين الجماعين المتتابعين.
- أسباب مباحة: وهي الأسباب التي أباحها الشارع للعباد فلم يوجبها ولم يستحبها، وكذا لم يحرمها ولم يكرهها، مثل ما يكون من أسباب المعاش من طعام وشراب ولباس وما شابه.
وهذه الإباحة هي بالنظر إلى ذات السبب، وتلتحق بأحد الأحكام الأربعة بالنية.
- أسباب مكروهة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع لا على سبيل اللزوم، كالشرب قائمًا وكفضول الطعام والشراب واللباس والنوم.
- أسباب محرمة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع جزمًا، إما لضررها على الدين أو على الدنيا فيما يتعلق بالضرورات الأربع بعد الدين، وهذا التحريم أنواع:
أولها: تحريم الشرك، وهو على ضربين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وكل منهما على أنواع، وهذان أعظم أنواع المحرمات.
ثانيها: تحريم البدعة، سواء بدع العبادات أو العقائد، وهي أكثر من أن تحصر.
[ ٢ / ٦١١ ]
ثالثها: تحريم المعصية، سواء الكبائر منها أو الصغائر، وسواء كانت عن فعل أو ترك.
المقدمة الثالثة: أحكام الأسباب.
للأسباب أحكام لا تنفك عنها، منها:
أولًا: أن ثبوتها متوقف على الدليل؛ الشرعي فيما مسبَّبه شرعي، والكوني فيما مسبَّبه كوني، على ما تقدم.
وجعل الشيء سببًا بدون دليل أمر محرم، قال شيخ الإسلام ﵀: "لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم، أو يخالف الشرع؛ كان مبطلًا" (^١).
ثانيًا: أنه يمتنع التجرد منها عقلًا وشرعًا وحسًّا، على ما تقدم؛ إذ لا يمكن قيام شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا بالأسباب، فالله ﷾ الخالق لكل شيء خلق هذه المسبَّبات مقرونة ومربوطة بأسبابها، فيمتنع وجودها بدونها عادةً، بل لا يتصور الفصل بينهما إلا كما يتصور الفصل بين المشروط وشرطه، وبطلان هذا معلوم بداهةً، إذ يمتنع وجود الشيء مع فقد بعض شروطه الوجودية كما تقدم (^٢).
ثالثًا: أن لها تأثيرًا في وجود مسبَّباتها، وليست علامة محضة عليها.
رابعًا: أنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع.
هذان الحكمان محلهما القاعدة الآتية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٣٧).
(٢) انظر ما تقدم ص (٥٥٥).
[ ٢ / ٦١٢ ]
وهذه القاعدة تتضمن مسألتين:
المسألة الأولى: معنى ربط الأسباب بالمسبَّبات.
معنى ذلك أن الله ﷿ جعل كل شيء من أمر الدنيا والآخرة، ومن أمور الشرع والقدر قائمًا على الأسباب متعلقًا بها، يتوقف وجوده على وجودها.
فالوصولى إلى أي مسبَّب شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه، كما يتوقف حصول المشروط على تحقق شرطه.
قالى ابن القيم ﵀: "فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة، كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر" (^١).
وقال ﵀: "فالأسباب هي مجاري الشرع والقدر، فعليها يجري أمر الله الكوني والديني" (^٢).
وارتباط الأسباب بمسبَّباتها يكون على وجهين:
الأول: ارتباط حسي مشاهد، وهذا في الأسباب الدنيوية، سواء كانت كونية أو شرعية، فمثال الأول: ارتباط الري بالشرب، والولد بالنكاح، ومثال الثاني: ارتباط النصر والتمكين بإقامة الدين.
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).
(٢) التبيان في أيمان القرآن (٥١٦).
[ ٢ / ٦١٣ ]
الثاني: ارتباط غيبي، وهذا في الأسباب الأخروية، كارتباط صحبة النبي ﷺ في الجنة بكفالة اليتيم، وكارتباط دخول الدرك الأسفل بالنفاق.
والمقصود بالغيب هنا الغيب المطلق، وإلا فكثير من الأسباب الدنيوية يدخلها الغيب النسبي.
فنيل أي شيء شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه.
وافتقار المسبَّب إلى سببه لا يعني انتفاء قدرة الله على خلقه بدون سببه، بل هو سبحانه قادر على ذلك، كما خلق آدم ﵇ بلا أبوين بل بـ (كن)، وكما خلق عيسى ﵇ كذلك بدون أب، فالله ﷿ خالق للسبب والمسبَّب، وهو خالق كل شيء، وما من شيء إلا وهو مخلوق مربوب له سبحانه.
قال ابن القيم ﵀: "بل الأسباب محل حكم الله ورسوله، وهي في اقتضائها لمسبَّباتها شرعًا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبَّباتها قدرًا، فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، والله له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق الله ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها، بل يجريها على أسبابها وما خلقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت له، بل هذه سنته شرعا وأمرًا وتلك سنته قضاء وقدرًا" (^١).
المسألة الثانية: الأسباب هي محل الحكمة.
خلق الله ﷾ المخلوقات كلها على أتم ما يكون من التناسق والانتظام، فلا خلل ولا تفاوت، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾
_________________
(١) إعلام الموقعين (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
[ ٢ / ٦١٤ ]
[السجدة: ٧]، قال مجاهد ﵀: "أتقن كل شيء خلقه" (^١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. قال الطبري ﵀: "الذي خلق الأشياء فسوى خلقها وعدلها، والتسوية التعديل" (^٢).
وقال ابن كثير ﵀: "أي خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات" (^٣).
وكذلك شرعه ﷾، فإنه على أحسن ما يكون من الائتلاف والانسجام، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، قال قتادة: "أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وأن قول الناس يختلف" (^٤).
وقال الطبري ﵀: "أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض" (^٥).
وهذا التناسق والائتلاف مرجعه إلى صدوره عن الله ﷿، بكونه منوطًا
_________________
(١) رواه ابن جرير (١٨/ ٥٩٨).
(٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٣١١).
(٣) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٢٢).
(٤) رواه ابن جرير (٧/ ٢٥١).
(٥) تفسير الطبري (٧/ ٢٥١).
[ ٢ / ٦١٥ ]
بالحكم مبنيًا على الأسباب.
وإناطته بالحكم سببها بناؤه على الأسباب؛ إذ لو قدر خلو المسبَّب عن الأسباب وإمكان وجوده بدونها؛ لفاتت الحكم والغايات التي قرنها الله به.
فالحكمة غاية الفعل، والأسباب طريقها ومجراها، لأن حقيقة الحكمة أن هذا الأمر سبب لهذا الأمر، فلولا الأسباب لما صح التعليل، ولانتفت الحكمة (^١).
والحاصل أن الله ﷿ خلق المسبَّبات وخلق أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٩).
[ ٢ / ٦١٦ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعد، والرد عليهم.
ارتباط الأسباب بمسبباتها لم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب.
قال سَهْل بن عبد الله التسْتري (^١): "المتوكل إذا رأى السبب فهو مدع" (^٢)، أي غير صادق فيما ادعاه من توكل.
ونحوه كذلك عن أبي يعقوب السُّوسِي (^٣).
وروى القشيري عن ذي النون المصري أنه سئل عن التوكل فقال: "خلع الأرباب وقطع الأسباب" (^٤).
وسئل أبو عبد الله القُرَشي عن التوكل فقال: "ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك" (^٥).
وللمتصوفة في ذلك من الأقوال والقصص الشيء الكثير.
والحق أن التوكل من جملة الأسباب المؤدية إلى المراد، بل هو من أعظم
_________________
(١) هو: أبو محمد، سهل بن عبد الله بن يونس التستري الصوفي، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، مات سنة (٢٨٣ هـ). انظر: صفة الصفوة (٤/ ٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).
(٢) قوت القلوب (٢/ ٨).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٧).
(٤) الرسالة القشيرية (٢٩٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (٢٩٨).
[ ٢ / ٦١٧ ]
الأسباب، والتوكل الصحيح لا ينافي اتخاذ الأسباب المشروعة.
قال ابن القيم: "فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق" (^١).
وهؤلاء لا يمكنهم طرد قولهم، إذ لا بد لهم من الإتيان بالأسباب من طعام وشراب ونوم ونكاح وغيرها (^٢).
_________________
(١) الفوائد (١٢٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨١ - ١٨٣).
(٢) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢).
[ ٢ / ٦١٨ ]
المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٦١٩ ]
المبحث الخامس: "للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ومذهب الفقهاء أن السبب له تأثير في مسبَّبه؛ ليس علامة محضة" (^١).
وقال ﵀: "بل جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة. . . وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية؛ بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب وينبت النبات بالماء، ولا يقولون إن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون أن لها تأثيرًا، لفظًا ومعنًى" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥).
(٢) منهاج السنة (٣/ ١٢).
[ ٢ / ٦٢١ ]
قدرته ومشيئته" (^١)
وقال مرعي الكرمي ﵀: "والحاصل أن الأسباب وتأثيرها بمشيئة الله مما لا ينكر وإن كان الله تعالى هو خالق السبب والمسبب" (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٤٢٩).
(٢) رفع الشبهة والغرر (٢٦).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
تضمنت هذه القاعدة جزئيتين:
الأولى: تأثير السبب.
الثانية: أنه غير مستقل بالتأثير.
أما الجزئية الأولى، فيدل على هذه القاعدة ما يدل على القاعدة السابقة من أدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والحس والعقل، إذ هذه القاعدة متممة ومكملة لها.
ووجه الدلالة منها أن إثبات سببيتها يقتضي إثبات أنها مؤثرة، إذ لا معنى لكونها سببًا لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العقل ولا في الحس ولا في الفطرة؛ إلا أنها مؤثرة.
أما في اللغة، فلما تقدم من أن السبب هو ما يتوصل به إلى الشيء، كالدلو لماء البئر، والسُّلَّم للسطح، ومعلوم أنه لولا الدلو والسُّلَّم لما تمكن الفاعل من أخذ الماء وارتقاء السطح، فدل على أنهما مؤثرين في ذلك.
وأما في الشرع، فلأن الشارع رتب الأحكام على أسبابها في الدنيا والآخرة؛ فرتب القصاص على القتل، والضمان على الإتلاف، واستحقاق الغنائم على القتال، ولو لم تكن هذه الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها مقتضية لها لما كان لهذا الترتيب معنى، وللزم منه الطعن في حكمة الله ﷾ وعدله، وأنه ﷿ يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، ولذلك كان من نفى الأسباب نافيًا للحكمة، وواصفًا الله ﷿ بما ينافي عدله (^١).
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٩).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قال ابن الجوزي ﵀: "فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة" (^١).
وأما في العقل، فلأن السبب مع مسبَّبه كالشرط مع مشروطه، لا يمكن أن يتأخر الشرط عنه، كما لا يمكن أن يوجد المشروط بدونه.
فكذلك السبب؛ لا يمكن أن يتأخر عن المسبَّب فيوجد المسبَّب ولمَّا يوجد السبب بعد، كما لا يمكن أن يوجد المسبَّب بدون سببه أصلًا.
وهذا يدل ضرورةً على أنه مؤثر، إذ لو كان مجرد علامة على المسبَّب غير مؤثر فيه لأمكن وجود المسبَّب مع تأخره عنه، لأن علامة الشيء يصح تأخرها وتقدمها عليه، كما يصح وجوده من دونها، وهذا ظاهر البطلان.
وأما في الحس، فلأننا نشاهد أسبابًا سلبت قواها المؤثرة فلم توجد مسبَّباتها - مع عدم خروجها عن مطلق السببية -، كماء الرجل العقيم، فهو باق على سببيته، لكنه سلب خاصية الإخصاب، فلم يعد مؤثرًا في الحمل، فلذلك لا يحصل الحمل حتى مع وجوده.
ولو كان الماء غير مؤثر أصلًا في حصول الحمل، بل هو علامة عليه لما تخلف الحمل، ولما كان لسلب خاصيته أثر في ذلك.
وأوضح منه ما قصه الله سبحانه علينا من قصة إبراهيم وإلقائه في النار، وانقلابها عليه بردًا وسلامًا، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩].
فلم تخرج النار عن كونها نارًا، ولكن سلبت خاصيتها وقوتها فلم تؤثر
_________________
(١) صيد الخاطر (٦٣).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
بالإحراق، بل وانقلبت إلى ضده من البرد (^١).
وأما في الفطرة، فلأن المؤاخذة بالذنب أمر مستقر في فطر الخلق، فلا ينفع المسيءَ اعتذارُه بكون فعله مجرد أمارة على حصول الإساءة، وليس له تأثير فيها، بل يزيده ذلك جرمًا ويكون سببًا لمزيد العقوبة عليه، لكونه استخف بفطر الناس وعقولهم، ولو كان صادقًا في كونه غير مؤثر في الإساءة لعُذر ولم يعاقَب.
وأما الجزئية الثانية، فيدل عليها الكتاب والسنة والإجماع والحس.
أما الكتاب: ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦].
فذكرهم لا يمكن وجوده - مع إتيانهم بأسبابه - إلا أن يشاء الله، ولو كان سببًا تامًا لما توقف على المشيئة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠، ٣١].
فأخبر سبحانه أن مشيئة العبد - التي هي سبب من أسباب الفعل - متوقفة في حصولها على مشيئة الله ﷿، وأنها لا يمكن أن تحصل بدونها.
وهذا من أظهر ما يكون من الدلالة، لأنه إذا كان السبب متوقفًا في وجوده على مشيئة الله، فتوقف تأثيره على المشيئة من باب أولى.
وأما السنة، فمثل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ١٢٠)، شفاء العليل (٢/ ٥٣٥).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) (^١).
فقيد النبي ﷺ نيل الموحدين لشفاعته في الآخرة - التي هي سبب لمغفرة الذنوب ونيل الخيرات - بمشيئة الله ﷿، فدل على أنها سبب غير تام، وهذا مع كونها من أقوى الأسباب في تحقيق مسبَّبها - كما لا يخفى - والله المستعان.
بل قيد النبي ﷺ وجود السبب نفسه الذي هو تخبئة الشفاعة إلى يوم القيامة بمشيئة الله - كما في لفظ آخر للحديث - بقوله: (فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) (^٢).
فإذا كان السبب لا قيام له بنفسه، ولا وجود بغير مشيئة الله، فكيف يكون له تأثير تام في مسبَّبه إلا بمشيئته ﷿؟
وأما الإجماع، فممن حكاه شيخ الإسلام، قال ﵀: ". . . وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى. . . وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها" (^٣).
وأما الحس: فلأننا نشاهد تخلف المسبَّبات مع انعقاد أسبابها، ولو كانت أسبابها موجبة لها بمجردها لما تخلفت.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته (١/ ١٨٩) ح (١٩٩).
(٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٩/ ١٣٩) ح (٧٤٧٤).
(٣) درء التعارض (١٠/ ١١٥)، وانظر: الصفدية (١/ ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة السابقة ومتممة لها، إذ من مقتضى إثبات سببية الشيء إثبات أنه مؤثر؛ إذ لا معنى للسبب إلا أن يكون مؤثرًا في مسبَّبه - كما تقدم -.
وقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان معنى التأثير.
التأثير لغةً: مصدر أثر، وهو: إبقاء الأثر في الشيء. يقال: أثَّر في الشيء: أي ترك فيه أثرًا، والأثر هو بقية الشيء والجمع آثار وأُثُور (^١).
وهذه القاعدة متضمنة لمسائل أربع:
المسألة الأولى: ثبوت تأثير الأسباب.
والكلام فيها في مقامين، عام وخاص.
أما المقام العام: فهو في ثبوت تأثير الأسباب على وجه العموم.
فقد خلق الله المخلوقات وأودع فيها قوى وطبائع؛ فجعل في الماء قوة التبريد، وفي النار قوة الإحراق، وفي الطعام قوة الإشباع وهكذا، ولهذه القوى خصيصة وهي أنها ذاتية في الشيء؛ فالإبصار في العين وصف ذاتي لها؛ فهي مبصرة بخلقتها التي خلقها الله عليها.
فالتأثير المراد هنا هو التأثير الكامن في الأسباب، قبل أن تلاقي مسبَّباتها؛ وهذا هو التأثير بالقوة، فإذا لاقتها، أثرت فيها تأثيرًا خاصًّا، وهو:
المقام الخاص: التأثير بالفعل، وهو تأثير السبب في المسبَّب المعين على
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٦)، ولسان العرب (٥/ ٦٠)، مادة: (أثر).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وجه الخصوص.
فإن النار مثلًا إن لاقت محلًّا يصلح لأثرها أثرت فيه بالإحراق، والإحراق قوة فيها، وكذا الطعام؛ فيه قوة الإشباع، فإذا أكل أثَّر في الآكل بالإشباع.
وإثبات تأثير الأسباب هو معنى كونها ليست علامة محضة، وسيأتي في المطلب القادم حكاية هذا القول عن طائفة من أهل الأهواء.
المسألة الثانية: مقدار التأثير.
إذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في المسبَّبات، فما مقدار هذا التأثير؟
وقبل الجواب على هذا السؤال لا بد من معرفة أن التأثير لفظ مشترك بين معنيين (^١):
الأول: التأثير التام في المسبَّب، بحيث يلزم من وجودِه وجودُ المسبَّب ومن عدَمِه عدَمُه، وهذا معنى كونه علة تامة.
الثاني: التأثير الناقص أو الجزئي، بحيث لا يلزم منه وجود المسبَّب، بل قد يعدم مع وجوده.
والذي يثبت للأسباب من ذلك الثاني دون الأول، إذ لا مؤثر تام إلا مشيئة الله ﷿، وما عداها فلا يعدو أن يكون مجرد سبب أو جزء سبب من أسباب كثيرة يكون بها الفعل، وهذا السبب لا بد له مع المعاونة من صرف الموانع.
فالأسباب لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع.
فالماء سبب للزرع، وهو جزء من مجموعة أسباب كصلاح التراب
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٣ - ١٣٤).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
واعتدال الهواء ووجود نور الشمس وغير ذلك، وله موانع كفساد البذر، وشدة الحرارة وغير ذلك مما لا يحصى.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له، وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "قاعدة: ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير، بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه، وانتفاء مانع يمنع تأثيره" (^٢).
بل السبب نفسه من نعم الله ﷾، وهو المتفضل به، كما أن المسبَّب من نعمه، وهو ﷿ قادر على الإنعام بالمسبَّب بدون هذا السبب، أو بدون غيره من الأسباب، وهو قادر كذلك على سلب سببيته، وكذا معارضته بمانع، بل قادر على أن يرتب عليه ضد مقتضاه (^٣).
وهنا مسألة مهمة، وهي إن كان المقدور قد سبق فما فائدة الإتيان بالسبب؟
والجواب أن هذا المقدور قد قدر بأسبابه ولم يقدر مجردًا عنها، فكل من الأسباب والمسببات قد سبق بها القدر، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع بالأكل، والري بالشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر دخول الجنة بالأعمال، وقدر دخول
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٦)، وانظر: جامع الرسائل (١/ ١٤٦).
(٢) الفوائد (٧١).
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ١٥٣).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
النار بالأعمال (^١).
المسألة الثالثة: ثبوت تأثير الأسباب لا ينافي التوحيد، بل يقرره ويؤيده.
أما كون ذلك لا ينافي التوحيد فلأمور:
الأول: أن هذه الأسباب إنما وجدت بإيجاد الله سبحانه لها ولولا مشيئته لها لما وجدت.
الثاني: أنه سبحانه هو الذي نصبها طرقًا موصلة إلى مسبباتها، وهو سبحانه الذي أودع فيها القوة التي بها تؤثر في مقدورها، فالكل منه سبحانه.
الثالث: أن تأثيرها ليس تامًّا، بل ناقصٌ جزئيٌّ، وهو محتاج مع ذلك إلى أسباب أخرى معينة، ومحتاج إلى دفع الموانع، وما كان كذلك امتنع أن يكون له من نفسه شيء.
قال ابن القيم ﵀: "ويا لله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم، وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلَّى بينها وبين اقتضائها لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا؛ فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟ " (^٢).
وأما كونه مقررًا للتوحيد، فلأمور كذلك:
_________________
(١) انظر: الداء والدواء (٢٨ - ٢٩)، ومدارج السالكين (٣/ ٥٠٠).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٥).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الأول: أن الأسباب هي دلائل التوحيد، فبها عرف الله سبحانه، فعرفت ربوبيته، وعرفت أسماؤه وصفاته، وعرف استحقاقه للعبادة.
الثاني: أن الأسباب هي محل التوحيد، فبها يُعبد الله سبحانه ويُوحد، وبها يجازي على التوحيد.
فعاد أمر التوحيد إلى الأسباب، ولذلك كان القرآن - الذي أنزل لتقرير التوحيد، وكل آية فيه متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه (^١) - مملوءًا بذكر الأسباب، بل هو من أعظم الكتب إثباتًا للأسباب (^٢).
قال ابن القيم ﵀: "وبالأسباب عرف الله، وبها عُبد الله، وبها أطيع الله، وبها تقرب إليه المتقربون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي" (^٣).
المسألة الرابعة: ثبوت تأثير الأسباب لا يعني الاعتماد عليها.
إذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في مسبباتها، وأنه لا بد من الأخذ بها، وأن الاستغناء عنها ممتنع؛ فيجب أن يعلم أنه لا يجوز الركون إليها والاعتماد عليها في تحصيل المسببات دون الله سبحانه، فلا يطمئن إليها ولا يثق بها ولا يرجوها ولا يخافها، بل يأتي بها، مع اعتماد القلب على خالقها وهو الله ﷿.
وذلك لأن هذه الأسباب لا تعدو كونها جزءًا من أسباب الفعل، والسبب
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
(٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٤).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٠٨).
[ ٢ / ٦٣١ ]
التام والعلة الحقيقية هي مشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الله أوجد المسبب بدون هذا السبب، بل إذا شاء سبحانه جعله على ضد مقتضاه - كما تقدم - (^١).
فها هنا أربع مراتب:
الأولى: الاعتماد على الأسباب، والالتفات بالقلب إليها.
الثانية: محوها من أن تكون أسبابًا وإنكارها.
الثالثة: الإعراض عنها وإهمالها.
الرابعة: الإتيان بها، وتنزيلها منازلها، ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، مع تعلق القلب بخالقها سبحانه دونها.
فالأولى: شرك في التوحيد، والثانية: نقص في العقل، والثالثة: مخالفة للشرع وقدح فيه، والرابعة هي مقتضى التوحيد والشرع والعقل.
وهذا معنى قول بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع (^٢).
والحاصل أن الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها تأثيرًا ناقصًا
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦).
(٢) انظر: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦)، ومدارج السالكين (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨). وممن قال ذلك: أبو حامد الغزالي، انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٢٣٨)، وابن الجوزي كما نقله عنه شيخ الإسلام في مواضع منها: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦)، وبغية المرتاد (٢٦٢).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
غير تام، وأن إثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له، وأن الواجب تنزيلها منزلتها بلا وكس ولا شطط، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة: الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة.
أما الفلاسفة؛ فمذهبهم أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وأنه يصدر عنه بلا اختيار ولا إرادة.
وهم يبنون مذهبهم في الأسباب على نظرية الفَيْض أو الصُّدُور الأفلوطينية، والصدور والفيض مصطلحان مترادفان (^١)، فالفيض هو: القول بأن العالم يفيض عن الله كما يفيض النور عن الشمس، أو الحرارة عن النار فيضًا متدرجًا (^٢)، والصدور هو: فيض الموجودات عن الواحد أو الخير، لأن الواحد عندهم يحدث العقل، ثم يحدث النفس، والعالم، والموجودات الفردية، على سبيل التتابع، مرتّبة بعضها فوق بعض (^٣).
فنظرية الفيض عند الفلاسفة مقابلة لعقيدة الخلق عند أهل الأديان (^٤)، فعند هؤلاء أن الله سبحانه خلق العالم، وعند الفلاسفة أن العالم فاض عنه بلا إرادة ولا مشيئة منه لذلك.
قال الفَارَابي (^٥): "القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه: والأول
_________________
(١) انظر: المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بمصر (١٠٦)، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ١٧٣).
(٢) انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ١٧٣).
(٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٢٤).
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٧٢).
(٥) هو: أبو نصر، محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي الفيلسوف، ويعرف بالمعلم الثاني، قال الذهبي: "له تصانيف مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحار، منها تخرج ابن سينا، نسأل الله =
[ ٢ / ٦٣٤ ]
هو الذي عنه وُجد، ومتى وُجد للأول الوجود الذي هو له؛ لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من الوجود، الذي بعضه مشاهد بالحس، وبعضه معلوم بالبرهان، ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو" (^١).
وقد حكى ابن رشد اتفاق الفلاسفة فقال: "وأما كون المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول، وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحدًا، وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلًا واحدًا، كالحال في بدن الحيوان المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحدًا وموجودًا بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول؛ فأمر أجمعوا عليه، لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد" (^٢).
وكون الوجود يفيض عن الباري سبحانه بالطبع لا بقصد منه لا ينافي معرفته به ورضاه، قال ابن سينا: "وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع، بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ولا رضًا منه، وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته؛ فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلًا محضًا ومبدأ أولَ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه وليس في
_________________
(١) = التوفيق"، من كتبه: "الفصوص"، و"آراء أهل المدينة الفاضلة"، مات بدمشق سنة (٣٣٩ هـ). انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (١٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٦).
(٢) آراء أهل المدينة الفاضلة (٥٥).
(٣) تهافت التهافت (٣٧٢ - ٣٧٣).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه. . . فالأول راض بفيضان الكل عنه" (^١).
فالفلاسفة يرون أن علم الله سبحانه سبب الموجودات، ويرون أن علمه سبحانه بالأشياء كُلِّيٌّ لا يتغير، قال ابن سينا: "العلم في الأول غير مستفاد من الموجودات، بل من ذاته، فعلمه سبب لوجود الموجودات، فلا يجوز على علمه التغيير" (^٢).
فبناء على علمه صدر عن ذاته العقل الأول، ثم عن العقل الأول العقل الثاني وهكذا، إلى أن وصلت السلسلة إلى العقل العاشر الذي هو الفعال (^٣)، فصدور الأشياء كان على حسب نظام الكون الصادر عن ذاته، على حسب علمه بواسطة العقول إلى أن ينتهي إلى العقل العاشر الذي يدبر المخلوقات، فبناء على ذلك كان اقتضاء السبب لمسببه ضروري وإلا لزم القدح في علمه تعالى.
قال ابن سينا: "وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد، فليست إذن موجودة معًا عن الأول، بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه، ثم يتلوه عقل وعقل. . . وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا" (^٤).
فعند الفلاسفة أن مدبرنا هو العقل الفعال لا الرب سبحانه، بل يزيد الفارابي على ذلك بأن يزعم أن العقل الفعال هو جبريل ﵇ فيقول:
_________________
(١) النجاة (٢/ ١٣٢).
(٢) التعليقات (١١٦).
(٣) انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة (٦١ - ٦٢).
(٤) النجاة (١٣٦ - ١٣٧).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
"والعقل الفعال فِعله العناية بالحيوان الناطق والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال الذي للإنسان أن يبلغه، وهو السعادة القصوى. . . والعقل الفعال هو الذي ينبغي أن يقال إنه الروح الأمين وروح القدس، ويسمى بأشباه هذين من الأسماء ورتبته تسمى الملكوت وأشباه ذلك من الأسماء" (^١).
فأصل شبهتهم في ذلك قولهم بالفيض وصدوركل شيء عن الشيء الذي قبله دون إرادة واختيار، فالنار تحرق بطبعها والماء يروي بطبعه والإحراق والإرواء ضروريان لازمان لا يمكن تخلفهما، وقولهم بالاقتضاء الضروري كان نتيجة لنفيهم علم الله سبحانه بالجزئيات، وزعمهم بأن علمه كلي لا يتغير - كما تقدم -.
وقد فرق الفلاسفة بين الإنسان وسائر الموجودات في ذلك، قال ابن رشد: "جميع الموجودات تطلب غايتها بالحركة ونحوه، وهي الحركة التي تطلب بها غايتها التي من أجلها خلقت، وذلك بيِّن؛ أما جميع الموجودات فبالطبع، وأما الإنسان فبالإرادة" (^٢).
ولا يعكر على هذا التقرير ما قاله الفارابي في "مقالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم" (^٣): "قد يظن بالأفعال والآثار الطبيعية أنها ضرورية كالإحراق في النار والترطيب في الماء والتبريد في الثلج، وليس الأمر كذلك، لكنها ممكنة على الأكثر؛ لأجل أن الفعل إنما يحصل باجتماع
_________________
(١) كتاب السياسة المدنية (٣٢).
(٢) تهافت التهافت (١١٥).
(٣) ضمن: رسالتان فلسفيتان (٥٢ - ٥٣).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
معنيين: أحدهما: تهيؤ الفاعل للتأثير، والآخر تهيؤ المنفعل للقبول، فحيثما لم يجتمع المعنيان؛ لم يحصل فعل ولا أثر البتة، كما أن النار وإن كانت محرقة؛ فإنها متى ما لم تجد قابلًا متهيأً للاحتراق لم يحصل الاحتراق، وكذلك الأمر في سائر ما أشبههما، وكلما كان التهيؤ في الفاعل والقابل جميعًا أتم؛ كان الفعل أكمل، ولولا ما يعرض من التمنع في المنفعل لكانت الأفعال والآثار الطبيعية ضرورية".
وذلك لأن الخصومة مع الفلاسفة ليست في تأثير الأسباب بما أودعه الله سبحانه فيها من قوى وطبائع، فهذا شيء وافقوا فيه أهل السنة، وإنما في كون هذا التأثير من نفسها، وليس لمشيئة الله سبحانه فيها أثر، ومن هنا فارق قولُ المعتزلة قولَ الفلاسفة، فالمعتزلة يثبتون مشيئة الله سبحانه وخلقه - لما سوى أفعال العباد - كما سيأتي.
ووجه آخر وهو أن كون السبب مقتض لمسببه ضرورة لا ينافي في حقيقة الأمر اشتراط وجود المحل، فالقول إن الإحراق في النار ضروري لا ينافي أنه يلزم وجود ما تحرقه النار من خشب أو قطن ونحوه، وإنما ينافي تخلفَ الإحراق عند وجود المحل وانتفاء المانع كما تخلف الإحراق في قصة إبراهيم ﵇، فعلى تقريرهم أنه يجب أن تحرق النارُ إبراهيم، لأنهم لا يثبتون مشيئة الله سبحانه ولا إرادته ولا خلقه للإحراق، وعند أهل السنة جاز ذلك لتخلف الشرط الأصلي والسبب التام وهو مشيئة الله سبحانه.
والقول بالفيض وما بني عليه من الاقتضاء الضروري بين الأسباب والمسببات كلاهما باطل من كل وجه وهو مناف لأصل الدين ومضاد لربوبية الله سبحانه وشمول علمه وكونه الخالق لكل شيء وأنه لا شيء إلا بإرادته.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وأما المعتزلة؛ فمذهبهم في الأسباب وتأثيرها موافق - فيما ظهر لي - في الجملة لمذهب أهل السنة، فإنهم يقرون بما أودع الله من قوى وطبائع في الأشياء، فيقرُّون أن في النار قوة تحرق بها ما تلاقيه مما يصلح للإحراق، وأن في الطعام قوة الإشباع، وهكذا، وأن ذلك بمشيئة الله سبحانه وخلقه.
قال القاضي عبد الجبار: "السبب يوجب المسبب إذا احتمله المحل، ولا يوجب إذا لم يحتمله" (^١).
وقال أيضًا: "إن الأصل في السبب أن يوجب المسبب إذا كان المحل محتملًا له، وإنما نعدل عن ذلك بدلالة" (^٢).
ففي كلام القاضي أن للسبب شروطًا وموانع، وهذا - مع ما هو معروف من مذهبهم من إثبات مشيئة الله سبحانه وخلقه - يثبت تأثير السبب وينفي كونه علة تامة.
إلا أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة في باب الأسباب إنما هي في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك، ولم يجعلوا قدرة العبد ومشيئته أسبابًا من جملة أسباب تؤثر بمشيئة الله في إيجاد المسبب.
فمذهبهم في هذا مبني على مذهبهم في خلق الأفعال، وقد تقدم إبطاله
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ١٦٩).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٨٥)، والإيجاب في كلامه هذا والذي سبقه، وكذا ما سيأتي في كلام الأشعري عنهم: المقصود به إثبات تأثير السبب في مقابل قول الأشاعرة النافين لذلك، وإلا فلا يوجد من المعتزلة من قال بأن السبب بمجرده موجب لحصول المسبب - فيما أعلم - والله أعلم، وقد سبقت الإشارة إلى مخالفة مذهبهم لمذهب الفلاسفة قريبًا.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وبيان أن قدرة العبد ومشيئته لا تعدو كونها جزءًا من أجزاء السبب الذي يخلق الرب سبحانه به فعل العبد.
إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في الفعل المتولد، بناء على اختلافهم في فاعله، فمن أثبت التوليد وهم جمهور المعتزلة؛ ألحقه بالفعل المباشر، وجعل مشيئة العبد وقدرته موجبة له وعلة تامة فيه، ومن نفى التوليد نفى ذلك.
قال الأشعري ﵀: "واختلفوا [أي المعتزلة] في السبب، هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين: فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها.
وقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجبًا للمسبب، وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده" (^١).
وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وقالوا بأن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة اقتران عادي، أي أن الله سبحانه أجرى العادة أن يوجد المسبب عند وجود سببه لا به.
وقد قرر هذا الباقلاني ومما قاله: "فأما ما يهذون به كثيرًا من أنهم يعلمون حسًّا واضطرارًا أن الإحراق والإسكار الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب؛ فإنه جهل عظيم" (^٢).
وقال الغزالي في مناقشة قول الفلاسفة بالطبع: "فما الدليل على أنها [أي
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (٢/ ٩٧).
(٢) التمهيد (٦٢).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الأسباب] الفاعل؟! وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها. . . فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به" (^١).
وقال الجرجاني في تعريف السبب في الشرع: "عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه" (^٢).
كما نقل اتفاق الأشاعرة على هذا، فقال: "فإن كثيرًا من الأسباب العادية كذلك مع الاتفاق على أنها غير مؤثرة أصلًا، ألا ترى أنا إذا علمنا ملاقاة النار للقطن؛ علمنا احتراقه وإن لم نعلم شيئا آخر غير الملاقاة، وإذا علمنا أن البدن الصحيح يتناول الغذاء الجيد؛ علمنا حصول الشبع وإن لم نعلم غير التناول، مع اتفاقنا على أن الاحتراق والشبع إنما يحصلان بفعل الله تعالى ابتداءً من أن يكون (^٣) للملاقاة والتناول مدخل فيهما بالتأثير، وأنت خبير بأن هذا الاتفاق إنما هو بين الأشاعرة" (^٤).
وقال السنوسي: "ومنها تعلم أن اختياره ﷾ لإيجاده ممكنًا مع ممكن آخر كاختياره جل وعلا إيجاد الشبع مع الأكل، والري مع الشرب، والإحراق مع النار، وتفريق الأجزاء مثلًا مع حد السيف وحز العضو، والمقدور مع القدرة الحادثة ونحو ذلك مما لا ينحصر؛ لا يدل جميع ذلك على أن لتلك الأمور المقارنة تأثيرًا فيما اقترنت به لا استقلالًا ولا معاونة، بل
_________________
(١) تهافت الفلاسفة (٢٤٠ - ٢٤١).
(٢) التعريفات (١٢١).
(٣) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: "من غير أن يكون".
(٤) شرح المواقف (٢/ ٣٠ - ٣١).
[ ٢ / ٦٤١ ]
وجودها وعدمها بالنسبة للتأثير سواء، وإيجاده جل وعلا الممكن مع ممكن يقارنه كإيجاده له تعالى منفردًا بدون مقارنة ممكن آخر" (^١).
وقال البيجوري: "ومنها يعلم بطلان دعوى أن شيئًا يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو بقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله، لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًّا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًّا بحيث يصح تخلفها فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى" (^٢).
وهذا عندهم شامل للأسباب القدرية والشرعية، قال الجرجاني: "وأما الثواب والعقاب المترتبان على الأفعال الاختيارية؛ فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي واتجاه سؤال" (^٣).
وقد ترتب على إنكار الأشاعرة لتأثير الأسباب مسائل منها:
الأولى: نفيهم تأثير قدرة العبد ومشيئته في الفعل، وقد تقدم ذلك.
الثانية: نفيهم للحكمة، وزعمهم أن الله يفعل لمحض الإرداة وصرف المشيئة، يعني نفي السببية في أفعال الله سبحانه.
_________________
(١) شرح السنوسية (١٣٧).
(٢) تحفة المريد (١٦٧).
(٣) شرح المواقف (٨/ ١٥٤ - ١٥٥).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وقد تقدم الكلام على هاتين المسألتين.
الثالثة: نفيهم لصفات الأفعال من حسن وقبح، وزعمهم أن ذلك إنما يكون بالشرع فقط، وسيأتي ذلك في موضعه بعون الله.
وقد استدل الأشاعرة على قولهم بشبه منها:
أولًا: أن إثبات تأثير الأسباب قدح في القدرة الإلهية، إذ لا مؤثر غيرها (^١).
ثانيًا: أن إثبات الأسباب يعارض دليل الجواهر الفردة (^٢)، ويفتح الباب أمام زندقة الفلاسفة القائلين بالطبع (^٣).
أما شبهتهم الأولى، فمردودة من وجهين:
الأول: أن التأثير لفظ مشترك، يراد به التأثير التام الذي لا يتخلف، ويراد به التأثير الناقص الجزئي، والمراد بتأثير السبب الثاني لا الأول، إذ المؤثر
_________________
(١) انظر: موقف أهل السنة والجماعة من الأسباب وآراء المخالفين (٢/ ٤٦٢).
(٢) الجوهر الفرد هو: الجوهر الذي لا يقبل التجزي لا بالفعل ولا بالقوة. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين (١١٠)، ودليل الجوهر الفرد أو الجواهر الفردة من الأدلة التي اعتمد عليها المتكلمون في إثبات أن الله سبحانه يفعل بالاختيار، في مقابلة قول الفلاسفة بالفيض، ويقوم هذا الدليل على إثبات تماثل الأجسام في الجواهر واختلافها في الأعراض، قال التفتازاني: "الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض، وهذا أصل يبتنى عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار وكثير من أحوال النبوة والمعاد؛ فإن اختصاص كل جسم بصفاته المعينة لا بد أن يكون بمرجح مختار؛ إذ نسبة الموجب إلى الكل على السواء، ولما جاز على كل جسم ما يجوز على الآخر كالبرد على النار والحرق على الماء ثبت جواز ما نقل من المعجزات وأحوال القيامة، ومبني هذا الأصل عند المتكلمين على أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفردة، وأنها متماثلة لا يتصور فيها اختلاف حقيقة" شرح المقاصد (٣/ ٨٣).
(٣) انظر: السببية عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم (٢/ ٧٦٧).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
التام هو مشيئة الرب سبحانه وقدرته؛ فإثبات هذا التأثير للسبب لا يقدح في القدرة الإلهية، ولا يترتب عليه محذور.
الثاني: أن القوى والطبائع التي تؤثر في المسببات هي خلق للرب سبحانه وبقدرته ومشيئته وجدت، فكيف تكون مضادة لقدرته ومشيئته؟!
وأما شبهتهم الثانية؛ فردها من وجوه:
الأول: أن دليل الجواهر المفردة دليلٌ متعقَّب منتقد، قد أنكره بعض المتكلمين وتوقف فيه آخرون (^١)، وهو منقوض من وجوه كثيرة، منها:
- أنه طريق مبتدع في الدين لم يكن عليه سلف الأمة، وهو عريٌّ عن الدليل الصحيح (^٢).
- أنه - كغيره من طرق أهل الكلام والفلسفة - طريق شائك طويل وعر، ومقدماته تدور بين الاشتباه والخفاء بحيث لا يدركها إلا الأذكياء، وما كان كذلك لا يصح أن يجعل دليلًا لما هو فرض عيني على كل مسلم (^٣).
- أنه مع ذلك غير موصل إلى عين المقصود، بل غايته إثبات محدث لا على التعيين، وهذا ما لا يفي بالمقصود، ولو سلم إيصاله إلى أن المحدث الله سبحانه؛ فإنه لا يوصل إلى المقصود من ذلك، وهو إفراده سبحانه بالعبادة التي هي مقصود الخلق (^٤).
_________________
(١) انظر: بيان التلبيس (٢/ ٢٥١ - ٢٥٣).
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٥٠)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٤٣)، ودرء التعارض (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢ - ١٣)، وانظر: السببية عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم (٢/ ٧٧٦ - ٧٧٩).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
الثاني: أنه لا يلزم من إثبات تأثير الأسباب قول الفلاسفة القائلين بالطبع؛ إذ بينهما وسط حق، وهو إثبات السبب سببًا، أي أنه مؤثر تأثيرًا ناقصًا.
الثالث: أنه لو سلم أن إثبات تأثير السبب يبطل هذا الدليل، فليس في ذلك ما يقدح في ربوبية الله سبحانه، إذ ذلك مما تضافرت عليه أدلة المنقول والمعقول والفطر والحس، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، لكن الأشاعرة لما اعتمدوا في إثبات وحدانية الرب على هذا الدليل؛ كان في إبطاله سدًّا لباب إثبات الصانع عندهم، وفتحًا لباب الشرك والإلحاد.
ثم إن إنكار تأثير الأسباب يفضي إلى التسوية بينها وبين أضدادها، فلا يجعل للعين ميزة في نفسها عن الخد ولا للطعام ميزة في نفسه عن التراب، وهذا من أوضح الباطل (^١).
وفي الحقيقة أنه لا دليل معتبر للأشاعرة في إنكارهم تأثير الأسباب، بل هم مخالفون بذلك لأدلة العقل والنقل والفطرة والحس، وقد قال ابن حزم ﵀: "ما نعلم لهم حجة شغبوا بها في هذا الهوس أصلًا" (^٢).
وقال شيخ الإسلام: "قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع؛ فأضحكوا العقلاء على عقولهم" (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٧).
(٢) الفصل (٥/ ١١٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٧)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٤).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
المبحث السادس: "الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: "إن الله هو الهادي والفاتن" (^١).
قال الطحاوي ﵀: "يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد" (^٣).
وقال ابن كثير ﵀: "الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء،
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ: كتاب الجامع، باب النهي عن القول بالقدر (٢/ ٤٨١) ح (٢٦٢٠).
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (١/ ١٣٧).
(٣) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
المضل لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله" (^١).
وقال الشيخ السعدي: "يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله" (^٢).
وقال السَّفَّاريني ﵀: "الله تعالى إذا شاء هداية عبده يهتدي، وإذا أراد ضلاله وهلاكه يعتدي، فهو سبحانه الموفق لمن أراد له السعادة، والخاذل من شاء إبعاده، فالتوفيق والخذلان من الحكيم المنان" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٠٥).
(٢) تفسير السعدي (٣/ ١٢٩١).
(٣) لوامع الأنوار (١/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع.
أما أدلة الكتاب فكثيرة جدًّا، ومنها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧].
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣].
[ ٢ / ٦٥١ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦].
والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
وأما أدلة السنة، فمنها حديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له. . .) (^١).
وحديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وكان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن ﷿ يخفضه ويرفعه) (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢) ح (٨٦٧).
(٢) رواه أحمد (٢٩/ ١٧٨) ح (١٧٦٣٠)، وابن ماجه: المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ١٩٦) ح (١٩٩)، وإسناده صحيح، وله شاهدين: الأول: من حديث أم سلمة ﵂، رواه أحمد (٤٤/ ٢٠٠) ح (٢٦٥٧٦) و(٤٤/ ٢٧٨) ح (٢٦٦٧٩)، والترمذي: أبواب الدعوات، باب (٥/ ٤٩٥) ح (٣٥٢٢). =
[ ٢ / ٦٥٢ ]
حديث علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم) (^١).
وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كلانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (^٢).
وقوله ﷺ يوم أحد لما انكفأ المشركون: (استووا حتى أثني على ربي)، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرِّب لما باعدت. . .) الحديث (^٣).
وحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا مبلغ والله يهدي، وقاسم والله يعطي. . .) (^٤).
_________________
(١) = الثاني: من حديث عائشة ﵂، رواه أحمد (٤١/ ١٥١) ح (٢٤٦٠٤)، وانظر الصحيحة ح (٢٠٩١).
(٢) رواه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (٤/ ٢٠٩٠) ح (٢٧٢٥).
(٣) رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٤) ح (٧٧٠).
(٤) رواه أحمد (٢٤/ ٢٤٦) ح (١٥٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩/ ٢٢٥) ح (١٠٣٧٠)، من حديث عبيد بن رفاعة الزرقي ﵁، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣٨١).
(٥) رواه أحمد (٢٨/ ١٣٣) ح (١٦٩٣٦)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٦٢٨).
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) (^١).
وكل نص في القرآن والسنة في الختم والطبع ونحوهما فهو دليل على أن الله يضل من يشاء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله.
وأما الإجماع، فممن حكاه:
- ابن القيم، قال ﵀: "وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد" (^٢).
- ابن الوزير، قال ﵀: "فالهداية من الله تعالى، وهو الهادي بإجماع المسلمين" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (٤/ ٢٠٨٦) ح (٢٧١٧).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
(٣) إيثار الحق (١٦٩).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه المسألة من أجل مسائل الدين بالنسبة للمكلفين، وعليها مدار نجاتهم في أولاهم وأخراهم، فهداية الله للعبد هي أعظم نعمه عليه، فحاجة العبد إليها فوق كل حاجة، وضرورته إليها فوق كل ضرورة (^١).
والإضلال هو أعظم نقم الله على العبد، وكل شر يلحقه فبإضلال الله ﷾ له.
قال ابن القيم ﵀: "هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال" (^٢).
والهِدَايَة في اللغة: مصدر هدى يَهدي، وهي التقدم للإرشاد، ومنه: هادي الخيل: أول رعيل منها، لأنه المتقدم. والهادية: العصا، لأنها تتقدم ممسكها كأنها ترشده، وهي المتقدمة من الإبل، وهي من كل شيء أوله (^٣).
والإِضْلَال: مصدر أضل يُضِلُّ: جعله ضالًّا، وأصل الضلال غيبوبة الشيء وضياعه وذهابه في غير حقه، يقال: ضلَّ الماءُ في اللبن: إذا غَاب، وضلَّ الكافِرُ: إذا غابت عنه الحُجَّة، وضلَّ الناسِي: إذا غابَ عنه حِفْظُه، ومنه ضالة الإبل: أي ضائعتها، وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف موضعهما (^٤).
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل (١/ ٩٩)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ٣٧٨)، ولسان العرب (٢٠/ ٢٢٨) مادة: (هدى).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٤٦٤)، ومقاييس اللغة (٣/ ٣٥٦) مادة: (ضل).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
قال الأزهري ﵀: "والإضلال في كلام العرب ضدّ الهِدَاية والإرشاد، يقال: أَضللْتُ فلانًا، إذا وجهتَه للضلال عن الطريق" (^١).
وقد تضمنت هذه القاعدة مسائل عديدة:
الأولى: في الهداية وما يتعلق بها.
الثانية: في الإضلال وما يتعلق به.
الثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق.
المسألة الأولى: في الهداية وما يتعلق بها.
تتعلق بالهداية جزئيات عدة:
الأولى: تعريفها.
الهداية من حيث العموم هي: "العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره" (^٢).
الثانية: مراتبها.
باستقراء نصوص الكتاب والسنة يتبين أن للهداية أربع مراتب (^٣):
المرتبة الأولى: الهداية العامة.
وهي: هداية كل مخلوق إلى ما يصلح له ويناسبه من أمور حياته ومعاشه.
وهذه الهداية مبنية على أمرين:
_________________
(١) تهذيب اللغة (١١/ ٤٦٤).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٧١ - ١٧٧)، والجواب الصحيح (٦/ ٥)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٨)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٧ - ٣٠٩)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
١) معرفة ما ينفع وما يضر.
٢) إيثار ما ينفع ومحبته، وترك ما يضر وبغضه.
فالله ﷾ خلق خلقه وأودع فيهم معرفة ما تقوم به أمور معايشهم، وأودع فيهم محبة ما ينفعهم وقصده وإيثاره، وبغض ما يضرهم وتركه والابتعاد عنه، كما هدى الحيوان لجلب ما ينفعه بالأكل والشرب، ودفع ما يضره باللباس والكِنِّ.
وهذه الهداية مراتب لا يحصيها إلا هو سبحانه، فتبارك الله رب العالمين.
ومن خصائص هذه المرتبة:
١) أنها أسبق مراتب الهداية.
فالهداية العامة توجد مع المخلوق بوجوده، ولهذا كثيرًا ما يجمع الله ﷾ بينها وبين الخلق في الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
فالخلق: الإيجاد، والهداية: التعليم، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وسيأتي في أدلة هذه المرتبة آيات أخرى.
٢) أنها عامة في كل مخلوق من حي أو جماد، لا تختص ببني آدم ولا بغيرهم.
فكل ما خلقه الله فهو مَهديٌّ هذه الهداية، وميسَّرٌ لها وموفق لها، لا فرق في ذلك بين حي وجماد، ولا بين جن وإنس وحيوان، ولا بين مؤمن وكافر، بل ولا بين عاقل ومجنون، فكلٌّ مهدي هذه الهداية، وإن اختلفت صورها وأشكالها.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ولكل منها ما يليق به؛ فللحيوان المتحرك بإرادته ما يليق به، وللجماد المسخر لما خلق له هداية تليق به، كما أن لكل عضو له هداية تليق به؛ فللرجلين المشي، ولليدين البطش والعمل، وللِّسان الكلام، وللأذن الاستماع، وللعين كشف المرئيات، ولكل عضو ما خلق له (^١).
٣) أنها فطرية، لا يتوقف حصولها على مؤثِّر خارجي.
أي أنها لا تحتاج إلى تعليم ولا إلى تلقٍّ، بل توجد شيئًا فشيئًا بوجود المخلوق.
وكونها فطرية لا يعني أنها ملازمة للإنسان لا تنفك عنه ولا يضل عنها، بل قد يطرأ عليها ما يغيرها، بل ما يقلبها على عقبها، وإذا كانت معرفة الله ومحبته ومحبة دين الإسلام وإرادته - وهي أعظم ما فُطر عليه المكلفون - قد تتغير وتفسد؛ فتغير هذه وفسادها من باب أولى.
ولا يعني أيضًا أنها تحصل للمخلوق بمجرد وجوده، بل تحصل له رويدًا رويدًا بحسب حاجته لها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما وُلد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة" (^٢).
٤) أنها متعلقة بأمور الدنيا لا بأمور الدين.
أي ليس حصولها يزيد في الدين، وليس نقصها - إن قدر أنها نقصت -
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٤٧).
(٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٤).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
نقص في الدين، كما أن الدين ليس شرطًا لحصولها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وذلك أن المغفرةَ مشروطة بالإيمان، فلا تكون إلا لأهل الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة؛ فإنها تحصلُ بدون الإيمان" (^١).
ومن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
قال عطاء ﵀: "جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه" (^٢).
وقال ابن جزي ﵀: "قدّر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به" (^٣).
وقال السعدي ﵀: "وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته" (^٤).
وقد فسرت هذه الآية ببعض أمثلتها، كقول بعضهم: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقول آخرين: هدى الأنعام لمراتعها، والصواب أنها عامة (^٥).
وقد ذكر الله ﷾ في هاتين الآيتين أربعة أمور عامة: الخلق
_________________
(١) جامع المسائل (٦/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٢) زاد المسير (٩/ ٨٨).
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٥٦٣).
(٤) تفسير السعدي (٤/ ١٩٥٩).
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٣١٢)، التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٥٦٣)، شفاء العليل (١/ ٢٣١).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية -التي هي إتمام الخلق وإتقانه وإحسانه بحيث لا يكون فيه خلل ولا تفاوت - من تمام الخلق الذي هو الإيجاد، والهداية من تمام التقدير (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠].
قال قتادة ﵀: "أعطى كل شيء ما يصلحه، ثم هداه له" (^٢)، ومثله عن الحسن (^٣).
وقال مجاهد ﵀: "سوى خلق كل دابة، ثم هداها لما يصلحها، فعلمها إياه" (^٤).
وعلى هذا تكون هذه الآية نظيرة الآية السابقة، والمعنى أن الله ﷿ أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في معيشته من مطعم ومشرب ومنكح وغير ذلك، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين (^٥).
وفي هذه الآية ما في سابقتها من تفاسير بالمثال، إلا أن العموم هو المراد منها، والله أعلم (^٦).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٣٠).
(٢) رواه الطبري (١٦/ ٨١).
(٣) انظر: الدر المنثور (١٠/ ٢١٠).
(٤) رواه الطبري (١٦/ ٨١).
(٥) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦١).
(٦) انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٧٩ - ٨١)، الدر المنثور (١٠/ ٢١٠ - ٢١٢)، شفاء العليل (١/ ٢٦٢).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
المرتبة الثانية: هداية الدلالة والإرشاد للمكلفين.
وهي: "هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك" (^١).
ومن خصائصها:
١) أنها أخص من المرتبة الأولى.
وذلك من وجهين:
الأول: أنها خاصة بالمكلفين من إنس وجن، فلا يدخل فيها من سواهم ممن لا تكليف عليهم منهم كالصبيان والمجانين، ولا يدخل فيها كذلك من عداهم من المخلوقات، لا العاقلة كالملائكة، ولا غير العاقلة من حيوان وجماد.
الثاني: أنها خاصة بالهداية إلى الخير والشر دون ما سواهما من أنواع الهدايات.
٢) أنها حجة الله على عباده، فلا يعذب الله من لم تبلغه.
فالبيان والدلالة على طريق الخير والشر شرط لقيام الحجة على المكلف، وبدونها لا تقوم عليه حجة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (^٢).
إذ أن مناط قيام الحجة على العبد أمور ثلاثة: هي العقل، والبلوغ، ووصول الدعوة.
دل على ذلك حديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٧٣).
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٥).
[ ٢ / ٦٦١ ]
قال: (أربعة يوم القيامة: رجلٌ أصم لا يسمع شيئًا، ورجلٌ أحمق، ورجلٌ هرم، ورجلٌ مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (^١).
٣) أنه تحصل على أيدي الرسل وأتباعهم.
وذلك أن الله سبحانه أرسل رسله من الملائكة والبشر لإقامة العبودية لله سبحانه، وحده لا شريك له، وهذه العبودية لا بد لحصولها من شيئين:
٣) معرفة هذا المعبود وما له من صفات بها استحق أن يعبد.
٤) معرفة ما يريده من العبادات، صفةً، وأداءً، وعددًا ونحوه.
وهذان الأمران يتوقف حصولهما على الوحي ولا يمكن معرفتهما بمجرد العقل، والوحي إنما يؤخذ عن الرسل وعن أتباعهم المبلغين عنهم ما أُوحي إليهم.
ومن معنى حصولها على أيدي الرسل وأتباعهم أنه لا يتوقف حصولها على قبول المدعو لها واهتدائه - بهداية الله له -، بل يحصل بمجرد وصولها له وفهمها.
قال ابن القيم ﵀: "ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٣١٩).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٩).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
٤) أنها غير مستلزمة للاهتداء التام، بل هي شرط فيه أو جزء سبب.
فالهداية التامة التي هي هداية التوفيق لا يمكن حصولها إلا بعد حصول هداية الدلالة والبيان، فهي بمنزلة الشرط للمشروط، والسبب للمسبب، وإذا كانت كذلك؛ فهي غير مستلزمة للاهتداء، لأن السبب والشرط لا يستقلان بحصول المسبب والمشروط بل لا بد من أسباب وشروط أخرى، ولا بد مع ذلك من انتفاء الموانع (^١).
قال ابن القيم ﵀: "فالهداية هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة. . . فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق" (^٢).
ومن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٤).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٩).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وحيث أضيفت الهداية في القرآن أو السنة إلى القرآن أو إلى الرسل أو إلى أتباعهم؛ فهي هداية دلالة وبيان.
وحيث وُصف بها الكفار فهي هداية دلالة، إذ لو كانت توفيقًا لما كانوا كافرين، هذا إذا لم يكن المقصود بها الهداية إلى الجنة والنار.
المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام.
وهي: "مشيئة الله لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد" (^١).
ومن خصائصها:
١) أنها ملك لله سبحانه، فلا يقدر عليها إلا هو سبحانه.
وذلك لأن هذه الهداية هي هداية للقلوب، والله سبحانه هو المالك للقلوب المتصرف فيها، كما قال ﷺ: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) (^٢).
ولأن الهداية والإضلال من مقتضى الربوبية، فالرب سبحانه هو الذي يهدي ويضل لا غيره.
ولأن حقيقة هذه الهداية لا يقدر عليها إلا الله؛ فلا يقدر على خلق الهدى في القلب وجعل العبد قادرًا عليه، مريدًا له مؤثرًا له على غيره إلا هو سبحانه.
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٢٢٩)، وانظر: (١/ ٢٦٦) منه.
(٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (٤/ ٢٠٤٥) ح (٢٦٥٤)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
ولأنه سبحانه هو الذي يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق خلافها.
ولأن الله سبحانه أخبر بأن رسوله لا يملكها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فإذا كان أعلم الخلق بالله وبدينه لا يملك لأحد الهداية؛ فغيره من باب أولى.
فهداية التوفيق ملك لله سبحانه وحده، والمطلوب من العبد الإتيان باسبابها فإنها مقدورة له (^١).
قال ابن القيم ﵀: "فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريدًا للهدى محبًّا له مؤثرًا له عاملًا به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل" (^٢).
٢) أنها أخص أنواع الهداية.
فهي خاصة بمن منَّ الله عليهم بالإيمان ووفقهم له، دون من سواهم.
٣) أنها موجبة للاهتداء وسبب تام له.
فمن هداه الله هداية التوفيق فهو المهتدي، بخلاف من هُدي هداية الدلالة؛ فإنه قد يهتدي وقد لا يهتدي.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨].
قال الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، والمهتدي - وهو السالك سبيل الحق، الراكب قصد المحجة في دينه - من
_________________
(١) انظر: الرد على البكري (٢١٤ - ٢٠٥).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢٠٢)، وانظر: جامع الرسائل (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ٦٦٥ ]
هداه الله لذلك فوفقه لإصابته، والضال من خذله الله فلم يوفقه لطاعته، ومن فعل الله ذلك به فهو الخاسر: يعني الهالك" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧].
قال الشيخ السعدي ﵀: "يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده فييسره لليسرى ويجنبه العسرى؛ فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله فيخذله ويكله إلى نفسه؛ فلا هادي له من دون الله، وليس له وليٌّ ينصره من عذاب الله" (^٢).
٤) أنها سبب الهداية إلى طريق الجنة، وخلافها سبب الهداية إلى طريق النار.
فالله سبحانه جعل الجنة مثوى أوليائه، والنار مثوى أعدائه، وأولياؤه هم المهديون الذين وفقهم الله للإيمان، وأعداؤه هم الذين خذلوا ولم يوفقوا، فمن آمن واهتدى في الدنيا، هداه إلى طريق الجنة في الآخرة، ومن لا؛ هداه إلى طريق النار.
ومن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٥٩٠).
(٢) تفسير السعدي (٢/ ٩٣٩).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وقد يقتصر كثير من أهل العلم في ذكر معاني الهداية على هداية الإرشاد وهداية التوفيق دون ما سواهما، وذلك لأن الخصومة مع أهل البدع فيهما، ومثال ذلك قول ابن كثير ﵀: "ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿. . . ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه" (^١).
المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة، وذلك حين يساق أهلهما إليهما.
ومن خصائصها:
١) أنها ثمرة الهداية الدنيوية وغايتها وجزاؤها.
فمن هُدي هداية التوفيق؛ هدي إلى طريق الجنة، ومن لا؛ هُدي إلى طريق النار.
٢) أنها لا تكون إلا بعد الموت لا قبله.
لأنها هداية مخصوصة إلى طريق الجنة والنار، وهما من أمور الآخرة.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٦٢).
[ ٢ / ٦٦٧ ]
ومن أدلتها:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤، ٥].
فهذه هداية بعد قتلهم، والهدايات السابقة هي قبل الموت، وهي هداية للمؤمنين إلى الجنة (^١).
وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣].
وهذه هداية بعد حشرهم، فهي هداية بعد الهدايات السابقة، وهي هداية لأهل النار إليها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة (^٢).
قال مجاهد ﵀: "يكون لهم نورًا يمشون به" (^٣).
وكل من هذه الهدايات مراتب كثيرة، لا يحصيها إلا الله وحده، وليست شيئًا واحدًا.
أما الهداية العامة؛ فالخلق فيها متفاوتون، فمنهم من هدي الهداية العظيمة التي لا يغيب عنه بها تفاصيل أموره ومعاشه، ومنهم من تغيب عنه كثير من تفاصيل ذلك، ومن هنا كان فيهم الكيس وفيهم العاجز، وفيهم الذكي وفيهم
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٦٤).
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٢٣)، وتفسير البغوي (٤/ ١٢٢).
(٣) تفسير الطبري (١٢/ ١٢٤).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الغبي، وهكذا.
وأما هداية الدلالة؛ فمن المكلفين من يبين له الحق وأدلته على أكمل صورة بحيث لا يكون إلا معاندًا إذا لم يؤمن، كما هو حاصل في هداية الأنبياء لأقوامهم، وبخاصة نبينا ﷺ، ومنهم من تبلغه على وجه أضعف، حتى يصل إلى درجة يصعب معها الحكم بقيام الحجة عليه.
وأما هداية التوفيق؛ فمن المؤمنين من يهدى للصراط ويهدى لتفاصيل الصراط، ومنهم من يهتدي للصراط، لكن لا يهتدي لتفاصيله، إذ هذه الهداية هدايتان: هداية إلى الصراط، وهداية فيه (^١)، ومن هنا يعلم خطأ من فسر قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالتثبيت على الهداية، إذ أن الإنسان بحاجة إلى معرفة تفاصيل الهداية في جميع ما يأتيه ويذره، من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها، وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الحاجات إلى أنواع الهدايات، فمن كملت له هذه الأمور فسؤاله حينئذ سؤال تثبيت، لكن من الذي كملت له؟ (^٢).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٨).
(٢) انظر: الفتاوى الكبرى (٦/ ٦)، وجامع الرسائل (٩٩ - ١٠٠)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، ومدارج السالكين (١/ ٢٢).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وأما هداية الجنة والنار؛ فالمؤمنون منهم من تكمل له الهداية، فيمر على الصراط كالطرف وكالبرق، ومنهم دون ذلك حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، كما جاء في الحديث (^١).
المسألة الثانية: في الإضلال وما يتعلق به.
تعريفه:
الإضلال في الشرع: هو ضد الهداية، وهو خذلان الله سبحانه للعبد، وعدم تمكينه من الهداية للصراط المستقيم.
وهو في الحقيقة ضدٌّ لهداية التوفيق، إذ لا بد للمخلوق من هداية عامة، وكذلك هو مهدي يوم القيامة حتمًا؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، ومن لم يهتدِ هداية الدلالة فهو معذور لعدم قيام الحجة عليه.
والإضلال إفعال من الضلال، وهو: "الذهاب عن طريق الصواب" (^٢).
مراتبه:
الإضلال ليس على درجة واحدة بل هو مراتب مختلفة، ترجع إلى مرتبتين أساسيتين:
الأولى: الإضلال الأكبر، وهو التام الحقيقي الذي يُحال بين صاحبه وبين أصل الهداية، وهو إضلال الكفر المخرج من الملة.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٩/ ١٢٩) ح (٧٤٣٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧) (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) تفسير البغوي (٤/ ٢٧٦).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الثانية: الإضلال الأصغر، وهو ما دون ذلك، مما هو من شعب الكفر دون أصله، ويتنوع كذلك إلى: كبائر، وصغائر.
وقد جاء في النصوص التعبير عن الإضلال بمعان كثيرة، ذكر الإمام ابن القيم ﵀ منها: الختم، والطبع، والأكنة، والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوقر، والغشاوة، والران، والغل، والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمي، والصد، والصرف، والشد على القلب، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحول بين المرء وقلبه، وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم، وإماتة قلوبهم، وإمساك النور عنها، وجعل القلب قاسيًا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا لا يقبل الإيمان.
وذكر ﵀ أن هذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها، ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر، ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشاوة، ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي.
وقد تعرض ﵀ لبيان كل واحد منها، وذكر أدلته (^١).
وحاصل الأمر أن هذه الأمور هي محاملُ للإضلال وصورٌ له، فالله سبحانه يضل من شاء من عباده إما بالختم على قلوبهم، أو بالطبع عليها، أو بإركاسها، أو بصرفها عن الهدى. . . وهكذا.
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٧٧ وما بعدها)، وانظر كذلك (١/ ٢٦٩) منه.
[ ٢ / ٦٧١ ]
المسألة الثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق.
هذه المسألة هي لبُّ هذا المبحث، وبيانها من وجهين، عام وخاص.
أما العام: فهو أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم.
والمراد أنه سبحانه يمن على من شاء من عباده فيوفقهم للصراط المستقيم المتضمن فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، محبةً له سبحانه وتعظيمًا.
ويخذل من يشاء ويَكِله إلى نفسه فلا يعينه، فيزيغ عن الصراط المستقيم، فيقع في المحرمات ويترك الواجبات.
ومَنُّه بالهداية فضل منه ﷿ وحكمة، وإضلاله عدل وحكمة كذلك.
وأما الخاص: فيكون ببيان كل واحد على حدة.
أما الهدى؛ فيحصل من اجتماع أمرين:
١) هداية الله سبحانه للعبد، وهذا فعل له سبحانه، وهو خلق الهدى ومحبة ما أمر به وبغض ما نهى عنه، اعتقادًا وقولًا وعملًا في قلب العبد، وهذه نعمة دينية من الله للعبد أعانه بها على الهداية.
٢) اهتداء العبد وهذا فعل له هو، وهو أثر فعل الله سبحانه.
وهذا الاهتداء يحصل على وفق هذا الترتيب:
أولًا: معرفة الحق على وجه صحيح.
ثانيًا: جعله مريدًا له مؤثرًا له على ضده.
ثالثًا: خلق القدرة على القيام بموجب هذا الهدى، قولًا وعملًا ونيَّةً.
رابعًا: إدامة ذلك والتثبيت عليه حتى الممات.
قال ابن القيم ﵀: "وهما [أي: هداية الإرشاد وهداية التوفيق]
[ ٢ / ٦٧٢ ]
هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة" (^١).
وأما الإضلال؛ فيحصل كذلك بأمرين:
١) إضلال الله سبحانه للعبد، وهو فعله سبحانه، وهو خلق الضلال وبغض ما أمر به الله وحب ما نهى عنه.
٢) ضلال العبد وهو فعله، وهو كذلك أثر فعل الله سبحانه.
وهذا الإضلال منه ما يكون ابتداءً، ومنه ما يكون طارئًا بعد هدى.
قال ابن القيم ﵀: "وهذه المرتبة [أي: هداية التوفيق] تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى، والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه؛ فهو الهادي والعبد المهتدي. . . ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد" (^٢).
وإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده وهدايته من شاء منهم من صفاته سبحانه الفعلية التي تتعلق بمشيئته سبحانه، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
والله سبحانه إنما يهدي من يعلم أنه أهل للهداية، وإنما يضل من يعلم أنه ليس أهلًا لها، فهو ﷿ حكيم يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٢).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢٦٦)، وانظر: (١/ ٢١٥) منه.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].
وإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده - سواء الابتدائي أو ما كان بعد هدى - محض الحكمة والعدل، ليس فيه ظلم، وذلك من وجوه:
الأول: أن هذا فعله سبحانه، والله ﷿ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
الثاني: أن هذا الإضلال منه سبحانه مبني على علمه بهذا العبد بأنه لا يصلح للهداية، ولو علم أنه يصلح للهداية لما أضله.
الثالث: أن الإضلال هو ترك الفضل منه سبحانه، وترك الفضل لا ظلم فيه، يوضحه:
الرابع: أن من أضله الله سبحانه لم يَحُل بينه وبين الهدى وبيان الرسل، بل أقام له أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا ولم يحل بينه وبينها، وأراه الصراط المستقيم حتى كأنه يشاهده عيانًا، وإنما قطع عنه توفيقه ولم يرد من نفسه إعانته والإقبال بقلبه إليه.
فلم يَحُل بينه وبين ما هو مقدور له، وإن حال بينه وبين ما لا يقدر عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه (^١).
والحاصل أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، وأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضله فلا هادي له، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه.
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، وانظر: (١/ ١٣٩) منه.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة: الأشاعرة والمعتزلة.
أما الأشاعرة؛ فبعد إقرارهم بأن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه؛ أنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء والضلال، ففسروا الهداية بخلق الله سبحانه الهدى في قلب العبد، والإضلال بخلق الضلال في قلب العبد، وهذا القدر صحيح بلا ريب، وهو مما وافقوا فيه أهل السنة، إلا أنه غير كاف في بيان الأمر، فالهدى والضلال كما تقدم كل منهما مرتبتان: أولاهما فعل الرب سبحانه، وهو الهدى والإضلال، وثانيهما فعل العبد وهو الاهتداء والضلال، فالله الهادي والمضل، والعبد المهتدي والضال.
فللعبد فعل وأثر في ذلك؛ أما الهداية فهي في أصلها محض منة الله سبحانه وفضله وكرمه، لكن العبد يتسبب في أنواع الهداية، ففعله الحسنة الأولى سبب لمنِّ الله عليه بالحسنة الثانية، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، فذكر تيسيره لليسرى جزاء على إعطائه وتقواه وتصديقه، ولا شك أن هذا نوع من أنواع الهداية.
وأما الإضلال فهو عدل من الله سبحانه بسبب من العبد، كما أخبر سبحانه عن قوم ثمود بقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فأضلهم الله سبحانه بتركهم الهدى وبيان الرسول وإعراضهم.
فالأشاعرة أنكروا أثر العبد وتسببه في هداية أو ضلال، فأرجعوا
[ ٢ / ٦٧٥ ]
القول في الهداية والإضلال إلى أصلهم في الجبر ونفي تأثير الأسباب، ونفي الحكمة والتعليل.
وأما كون الله سبحانه يهدي ويضل فهم يثبتونه كما سبق، بل نصوا كذلك على مراتب الهداية الثلاث بعد الهداية العامة.
قال الباقلاني: "فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل الكافرين؟ قيل له: أجل، فإن قال: وما معنى هدايته للمؤمنين؟ قيل له: قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم، وقد يهديهم أيضًا بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه وتسهيله لهم السبيل إليه، كل ذلك هداية منه لهم، وقد يهديهم أيضًا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة، وذلك هدى لهم من فعله، فإن قال: فما معنى إضلاله الكافرين؟ قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحًا. . . وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على الاهتداء، وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة، كل ذلك إضلال لهم" (^١).
وقال الجويني - بعد إيراده آيات في الهداية والإضلال -: "واعلم أن الهدى في هذه الآي لا يتجه حمله إلا على خلق الإيمان، وكذلك لا يتجه حمل الإضلال على غير خلق الضلال، ولسنا ننكر ورود الهداية في كتاب الله ﷿ على غير المعنى الذي رُمناه، فقد يرد والمراد به الدعوة .. وقد ترد الهداية ويراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها يوم القيامة" (^٢).
_________________
(١) التمهيد (٢٧٦ - ٢٧٨).
(٢) الإرشاد (٢١١)، وانظر: أبكار الأفكار (٢/ ١٩٣) وما بعدها، ونهاية الإقدام (٤١٢ - ٤١٣).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وقال الشهرستاني: "قالت الأشعرية: التوفيق والخذلان ينسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على جهة واحدة، فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة. . . والخذلان خلق قدرة المعصية" (^١).
وقال ابن المنيِّر: "الهدى من الله تعالى عند أهل السنة حقيقة هو خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال: خلق الضلال في قلوب الكافرين، ثم ورد الهدى على غير ذلك من الوجوه مجازًا واتساعًا" (^٢).
وقول الأشاعرة: خلق القدرة على الطاعة، وخلق القدرة على المعصية: المراد به خلق الطاعة والمعصية نفسها، إذ لا قدرة عندهم متقدمة على الفعل، وليس ثَمَّ إلا القدرة المقارنة.
قال الشهرستاني في سياق كلامه المتقدم: "والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل، وهي تتجدد ساعة فساعة؛ فلكل فعل قدرة خاصة، والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية. . . والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن كانت توفيقًا بالإضافة إلى الخير، فهي خذلان بالإضافة إلى الشر" (^٣).
وقد تقدم إبطال قولهم في نفي قدرة العبد ومشيئته، وقولهم في نفي الحكمة والأسباب، وهذا يرد قولهم هنا.
ويرده كذلك أن الله سبحانه أثبت للعبد اهتداءً وضلالًا، كما في قوله
_________________
(١) نهاية الإقدام (٤١٢).
(٢) الانتصاف بهامش الكشاف (٥/ ٣٧٧).
(٣) نهاية الإقدام (٤١٢).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فذكر أنه زاد هدايتهم جزاءً لهم على اهتدائهم، ولا يمكن حمل الاهتداء هنا على الدلالة والبيان، لأنه حاصل للكافر أيضًا، فلا تكون للمؤمن مزية عليه، وهذا باطل، فدل على أن للعبد فعلًا في الاهتداء بعد منَّة الله سبحانه عليه بالهداية الأولى.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فذكر هداية الدلالة وأنها حاصلة لهم، ثم ذكر أنهم عمَوا بفعلهم وقصدهم، فدل على أن العمى هنا ليس العمى عن هداية الدلالة، وإنما عن هداية التوفيق.
ويجمع بين الأمرين آيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١]، فذكر أولًا حصول هداية الدلالة ببلوغ الرسالة وإنزال الكتاب، ثم ذكر الاهتداء والضلال، فدل على أن العبد يهتدي ويضل، إذ لا يمكن حمل الهداية والضلال على الدلالة وعدمها.
والخلاف الأشد في هذه القاعدة مع المعتزلة.
فقد ذهبت المعتزلة إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى من الله سبحانه على وجوه:
الأول: البيان والدلالة.
الثاني: زيادة التثبيت والتسديد.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
الثالث: الثواب في الجنة (^١).
وجعلوا الإضلال من الله تعالى على وجوه:
الأول: العقاب والصرف عن طريق الجنة.
الثاني: ترك التوفيق والتسديد ومنع الألطاف.
الثالث: إيقاع اسم الضلال والتسمية به والدعوة به (^٢).
وأنكروا أن يخلق الله سبحانه الهدى أو الضلال في قلوبهم، والإضلال عندهم من الله - على ما زعموه من معان - لا يكون إلا بعد استحقاق العقوبة.
قال القاضي عبد الجبار: "فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم، ولا نقول: إنه يضل عن الدين بأن يخلق الضلال فيهم، ولا أنه يريده ولا أنه يدعوهم إليه لأن ذلك هو الذي يليق بالشيطان والفراعنة" (^٣).
قال يحيَى بن الحُسين (^٤): "الهدى من الله ﷿ هديان: هدي مبتدأ، وهدي
_________________
(١) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
(٢) ويذكرون عند تفسيرهم للضلال معاني أخرى لا ارتباط لها بالمراد هنا، كالجهل بالعاقبة والنسيان وإبطال العمل، انظر مثلًا: كتاب في معرفة الله (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٨٣).
(٣) تنزيه القرآن عن المطاعن (٢٠).
(٤) هو: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني العلوي الرسي المعتزلي، الملقب بالهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية، ولد بالمدينة سنة (٢٢٠ هـ)، من كتبه: "الجامع"، و"الأمالي"، مات بصعدة (٢٩٨ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ١٤١)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٩١).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
مكافأة، فأما الهدي المبتدَأ؛ فقد هدى الله به البر والفاجر، وهو العقل والرسول والكتاب، فمن أنصف عقله وصدق رسوله وآمن بكتابه، وحلل حلاله وحرم حرامه؛ استوجب من الله الزيادة، والهدي الثاني: جزاء على عمله ومكافأة على فعله، كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
ومن كابر عقله وكذب رسوله ورد كتابه؛ استوجب من الله الخذلان، وتركه من التوفيق والتسديد، وأضله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وذلك قوله ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ عنى الهدى الثاني، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ يقول: ومن يرد أن يوقع اسم الضلال عليه - بعد أن استوجب بفعله القبيح -: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] " (^١).
وقال مفسِّرًا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]: "كما اتخذ إلهه هواه؛ أوقع عليه اسم الضلال وسماه به ودعاه - بعد أن اتخذ إلهه هواه - وختم على سمعه، وتركه من التوفيق والتسديد، وخذله ولم يؤيده ولم يسدده" (^٢).
وقال بعد أن ذكر معاني الضلال: "والوجه السادس: قوله سبحانه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
_________________
(١) كتاب في معرفة الله (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٨١).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٨٢).
[ ٢ / ٦٨٠ ]
[النحل: ٩٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، و﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
ونحو هذا في القرآن كثير، يعني في جميع ذلك: أنه يوقع عليه اسم الضلال، ويدعوه به بعد العصيان والطغيان، لا أنه يغويهم عن الصراط المستقيم كما أغوى وأضل فرعونُ قومَه" (^١).
وعندهم أن الله سبحانه إنما قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] "خبرًا عن نفسه وإثباتًا له القدرة على كل شيء، لكي لا يظن جاهل أن الله عاجز عن أن يمنع الضُّلَّال من الضلالة، لأن في الناس متجاهلين كثيرًا. . . فأراد سبحانه أن يثبت الحجة لنفسه على الجهال الذين يقولون مثل هذه المقالة فيه" (^٢).
وضلال المعتزلة في هذه المسألة مرتبط بضلالهم في مسائل أخرى، منها:
- مسألة النعمة الدينية؛ فعندهم أنه ليس لله سبحانه على الطائع نعمة خاصة أعانه بها على الطاعة.
- مسألة خلق الأفعال، فأفعال العباد غير مخلوقة لله عندهم، شرها ابتداءً وخيرها طردًا للباب، فما وقع من اهتداء من العبد أو ضلال فالله لم يخلقه، لأن كل خير في أفعال العباد فهو اهتداء، وكل شر فهو ضلال.
- مسألة الحكمة، فالمعتزلة يثبتون حكمة منفصلة عنه سبحانه، وخلق الضلال عندهم مناف للحكمة؛ فهو لم يخلقه ولم يخلق نظيره من الهدى.
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) الرد على المجبرة ليحيى بن الحسين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٣٢).
[ ٢ / ٦٨١ ]
- مسألة الإرادة وانقسامها إلى شرعية وكونية؛ لذلك فإنهم جعلوا من أدلة نفي الإضلال من الله للعبد كونه لا يريد ما وقع من الضلال ولا يأمر به.
- مسألة الحسن والقبح، وما تفرع عنها من مسائل الإيجاب على الله والصلاح والأصلح، وسيأتي الكلام عليها بعون الله.
وقد استدلوا لمذهبهم بأدلة من القرآن والعقل.
أولًا: أدلة القرآن:
الأول: إضافته سبحانه الهدى والضلال إلى العبد نفسه، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١] (^١).
الثاني: الآيات في أن الضلال غير مأمور به، وإذا كان غير مأمور به فكيف يكون مخلوقًا، وما أعقب ذلك من إنكار الله سبحانه على الضُّلال من احتجاجهم بمشيئة الله لذلك، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا
_________________
(١) انظر: متشابه القرآن (٢/ ٤٥٩).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
الثالث: نفيه سبحانه أن يكون منه إضلال للعبد ابتداءً قبل بيان الحجة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فإذا فعل العبد القبيح استحق به الإضلال لا على معنى الخلق، لكن على ما تقدم من معنى.
الرابع: إخباره سبحانه عن الضُّلال أنهم هم من بدل نعمته كفرًا وفعلوا الضلال ودعوا إليه، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].
الخامس: إخباره سبحانه أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان لا منه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١].
السادس: إخباره سبحانه بقدرة العباد على المعاصي وفعلهم لها، وأن ذلك ليس منه ولا يريده، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٩، ٩٠].
السابع: إخباره سبحانه أن الشيطان وأهل الشر من الإنس والجن هم من يزين الضلال والمعاصي للعباد ويضلهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
[ ٢ / ٦٨٣ ]
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] (^١).
ثانيًا: دليل العقل: أنه يلزم على القول بأن الله يهدي ويضل لوازم باطلة، منها:
- أنه يلزم أن يستوي المطيع والعاصي، والطاعة والمعصية، إذ كلها من الله وبتقديره وشاءه وأحبه.
- أنه يلزم إبطال الرسالة، إذ المهدي لا يقدر على الخروج من الهدى إذ خلقه الله فيه، والكافر كذلك لا يقدر على الخروج من الكفر، فيكون إرسال الرسل حينئذ عبثًا وظلمًا، إذ فيه إقامة الحجة عليهم مع كونهم غير قادرين على الهدى.
- أنه يلزم أن يكون إبليس وليًّا لله؛ إذ جميع الفواحش التي يدعو إليها شاءها الله وخلقها (^٢).
والجواب عما استدلوا به من القرآن:
أما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الله سبحانه أضاف الضلال إلى العبد، وأنه هو الفاعل له، لكن هذا لا ينفي أن يكون الله سبحانه خالقه، فهو من الله خلقًا ومن العبد فعلًا واكتسابًا وتسبُّبًا.
_________________
(١) الأدلة من الثاني إلى السابع استدل بها يحيى بن الحسين في كتابه الرد على المجبرة (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٣٩ - ٥٣)، وهي أبرز ما استدل به.
(٢) انظر: الرد على المجبرة (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٥٤ - ٦١).
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وأما الدليل الثاني؛ فهو مبني على التسوية بين المشيئة والمحبة، وهذا باطل كما تقدم (^١)، فالضلال لم يأمر به الله سبحانه ولم يحبه، لكنه شاءه وخلقه، فهو مخلوق لله سبحانه مراد إرادة كونية غير مراد الإرادة الشرعية.
وأما الدليل الثالث؛ فلا حجة لهم فيه؛ إذ أن انتفاء ابتداء الله سبحانه للعبد بالضلال لا يعني أن لا يضله، بل إنما يدل على أن الإضلال من الله سبحانه لا يكون إلا بعد فعل العبد لموجب الإضلال.
وما ذكروه من قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] يدل على هذا، فإنه تضمن إثبات إضلال الله سبحانه للعبد؛ فإن "حتى" للغاية، فإذا وجدت الغاية حصل الإضلال.
وأما ما ذكروه من كون الإضلال لا على معنى الخلق؛ فدعوى باطلة، ثم هو استدلال بموضع النزاع.
وأما الدليل الرابع؛ فالضلال والدعوة إليه فعل العبد واكتسابه لا شك في ذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون مخلوقًا لله سبحانه كما تقدم.
وأما الدليل الخامس؛ فصحيح الدلالة على أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان دعوةً ومحبةً لا منه سبحانه، فالله سبحانه لا يحب الضلال ولا يدعو إليه، لكن هذا لا يعارض أنه من الله خلقًا وتقديرًا لما اقتضته حكمته سبحانه.
وأما الدليل السادس؛ فهو يدل على أن العبد فاعل للضلال كاسب له، وهذا صحيح، لكن لا يدل على أنه غير مخلوق له سبحانه، فجميع أفعال العباد خلق لله سبحانه وفعل للعباد واكتساب.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٥٣٧) وما بعدها.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وأما الدليل السابع؛ فيدل على ما ذكروه، لكن لا يدل على أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، فتزيين الضلال والدعوة إليه وفعله واكتسابه شيء، وخلقه شيء آخر.
وأما الدليل العقلي، فهو إلزامات تدور على لزوم الجبر من إثبات هداية الله وإضلاله، وهذا إنما يلزم الجبرية النافين لقدرة العبد ومشيئته، وأما من يثبت للعبد قدرة ومشيئة يفعل بهما - وهما سببان من أسباب وجود الفعل -؛ فلا يتوجه عليه هذا الإلزام، فالله سبحانه يهدي فضلًا منه سبحانه، ثم العبد يتسبب في الهداية بعد ذلك إلى أنواع الطاعات، وهو سبحانه يضل عبده لاستحقاقه الإضلال، والعبد يضل بسبب تركه الهدى.
ثم إن إضلال الله سبحانه للعبد ليس ظلمًا بل هو عدل وحكمة - كما تقدم - (^١).
وأما ما زعموه من أن الإضلال هو الخذلان وترك التسديد والإعانة ومنع الألطاف؛ فهو معنى صحيح، فمن أضله الله سبحانه فإنه قد خذله ومنع عنه الإعانة ولم يسدده، لكن الإضلال مشتمل - مع هذا - على معنى زائد، وهو خلقه سبحانه الضلال في القلب.
وأما دعواهم أن معنى إضلال الله سبحانه لعبده: تسميته ضالًّا أو دعوته بالضلال ونحو ذلك فباطل مخالف للشرع واللغة.
أما الشرع فتقدم، وأما اللغة فليس فيها أضله بمعنى وجده ضالًّا أو سماه ضالًّا ونحوه.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
قال ابن القيم ﵀: "والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له، كقول بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديًا وضالًّا، فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعًا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة، وليس في لغة أمة من الأمم - فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها - هداه بمعنى سماه مهتديًا، وأضله سماه ضالًّا، وهل يصح أن يقال: علَّمه إذا سماه عالمًا وفهَّمه إذا سماه فهمًا. . . وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه" (^١).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ٢ / ٦٨٧ ]
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
المبحث السابع: "لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الإمام ابن قتيبة ﵀: "وعدل القول في القدر أن تعلم. . . وأن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد، ويتفضل بها على من أحب، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته" (^١).
وقال الأشعري ﵀ في "الإبانة": "الله ﷿ اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد بما لم يعط الكافرين وفضل عليهم المؤمنين" (^٢).
وقال الآجري ﵀: "أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فلن يهتدوا إذا أبدًا" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فإنهم [أي: أهل السنة] متفقون على أن لله
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ (٣٥ - ٣٦).
(٢) الإبانة (٥٣).
(٣) الشريعة (٢/ ٧٠٠ - ٧٠١).
[ ٢ / ٦٩١ ]
على عبده المطيع المؤمن نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر" (^١).
وقال ﵀: "ولأجل هذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر على أن الله خص المؤمنين بنعمة دون الكافرين، بأن هداهم للإيمان" (^٢).
وقال ﵀: "والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية؛ فإنه بيَّن لهم هداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وأعانهم على اتباع ذلك علمًا وعملًا" (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١١٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٦).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧، ٨].
وقوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
[ ٢ / ٦٩٣ ]
ومن أدلة السنة: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، نحن ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزِلن سكينةً علينا، إن الأُلى - وربما قال: المَلَا - قد بَغوا علينا، إذا أرادوا فتنةً أبَيْنا أبَيْنا) - يرفع بها صوته - (^١).
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجلٌ من الأنصار من أهل قُباء النبيَّ ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِم وغسل يديه - أو قال: يده - قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطعَم، مَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ولا مكافي ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكَسَا من العُريِّ، وهدى من الضلالة، وبصر من العماية، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين) (^٢).
وقول كعب بن مالك ﵁ كما في حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا: "فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا" (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب التمني، باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا (٩/ ٨٤) ح (٧٢٣٦).
(٢) رواه النسائي في الكبرى (٩/ ١٢٠) ح (١٠٠٦٠)، وابن حبان: كتاب الأطعمة، باب آداب الأكل (١٢/ ٢٣) ح (٥٢١٩)، والحاكم (١/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسنه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان (٥١٩٦).
(٣) رواه البخاري: كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك (٦/ ٣) ح (٤٤١٨)، ومسلم: كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (٤/ ٢١٢٠) ح (٢٧٦٩).
[ ٢ / ٦٩٤ ]
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وبالجملة؛ فكل آية تدل على هداية التوفيق فهي دليل على هذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكر أصول عدة في القدر منها هذه المسألة -: "ونصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة - المبينة لهذه الأصول - كثيرة" (^١).
وأما الإجماع؛ فحكاه شيخ الإسلام ﵀ كما تقدم النقل عنه (^٢).
وأما العقل؛ فلأنه إذا لم يكن لله سبحانه على المطيع نعمة اختصه بها وأعانه؛ للزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بغير مرجح، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، إذ لو كان حال العبد قبل أن يفعل كحاله حين الفعل سواء لا مزية لأحد الحالين على الآخر؛ فما الذي رجح وجود الفعل منه على عدمه؟ فتخصيص هذه الحال بكونه فاعلًا فيها دون الأخرى ترجيحًا لأحد المتماثلين بدون مرجح، فلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل، وهو إعانة الله سبحانه (^٣).
قال ابن القيم ﵀ في رده على من ينكر هذه المسألة: "وكفى بالوحي، وصريح المعقول، وفطرة الله، والاعتبار الصحيح، وإجماع الأمة ردًّا لهذا القول وتكذيبًا له" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥١ - ٤٥٢)، وانظر: (٣/ ٢٦٤) منه.
(٢) انظر ما تقدم ص (٦٩١ - ٦٩٢).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١١٧ - ١١٨).
(٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
هذه القاعدة هي توضيح وتفصيل للقاعدة السابقة، وتختص ببيان كون الهداية حصلت بإعانة الله سبحانه للمطيع وإنعامه عليه، وببيان كون الضلال حصل لعدم الإنعام.
والنعمة نعمتان: نعمة عامة، يشترك فيها المؤمن وغيره، وهي نعمة الرزق والمسكن ونحوها من النعم الدنيوية.
ونعمة الفطرة السليمة المقتضية للحق، ونعمة الهداية العامة وهداية البيان (^١).
وثمة نعمة خاصة، وهي نعمته سبحانه على المؤمنين بالعلوم النافعة والإرادات الصالحة، وهي نعمة دينية، ينال خيرها المؤمن في الدنيا والآخرة.
وفي هذه القاعدة مسألتان:
الأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.
الثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.
المسألة الأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.
النعمة الدينية هي فضلٌ يتفضل الله سبحانه به على من شاء من عباده يهتدي به إلى الأعمال الصالحة، حكمةً منه سبحانه وعلمًا، وهي من التوفيق الذي يوفق الله به عبده للقيام بالمأمور وترك المحظور.
وحقيقتها: أن الله سبحانه يخلق في قلوب العباد محبة الخير وإرادته وإيثاره على ضده، ويزيل الموانع التي تحول دون حصوله.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وذلك أنه ليس للعبد من نفسه قدرة على الهداية إلا أن يقدره الله سبحانه، هو قادر عليها القدرة المصححة التي هي مناط تكليفه بها، لكنه غير قادر عليها القدرة الموجبة، فلا يتمكن من فعلها إلا بمعونة من الله ﷾، فإن أعانه وفق للهدى ووجد منه، وإلا فإنه يبقى على الضلال.
خصائصها:
لهذه النعمة الدينية خصائص تميزها عن غيرها من النعم، ومنها:
أولًا: أنها خاصة بالمؤمن دون غيره، فلا يوفق لها من ليس من أهل الإيمان.
وهذه النعمة تكون بالتوفيق للقيام بالمأمور، وبالتوفيق لترك المحظور، وهذا شامل لأصل الإيمان وشعبه؛ فقد يجتمع في الرجل الواحد توفيق من جهة، وخذلان من جهة أخرى؛ فالفاسق الملِّي منعم عليه بأصل الإيمان وبما قام به من أعمال صالحة، وغير منعم عليه فيما تركه من مأمور أو فعله من محظور، والطائع منعم عليه بما هو أكثر من ذلك.
وهذا التقرير على أصل أهل السنة أنه قد يجتمع في الرجل الواحد موجب الثواب وموجب العقاب (^١)، إذ النعمة بالتوفيق للعمل هي التي أوجبت الثواب، وخلافها أوجب العقاب.
بل المؤمن الطائع نفسه يوفق لشيء من البر ويعان عليه، ولا يوفق لشيء آخر ولا يعان عليه، بل لا يمكن أن يوفق لكل خير إذ هذا ليس في مقدور العباد، كما قال ﷺ: (استقيموا ولن تحصوا) (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٩).
(٢) رواه أحمد (٣٧/ ٦٠ و١١٠) ح (٢٢٣٧٨ و٢٢٤٣٦)، وابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، =
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وقال ابن عبد البر ﵀: "فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال" (^١).
قال ابن رجب ﵀: "لن تقدروا على الاستقامة كلها" (^٢).
ومما يدل على خصوصيتها بالمؤمن أنه لو كان هو والكافر في وجودها سواء لكانا جميعًا مؤمنين (^٣)، ولو كانا في عدمها سواء لكانا جميعًا كافرين، إذ لا مزية حينئذ ترجح الطاعة على سواها عند المؤمن، وقد عُلم أنها وقعت منه؛ فيلزم حينئذ أنها ترجحت على مثيلتها بغير مرجح، وهذا ممتنع كما تقدم (^٤)، ويتضح هذا أكثر بما يأتي:
ثانيًا: أن هذه النعمة الدينية هي التي أوجبت القيام بالأمر وترك النهي، إذ أن العبد ليس له من نفسه - كما تقدم - قدرةٌ موجبةٌ للقيام بذلك، بل لا يستطيعه إلا بإعانة وتسديد، وهذه الإعانة هي حقيقة هذه النعمة لله على العبد، فإذا كان حصولها شرطًا في الطاعة لزم أن لا تحصل إلا بوجودها، إذ حصول المشروط متوقف على حصول شرطه (^٥)، فإذا وجدت الإعانة وجدت الطاعة، وإذا عدمت عدمت.
_________________
(١) = باب المحافظة على الوضوء (١/ ٢٥٢) ح (٢٧٧) من حديث ثوبان ﵁، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (١٩٧)، وانظر: وإرواء الغليل (٣/ ١٣٥).
(٢) الاستذكار (٢/ ٢١٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (١٨١).
(٤) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٠٤)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٠٦).
(٥) انظر ما تقدم ص (٦٩٥).
(٦) انظر: الموافقات للشاطبي (١/ ٤١٥ - ٤١٦).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وهذا كما تقدم تقريره آنفًا؛ فإن النعمة لو عدمت في المؤمن لَلَزِم أن الطاعة ترجحت على المعصية بغير مرجح، وهذا ممتنع.
ثالثًا: أن هذه النعمة محض فضل الله سبحانه على العبد ولطفه به؛ فليس للعبد عند الله عهد أو حق بأن ينعم عليه بها، بل هو سبحانه يختص بها من شاء فضلًا وجودًا وتكرُّمًا منه ﷿.
وهذا الاختصاص مبني على علمه سبحانه بمن يصلح لهذا الفضل ممن لا يصلح، وحكمته سبحانه التي تقتضي وضع الشيء في موضعه اللائق به.
قال شيخ الإسلام ﵀: "بل إعانته على الطاعة لمن أمره بها فضلٌ منه كسائر النعم، وهو يختص برحمته من يشاء" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين: حبه وحسنه الداعي إلى حبه، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان، وأن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم، بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلًا منه ونعمةً، والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح، حكيم بجعله في مواضعه" (^٢) (^٣).
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٣١٢).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢١٢).
(٣) وهنا تذكر مسألة لها نوع تعلق بهذه القاعدة، وهي هل لله سبحانه على الكافر نعمة دنيوية، أم ليس له على اعتبار أن هذه النعم في حقه نقم؛ لأنه سيحاسب عليها وستكون سببًا في عذابه؟ والصواب أنها نعم في حقه كما دل عليه النصوص، ولأنها لو لم تكن نعمًا لما وجب عليهم شكر الله، وهذا باطل ضرورةً. انظر هذه المسألة في: جامع الرسائل (٢/ ٣٤٣ وما بعدها). =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
المسألة الثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.
إذا تبين معنى النعمة الدينية على المؤمن؛ فما الفرق بينها وبين هداية التوفيق؟
والجواب أن هذه النعمة هي من هداية التوفيق، وهي سبب لهداية التوفيق.
فالله سبحانه إذا أراد هداية عبد فإنه يعينه؛ فيحبَّب إليه الهدى والإيمان، ويكرِّه إليه خلافه من الضلال والكفر، وهذه هي النعمة الدينية، ثم يجعل سبحانه هذا منه سببًا يخلق به في قلبه القدرة والإرادة والهدى، ويزال عنه موانع الهداية، ويقام له موانع الضلال، فيهتدي العبد إلى الحق والصواب.
فبنعمة الله سبحانه أحب الحق وأراده وكره خلافه، وبنعمته سبحانه هدي إلى الحق هداية التوفيق.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وإلهامهم الإيمان وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل لهم بها الإيمان دون الكافرين؛ هو من نعمته" (^١).
وإذا كانت هذه النعمة الدينية هي سبب الهداية للمؤمن؛ فعدمها هو سبب ضلال الكافر، إذ لو أنعم الله عليه بهذه النعمة لاهتدى.
ومنعه سبحانه الكافر هذه النعمة ليس ظلمًا للكافر، لأنه لم يمنعه ما هو حق له، بل منعه فضله، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
_________________
(١) = وكونها نعمةً في حقه لا ينافي كونها نقمة، فهي نعمة باعتبار أصلها وحصول الالتذاذ العاجل بها، وهي نقمة باعتبار عاقبتها ومآلها، والله أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٠ - ٢٦١).
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وهذا السؤال يتكرر في كل مسألة تتعلق بالهدى والضلال، وقد سبق الكلام عليه فيما مضى (^١).
والحاصل أن الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، وهذه الإعانة هي محض فضله سبحانه لا استحقاق للعبد فيها، راجعة إلى علمه وحكمته، والله أعلم.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).
[ ٢ / ٧٠١ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
يخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية، وهي ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف، والمؤمن اهتدى بنفسه بغير نعمة أخرى خاصة من الله، والكافر ضل بنفسه من غير خذلان يخصه من الله سبحانه (^١).
قال يحيى بن الحسين: "أما معنى تحبيب الله ﷿ إلى العباد الإيمان وتكريهه للكفر والفسوق والعصيان؛ فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان والنعيم والجزاء والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعه لديهم من نصر المؤمنين والإظهار لحجتهم والإعزاز لدينهم، والتكريه منه لما ذكر، فهو بما أوجب على فاعل ذلك من العقوبات في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان، فلما جعل ما جعل من الثواب للمؤمنين، وما أعد وحكم بما حكم به من العقاب على الكافرين؛ رغب الراغبون في الثواب وأوجبوا له الإيمان وآمنوا، وهاب واتقى وخاف العقاب الخائفون، فاتقوا الله وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان لخوف العقاب فاهتدوا، وزهد أهل الكفر في كفرهم لما يرون من ذلهم وصغارهم وظهور الحق والمحقين واعتلائهم، فتركوا الفسق ودخلوا في الحق، فهذا إن شاء الله معنى ما ذَكر من ذلك العليُّ الأعلى" (^٢).
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل (٢/ ٣٤٣).
(٢) كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وقال القاضي عبد الجبار في تفسيرها: "لأن ذلك يدل على أن الإيمان من نعمة الله تعالى، من حيث ألطف لنا وسهل سبيلنا إلى فعله" (^١).
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]: "التوفيق من فعل الله في الحقيقة، وهو ما يفعله مما يدعو العبد إلى العبادة، كخلق الولد والغنى وما شاكله" (^٢).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]: "ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله" (^٣).
فيتضح من هذه النقول أن المعتزلة يرون أن الله سبحانه أقدر المؤمن والعاصي على الفعل والترك على السوية، ولم يجعل للمؤمن مزية في ذلك على العاصي، وتأولوا ما ورد من تحبيب الإيمان وتزيينه بالدعوة إليه، أو الإقدار عليه، أو بالثواب عليه.
وقولهم هنا مبني على ما ذهبوا إليه من أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، وشبههم هناك هي شبههم هنا، والله أعلم.
ومما يبين بطلان إنكار المعتزلة للنعمة الخاصة بالطائع ما تقدم من أنه يلزم
_________________
(١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٣٩٦).
(٢) تنزيه القرآن عن المطاعن (١٨٤).
(٣) الكشاف (٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
من ذلك الترجيح بغير مرجح، لأنه لو كان حال العبد قبل الفعل كحاله حين الفعل سواء؛ فلا مرجح إذن رجح وجود الفعل منه على عدمه.
فلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل على ضده، وهو إعانة الله سبحانه (^١).
ويقال لهم أيضًا: قد أثبت الله سبحانه في آيات كثيرة أنه لولا نعمته ورحمته وفضله لما وقعت الطاعة من العبد، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، فإما أن يقولوا بمقتضى هذه الآيات، وأن الله سبحانه ابتدأ المؤمنين بنعمة خصهم بها عن الكافرين، فيخرجوا من قولهم ويوافقوا أهل السنة، وإما أن يقولوا بشمول هذه النعمة للكفار، وهذا باطل إذ يلزم عليه أن يكونوا مؤمنين طائعين، وهذا غير واقع (^٢).
وإثبات المعتزلة للألطاف ليس فيه موافقة لأهل السنة في هذه المسألة، ويتضح ذلك ببيان الفرق بينهما.
إذ اللطف عند المعتزلة هو: "كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح" (^٣)، فهو: "زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته" (^٤).
فاللطف عندهم راجع إلى الإقدار والتمكين فحسب، بل عندهم أنه
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٦٩٥).
(٢) انظر: الإبانة للأشعري (٥٢ - ٥٣).
(٣) شرح الأصول الخمسة (٥١٩).
(٤) المصدر السابق (٥٢٠).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
يجب على الله سبحانه أن يلطف لكل من كلفه، ولا مزية في هذا لأحد على أحد، وبعد هذا اللطف؛ من المكلفين من يؤمن، ومنهم من يكفر، وأما النعمة الدينية فهي أمر زائد عن ذلك، فهي خلق اختيار الطاعة في قلب العبد ومحبتها وإيثارها على ضدها، وهي التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
واللطف الخاص بالمؤمنين عندهم من قبيل الثواب على الطاعة لا أنه الحامل عليها، إذ هو بعد الطاعة، وهو التسديد والتثبيت ونحو ذلك من المعاني، ويتضح هذا في قول القاضي عبد الجبار: "فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم" (^١).
وأما النعمة الدينية فهي الحامل على الطاعة، وليست هي ثوابها، ولكن قد تكون الطاعة الأولى سببًا في نعمة تحمل على طاعة أخرى، وهكذا.
ومما يبطل قولهم كذلك: ما تقدم من أدلة على ثبوت نعمة دينية خاصة بالمؤمن، والله أعلم.
_________________
(١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٢٠).
[ ٢ / ٧٠٥ ]
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
المبحث الثامن: "لا حجة للعبد في القدر على معاصيه"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال الربيع بن أنس ﵀: "لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده" (^١).
ومثله عن الضحاك ﵀ (^٢).
وقال الآجري ﵀: "وليس لأحد على الله ﷿ حجة، بل لله الحجة على خلقه" (^٣).
وقال ابن بطة ﵀: "فمن هداه بطَول منه اهتدى، ومن خذله ضل بلا حجة له ولا عذر" (^٤).
وقال الصابوني ﵀: "ويشهدون [أي: أهل السنة والجماعة] أن الله تعالى
_________________
(١) رواه ابن جرير (٩/ ٦٥٣).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٥).
(٣) الشريعة (٢/ ٦٩٩).
(٤) الإبانة (١/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على خلقه" (^٢).
وقال ﵀: "لا عذر لأحد بالقدر، بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر، بل لله الحجة البالغة، ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة ومن اعتذر به فعذره غير مقبول" (^٣).
وقال ابن القيم ﵀: "والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب" (^٤).
_________________
(١) عقيدة السلف أصحاب الحديث (٨٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١١٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٣)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٨٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٦).
(٤) شفاء العليل (١/ ٩٤).
[ ٢ / ٧١٠ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
أما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَاقُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].
وأما السنة؛ فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة؟ قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدر الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى ثلاثًا) (^١).
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب تحاج آدم وموسى عند الله (٨/ ١٢٦) ح (٦٦١٤)، ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٢) ح (٢٦٥٢).
[ ٢ / ٧١١ ]
وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (^١).
وأما الإجماع؛ فممن حكاه:
- ابن عبد البر، قال ﵀: "وقد أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحد أن يجعله [أي القدر] حجة إذا أتى ما نهاه الله عنه، وحرمه عليه" (^٢).
- شيخ الإسلام، قال ﵀: "وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء" (^٣).
وقال ﵀: "وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضًا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به منهيون عما نهاهم الله عنه. . . ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم فعله بل لله الحجة البالغة على عباده" (^٤).
وأما العقل؛ فإنه لو كان القدر عذرًا للخلق في فعل المحظور وترك المأمور؛ للزم أن لا يُلام أحدٌ على إساءة، ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة، وللزم أن يمكن الناس من فعل ما يشتهون مطلقًا، وهذا معلوم الفساد ببدائه العقول، ولا يتصور أن تقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٤/ ٢٠٥٢) ح (٢٦٦٤).
(٢) الاستذكار (٢٦/ ٨٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).
(٤) المصدر السابق (٨/ ٤٥٢)، وانظر: (٨/ ٤٦٦) منه.
[ ٢ / ٧١٢ ]
في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام (^١).
والأمة مجمعة على جواز لوم من أتى ما يلام عليه من المعاصي وذمه على ذلك، كما أنهم مجمعون على حمد من أتى من الأمور المحمودة ما يحمد عليه (^٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: - مدَلِّلًا بالإجماع والعقل على بطلان الاحتجاج بالقدر -:
"والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين" (^٣).
ومثله قول مرعي الكرمي ﵀: "والاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب والمعاصي باطلٌ باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وهو مما يعلم بطلانه بضرورة العقل" (^٤).
وأما الفطرة؛ فلأن الناس مفطورون على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولا بد لهم من التآمر على تحصيل منافعهم ودفع مضارهم، ولا يتأتى هذا إذا مُكِّن كل واحد من أن يفعل ما يشاء من المفاسد ويحتج بالقدر، لأن قبول هذه الحجة من المفسد يوجب الفساد الذي لا صلاح معه، وهذا مردود في فطر جميع الناس (^٥).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٤).
(٢) انظر: الاستذكار (٢٦/ ٨٨).
(٣) منهاج السنة (٣/ ٥٥).
(٤) رفع الشبهة والغرر (٣٢).
(٥) انظر: منهاج السنة (٣/ ٨٣ - ٨٤)، رفع الشبهة والغرر (٣٦).
[ ٢ / ٧١٣ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
تضمنت هذه القاعدة أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان، وهو أنه لا حجة لأحد على الله ﷾، بل لله سبحانه الحجة البالغة على عباده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والاحتجاج في اللغة: مصدر احتج يحتج، وهو استفعال من الحجّ، والحجُّ في الأصل القصد، وله معان منها الحجة: الدليل والبرهان، وما دُوفع به الخصم، أو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، سميت بذلك لأنها تحج، أي تقصد إذ القصد لها وإليها (^١).
والمراد بالاحتجاج بالقدر: جعله حجة لفعل أو ترك.
والاحتجاج هنا ليس مقصورًا على الخصم الخارجي، بل حتى على النفس، فإن النفس اللوامة، تلوم صاحبها على فعل المعصية، فهي مخاصمة له في ذلك.
والاحتجاج بالقدر إما أن يكون على معصية، أو على طاعة، أو على مصيبة، والاحتجاج به على المعاصي هو محل البحث هنا.
ودخول المعاصي في جملة ما قدَّره الله ﷿ على العباد أمر مجمع عليه عند مثبتة القدر، وقد دل على ذلك جملة كبيرة من الأدلة الشرعية والعقلية.
ودل على ذلك أيضًا جملة صالحة من كلام أئمة السلف رضوان الله عليهم، من ذلك:
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٣٩٠)، ولسان العرب (٣/ ٥١).
[ ٢ / ٧١٤ ]
قال عبد الرحمن بن مهدي: "المعاصي بقدر" (^١).
وقال الإمام أحمد ﵀: "الخير والشر بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وأفاعيل العباد كلها بقدر" (١).
والاحتجاج بالقدر على المعاصي يتناول معنيين:
الأول: الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع.
الثاني: الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع.
أما الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع، فهو المتبادر من المعنى، سواء عند أهل السنة أو عند خصومهم.
وصورة هذا الاحتجاج هي أن يرتكب العبد المخالفة، ثم يعتذر ويحتج على من ينكر ذلك عليه بسبق المقادير، وأنه لا حيلة في دفع القدر، قصدًا منه لرفع اللوم والعقوبة عن نفسه.
وهذا النوع من الاحتجاج محرم لا يجوز، وهو باطل بالشرع والعقل من وجوه كثيرة:
أما الشرع، فقد ردَّ اللهُ سبحانه هذه الشبهة على أصحابها، من ذلك قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].
وهذه الآية أصل عظيم في الاستدلال على بطلان الاحتجاج بالقدر على
_________________
(١) السنة للخلال (٣/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٧١٥ ]
المعاصي، وهي فيصل بين أهل السنة والقدرية.
قال ابن عباس ﵄: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ حتى بلغ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، والعجز والكيس من القدر" (^١).
وقال علي بن زيد ﵀: "انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٢).
أخبر سبحانه في هذه الآية أولًا أنها حجة المشركين، وكفى بها قبحًا ودحضًا أنها حجة المشركين، ثم ساق هذه الشبهة، ومفادها: "أن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك" (^٣).
فما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى، وكل ما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده ﷿؛ فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى (^٤).
ثم شرع في ردها بأن هذه الحجة هي عين حجة الأقوام السابقة من الكفار التي ضلوا بسببها، وهي لم تنفعهم لأنهم عوقبوا، إذ لو نفعتهم لما عوقبوا.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١١/ ١١٤) رقم (٢٠٠٧٣)، والحاكم (٢/ ٣١٧) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
(٢) انظر: الدر المنثور (٦/ ٢٥٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤).
(٤) انظر: روح المعاني (٨/ ٥٠).
[ ٢ / ٧١٦ ]
ثم أخبر سبحانه أنه ليس لهم علم بنَوا مقالتهم عليه، بل كانت ثمرة اتباع الظن والخرص والكذب على الله، النابع عن اتباع الهوى.
ثم أعقب سبحانه ذلك بالحجة الدامغة عليهم، التي لا مناص لهم عنها، وهي أن هداية من هَدى، وإضلال من أضل إنما هو عن حكمة بالغة، إليها ترجع مشيئته في ذلك (^١).
وتسويتهم بين رضا الله سبحانه ومشيئته باطل، إذ قد يشاء الله سبحانه ما لا يحبه ويرضاه، كما شاء خلق الكفر والفسوق وهو لا يرضاهما ولا يحبهما، وقد يرضى ويحب ما لا يشاء وجوده كإيمان أبي جهل وسجود إبليس، كما قد تقدم في الكلام على الإرادة (^٢).
وهذه الآية حجة على كل من المعتزلة والجبرية، فصدرها دافع بصدور الجبرية؛ بإثبات أن للعبد اختيارًا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وعجزها معجز للقدرية؛ بإثبات نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية (^٣).
ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
فقد جعلهم الله سبحانه متبعين في هذه الشبهة الفاسدة لمن سبقهم
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) انظر ما تقدم ص (٥٣٧) وما بعدها.
(٣) انظر: روح المعاني (٨/ ٥٢).
[ ٢ / ٧١٧ ]
من المشركين.
وقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يتضمن معنى التهديد والوعيد لهم، قال السعدي ﵀: "أي: البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلَّغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه واحتجوا عليهم بالقدر؛ فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله ﷿" (^١).
وأما العقل، فمن وجوه كثيرة، منها:
أولها: أن العباد مأمورون منهيون، وقد علم بالضرورة أن الأمر والنهي إنما يتوجه لمن هو قادر على الضدين، ولولا هذا الإقدار لما خوطب بالتكليف، وإذا ثبت ذلك؛ فلا حجة في القدر على المعصية، لأنها والطاعة سواء في قدرة العبد، بل فالاحتجاج به بعد هذا ظلم محض، وعناد صرف (^٢).
ثانيها: أن العبد قبل ركوب المعصية لا يعلم ما الذي سبق به القدر، فاحتمال سبق القدر بالمعصية حينئذ ليس أولى باحتمال سبْقه بالطاعة، والعكس بالعكس.
ثالثها: أنه يستلزم لوازم باطلة، منها:
١) أنه يستلزم طي بساط الشرع وإسقاط الأمر والنهي، إذ القدر حجة، وترك امتثال الأمر والنهي سبق به القدر، فيكون تركهما لا لوم فيه، وهذا من أبطل الباطل (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (٢/ ٨٨١).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٢١).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ٢ / ٧١٨ ]
٢) أنه يستلزم إبطال الثواب والعقاب والجنة والنار، إذ لا لوم على فعل المعصية لسبق القدر بها، والطاعة قرينتها في ذلك، فعلى ماذا يكون الثواب والعقاب؟
٣) أنه يستلزم إبطال الرسالة وإفحام الأنبياء، وإسقاط حجة الله ﷾ على عباده، لأن الرسل إذا أمروا أقوامهم بشرائع الإيمان إقامةً لحجة الله ﷿؛ حاججهم أقوامهم بهذه الحجة، فتصحيح هذه الحجة يستلزم إفحام الرسل بداهةً، بل يستلزم ما هو أعظم من ذلك وهو كون الرسالة عبثًا وسفهًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
٤) أنه يستلزم الفساد العام، إذ لو كان القدر حجة؛ لكان حجة للجميع، وليس لأحد دون أحد، وعليه يلزم تمكين كل أحد من فعل ما يريد ومعلوم ضرورةً أن في هذا فساد معايش العباد وأديانهم.
ومن هنا كان من يحتج بالقدر متناقضًا متبعًا لهواه، لأنه لو ظلمه أحد في مال أو عرض أو أي متاع حقير واحتج عليه بالقدر؛ لما قبل منه بل لشنع عليه وأبطل احتجاجه.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهؤلاء لا يحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم، ولا يطردون حجتهم، فإن القدر لو كان عذرا للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقتص من ظالم أصلًا، بل يُمكن الناس أن يفعلوا ما يشتهون مطلقًا، ومعلوم أن هذا لا يتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام وصاحب هذا لا يكون إلا ظالمًا متناقضًا، فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ولم يعذره بالقدر، وإذا كان هو الظالم
[ ٢ / ٧١٩ ]
احتج لنفسه بالقدر، فلا يحتج أحد بالقدر إلا لاتباع هواه بغير علم، ولا يكون إلا مبطلًا لا حق معه" (^١).
ومن هذه اللوازم الباطلة يُعلم أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي هو عين القول بأن العبد مجبور عليها، إلا أن الجبرية الخُلَّص يفضُلون هؤلاء بأنهم يجعلون العبد مجبورًا على كلا الأمرين: الطاعة والمعصية، وأما هؤلاء فيجعلون العبد مجبورًا على المعصية، وأما الطاعة فهو غير مجبور عليها، بل فعلها بقدرته وإرادته.
وفي هؤلاء يصدق قول من قال من أهل العلم: "أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به؟! " (^٢)، وإنما الواجب عكس القضية، فالمطلوب أن يشهد العبد سبق القدر ونفوذ المشيئة عند فعله الطاعة، وأن يشهد ذنوبه وتقصيره إذا وقع في معصية (^٣).
ومن هنا يُعلم أن هؤلاء متبعون لأهوائهم، وأنهم لم يقصدوا إقامة الحجة في واقع الأمر، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنه لا حجة لهم.
قال السعدي ﵀: "ومنها [أي من وجوه بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي]: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودًا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، وانظر: (٢/ ٣٠١) منه.
(٢) نسبه شيخ الإسلام إلى أبي الفرج ابن الجوزي في بعض المواطن، انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٤٨) و(١٨/ ٢٠٤ و٤٤٦) منه، ولم أقف عليه فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كتبه.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، و(٨/ ٢٤١) منه.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ" (^١).
والمحتجون بالقدر على المعاصي عكسوا الأمر؛ إذ أن سبق المقادير في الحقيقة باعث على تجنب المعاصي والمنكرات وفعل القربات والطاعات، ولذلك لما سمع سراقة ﵁ قول النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر)؛ قال: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (^٢)، وقد تقدم الكلام على ذلك في ثمرات الإيمان بالقدر (^٣).
وأما الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع، فصورته أن يقع العبد في المعصية، ثم يتوب منها توبة نصوحًا، ويعلم أنه مقصر، وأنه مذنب باغ لا حجة له ولا عذر، ثم يحتج عليها بسبق القدر، وهذا إنما يكون عقب المعصية بعد التوبة منها، لا حال المعصية ولا قبلها.
وهذا النوع من الاحتجاج جائز ولا ينافي الشرع من وجهين:
الأول: أنه لا يؤدي إلى تعطيل الأمر والنهي، إذ تعظيم الشرع قائم في نفس هذا المحتج، وهو مقرٌّ بأن سبق القدر بالمصيبة ليس حجة له، وإلا لم ير نفسه مقصرا باغيًا.
الثاني: أن حقيقة هذا الاحتجاج ترجع إلى الاحتجاج بالقدر على المصيبة، لأن المعاصي هي من جملة المصائب، بل هي أعظم المصائب وشرها، وإنما لم يصح الاحتجاج بالقدر عليها في الحالة الأولى لأن في ذلك تعطيلًا لشرع الله، وإسقاطًا
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٥٢١).
(٢) تقدم تخريجه ص (٤٤).
(٣) انظر ما تقدم ص (٤٣ - ٤٤).
[ ٢ / ٧٢١ ]
للأمر والنهي، وطيًّا لبساط الشرع، واستقام الاستدلال هنا إذ لا تعطيل للشرع، وهذا هو الفرق الجوهري بين ما ينافي الشرع من ذلك وما لا ينافيه.
ولذلك كان قول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] صحيحًا في ذاته، ولم ينكره الله عليهم، وإنما أنكر الله عليهم جعله حجة وذريعة لكفرهم وشركهم، ومعارضتهم أمره ونهيه سبحانه بقضائه وقدره (^١).
وقد لخص ابن القيم ﵀ ما يجوز من الاحتجاج بالقدر على الذنوب وما لا يجوز بعبارة مختصرة بديعة، فقال: "ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا؛ فالاحتجاج بالقدر باطل" (^٢).
والناس في هذا المقام حيال الشرع والقدر على ثلاثة أقسام (^٣):
الأول: من يحتج بالقدر على المعاصي لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، ولا يحتج به على الطاعة، فهو عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري كما سبق، وهذا ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم وإنما هو حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا لحدود الأمر والنهي حفظوا، ولا لحقيقة القضاء والقدر شهدوا، وهذا القسم شر الأقسام.
الثاني: خلافه، وهم من يحتج بالقدر على الطاعة، ولا يحتج به على المعصية، فيقيم شرع الله ويجتهد في ذلك، وينسب ما يوفق إليه من ذلك الخير
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٠١)، وشفاء العليل (١/ ٨٦ - ٨٧)، وروح المعاني (٨/ ٥٠).
(٢) شفاء العليل (١/ ٩٤).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٩)، و(٨/ ١٠٧ وما بعدها) و(٨/ ٤٤٤ - ٤٤٦).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
إلى القدر والمشيئة، ويمتنع عن المعاصي ويجتهد في ذلك، وينسب ما يقع فيه من ذلك الشر إلى نفسه وإلى الشيطان، وهذا القسم خير الأقسام.
الثالث: وهم قسم بين هذين القسمين، وهم الخائضون في القدر بالباطل، وهم صنفان:
- صنف ينكر القدر من أصله، ولا يجعله القدر حجة لا على طاعة ولا على معصية، ولا ينظر إليه في مصيبة، بل يرى أنه هو من يهدي نفسه ومن يضلها، ولا ثم إعانة من الله ولا توفيق ولا خذلان. هذا مع قيامهم بالشرع والأمر والنهي.
- وصنف يغلون في إثبات القدر ولا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركًا، بل يرون أنهم مجبورون على أفعالهم، ولا اختيار لهم فيها. ويحتجون بالقدر على ما يقع منهم من ذنوب أو عدوان على الخلق، وفي هؤلاء من انحلَّ عن الدين وأسقط الأمر والنهي بالكلية.
هذه هي مجمل أقسام الناس، وها هنا كلمة عظيمة لشيخ الإسلام - طيَّب الله ثراه -، جمعت ما يجب على العبد حيال القدر والشرع، قال ﵀: "العبد عليه:
- أن يصبر، وينبغي له أن يرضى بما قدر من المصائب.
- ويستغفر من الذنوب والمعائب، ولا يحتج لها بالقدر.
- ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب.
فيجمع بين الشكر، والصبر، والاستغفار، والإيمان بالقدر والشرع" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٠).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وللاحتجاج بالقدر صورتان أخرتان، وهما:
- الاحتجاج به على المصائب.
- الاحتجاج بالقدر على الطاعات.
وفيما يأتي بيان لكل واحدة منهما على حدة:
أولًا: الاحتجاج بالقدر على المصائب وحكمه.
خلق الله سبحانه الخلق وقدَّر عليهم النعم والمصائب وهو الحكيم العليم، فهم صائرون إلى ما قدر لهم، وقد أمر سبحانه بالصبر على المصائب وعدم التشكي منها، وجعل أعظم سبل ذلك: النظر إلى سابق القدر، وأن لله سبحانه في تقديرها أعظم الحِكَم.
فشرع سبحانه لعباده حيال المصيبة أن يلاحظوا سبق المقادير، بل أمرهم أن يحتجوا بذلك عليها.
قال ﷺ: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (^١)، فأرشد النبي- ﷺ من أصابه مكروه إلى اللجوء إلى القدر، وعدم التحسر واللوم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه" (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٧١٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٧).
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وحديث أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، وخدمته عشر سنين، فما لامني لائم من أهله إلا قال: (دعوه، فإنه لو قضي شيء كان) (^١).
وحديث محاجة آدم وموسى وفيه قول النبي ﷺ لما احتج آدم على موسى بالقدر -: (فحج آدم موسى) (^٢)، إقرارًا لصحة الاحتجاج بالقدر على المصيبة.
فالاحتجاج بالقدر على المصيبة مشروع لأمور:
الأول: أن هذا ما دلت عليه النصوص، كما تقدم.
الثاني: أنه لا ينافي ما شرعه الله سبحانه من امتثال للمأمور وترك للمحظور، بل يؤيده؛ لأن علم العبد بأن الله سبحانه قدر عليه المصيبة، ورده لها إلى القدر مأمورٌ به، وخلافه منهيٌّ عنه، فالرد إلى القدر عند المصيبة إعمالٌ للشرع، وإعمال الشرع بملاحظة القدر حال الكُمَّل من الخلق كما سيأتي، وهذا يظهر الترابط بين ما شرعه الله وما قدَّره.
الثالث: أنه يدل على رضا صاحبه بالقدر، ولا يمكن تحقيق هذا الرضا إلا بالرجوع إلى القدر.
_________________
(١) = فائدة: قال ابن القيم ﵀ في شفاء العليل (١/ ٩٧): "هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه".
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (٤٥) ح (٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٣) ح (٧١)، من طريق أبي المليح، قال: حدثنا فرات بن سليمان، عن أنس ﵁ به.
(٣) تقدم تخريجه ص (٥٥).
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وفيه إلزام كذلك للخصم بالحجة، لأن عليه أن يرضى بالقدر؛ إذ أن هذه النازلة هي من جملة المقدور الذي يجب التسليم له، وهذا في الحقيقة مكمن الحجة.
الرابع: أنه يتضمن الإرشاد إلى شهود ربوبية الله سبحانه وقدرته ومشيئته ونفوذ تصرفه في خلقه وسبق قدره؛ فلا حركة لهم ولا سكنة، ولا حياة ولا موت، ولا أي شيء إلا بمشيئته سبحانه.
الخامس: أنه لو لم يكن الاحتجاج بالقدر على المصيبة صحيحًا للزم أحد محذورين:
- أن الرضا بالقدر غير واجب.
- أن يكون شيء من الحوادث خارجًا عن القدر، وكل منهما باطل.
ولا فرق في ذلك بين المصائب التي تكون بفعل من العباد، أو التي تكون بغير فعل منهم، إذ كلٌّ مقدر، وأسبابٌ ومسبَّبات.
وللاحتجاج بالقدر على المصيبة فوائد جليلة، منها طمأنينة القلب وسكونه وترك التحسر والندم، وترك لوم الخلق والتظلم منهم.
وسيأتي - بحول الله تعالى - الكلام على يتعلق بما يشرع للعبد في القدر عند المصائب وما لا يشرع في مباحث الرضى بالقدر.
ثانيًا: الاحتجاج بالقدر على الطاعات وحكمه.
وكما أمر سبحانه بالصبر على المصائب؛ فقد أمر بشكر النعم، وحمده عليها، وجعل زيادتها مرهونةً بتحقيق ذلك، وجعل نقصها وزوالها بسبب ضده، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ
[ ٢ / ٧٢٦ ]
عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
ولشكر النعمة ثلاثة أركان (^١):
- الاعتراف بها لله سبحانه في القلب، فيوقن بقلبه أن الله سبحانه هو الذي تفضل عليه بها، من غير استحقاق منه لها.
- الثناء بها على الله باللسان، ونسبتها إليه سبحانه وحده، لا إلى علمه هو ولا إلى قدرته ولا إلى غير ذلك من الأسباب.
- استخدامها فيما يرضي المنعم ﷾.
والطاعات من جملة نعم الله سبحانه على العبد بل هي أجل النعم، وكلما عظمت الطاعة كانت النعمة بها أعظم، والمعاصي على الضد من ذلك؛ كلما عظمت كانت المصيبة بها أعظم، ولذلك كان التوحيد أعظم الحسنات، والشرك أعظم المصائب.
لذلك كان الشكر على الطاعة أوجب من الشكر على غيرها من النعم.
فيجب على العبد أن يعتقد بقلبه أن الله سبحانه هو الذي امتن عليه بالطاعة، ووفقه إليها، ولولا ذلك لما كانت، ويجب عليه كذلك أن ينسبها إلى من تفضل بها لا إلى حرصه هو وجهده وأحقيته.
وهذان الأمران لا يتحققان إلا بملاحظة كون هذه النعمة مقدرة من الله.
فإذا تصدق العبد مثلًا، لحظ إلى القدر، وأيقن أن الله ﷿ هو الذي تفضل ووفق لهذه الطاعة، فانطلق لسانه بالثناء عليه؛ انسلخ من شهود قدرته
_________________
(١) انظر: عدة الصابرين (٢٩٠)، والوابل الصيب (٥ - ٦)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٠/ ٨٦٨).
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وعمله، فلم يُدْل بها عليه سبحانه، ولم يتكبر ويعجب بها.
فمن هنا يتبين أن الاحتجاج بالقدر على الطاعة خصوصًا وعلى النعم عمومًا أمر مشروع محبوب لله سبحانه، وهو مقتضى شكر النعم.
فخلاصة القول أن سبق المقادير لا حجة فيه على ركوب الآثام والخطايا، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
منْع الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما اتفق عليه أهل الإسلام - كما تقدم نقل إجماعهم - ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على موقف الناس حيال الشرع والقدر.
وجملة المخالفين في الشرع والقدر من وجهة أخرى ثلاثة أصناف (^١):
الأول: القدرية المجوسية: وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه؛ فيقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وقال أسلافهم: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرة الرب سبحانه ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ويزعمون أن هذا هو العدل، وهذا يقع كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا في كثير من المتفقهة والمتكلمة، وقد يبتلى به - حالًا لا اعتقادًا - بعضُ من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر.
الثاني: القدرية المشركية: وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦ - ٢٦٠).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبتلى به كثيرًا - إما اعتقادًا وإما حالًا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب.
الثالث: القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بشرع الله وقدره، ولكنهم جعلوا هذا تناقضًا، وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة كقول أبب العلاء المعَرِّي (^١):
صرف الزمان مُفَرِّقُ الإلفَين … فاحكم إلهى بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدًا … وبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لها معادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالين
ومما يتعلق به أصحاب هذا القول من شُبه:
الشبهة الأولى: أنه ما ذنب المذنب إذا كان الله سبحانه قد كتب عليه الذنب وخلقه فيه؟ ولماذا يعاقب على ذنبه والحال هذه؟
الشبهة الثانية: أن العاصي إنما عصى لأن الله لم يرد منه الطاعة، إذ لو أرادها لوقعت، إذ لا راد لمشيئته سبحانه، فكيف يلام ويعاقب على عدم إرادة الله لطاعته؟
_________________
(١) انظر: معجم الأدباء لياقوت (١/ ٣٣٨)، وهو: أبو العلاء، أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الزنديق، ولد في معرة النعمان سنة (٣٦٣ هـ)، ومات فيها، من كتبه: "رسالة الغفران"، و"رسالة الملائكة"، له كلام وأشعار في الزندقة، هلك سنة (٤٤٩ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣)، وبغية الوعاة (١/ ٣١٥).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
الشبهة الثالثة: حديث محاجة آدم وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد تقدم لفظه.
وهذه الشبه الثلاث مرتبطة بشكل مباشر بموضوع الاحتجاج، وثمة شبهتان غيرهما غير مرتبطتين بالاحتجاج أصالة، ويحتج بها هؤلاء وهما:
الشبهة الرابعة: لماذا هدى الله سبحانه الطائع ووفقه للخير، وخذل العاصي ولم يوفقه؟ فلو وفقه لما عصى.
الشبهة الخامسة: أن الذنوب بقضاء الله، فيجب الرضا بها، وعدم الرضا بها يعني عدم الرضا بقضاء الله، وهذا محرم.
هذه أهم شبههم، والجواب عنها من وجهين، مجمل ومفصل.
أما الجواب المجمل، فمن وجوه:
أولها: أن هذا القول مضاد لدين الرسول ﷺ، بل لسائر الأديان، بل لكل فضيلة وخلة كريمة، إذ مضمونه تجويز فعل كل قبيح والانحلال عن كل فضيلة، ومواقعة كل رذيلة - وعلى رأسها الشرك والكفر - وهذا ما يضاد مقصود الرسالات، هذا وجه.
ووجه آخر: - وهو أعظم من الأول - وهو جعل الدين الداعي إلى الفضائل - الذي عموده ولبه ومقصوده تقوى الرب سبحانه وطاعته - جعله داعيًا إلى الرذائل مُحلًّا لها مسقطًا للَّوم عليها.
ووجه ثالث: أنه مضاد لما اتصف الله سبحانه به من عدل ورحمة، وكونه لا يفعل إلا الخير.
ثانيها: أن هذا القول لا تنتحله طائفة معروفة طوائف المسلمين، وإنما هو
[ ٢ / ٧٣١ ]
قول زنادقة الشعراء وجهال البشر وحثالة المجتمعات، الذين رأوا في الدين وتعاليمه مانعًا لهم وحاجزًا ورقيبًا عليهم، فأرادوا سد نور الشمس بغربال، فقلبوا الأمر وعكسوا القضية، وجعلوا الدين دليلًا لهم على فجورهم.
ثالثها: أن في هذا القول إسفافًا للعقول وإزراءً عليها، ومناقضة للفطر السليمة، إذ كيف يجوز عقل أو فطرة أن يباشر كل أحد كل قبيح ويقارف كل شنيعة، بلا لوم ولا عقوبة؟!
رابعها: أن هذا المذهب ممتنع التطبيق على أرض الواقع، حتى من جهة هؤلاء أنفسهم، إذ مضمونه أن يمكَّن الناس مما يريدون بدون رقيب أو حسيب وهذا مما لا يمكن وقوعه، لذلك تجد الواحد من هؤلاء إذا اعتدى عليه معتد في أمر يسير واحتج عليه بالقدر لم يقبل منه وطلب القصاص والحكم عليه.
خامسها: أن الاحتجاج بالقدر كما هو ممنوع شرعًا؛ فهو ممتنع قدرًا كذلك، لأن سبق القدر بالمعصية ليس بأولى من سبقه بالطاعة، فالمرء قبل الفعل لا يدري ما سبق به القدر، أسبق بالطاعة أو بالمعصية، فكيف يجعل المجهول دليلًا؟ وكيف يجعل المحتمل حجة، والاحتمال يسقط الاستدلال.
سادسها: أن ثبوت القدر لا ينافي قدرة العبد على الفعل ومشيئته له، بل يؤيده ويؤازره - كما تقدم -.
سابعها: أن زعم التنافي بين الشرع والقدر غير صحيح، لأن الله سبحانه قدر المقادير بناء على ما سبق به علمه أنه سيكون، فالله سبحانه علم من أبي بكر ﵁ أنه سيسلم ويتبع النبي ﷺ، وعلم من أبي جهل أنه سيعاند ويعادي النبي ﷺ، وإيمان أبي بكر وكفر أبي جهل كان باختيارهما.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
وقد تقدم الكلام على هذه المعاني في غضون المطلب الأول.
وفي حقيقة الأمر أنه ليس لهؤلاء حجة من نص ولا عقل ولا فطرة، لا صحيحة ولا ضعيفة، لا ظاهرة ولا خفية، إذ أن أصحاب هذا المذهب لم يبنوه على ما أخطؤوا في فهمه من كتاب أو سنة أو عقل أو لغة، بل حقيقة حالهم أنهم لما ركبوا الذنوب والآثام، ورأوا مضادة فعلهم للدين والعقل والفطر - وحالهم أنهم لا يستطيعون إنكار الشرع ولا إنكار القدر - أرادوا مخرجًا ينجيهم من ورطتهم، فعارضوا بين الشرع والقدر، وقالوا: إن القدر حجة على مخالفة الشرع.
وأما الجواب المفصل؛ فبتتبع كل شبهة على حدة.
أما الشبهة الأولى؛ فجوابها ما سبق في الرد المجمل، إذ هي أم الشبه وأعمها.
وأما الشبهة الثانية؛ فجوابها من وجهين:
الأول: أن الله سبحانه لا يُسأل عما يفعل، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله سبحانه بمقتضى ربوبيته يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، وليس للعبد المخلوق من عدم أن يعترض على ربه الجبار؛ لم فعل كذا ولم لم يفعل كذا، فالسؤال فاسد من أصله.
الثاني: أن الله سبحانه أراد الطاعة من العاصي، وأحبها ورضيها، لكنه سبحانه لم يشأ وقوعها منه، حكمة منه سبحانه وعدلًا، وعلمًا بأن هذا المحل لا يصلح للخير - كما سيأتي قريبًا -، فعدم إرادته سبحانه للطاعة من العاصي لا ينافي أن له اختيارًا وقدرة على الطاعة كما له اختيار وقدرة على المعصية.
وأما الشبهة الثالثة؛ فحديث المحاجة حديث صحيح، لكن لا دلالة لهم فيه من وجهين:
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الوجه الأول: أن موسى ﵇ لم يلم آدم على المعصية، بل على المصيبة، وآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على المعصية بل على المصيبة، فاللوم والاحتجاج كانا على المصيبة، يدل عليه أمور:
أولًا: أن سياق المحاجة يدل على أن المقصود هو المصيبة التي سببها الذنب، فموسى ﵇ قال: "خيبتنا وأخرجتنا من الجنة" ولم يقل: عصيت وأذنبت، وآدم ﵇ احتج عليه بسبق القدر بالمصيبة، ولهذا حجه.
ثانيًا: أن آدم كان أعلم بربه وأتقى له من أن يحتج بالقدر على ذنبه إسقاطًا للَّوم، بل آحاد بنيه لا يفعل ذلك، إذ هو باطل شرعًا وعقلًا وفطرةً.
ثالثًا: أنه كيف يظن بموسى كليم الله أن يلوم أباه على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وموسى نفسه قد أذنب وتاب الله عليه؟ (^١).
الوجه الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على الذنب يجوز إذا ارتفع اللوم، ولم يقصد به إسقاط الأمر والنهي - كما تقدم بيانه - (^٢).
فمن احتج بالقدر على الذنب على هذا النحو فاحتجاجه مقبول صحيح، وأما من احتج به رفعًا للوم وإسقاطًا للأمر والنهي فهو باطل.
وقد تنوعت أجوبة الطوائف على هذا الحديث، فمن مكذب به، إلى زاعم أن آدم إنما حج موسى لأنه أبوه، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الذنب وقع في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٩) و(٨/ ٤٥٣ - ٤٥٤) و(١١/ ٢٥٩)، وشفاء العليل (١/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) انظر ما تقدم ص (٧٢٢).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
شريعة واللوم في شريعة، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الاحتجاج وقع في الدار الآخرة، إلى آخر يزعم أنه إنما حجه لأنه شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته، وكلها أقوال ضعيفة (^١)، والمعتمد ما ذُكر في الوجهين السابقين.
وأما الشبهة الرابعة؛ فهي قريبة من الشبهة الثانية، وهي مبنية على السؤال الفاسد لماذا فعل الله كذا ولم يفعل كذا، وهو سؤال باطل كما تقدم.
ثم إن هداية الله سبحانه لمن هدى وخذلانه لمن خذل لا ظلم فيه، بل هو عدل وحكمة، وقد سبق بيان ذلك (^٢)، فالهداية فضله سبحانه، وليس من منع فضلَه ظالمًا، لا سيما إذا منعه من لا يليق به ولا يزكو به.
وأما الشبهة الخامسة؛ فجوابها: أنه ليس كل رضًا بالقضاء واجب، بل منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو حرام، والرضا بالمعاصي من قسم الحرام، فلا يجوز الرضا بها (^٣).
ثم ليعلم بعد هذا مَن احتج بالقدر أنه مع كون الاحتجاج بالقدر على الذنوب لم يدل عليه دليل من شرع ولا عقل ولا لغة، - بل هو مناف لكل دليل -؛ ليعلم أنه لا ثمرة محمودة من الاحتجاج بالقدر على الذنب، لأن العبد حين يحتج بالقدر على الذنب يعارض بين ما شرعه الله وما قدَّره، ومعارضة الشرع والقدر كفر وزندقة، السلف الأول فيها إبليس أخزاه الله
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وشفاء العليل (١/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).
(٣) سيأتي تفصيل أحكام الرضا بالقضاء في المبحث الآتي بعون الله تعالى.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
والمشركون من بعده وزنادقة الشعراء والجهال، فلربما أخرجه هذا الاحتجاج عن دائرة أهل الإسلام، إذ المذنب بعد الذنب أحد رجلين:
- مسلم مفرط مضيع، ابتلاه الله بالذنوب والآثام، يرى ثقل ذلك على نفسه، ويخاف ذنبه.
- زنديق مفتون أراد الهروب من تبعات ذنبه وعقوبته فرمى بذنبه على القدر ولامه وحمله التبعة.
فالعاقل يربأ بنفسه أن يكون زنديقًا مرتدًا، ويختار لنفسه أن تكون عاصيًا مفرِّطا، فإن العاصي إذا وافى الله سبحانه بمعصيته الكبيرة إما أن يغفر له تفضُّلًا، وإما أن يعذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة، فإن المسلم الذي مات على التوحيد صائر إلى الجنة لا محالة، لكن إما أن يدخلها ابتداءً، وإما أن يدخلها بعد أن يدخل النار على مقدار ذنبه.
ثم ليذكر أن الله سبحانه الذي قدَّر عليه الذنب حكمة منه وعلمًا؛ قد فتح له بابًا يوصله إليه إذا أراد العودة إليه بصدق في وقت المهلة، إنه باب التوبة النصوح التي لا تبقي للذنب أثرًا، بل لربما كانت سببًا في رفعة الدرجة وعلو المنزلة.
قال ربُّنا ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال نبيُّنا ﷺ: (إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،
[ ٢ / ٧٣٦ ]
ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (^١).
فالحري بالعاقل إذا وقع في الذنب أن يبادر ويتوب إلى ربه، بدلًا من أن يلقي بتبعته على ربه سبحانه ويلحق بزمرة أعدائه، والله الموفق والهادي.
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٤/ ٢١١٣) ح (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى ﵁.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
المبحث التاسع: "الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والرضا بالقضاء ثلاثة أنواع: أحدها الرضا بالطاعات، فهذا طاعة مأمور بها. والثاني: الرضا بالمصائب، فهذا مأمور به: إما مستحب وإما واجب. . . والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "والحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان.
هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته؛ فالرضا به من تمام
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٤).
[ ٢ / ٧٤١ ]
الرضا بالله ربًّا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا" (^١).
وقال ﵀: "ها هنا أمران: قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى، ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به" (^٢).
قال الحافظ ابن عَبْد الهَادي ﵀ (^٣): "القضاء يراد به ثلاثة أشياء: أحدهما: الأمر والنهي، فهذا الرضا به واجب، والثاني: الكفر والمعاصي، فهذا الرضا به ليس بواجب، والثالث: المصائب التي تصيب العبد، فهذا الرضا بها واجب أو مستحب؟
قال: ثم يقال: القضاء الذي هو صفة الله الرضا به واجب، وأما المقضي وهو الكفر والمعاصي التي هي أفعال العباد، فالرضا بها ليس بواجب" (^٤).
وقال العز بن عبد السلام ﵀: "فإن كان المقضي به طاعة؛ فليرض بالقضاء والمقضي به جميعًا، وإن كان معصية؛ فليرض بالقضاء ولا يرضى بالمقضي به بل يكرهه، وإن لم يكن طاعة ولا معصية؛ فليرض بالقضاء ولا
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٢٥٦).
(٣) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، المقرئ الفقيه المحدث، الحافظ الناقد، النحوي المتفنن، ولد سنة (٧٠٤ هـ)، صنف ما يزيد على سبعين كتابًا، منها: "العقود الدرية" و"المحرر في الحديث"، مات سنة (٧٤٤ هـ). انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١١٥)، والدرر الكامنة (٣/ ٣٣١).
(٤) انظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٢).
[ ٢ / ٧٤٢ ]
يتسخط بالمقضي به، وإن رضي به كان أفضل" (^١).
وقال أيضًا: "ولا يشترط أن يرضى بالمقضي به إلا إذا كان المقضي به خيرًا، فإن كان المقضى به معصية فليرض بالقضاء وليكره المقضي به؛ لأن القضاء حكم الله والمقضي هو المحكوم به" (^٢).
وقال السفاريني ﵀ (^٣):
وليس واجبًا على العبد الرضا … بكل مقضي ولكن بالقضا
لأنه من فعله تعالى … وذاك من فعل الذي تقالى
_________________
(١) قواعد الأحكام (١/ ٣٢٩).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٣٦١).
(٣) العقيدة السفارينية مع شرحها: لوامع الأنوار (١/ ٣٥٧).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
لما كان لا بد من التفصيل في مسألة الرضا بالقدر، وأن القدر الذي هو فعل الله يجب الرضا به، وأن المقدور من المصائب يشرع الرضا به، وأن الذنوب يحرم الرضا بها؛ فسيكون سياق الأدلة مبنيًّا على هذا الأساس.
فأما وجوب الرضا بالقدر الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه؛ فيدل عليه:
حديث العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (^١).
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وجبت له الجنة) (^٢).
ووجه الدلالة منهما أن الرضا بالقدر من الرضا بالله ربًّا، والرضا بالله ربًّا واجب، فيكون الرضا بالقدر واجب كذلك.
وأما مشروعية الرضا بالأقدار المؤلمة؛ فيدل عليها:
قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وآيتي المجادلة
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا فهو مؤمن. . . (١/ ٦٢) ح (٣٤).
(٢) رواه مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات (٣/ ١٥٠١) ح (١٨٨٤).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
والبينة (^١).
وأما حرمة الرضا بالمعاصي والذنوب؛ فيدل عليها:
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].
وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
والواجب رضا ما يرضاه الله سبحانه وبغض ما يبغضه، وقد أخبر سبحانه بأنه يبغض ولا يرضى عن الكفر والفسق والقول السيء، فالواجب بغضها كما أبغضها ربنا ﷿.
_________________
(١) المجادلة آية (٢٢)، والبينة آية (٨).
[ ٢ / ٧٤٥ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مسألة الرضا بالقدر من مسائل الدين العظام، وهي من تمام الإيمان بالقضاء والقدر (^١).
عن العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (^٢).
وقال أبو الدرداء ﵁: "ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب ﷿" (^٣).
وهذه الأربعة مرجعها عند التأمل إلى الرضا والتسليم للقضاء.
والرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله الأعظم (^٤)، وهو من أسباب سعادة العبد، وضده من أسباب شقاوته (^٥)، وهو عمل جليل من أعمال القلوب، والثمرة اليانعة لاستشعار ربوبية الله سبحانه وإلهيته وحكمته، وهو من مقامات الصديقين (^٦).
ولفظ "الرضا بالقضاء" لفظ محمود مأمور به (^٧).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٦١).
(٢) تقدم تخريجه ص (٧٤٤).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه ص (٨٥) رقم (٥٨).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٧).
(٥) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٨).
(٦) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣)، ومدارج السالكين (٢/ ١٨٩).
(٧) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣).
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ولا بد قبل الشروع في بيانه من معرفة معنى الرضا بالقضاء.
فالرضا في اللغة مصدر رضي، يرضى رِضًا ورُضًا ورِضْوانًا ورُضْوانًا، ومادته: الراء والضاد والحرف المعتل أصل واحد يدل على خلاف السخط (^١).
وأما الرضا بالقضاء فعُرف بتعريفات كثيرة:
فقال ابن مسعود ﵁: "الرضا: أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله" (^٢).
وقيل: "نظر القلب إلى قديم اختيار الله ﷿ للعبد أنه يختار له الأفضل فيرضى به" (^٣).
وقيل: "معنى الرضا فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمُرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها" (^٤).
وقيل: "الرضا سكون القلب بما قسم الله له" (^٥).
وقيل: "سرور القلب بمُر القضاء" (^٦).
وقيل في تعريفه غير ذلك، وجماع القول: أن الرضا بالقضاء هو: "الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٦٤)، ومقاييس اللغة (٢/ ٤٠٢)، مادة: (رضي).
(٢) رواه البيهقي في الشعب شعب الإيمان (١/ ٣٨٤) رقم (٢٠٥).
(٣) انظر: الترغيب والترهيب لقوام السنة (٢/ ٢٠٠)، وقد ذكره عن أحمد بن عطاء ﵀.
(٤) رواه البيهقي في الشعب شعب الإيمان (١/ ٣٩٦) رقم (٢٣١) عن ابن الفرجي ﵀.
(٥) انظر: التوكل على الله لابن أبي الدنيا ص (٧١).
(٦) رواه البيهقي في الزهد (٣٤١) رقم (٩٣٣) عن المزين ﵀.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به" (^١).
والرضا بالقضاء رضًا بالله ربًّا، كما أن إخلاص العبادة له رضاه بما يأمره به هو الرضا به سبحانه إلهًا ومعبودًا (^٢).
والرضا بالقضاء يتناول معنيين:
الأول: الرضا بالقضاء الشرعي.
أي أوامره سبحانه وشرائعه التي خاطب بها عباده، ويتضمن ذلك تعظيمها وتلقيها بالقبول والتسليم والإذعان، والمسارعة في امتثالها، وعدم معارضتها بذوق أو وجد أو سياسة أو قياس أو أي شيء.
وهذا الرضا واجب، لم يتنازع العلماء في وجوبه (^٣)، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فقد جعله سبحانه شرطًا في صحة الإيمان، فقال لنبيه ﷺ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فأمرهم بعد تحكيمه بأن يرتفع الحرج من نفوسهم فيما يحكم به، وأن يسلموا لحكمه وهذا حقيقة الرضا بحكمه (^٤).
الثاني: الرضا بالقضاء الكوني.
أي ما يقدره الله سبحانه على العباد، مما وقع أو يقع أو سيقع لاحقًا.
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٧٢).
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: جامع الرسائل (٢/ ٣٧٩).
(٤) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٩٢).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
وفي هذا النوع من الرضا سيكون البحث دون الأول، فإنه لا تعلق للكوني بباب القدر.
وبين القضاء الشرعي والقضاء الكوني ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية من فروق، وقد تقدم ذكرها فلا داعي لإعادتها هنا (^١).
وقد ذكر أهل العلم مسائل تتعلق بالرضا، أذكر هنا منها مسألة مهمة، وهي:
علاقة الرضا بالقضاء بالتوكل:
التوكل من منازل الدين العظيمة التي من قام بها فقد فاز وأنجح، ومن حققها فقد اجتمع له الخير كله، قال سعيد بن جبير ﵀: "التوكل على الله جماع الإيمان" (^٢).
ويكفي في فضله قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
والحسب الكافي، فبين أنه كاف من توكل عليه (^٣)، وأي خير أعظم من هذا؟ ولذلك قال ابن مسعود أن هذه الآية هي "أكبر آية في القرآن تفويضًا" (^٤).
والتوكل هو صدق الاعتماد على الله مع الثقة به وفعل الأسباب، وهو كالرضا عمل قلبي (^٥).
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٥٣٠ - ٥٣١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في التوكل على الله ص (٤٨) رقم (٥).
(٣) انظر: جامع الرسائل (١/ ٨٨).
(٤) رواه ابن جرير (٢٣/ ٤٨).
(٥) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١١٤).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
والتوكل مبني على أصلين: الاعتماد والثقة، قال ابن القيم ﵀: "والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة والاعتماد، وهو حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين" (^١).
وقد تنوعت أقوال أهل العلم في بيان العلاقة بين الرضا والتوكل، فقيل الرضا هو التوكل (^٢).
سئل الحسن ﵀ عن التوكل فقال: "الرضا عن الله" (^٣).
وقال بشر الحافي ﵀ (^٤): "يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله؛ لو توكل على الله رضي بما يفعل الله" (^٥).
وسئل يَحيى بن مُعاذ ﵀ (^٦): متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: "إذا رضي بالله وكيلًا" (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٧٥).
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ١١٥).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في التوكل على الله (٥٤) رقم (١٧).
(٤) هو: أبو نصر، بشر بن الحارث بن علي بن المروزي ثم البغدادي، الزاهد، المعروف بالحافي، ولد سنة (١٥٢ هـ)، كان رأسًا في الورع والإخلاص، قال الدارقطني: "زاهد جبل ثقة، ليس يروي إلا حديثًا صحيحًا"، مات سنة (٢٢٧ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٥٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ١١٥).
(٦) هو: أبو زكريا، يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي الواعظ، له كلام جيد، ومواعظ مشهورة، من كلماته: "لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب"، مات بنيسابور سنة (٢٥٨ هـ). انظر: تاريخ بغداد (١٦/ ٣٠٦)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥).
(٧) انظر: المصدر السابق.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ومنهم من جعله من مراتب التوكل، قال أبو بكر الواسطي ﵀ وسئل عن ماهية التوكل -: "الصبر على طوارق المحن، ثم التفويض، ثم التسليم، ثم الرضا، ثم الثقة" (^١).
والصواب أن الرضا هو ثمرة التوكل، فالتوكل يكون قبل الفعل، ثم بعد الفعل يكون الرضا (^٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والرضا والتوكل يكتنفان المقدور؛ فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه" (^٣).
ومما يدل عليه قول النبي ﷺ: (أسألك اللهم الرضا بعد القضاء) (^٤)، فجعل النبي ﷺ الرضا بعد وقوع المقضي.
ويدل عليه أيضًا حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٤٧٢).
(٢) انظر: جامع العلوم والحكم (٨٢٢).
(٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧).
(٤) رواه النسائي: كتاب السهو، (٣/ ٦٢) ح (١٣٠٤) من حديث عمار بن ياسر ﵁، ورواه أحمد (٣٥/ ٥٢٠) ح (٢١٦٦٦) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
[ ٢ / ٧٥١ ]
واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، ويسمي حاجته (^١).
فذكر طلب الرضا بعد وقوع المقدور، مع ما في الدعاء نفسه قبل وقوع المقدور من توكل على الله.
قال ابن القيم ﵁: "تأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمونُ الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوانُ السعادة" (^٢).
وأما ما يكون من العبد قبل وقوع المقدور فهو عزم على الرضا لا الرضا نفسه، ولهذا يوجد في الناس من يعزم على الرضا فإذا وقع المقدر انفسخ عزمه ولم يرضَ (^٣).
وهذه المسألة - مسألة الرضا بالقدر - مما اختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا، وتنوعت فيه مذاهبهم تنوعًا عظيمًا.
وتحقيق الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة أصلين:
الأصل الأول: التفريق بين الفعل والمفعول.
الأصل الثاني: التفريق بين أنواع القضاء الكوني.
أما الأصل الأول؛ فسبق بيانه، وأن مذهب أهل السنة جميعًا هو التفريق بين الفعل والمفعول (^٤)، وتطبيق هذا الأصل الجليل هنا هو التفريق بين القضاء
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٤٢).
(٢) زاد المعاد (٢/ ٤٤٤).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧).
(٤) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).
[ ٢ / ٧٥٢ ]
الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه، وبين المقضي المفعول المخلوق.
فالأول: الرضا به واجب، وهو من الإيمان بالله ربًّا خالقًا إلهًا مدبِّرًا متَّصفًا بكل كمال ومنزَّهًا عن كل نقص.
والثاني: لا يطلق القول فيه بنفي ولا إثبات، بل يفصل الكلام في أقسامه، ويعطى كل قسم ما يليق به من حكم، وتفصيله في:
الأصل الثاني: وهو أن القضاء الكوني الذي هو المفعول المنفصل نوعان (^١):
النوع الأول: ما يقضيه الله سبحانه مما يوافق إرادة العبد ومحبته ورضاه من صحة وعافية وغنى ولذة، ونحوها، فهذا الرضا به لازم للعبد بمقتضى الطبيعة التي جبله الله عليها من محبة ما ينفعه ويلتذ به، وإذ كان لازمًا له؛ فليس في الرضا به عبودية في ذات الأمر، بل العبودية فيه بالقيام بشكره، بالاعتراف به في القلب والثناء به على الله ﷿ واستخدامه فيما يرضي الله سبحانه وعدم الاستعانة به على مساخطه.
النوع الثاني: ما يقضيه الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد ومحبته، وهذا على قسمين:
القسم الأول: ما ليس للعبد فيه اختيار، وهو المصائب والمحن التي يقدرها الله سبحانه على العبد، سواء كانت بلاءً مجردًا، أو عقوبة على ذنب سابق.
وهذا الرضا به مشروع، وهو مستحب على الصحيح وليس بواجب، إذ الواجب هو الصبر، فإذا انضاف إليه الرضا فنور على نور، وإلا فقد أدى العبد بالصبر ما وجب عليه.
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وكلا القولين: وجوب الرضا وعدمه قولان لأهل السنة، وهما قولان لأصحاب أحمد وغيرهما (^١).
ومما يدل على عدم وجوبه:
أولًا: أن الإيجاب حكم شرعي، والأحكام الشرعية مبناها على الأدلة لا على الرأي المحض، ولا دليل على الوجوب، إذ لم يأت في كتاب ولا سنة وجوب الرضا، وإنما ذلك في الصبر (^٢).
ثانيًا: أن النصوص دلت على أن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات، وما كان كذلك فليس بواجب، ولذلك كان الرضا بالقدر على حسب معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته، فتمامه تمامها، ونقصه بحسبها.
ومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم" (^٣).
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن" (^٤).
وقال سُليمان الخوَّاص ﵀ (^٥): "الصبر دون الرضا؛ الرضا أن يكون
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٠٤)، ومدارج السالكين (١/ ١١٠ - ١١١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٩)، ومدارج السالكين (١/ ٢٥٦).
(٣) رواه البيهقي: كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع (٤/ ٦٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في الاعتبار (٤٢) رقم (١٩).
(٥) هو: أبو أيوب، سليمان الخواص، زاهد أهل الشام في زمانه، قال سعيد بن عبد العزيز: =
[ ٢ / ٧٥٤ ]
الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر" (^١).
وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف (^٢).
واحتج من رأى الوجوب بأمور:
أولهما: أن الرضا من لوازم الإيمان بالله ربًّا وإلهًا؛ فهو واجب.
وجوابه: أن الرضا بالله ربا وإلهًا واجب، وهذا هو الرضا الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما الرضا بكل ما يخلقه الله ويقدره؛ فلم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا قال به أحد من السلف، بل جاء في النصوص الإخبار عن عدم رضا الله بأشياء مع كونها مخلوقة له سبحانه، كقوله ﷾: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] (^٣).
ثانيهما: حديث أبي هند الداري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تبارك
_________________
(١) = "سليمان الخواص؛ ما رأيت أزهد منه"، قال الذهبي: "لم يرو الخواص شيئًا، ولا ظفرت له بوفاة، ولكن وفاته قريبة من وفاة إبراهيم بن أدهم - رحمهما الله -". انظر: حلية الأولياء (٨/ ٢٧٦)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٤٠٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه ص (٧٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢٧٧).
(٣) ولفظه: (إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، وإن لم تستطع؛ فإن في الصبر على ما يكره خيرًا كثيرًا)، أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٤) من حديث ابن عباس ﵄، انظر الكلام على تضعيفه في الضعيفة ح (٥١٠٧).
(٤) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وتعالى: من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي؛ فليلتمس ربًّا سواي) (^١).
وجوابه: أنه ضعيف جدًّا؛ في إسناده سعيد بن زياد: متروك (^٢)، ثم هو مخالف لما دلت عليه النصوص مما تقدم آنفًا.
ثالثها: أن من لم يرض بقضاء الله فقد سخطه، إذ لا واسطة بينهما.
وجوابه: أن هذه الدعوى غير مسلَّمة، لأن الفرق ثابت - كما تقدم - بين قضاء الله الذي هو فعله، والمقضي المفعول، ففعل الله يُرضى ولا يُسخط، والمفعول يسخط من وجه ويرضى من وجه، فيجتمع فيه الأمران لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء المر؛ يكون مبغوضًا من جهة مرارته وسوء طعمه، لكنه مرضي من جهة كونه سببًا في الشفاء (^٣).
ومن هنا يتضح الجواب على السؤال المشهور، وهو كيف يجتمع الرضا بالقدر مما لا يلائم العبد من محن ومصائب مع كراهيتها؟
فهذا القضاء المكروه هو مكروه من جهة تألمه به، ومرضي من جهة إفضائه إلى ما يحبه ويلتذ به، وسواء كان هذا في أمور الدنيا، كالمثال المتقدم آنفًا، أو في أمور الآخرة، كالجهاد؛ فإنه مكروه لما يقتضيه من جهد وبلاء وخسائر في الأنفس والأموال، وغير ذلك، ومحبوب من جهة إفضائه إلى رضوان الله والجنة، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
_________________
(١) رواه الطبراني (٢٢/ ٣٢٠).
(٢) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٣٨)، وقد ضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٥٨) ح (٤٢٠٠).
(٣) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٨٨).
[ ٢ / ٧٥٦ ]
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومن أجل هذا كان كل قضاء يقضى للمؤمن فهو خير لما يفضي إليه، إذ لا يخلو هذا القضاء عن أن يكون سراء أو ضراء، فالسراء يشكر عليها، والضراء يصبر عليها، ولهذا قال النبي ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير - وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (^١).
القسم الثاني: ما للعبد فيه اختيار، وهو ما يُقدَّر على العبد مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان.
فهذا لا يجوز الرضا به، بل يجب كراهيته وسخطه، لأنه مبغوض لله سبحانه مكروه، والواجب بغض ما يبغضه الله كما يجب حب ما يحبه.
وقد ذم الله سبحانه من رضي بما أسخطه فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
قال شيخ الإسلام ﵀: "فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى عنه ويعاقب أصحابه؛ فهو عدو لله لا ولي لله، وهو يصد عن سبيل الله وطريقه، ليس بسالك لطريقه وسبيله" (^٢).
وبهذا التفصيل يزول اللبس في هذه المسألة العظيمة، وسر الصواب فيها
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (٤/ ٢٢٩٥) ح (٢٩٩٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨).
[ ٢ / ٧٥٧ ]
ونُكتته أن للرضا بالقدر تعلقين:
- تعلق بالرب تقديرًا؛ علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا، فكل قضاء من هذه الجهة مرضي وجوبًا، إذ هو من الرضا بالله ربًّا وإلهًا.
- تعلق بالعبد، فلا يطلق الرضا فيه ولا ينفى، بل يفصل في أقسامه ويعطى كل قسم ما يليق به نفيًا أو إثباتًا (^١).
ومما ينبغي أن يعلم أن ثمة أمور - مما صورته الشكوى من القدر - فعلها جائز ولا ينافي الرضا بالقدر ما لم يقترن به شيء مِمَّا يحرم أو يكره، ومنها: الإخبار المجرد بالمصيبة، أو التألم منها، أو حكايتها لمن يرجى منه المعونة في دفعها ونحو ذلك.
ومن الأدلة على ذلك: قوله ﷿ عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢].
وقوله سبحانه عن لوط ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].
وقوله ﷺ لعائشة: (بل أنا وارأساه) (^٢).
وقوله ﷺ لعبد الله ﵁ لما سأله: إنك لتوعك وعكًا شديدًا: (أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨)، ومدارج السالكين (١/ ٢٥٦).
(٢) رواه البخاري: كتاب الأحكام، باب الاستخلاف (٩/ ٨٠) ح (٧٢١٧).
(٣) رواه البخاري: كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول (٧/ ١١٥) ح (٥٦٤٨)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن. . . (٤/ ١٩٩١) ح (٢٥٧١).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
فهذا كله يدل على جواز ذلك بشرطه، وأما إذا اقترن به شيء من التظلم أو التبرم أو نحو ذلك فيكون محرمًا.
ولعدم الرضا بالقدر صور كثيرة منها: النياحة على الميت، والحلق ونحوهما مما يكون عند موت أحد، وكذا الجزع والقنوط، والحسد، وتمني الموت لضر دنيوي، وغير ذلك، وجماعها وأسُّها: تسخُّط القلب على ما قدَّره الله وقضاه، إذ كل من الرضا والسخط من عمل القلب.
والحاصل أن الرضا بالقدر فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
الرضا بقضاء الله الذي هو فعله، وكذا الرضا بالمصائب والبلاء مما اتُّفق عليه، وإنما الخلاف في الرضا بالمعاصي والآثام، فقد غلط في ذلك طائفتان (^١):
القدرية المعتزلة؛ فقد قالوا: إن الرضا بالقدر من أعظم المقامات، فلو كانت المعاصي بقضائه لكان ينبغي أن يُرضى بها، والرضا بالكفر والفسوق والعصيان لا يجوز باتفاق المسلمين، فعُلِم أن هذه ليست بقضائه.
فحملهم قولهم بعدم الرضا بالمعاصي على إخراجها عن أن تكون من قضائه.
ومما يبين ذلك من كتبهم أنهم جعلوا من أدلتهم على نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد أن الرضا بالقضاء واجب، وأفعال العباد فيها الظلم والقبيح، فوجب ألا تكون مرادة ولا مخلوقة له سبحانه.
قال القاضي عبد الجبار: "وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا" (^٢)، فالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (^٣).
_________________
(١) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣ - ٢١٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٣ - ٧٦٦).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٤٦٤)، وانظر: المغني (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢ و٣٤٦).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٦٨).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وقال أيضًا: "فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة" (^١).
فهؤلاء وقعوا في شبهة تلازم القضاء والرضا، فما وافق القدر فهو مرضي، وما خالفه فهو غير مرضيٍّ.
ولا تلازم في حقيقة الأمر فقد يقضي الله سبحانه ما لا يرضاه كالكفر والفسوق والعصيان، وقد يرضى بما لم يقضه كإيمان أبي جهل.
وضلال المعتزلة في هذا مركب من انحرافهم في ثلاث مسائل:
الأولى: نفي انقسام الإرادة إلى شرعية وكونية.
الثانية: نفي التفريق بين الفعل والمفعول.
الثالثة: نفي انقسام القضاء إلى كوني وشرعي.
أما المسألة الأولى؛ فقد تقدم بيان الصواب فيها والرد على مخالفة المعتزلة فيما سبق، وأنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة، وأن الله سبحانه قد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، وقد يريد شرعًا ما لم يرده كونًا، وكذا المسألة الثانية؛ مضى تفصيل القول فيها.
وأما المسألة الثالثة: فإن النصوص قد دلت بالاستقراء على التفريق بين القضاء الشرعي والكوني، وإذا ثبت ذلك لم يعد هناك ما يشكل في إثبات كون المعاصي بقدر الله وخلقه.
وهذه هي حقيقة مخالفة المعتزلة هنا؛ فإنهم أصابوا في أنه لا يجوز الرضا
_________________
(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥١).
[ ٢ / ٧٦١ ]
بالمعاصي، لكنهم أخطؤوا في جعل ذلك دليلًا على عدم إرادة الله سبحانه وخلقه لها، وقد تقدم في مبحث خلق الأفعال ما يبطل مذهبهم.
وذهب غلاة الجهمية إلى أن الرضا بالقضاء قربة وطاعة؛ والمعاصي بقضاء الله؛ فيجب الرضا بها، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر.
فقد اجتمع لهم أربع شبه حادت بهم عن طريق الحق في هذه المسألة هي:
أولًا: عدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة وظنهم أن كل ما شاءه الله سبحانه فقد أحبه، فعندهم أن المعاصي محبوبة للرب سبحانه.
ثانيًا: اعتقادهم أن الله سبحانه أمر بالرضا بها.
ثالثًا: نفيهم للحسن والقبح العقليين.
رابعًا: قولهم بالجبر ونفي فعل العبد.
فتركب لهم من اجتماع هذه البلايا رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والاستسلام للقدر والذهاب معه حيث كان (^١)، حتى جعلوا الرضا: "ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" كما نقل عن أبي سُليمان الدَّاراني (^٢).
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٥٢).
(٢) انظر: الرسالة القشيرية (٣٤١)، وهو: أبو سليمان، عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل: ابن عسكر العنسي الداراني، الزاهد المشهور، ولد في حدود (١٤٠ هـ)، مما قاله: "ليس لمن أُلهم شيئًا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر"، مات سنة (٢١٥ هـ). انظر: صفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٢)، وطبقات الصوفية (٧٤).
[ ٢ / ٧٦٢ ]
والرضا عند الصوفية ثلاث درجات:
الأول: رضا العامة وهو الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، وهذا قطب رحى الإسلام وهو يطهر من الشرك الأكبر ويصح بثلاثة شروط:
- أن يكون الله ﷿ أحب الأشياء إلى العبد.
- وأولى الأشياء بالتعظيم.
- وأحق الأشياء بالطاعة.
الثاني: الرضا عن الله وبهذا نطقت آيات التنزيل وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر، وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص، ويصح كذلك بثلاثة شروط:
- استواء الحالات عند العبد.
- سقوط الخصومة مع الخلق.
- الإخلاص في المسألة والإلحاح.
الثالثة: الرضا برضا الله تعالى؛ فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضا، فيبعثه على ترك الحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز، ولو أُدخل النار (^١)، وهذا هو الفناء عن شهود السوى.
فكمال الرضا عندهم بترك الحكم وإسقاط التمييز، وقد صدَّر الهروي هذا الباب بتعريف للرضا مشتمل على هذا، فقال: "والرضا اسم للوقوف الصادق حيثما وقف العبد، لا يلتمس متقدمًا ولا متأخرًا ولا يستزيد مزيدًا ولا يستبدل حالًا، وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص
_________________
(١) انظر: منازل السائرين (١٩ - ٢٠).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
وأشقها على العامة" (^١).
ومذهب هؤلاء باطل ببطلان ما بنوه عليه، ويزيده بطلانًا أمور:
الأول: أن حقيقة الرضا فعل ما يرضي الله سبحانه، ورضا ما يرضاه وسخط ما يسخطه، كما قال النَّصرابَاذي: (^٢) "من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه" (^٣).
وقال القشيري ﵀: "واعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أُمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا؛ كالمعاصي، وفنون محن المسلمين" (^٤).
الثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على أن الله سبحانه لا يحب الفسوق والكفر ولا يرضاه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
فكيف يؤمر العبد بالرضا بما سخطه الله سبحانه؟!
الثالث: أن الأدلة قد دلت على التفريق بين قضاء الله سبحانه الذي هو فعله وبين المقضي المفعول، فالرضا المطلق إنما هو في فعل الله سبحانه، وأما المفعول المنفصل ففيه تفصيل تقدم.
_________________
(١) منازل السائرين (١٩).
(٢) هو: أبو القاسم، إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصراباذي النيسابوري الزاهد شيخ الصوفية، صحب الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش، مات بمكة سنة (٣٦٧ هـ). انظر: تاريخ بغداد (٧/ ١٠٧)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦٣).
(٣) الرسالة القشيرية (٣٤٠).
(٤) الرسالة القشيرية (٣٣٩).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
الرابع: أن غاية العبادة التي يفعلها العبد الزحزحة عن النار ودخول الجنة بما فيها من نعيم وأعلاه رؤية الجبار ﷻ، وهذا مطلوب جميع المؤمنين وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون، كما في حديث أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل: (كيف تقول في الصلاة؟) قال: "أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دَنْدَنتك ولا دَنْدَنَة معاذ" فقال النبي ﷺ: (حولها ندندن) (^١).
الخامس: أن الله سبحانه أمرنا بالعمل بمقتضى ما أمر وترك ما نهى عنه، فالواجب هذا، وما وقع في قدر الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد من مصائب وذنوب فالواجب مدافعته بما أمكن، قال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود من ذلك أن كثيرًا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب وما قدره من الأمور التي ينهى عنها، فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ويظنون أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم، وهذا جهل وضلال قد يؤدي إلى الكفر والانسلاخ من الدين؛ فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان" (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٥/ ٢٣٤) ح (١٥٨٩٨)، وأبو داوود: كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة (١/ ٣٥٢) ح (٧٩٢)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقال في التشهد والصلاة على النبي ﷺ (٢/ ١٧٤) ح (٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٧٩٢)، والدَّنْدَنة: أن يتكلّم الرجلُ بالكلام تَسمَع نَغْمَته ولا تفهمه عنه لأنّه يُخفيه. انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٧٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٩).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وهذا القول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وما ذكروه في تعريف الرضا وفي درجاته متعقب من وجوه، منها:
أولًا: جعلهم الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، رضا العامة، وأدنى درجات الرضا غير صحيح، إذ الرضا بالله ربًّا هو أصل الرضا بالقضاء، ومشتمل عليه، فمن الرضا بالله ربًّا: الرضا بما يقدره من مصائب، وهكذا.
والرضا بالله ربًّا من المقامات العالية في الإيمان، كما سبق في الحديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (^١).
ثانيًا: جعلهم الرضا ترك الدعاء والسؤال بالنجاة من النار، وهذا باطل؛ فإن الرضا الشرعي الصحيح لا يتضمن ترك مشروع من واجب أو مستحب، ولا فعل محرم، فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن سؤال الله سبحانه الجنة والاستعاذة به من النار من أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٧٤٤).
(٢) انظر: الاستقامة (٤٠٨).
[ ٢ / ٧٦٦ ]
المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك"
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
المبحث العاشر: "من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك"
المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:
وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.
قال ابن قتيبة ﵀: "وإنما يقبح كل قبيح بنهي الله تعالى عنه، ويحسن الحسن بأمر الله ﷿ به، خلا أشياء جعل الله في الفطر استقباحها كالكذب والسعاية والغيبة والبخل والظلم وأشباه ذلك" (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال رسول" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة" (^٣).
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢٤٤).
(٢) درء التعارض (٨/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
(٣) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٠).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.
يمكن تقسيم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين:
القسم الأول: الأدلة على أن العقل يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها، وهي أنواع:
الأول: إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠، ١١]، وقال في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]، فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الشرع بحسنها وقبحها.
وكذلك قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم عنها (^١).
الثاني: أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٢].
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٦٧٨ - ٦٨١) و(٢٠/ ٣٧).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
فلو لم تكن هذه الأفعال قبيحة إذ ذاك؛ لما كان للأمر بالاستغفار والتوبة منها معنى (^١).
الثالث: أمره سبحانه المشركين بالتعقل والتفكر والتذكر ونحوها للانتباه من غفلة ما هم عليه من الشرك والكفر.
كما قال ﷿: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]، و﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، و﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩].
فلولا أن قبح ما هم عليه من الكفر يدرك بالعقل لما كان لأمرهم بالرجوع إلى عقولهم معنىً (^٢).
الرابع: إخباره سبحانه بأنه أرسل النبي ﷺ بالأمر بما هو طيب وحسن والنهي عما هو خبيث وقبيح.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فأخبر سبحانه بأن رسوله يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر، ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث، ولو كان هذا المعروف والمنكر والطيب والخبيث إنما اكتسب هذه الصفات بأمره الشرع ونهيه؛ لكان معنى الآية: يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، ويحل لهم ما أحله، ويحرم عليهم ما حرمه، وهذا
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٧٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٦٨٢).
[ ٢ / ٧٧١ ]
باطل ينزه عنه كلام الله وكلام رسوله ﷺ (^١).
ومثله قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أفعال حسنة في ذاتها، لم تكتسب الحسن من أمر الشرع بها، والفحشاء والمنكر والبغي أفعال قبيحة قبل نهي الشرع عنها، ولو لم تكن كذلك للزم أن يكون المعنى: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه، وهو باطل كما تقدم.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨، ٢٩].
إذ لو كان حسن القسط، وقبح الفاحشة مستفادًا من الأمر والنهي فحسب لكان المعنى: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وإنما يأمر بما أمر به، وهذا لغو ينزه الرب ﷿ عنه.
الخامس: إخباره سبحانه بأنه لا يسوي بين البصر والعمى، والحياة والموت، والظلمات والنور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
فلو لم يكن في البصر صفة تقتضي حسنه ولا في العمى صفة تقتضي
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٧٩)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ١٧٨)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
قبحه؛ لما كان لنفي التسوية بينهما معنى، وقس على ذلك فيما ذُكر (^١).
السادس: ضربه سبحانه الأمثال لعباده على حسن توحيده وقبح الشرك به بأشياء يعلمون حسنها وقبحها بعقولهم، كما قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩].
وقال ﷿: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] (^٢).
فلو كان ما ضرب به المثل من الحسن والقبح متوقفًا على تحسين الشرع وتقبيحه لكان هذا استدلالًا بموضع النزاع، فكأنه قال لهم: أضرب لكم مثلًا على حسن التوحيد بما حسنته من سلم العبد لسيده، وعلى قبح الشرك بما قبحته من تشارك الجمع في عبد، وهذا باطل.
السابع: تعليله سبحانه نهيه عن أشياء لكونها فاحشة في نفسها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فذكر وصف الفحش عند ذكر الحكم وهو الحرمة، فدل على أنه علة له.
وأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٩).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٣).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
فعلل التحريم بكون ذلك فاحشة في نفسه، ولو لم يكن في نفسه فاحشة لم يصح تعليل الحكم به، لأن الوصف عندئذ يستفاد من الحكم الذي هو أمر الشرع، فيكون متأخرًا عنه فلا يصح أن يكون علة له.
ثم يقال أيضًا: العلة يجب أن تغاير المعلول، فلو كان معنى كونها فاحشة هو معنى كونها منهيًّا عنها؛ للزم أن تكون العلة عين المعلول وهذا محال (^١).
ومن هنا كان من نفى التحسين والتقبيح العقليين ناف للحكمة، إذ لا وصف حينئذ يكون به الفعل حسنًا أو قبيحًا، والحكمة منشؤها من صفة الشيء؛ فلا حكمة حينئذ (^٢).
وأما ما أثبته نفاة التحسين والتقبيح من حسن الشرائع فمعزول عن الحكمة، إذ منشؤه عندهم ذات الأمر والنهي، لا صفة في المأمور اقتضت ذلك، فلو أمر بالشرك ونهى عن التوحيد لحَسُن ذلك عندهم، ومعلوم أن هذا لا يمكن وقوعه لما في وقوعه من منافاة لحكمة الله سبحانه ووحدانيته، ولكن هؤلاء جوزوا فرض وقوعه لأنهم سدوا على أنفسهم باب التعليل.
ولذلك فإن إثبات الحكمة من أعظم الأدلة الشرعية العقلية على ثبوت الحسن والقبح العقليين.
القسم الثاني: الأدلة على أن من الأشياء ما لا يعلم قبحه بالعقل بل
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٢٩).
(٢) انظر: إيثار الحق (٣٤٣).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
بالشرع، وهي نوعان:
الأول: ما جاء من تحسين وتقبيح في الشارع لما لا صفة فيه تقتضي للعقل تحسينه أو تقبيحه.
كحسن كون صلاة الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا وقبح كونهما على خلاف ذلك.
الثاني: ما جاء من نصوص في تحسين ما قبح في العقل، أو تقبيح ما حسن في العقل لحالة أو شخص معين.
كإباحة أو استحباب أو إيجاب الشرع لما قبح في العقل للضرورة، كالميتة للمضطر، أو الكذب لحفظ الدم ونحوه، أو للحاجة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذا في معاشرة النساء.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
المسألة الثالثة: شرح القاعدة.
مسألة التحسين والتقبيح من مسائل الدين العظام، التي من خالف الحقَّ فيها؛ خالفه الحقُّ في مسائل أخرى جليلة.
الحُسْن لغةً: ضد القبح، يقال حسَن الشيء وحسُن، يحسُن حسنًا، فهو حاسَنٌ وحَسَنٌ وحُسَانٌ وحَسَّانٌ.
والتحسين مصدر الفعل المضعف: حسَّن، يقال: حسَّن الشيء تحسينًا، إذا زينه (^١).
والقبح نقيضه، يقال: قبح فلان يَقْبُح قَبَاحَةً وَقُبْحًا وقبوحًا وقباحًا وقبوحةً، فهو قبيح.
والتقبيح كالتحسين مصدر المضعَّف: قبَّح الشيء تقبيحًا، أي: أبعده ونحَّاه عن الخير (^٢).
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
الأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح.
الثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع، وبين الثواب والعقاب عليها.
الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . .
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٤)، ولسان العرب (١٦/ ٢٦٩)، مادة: (حسن).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٧٥)، والصحاح (١/ ٣٩٣)، مادة: (قبح).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
المسألة الأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح.
مراد أهل السنة بالتحسين والتقبيح أن الأفعال مشتملة على أوصاف تكون بها حسنة أو قبيحة، وهذه الأوصاف ذاتية لهذه الأفعال، ولكونها ذاتية؛ فإن العقل يدركها، ويحكم بها، ولا يتوقف إدراكها على ورود الشرع بحسنها وقبحها.
وذلك أن الحسن والقبح عندهم يرجعان إلى كون الشيء نافعًا وضارًّا، أو ملائمًا ومنافرًا؛ فالحسن هو النافع أو الملائم، والقبيح هو الضار أو المنافر.
والحسن والقبح بهذا المعنى لم يختلف في كونه يعلم بالعقل حتى عند نفاة التحسين والتقبيح، وإنما الخلاف في كون هذا الحسن والقبح سببًا للذم والعقاب أو المدح والعقاب بذاته، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع به.
فها هنا معنيان ذُكرا للحسن والقبح:
الأول: الموافقة والمخالفة، فالموافق هو الملائم النافع الحسن، والمخالف هو المنافر الضار القبيح.
الثاني: كون الشيء سببًا للمدح والذم والثواب والعقاب، فالحسن: ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل، والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل.
وقد ذكر بعضهم معنى ثالثًا، وهو كون الشيء صفة كمال وصفة نقص، وليس بصواب، لأمرين:
١) أن هذا المعنى لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، وإنما ذكره الرازي (^١)، وسلفه فيه الفلاسفة.
_________________
(١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (١/ ١٢٣).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
٢) أنه راجع إلى المعنى الأول في حقيقة الأمر، لأن الكمال موافق نافع ملائم، والنقص مخالف منافر ضار (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم، وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل" (^٢).
وقال أيضًا: "والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائمًا للإنسان وبعضها منافيًا له إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح، فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء.
وتنازعوا في الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سببًا للذم والعقاب هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع؟ وكان من أسباب النزاع أنهم ظنوا أن هذا القسم مغاير للأول وليس هذا خارجا عنه؛ فليس في الوجود حسن إلا بمعنى الملائم، ولا قبيح إلا بمعنى المنافي، والمدح والثواب ملائم والذم والعقاب مناف، فهذا نوع من الملائم والمنافي.
يبقى الكلام في بعض أنواع الحسن والقبيح لا في جميعه، ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق كالظلم والكذب ونحو ذلك" (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٨ - ٣١٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٢ - ٤١٣)، والعواصم والقواصم (٥/ ٢٥٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وإرشاد الفحول (١/ ٧٨ - ٧٩). وإطلاق ابن النجار في (١/ ٣٠٢) عن شيخ الإسلام - رحمهما الله - أن العقل "يوجب ويحرم" خطأ.
(٢) الرد على المنطقيين (٤٦٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٩).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
وأما الحسن والقبيح الشرعيان: فهما المأمور والمنهي، فما أمر به فهو حسن، وهو متضمن للمدح والثواب، وما نهي عنه فهو قبيح، وهو متضمن للذم والعقاب (^١).
والحسن والقبح في الأشياء أمران وجوديان، وليسا عدميين، لأنهما صفتان ثبوتيتان، فالحسَن حسُن لصفة أوجبت حسنه، والقبيح قبُح لصفات أوجبت قبحه، وهذه أمور وجودية، وكل منهما إنما حصل لعدم نقيضه، فلما كان نقيضه عدميًّا وجب أن يكون هو وجوديًّا (^٢).
ومن هنا كانت الأفعال عند أهل السنة ثلاثة أقسام:
الأول: ما علم حسنه أو قبحه بالعقل قبل ورود الشرع، وهو ما كان مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة للعالم والظلم مشتمل على مفسدة لهم، فحسن العدل وقبح الظلم يعرف بالعقل لكن لا يلزم من هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة أو مذمومًا إلا إن يرد بذلك الشرع.
الثاني: ما توقفت معرفة حسنه وقبحه على الشرع، فصفة الحسن والقبح هنا استفيدت من الشرع ولا مدخل للعقل فيها.
الثالث: ما كان من قبيل الامتحان، وهذا مرجعه إلى الشرع، والحسن فيه عائد إلى نفس الأمر لا إلى المأمور به؛ إذ المأمور به غير مراد، فالأمر لما اشتمل عليه من مصلحة وحكمة حسن من الشارع، وما اشتمل عليه المأمور به من
_________________
(١) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٢).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
قبح فإنه غير مراد ولا مطلوب له، كأمر الله سبحانه إبراهيم بذبح ولده (^١).
ومسألة التحسين والتقبيح قائمة على أصول ثلاثة، من لم يحكمها لم يستقر له فيها قدم، وهي (^٢):
الأول: أن أفعال الله سبحانه معللة بالحكم والغايات الحميدة.
الثاني: أن هذه الحكمة هي وصفه سبحانه، ويشتق له منها اسم.
الثالث: أن الإرادة الإلهية نوعان: إرادة كونية مرادفة للمشيئة، وإرادة شرعية مرادفة للمحبة.
وقد سبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة في مبحثين سابقين (^٣)، والمقصود بيان علاقة هذه الأصول بمسألة التحسين والتقبيح وكيف انبنت عليها.
أما الأصل الأول: فحاصله أن إثبات التعليل في أفعاله تعالى يتضمن إثبات أوصاف تكون مناطًا للعلة، ومرجع هذه الأوصاف إلى الحسن والقبح، فالرب سبحانه يفعل الحسن لأنه يحبه، ويترك القبيح لأنه يبغضه، إذ المحبة هي الغاية الأولى والعلة الكلية التي يفعل ﷾ لأجلها (^٤).
وأيضًا فإن التفصيل في أنواع الأفعال من حيث الحسن والقبح مبني على التفصيل في مسألة الحكمة؛ فما كان فيه حكمة في نفسه؛ فحسنه عقلي، ثم قد
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٤٥).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٩).
(٣) انظر ما تقدم ص (٤١١) وما بعدها، و(٥٢٣) وما بعدها.
(٤) انظر ما تقدم ص (٤٤٢).
[ ٢ / ٧٨٠ ]
ينضاف إلى ذلك الأمر به فيكون حسنه مع ذلك شرعي، وما لم يكن فيه حكمة ثم أمر به فحسنه شرعي، وما كان فيه منافاة للحكمة وأُمر به فهو من قبيل الامتحان، والحسن فيه في الأمر فيه لا في المأمور؛ إذ نفس الفعل ليس مقصودًا للآمر.
قال شيخ الإسلام ﵀: "إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة، ومن الآمر تارة، ومن مجموعهما تارة" (^١).
وأما الأصل الثاني: فلأن الله سبحانه له الكمال كله؛ كمال الذات وكمال الصفات والأسماء وكمال الأفعال، وهو منزه سبحانه عن كل ما يضاد هذا الكمال.
ومن صفات الكمال له سبحانه: الحكمة، فهو الحكيم والحكمة وصفه، فليس له فعل خارج عن الحكمة، بل الحكمة وصف لازم لأفعاله ﷿.
ومما ينزه عنه سبحانه: ما يضاد هذه الصفة، وهو خلو الفعل عن حكمة يحسن لأجلها فعله، إذ ما خلا عن الحكمة أحد فعلين:
- ما اشتمل على خلافها.
- ما خلا منها ومن خلافها.
فما اشتمل على الحكمة هو الحسن، وما اشتمل على خلافها هو القبيح، وما خلا من الحكمة وخلافها هو العبث، والله موصوف بالحكمة، ومنزه عن القبيح والعبث.
فإثبات حكمة ترجع إليه سبحانه اسمًا ووصفًا يتضمن إثبات حسن وقبح تنشأ عنهما الحكمة في الفعل والترك، لأن الله لا يتصف إلا بالكمال.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٧٨١ ]
وأما الأصل الثالث: فلأن الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح يحبها الله سبحانه ويرضاها، ثم قد تتعلق بها مشيئته سبحانه فتوجد، وقد لا تتعلق بها مشيئته سبحانه لكون حصولها يفوت مصلحة أكبر منها فتعدم.
والأفعال القبيحة التي هي منشأ القبائح يبغضها الله سبحانه ولا يرضاها، لكن قد تتعلق بها مشيئته لاستلزامها لحكمة أعظم منها فتوجد.
فمشيئته سبحانه مقرونة بالحكمة، فما اقتضت الحكمة وجوده وجد وإن كان في أصله قبيحًا، وهو بوجوده لم يخرج عن كونه كذلك في نفسه، وإنما الحسن بما اشتمل عليه وجوده من وجوه الحكمة.
وما اقتضت الحكمة عدمه عدم، وإن كان في أصله حسنًا، ولم يخرجه عدمه عن كونه حسنًا في ذاته، والحسن في عدمه بما استلزمه عدمه من حكمة أعظم من وجوده.
وبهذا التفصيل في الإرادة يتضح المذهب الحق في هذه المسألة.
ولم يثبت هذه الأصول مجتمعة إلا أهل السنة، ولذلك لم يجد التناقض إلى مذهبهم من سبيل، وأما مخالفوهم؛ فمنهم من نفاها جميعًا، ومنهم من أثبت الأول فقط.
المسألة الثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها.
من المتقرر أن الوجوب والحرمة والثواب والعقاب وما جرى مجراهما إنما يتلقى من الشرع، إذ لا سبيل للعقل إلى ذلك، وإلا لاستغنى الناس بعقولهم عن الشرع، وهذا باطل.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
فها هنا أمران:
أحدهما: أن الأحكام والأوصاف الشرعية إنما تتلقى من الشارع دون غيره.
الثاني: أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد.
أما الأمر الأول: فهو مقتضى شهادة التوحيد، وهو أصل من أصلين يقوم عليهما توحيد العبادة، وهما: أن لا يُعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد دل عليه جملة عظيمة من النصوص، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقوله ﷺ: (عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافًا شديدًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات؛ فان كل بدعة ضلالة) (^١).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٨/ ٣٧٥) ح (١٧١٤٥)، ومن طريقه أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٢) ح (٤٦٠٧)، ورواه الترمذي: أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٤/ ٤٠٨) ح (٢٦٧٦)، وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ٧١) ح (٤٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁، وصححه الألباني في الإرواء ح (٢٤٥٥).
[ ٢ / ٧٨٣ ]
وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتكم؛ كل بدعة ضلالة" (^١).
وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]: "أخلصه وأصوبه"، قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة" (^٢).
وقال أبو البركات نعمان الألوسي ﵀: "وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله تعالى بما سنح له وأحبه، بل لا يعبده إلا بما كان عبادة لله عند الله تعالى" (^٣).
وأما الأمر الثاني: فقد تقدم الكلام عن شيء منه فيما مضى (^٤)، وحاصله أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد وصول الحجة الرسالية إليه.
ومن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قال قتادة ﵀: "إن الله ﵎ ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبرٌ، أو يأتيه من الله بينة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
_________________
(١) رواه الدارمي (١/ ٢٨٨) ح (٢١١)، والطبراني (٩/ ١٦٨) ح (٨٧٧٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢٢).
(٣) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (٤٦١).
(٤) انظر ما تقدم ص (٦٦١ - ٥٧٢).
(٥) رواه ابن جرير (١٤/ ٥٢٦).
[ ٢ / ٧٨٤ ]
الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وحديث الأسود بن سريع ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (^١).
إذا تبين هذا؛ عُلم أنه لا تلازم بين كون الشيء قبيحًا في نفسه، وبين المؤاخذة به، لأن المؤاخذة حكم يتلقى من الشرع، فقبل وروده لا مؤاخذة عليه، وإذا كانت المؤاخذة على ما قبح في الشرع متوقفة على وصول الحجة؛ فمن باب أولى ألا تكون المؤاخذة على ما قبح عقلًا قبل ورود الشرع.
وهذه المسألة هي التي خفيت على مخالفي أهل السنة فظنوا أن ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع مستلزم لأن يحاسبوا عليها، فأنكره بعضهم والتزمه آخرون، ولو وفَّوا هذه المسألة حقها لما كان ثَمَّ خلاف ولعادت مسألة التحسين والتقبيح اتفاقية وفاقية لا خلافية (^٢).
فإن قيل: ما فائدة كون الشيء في نفسه قبيحًا إذا لم يكن ثم عقاب عليه؟
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٣١٩).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٢ - ٤١٤)، وإيثار الحق (٣٤٢ - ٣٤٣).
[ ٢ / ٧٨٥ ]
فالجواب من وجوه:
الأول: أن الله فطر عباده على استحسان الحسن وبغض القبيح، فلو لم تكن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة لما أمكنهم التفريق بينها حبًّا وبغضًا، وهذا مما لا تقوم معه معايشهم، إذ الحسن والقبح ضدان في اللغة والعقل، فإذا لم يعرف حسن الأفعال من قبحها لم يتوجه الحب والبغض إلى شيء منها، فلا تتوجه حركاتهم إلى أحدهما - إذ الحركات مرجعها إلى المحبة وخلافها كما تقدم - مع ضرورة الناس إلى أحد هذين الضدين الموصوفين بالحسن والقبح.
الثاني: أن فاعل القبيح قبل ورود الشرع معيب منقوص، ليست حاله كحال من لم يفعله، وإن قدر أنه لن يعاقب عليه، فقد عاب الله سبحانه على المشركين أفعالهم القبيحة في جاهليتهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، فذم آباءهم لفعلهم الشرك قبل البعثة، ولم يكتف بذم الفعل نفسه (^١).
الثالث: أن فعل القبيح - على الصواب - سبب للعقوبة، وإن لم يعاقب به لانتفاء شرط الحجة، وذلك أن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الحسن وقبح القبيح، فهم بمخالفتهم لما أودع الله في فطرهم من ذلك متسببون في العقوبة مستحقون لها، لكن انتفاء الشرط الذي هو الحجة منع من وجوبها (^٢).
ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٦).
(٢) انظر: المصدر السابق، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٣).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
ووجه الدلالة: أنه سبحانه جعل ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سببًا لإصابتهم بالمصيبة، وجعل إرسال الرسول حجة قاطعة لعذرهم في عدم بلوغهم مراده سبحانه، فالمعصية سبب والحجة شرط، فإذا وجد السبب وتحقق الشرط؛ وجد مقتضاهما من العقوبة.
وفي هذه الآية حجة كذلك على ثبوت الحسن والقبح قبل الشرع؛ لأن أفعالهم لو لم تكن حسنة وقبيحة لما كانت سببًا للعقوبة (^١).
قال ابن القيم ﵀: "والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطًا وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه، وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام" (^٢).
المسألة الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . .
مراد أهل السنة بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا في ذاته: أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة، فالحسن سبب للمصلحة، والقبيح سبب للمفسدة، فترتب المصلحة والمفسدة في الفعل عليهما كترتب سائر المسبَّبات على أسبابها، كالرِّي على الشرب، والشبع على الأكل، لكن قد تختلف المصلحة والمفسدة - كسائر المسببات الأخرى - باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن، فالدواء قد يكون نافعًا في حق شخص ضارًّا في حق آخر، ترياقًا في حال، وسمًّا في حال
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٢).
[ ٢ / ٧٨٧ ]
أخرى، فتخلف المسبب لا يستلزم منه خروج السبب عن اقتضائه لأثره.
وأيضًا فكونه ذاتيًّا المراد به أنه وصف للفعل ناشئ عن معنى تضمنه، فالقبح وصف ذاتي للكذب، لأنه متضمن لهدر الحقوق وضياع الأمانات، وفساد معيشة الناس، والحسن وصف ذاتي للعفاف لأنه متضمن حفظ أعراض الناس وأنسابهم، وهكذا. . . (^١).
ولهذه العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح قسم أهل العلم الأفعال من حيث لزوم الحسن والقبح لها من عدمه إلى قسمين (^٢):
- ما لا يتغير حسنه وقبحه بحال ولا شخص، كالشرك بالله سبحانه؛ فإنه يقبح من كل أحد وفي كل حال، وكشكر المنعم فإنه حسن من كل أحد وفي كل حال.
وضابط هذا القسم أن يكون الفعل واجبًا لنفسه أو محظورًا لنفسه، فالحسن والقبح وصفان لازمان عندئذ، فلا يتغير حكمه ولا يرد الشرع بخلافه.
- ما يتغير حسنه وقبحه تبعًا للمصلحة والمفسدة، بتغير الأحوال والأشخاص، فالكذب قبيح في أصله لكنه يحسن إذا كان لدفع شر أكبر منه، كالكذب لدفع القتل عن نبي، وبالمقابل؛ فالصدق حسن في نفسه لكنه يقبح في هذه الحالة.
وضابط هذا القسم أن يكون الفعل منوطًا بالمصلحة، فالحسن والقبح فيه عندئذ تابع للمصلحة، حالًا وشخصًا ومكانًا وزمانًا. . . وليس وصفًا لازمًا.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٧٥ - ٣٩٣).
(٢) انظر: المسودة في أصول الفقه (٢/ ٨٧٧ - ٨٧٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٦ - ٣٠٦).
[ ٢ / ٧٨٨ ]
وهذا التغير المنوط بالمصلحة إما أن يرجع إلى صفة الفعل التي بها حسن أو قبح، وإما أن يرجع إلى أمر خارج عنه وهو اختلاف الحال أو الشخص أو الزمان أو المكان. . . (^١)
قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف، وأن معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنًا في حال قبيحًا في حال" (^٢).
والحاصل أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، وأنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، وأن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين (٤٦٥ - ٤٦٦).
(٢) المصدر السابق (٤٦٥).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.
خالف أهل السنة في هذه القاعدة الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية.
أما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل لا مدخل له في تحسين شيء ولا تقبيحه، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، فما أمر به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، وما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح.
وعند هؤلاء أن الحسن والقبح مستفاد من الشرع لا غير، فلو أمر بالظلم لكان حسنًا، ولو نهى عن البِر لكان قبيحًا.
قال الأشعري: "فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه، قيل له: أجل، ولو حسَّنه لكان حسنًا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض" (^١).
وقال أيضًا: "وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله أو أباحه لهم" (^٢).
وقال الباقلاني: "واعلموا أنه ليس تحت وصف فعل المكلف بأنه حسن أو قبيح صفة هو في نفسه عليها يستحقها لذاته وجنسه، أو لمعنى يقوم به، أو لوجه هو في العقل عليه. . . وإنما يجب وصف فعل المكلف بأنه حسن وقبيح: إنه مما حكم الله بحسنه أو قبحه" (^٣).
_________________
(١) اللمع (١١٧).
(٢) رسالة إلى أهل الثغر (٢٤٣).
(٣) التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وقال أبو الوَليد البَاجي (^١): "ليس في العقل حسنُ حسنٍ ولا حظرُ محظورٍ، ولا إباحة مباح ولا وجوب واجب" (^٢).
وقال الجويني: "لا يدرك بمجرد العقل حسن ولا قبح على مذهب أهل الحق، وكيف يتحقق درك الحسن والقبح قبل ورود الشرائع مع ما قدمناه من أنه لا معنى للحسن والقبح سوى ورود الشرائع بالذم والمدح، فالحسن إذن على التحقيق هو التحسين، وذلك نفس الشرائع، وكذلك القبح يرجع إلى التقبيح، وهو عين الشرع" (^٣).
وقال: "ثم من أحكام الشرع: التقبيح والتحسين، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه" (^٤).
وقال الغزالي: "فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء، بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه، فيكون الحسن والقبح تابعًا للأمر والنهي؛ لا علة ولا متبوعًا" (^٥).
وقال الآمدي: "مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف
_________________
(١) هو: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي الباجي المالكي، ولد في باجة بالأندلس (٤٠٣ هـ)، من كتبه: "المنتقى"، و"إحكام الفصول في أحكام الأصول"، مات سنة (٤٧٤ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٧٧).
(٢) إحكام الفصول في أحكام الأصول (٢/ ٦٨٧).
(٣) التلخيص في أصول الفقه (١/ ١٥٧).
(٤) البرهان في أصول الفقه (١/ ٨٧)
(٥) المستصفى (٣/ ١٩٧).
[ ٢ / ٧٩١ ]
بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح" (^١).
وقال الإيجي: "القبيح ما نُهي عنه شرعًا، والحسن بخلافه، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدًا إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين، ولو عكس القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر" (^٢).
واستدل الأشاعرة على مذهبهم بأدلة شرعية وشبه عقلية.
أما الأدلة الشرعية؛ فمنها:
- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
- قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
- قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وجه الدلالة من هذه الآيات أن الله سبحانه لا يعذب إلا بعد قيام الحجة على الناس بإرسال الرسل وبيان الشرع، فلو كانت الأحكام مدركها العقل للزم أن تقوم الحجة على الخلق بذلك، وللزم أن يستحقوا الثواب والعقاب بدون بعثة الرسل (^٣).
_________________
(١) الإحكام (١/ ١١٢).
(٢) المواقف (٣٢٣).
(٣) هذه الأدلة مع أدلة أخرى نحوها استدل بها السمعاني في قواطع الأدلة (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
وأما الأدلة العقلية؛ فمنها:
أولًا: أن العبد مجبور في أفعاله، وإذا كان كذلك؛ لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، لأن ما ليس فعلًا اختياريًّا لا يتصف بهذه الصفات بالاتفاق.
وهذا الدليل هو الذي اعتمده الرازي (^١).
ثانيًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الفعل للزم قيام العرَض بالعرَض، وهو باطل، بيان ذلك: أن الحسن أو القبح صفتان للفعل، وهما زائدتان عليه، إذ قد يعقل الفعل ولا يعقل كونه حسنًا أو قبيحًا، وهما وجوديان لأن نقيضيهما عدميان، فإذا كانا ذاتيين للفعل، وهما مع ذلك وصفان وجوديان زائدان ليسا من ماهية الفعل؛ بل قائمان به؛ فيلزم من ذلك قيام العرَض بالعَرض، وهو باطل، فثبت بهذا أن ليس للفعل من ذاته صفة حسن ولا قبح.
وهذا الدليل هو الذي اعتمده الآمدي (^٢).
ثالثًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الأفعال لما كان الفعل حسنًا في حال وقبيحًا في حال والفعل هو هو، مثال ذلك: الكذب لدفع القتل عن نبي، فالكذب حسن في هذه الحال، بينما هو في حاله الأصلي: قبيح، وكذا القتل؛ يحسن إذا كان قصاصًا، ويقبح إذا كان اعتداءً، والكذب والقتل هما هما، فإذا كان الفعل يقبح في حال ويحسن في حال؛ فليس له من نفسه حسن ولا قبح.
وأيضًا لو كانا ذاتيين لَلَزم اجتماع النقيضين في شيء واحد، مثال ذلك:
_________________
(١) انظر: المحصل للرازي (٢٠٣)، والمطالب العالية له (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، وانظر كذلك: المواقف (٣٢٤)، والإحكام للآمدي (١/ ١١٥).
(٢) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ١١٧ - ١١٨)، وانظر كذلك: المواقف (٣٢٦).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
أنه إذا قال واحد: لأكذبن غدًا، فإذا حضر الغد، فإما أن يكذب أو لا.
فإن كذب لزم حسن ذلك لكونه مستلزمًا لصدق الخبر، والمستلزم للحسن حسن، وهو قبيح لكونه كذبًا، فاجتمع فيه الحسن والقبح.
وإن لم يكذب؛ فهو حسن لأن الكذب قبيح وتركه حسن، وهو قبيح من جهة كذبه فيما أخبر به، فاجتمع فيه كذلك الحسن والقبح، فاجتماع النقيضين موجب لنفي ذاتية الحسن والقبح.
وهذا الدليل هو الذي اعتمده أبو المعالي الجويني (^١).
والجواب عما استدلوا به:
أما الآيات؛ فلا دليل لهم فيها على نفي الحسن والقبح في الأفعال، إذ فيها أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا بسوء صنعه إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة، وهذا غير ناف لكون الأفعال المعذَّب عليها قبل البعثة قبيحة في نفسها، ففرق بين ثبوت قبح الشيء واستحقاق العقوبة عليه، بل هذه الآيات دليل عليهم؛ إذ مضمونها أنها قبائح في نفسها، لأنها لو لم تكن قبائح لما كانت سببًا للعقوبة التي حال دونها عدم قيام الحجة، فالآيات دالة على الأصلين:
- ثبوت القبح في ذات الأفعال.
- أنه لا عقوبة على القبائح إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة (^٢).
ثم قد تقدم في المطلب الأول من الآيات ما يدل على ثبوت الحسن
_________________
(١) انظر: التلخيص للجويني (١/ ١٦٠)، وانظر: الإحكام للآمدي (١/ ١١٤ - ١١٥)، والمواقف (٣٢٥).
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٧٩٤ ]
والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، فآيات القرآن دالة على المذهب الحق لا على ما ذهب إليه الأشاعرة.
وأما الأدلة العقلية:
أما الدليل الأول؛ فجوابه من وجوه:
الأول: أن هذا يتضمن التسوية بين الأفعال الاضطرارية والأفعال الاختيارية، وهذا باطل بالضرورة، وإذا كان كذلك لم يصح الاستدلال به.
الثاني: أنه لو صح الدليل المذكور لَلَزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم الوارد في أفعال العبد يرد في أفعال الله، وهذا باطل.
الثالث: أنه لو كان فعل العبد ضروريًّا أو اتفاقيًّا لَلَزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن الفعل الضروري أو الاتفاقي لا يحسنه الشرع ولا يقبحه، لأنه لا يرد بالتكليف به فضلًا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح.
الرابع: أن هذا الدليل لو صح لَلَزم بطلان الشرائع والتكاليف جملة، لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، وإذا كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهي بها (^١).
وأما الدليل الثاني؛ فبطلانه كذلك من وجوه:
الأول: أن قيام العرَض بالعرَض أمر واقع غير مدفوع، وهو منقوض بما لا يحصى من المعاني التي توصف بالمعاني، كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة وحركة سريعة وحر شديد ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر هذه الوجوه الأربعة في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٢)، وقد أبطل ابن القيم هذا الدليل من اثني عشر وجهًا.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الثاني: أن قيام العرض بالعرض تبعًا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل غير ممتنع، لأن الحال حينئذ أن العرضين جميعًا قائمان بالمحل؛ أحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابعان للمحل.
الثالث: أنه لو صح قولكم بأن العرض لا يقوم بالعرض للزم منه بطلان الحسن والقبح الشرعيين، لأنهما كذلك وصفان وجوديان زائدان على الفعل، فالقول فيهما كالقول في الحسن والقبح العقليين (^١).
وأما الدليل الثالث؛ فمن أفسد الأدلة، وهو منقوض من وجوه:
الأول: أننا لا نعني بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال، مثل كون الحركة حركة والسواد لونًا، وإنما نعني بذلك أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها، كترتب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها عليها، فإن ترتب آثار هذه المسببات على أسبابها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل ووجود المعارض، فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لا تخرجه عن كونه مقتضيًا لذلك حتى يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف (^٢).
الثاني: أن اقتضاء الذات الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين جائز، كاللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن، ويقتضي
_________________
(١) انظر هذه الوجوه الثلاثة في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
المرض بشرط كون الجسم محمومًا ونحوه، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فالحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين، والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر (^١).
وأما ما مثَّلوا به من حسن الكذب لعصمة دم نبي فهو تمثيل باطل لأمرين:
أولًا: أن الكذب في ذاته قبيح لم يخرج عن كونه قبيحًا، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية (^٢).
ثانيًا: أن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا يخرجه عن كونه قبيحًا لذاته - كما تقدم تقريره - كلحم الخنزير؛ فإن تحريمه ناشئ من ذاته، وتخلف هذا التحريم عند الضرورة لا يوجب عدم اقتضائها للمفسدة التي حرِّم بسببها (^٣).
وأما ما مثَّلوا به من حسن القتل للحد وقبحه للاعتداء؛ فمردود بكون القتل واحدًا بالنوع، فما كان منه ظلمًا كان قبيحًا، وما كان عدلًا كان حسنًا، فلم يرجع الحسن والقبح فيه إلى واحد بالعين، ونظير هذا: السجود؛ فإنه حسن إن كان لله سبحانه، وقبيح إذا كان لغيره (^٤).
وأما ما مثَّلوا به من قول القائل: لأكذبن غدًا. . .؛ فمردود باختلاف جهتي الحسن والقبح، فإن القائل إذا كذب كان كذبه قبيحًا بالنظر إلى ذاته
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٦).
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٧).
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وحسنًا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول، وإذا لم يكذب كان صدقه حسنًا بالنظر إلى ذاته قبيحًا بالنظر إلى تضمنه كذب الخبر الأول، فجهة الحسن فيه مختلفة عن جهة القبح فيه (^١).
وأما المعتزلة؛ فمذهبهم مقابل لمذهب الأشاعرة، فقد ذهبوا إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل.
والأفعال عندهم بحسب معرفة طريق حسنها وقبحها ثلاثة أقسام:
الأول: ما طريق معرفته ضروري يعلمه العاقل بالاضطرار، ولا يفتقر فيه إلى السمع، وهو أصول المقبحات والمحسنات والواجبات، وهو من جملة كمال العقل، إذ أنه لو لم يكن معلومًا بالعقل لصار غير معلوم أبدًا، لأن النظر والاستدلال لا يتأتى إلا ممن هو كامل العقل، ولا يكون كذلك إلا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء ليتوجه عليه التكليف.
ويدخل فيه كل ما تمحض فيه وجه المصلحة أو وجه المفسدة.
مثال ذلك: العلم بقبح الظلم وقبح كفر النعمة وقبح الجهل، وحسن أضدادها.
وهذا القسم غير محتاج في معرفة حسنه وقبحه إلى السمع، لأن عليه دليلًا معلومًا من جهة العقل، إذ يمكنه أن ينظر فيه فيعرف المدلول.
الثاني: ما طريق معرفته مكتسب، ويعرف بالنظر والاستدلال، وهو ما لم تتمحض فيه جهة المصلحة أو جهة المفسدة.
ومثاله: الكذب النافع، أو الصدق الضار.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٦).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
الثالث: ما طريق معرفته السمع ولا مدخل للضرورة في شيء منه.
مثاله: حسن الصلاة والصيام، وقبح الزنا والخمر.
وقد أشار إلى هذا التقسيم: القاضي عبد الجبار (^١)، وذكر نحوًا منه أبو الحسين البصري المعتزلي فقال: "اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل: إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل.
- وأما المعلومة بالعقل فقط: فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفًا على العلم به، كالمعرفة بالله وبصفاته وأنه غني لا يفعل القبيح. . .
- فأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل: فهو كل ما كان في العقل دليل عليه ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، كالعلم بأن الله واحد لا ثاني له في حكمته. . . وكذلك وجوب رد الوديعة والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.
- فأما ما يعلم بالشرع وحده: فهو ما في السمع دليل عليه دون العقل، كالمصالح والمفاسد الشرعية وما له تعلق بهما.
أما المصالح والمفاسد الشرعية فهي كالأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة نحو كون الصلاة واجبة وشرب الخمر حرامًا وغير ذلك. . .
وأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية؛ فهي طرق الأحكام الشرعية كالأدلة والأمارات وأسباب هذه الأحكام وعللها وشروطها" (^٢).
_________________
(١) انظر المحيط بالتكليف (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤)، والمغني (٦/ ٧٤).
(٢) المعتمد في أصول الفقه (٢/ ٨٨٦ - ٨٨٩).
[ ٢ / ٧٩٩ ]
والأمور المعروفة حسنًا وقبحًا بالشرع تعرف بالعقل إذا عُرف اشتمالها على مصلحة أو مفسدة.
قال القاضي عبد الجبار: "فإذا عرفنا في شيء من الأشياء أنه مفسدة بالشرع عرفنا قبحه بالعقل، كما إذا عرفنا أن في شيء من الأشياء دفعًا للضرر عرفنا وجوبه عقلًا" (^١).
فالشرع عندهم كاشف عن الحسن والقبح فيما أُمر به ونُهي عنه، فلم يعطِ ما كشف عن حسنه حسنًا ليس فيه، كما لم يعطِ ما كشف عن قبحه قبحًا ليس فيه.
وأما ما عرف حسنه وقبحه بالضرورة أو الاستدلال فالشرع مؤيد لما عُلم بالعقل من حسنه وقبحه.
قال القاضي عبد الجبار: "وإنما يكشف السمع من حال هذه الأفعال عما لو عرفناه بالعقل لعلمنا قبحه أو حسنه. . . ولذلك نقول: إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه، وإنما يكشف عن حال الفعل على طريق الدلالة كالعقل" (^٢).
وقال أيضًا: "واعلم أن النهي الوارد عن الله ﷿ يكشف عن قبح القبيح لا أنه يوجب قبحه، وكذلك الأمر يكشف عن حسنه لا أنه يوجبه" (^٣).
بل جعلوا أمر الشارع ونهيه مقتضى الحسن والقبح، فالفعل حسن فأمر به، وقبح فنهى عنه، فالأمر والنهي كاشفان عن حسن وقبح حاصلين قبل الفعل.
وبناءً على إدراك العقل عندهم للحسن والقبح في الأفعال؛ فإنهم قالوا
_________________
(١) المحيط بالتكليف (١/ ٢٣٤).
(٢) المغني (٦/ ٦٤).
(٣) المحيط بالتكليف (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
[ ٢ / ٨٠٠ ]
بأنه يدرك الحكم المترتب عليهما من غير توقف على الشرع، وقالوا باستحقاق الثواب والعقاب والمدح والذم على ذلك، ومن هنا قالوا بأن من لم تبلغه الدعوة؛ فهو مكلف من الله تعالى بما ركَّب فيه من عقل يدرك الحسن والقبح.
قال القاضي عبد الجبار: "فصل في بيان كيفية ما يستحق بالقبيح من الأحكام: أما الذم فإنه يستحق به إذا كان قبيحًا، وفاعله يعلمه كذلك أو يتمكن من كونه عالمًا به، وأن يكون مخلّى بينه وبينه، فمتى فعله والحال هذه استحق الذم، وإنما شرطنا كونه قبيحًا لأن العقل يشهد بأن الفعل إذا لم يكن كذلك لم يحسن ذم فاعله عليه، بل يقبح ذلك، فلا بد من اعتبار قبحه" (^١).
وقال في أثناء كلامه على النبوات من "شرح الأصول الخمسة" - بعد أن بيَّن أن ما أتت به الرسل إنما هو تفصيل لما تقرر جملته في العقل -: "يبين ما ذكرناه أن اختلاف الطريق لا يقدح في حصول ما كان طريقًا إليه، فسواء علمنا عقلًا أن هذا الفعل مصلحة وذلك مفسدة، أو علمناه سمعًا؛ فإنه في الحالين جميعًا نعلم وجوب هذا وقبح ذلك" (^٢).
وقد اختلف المعتزلة فيما بينهم في الجهة المحسنة والمقبحة على أقوال (^٣):
الأول: أن الحسن إنما يحسن لوجه، ككونه نفعًا مفعولًا بالنفس أو بالغير، أو كونه مستحقًّا، أو كون الكلام صدقًا، أو أمرًا بالحسن ونهيًا عن القبيح، ونحو هذه الوجوه.
_________________
(١) المغني (١٤/ ١٧٣).
(٢) شرح الأصول الخمسة (٥٦٥).
(٣) انظر: المغني (٦/ ٦١ - ٧٣)، والمحيط بالتكليف (٢/ ٢٣٢ - ٢٤٠).
[ ٢ / ٨٠١ ]
كما أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه، ككونه ضررًا على النفس، أو عبثًا، أو أمرًا بقبيح ونهيًا عن حسن، ونحو ذلك.
وهذا قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم (^١).
الثاني: أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه من الوجوه المعقولة التي متى ثبتت اقتضت قبحه، وأما الحسن فإنه يحسن إذا انتفت عنه وجوه القبح، لذلك لا يصح أن تعلم الحسن حسنًا إلا مع العلم بانتفاء وجوه القبح عنه.
وهو اختيار كثير من المتأخرين، ومنهم القاضي عبد الجبار (^٢).
الثالث: أن القبيح يقبح لوقوعه على وجه، وأما الحسن فيحسن للأمرين: وقوعه على وجه، وانتفاء وجوه القبح عنه.
وهو اختيار أبي هاشم في بعض المواضع (^٣).
وبناءً على ما ذهبوا إليه من تحسين العقل وتقبيحه، وكونه يوجب الحسن ويحرم القبيح، وبناءً على كونهم مشبهة في الأفعال؛ فقد ذهب المعتزلة إلى أن أوجبوا على الرب سبحانه "رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه" (^٤).
قال القاضي عبد الجبار: "ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه،
_________________
(١) انظر: المغني (٦/ ٧٠)، والمحيط بالتكليف (٢/ ٢٣٩).
(٢) انظر: المغني (٦/ ٧٣).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٧١).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٥٢٧).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
وأن أفعاله كلها حسنة" (^١).
ومعنى الوجوب عندهم: "ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، أو للإخلال به تأثير في استحقاق الذم" (^٢).
ومن ذلك:
أولًا: وجوب اللطف:
المراد باللطف عندهم: هو: "كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح" (^٣).
وقيل: "ما يدعو إلى فعل الطاعة على وجه يقع اختيارها عنده، أو يكون أولى أن يقع عنده" (^٤).
وقيل: "هو كل حادث جنس يختار عنده ما تناوله التكليف من واجب أو ندب، أو يكون المكلف عنده إلى اختياره أقرب" (^٥).
واللطف عند المعتزلة باعتبار فاعله ثلاثة أقسام (^٦):
الأول: ما يكون من فعل الله تعالى، فالله سبحانه لطيف بعباده بإجماع المسلمين.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٣٠١).
(٢) المصدر السابق (٤١)، وانظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٤/ ٧).
(٣) شرح الأصول الخمسة (٥١٩).
(٤) المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٩).
(٥) المصدر السابق (١٣/ ١١).
(٦) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٢٧ - ٢٩)، وتنزيه الله عما أوجبه عليه المعتزلة لأحمد بناني (١٦٠ - ١٦٣).
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وللفعل حتى يكون لطفًا من الله سبحانه شروط هي:
١) أن يكون هذا الفعل بعد التكليف وقبل حصول الفعل المكلَّف به من العبد، فلا يسمى فعله تعالى قبل التكليف لطفًا وإن دعا إلى الطاعة لأنها لم تجب بعد، وكذلك فعله بعد قيام العبد بما كلف به لا يسمى لطفًا.
٢) أن يكون معلومًا للمكلف بحيث يدفعه إلى الطاعة ويقربه إليها، أو ممكن العلم له وإن لم يعلمه لانشغاله أو إعراضه.
٣) أن يكون بينه وبين التكليف تعلق ومناسبة ليكون أدعى للتأثر به.
٤) أن لا يكون متقدمًا على فعل العبد بكثير حتى يلاحظ ارتباطهما وتعلقهما ببعض.
٥) أن لا يشتبه بالتمكين، لأن التمكين لا يحدث الفعل بدونه إطلاقًا، أما اللطف فهو لا يعدو أن يكون داعيًا إلى الفعل.
الثاني: ما يكون من فعل المكلَّف نفسه، فإن المكلَّف يمكن أن يلطف لنفسه فيما هو مكلف به من الله سبحانه، فإذا أراد فعل طاعة كالصلاة فإنه يمكنه أن يفعل أفعالًا تقربه من فعلها، كالذهاب إلى المسجد ومصاحبة الأتقياء ونحو ذلك.
الثالث: ما يكون من غير فعل الله تعالى وغير فعل المكلف.
واللطف الواجب عند المعتزلة هو اللطف المتأخر عن التكليف، أما اللطف المتقدم والمقارن للتكليف فليس بواجب، أما المتقدم فلا يجب لأنه إنما يصدر لإزاحة علة التكليف، وإذا كان متقدمًا فلا تكليف حتى يحتاج لإزاحة علة باللطف، وأما المقارن فلأنَّ أصل التكليف لا يجب فكذلك ما هو تابع له.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
قال القاضي عبد الجبار: "فاعلم أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقًا، ولا وجه لذلك، بل يجب أن يقسم الكلام ويفصل، فنقول: إن اللطف إما أن يكون متقدمًا للتكليف، أو مقارنًا له، أو متأخرًا عنه، ولا رابع.
فإن كان متقدمًا فلا شك في أنه لا يجب، لأنه إذا كان لا يجب إلا لتضمنه إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك حتى يجب هذا اللطف لمكانه، وأيضًا فإنه إذا جرى مجرى التمكين، ومعلوم أن التمكين قبل التكليف لا يجب، فكذلك اللطف، وإذا كان مقارنًا له فلا شبهة أيضًا في أنه لا يجب، لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب - بل القديم تعالى متفضل به مبتدأ - فلأن لا يجب ما هو تابع له أولى، فصح أن مراد المشايخ بذلك الإطلاق ما ذكرناه" (^١).
واستدل المعتزلة على إيجابهم اللطف على الله سبحانه بأدلة منها:
أولًا: أن المكلِّف وهو الله تعالى يلزمه أن يلطف بالمكلَّف وهو العبد حتى يعرضه للمنفعة، وليتم للمكلِّف قصده وغرضه.
قال القاضي عبد الجبار: "إن المكلِّف يلزمه للتكليف السابق أن يلطف للمكلَّف، كما يلزمه أن يقدره ويمكنه" (^٢).
ثانيًا: أن منع اللطف نقض لغرض المكلِّف الذي هو الإتيان بالمأمور، ونقض الغرض قبيح.
قال القاضي عبد الجبار: "فالذي يدل على صحة ما اخترناه من المذهب
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٥٢٠ - ٥٢١).
(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٣٨)، وانظر: (١٣/ ١٧) منه.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
هو أنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح؛ فلا بد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض على غرضه" (^١).
والرد على هذين الدليلين من وجوه:
الأول: أن الإيجاب من العباد على الله سبحانه لا يصح مطلقًا، وهو مناف لكمال الرب سبحانه وتفرده بالربوبية والملك.
الثاني: أن الأدلة قد دلت على ثبوت الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية كما تقدم سابقًا (^٢)، فليس كل ما أمر الله سبحانه به يريد كونه ووجوده، بل قد يأمر الله سبحانه بما لم يرده كونًا، وقد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، فلا يلزم من أمر الله سبحانه عبده بالطاعة أن يكون مريدًا لوقوعها حتى يجب عليه أن يلطف به، وحتى يكون منعه نقضًا لغرضه - على التنزل بوجوب اللطف عليه -.
الثالث: أن أصل التكليف عندهم فضل من الله سبحانه - كما تقدم آنفًا - وعندهم أن اللطف المقارن لا يجب لأنه من توابع أصل التكليف، فكذلك اللطف المتأخر عن التكليف ينبغي أن يكون على تأصيلهم غير واجب لأنه تابع لأصل التكليف إذ هو كما قال عبد الجبار: "زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته" (^٣).
كما استدلوا بأدلة شرعية (^٤) غاية ما تدل عليه إثبات لطف الرب سبحانه
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٥٢١).
(٢) انظر ما تقدم ص (٥٢٣) وما بعدها.
(٣) شرح الأصول الخمسة (٥٢٠).
(٤) انظرها في المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ١٩٠ - ١٩٩).
[ ٢ / ٨٠٦ ]
بعباده، لكنها لا تتضمن ما أرادوا الاستدلال بها عليه وهو وجوب اللطف على الله سبحانه.
ثانيًا: وجوب الصلاح والأصلح.
المعتزلة متفقون على وجوب الصلاح على الله سبحانه، لكنهم تنازعوا في وجوب الأصلح عليه سبحانه، هل يجب في الدين فقط، أم في الدين والدنيا؟
قال الشهرستاني: "واتفقوا [أي المعتزلة] على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف، وسموا هذا النمط: عدلًا" (^١).
فذهب معتزلة بغداد إلى أنه يجب على الله سبحانه فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، وأنه لا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن في الصلاح في العاجل والآجل، بل عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده، وقالوا: بأنه يجب على الله سبحانه خلق الخلق، وتكميل عقول المكلَّفين وإزاحة عللهم، وقالوا: كل ما ينال العبد في الحال والمآل فهو الأصلح له، حتى جعلوا خلود الكفار في النار أصلح من خروجهم منها.
وذهب معتزلة البصرة إلى وجوبه في الدين فقط، وقالوا: لا يجب على الله سبحانه ابتداء الخلق، لكنه إذا خلق العقلاء وكلفهم؛ وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه، ورعاية الصلاح والأصلح في حقهم بأتم وجه وأبلغ غاية (^٢).
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ٥٧).
(٢) انظر: نهاية الإقدام (٤٠٤ - ٤٠٥)، والإرشاد (٢٨٧ - ٢٨٨).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
ثالثًا: وجوب إرسال الرسل.
هذه المسألة تتفرع عن المسألتين السابقتين، فقد أوجب المعتزلة على ربهم سبحانه إرسال الرسل لأنه لطف للمبعوث والمبعوث إليهم (^١).
قال القاضي عبد الجبار: "إنه قد قرر في عقل كل عاقل وجوب دفع الضرر عن النفس، وثبت أيضًا أن ما يدعو إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنه واجب لا محالة، وما يصرف عن الواجب ويدعو إلى القبيح فهو قبيح لا محالة، إذا صح هذا، وكنا نجوز أن يكون في الأفعال ما إذا فعلناه كنا عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وفيها ما إذا فعلناه كنا بالعكس من ذلك، ولم يكن في قوة العقل ما يعرف به ذلك، ويفصل بين ما هو مصلحة ولطف وبين ما لا يكون كذلك؛ فلا بد أن يعرفنا الله تعالى حال هذه الأفعال كي لا يكون عائدًا بالنقص على غرضه بالتكليف، وإذا كان لا يمكن تعريفنا ذلك إلا بأن يبعث إلينا رسولًا مؤيَّدًا بعلم معجز دال على صدقة؛ فلا بد أن يفعل ذلك، ولا يجوز له الإخلال به" (^٢).
بل عندهم أن الله سبحانه إذا علم أن صلاح المكلفين في بعثة شخص واحد بعينه؛ فإنه يجب عليه أن يبعثه بعينه ولا يعدل عنه إلى الغير، وإذا علم أن صلاحهم في بعثة رجلين وجب بعثهما جميعًا، وكذا إذا علم أن صلاحهم في بعث جماعة وجب عليه أن يبعث الكل (^٣).
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٥).
(٢) انظر: المصدر السابق (٥٦٤).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٥ - ٥٧٦).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
والرد على المعتزلة في هذه المسألة متضمن في الرد عليهم في مسألة اللطف والصلاح والأصلح، لأنها منهما، وقد تقدم ذلك.
رابعًا: وجوب العوض عن الآلام.
يوجب المعتزلة على الرب سبحانه العوض عن الآلام.
والعوض عندهم: "كل منفعة مستحقة لا على طريق التعظيم والإجلال" (^١).
ووجوب هذا العوض عندهم يكون في حالتين:
الأولى: إذا كان الألم من الله تعالى لا لذنب أو إخلال بواجب من العبد، بأن يكون الألم ابتداء من الله تعالى، أما إذا استحقه العبد بشيء من ذلك فلا يجب على الله تعالى.
الثانية: إذا كان الإيلام من مكلف لم يصرفه الله تعالى عن إلحاق الألم بالمجني عليه، وكذلك لم يكن له حسنات يعوض بها الذي لحقه الألم.
ولهم تفصيل في الكلام على الآلام الحاصلة من جهة العباد، وكذلك تفصيل في المستحق للعوض، وفي المستحَقِّ عليه (^٢).
ولهم شبه يتعلقون بها في ذلك منها:
أولًا: أن ترك العوض قبيح لكونه ظلمًا، والله سبحانه منزه عن القبيح (^٣).
ثانيًا: أنه لا يحسن في الشاهد إيلام الإنسان بدون تعويضه بمنفعة أكبر،
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٤٩٤).
(٢) انظر: المصدر السابق (٥٠١ - ٥٠٥).
(٣) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٨٠٩ ]
أو دفع ضرر أعظم، فكذلك في الغائب (^١).
ثالثًا: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) (^٢).
والجواب عن هذه الشبه من وجوه:
الأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب على الرب عز شأنه، إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه.
الثاني: إجماع أهل الأديان - كما تقدم قبل - منعقد على أن الرب سبحانه منزه عن الظلم، وهذا الظلم مقدور له سبحانه، لكنه لا يفعله، فما يفعله سبحانه لا يمكن أن يكون ظلمًا، لما اتصف به من العدل والحكمة والرحمة، حتى إنه سبحانه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم كما جاء في الحديث (^٣).
الثالث: أن لله سبحانه من الحكم في هذه الآلام ما أطلعنا على شيء منه، وما أخفاه عنا كثير مقارنة بما أطلعنا عليه، فلو قدر خلو المتألم نفسه من عوض لما كان هذا قادحًا في حسن أفعال الله سبحانه وحكمته، إذ له سبحانه في الفعل حكم أخرى يحسن لأجلها.
الرابع: أن قياس الغائب على الشاهد باطل، وكذا قياس الخالق على المخلوق.
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٤ و٥٠٥).
(٢) رواه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٧) ح (٢٥٨٢)، والجلحاء: هي التي لا قرن لها، انظر: النهاية (١/ ٢٨٤).
(٣) تقدم تخريجه ص (٣٨)، وهو صحيح.
[ ٢ / ٨١٠ ]
الخامس: أن غاية ما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه يدل على عظم عدل الرب سبحانه وسعة رحمته وحكمته، وأن ذلك شامل حتى للبهائم، وليس فيه ما يدل على وجوب العوض على الرب سبحانه.
خامسًّا: الثواب والعقاب.
الثواب عند المعتزلة: "هو النفع المستحق على سبيل الإجلال والتعظيم" (^١).
واتفق المعتزلة على وجوب الثواب عليه سبحانه، لكنهم اختلفوا في وجه الوجوب.
فأوجبه البصريون في مقابل التكليف؛ فهو مختص بالمكلفين.
قال القاضي عبد الجبار: "فاعلم أنه تعالى إذا كلفَنا الأفعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدًّا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به، وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله" (^٢).
بينما أوجبه البغداديون منهم من حيث الجود (^٣).
قال أبو القاسم البلخي منهم: "إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك بل للجود" (^٤).
وهذا قول متناقض، إذ كيف يكون جودًا وتفضلًا مع كونه واجبًا؟ (^٥).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (٨٥).
(٢) المصدر السابق (٦١٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦٤٥)، وانظر كذلك: (٦١٧ - ٦١٨) منه.
(٤) انظر: المصدر السابق (٦١٨).
(٥) انظر: المصدر السابق (٦١٨ - ٦١٩).
[ ٢ / ٨١١ ]
وأما إيجابهم الثواب على الله على جهة الاستحقاق؛ فغير صحيح، إذ الله سبحانه هو الذي تفضل بإثابة المطيع، وتفضل قبل ذلك بأن وفقه للعمل وصرف عنه الموانع، ثم حفظه له من الحبوط، فله الفضل كله، بل لو عذب الله سبحانه أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وليس شيء من أعمال بني آدم - حتى الرسل - ثمنًا لجنة الله سبحانه، وإنما المعول في ذلك كله على فضل الله سبحانه وجوده وكرمه.
وأما العقاب؛ فالقول بإيجابه قول معتزلة بغداد، قالوا يجب على الله سبحانه أن يعذب من ارتكب كبيرة ومات غير تائب منها، ولا يجوز لله تعالى أن يعفو عنه.
قال القاضي عبد الجبار: "اعلم أن البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله تعالى أن يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محالة، وقالت: لا يجوز أن يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالًا في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لا يجب إلا من حيث الجود، وليس هذا قولهم في العقاب، فإنه يجب فعله بكل حال" (^١).
ومما تعلقوا به من شبه في هذا: قولهم إن عدم عقوبة العاصي يؤول إلى التسوية بين المطيع والعاصي وهذا ظاهر القبح، وقولهم إن ترك العقوبة على المعصية يغري بارتكابها والإقامة عليها.
وما ذهبوا إليه باطل من وجوه:
الأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب عليه سبحانه.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦٤٤ - ٦٤٥).
[ ٢ / ٨١٢ ]
الثاني: أن العقاب على المعصية حق له سبحانه، فله أن يسقطه تفضُّلًا منه سبحانه.
الثالث: أنه العفو عن المعصية لا يستلزم التسوية بين العاصي والطائع، لأن درجة الطائع أعلى، ولو قدِّر أن يتساويا في الدرجة بتفضل الله على العاصي فلا يقبح هذا، وإنما يقبح إذا تضمن هضمًا لحق الطائع، وهو ما يتنزه الله عنه.
وفي الختام أنقل كلمة فذَّة لشيخ الإسلام في نفي الإيجاب على الله سبحانه، يقول ﵀: "وأما الإيجاب عليه ﷾ والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه وحرم على نفسه، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره؛ فهو جاهل في ذلك" (^١).
وأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، وأن العقل قد يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين أو لصفة، فيدرك القبح المناسب لترتب حكم الله سبحانه بالمنع من الفعل على وجه ينتهض مع الإتيان به سببًا
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣١٠ - ٣١١).
[ ٢ / ٨١٣ ]
للعقاب، ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب بفعله والعقاب بتركه، وهذا مما اتفقت عليه الماتريدية (^١).
إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع بعد اتفاقهم على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح من القول بالوجوب على الله ﷾، واتفاقهم على أن ما ورد به السمع من وعد الرزق والثواب على الطاعة ونحوه ذلك محض فضل وتطوُّل منه سبحانه.
فذهب أبو منصور الماتريدي وعامة مشايخ سمرقند ومشايخ العراق إلى أن من الأفعال ما يدرك العقل حكم الله سبحانه فيه، ومنها ما لا يدرك فيه ذلك، فما يدرك العقل حكمه: وجوب الإيمان بالله ووجوب تعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه كالكذب والسفه، ووجوب تصديق النبي ﷺ، وما يدرك العقل حكمه هو القليل بالنسبة إلى ما لا يدركه.
واستدلوا بما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: "لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض" (^٢)، وقوله: "لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم" (^٣).
وذهب ماتريدية بخارى إلى أن إدراك أحكام الأفعال موقوف على ورود الشرع، وأن العقل لا يستقل بدرك شيء من ذلك، بل لا يمتنع عندهم عقلًا
_________________
(١) انظر: المسامرة (١٥٤).
(٢) انظر: تقويم الأدلة للدبوسي (٤٤٣)، والمسايرة مع شرحها المسامرة (١٥٧).
(٣) انظر: المسايرة مع شرحها المسامرة (١٥٧)، وعزاه للحاكم الشهيد في المنتقى عن أبي حنيفة ﵀.
[ ٢ / ٨١٤ ]
أن لا يأمر الله سبحانه بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنًا، كما لا يمتنع أن لا ينهى عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحًا، ومناط ذلك عندهم أن الله سبحانه لا ينتفع بالطاعة كما لا يتضرر بالمعصية، وإذا كان كذلك؛ فلا يمتنع أن لا يكلف الله سبحانه عبادَه بمقتضى ما تدركه عقولهم من حسن وقبح.
والفرق بين قول أبي منصور ومن تبعه وبين قول المعتزلة من وجهين:
الأول: أن هؤلاء يقولون إن الموجب لمقتضى الحسن والقبح اللذين يدركهما العقل هو الله سبحانه، والعقل عندهم لا يعدو كونه آلة وسببًا عاديًّا، بينما الموجب لذلك عند المعتزلة العقل.
الثاني: أن ما يوجب العقل حكمه عندهم قليل بالنسبة لما لا يوجبه، بخلاف المعتزلة.
والفرق بين قول ماتريدية بخارى وقول الأشاعرة من وجهين كذلك:
الأول: أن هؤلاء يثبتون الحسن والقبح الذاتيين، بينما ينفيهما الأشاعرة.
الثاني: أن هؤلاء يقولون: إن الله سبحانه قد لا يأمر بمقتضى الحسن، لكنه لا يأمر بمقتضى القبح (^١)، وأما الأشاعرة فيجوزون عقلًا الأمر بالقبح.
فتحصل من هذا أن قول الماتريدية مباين لقولي الأشاعرة والمعتزلة.
وقول الماتريدية أقرب إلى قول أهل السنة من قول غيرهم.
أما ماتريدية بخارى فيخالفون أهل السنة في قولهم بأن العقل لا يدرك مقتضى الحسن والقبح في الأفعال مطلقًا، وبقولهم إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه.
_________________
(١) انظر سياق هذه الأقوال في المسامرة بشرح المسايرة (١٥٤ - ١٦٠).
[ ٢ / ٨١٥ ]
أما مخالفتهم الأولى فمردودة من وجهين:
الأول: ما تقدم من أدلة في إثبات الحسن والقبح العقليين، ومن ذلك:
- إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم.
- أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه (^١).
فهذان النوعان من الأدلة يدلان على أن العقل يدرك مقتضى ما أدركه من الحسن والقبح على وجه الإجمال، فالعقل يدرك أن الشرك بالله قبيح ويدرك كذلك حكم هذا القبيح أنه ممنوع حرام.
الثاني: ما تقدم من أدلة على أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد.
كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وحديث الأسود بن سريع ﵁ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
فبين سبحانه أن ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سبب لإصابتهم بالمصيبة، وبين أن ذلك مشروط بقيام الحجة، فالمعصية سبب والحجة شرط.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٧٧٠ - ٧٧١).
(٢) انظر ما تقدم ص (٣١٩).
[ ٢ / ٨١٦ ]
فجعله سبحانه القبيح سببًا للعقوبة دليل على أن العقل يدرك حرمته، وإلا لما كان سببًا، إذ إدراك العقل شرط في العقوبة بعد ورود الشرع، فمن باب أولى أن يكون شرطًا لذلك قبل وروده (^١).
فالصواب أن العقل قد يدرك مقتضى ما أدركه من حسن وقبح على سبيل الإجمال.
وأما مخالفتهم الثانية، وهي قولهم: إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه، فمردودة من وجوه:
الأول: امتناعها شرعًا وواقعًا، والشرع لا يأتي بما يخالف مقتضى العقل الصريح.
الثاني: أن تعليلهم بأن الله لا تضره معصية كما لا تنفعه طاعة لا يصح، بل هو حجة عليهم، لأن الله ﷾ لم يأمر عباده بالإيمان لينتفع هو بذلك، بل هو غني حميد، فانتفاعه بالطاعة وتضرره بالمعصية ليس مناطًا وعلة لأمره بالعبادة حتى يجوَّز نفيه لانتفاء النفع والضرر - مع كونه منتف أصلًا -.
وأما أبو منصور ومن تابعه، فيخالفون أهل السنة في القول بوجوب ذلك قبل البعثة، وأن من لم يأت بذلك قبل البعثة فهو غير معذور.
وهذا لا يصح؛ فإن مرتكب القبيح وإن كان ناقصًا معيبًا كما تقدم ومستحقًّا للعقوبة بقيام سببها؛ فإنه لا يتحقق ذلك إلا بوجود شرطه وهو بلوغ الحجة، فمن لم تبلغه الحجة لا يعذب لفعله القبيح.
وأما ما ذكروه عن أبي حنيفة فيحتاج إلى إثباته، فإن ثبت فلا يخلو: إما أن
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٧٨٦).
[ ٢ / ٨١٧ ]
يكون له محمل حسن يحمل عليه، أو لا؛ فلا يُعارض ما ثبت بالكتاب والسنة برأي أحد كائنًا من كان.
وقد جاء عن أبي حنيفة نفسه ما يدل على موافقته ﵀ لما ذهب إليه أبو منصور وأتباعه؛ ففي أحد الألفاظ عنه: "لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه، أما في الشرائع فمعذور حتى تقوم عليه الحجة" (^١)، ففرق ﵀ بين الإيمان بالله وبين سائر الشرائع، فجعل العبد معذورًا في الشرائع دون الإيمان بالله سبحانه.
وقد فهم هذا من كلام أبي حنيفة جمع من أهل العلم من أتباعه ممن ذهب إلى هذا وعلى رأسهم أبو منصور إمام المذهب - كما سبق - والله أعلم.
_________________
(١) انظر: كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٣٣٠)، وعزاه للحاكم الشهيد في المنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀.
[ ٢ / ٨١٨ ]