القواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه.
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه.
الفصل الرابع: القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الفصل الأول
القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين.
المبحث الثاني: قاعدة: الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه.
المبحث الثالث: قاعدة: الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره.
المبحث الرابع: قاعدة: السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
المبحث الخامس: قاعدة: الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية.
المبحث السادس: قاعدة: الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك.
المبحث السابع: قاعدة: كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
المبحث الأول
قاعدة التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
معنى التشبيه لغة واصطلاحًا:
التشبيه مشتق من الأصل الثلاثي اللغوي (شبه)، فالشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله؛ لونًا ووصفًا، من المشابهة، وجمعه القياسي أشباه، ومَشَابِه على غير قياس، كما قالوا مَحَاسِن ومَذَاكِر، ويقال: شِبْهٌ وَشَبَهٌ وَشَبَيهٌ، ونظيره لفظًا ومعنى: المَثَل والمِثْل بفتح الميم والثاء، وكسر الميم وتسكين الثاء، وأشبه الشيء بالشيء: ماثله، وفي فلان شبَه من فلان، وهو شِبْهُهُ وشَبَههُ؛ أي: شبيهه.
وشَبَّهْتُ الشيء بالشيء: أقمته مقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون الصفة ذاتية ومعنوية؛ فالذاتية: نحو هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد، والمعنوية: نحو زيد كالأسد أو كالحمار؛ أي: في شدته وبلادته، وزيد كعمرو؛ أي: في قوته وكرمه وشبهه، وأشبه الولد
[ ٢ / ٧٤١ ]
أباه وشابهه: إذا شاركه في صفة من صفاته، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر، وتشابهت الآيات: تساوت أيضًا، فالمشابهة هي المشاركة في معنى من المعاني، والتشبيه: إثبات المثل للشيء مساويًا له من بعض الوجوه (^١).
وأما معناه عند أهل البلاغة فعرَّفه ابن الأثير بقوله: "حد التشبيه: هو أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد فذلك الذي يطرح ولا يستعمل" (^٢).
وقال تقي الدين الحموي: "وأصحاب المعاني والبيان أطلقوا أعنة الكلام في ميادين حدود التشبيه وتقاريرها، وهو عندهم: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى".
ثم ذكر أقوالًا عن أهل الأدب والبيان في معنى التشبيه، ومن ذلك:
أن التشبيه: هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال.
ومنهم من قال: التشبيه: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد.
وقيل: التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة؛ لأنَّه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه.
وقيل: التشبيه إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها، واختلفا في كيفيتها قوةً وضعفًا.
_________________
(١) مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٢)، والعين للخليل (٣/ ٤٠٤)، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (٤/ ١٩٣)، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي (٢٧٣)، والمصباح المنير (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وطلبة الطلبة لنجم الدين النسفي (٣٢٨).
(٢) المثل السائر (١/ ٣٩٩)، وانظر: (٢/ ١٨١).
[ ٢ / ٧٤٢ ]
قلت -القائل الحموي-: وهذا حدّ مفيد.
وأورد البعض حدًّا زاد في حسنه على الحد، وهو أن التشبيه تشبيهان:
الأول منهما: تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، مثل قولك: ماء النيل كماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: الزبرجد مثل الزمرد.
والثاني: تشبيه شيئين مختلفين بالذات لجمعهما معنى واحدًا مشتركًا، كقولك: حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام (^١).
وهذا التشبيه عند أهل الأدب والبيان له أغراض؛ فقد يقصد به المدح، أو الذم، وقد يقصد به الإيضاح والإبانة، وإزالة الغموض، وتجلية الأمور (^٢).
ويظهر مما سبق أن التَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْن الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَكْفِي حُصولُهُ فِي بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ (^٣).
والتشبيه في اصطلاح أهل السُّنَّة والجماعة هو تشبيه الخالق بالمخلوق، أو العكس لصفة جامعة بينهما؛ إما فى الذات، أو الصفات، أو الأفعال، أو الحقوق.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن التشبيه الذي يجب نفيه عن الرب تعالى: اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، وإن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب" (^٤).
_________________
(١) خزانة الأدب وغاية الأرب للحموي (١/ ٣٨٤).
(٢) انظر: المثل السائر لابن الأثير (١/ ٣٨٠).
(٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٧٣).
(٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨٨).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وقيل: التشبيه هو تصور الآلهة في ذاتها وصفاتها على غرار الإنسان (^١).
وهو على نوعين (^٢):
أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق بحيث يجعل المخلوق أصلًا ثم يقاس به الخالق.
الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق بحيث يجعل الخالق هو الأصل، ويقاس عليه المخلوق.
وكلاهما مذموم، بل هو خروج عن الدين، وإشراك برب العالمين.
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وَهَذَا أصل نَوْعَيِ التَّشْبِيهِ، فَإِنَّ التَّشْبِيهَ نَوْعَانِ: تَشْبِيهُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوق، وَهَذَا الَّذِي يَتْعَبُ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي رَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ، وَأَهْلُهُ فِي النَّاسِ أَقَلُّ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ تَشْبِيهِ المْخَلُوقِ بِالْخَالِقِ، كَعُبَّادِ الْمَشَايخ، وَعُزَيْرٍ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْأَصْنَامِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّارِ، وَالْمَاءِ، وَالْعِجْلِ، وَالْقُبُورِ، وَالْجِنِّ، وَغيْرِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَتْ لَهُمُ الرُّسُلُ يَدْعُونَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" (^٣).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "ثم التشبيه الذي ضلَّ به من ضلَّ من الناس على نوعين:
أحدهما: تشبيه المخلوق بالخالق.
والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق.
فأما تشبيه المخلوق بالخالق فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما
_________________
(١) المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية (ص ٤٤)، وانظر: التعريفات (ص ٢٧٤).
(٢) انظر: مقالة التشبيه وموقف أهل السُّنَّة منها (١/ ٧٩).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٣٧).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات، وهذا على ثلاثة أقسام:
فالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقًا.
والثاني: كفعل المشركين بأصنامهم حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله.
والثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي -ﷺ- أو غيره مثل قول المتنبي (^١):
فكن كما شئت يا من لا شبيه له وكيف شئت فما خَلْقٌ يدانيكا
وأما النوع الثاني وهو تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم ونحو ذلك" (^٢).
والتشبيه المذموم عند أهل السُّنَّة والجماعة بنوعيه يقع بالقول والاعتقاد والفعل، فمن شبَّه الله بلسانه، أو اعتقد التشبيه بقلبه، أو فعل فعلًا بجوارحه استلزم التشبيه، وأفضى إليه كان ممن وقع في تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق.
يقول الدكتور جابر إدريس -وفقه الله-: "ومثال مقالة التشبيه
_________________
(١) المُتَنَبِّي: بضم الميم وفتح التاء والنون وكسر الباء الموحدة المشددة، هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي، الشاعر المشهور، وإنما قيل له ذلك لأنه ادعى النبوة فتبعه كثير، فسجن طويلًا، ثم أطلق وطلب الشعر وقاله فأجاد، وفاق أهل عصره. قال ابن خلكان: اعتنى العلماء بديوانه فشرحوه حتى قال لي بعض شيوخي وقفت له على أكثر من أربعين شرحًا ما بين مطول ومختصر، قتل في رمضان سنة (٣٥٤ هـ). [انظر: لسان الميزان (١/ ١٦٠)، وتوضيح المشتبه (٨/ ٣٤)].
(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ٢٢ - ٢٣)، بتصرف.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الفعلية كأن يقوم المُشَبِّه بفعلِ يفضي به إلى الشرك بالله تعالى الذي هو تشبيه الله بخلقه، وتمثيله بهم (^١)؛ كالذبح لغير الله، أو السجود لغير الله، ونحو ذلك من الأعمال الشركية التي فيها تشبيه المخلوق بالخالق ﷿" (^٢).
وأمَّا الأَصْلُ فهو أسفلُ الشيءِ وجمعُه أُصولٌ لا يُكَسَّر، وأصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوى، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، وأصل الشيء ما منه الشيء؛ أي: مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن، فالأب أصل للولد، والشجرة أصل للغصن (^٣)، فالأصل هو ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره (^٤).
قال الراغب: "وأصل الشيء: قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم: ٢٤] " (^٥).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
تضمنت القاعدة بيان التشبيه الواقع من المشركين؛ الذين أشركوا مع الله تعالى في العبادة، وشبهوا المخلوق بالخالق، والخالق
_________________
(١) فيه نظر؛ لأنه مثل بعد ذلك بصورة الذبح لغير الله والسجود لغير الله وهذه فيها تشبيه المخلوق بالخالق لا العكس وهذا الذي قرره في غاية الجملة والله أعلم.
(٢) مقالة التشبيه وموقف أهل السُّنَّة منها، للدكتور جابر إدريس أمير (١/ ١٥٩).
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٣٠٥)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٩)، والتعريفات للجرجاني (ص ٤٥).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٨)، والبحر المحيط في أصول الفقه (١/ ١٠)، وحاشية ابن عابدين (٤/ ٥٤٧).
(٥) المفردات في غريب القرآن، للراغب (ص ١٩).
[ ٢ / ٧٤٦ ]
بالمخلوق، ومعنى كون التشبيه أصلًا للشرك وعبادة الأوثان والأصنام؛ أي: هو حقيقته وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره ﷿ فقد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي.
كما أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه في كونه لا يتوصَّل إليه إلَّا بالوسائط، فهم يرفعون حوائجهم إلى تلك الوسائط، ومن ثم ترفعها الوسائط إليه ﷾، فما من مشرك إلا وقد شبَّه معبوده بالله تعالى، فجعل لله مثلًا وشبيهًا، وعدلًا ونديدًا، أو شَبَّه الله تعالى بالمخلوقين، فلا يخلو المشرك من أحد التشبيهين، وقد يجمع في شركه بين النوعين، ولا شك في شناعة كِلا التشبيهين؛ إذ فيه تشبيه المخلوق الضعيف الذي لا يملك نفعًا ولا ضرًّا -لنفسه فضلًا عن غيره- بالخالق العلي العظيم، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، مالك الملك لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، العليم بخفايا الأمور ودقيقها، الغني عن كل ما سواه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، الذي لا يعجزه شيء من سؤال خلقه له ﷾.
فلا وجه لهذا التشبيه البتة إذ إن الخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف؛ فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق، أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق (^١).
يقول الإمام ابن تيمية في طريقة أهل الحق في هذا الباب: "ولا يصفون أحدًا من المخلوقين بخصائص الخالق ﷻ، بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٧/ ٢٧١).
[ ٢ / ٧٤٧ ]
يحتاج إليه كل شيء، ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] " (^١).
والفرق بين تشبيه صفات المخلوق بالخالق، وتشبيه صفات الخالق بالمخلوق: أن في تشبيه صفات المخلوق بالخالق تعظيمًا للمخلوق، ورفعًا له إلى مقام الألوهية، وهذا بلا شك من أعظم الإشراك بالله العظيم، أما تشبيه صفات الخالق بالمخلوق فحط من قدر الخالق ﷾، وتنقص له، وهو كسابقه في الكفر والشناعة.
يقول الإمام ابن القيم: "فتبين أن المُشَبِّهَةَ هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك" (^٢).
ويقول أيضًا: "ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه
_________________
(١) الجواب الصحيح (٢/ ١٤٣).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٣).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
فمن أعطى حبه، وذله، وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، فمن خصائص الإلهية السجود؛ فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل؛ فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة؛ فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا؛ فمن حلف بغيره فقد شبهه به" (^١).
ومن أجل هذا التشبيه الشنيع الواقع من المشركين حرَّم الله تعالى الشرك، وجعله من أكبر الجرائم، وأعظم المحرمات، وأفظع الظلم الذي تتفطر له السموات، وتنشق له الأرضون، وتتفتت من قبحه وشناعته الجبال الرواسي.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فمن صرف شيئًا من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركًا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شبه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته؛ ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى" (^٢).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فكيف بالقول على الله بلا علم في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته: من تشبيه خلقه به، أو تشبيهه لخلقه في اتخاذ الأنداد معه، وصرف العبادة لهم، وإن اعتقاد تصرفهم في شيء من ملكوته تشبيه للمخلوق بالخالق، كما أن تمثيل صفاته تعالى بصفات خلقه تشبيه للخالق بالمخلوق، وكِلا التشبيهين كفر بالله ﷿ أقبح الكفر، وقد نَزَّه الله تعالى نفسه عن ذلك كله في كتابه" (^٣).
ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في
_________________
(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (٩٤ - ٩٥).
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٣٢٢).
(٣) معارج القبول (١/ ٣٦٤).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]: ﴿وَمَا لَهُ﴾؛ أي: الله تعالى: و﴿مِنْهُمْ﴾؛ يعني: من تلك الآلهة، ما له من وزير ولا معاون؛ لأنه قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمة من يعين الله على تدبير الأمور، وتصريف الشؤون، كالملائكة، أو الأنبياء، فيظن أنه إذا توجّه إلى أولئك بالدعاء والطلب، كان قد توجه إلى من يعين الله، فيعتقد أنه إذا طلب من الله فإن الله لن يردّه؛ لأنه ممن يعين الله! وقد بنوا هذا الاعتقاد الفاسد على تشبيه الخالق (^١) -تعالى- بما يحصل من المخلوقين بعضهم لبعض، فإن الملك في هذه الدنيا، أو الحاكم، أو الأمير إذا كان له من يعينه، ومن يظاهره، وشَفَعَ هذا المعين لأحد فإنه لا يردُّ شفاعته؛ لأنه يحتاجه، فلأجل هذه الحاجة لا يرد الأمير، أو الملك، شفاعة من كان له ظهيرًا، فلما ظنَّ هؤلاء المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة لله -جل وعلا- نفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي" (^٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لقد دلَّ على صحة ما قررته القاعدة أدلة عديدة أذكر بعضًا منها فيما يلي:
_________________
(١) وقد صرح أهل الباطل بهذا التشبيه في تجويزهم الوساطة الشركية، وعللوا جوازها بأن الناس جبلوا على معرفة "أن إكرام عبيد السلطان وأتباعه وتعظيمهم هو من أحسن وجوه التقرب إليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد أو التابع أقرب له وأحب إليه كان إكرامه وتعظيمه والتوسل به إليه أقرب من نجاح الحاجة وحصول المقصود ". [انظر: شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، ليوسف بن إسماعيل النبهاني (ص ٨٧)، وانظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، للعروسي (٢/ ٨٣٨).
(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (٢١٨).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
أولًا: النصوص التي نفى الله فيها أن يكون في خلقه مشابهًا أو مماثلًا له في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، بل ونهيه عن ذلك؛ مثل الكفؤ، والسمي، والشريك، والمثل، والند، وضرب الأمثال له؛ إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات، فإن الصفة تابعة للموصوف بها، والفعل أيضًا تابع للفاعل (^١)، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤].
أي: ليس له شبيه ولا نظير ولا مساوي، وهي عامة لكل ما يدخل في مسمى الكفؤ (^٢).
قال أبو العالية: "لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء" (^٣).
وقال الإمام السمعاني في معنى الآية: "أي: لم يكن أحد نظيرًا له ولا شبيهًا" (^٤). فيمتنع ويستحيل أن يكون في الموجودات من هو مساوٍ له في شيء من صفات الكمال، والجلال، والعظمة، والكبرياء (^٥).
٢ - ومنها قوله سبحانه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
يقول الإمام ابن تيمية: "وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فبين بذلك أن الله لا مثل له، ولا سمي، ولا كفو، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مماثلًا لشيء من صفات المخلوقات، ولا أن يكون المخلوق مكافئًا ولا مساميًا له في شيء من صفاته ﷾" (^٦).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٢٥)، والعقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ٢٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٤٤).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٠/ ٣٤٧).
(٤) تفسير السمعاني (٦/ ٣٠٤)، وانظر: تفسير ابن زمنين (٥/ ١٧٢).
(٥) انظر: التفسير الكبير للرازي (٢٣/ ١٦٩).
(٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٦).
[ ٢ / ٧٥١ ]
ويقول أيضًا: "وأصل دين الإسلام أن نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه ندًا، ولا كفوًا، ولا سميًا" (^١).
ويقول ابن القيم في معنى الآية: "وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق، ومماثلًا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميًا أو مشبهًا لغيره؛ فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابهًا له، مساميًا وندًّا وعدلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل" (^٢).
٣ - ومنها قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ [فصلت: ٩].
والند: الشبيه والنظير والمثيل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند (^٣).
وقيل: حقيقة الله أنه المضاد لنده الجاري على مناقضته (^٤).
وقال الأَخفشُ: "النِّدُ: الضِّدُّ والشِّبْهُ" (^٥).
والأنداد في الآيات السابقة: هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين (^٦).
وعن ابن عباس -﵄-: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أندادًا قال أشباهًا" (^٧).
_________________
(١) المصدر نفسه (٢٧/ ٣٣٨).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٠).
(٣) انظر: تفسير الطبري (١/ ١٦٣).
(٤) انظر: الموافقات للشاطبي (٣/ ٣٩٨)، وفتح الباري (١٣/ ٤٩١).
(٥) تاج العروس (٨/ ٣١٠).
(٦) انظر: التفسير الكبير (٤/ ١٨٤).
(٧) تفسير الطبري (١/ ١٦٣)، والدر المنثور (١/ ٨٧)، وانظر: تفسير السمعاني (٤/ ٣٣٥).
[ ٢ / ٧٥٢ ]
يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: "فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين" (^١).
ويقول أيضًا: "فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة" (^٢).
ويقول الشيخ السعدي: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: نظراء وأشباهًا من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون، مرزوقون، مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون" (^٣).
وقال الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩]؛ أي: أشباهًا وأمثالًا وشركاءً" (^٤).
وقال ابن أبي زمنين: " ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أعدالًا تعدلونهم به فتعبدونهم دونه" (^٥).
٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: "لا تجعلوا لله أشباهًا تشركونهم به" (^٦).
يقول الإمام ابن تيمية: "والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، فلا يمثل به شيء من المخلوقات في شيء من الأشياء؛ إذ ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في
_________________
(١) درء التعارض (٢/ ٤٢)، وانظر: شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٨٨).
(٣) تفسير السعدي (٤٥)، وانظر: تفسير البغوي (١/ ٥٥).
(٤) تفسير السمعاني (٥/ ٣٨)، وانظر: تفسير البحر المحيط (٧/ ٤٦٥).
(٥) تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٤٦).
(٦) انظر: تفسير الجلالين (ص ٣٥٦).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
أفعاله، ولا فيما يستحقه من العبادة، والمحبة، والتوكل، والطاعة، والدعاء، وسائر حقوقه" (^١).
فالآية الكريمة المتضمنة النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى بالمخلوقين، فلا يشبه ﷿ بالمخلوق الذي يحتاج إلى الأعوان والحجاب، ولا يشبه المخلوق بالله تعالى في استحقاق العبادة والتأله (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، رد للتشبيه والتمثيل (^٣).
يقول الإمام ابن القيم: "وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون، ولم يقصد به نفي صفات كماله، وعُلُوَّه على خلقه، وتَكَلُّمَه بكتبه، وتَكْلِيمَه لرسله" (^٤).
ويقول الشيخ صلاح الدين آيبك الصفدي (^٥) في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: "وشيء للعموم، وشيء يستغرق الإلهية، والصورة، والصفة، وكل ما سوى الله تعالى" (^٦).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس يشبهه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٦٦).
(٢) وانظر: المصدر نفسه (٢٧/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٣) انظر: المصدر نفسه (٣/ ٤).
(٤) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣١).
(٥) هو: خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين: أديب، مؤرخ، كثير التصانيف الممتعة، ولد في صفد (بفلسطين) سنة ٦٩٦ هـ، وإليها نسبته، وتعلم في دمشق فعانى صناعة الرسم فمهر بها، ثم ولع بالأدب وتراجم الأعيان، وتولى ديوان الإنشاء في صفد ومصر وحلب، ثم وكالة بيت المال في دمشق، فتوفي فيها سنة ٧٦٤ هـ، وله زهاء مئتي مصنف، منها: الوافي بالوفيات، في التراجم، والشعور بالعور، في تراجم العور وأخبارهم، ونكت الهميان، وغيرها. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٢/ ٣١٥)].
(٦) انظر: الوافي بالوفيات (٣/ ٧٩).
[ ٢ / ٧٥٤ ]
تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته؛ لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه" (^١).
فكل ما سبق من النصوص، ومن أقوال أهل العلم يدل على أن شرك المشركين كان بسبب اتخاذ الشركاء والنظراء الذين شبهوهم بالله تعالى، فصرفوا لهم العبادة والتأله والمحبة والتذلل التي هي من خصائص الرب ﵎، ولذا اشتملت جميع النصوص السابقة على النفي أو النهي عن هذا التشبيه الشركي.
يقول الإمام ابن القيم: في ذكر أسباب عبادة الأصنام وأن منها الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته: "حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.
فهو سبحانه ينفي وينهى أن يجعل غيره مثلًا له، وندًّا له، وشبهًا له، لا أن يُشَبَّه هو بغيره؛ إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلًا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلًا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم، وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك؛ غلوا فيمن يعظمونه ويحبونه حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله وأنكروا جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له، ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مُشَبِّه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه وإن لم يُشَبِّهْهُ
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧٥٤).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
به من كل وجه" (^١).
ثانيًا: النصوص الدالة على إبطال ما وقع فيه المشركون من العدل، والتسوية، والتمثيل، والقياس، والتشريك، والتشبيه (^٢)، بين الله تعالى ومعبوداتهم الباطلة، وتقرير توحده سبحانه بصفات الربوبية، وانفراده بخصائص الإلهية التي لا يشركه فيها أحد من الخلق، وهذا يدل على أن أصل شركهم بالله كان من تشبيههم معبوداتهم بالرب تعالى، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قال الزجاج (^٣): "يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة" (^٤).
وجاء عن مجاهد: في معنى الآية: "مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد" (^٥).
وقد أشار سبحانه في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق قبحهم الله تعالى (^٦).
٢ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ
_________________
(١) إغاثة اللفهان (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٢) جميع هذه المواد من جنس واحد. انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٠/ ٨٢).
(٣) هو: إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق النحوي الزجاج؛ بفتح الزاي والألف بين الجيمين الأولى مشددة، هذا الاسم لمن يعمل الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب، من تصانيفه: معاني القرآن في التفسير، وخلق الإنسان، وتفسير جامع المنطق، وفعلت وأفعلت، توفي سنة ٣١١ هـ. [ترجمته في: طبقات المفسرين (ص ٥٢)، والأعلام للزركلي (١/ ٤٠)].
(٤) تفسير البغوي (١/ ١٣٦).
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٦٦).
(٦) انظر: أضواء البيان (١/ ٤٦٩).
[ ٢ / ٧٥٦ ]
كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [سبأ: ٢٧]، وهم قد ألحقوا وشْبهوا شركاءهم وأندادهم بالله تعالى، وقد بين سبحانه في هذه الآية أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه العبادة غيره ﷿؛ إذ هو المعبود لذاته، الذي ليس كمثله شيء (^١).
يقول الإمام ابن كثير: "أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا، وصيرتموها له عدلًا، (كَلَّا)؛ أي: ليس له نظير، ولا نديد، ولا شريك، ولا عديل" (^٢).
والشركاء جمع شريك وهو النظير والمثيل والشبيه.
وقال الألوسي: "والمراد أرونيهم لأنظر بأي صفة الحقتموهم بالله ﷿ الذي ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة، أو ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم أو مسميهم شركاء" (^٣).
فعبادتهم للشركاء تشبيه لشركائهم بالله تعالى في العبادة، وهذا ما يفيده لفظ الإلحاق (^٤).
يقول الشيخ الشنقيطي: "أمر الله جلَّ وعلا نبيّه -ﷺ- في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها بالله شركاء له في عبادته كفرًا منكم وشركًا وافتراء. وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، لأنَّهم إن أروه إيّاها تبيّن برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضرّ، واتّضح بُعْدها عن صفات الألوهية، فظهر لكل عاقل برؤيتها
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي (٢٥/ ٢٢٣)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٤٠١)، وتفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٩).
(٣) روح المعاني (٢٢/ ١٤١).
(٤) فإنه بمعنى الإدراك والإتباع؛ يقال: ألحق به: أدركه، وألحق فلانًا به: أتبعه إياه، ويقال: ألحق القائف الولد بأبيه: أخبر بأنه ابنه لشبه بينهما يظهر له. [انظر: تاج العروس (٢٦/ ٣٥٢)، والمعجم الوسيط (٢/ ٨١٨)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ٣٢٥)].
[ ٢ / ٧٥٧ ]
بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ" (^١).
٣ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقوله ﷿ مستفهمًا ومقررًا المشركين بعد اعترافهم بربوبيته سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل: ٦٠].
يقال: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا إذا ساويته به؛ والمعنى: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه؛ ثم الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله بالله فقد أشرك (^٢).
فالمعنى أنه سبحانه خلق ما لا يقدر عليه سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء (^٣).
يقول أبو حيان في شأن العادلين بالله تعالى غيره: "وهم عبدة الأوثان، والجاعلون لربهم عديلًا؛ وهو المثل، عدلوا به الأصنام في العبادة والإلهية" (^٤).
ويقول الإمام الطبري: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة،
_________________
(١) أضواء البيان (٦/ ٢٦٩).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٨٦)، ومعاني القرآن (٢/ ٣٩٨)، وقال النحاس بعد ذكره لقول الكسائي: "وهذا القول يرجع إلى قول مجاهد؛ لأنهم إذا عبدوا مع الله غيره فقد ساووه به وأشركوا". [معاني القرآن (٢/ ٣٩٠٨)، و(٢/ ٥١٥)، وتفسير الثعلبي (٤/ ١٣٣)].
(٣) شرح شذور الذهب، لابن هشام (١٨٥).
(٤) تفسير البحر المحيط (٤/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
بالله يعدلون الأوثان والأصنام، فيجعلونها له عدلًا، ويتخذونها له ندًا، يعبدونها من دونه" (^١).
والمقصود أنهم يجعلون له عدلًا في العبادة، والمحبة، والتعظيم، فهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وآلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالًا وباطلًا، فيقولون لآلهتهم وهم في النار معهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الذات، والصفات، والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السموات والأرض، وأنها تحيي وتميت، وإنما سووها به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام (^٢).
وقال الشيخ يحيى العمراني: "وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء، فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله" (^٣).
ثالثًا: النصوص الدالة على أن شرك المشركين كان باتخاذهم وسائط وشفعاء وشركاء وأندادًا تقربهم إلى الله ﷿، وفي ذلك تشبيه لله تعالى بملوك الدنيا في كونهم لا يتوصلون إليهم إلا بالوسائط، فجعلوا الله تعالى لا يمكن الوصول إليه إلا بتوسط آلهتهم، وشفاعة أوثانهم، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ٨١).
(٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ٦١)، و(٢/ ٢٢٩)، ومدارج السالكين (١/ ٣٤١)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٠).
(٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٣١).
[ ٢ / ٧٥٩ ]
أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
فبين حالهم في كونهم إنما عبدوا الأصنام لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه؛ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا" (^٢).
فهم بذلك واقعون في التشبيهين؛ تشبيه الخالق سبحانه بملوك الدنيا، وتشبيه المخلوق بالخالق في صرف العبادة له.
يقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئًا؛ أي: فهؤلاء قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرؤوا على أعظم المحرمات وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء الملك العظيم بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٦/ ٣٥٢).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم عقلًا ونقلًا وفطر" (^١).
٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضًا، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فمن ظن أنْ الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم، أو يرجوهم، فيجب سؤالهم لأجل رجائه وخوفه منهم فيمن يشفعون به عنده، وإن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره الشفاعة فيمن شفعوا فيه، فيشفعهم فيه على كراهة منه، ويشفعون عنده أيضًا بغير إذنه، فالله تعالى هو رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه" (^٢).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد عني أهل العلم -﵏- ببيان معنى القاعدة، وتوضيح العلاقة القوية، والصلة الرابطة بين التشبيه والشرك بالله تعالى في الربوبية، أو الألوهية، أو في الأسماء والصفات، وفيما يأتي أتعرض لبعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧١٨).
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ١٥١).
[ ٢ / ٧٦١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نفيًا ونهيًا هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام، ولهذا نهى النبي -ﷺ- أن يسجد أحد لمخلوق مثله، أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلي إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدًا، أو يعلق عليه قنديلًا، أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك حذرًا من هذا التشبيه الذي هو أصل الشرك" (^٢).
ويقول ﵀ أيضًا: "والمقصود أنه لم يكن في الأمم من مثله بخلقه، وجعل المخلوق أصلًا ثم شبهه به، وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام" (^٣).
ويقول المقريزي: "اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ أمّا الخالق: فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة، وهي التفرّد بملك الضّر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوّى بين التراب وربّ الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟ " (^٤).
ويقول أيضًا: "وبالجملة؛ فالتَّشْبِيهُ والتَّشَبُّه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يُقَرِّبَه ذلك الغير إليه تعالى فإنه يخطئ؛ لكونه شَبَّهَهُ به، وأخذ ما لا ينبغي أن يكون إلّا له، فالشرك منعه ﷾ حقَّه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٣٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩)، والدرر السنية (١/ ١٨٩).
(٢) إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
(٣) المصدر نفسه (٢/ ٢٢٨).
(٤) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٦).
[ ٢ / ٧٦٢ ]
يغفر لفاعله" (^١).
ويقول الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي في بيان طرق الشرك وأسبابه: "ومعظم الخطأ شيئان: أن يعتقد في الواجب صفات المخلوق، أو يعتقد في المخلوق صفات الواجب، فالأول هو التشبيه، ومنشؤه قياس الغائب على الشاهد، والثاني هو الإشراك ومنشؤه رؤية الآثار الخارقة من المخلوقين فيظن أنها مضافة إليهم بمعنى الخلق وأنها ذاتية لهم" (^٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "والقرآن من أوله إلى آخره، يبين أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق في العبادة، على أي وجه كان، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] " (^٣).
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وأصل الشرك: تشبيه المخلوق بالخالق" (^٤).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
دلت القاعدة على عدة أمور وفوائد، فمن ذلك ما يلي:
أولًا: دلت القاعدة على أن التشبيه بنوعيه خاصة تشبيه المخلوق بالخالق يستلزم الشرك بالله وعبادة الأوثان، فالتشبيه هو الأصل، وعبادة غيره ﷾ هي فرع لازم لذلك الأصل، ثم إن فساد هذا الفرع الذي هو
_________________
(١) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٩ - ٣٠).
(٢) حجة الله البالغة، للدهلوي (ص ١١٨).
(٣) الدرر السخية في الأجوبة النجدية (١١/ ٢٢٠).
(٤) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
الشرك بالله العظيم، وقبحه وبطلانه دالٌ على فساد أصله وبطلانه؛ إذ فساد الفرع اللازم قال على فساد أصله الملزوم، وكل أصل فهو علة لفرعه وموجب له.
يقول الإمام ابن تيمية: "كذلك الأعمال المحرمة التي تورث مفاسد؛ كشرب الخمر الذي يصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء، فهذه المفاسد الناشئة من هذا العمل هي فرع لازم للأصل، ففسادها يدل على فساد الأصل، وهكذا كل أصل فهو علة لفرعه وموجب له" (^١).
ثانيًا: من المعلوم أن التشبيه والتمثيل المذموم بين الله وخلقه هو وصف الله تعالى بصفات المخلوقين، أو وصف المخلوقين بصفات الرب ﵎، وذلك بخلاف وصف الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ-، فليس في ذلك أدنى تشبيه، ولا شائبة تمثيل، بل هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام؛ أي: وصف الله تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن سائر صفات النقص والعيب والعجز.
هذا الإثبات لصفات الله تعالى هو منهج القرآن الذي جاء به محمد بن عبد الله -ﷺ- من عند ربه، وعليه سار صحابته الكرام، وسلف الأمة وعلماؤها من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حاشا أهل الكلام فإنهم لم يكتب لهم التوفيق في السير على هذا المنهج النبوي القويم، ففروا من التشبيه الذي زعموه وتوهموه في إثبات الصفات إلى تشبيه الله تعالى بالناقصات العاجزات، بل بالأموات بل المعدومات.
يقول الإمام ابن القيم: "حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله -ﷺ- فعكس من نكس الله
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٥٦).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر، والنفع، والعطاء، والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أفضل من غيره تشبيهًا بمن له الأمر كله، فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات" (^١).
ويقول أيضًا: "وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تعرف أمة من الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال.
وهذا موضع مهم نافع جدًا، به يعرف الفرق بين ما نزَّه الرب سبحانه نفسه عنه وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه.
والقرآن مملوء من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يشبه الرب تعالى، أو يماثله، فهذا هو الذي قصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره" (^٢).
ثالثًا: أن تشبيه المخلوق بالخالق في شيء من خصائصه، أو وصف الخالق بصفات المخلوق يُعَدُّ كفرًا بواحًا وشركًا صراحًا لا نصيب
_________________
(١) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٩٤ - ٩٥)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٩١).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٧٦٥ ]
لصاحبه في إسلام ولا دين، وذلك لما اشتمل عليه من تَنَقُّص الرب ﷾، ورفع للمخلوق فوق منزلته، بل هو تأليه للمخلوق ومساواته بالله العلي العظيم.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وما الظن والاحتمال فيمن شَبَّه المخلوق بالخالق في خصائص ألوهيته؛ من دعائه بما لا يقدر على دفعه أو جلبه إلا الله وحده، والتوكل عليه، ورجاؤه، والالتجاء إليه، وذبح القربان والنذر له؛ ليدفع عنه ما حَلَّ به، أو ينال ما أمَّله منه، إما معتقدًا في الضرر والنفع، والعطاء والمنع، وإما راجيًا شفاعته متقربًا بعبادته، فهل له احتمال واحد مُؤَدٍّ إلى الإيمان مع هذا الكفر الحقيقي والبهتان، فإن هذا الاعتقاد مناف لقوله الكلمة الطيبة، وإقراره بها في مجرد اللسان، وإذًا فلا يصح منه سائر ما عمله ظاهرًا من بقية الأركان" (^١).
_________________
(١) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ١٩٨).
[ ٢ / ٧٦٦ ]
المبحث الثاني
قاعدة الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
أولًا: معنى الشرك لغة:
الشِّرْكُ: مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (شرك)، يقال: (شَرَكَه)، و(شَرَّكه)، و(أَشْرَكَه شِرْكًا وإِشْراكًا) والجمع (أَشْرَاك)، ويقال: (شَريكٌ) وجمعه (شُرَكَاء) وقيل: (أَشْرَاكٌ)، وشريك الرجل ومشاركه سواء.
ومادة (الشرك) تدل على مقارنة وخلاف انفراد، بأن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: (شَارَكْتُ) فلانًا في الشيء: إذا صرت شريكه، و(أَشْرَكْتُ) فلانًا و(شَرَّكْتُه) إذا جعلته شريكًا لك، قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٣٢]، وأشركه في الأمر: أدخله معه فيه، و(أَشْرَكَ) بالله تعالى: (شَرَّك) في عمله غير الله.
والشِّرْكَة والمُشَاركَة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء
[ ٢ / ٧٦٧ ]
لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، وقيل: هو الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة.
والشرك بدون الهاء: النصيب تسمية بالمصدر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]؛ أي: نصيب (^١).
ثانيًا: معنى التسوية:
التسوية مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (سوى)، وسَاوَاه وَسَوّاهُ تَسْوِيَةً وأسْواهُ: جَعَلَهُ سَوِيًّا، وتقول: استوى الشيئان وتساويا، وساوى أحدهما صاحبه، وفلان يساويك في العلم، وساوى بين الشيئين وسوى بينهما، وساويت هذا بهذا وسويته.
وأصل مادتها يدل على استقامة واعتدال بين شيئين، يقال: هذا لا يساوي كذا؛ أي: لا يعادله، وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر؛ أي: سواء، والسَّي المُسَاوِي مثل عَدْل ومُعَادل، تقول سيان زيد وعمرو، وأسواء جمع سَي نحو نقض وأنقاض، يقال قوم أسواء ومستوون، والمساواة أصلها من ساواه في القدر.
وساواه مساواة: ماثله وعادله قدرًا أو قيمة، والسواء: العدل، وسواء الشيء: وسطه، وسواء الشيء: غيره، وتَسْوِيَةُ الشيءِ جَعْلَه سَواء إمَّا في الرّفْعَةِ أَو في الضِّعَةِ، ويقال: ساوَى الشيءُ الشيءَ إذا عادَلَه، وساوَيْتُ بين الشيئين إذا عَدَلْتَ بينهما وسَوّيتَ، ويقال: تَساوَت الأمورُ واستوتْ وتساوَى الشيئان واستَوَيا بمعنًى واحد (^٢).
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٥٩)، وعمدة القاري (١٣/ ٤٠)، والمصباح المنير (١/ ٣٣١)، والمغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٤١)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٨٠)، وطلبة الطلبة (ص ٢٢٠)، ومعجم الأفعال المتعدية بحررف (ص ١١٧).
(٢) انظر: مقاييس اللغة (٣/ ١١٢)، والعين (٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وتهذيب اللغة (١٣/ ٨٦)، =
[ ٢ / ٧٦٨ ]
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
تضمنت القاعدة بيان حقيقة الشرك الشرعية، وبيان أحد أركانه التي لا ينفك عنها البتة، وهو بمثابة الضابط والميزان لكل ما يعتبر شركًا بالله العظيم، ألا وهو التسوية الحاصلة بين الله تعالى وبين من أُشْرِكَ معه فيما يختص به في الذات أو الصفات أو الأفعال أو الحقوق (^١).
وبحسب هذه الأنواع يتنوع الشرك بالله العظيم؛ فمن سَوَّى بين الله وغيره في ذاته وأفعاله، أو في أسمائه وصفاته كان واقعًا في شرك الربوبية.
يقول الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني: "وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله، وقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (^٢).
ومن وقع في تسوية الله تعالى مع أحد من خلقه -مهما كان- في شيء من خصائصه وحقوقه، واستحقاقه للعبادة، والخضوع والمحبة له فإنه يكون بذلك واقعًا في شرك الألوهية والعبادة.
والتسوية في الخصائص والحقوق المشار إليها في القاعدة تَعُم جميع ما اختص به سبحانه في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو
_________________
(١) = وتاج العروس (٣٨/ ٣٣٢)، وتفسير الطبري (٤/ ٥١)، وأساس البلاغة (ص ٣١٥)، والمصباح المنير (١/ ٢٩٨)، ومختار الصحاح (١٣٦)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٣)، وانظر: (٢٠/ ٨٢).
(٢) انظر: الدرر السنية (٢/ ٣٢١).
(٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٣١).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
استحقاق العبادة، وعليه فيكون الشرك عمومًا في أنواعه الثلاثة لا يخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق في شيء يختص بالخالق، كما سبق تقريره، بل حتى الشرك الأصغر لا يخلو من هذه التسوية كما سيأتي بيانه في قاعدة مستقلة (^١).
وهذه التسوية والعدل هما أعظم الظلم وأقبحه؛ بل لا يوجد عدل ولا تسوية في الكون أشنع ولا أظلم منها؛ إذ هي تسوية بين أشد الأمور مفارقة واختلافًا وتنافرًا، تسوية بين التراب ورب الأرباب، تسوية بين العاجز الضعيف الفقير بالذات والغني القوي القادر بالذات، تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، ومن لا نعمة منه أصلًا ولا ملكًا وإيجادًا (^٢).
يقول الإمام ابن القيم في شأن تسوية المشركين بين الله تعالى وبين معبوداتهم: "ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب، والتأله، والخضوع لهم، والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى من خُلِقَ من التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغني بالذات، القادر بالذات، لذي غناه، وقدرته، وملكه، وجوده، وإحسانه، وعلمه، ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ذاته، فأي ظلم أقبح من هذا، وأي حكم أشد جورًا منه، حيث عدل من لا عدل له بخلقه فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه" (^٣).
واعلم أن القسط والعدل والتسوية بين الشيئين تُحْمَد بل وتجب إن
_________________
(١) انظر: القاعدة التالية في حقيقة الشرك الأصغر (ص ٩٣٩).
(٢) انظر: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٤٧)، وتفسير النسفي (٣/ ٢٨٢).
(٣) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٩٢).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
كانت بين أمرين متماثلين، وتذم وتشان، ويعظم جرمها وتزداد شناعتها، ونفرة النفوس منها، إن كانت بين الشيء وضده، والشيء ونقيضه، والشيء وخلافه، وكانت حينئذٍ من أعظم الظلم وأحلك الظلام، وأقبح الإفك ومنكر البهتان، إذ هي تسوية بين ما علم بالاضطرار في دلالات الفطر (^١) والعقول فسادها وتعارضها وتناقضها واضطرابها؛ ولأنَّها تسوية بين ما فرَّق الشارع بينهما بمقتضى عدله وحكمته، فلا يستويان أبدًا؛ لا عند الله ولا عند رسوله ولا عند أولي النهى من الناس (^٢).
يقول الإمام ابن تيمية: "والقسط والعدل: هو التسوية بين الشيئين؛ فإن كان بين متماثلين كان هو العدل الواجب المحمود، وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] كما قالوا لقد: ﴿ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، فهذا العدل والتسوية والتمثيل والإشراك هو الظلم العظيم" (^٣).
ويقول الشيخ السعدي -مبينًا فساد تسوية الخالق بالمخلوق، ومنع ذلك بالعقل والنقل والفطرة-: "وزعموا -أي: المشركون- بعقولهم الفاسدة، ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق
_________________
(١) يقول الإمام ابن القيم: "وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين، وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين، وإنكار الجمع بينهما". [إعلام الموقعين (١/ ١٣١)].
(٢) انظر: حاشية ابن القيم على السُّنن (٩/ ١٨٧)، وشفاء العليل (ص ٢٧)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٨٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٨٢).
[ ٢ / ٧٧١ ]
العظيم عقلًا ونقلًا وفطرةً" (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
مما يدل على تقرير معنى القاعدة ما يلي:
أولًا: الأدلة التي بينت حقيقة شرك المشركين، وأنه تضمن التسوية والعدل بين الله وبين أحد من خلقه، ومن تلك النصوص ما يلي:
قوله تعالى في شأن الكافرين وحكاية حالهم في جهنم: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠١].
فذكروا أن ضلالهم، وهلاكهم، وعذابهم في النار كان بسبب تسويتهم الأصنام والأنداد بالله تعالى، وأنهم استحقوا الخلود في النيران من أجل هذه التسوية في العبادة والمحبة والذل والخضوع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم.
ثم ذكر سبحانه ما دار من الخصومة بينهم، وقد عادوا على أنفسهم باللوم، وهم في أشد الحسرة، وأعظم الندم، قائلين لمعبوداتهم: كيف استجبنا لكم أيها المعبودون وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وسويناكم برب العالمين، فجعلناكم وإيَّاه سواءً في استحقاق العبادة.
وهذا يدل على أن حقيقة شرك المشركين: هو تسوية الله بغيره في شيء من خصائصه وحقوقه.
يقول ابن القيم عن قول المشركين وهم في النار: "فاعترفوا أنهم
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧١٨).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
كانوا في أعظم الضلال وأبينه إذ جعلوا لله شبهًا وعدلًا من خلقه سووهم به في العبادة والتعظيم" (^١).
والحاصل أنهم بقسمهم هذا قد حكموا على أنفسهم بالضلال المبين؛ بسبب تسوية أصنامهم بالله تعالى في العبادة، والمحبة، والخوف، والرجاء، ودعائهم لأندادهم كما يدعونه ﷾، فتبين لهم حينئذٍ ضلالهم، وأقروا بعدل الله في عقوبتهم، وأنها في محلها، وهم لم يسووهم برب العالمين إلا في استحقاق العبادة لا في الخلق، بدليل قولهم: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾: فهم مقرون أن الله رَبُ العالمين كلهم الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم (^٢).
وبذلك يظهر المقصود من اشتمال الشرك وَتَضمُّنِهِ لمعنى التسوية والعدل.
وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] وهذا العدل هو التسوية بين الله وبين الآلهة في المحبة والميل والخضوع والعبادة والتعظيم، مما يدل على أن شركهم راجع إلى تسوية الخالق بالمخلوق.
ثانيًا: الأمثال التي ضربها الله تعالى، والدالة على إبطال شرك المشركين بنفي التسوية بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الذات والصفات والأفعال والخصائص والحقوق، وهذا يوضح أن شركهم أصله من هذه التسوية الواقعة منهم؛ ومن تلك النصوص ما يلي:
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٠).
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٩٣) مع بعض التصرف، وانظر: تفسير الطبري (١٩/ ٨٨)، وتفسير البغوي (٣/ ٣٩١)، وتفسير السمعاني (٤/ ٥٦)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٢٤٥)، وتفسير الثعلبي (٧/ ١٧١).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].
دلت الآية على إبطال اتخاذ المشركين أولياء من دونه بعد إقرارهم بأن الله رب السموات والأرض، ولتوضيح هذا المعنى وتجليته ضرب الله مثلًا لذلك؛ فنفى التسوية بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولا شك أن التفريق بين هذه الأمور من المسلمات المقطوع بها عقلًا لا يشك فيها ذو عينين، والتسوية بينها من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، والمقصود من ذلك إنكار التسوية الواقعة منهم بين الله تعالى وبين معبوداتهم وأوثانهم، فَفَرَّق بين المعبود الغافل -وهي الأوثان- والمعبود العالم بكل شيء -وهو الرب تعالى-، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه من الشرك هو تسوية معبوداتهم بالله ﵎ (^١).
ثم أكد ﷾ هذا التباين والاختلاف بينه وبين الأصنام في أفراد الربوبية من الخلق والإيجاد، فنفى استحقاقهم للألوهية، ومساواتهم لله تعالى في العبادة بنفي اتصافهم ومساواتهم لله في شيء من أفراد الربوبية، والتي هي مُوْجِب العبادة ولازم استحقاقها.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوق لا يجوز أن يُسَوِّي بين الخالق والمخلوق في شيء، فيجعل المخلوق ندًّا للخالق، وضرب الأمثال في القرآن على من لم يفرق، بل عدل بربه، وسوى بينه وبين خلقه" (^٢).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: "أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١٠/ ١٥٤).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٤).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) (^١) " (^٢).
والمعنى: أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء في الخلق فتشابه الخلق عليهم بسبب ذلك، ولا قالوا: هؤلاء خلقوا كخلقه فاستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم، بل إنما جعلوا له شركاء ما هو بمعزل من ذلك بالمرة، فلا مساواة بينهما لا في الخلق ولا في استحقاق العبادة (^٣).
يقول الشيخ السعدي مبينًا أن اتخاذ الأنداد من دون الله تسوية بين الله وبينها: "وهؤلاء -أي: المعبودات- لا يملكون ولا يقدرون، فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسموات، الذي له الملك كله، والحمد كله، والقوة كلها، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]: المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه" (^٤).
ويقول الشيخ الشنقيطي في تقرير هذا المعنى: "ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرًا بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (٢/ ٨٤٣)، برقم (١١٨٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٠٨).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٣/ ١٣)، وتفسير أبي السعود (٥/ ١٣)، وتفسير البيضاوي (٣/ ٣٢٥).
(٤) تفسير السعدي (ص ٤٤٥).
[ ٢ / ٧٧٥ ]
قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء -ثم ذكر جملة من الآيات المؤيدة لذلك ثم قال:- والآيات في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء لا تصدر إلا ممن لا عقل له" (^١).
فأقام ﷾ الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك، وهذا في القرآن كثير (^٢).
وهذا يدل على أن شركهم كان بسبب تسويتهم معبوداتهم التي لا تضر ولا تنفع مع الرب ﵎ الذي بيده الخير كله.
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦].
في هذه الآيات ضرب الله مثلين نفى بهما التسوية بين أمور مستقر التفريق بينها في الفطر والعقول، والقصد منها نفي وإبطال التسوية التي وقع فيها المشركون بين الله تعالى وبين أصنامهم وأوثانهم، فالنفي لحقيقة ذلك ووقوعه لا لنفي الواقع الذي تلبسوا به.
وضرب هذين المثلين يدل على أن أصل شرك المشركين التسوية بين الخالق والمخلوق في الخصائص والحقوق.
_________________
(١) أضواء البيان (٢/ ١٥٥)، فظهر بذلك انتفاء التسوية واستحالتها بين الخالق والمخلوق؛ وذلك لأن المخلوق محتاج إلى خالقه، فهو عبد مربوب مثلك، يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له. [انظر: المصدر نفسه (٢/ ٢٣٩)، و(٢/ ٣٣٠)].
(٢) انظر: قرة عيون الموحدين للشيخ عبد الرحمن بن حسن (ص ٥٢).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
قال مجاهد: "ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه" (^١).
يقول الإمام ابن تيمية في معنى المثلين: "كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو وما يشركون به، كما ذكر نظير ذلك في غير موضع، وإن كان هذا الفرق معلومًا بالضرورة لكل أحد، لكن المشركون مع اعترافهم بأن آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه وبينها في المحبة والدعاء والعبادة ونحو ذلك" (^٢).
ويقول الإمام ابن القيم في معنى المثل الثاني المتعلق بالأبكم: "فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ (^٣) على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه، ويقيمه، ويخدمه، فكيف يسوونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد، وهو قادر متكلم غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره" (^٤).
ويقول الشيخ السعدي: "فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يُعْبَدُ من دونه؛ أحدهما: عبد مملوك؛ أي: رقيق لا يملك نفسه، ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني: حُرٌّ غنيٌ قد رزقه الله منه رزقًا حسنًا من جميع أصناف المال، وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرًا
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٤٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٣) (كلٌّ): ينطبق على الواحد والجميع، والذكر والأنثى. [انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣٤١).
(٤) مدارج السالكين (١/ ١٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٨٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٧٩)].
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وجهرًا، هل يستوي هذا وذاك، لا يستويان مع أنهما مخلوقان، وغير محال استواؤهما، فإذا كانا لا يستويان فكيف يستوي المخلوق والعبد الذي ليس له ملك، ولا قدرة، ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب المالك لجميع الممالك، القادر على كل شيء فكأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ سوَّى المشركون آلهتهم بالله
والمثل الثاني: مثل رجلين أحدهما أبكم لا يسمع، ولا ينطق، ولا يقدر على شيء؛ لا قليل ولا كثير، وهو كَلٌّ على مولاه؛ أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه، فهو ناقص من كل وجه، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل، وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله، وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئًا منها، ولا يكون كفوًا، ولا ندًّا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه" (^١).
والمقصود من هذين المثلين الاستدلال بعدم تساوي هذه المذكورات على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكًا له (^٢)، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه هو التسوية بين الخالق والمخلوق.
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد تضافرت أقوال العلماء على تأييد معنى القاعدة ولفظها، وذلك انطلاقًا من اهتمامهم بأصل الإسلام الذي هو التوحيد، ومعرفة حقيقة ما
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٤٤٥)، [وانظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٥٠)، وتفسير السمعاني (٣/ ١٩٠)، ومعاني القرآن (٤/ ٩٣)، وتفسير ابن زمنين (٢/ ٣٥٧)، و(٢/ ٤١٢)، والصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٥)].
(٢) انظر: فتح القدير، للشوكاني (٣/ ١٨٢).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
يناقضه ويضاده من الشرك بأنواعه المختلفة، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك:
يقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك وشناعته: "الشرك أبغض الأشياء إليه؛ لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به، ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به؛ لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره" (^١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين" (^٢).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيانه لحقيقة الشرك بالله العظيم: "فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكًا له فيما اختص به تعالى وتقدس هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به" (^٣).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وتسوية المخلوق بالخالق بكل نوع من العبادة شرك" (^٤).
ويصف الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ الشرك بكونه تسوية فيقول: "فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ " (^٥).
ويقول أيضًا -واصفًا للشرك بالتسوية- في معرض كلامه على المتنقصين لأهل العلم والتقى، والمستحلين لأعراض خيار الأمة وأئمتها: "الذين يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص ٣٦٥).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٦٠١).
(٤) قرة عيون الموحدين (ص ٢٠٧).
(٥) مصباح الظلام (ص ٤٤٣).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
غيره، فيما يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والخوف، والرجاء، والاستعانة، والاستغاثة، والإنابة، والتوكُّل، والطاعة والتقوى، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات" (^١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وتسوية المخلوق بالخالق في نوع من أنواع العبادة شرك، فإن كان في الأصغر -مثل هذا- (^٢) فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر" (^٣).
ويقول أيضًا: "والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله" (^٤).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في نواح عديدة، ومن ذلك:
أولًا: أن جميع أنواع الشرك لا تخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق، فإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأصغر كانت هذه التسوية شركًا أصغر، وإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأكبر أخذت حكم الشرك الأكبر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كلامه على حديث حذيفة
_________________
(١) مصباح الظلام (ص ٥٨٢).
(٢) أي: التسوية في قوله: (ما شاء الله وشاء فلان)، وسيأتي قريبًا ذكر حديث حذيفة في ذلك (ص ٧٨١).
(٣) حاشية كتاب التوحيد (ص ٣٠٤)، وقال أيضًا: "وكما أن الشرك أظلم الظلم، وأبطل الباطل -كما تقدم- فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي؛ لأنه تسوية للمخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه". [حاشية ثلاثة الأصول للشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ص ٣٧)].
(٤) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ١٥).
[ ٢ / ٧٨٠ ]
عَنْ النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ" (^١)، قال: "وذلك لأن المعطوف بـ (الواو) يكون مساويًا للمعطوف عليه؛ لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك إن كان في الأصغر -مثل هذا- فهو أصغر- وإن كان في الأكبر فهو أكبر، بخلاف المعطوف بثم؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيًا عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعًا" (^٢).
وهذا يدل على أن التسوية بين الخالق والمخلوق لا تجوز ولو كانت في مجرد اللفظ؛ لأنَّها قد تكون ذريعة إلى اعتقادات القلوب، وإرادات النفوس، وسدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ (^٣).
ثانيًا: أفادت القاعدة أن ضابط الشرك بالله تعالى ومرجعه الذي يدور حوله هو التسوية الحاصلة بين الخالق والمخلوق، سواء كانت بالاعتقاد القلبي، أو باللسان، أو بالفعل، فمن اعتقد التسوية بين الخالق والمخلوق فيما يختص بالخالق أو يختص بالمخلوق، في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو صرح بها بلسانه، أو فعل فعلًا يقتضيها ويؤول إليها كان واقعًا في الشرك بالله تعالى.
وبذلك يحكم على جميع الاعتقادات والأقوال والأعمال المتضمِّنة
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤)، (١٣/ ٢٣٣١٣)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، (١٠٨٢١)، وأبو داود في السُّنن (٤/ ٢٩٥)، (٤٩٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٠)، (٢٦٦٩٠)، رواه أبو داود بسند صحيح.
(٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٤١٥)، [وانظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٣٠٤)، والمقصود أن (الواو) تفيد الجمع والتشريك، بخلاف (ثم) فإنها تفيد الترتيب المتراخي].
(٣) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ١٤٦)، والفتاوى (١/ ١٣٦).
[ ٢ / ٧٨١ ]
لهذه التسوية بأنها شرك بالله العظيم بحسب حال هذه التسوية.
ويدخل في ذلك جميع العبادات من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله تعالى، وقد أمر بها سبحانه ورغَّب فيها، فهذه إذا صرفت لغير الله تعالى وقعت التسوية بين الخالق والمخلوق.
ومن ذلك ما يفعله من يغلو في القبور؛ من الخضوع للأولياء في أضرحتهم كخضوعهم للملك الجبار، مع شدة المحبة والرهبة والخوف من غضبهم، بل ألبسوهم بعض صفات الباري من السمع المطلق والبصر المطلق، والقدرة المطلقة، وغير ذلك، وسووهم بالله تعالى في صفاته وأفعاله وحقوقه.
وقد استفحل هذا الداء العضال، واستشرى بين أهل الإسلام، ولا يكاد يخلو منه قطر من أقطار المسلمين إلا وتجده يسري فيهم سريان النار في الهشيم، وكأنه هو الدين الذي بعث به محمد بن عبد الله ﵇، كل ذلك بسبب الجهل العظيم بحقيقة دين الإسلام وما بعث به خاتم النبيين محمد -ﷺ- من التوحيد المبين، ودعوة الإسلام الخالصة، وبسبب إيحاء شياطين الإنس والجن إلى هؤلاء الجاهلين أن من لم يحضر إلى قبر الولي الفلاني ويقدم له النذور، وينحر عند قبره الذبائح، أو لم يحضر احتفال مولده حلت عليه اللعنة في حياته وبعد موته، وغشيه السخط، وتتابعت عليه المصائب، ولحقه الأذى في دينه ودنياه.
ولا تكاد اللعنة ترفع عنه حتى يراجع نفسه، ويعود إلى قبر الولي خاضعًا متضرعًا ذليلًا يتفطّر فؤاده، وخائفًا راهبًا وراغبًا يرجف قلبه، مقرًّا بجرمه، تائبًا من ذنبه، عازمًا على أن لا يعود إلى سابق ضلاله، وعظيم جفائه. فما أقبح هذه المساواة، وأشنع هذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الضعيف.
ثالثًا: دلت القاعدة على أن الشرك تسوية بين الخالق والمخلوق،
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وهذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الحقير هي الظلام الأكبر، والضلال الأبعد، والظلم المبين، الذي استحق العبد بسببه العذاب المستديم، والخلود في الجحيم، لما اقترفه من القدح في عظمة الربوبية، والتنقيص من جلال الألوهية.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وهو أن الشرك لا يغفره الله تعالى؛ لِتَضمُّنِهِ القدح في رب العالمين، ووحدانيته، وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات، فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء، بل ليس له إلا العدم؛ عدم الوجود، وعدم الكمال، وعدم الغنى من جميع الوجوه" (^١).
رابعًا: أن التسوية بالألفاظ بين الله تعالى وبين خلقه توقع في ذرائع الشرك بالله تعالى وأسبابه، وهي دائرة بين أنواع الشرك الأكبر والأصغر بحسب اللفظ والقصد والنية؛ كقولك: ما شاء الله وشاء فلان، وهذا لله ولك.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٠٣).
[ ٢ / ٧٨٣ ]
المبحث الثالث
قاعدة الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
معنى الخوف وأنواعه:
الْخَوْفُ مشتق من الأصل اللغوي (خَوِفَ)، يقال: خافَ يَخافُ خَوْفًا، ومنه التخْوِيفُ والإِخافَةُ، وطَرِيقٌ مَخُوْفٌ: يَخافُه الناسُ، ومُخِيفٌ: اسمُ فَاعِل يُخِيْفُ الناسَ، وخائف: ذو خَوْفٍ. وَخَوَّفْتُه: جَعَلْت فيه الخَوْفَ، وصَيَّرْتَه بحالٍ يَخَافُه الناسُ. والخِيْفَةُ: الخَوْفُ، وجَمْعُه خِيفٌ. وأخافَ الثغْرُ فهو مُخِيْفٌ. وخاوَفَني فَخُفْتُه أخُوْفُه. و(أخاف) اللصوص الطريق فالطريق (مُخَاف) على مَفْعَل بضم الميم، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف فيقال: أخفته الأمر فخافه، وخوفته إياه فتخوفه (^١).
_________________
(١) انظر: تاج العروس (١١/ ٣٧٠)، والمحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٧٦)، وجمهرة =
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وأما معنى هذا الأصل فقد ذكر ابن فارس أنه أصل واحد يدل على الذعر والفزع، والخوف: ضد الأمن (^١).
أما معنى الخوف الشرعي فهو حالة نفسية ملازمة للنفس المؤمنة سببها أمران:
أحدهما: معرفة العبد وعلمه بوعد الله ووعيده، وجزائه وعقابه.
والثاني: ثمرة العلم بقدرة الله وعظمته، وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو، مشيئته نافذة، ولا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه وأمره (^٢).
وبذلك يظهر مدى ارتباط الخوف بالعلم والمعرفة القلبية، وكونهما أصلًا محركًا للخوف؛ فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف من الله وإن ضعف إيمانه، ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه، ثم إن كملت المعرفة في القلب أورثت جلال الخوف، وخضوع القلب ثم يفيض أثر ذلك من القلب على البدن، وعلى الجوارح، وعلى الصفات (^٣).
وهذه المعرفة تحجز العبد عن مقارفة المعاصي، وتدفعه إلى فعل الطاعات، وهذا العلم والمعرفة هو أصل الخوف القلبي؛ إذ عبادة الخوف موردها القلب، ثم يظهر بعد ذلك أثره على الجوارح.
_________________
(١) = اللغة (١/ ٦١٧)، والمعجم الوسيط (١/ ٣١٢)، والمصباح المنير (١/ ١٨٤)، والصحاح (٤/ ١٣٥٨)، ولسان العرب (٤/ ٢٤٨)، وأساس البلاغة (ص ١١٩)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (٩٣)، غراس الأساس (ص ١٣١).
(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٢٣٠)، وانظر: تفسير البحر المحيط (١/ ٣١٢)، والمراجع السابقة.
(٣) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٤٢٥).
(٤) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٦١)، و(٤/ ١٥٥ - ١٥٦).
[ ٢ / ٧٨٥ ]
ويقول الإمام ابن تيمية في معنى الخوف الشرعي: "حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه" (^١).
ويقول ابن القيم: "والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ﷿، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (^٢).
وفي هذا التعريف والذي قبله بيان لمعنى الخوف بحسب مستلزماته وآثاره ونتائجه، وليس بيانًا للحقيقة.
وعرَّفه الشيخ العثيمين بقوله: "الخوف من الله تعالى؛ وهو الحالة النفسية التي تجعل المؤمن يقدر ربه حق قدره، ويعرفه معرفة تحول بينه وبين ارتكاب المعاصي، أو التمادي في ارتكابها، وتحول بينه وبين التقصير في الطاعات، أو التمادي في التقصير فيها" (^٣).
هذا هو الخوف الشرعي خوف العبادة، ولزيادة التوضيح فقد قسَّم أهل العلم الخوف إلى أقسام باعتبارات عديدة، وفيما يلي تلخيص تلك الأقسام:
القسم الأول: الخوف الاعتقادي: وهو خوف التأله والتعبد والتعظيم، ويعرف عند أهل العلم بخوف السر، وهو اعتقاد قدرة في المخوف ومشيئة مستقلة يفعل بها ما يشاء، وهو من لوازم الألوهية، وينتج عن ذلك طاعة في الباطن، وخوف وخضوع سري يزجر صاحبه عن معصية من يخافه، ويجعله يلجأ إلى المخوف منه كما يلجأ إلى الله أو أشد. فمن خاف مخلوقًا أن يميته، أو يضره، أو يملك قطع رزقه، كان واقعًا في الخوف الشركي المخرج من الملة والعياذ بالله.
ويلحق بهذا الخوف الاعتقادي الشركي الخوف من غير الله المتعلق
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٤).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥١٤)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧١).
(٣) شرح ثلاثة الأصول، لابن عثيمين (ص ٥٢).
[ ٢ / ٧٨٦ ]
بالآخرة، كأن يخاف العبد من غيره سبحانه بأن لا ينفعه في الآخرة، فلأجل رغبته في نفعه له في الدار الآخرة، وأن يشفع له عند الله، وأن يقربه منه في دار الجزاء، وأن يبعد عنه عذاب جهنم خاف منه وصرف له هذه العبادة العظيمة (^١).
ولا شك أن هذا خوف إذا تعلق بالله تعالى فهو أصل من أصول الإيمان، ومن أعظم واجبات الدين. وأما إذا تعلق بغير الله تعالى كان من أصول الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه شرك في هذه العبادة التي هي من أعظم أعمال القلوب.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في هذا النوع من الخوف: "وهذا الخوف لا يكون العبد مسلمًا إلا بإخلاصه لله تعالى، وإفراده بذلك دون من سواه" (^٢).
ولا شك أن هذا النوع إذا تعلَّق بالله استلزم فعل الطاعات والأوامر، وترك المنكرات والنواهي، ونتج عنه قسم آخر للخوف وهو:
القسم الثاني: وهو خوف الوعيد الذي توعد الله به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، ونسبة الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان، وإنما يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله، والتمادي في فعل المنكرات، فإذا وجد هذا الخوف المحمود في النفس، سكن القلب، واطمأن، وغلب عليه الفرح بنعمة الله، والرجاء لثوابه (^٣).
_________________
(١) انظر: التمهيد بشرح كتاب التوحيد (ص ٣٦٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).
[ ٢ / ٧٨٧ ]
القسم الثالث: الخوف العملي: وهو الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الواجب، أو فعل المحرم بدافع الهوى والشهوة، وبدون عذر شرعي، فهذا النوع من الخوف ينافي كمال التوحيد الواجب، وهو في حكم الشرك الأصغر؛ وذلك لأن ترك الواجب وفعل المحرم خوفًا من ذم الناس، ومن ترك مدحهم له فيه تعظيم وتقديم لخوف الناس على خوف الله تعالى، ومن آثر خوف الناس على خوف الله فقد دخل بابًا من الشرك (^١).
وذلك كمن يترك ما يجب عليه من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير عذر إلَّا لخوف من الناس، فهذا محرم، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وهو الذي جاء فيه حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ -ﷺ-: "لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكم نَفْسَهُ إِذَا رَأَى أَمْرًا للهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالًا فَلَا يَقُولُ بِهِ فَيَلْقَى اللهَ وَقَدْ أَضَاعَ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَا مَنَعَكَ فَيَقُولُ خَشِيتُ النَّاسَ. فَيَقُولُ أَنَا كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى" (^٢).
ويدخل في هذا النوع المحرم الخوف مما لم تجر العادة بكونه سببًا للخوف، فهذا نوع من الشرك الأصغر أيضًا؛ كمن يتطير ويتشاءم برؤية
_________________
(١) انظر: فتح الحميد في شرح كتاب التوحيد، لعثمان بن منصور (٣/ ١٤٠٢)، والتمهيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (ص ٣٦٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٩١)، برقم (١١٨٨٦)، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢/ ١٣٢٨)، برقم (٤٠٠٨)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٦٠) عقب ذكره الحديث: "ورواته ثقات"، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (٤/ ١٨٢): "هذا إسناد صحيح"؛ ومعناه كما قال الإمام أحمد بن حنبل: "وهذا فيمن يتركه خشية ملامة الناس وهو قادر على القيام به"، وقال الإمام ابن رجب بأنه محمول: "على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار". [شعب الإيمان للبيهقي (٦/ ٩٠)، وجامع العلوم والحكم (ص ٣٢٢)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧)].
[ ٢ / ٧٨٨ ]
طير أو حيوان، فيبني على هذه الرؤية فعلًا أو تركًا، ولا شك في حرمة هذا النوع من الخوف.
القسم الرابع: خوف طبيعي مشترك وجوده بين كل البشر، بل يوجد في غير البشر من سائر الحيوان، فطر الله عليه النفس الحية، وهو خوف من الأسباب العادية التي جعل الله فيها ما يخاف ابن آدم منه، كأنه يخاف من النار أن تحرقه، أو يخاف من السبع أن يعدو عليه، أو من العقرب أن تلدغه، أو أن يخاف من ذي سلطان وغلبة وقهر أن يعتدي عليه ونحو ذلك مما يخاف منه عادة، فهذا النوع من الخوف الطبيعي لا يُنقص الإيمان؛ لأنه مما جبل الله جل وعلا الخلق عليه. وهو خوف ليس معه تأله للمخوف ولا تعظيم له، ولا صرف لصفتي القدرة والمشيئة لغيره سبحانه، وليس فيه تفريطًا في واجب، أو فعلًا لمحرم، وإنما هو خوف بدافع الجبلة عند شعورها بقدوم شر وأذى، أو بفقد خير ونعمة، وحكمه الجواز.
القسم الخامس: خوف وهمي خيالي لا حقيقة له، ولا أساس له في الواقع، وإنما هو مجرد وساوس وخيالات وحديث نفس، فهذا مما لا ينبغي التمادي والاسترسال معه، ويجب قطعه والتعوذ بالله منه؛ فإنه من صفات الأنفس الضعيفة، التي اتصفت بالجبن والخور، وليس من صفات أهل الإيمان والتوحيد والاعتصام بالله تعالى؛ فإن من خاف الله حق الخوف لم يخف بعده أحدًا، ومن لم يخفه أخافه من كل شيء، وما خاف أحدٌ غير الله إلا لنقص خوفه من الله (^١).
يقول الإمام القرافي: مبينًا حالات الخوف من حيث الجواز والمنع: "الفرق الخامس والستون والمائتان: بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم: ورد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٦٣)، ومجموع الفتاوى (١/ ٩٤).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونحو ذلك من النصوص المانعة من خوف غير الله تعالى، وهو المستفيض على ألسنة الجمهور، وهذه النصوص محمولة على خوف غير الله تعالى المانع من فعل واجب أو ترك محرم، أو خوف مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف؛ كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة، كالعبور بين الغنم يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته بهذا السبب، فهذا كله خوف حرام.
ومما ورد في هذا الباب وقلَّ أن يتفطن له قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فمعنى هذا التشبيه في هذه الكاف قَلَّ مَنْ يُحَقِّقَهُ وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار، مع أن فتنة الناس مؤلمة وعذاب الله مؤلم، ومن شبه مؤلمًا بمؤلم كيف ينكر عليه هذا التشبيه، وَمَدْرَكُ الإنكار بَيِّن وهو أن الله تعالى وضع عذابه حاثًّا على طاعته، وزاجرًا عن معصيته، فمن جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى، وزاجرة له عن طاعة الله تعالى فقد سوَّى بي عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر، وشبه الفتنة بعذاب الله تعالى من هذا الوجه، والتشبيه من هذا الوجه حرام قطعًا، مُوْجِب للتحريم، واستحقاق الذم الشرعي، فأنكر على فاعله ذلك، وهو من باب خوف غير الله المحرم، وهو سر التشبيه ها هنا، وقد يكون الخوف من غير الله تعالى ليس محرمًا؛ كالخوف من الأسد، والحيات، والعقارب، والظلمة.
وقد يجب الخوف من غير الله تعالى كما أُمِرْنَا بالفرار من أرض الوباء، والخوف منها على أجسامنا من الأمراض والأسقام، وفي الحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (^١). فصون النفس،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب: الجذام (٥/ ٢١٥٨)، برقم (٥٣٨٠)، ولفظه: =
[ ٢ / ٧٩٠ ]
والأجسام، والمنافع، والأعضاء، والأموال، والإعراض عن الأسباب المفسدة واجب، وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يَحْرُم من الخوف من غير الله تعالى، وما لا يحرم، وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة، وحيث لا تكون فاعلم ذلك" (^١).
وعليه فالخوف يختلف بحسب نوعه؛ فمنه ما هو عبادة، ومنه ما هو عادة، وقد فصل الشيخ السعدي هذه الأحوال بقوله: "اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة، وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته؛ فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد، وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنة، وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه، كان تعلقه بالله من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه من الله.
وأيضًا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًّا في الخشية، كمن جعل لله ندًّا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروهًا، أو يغضب عليه فيسلبه نعمة أو نحو ذلك، مما هو واقع من عباد القبور.
وإن كان الخوف طبيعيًا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين ولا ينافي الإيمان.
وهذا إذا كان خوفًا محققًا قد انعقدت أسبابه فليس بمذموم، وإن كان هذا خوفًا وهميًا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب
_________________
(١) = (وفِرَّ مِنَ المَجْذُوم كَما تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ) من حديث أبي هريرة، وأخرجه بنفس اللفظ: الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٣)، برقم (٩٧٢٠)، والبيهقي في السُّنن (٧/ ١٣٥)، برقم (١٣٥٥٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٤٢)، برقم (٢٤٥٤٣)، وتهذيب الآثار للطبري (٣/ ١٧)، بكر قم (٣٨).
(٢) الفروق (٤/ ٤٠٠ - ٤٠٢).
[ ٢ / ٧٩١ ]
ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ -ﷺ- من الجبن (^١)، فهو من الأخلاق الرذيلة" (^٢).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز مقسمًا الخوف إلى ثلاثة أقسام:
"القسم الأول: شرك أكبر.
والثاني: معصية وليس بشرك.
والثالث: جائز، بل مشروع للأخذ بالأسباب التي شرعها الله.
فالقسم الأول: أن تخاف الأصنام، أو أصحاب القبور، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الجن، أو غيرهم من الغائبين أن يفعلوا بك ما يضرك؛ لاعتقاد أنهم يستطيعون ذلك بغير أسباب حسية، بل بقدرتهم الخاصة، فهذا هو الشرك الأكبر.
الثاني: أن تخاف من الأعداء أو بعض الأقارب أو غيرهم أن يفعلوا ما يستطيعون من الضرر بك، وهم أحياء قادرون فيحملك ذلك على فعل بعض المعاصي، أو ترك بعض الواجبات من أجل ذلك.
أما القسم الثالث: فهو يتعلق بالخوف الطبيعي لوجود أسبابه، كخوف الإنسان من اللصوص فيغلق بابه ويحفظ متاعه، ومن السباع والحيات والعقارب فيأخذ حذره منه بالأسباب الشرعية المباحة، وخوف الجوع فيأكل، وخوف الظمأ فيشرب، وأشباه ذلك" (^٣).
وهذا الخوف الطبيعي لا يعد منقصة، ولا يذم صاحبه -على
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب: الاستعاذة من الجبن والكسل، (٥/ ٢٣٤٢)، برقم (٦٠٠٨)، عن أنس -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْهَمِّ والحَزَنِ والعَجْزِ والكَسَلِ والجُبْنِ والبُخْلِ وضَلَعِ الدَّيْن وغَلَبَة الرِّجال".
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١١٧ - ١١٨).
(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة ابن باز (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
التفصيل السابق- إذ هو مما فطر عليه البشر، بل قد وقع من أفضل الخلق من أنبياء الله ورسله، بل الخوف من الأعداء سُنّة الله في أنبيائه وأوليائه، مع معرفتهم لعظمته وملكه وجبروته، وثقتهم الكاملة بعزته ونصرته (^١).
وقال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]: فيه أن ذلك الخوف والترقب لا يُذّمّ" (^٢).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
لا يخفى أن الخوف الذي هو عبادة لله تعالى من أفضل مقامات الدين وأَجَلِّهَا؛ فلذا يجب إخلاصه لله تعالى، وقد ذكره الله تعالى في كتابه عن سادات المقربين من الملائكة والأولياء والصالحين، قال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ [المؤمنون: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وأمر بإخلاصه له فقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] (^٣).
ومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة الجليلة فإن من المقرر عند أهل العلم أن الخوف ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل؛ ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ٢٠٢).
(٢) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٢٨٧).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
ولا هم يحزنون، والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات؛ ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوف (^١).
وهذه القاعدة بمثابة الضابط والحدّ للخوف الشركي؛ إذ فيها بيان حقيقة خوف العبادة، وكيف يفرَّق بينه وبين أنواع الخوف الأخرى، والحاصل أن الخوف إذا تلبَّس بامور معينة كان خوفًا شركيًا، ومن تلك الأمور ما يلي:
أن يقترن به اعتقاد استقلال المشيئة عند المخوف بحيث يفعل الشيء بمشيئته المستقلة عن مشيئة الله ﵎، فالخائف يعتقد أن المَخُوفَ باستطاعته أذيته وإلحاق الضرر به متى ما شاء ذلك، ولا يثنيه عن ذلك أحد، ولذا ينزجر الخائف ويبتعد عن مساخط المخوف، ويجتهد في مراضيه.
أو أن يعتقد الخائف أن للمخوف قدرةً غيبيةً تمكنه من فعل ما يشاء، من نفع هذا، أو الإضرار بذاك، بدون أمور ظاهرة وحسية، بل هي قدرة سرية فوق طاقة البشر وعاداتهم المعروفة.
وسواء ادُّعِيَ أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأنَّه من لوازم الإلهية وخصائص الربوبية، وبهذا يكون الخائف قد وقع في شرك الربوبية الشرك المخرج من ملة الإسلام (^٢).
فهذا هو الخوف الاعتقادي الشركي، أو خوف السر، وهذا النوع من الشرك محله القلب، ولذا سمي اعتقاديًا، وهو شرك أكبر؛ لأن النفع والضر إنما يكون بمشيئته وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٥١٤).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).
(٣) انظر: قرة عيون الموحدين، للشيخ عبد الرحمن بن حسن (ص ١٦٧).
[ ٢ / ٧٩٤ ]
ويدخل في ذلك الخوف من الأصنام، والأوثان، والجن، والشياطين، والسحرة، والمشعوذين، والكهنة، والعرافين، والمنجمين، والاعتقاد بقدرتهم ومشيئتهم في جلب المصالح ودفع المضار.
ثم يلزم من هذا الاعتقاد أن تقترن بالخائف أمور هي من أعظم أحوال العبادات القلبية؛ من الرجاء، والمحبة، والتعظيم، والمهابة، والخضوع، والذل، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك. وبهذه الأحوال القلبية من الخائف يكون قد جمع بين شرك الربوبية وشرك الإلهية؛ فإن مما لا يخفى أن الشرك في الإلهية هو نتاج وثمرة الإشراك أو التقصير في حق الربوبية، وإلا فإن من وحَّد الله في الربوبية التوحيد الكامل لا يتصور، بل ولا يقع منه الإشراك في الإلهية (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لقد اعتمد أهل العلم في تقرير معنى هذه القاعدة على أدلة عديدة، أذكر فيما يأتي بعضًا منها، فمن ذلك:
أولًا: ما تواترت به النصوص الشرعية مما حكاه الرب ﵎ من تخويف المشركين لأنبيائه ورسله وأتباعهم بمعبوداتهم من الأصنام والأوثان، وهذا يدل على أن هذا الخوف الشركي كان مستقرًا في نفوسهم، وقد أشربته قلوبهم، وهو إيصال هذه الأصنام للأذى بتمام قدرتها على ذلك، واستقلال مشيئتها، ومن أجل هذا الخوف كفرهم الله تعالى، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ
_________________
(١) انظر: قاعدة: أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة (ص ٤١٧) لا ينفك أحدها عن الآخر (ص ٣٨٢).
[ ٢ / ٧٩٥ ]
دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦].
فقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الكفار عبدة الأوثان يخوفون النبي -ﷺ-، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلًا منهم وضلالًا، ويقولون له: إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان يخوفون الرسل بالأوثان (^١)، ويزعمون أنها ستضرهم، وتصل إليهم بالسوء، ومعلوم أن الأنبياء ﵈ لا يخافون غير الله، ولا سيما الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع (^٢).
يقول الشيخ الشنقيطي: "وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله يخوفون الرسل بالأوثان، ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء، ومعلوم أن أنبياء الله -عليهم صلوات الله وسلامه- لا يخافون غير الله، ولا سيما الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع" (^٣).
٢ - وقال تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇ لما خوَّفوه بها: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١].
والمعنى؛ أي: لا يقع بي مخوف من جهة آلهتكم أبدًا إلا أن يشاء ربي شيئًا، فينفذ ما شاءه، وما شاءه هو منه سبحانه وليس من معبوداتكم الباطلة التي لا تملك شيئًا (^٤).
فبين لهم ﵇ أن ما يصيبه من المكروه والأذى فليس ذلك من قبل
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٨١٠).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٥)، وأضواء البيان (٦/ ٣٦٤).
(٣) أضواء البيان (٦/ ٣٦٤).
(٤) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ٧٧)، وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله، وهي أقل شأنًا وأحقر منزلة من ذلك؛ فإنها ليست مما يرجى ويخاف، بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء، الذي بيده الضر والنفع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (^١).
يقول الإمام الشوكاني في قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: "قال هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه، وتصيبه بمكروه؛ أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: إلا وقت مشيئة ربي بأن يلحقني شيئًا من الضرر بذنب عملته، فالأمر إليه، وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع، ثم قال لهم مكملًا للحجة عليهيم، دافعًا لما خوفوه به: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: كيف أخاف ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار النافع، الخالق الرازق" (^٢).
وذلك لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والعطاء والمنع، بقدرته ومشيئته، وهذا هو الخوف الذي وقع فيه أهل الشرك مع معبوداتهم (^٣).
٣ - وقوله تعالى عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [هود: ٥٤].
يقول الإمام ابن تيمية: "وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٨٧)، والبداية والنهاية (١/ ١٤٣)، وإيثار الحق على الخلق، لابن الوزير (ص ٦٢ - ٦٣).
(٢) انظر: فتح القدير (٢/ ١٣٤).
(٣) انظر: التفسير الكبير (١٣/ ٤٨).
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها أوثانًا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، فإنهم كانوا يرجونها، ويخافونها، ويظنون أنها تنفع وتضر؛ ولهذا قالوا لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فقال هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] " (^١).
فظهر مما سبق من أدلة: حقيقة الخوف الذي أشرك به المشركون، وخوفوا به أنبياء الله ورسله، وهو الخوف الغيبي من الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها ويعتقدون فيها القدرة التامة، والمشيئة النافذة.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله" (^٢).
ثانيًا: النصوص الدالة على أن الخوف عبادة خاصة بالله تعالى، ولا يجوز صرفه لغيره ﷾، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد الذي في قلبه يكون خوفه من ربه ﵎، وإذا انعدم الخوف بالكلية من القلب، تبعه الإيمان فلا يكون في القلب إيمان، فهما متلازمان، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
نهى الله تعالى في هذه الآية عن خوف غيره، وأمر بالخوف منه وحده، وهذا الأمر بالخوف منه وحده يدل على أن الخوف عبادة لله تعالى، ويجب أن لا يصرف إلا إليه سبحانه، بل جعله سبحانه من لوازم الإيمان ومقتضياته، وأما الخوف المحرم الممنوع فهو كما سبق على ضربين؛ أقله ما صرفك عن الطاعة وحملك على المعصية، وأكبره
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ٥٦).
(٢) أضواء البيان (٦/ ٣٦٤).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وأعظمه يخرج من الدين بالكلية، ولا يبقى معه إيمان في القلب، وهو الذي يتضمن اعتقاد الخائف في المخوف بأن له القدرة التامة، والمشيئة النافذة؛ سواء عن طريق الاستقلال، أو عن طريق الكرامة لهم من الله لمكانتهم وقربهم منه سبحانه، والآية الكريمة نصت على أن هذا الخوف من لوازم الإيمان ومقتضياته.
قال البيضاوي: "فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف الناس" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾، فجعل الخوف منه شرطًا في تحقيق الإيمان، وإن كان الشرط داخلًا في الصيغة على الإيمان فهو المشروط في المعنى، والخوف شرط في حصوله وتحققه؛ وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه، وحصول المُسَبَّب شرط في تحقيق السبب، كما أن حصول السبب مُوْجِب لحصول مُسَبَّبِهِ، فانتفاء الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمَشْرُوط عند انتفاء شرطه، وانتفاء الخوف عن انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء عِلَّتِهِ فتدبره، والمعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضي للخوف وهو الإيمان، وكل منهما مستلزم للآخر، لكن الاستلزام مختلف، وكل منهم منتف عند انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاء مختلفة كما تقدم، والمقصود أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه" (^٢).
وقال أيضًا: "فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم" (^٣).
_________________
(١) تفسير البيضاوي (٢/ ١١٨).
(٢) طريق الهجرتين (ص ٤٢٢ - ٤٢٣).
(٣) إغاثة اللهفان (١/ ١١٠).
[ ٢ / ٧٩٩ ]
وقال العيني: "والخوف من لوازم الإيمان" (^١).
ويقول الشيخ السعدي: "وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله والخوف المحمود ما حجز العبد عن محارم الله" (^٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في معنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾: "جعله شرطًا في صحة الإيمان، فكما أنه إذا دعا غير الله انتفى عنه الإيمان، فكذلك إذا خاف غير الله خوف السر، مثل أن يخاف أن يفعل شيئًا بسره، فإن الخوف أنواع منها: خوف السر، فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر" (^٣).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد عظم اهتمام العلماء بدراسة ضوابط العبادات الشرعية، وكيفية خروج هذه العبادات عن حدود الشرعية، فتكون معصية، أو شركًا أصغر أو أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام، ومن تلك العبادات التي ضبطها العلماء عبادة الخوف من الله تعالى، ومتى تكون توحيدًا وإيمانًا وطاعة، ومتى تكون معصية أو شركًا بالله العظيم. ولذا تضافرت أقوالهم في ضبط هذا الباب، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من ذلك:
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى الخوف الشركي وهو خوف العبادة: " خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء؛ من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن
_________________
(١) عمدة القاري (٢٣/ ٧٣)، وانظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٠٠).
(٢) تفسير السعدي (ص ١٥٧).
(٣) حاشية الأصول الثلاثة لعبد الرحمن بن قاسم (ص ٥٩).
[ ٢ / ٨٠٠ ]
ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًّا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن" (^١).
ويقول أيضًا: "ومعنى خوف السر: هو أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله" (^٢).
ويقرر هذا المعنى الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بقوله: "فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر" (^٣).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "وإنما الخوف الذي نهى الله عنه هو الخوف من المخلوق على وجه يحمل صاحبه على ترك الواجب، أو فعل المعصية، وفي ذلك نزل قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ وهكذا الخوف من غير الله على وجه العبادة لغيره، واعتقاد أنه يعلم الغيب، أو يتصرف في الكون، أو يضر وينفع بغير مشيئة الله كما يفعل المشركون مع آلهتهم" (^٤).
ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "الخوف الشركي: وهو خوف السر؛ يعني: أن يخاف في داخله من هذا المخوف منه، وخوفه لأجل ما عند هذا المخوف منه مما يرجوه، أو يخافه من أن يمسه سرًا بشيء، أو أنه يملك له في آخرته ضرًا أو نفعًا، فالخوف الشركي متعلق في الدنيا بخوف السر، بأن يخاف أن يصيبه ذلك الإله بشر وذلك شرك.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣١).
(٣) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم (ص ٥٩).
(٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٦/ ٤٠٠).
[ ٢ / ٨٠١ ]
والخوف المتعلق بالآخرة، معناه أن يخاف العبد غير الله ويتعلق خوفه بغير الله من أن لا ينفعه ذلك الإله في الآخرة، فلأجل رغبه في أن ينفعه ذلك الإله في الآخرة وأن يشفع له، وأن يقربه منه في الآخرة، وأن يبعد عنه العذاب في الآخرة، خاف منه فأنزل خوفه به" (^١).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض الفوائد والتطبيقات للقاعدة:
أولًا: أن هذا الخوف الشركي الذي بيَّنت القاعدة حقيقته يقابله خوف العبادة، وهو الخوف الذي لا يصح الإيمان إلا بإخلاصه لله تعالى دون ما سواه، ويتضمن اعتقاد الخائف اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة لكل ما في الكون، والمشيئة الشاملة المستقلة التي لا يغلبها ولا تتقدمها مشيئة أحد من الخلق، بل مشيئة جميع الخلق تابعة لمشيئته ﷾.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وهذا الخوف -يعني: خوف العبادة- لا يكون العبد مسلمًا إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه" (^٢).
ثانيًا: القاعدة بيَّنت الضابط لما يكون شركًا حال الخوف من غيره ﷾، وهو اعتقاد القدرة التامة الغيبية، والمشيئة النافذة المستقلة في المخوف منه، بحيث يتصرف في الكون إما استقلالًا أو مع الله تعالى، فاجتمع هنا شركان؛ شرك في الربوبية باعتقاد القدرة في غيره سبحانه، وشرك في الإلهية بصرف عبادة الخوف القلبي لغيره ﷿.
وهذا الضابط ينسحب على كثير من العبادات كالرجاء والمحبة
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٦٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
والتوكل وغيرها من أنواع العبادة (^١)؛ فمن رجا مخلوقًا أو توكل عليه معتقدًا فيه القدرة على جلب النفع وتحقيق المرجو بقدرته ومشيئته كان واقعًا في الشركين معًا.
يقول الإمام ابن القيم: "فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله؛ كالذل، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والرجاء، وغيرها من عبودية القلب" (^٢).
وكمن دعا ميتًا في قبره لتحقيق رغبته معتقدًا قدرته على تحقيق ما يطلبه بمشيئته الخاصة كان واقعًا في شرك الربوبية وشرك الإلهية.
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "فالواجب خشية الله وخوفه؛ لأنه مصرف القلوب ومقلبها، والقادر على كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، فالواجب تخصيصه بالخوف، وألا يخاف إلا الله في كل الأمور (^٣).
ولكن خوف السر يختص به سبحانه؛ وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصة سرية ليست حسب الحس، ولذلك يعتقد عباد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرف في الكون مع الله جل وعلا، ويعتقدون ذلك أيضًا في الأصنام والجن وغيرها، وهذا هو الشرك الأكبر، ويعتقد فيهم أيضًا أن لهم القدرة على العطاء والمنع، وزيغ القلوب، وموت النفوس دون أسباب حسية" (^٤).
ثالثًا: ومما يدخل في حكم القاعدة الخوف من الجن أن يصيبوا الإنس بشيء من الأذى المحسوس المشاهد مع اعتقاد قدرتهم ومشيئتهم
_________________
(١) انظر: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) طريق الهجرتين (ص ٤٣٧).
(٣) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٢٧).
(٤) شرح الأصول الثلاثة للعلامة ابن باز، شريط كاسيت.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
المستقلة، فإنه من الشرك الأكبر الذي يكفر به صاحبه؛ فإن الله تعالى جعل للجن إذنًا كونيًا عامًا في الوسوسة القلبية لبني آدم فحسب، ولم يأذن لهم كونًا في إيصال الأذى إلى بني الإنسان، فذلك فوق قدرتهم، والله تعالى لم يمكنهم من ذلك، ولو مكنهم وأذن لهم كونًا في أذية بني آدم بما يريدون لما سلم منهم حتى الأنبياء والرسل، ولقتلوهم عن بكرة أبيهم، وخربوا ديارهم وأفسدوا أموالهم.
لكن قد يأذن الله لبعض الجن إذنًا كونيًا خاصًا في أذية بعض بني آدم عقوبة منه، أو ابتلاء، أو غير ذلك لحكمة يعلمها ﷾ (^١).
يقول ابن حزم: "فصح أن الشيطان يمس الإنسان الذي يسلطه الله عليه" (^٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحدًا؛ فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف؛ فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك فإنه قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ١٣]، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله، وتبت من ذنوبك، واستغفرته لم يسلط عليك" (^٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير للرازي (١/ ٧٥)، و(٧/ ٧٨).
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ١٠).
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٥٨).
[ ٢ / ٨٠٤ ]
أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا، ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها، ولا مخالفتها" (^١).
ويقول الشيخ الشنقيطي نقلًا عن ابن القيم في شأن الشيطان: "الله لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلَّطوه على أنفسهم بطاعاته، ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦] " (^٢).
فالخوف من الجنّ إذا كان خوف سر، وهذا هو غالب الخوف من الجن، فإنه يدخل في خوف العبادة؛ لأن الخائف يعتقد فيهم النفع والضر، والحق أنها لا تملك لأحد نفعًا ولا ضرًا إلا أن يشاء الله، بل لو اجتمع الإنس والجن ما نفعوا أحدًا، وما ضروه بشيء لم يكتبه الله عليه، ولذا جاء في الحديث المشهور عن ابن عباس -﵄-: (قال كنت خلف رسول الله -ﷺ- يَوْمًا فقال: يَا غلام إنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ: احْفَظ الله يَحْفَظْكَ، احفَظ الله تجدْهُ تُجاهَكَ، إِذا سألتَ فَاسألِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعلمْ أَنَّ الأمَّةَ لو اجتمَعَتْ على أَنْ يَنْفعوكَ بشيءٍ لم يَنْفَعُوكَ إِلَّا بشيء قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، ولو اجتَمعُوا على أَنْ يَضرُّوكَ بشيء، لم يَضُرُّوكَ إِلَّا بشيءٍ قَدْ كَتبهُ الله عَليكَ، رُفِعَت الأَقلامُ، وَجَفّتِ الصُحف" (^٣).
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/ ٦٩).
(٢) أضواء البيان (٢/ ٤٤٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٩٣)، برقم (٢٦٦٩)، والترمذي في جامعه (٤/ ٦٦٧)، برقم (٢٥١٦)، وقال عقبه: "حديث حسن صحيح"، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٤٣٠)، برقم (٢٥٥٦)، وحسَّن الإمام الصنعاني إسناد الإمام أحمد، والحديث صححه الشيخ الألباني. [انظر: سبل السلام (٤/ ١٧٥)، ومشكاة المصابيح حديث رقم (٥٣٠٢)].
[ ٢ / ٨٠٥ ]
المبحث الرابع
قاعدة السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
بيان معنى السؤال والطلب:
أما السؤال فهو من الأصل اللغوي الثلاثي (سأل)، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة، وجمعها مسائل، ورجل سؤلة: كثير السؤال، وسألت الله العافية: طلبتها وتساءل القوم: سأل بعضهم بعضًا، والسؤل: ما يسأل، والمسؤول: المطلوب (^١).
واصطلاحًا: طلب الأدنى من الأعلى (^٢).
وقال الراغب: "السؤال استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة،
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ١٢٤)، والمصباح المنير (١/ ٢٩٧)، ومختار الصحاح (ص ١١٩).
(٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي (ص ٤١٧).
[ ٢ / ٨٠٦ ]
واستدعاء مال، أو ما يؤدي إلى المال" (^١).
وقال أيضًا في أنواع السؤال: "والسؤال على ضربين: طلب المقال وجوابه المقال، وطلب النوال وجوابه النوال، فعلى الأول: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، وعلى الثاني قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩]؛ أي: أعطيتما ما سألتما، والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له" (^٢) ..
أما الطلب فهو من الأصل الثلاثي (طلب)، يقال: طلبت الشيء أطلبه طلبًا، وهذا مطلبي، وهذه طلبتي، وهو أصل واحد يدل على ابتغاء الشيء، وطلبه طلبًا إذا هم بتحصيله، أو التمسه وأراده ورغب فيه، والطَّلَبُ مُحَاوَلَة وِجْدَانِ الشَّيءِ وأَخْذِه (^٣).
قال الراغب: "الطلب الفحص عن وجود الشئ عينًا كان أو معنى، قال: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ [الكهف: ٤١]، وقال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]، وأطلبت فلانًا إذا أسعفته لما طلب وأحوجته إلى الطلب" (^٤).
وبذلك يظهر التقارب الشديد بين السؤال والطلب؛ ولذا كان استعمال أهل العلم لكلا اللفظين من باب استعمال الكلمات المترادفة في المعنى (^٥)، مع وجود الفرق بينهما عند التدقيق.
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٥٠).
(٢) المصدر نفسه (ص ١٠٢).
(٣) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٤١٧)، وتهذيب اللغة (٣/ ٢٣٧)، وتاج العروس (٣/ ٢٧٤)، والعين (٧/ ٤٣٠)، ومختار الصحاح (ص ١٦٦)، والمعجم الوسيط (٢/ ٥٦١)، والقاموس المحيط (ص ١٤٠).
(٤) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٠٥ - ٣٠٦).
(٥) انظر: الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص ٤٥٢).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
جاء "في معجم الفروق اللغوية": "الفرق بين السؤال والطلب: أن السؤال لا يكون إلا كلامًا، ويكون الطلب السعي وغيره، وفي مَثَلٍ: عليك الهرب وعلى الطلب" (^١).
وذكر أبو البقاء الكفوي فرقًا آخر فقال: "والطلب عام، حيث يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه من نفسك، والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك" (^٢).
وقد جاء التعبير كثيرًا في النصوص الشرعية عن السؤال والطلب -الذي هو عبادة لله تعالى- بالدعاء، والدعاء كما سيأتي على قسمين في الشرع:
دعاء عبادة، ودعاء مسألة (^٣).
والسؤال والطلب في القاعدة متعلقان بدعاء المسألة، متضمنان لدعاء العبادة للتلازم وعدم الانفكاك بين النوعين، ومن أمثلة ذلك في النصوص الشرعية قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، فالدعاء في هذه الآيات المقصود به دعاء المسألة، فهو ظاهر فيه، بدليل أنهم في حال شدة وكربة وطلبوا كشفها عنهم، ودعاء العبادة يدخل فيه من باب اللزوم، إذ لا ينفك دعاء العبادة عن دعاء المسألة كما سيأتي تقريره.
يقول الشيخ الدهلوي في آية الأنعام: "وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين، بل هو الاستعانة" (^٤).
_________________
(١) معجم الفروق اللغوية، للعسكري (ص ٢٨٩).
(٢) كتاب الكليات، لأبي البقاء الكفوي (ص ٩١٧).
(٣) انظر: القاعدة التالية المتعلقة بدعاء العبادة ودعاء المسألة (ص ٨٧٩).
(٤) حجة الله البالغة (ص ١٢٩).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الآية: "وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة" (^١).
بل هذا هو الكثير والغالب في الاستعمال؛ إذا أطلق لفظ الدعاء في النصوص الشرعية فالمقصود به دعاء المسألة المتضمن لدعاء العبادة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسُّنَّة واللغة ولسان الصحابة ومَن بعدهم من العلماء: في السؤال والطلب، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: الصلاة لغة الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، في الآيتين، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣]، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فُصِّلَت: ٥١]، وَقَالَ: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فُصِّلَت: ٤٩] " (^٢).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
القاعدة نصت على ضابط لمسألة الطلب والدعاء والسؤال، وأنه يعتبر شركًا أكبر، مخرجًا من ملة الإسلام إذا توجه به العبد لغير الله ﷾؛ سواء لنبي، أو صالح، أو ملك، أو جني، أو غير ذلك في الأمور التي لا تكون في مقدور ذلك الغير بحسب طبيعته وفطرته التي فطر عليها، ولا يستطيعها إلا الرب ﷾.
يقول الإمام ابن تيمية: "وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٥).
(٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٣٦).
[ ٢ / ٨٠٩ ]
من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويُحَسِّن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلَّا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ؛ سواء كان حيًّا أو ميتًا اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي" (^١).
وقال في موضع آخر بعد ذكره لهذه الأمور: "فمن سأل مخلوقًا شيئًا من ذلك فهو مشرك، به قد اتخذ لله ندًّا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا مثل دين النصارى" (^٢).
وحتى يتضح معنى القاعدة بجلاء، ويمكن التفريق بين ما هو جائز وما هو محرم أو شرك من أنواع السؤال، ومعرفة الضابط للسؤال الذي إذا وقع لغير الله تعالى كان دعاء وعبادة للمسؤول، وصار شركًا بالله العظيم؛ فمن أجل كل ذلك فإنه لا بد من معرفة أصل مسألة السؤال، وما ذكره أهل العلم من تقسيمات لحالات السؤال، فأقول مستعينًا بالله تعالى.
لقد ورد في بعض النصوص الشرعية الأمر بسؤال الله تعالى وحده، كما في حديث ابن عباس -﵄-: (إذا سألت فاسأل الله) (^٣)، وصح عنه -ﷺ-
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧).
(٢) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٩٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣) برقم (٢٦٦٩)، والترمذي في سننه (٤/ ٦٦٧)، برقم (٢٥١٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحح الشيخ الألباني، [انظر: مشكاة المصابيح (٣/ ١٤٥٩)، برقم (٥٣٠٢)، وذكر الإمام ابن رجب روايات الحديث، ثم حكم على رواية الترمذي بأنها: حسنة جيدة (ص ١٨٤ - ١٨٥)].
[ ٢ / ٨١٠ ]
أنه بايع جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه (^١).
قال النووي في معنى الحديث: "فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإن كان حقيرًا والله أعلم" (^٢).
وجاءت أحاديث كثيرة في تحريم سؤال الناس (^٣) شيئًا من أموالهم في غير ما ضرورة، فقط من باب التكثير بالمال، أو استشراف النفس له.
يقول ابن تيمية: "فقد جاء بضعة عشر حديثًا في النهي عن المسألة" (^٤).
وجاء في حديثٍ النهيُ عن الاسترقاء في شأن الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب: (قال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) (^٥)، فمدحهم ﵇ من أجل اتصافهم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: كراهية المسألة للناس (٢/ ٧٢١)، برقم (١٠٤٣)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٣٢).
(٣) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: من تحل له المسألة (٢/ ٧٢٢)، برقم (١٠٤٤)، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، وفيه: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا).
(٤) مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٧٥).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره (٥/ ٢١٥٧)، برقم (٥٣٧٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب (١/ ١٩٩)، برقم (٢٢٠)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٢ / ٨١١ ]
بعدة صفات ومنها: عدم استرقائهم، والاسترقاء: طلب الرقية من الغير، وهي من جنس الدعاء والسؤال.
فالله تعالى لم يأمر بسؤال الخلق قط؛ لا أحياء ولا أمواتًا، ومن زعم أن سؤال المخلوق حيًّا أو ميتًا قد أمر الله به، أو هو واجب، أو مستحب فهو غالط (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما نفس سؤال الناس فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنما يباح عند الضرورة" (^٢).
ولا شك أن ترك سؤال المخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل مطلقًا (^٣).
ويزيد الإمام ابن تيمية الأمر إيضاحًا بقوله: "وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل، ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى، والرغبة إليه، والتوكل عليه، وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا على الله أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨]؛ أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون؛ فالرغبة إلى الله وحده" (^٤).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو إليه حاجة ولا
_________________
(١) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري (١/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٤٠١).
(٣) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٢١٥).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٨١).
[ ٢ / ٨١٢ ]
ضرورة من جنس المسألة" (^١).
وقد لخص العلامة المعلمي حالات السؤال وأحكامه بعد أن ذكر جملة من الأدلة المتعلقة بالسؤال فقال ﵀: "وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام:
القسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول؛ كأن يكون لك دَيْن عند إنسان فتطلبه منه.
الثاني: ما جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة؛ كقول التلميذ لزميله: ناولني الكتاب.
الثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارًا مثلًا، ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى؛ لأنه لا حق له على ربه تعالى.
فأما الأول: فلا يسمى استعانة ولا يلزمه التذلل والخضوع، وأما الثاني: فإنه وإن سمي استعانة لكنه لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أن فيه رائحة ما من ذلك. وأما الثالث: فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع" (^٢).
ويبين الشيخ ابن عثيمين حالات سؤال ودعاء المخلوق بقوله: "ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال -ﷺ-: "وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْه"" (^٣).
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١٤٠).
(٢) انظر: مخطوط (العبادة) للمعلمي، (لوحة: ٥٠٧ - ٥٠٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام، (٤/ ١٧٠٥)، برقم (٢١٦٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٢ / ٨١٣ ]
الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندًّا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.
الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة، فهذا شرك أكبر أيضًا لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًا في الكون (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
بعض ما ظهر لي من أدلة مؤيدة لمعنى القاعدة:
أولًا: أن التوجه بالطلب والسؤال لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه فيه صرف لبعض صفات الربوبية لمن توجه إليه بالسؤال والطلب؛ من العلم المطلق، والبصر المطلق، والسمع المطلق، والقدرة المطلقة المساوية لقدرة الله تعالى، ولا شك أن هذا الاعتقاد من أعظم الشرك، وأقبح الكفر بالله العظيم.
يقول الرازي في "تفسيره" لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]، والآيات التي بعدها: "اعلم أنه تعالى بيّن فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل من حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق، والفعل، والإيجاد، والإعدام، والنفع، والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
[ ٢ / ٨١٤ ]
الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل" (^١).
ويقول الألوسي: "إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم" (^٢).
والمراد من الدعاء كما قال غير واحد السؤال والطلب، وهو مخ العبادة؛ لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات" (^٣).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "جعله الدعاء والهتف ليسا نتيجة الاعتقاد، بل يصدران ممن اعتقاده منحصر في الله، وهو يدعو غيره، ويلتجئ إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده، ويهتف بذكره عند الشدائد وغيرها ليجلب له، أو يدفع عنه، وهو لا يعتقد فيه القدرة على شيء مما طلبه منه، هذا محال أن يطلب أحد غيره شيئًا، أو يدعوه منه، وهو يعلم ويعتقد أنه لا يقدر عليه، ولا يوصل مطلوبه ومقصوده إليه" (^٤).
_________________
(١) التفسير الكبير للرازي (٢٨/ ٦).
(٢) روح المعاني للألوسي (٦/ ١٢٨).
(٣) روح المعاني (٨/ ١٣٩).
(٤) التوضيح عن توحيد الخلاق، للشيخ سليمان (ص ١٧٧ - ١٧٨).
[ ٢ / ٨١٥ ]
ويقول الشيخ ابن عثيمين: "فمن دعا غير الله ﷿ بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا، ومن دعا حيًا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، يا فلان أسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتًا أو غائبًا بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا" (^١).
ثانيًا: أن السؤال والطلب في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله عبادة عظيمة، يحبها ﷾، ولذا أمر بها عباده، بل هي من خصائص ألوهيته سبحانه، ولا شك أن صرف هذا الحق، وتلك العبادة لغيره سبحانه لون من ألوان الإشراك بالله العظيم.
"يدل على ذلك ما جاء في حديث النعمان بن بشير -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "الدعاء هو العبادة" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " (^٢).
" وكما سبق تقريره فإن أحد نوعي الدعاء هو السؤال والطلب، فثبت بذلك أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى؛ وإنما كان عبادة لما فيه من إظهار الافتقار والخضوع والضراعة إلى الله تعالى (^٣).
يقول الإمام ابن رجب: "فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة" (^٤).
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٦/ ٥١ - ٥٢).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٧)، برقم (١٨٣٧٨)، وأبو داود في سننه، باب: الدعاء (٢/ ٧٦)، برقم (١٤٧٩)، والترمذي في سننه (٥/ ٢١١)، برقم (٢٩٦٩)، وقال عقبه: "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح". وانظر أيضًا: (٥/ ٣٧٤)، و(٥/ ٤٥٦)، وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجه أصحاب السُّنن بسند جيد". [فتح الباري (١/ ٤٩)].
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (٤/ ٨).
(٤) جامع العلوم والحكم (ص ١٩١)، وانظر: روح المعاني (٨/ ١٣٩).
[ ٢ / ٨١٦ ]
ومن ذلك قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من لا يسأل الله يغضب عليه" (^١).
وهذا الحديث يدل على محبة الله تعالى لسؤال عبده له ورضاه عن ذلك؛ إذ معنى الحديث أن من يسأل الله تعالى ويدعوه يرضى عنه ولا يغضب عليه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه، ويبغض من لا يدعوه" (^٢).
ولذا قال الناظم:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا معنى الحديث: "مفهومه أن من سأله رضي عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلَّا لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٢/ ١٠)، برقم (٦٦٥٥)، وأخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٦)، (٣٣٧٣)، وابن ماجة (٢/ ١٢٥٨)، رقم (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٨)، والطبراني في الدعاء (٢/ ٧٩٦)، رقم (٢٣)، وفي الأوسط (٣/ ٢١٦)، رقم (٢٤٥٢)، كلهم من طريق أبي المليح صبيح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكر لفظ الحديث: "من لم يدع الله يغضب عليه"، والحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه. قال الحافظ في الفتح: (١١/ ٩٥): "وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة"، وقال ابن كثير عقب ذكره لرواية الإمام أحمد: (٤/ ٨٦): "وهذا إسناد لا بأس به". وقد حسن الحديث الألباني. [انظر: صحيح الأدب المفرد (ص ٢٤٦)، برقم: (٢٥٢/ ٥١٢/ ٦٧٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٣٢٣)، برقم (٢٦٥٤)].
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٧٠).
(٣) مصباح الظلام، للشيخ عبد اللطيف (ص ٣١٣).
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقال أيضًا: "وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى العبادة فتنبه" (^١).
ولذا جاء الأمر الشرعي بسؤال الله ودعائه وحده دون ما سواه، فقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
وقال -ﷺ- لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله) (^٢).
يقول الصنعاني: "وقوله: (فاسأل الله) أمر بإفراد الله ﷿ بالسؤال، وإنزال الحاجات به وحده، وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع؛ فإن السؤال بذل لماء الوجه، وذل لا يصلح إلا لله تعالى؛ لأنه القادر على كل شيء، الغني مطلقًا، والعباد بخلاف هذا" (^٣).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بعد أن ذكر جملة من الأدلة على أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى -فقال-: "وأمثال هذا في الكتاب والسُّنَّة أكثر من أن يحصر في الدعاء الذي هو السؤال والطلب، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص، وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفًا وخلفًا" (^٤).
ووجه كون السؤال والطلب فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة هو أن السائل اعتقد في المسؤول التأثير بقوة غيبية، حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر؛ ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، والقدرة المطلقة، والسمع في حال القرب والبعد (^٥).
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٧٥).
(٢) تقدم تخريجه في أول القاعدة.
(٣) سبل السلام (٤/ ١٧٦).
(٤) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٣٦).
(٥) انظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية (٢/ ٤٩٤).
[ ٢ / ٨١٨ ]
ثالثًا: أن السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يستلزم الوقوع في أنواع أخرى من الذل، والخضوع، والافتقار إلى غيره سبحانه، إضافة إلى الرجاء والرغبة الملازمة لمثل هذه الأحوال، وخوفه من عدم الاستجابة له، ولا شك أن صرف مثل هذه الأمور لغير الله هو من أعظم الشرك وأشنع الكفر؛ لأنها من أعظم العبادات القلبية.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شأن السؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: "ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله، فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك، ولهذا يقول المشركون لآلهتهم وهم في الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] " (^١).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "يوضح هذا: أن ما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل، وإظهار الفاقة، والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله، وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقًا" (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٣).
(٢) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٦).
[ ٢ / ٨١٩ ]
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد أوضح أهل العلم معنى القاعدة، وبينوا أنواع السؤال، كما سبق بيانه، وفيما يأتي أذكر بعض أقوالهم في تقرير معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن تيمية: "وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ، سواء كان حيًّا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني، أو عاف أهلي، أو دابتي، وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه" (^١).
ويقول ﵀ أيضًا في تقسيمه لحالات السؤال والطلب من أهل القبور: "وأما من يأتي إلى قبر نبي، أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي، أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله، ويستنجده، فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأله حاجته؛ مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧ - ٦٨).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل" (^١).
ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: "فمن دعا غير الله طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع، أو دفع ضر فقد أشرك في عبادة الله" (^٢).
ويذكر الشيخ سليمان آل الشيخ جملة من الأمور الشركية، ومن ضمنها دعاء غيره سبحانه فيقول: "ومنها الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ سواء كان طلبًا للشفاعة، أو غيرها من المطالب، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤] " (^٣).
ويقول أيضًا مقررًا لحكم القاعدة: "أن دعاء الميت، والغائب، والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواع الشرك؛ لأن الدعاء مخ العبادة" (^٤).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله" (^٥).
_________________
(١) المصدر نفسه (٢٧/ ٧٢).
(٢) درر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٩).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢).
(٤) المصدر نفسه (ص ١٩٣)، وانظر: (ص ١٧١)، و(ص ١٩٥).
(٥) البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ١١٦).
[ ٢ / ٨٢١ ]
ويقول أيضًا: "ويقال: كتاب الله، وسُنّة رسوله، وأقوال أهل العلم صريحة متوافرة متظاهرة على تكفير من دعا غير الله، وناداه بما لا يقدر عليه إلا الله" (^١).
وجاء فيما أفتى به علماء مكة ونجد فيما اتفقوا عليه من مسائل التوحيد: "وأنَّ أعتقادَ أنَّ لشيءٍ من الأشياءِ سُلطانًا على ما خرجَ من قدرةِ المخلوقينَ شركٌ أكبر. وأنَّ من عظَمَ غيرَ اللهِ مستعينًا به فيما لا يقدرُ عليه إلَّا الله، كالاستنصارِ في الحربِ بغير قوَّة الجيوشِ، والاستشفاءِ من الأمراضِ بغير الأدويةِ التي هَدانا اللهُ لها، والاستغاثةِ على السَّعادةِ الأُخروِيَّةِ أو الدُّنْيَويّةِ بغير الطُّرقِ والسُّنَنِ التي شَرَعَها اللهُ لَنا يُكونُ شِركًا أكبر" (^٢).
ويقول الشيخ السهسواني: "أقول: إنما نكفر بالنداء الحقيقي الذي يطلب فيه من الأموات والجمادات ما لا يقدر عليه إلا الله" (^٣).
ويقول ﵀ أيضًا: "مراد المانعين للنداء ليس مطلق النداء، بل النداء الحقيقي الذي يقصد به من المنادَى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر، ولا مرية في أنه عبادة، وكونه عبادة وممنوعًا
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٣٩).
(٢) انظر: البيان بعنوان: (نداء عام من علماء بلد الله الحرام)، وقد نشر هذا الخطاب في جريدة (أم القرى) العدد الثامن والثلاثين عام (١٣٤٤ هـ)، ثم أصدرته الجريدة في كتاب بعنوان: (البيان فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد) في ٤/ ٣ / ١٣٤٤ هـ، وقد ضُمَّ إلى النداء خطاب رئيس القضاء الشيخ ابن بُلَيْهِد، ثم نشرته رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام (١٣٩٨ هـ) وضمَّت إليه بيانًا من علماء مكة في ذكر بعض المسائل العقدية المتفق عليها بينهم، ثم نشره محققًا له: محمد بن عبد العزيز الأحمد، عام (١٤١٠ هـ)، نشرته دار الوطن بالرياض، [وانظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم، للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٣٦)، والدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٢٢٤)].
(٣) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ٣٩٩).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
لا يقتضي كون كل نداء ممنوعًا، حتى يلزم منه عدم جواز نداء الأحياء فيما يقدرون عليه" (^١).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي مقررًا لمعنى القاعدة: "وسؤاله إياه (^٢) تلك الحاجة؛ من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، معتقدًا أنه قادر على ذلك، هذا شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته" (^٣).
ويقول الشيخ السعدي: "فالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك" (^٤).
ويربط الإمام ابن باز بين السؤال من غير الله ما لا يقدر عليه إلا هو، وبين اعتقاد علم الغيب وغيره من صفات الربوبية فيقول: "أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾ يعتبر شركًا به ﷾؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان" (^٥).
_________________
(١) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ٣٦٧).
(٢) المقصود سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه.
(٣) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٤٧٥)، وانظر: (٢/ ٥٢٣).
(٤) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٤٧)، وانظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن، قاعدة رقم (٥١).
(٥) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٣/ ٣٣٠)، وانظر: (٥/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وأجاب الشيخ ابن عثيمين عن سؤال فيمن يدعي الولاية مع دعائه لغير الله ﷾، فقال ﵀: "فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ فإنه مشرك كافر، وليس بولي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية" (^١).
ويقول الشيخ صالح الفوزان: "فكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله فإنه لا يُطلب إلَّا من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركًا" (^٢).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
فيما يأتي بعض ما ظهر لي من فوائد القاعدة:
أولًا: تضمنت القاعدة ذكر الضابط في كون السؤال والطلب شركًا أكبر مخرجًا من ملة الإسلام، وهو السؤال والطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، هذا هو المشهور في كلام أهل العلم ولا إشكال فيه، لكن بعض أهل العلم عبَّر عن ضابط الشرك في القاعدة بأنه: دعاء المخلوق وسؤاله ما لا يقدر عليه ذلك المخلوق المعين (^٣).
ولا شك أن هذا الضابط صحيح في الجملة ولكنه غير دقيق، إذ من الممكن أن يدعو ويسأل أحدٌ مخلوقًا حيًّا شيئًا وهو يظن قدرته على تحقيقه وإجابة طلبه، ولكنه في واقع الحال لا يستطيع فعل شيء من ذلك المطلوب، فلا يكون من سأله ودعاه والحالة هذه واقعًا في الشرك الأكبر؛ وذلك لكون هذا الفعل مقدورًا عليه في غالب طبع البشر، وذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى والرسائل، للشيخ العثيمين (٢/ ١٦٧).
(٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٨٦).
(٣) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٧٨).
[ ٢ / ٨٢٤ ]
كمن استغاث بأصم وناداه كي يغيثه من الغرق أو الحرق مثلًا فلم يسمعه ولم يغثه، فليس في مقدوره سماعه ولا إغاثته، وكمن سأل من يسمعه وطلب منه إغاثته من الغرق، والمسؤول لا يحسن السباحة، فهو غير قادر على تحقيق ما طلب منه، فكل ذلك لا يعتبر فيه السائل والطالب واقعًا في الشرك؛ لأن جنس هذه الأمور مما يستطيعه البشر، وإن كان هذا المسؤول المعين لا يقدر عليه.
وعليه فالضابط الأول هو الأدق والأولى؛ وذلك أن ما لا يقدر عليه إلا الله مطلقًا هذا لا يمكن أن يفعله مخلوق بحال، في أي زمان، ولا أي مكان، وسيأتي فيما بعد التفريق بين حال الأحياء وحال الأموات بالنسبة للسؤال والطلب.
يقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا الفرق بين الضابطين في مسألة الاستغاثة: "أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِدُ عليه أن ثَمَّة أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرًا عليها، ولكنه فى الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة كغرقٍ -مثلًا- وتوجّه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبًا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك، وذاك لا يحسن السباحة، ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركًا أكبر؟! لا يكون منه؛ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه يصلح -في الغالب- أن يكون المخلوق قادرًا عليها، فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعين، فإنَّه لا يكون شركًا أكبر؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئًا لا
[ ٢ / ٨٢٥ ]
يصلح إلا لله ﷻ" (^١).
ثانيًا: حرمة التوجه بالدعاء والسؤال للأموات في قبورهم؛ لأنَّهم لا يقدرون على قضاء الحاجات، وكشف الملمات، وتفريج الكربات، حتى ما كانوا يستطيعونه في الدنيا هم الآن عاجزون عنه شرعًا وعقلًا، وليس في مقدورهم، بل حتى رسولنا -ﷺ- مع ما له من المكانة العظيمة العالية عند ربه ﷾، وأنه سيد ولد آدم، وصاحب المقام المحمود، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وما أعطاه الله ﷿ من العطايا الجزيلة في الدنيا والآخرة، وكونه حيًّا في قبره حياة برزخية هي أفضل من حياة الشهداء، فمع كل هذه الفضائل والمنن فلا يجو دعاؤه ولا سؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله من أمور الدنيا والآخرة، وحتى ما كان يستطيعه في الدنيا فلا يطلب منه بعد موته.
يقول الإمام ابن تيمية: "وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم يدعون للأحياء، وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنَّه لا يفضي إلى الشرك؛ ولأن ما تفعله الملائكة، ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنَّه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم" (^٢).
ويقول الإمام الشوكاني: "وكذلك من صار يطلب من الرسول -ﷺ- ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء، والصالحين، وجميع المخلوقين، ورزقهم،
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وأحياهم، ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه، غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق، الرازق، المعطي، المانع، وحسبك بما في هذه الآية موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده: لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره" (^١).
فلا يوجد أي فرق بين سؤال الحي ما لا يستطيعه وبين التوجه بنفس السؤال للميت؛ وذلك لأن الميت انقطع عن الحياة فصار لا يستطيع فعل ما كان يفعله وهو حي يرزق من السعي والحركة؛ وعليه يكون سؤاله والطلب منه في هذه الحال من الشرك الأكبر.
يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا ذلك: "فإن الأسباب العاديَّة التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه الحديث (^٢)، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه في حياته؛ كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: أعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياته أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله -ﷺ- مع أصحابه لم يمنع من ذلك" (^٣).
ويقول الشيخ ابن سحمان: "لا يجوز لأحد أن يعتقد أن الأحياء
_________________
(١) انظر: فتح القدير (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، (٣/ ٥٩).
(٢) المقصود حديث: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة".
(٣) مصباح الظلام (ص ٣٩٠).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن اعتقاد ذلك شرك، وإذا كان الأحياء لا يقدرون على شيء من ذلك، فالأموات بطريق الأولى، وإنما يجوز من الحي طلب الدعاء منه، والاستغفار، والتوسل بدعائه وشفاعته، إذ هو قادر على ذلك، وأما الميت فقد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا لمن استغاث به، أو دعاه، أو سأله أن يشفع له، كما قال -ﷺ-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" (^١)، وهذا يدل على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته، فضلًا عن غيره، فإنما عجز عن حركة نفسه، فكيف يتصرف في غيره؟.
وأما الأحياء القادرون على الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية، في قتال، أو إدراك عدو، أو دفع سبع صائل، وغيره، فهذا لا مانع منه، وهذا ليس في قدرة الأموات: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢]، ومن سوَّى بينهما فقد جمع بين ما فرق الله بينه، وكفى بذلك عتوًّا وعنادًا" (^٢).
ثالثًا: حرمة سؤال الهداية من غيره ﷾؛ أي: هداية التوفيق، أما هداية البيان فهي في مقدور البشر من الأنبياء وأهل العلم، فهم يهدون الناس بعلومهم ومعارفهم بما يبلغونهم من العلم والهدى، ومن الكتاب العظيم والسُّنَّة المطهرة، أما هداية القلوب بجعل الهدى والنور فيها، وإخراج الزيغ والضلال منها، فهذا لا يستطيعه إلا الله وحده.
وعليه فمن اعتقد في مخلوق القدرة على إيجاد الهداية في قلوب الخلق، أو سألها من غيره سبحانه معتقدًا قدرته على ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.
_________________
(١) سيأتي تخريجه: انظر: (ص ٨٥٦).
(٢) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص ٥٥٥ - ٥٥٦).
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ولا شك أن هداية البيان والإيضاح هي من أعظم الطرق والذرائع للوصول إلى هداية التوفيق والاستقامة على الهدى، والبعد عن الضلال، وعليه يمكن القول بأن الأنبياء والرسل وأهل العلم هم السبب الموصل إلى هداية التوفيق والإيمان، أما نفس خلق التوفيق والهدى في القلوب فلا يقدر عليه حتى الأنبياء والرسل فضلًا عن غيرهم من أهل العلم والصلاة.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] " (^١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وأما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه أحد باتفاق المسلمين؛ سنيهم وقدريهم؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يهدي القلوب، ويخلق الهدى فيها غير الله. أما أهل السُّنَّة فيقولون: إن الاهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله، ولكن العبد يقدر على أسبابه، وهو المطلوب منه" (^٢).
رابعًا: سؤال أهل العلم -﵏- لا يدخل في السؤال المحرم الممنوع، بل قد يكون سؤالهم فرض واجب وحتم لازم لا محيص عنه، وقد أمر الله ﵎ به في قوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، فسؤال العلماء فيما افترضه الله تعالى من الواجبات، وما نهى عنه من المحرمات من أوجب الأمور؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبيان ذلك:
أن سؤال أهل العلم ليس فيه خضوع أو ذلة للمسؤول، بل فيه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٠٨).
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٤٣٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
تعظيم أهل العلم التعظيم الجائز، والتبجيل الذي يستحقونه، ورفعًا لهم في مكانتهم التي أنزلهم الله إياها.
يقول الإمام المعلمي اليماني: "وقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل ما فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبياءهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني.
والحق أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله ﷿ به، وأما سؤال المحتاج العاجز فإنما يصحبه التذلل لجهل الأغنياء بما عليهم من الحقوق" (^١).
ثم إن سؤال أهل العلم عن أمور الدين ليس هو مما يبغضونه ولا يحبونه، ثم إن سؤالهم العلم لا ينقص منهم شيئًا، بل هم في ازدياد مستمر، ورفعة دائمة في الدنيا والآخرة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه، بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال -ﷺ-: "هَلَّا سَألوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّما شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤالُ" (^٢)، ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية، وكنهيه عن أغلوطات
_________________
(١) مخطوط العبادة، مصورة مكتبة الجامعة الإسلامية (لوحة/ ٥٠٨).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١/ ٩٣)، برقم (٣٣٧)، والدارمي في سننه، باب: المجروح تصيبه الجنابة (١/ ٢١٠)، برقم (٧٥٢)، عن ابن عباس -﵄- وحسنه الشيخ الألباني. انظر: صحيح الجامع، (٢/ ٨٠٤)، برقم (٤٣٦٢)، وانظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٦١)، حديث رقم (٣٦٥)، وللحديث شاهد آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، ونص بعض أهل العلم كالبيهقي وصوبه الدارقطني: أنه موقوف. وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: "ولكنه في حكم المرفوع لأنه في التفسير، ولا سيما من ترجمان القرآن ابن عباس -﵄-". [انظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٦٤)].
[ ٢ / ٨٣٠ ]
المسائل ونحو ذلك" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل، وذلة تنافي المروءة إلا في العلم، فإنه عين كماله ومروءته وعزه، كما قال بعض أهل العلم: خير خصال الرجل السؤال عن العلم. وقيل: إذا جلست إلى عالم فسل تفقهًا لا تعنتًا" (^٢).
ويلحق بسؤال أهل العلم السؤال من السلطان الحاكم، فإن سؤاله شيئًا من أمور الدنيا جائز إذا كان للسائل حق في بيت مالك المسلمين، أما إذا لم يكن له حق لم يجز لما يترتب على سؤاله من الخضوع والتذلل له.
يقول الإمام ابن حزم: "وأما السلطان فليس يُسْأَل من ماله شيء، إنما بيده أموال المسلمين، فلا حرج على المسلم أن يسأله من أموال المسلمين الذين هو أحدهم" (^٣).
ويقول الشيخ المعلمي في معرض تقسيمه لأحوال السؤال: "ومن القسم الأول ما أبيح من سؤال السلطان؛ فالمراد إباحة أن يسأله من كان له حق في بيت المال، فأما من لم يكن له حق أصلًا فسؤاله من السلطان كسؤاله من غيره" (^٤).
خامسًا: طلب الإعانة والاستغاثة المقيدة جائزة من غير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، وأما الإعانة المطلقة والإغاثة المطلقة بمعنى خلق المعين والمغيث فهذا لا يقدر عليه إلا الرب ﷾، وإنما غاية المخلوق أن يكون سببًا في الإعانة والإغاثة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن فهم معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٧٨ - ٧٩).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٨).
(٣) المحلى، لابن حزم (٩/ ١٥٩).
(٤) مخطوط "العبادة"، (لوحة/ ٥٠٩).
[ ٢ / ٨٣١ ]
إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله" (^١).
سادسًا: ومن فروع القاعدة أن من سأل الطبيب البرء من مرضه معتقدًا قدرته على ذلك كان واقعًا في الشرك بالله العظيم؛ لأنه سأله شيئًا لا يقدر عليه إلا الله، أما البرء والشفاء فهو من عند الله ﷾، ولكن الله قد شرع له أسبابًا، ومنها الطبيب المعالج، والدواء الناجع، فالأطباء أسباب، ويوصلون بقدرة الله إلى أسباب من وصف الأدوية المناسبة للداء، أما حقيقة خلق البرء، وإيجاد الشفاء فهو بيد الله تعالى.
يقول ابن حزم: "مسألة ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله تعالى لا بيد أحد، وإنما الطبيب معالج، ومقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإن أعطي شيئًا عند البرء بغير شرط فحلال؛ لأمر النبي -ﷺ- بأخذ ما أعطي المرء من غير مسألة" (^٢).
سابعًا: طلب الدعاء ممن يظن فيه الخير والصلاح جائز ولا دخل في سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ لأنه لم يطلب منه سوى الدعاء وهذا شيء يستطيعه ويقدر عليه، وأما تحقيق مطلوب السائل واستجابة الدعاء فهذه إلى الله تعالى.
يقول الإمام ابن تيمية: "وَذَلِكَ أَنَّ الْمَخْلوقَ يَطْلُبُ مِنْ الْمَخْلُوقِ مَا يَقْدِرُ المَخْلُوقُ عَلَيْهِ، والْمَخْلُوقُ قَادِرٌ عَلَى دُعَاءِ اللهِ وَمَسْأَلَتِهِ، فَلِهَذَا كَانَ طَلَبُ الدُّعَاءِ جَائِزًا كَمَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإعَانَةَ بمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالْأَفْعَالَ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا. فَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إِلَّا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٥).
(٢) المحلى، لابن حزم (٨/ ١٩٦).
[ ٢ / ٨٣٢ ]
مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ" (^١).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفًا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٩).
(٢) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٤٩).
[ ٢ / ٨٣٣ ]
المبحث الخامس
قاعدة الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
معنى الأسباب:
الأسباب: جمع سبب، وهو الحبل، ويقال للطريق الموصل إلى الشيء سبب؛ لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريده، ومنه قيل للباب سبب، وكل شيء يتوصل به إلى شيء يسمى سببًا؛ وذلك لإيصاله إلى المقصود. قال بعض أهل اللغة: السبب من الحبال القوي الطويل، ولا يدعى الحبل سببًا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب، يقال: ما بيني وبين فلان سبب أي آصرة رحم أو عاطفة مودة، وقد سمى تعالى وِصَل الناس بينهم أسبابًا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض، قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦]؛ يعني: الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [الكهف: ٨٥]؛ أي: طريقًا، وقال تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ
[ ٢ / ٨٣٤ ]
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وأسباب السموات: أبوابها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، وقال زهير بن أبي سلمى:
ومَنْ هابَ أسبابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا ولو رامَ أسبابَ السَّماء بسُلَّمِ (^١)
والمودة بين القوم تسمى سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك أسبابًا؛ لأنَّها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها (^٢).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
لقد بيَّنت القاعدة إحدى القضايا المتعلقة بالأسباب، وهي مسألة الاعتقاد في الأسباب، وكونها مؤثرة في المُسَبَّبات بذاتها بدون قدرة الله تعالى ومشيئته، أو مع المشاركة لله تعالى في القدرة والتأثير، والقاعدة نصت على أن هذا الاعتقاد شرك بالله تعالى يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ويبطل الإيمان الذي في قلبه.
كما أشارت القاعدة إلى أن هذا الاعتقاد يعتبر شركًا في الربوبية لكونه اعتقد أن ثمة مشاركًا لله تعالى في الخلق والإيجاد والتأثير، وهذا شرك في أخص صفات الربوبية، كما أن اعتقاد تأثير الأسباب بذاتها شرك في الألوهية أيضًا؛ لما تقرر من أن الشرك في الربوبية مستلزم للشرك في الإلهية ولا بد، فمن اعتقد في تأثير الأسباب بذاتها، بقدرتها ومشيئتها الخاصة فلا بد أن يصرف لها شيئًا من العبادة القلبية من التوكل
_________________
(١) انظر: الحماسة المغربية، لأبي العبادس الجرواي (٢١/ ١٢١٦)، وجمهرة أشعار العرب، لأبي زيد القرشي (ص ٩٤)، وخزانة الأدب وغاية الأرب، للحموي (١/ ٤٢٢).
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٤٢٤)، ولسان العرب (١/ ٤٥٨)، والتفسير الكبير (٤/ ١٩٠ - ١٩١)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٠٢)، وشفاء العليل (ص ١٩٠).
[ ٢ / ٨٣٥ ]
عليها التوكل الشركي، ومن تفويض الأمور إليها، وما يتبع ذلك من الخوف والمحبة والرجاء، وغير ذلك من العبادات القلبية.
ولزيادة التوضيح في معنى القاعدة لا بد من التقديم بمقدمة تبيّن أصل مسألة الأسباب، ومعرفة الموقف الشرعي منها، فيقال:
لا يخفى أن الله خلق هذا العالم، وجعل له سننًا كونية لا تتغير ولا تتبدل إلا أن يشاء الله تعالى ذلك، كما قال سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، ومن تلك السُنن الكونية أن جعل لكل شيء سببًا، وربط بين المسببات والأسباب، وبين النتائج والمقدمات، إذ هو خالق الأسباب والمُسَبَّبَات، فهو خالق للسبب وجعله مؤثرًا ومنتجًا للمُسَبَّب، وإن كان السبب لوحده لا يوجب المُسَبَّب، بل لا بد أن يضم الله إليه أمورًا أخرى، وأن يدفع عنه آفات كثيرة، وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب، إذ ليس في الكون ما يستقل بإحداث شيء إلا مشيئة الله تعالى وقدرته، فهو ﷾ الوحيد الذي يستقل بإحداث الأشياء بخلق أسبابها، وقد يحدثها بغير أسباب سوى مشيئته سبحانه (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة، وسبب تام للحوادث؛ بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام والشراب في الإشباع والإرواء، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده، بل لا بد أن ينضم إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه
_________________
(١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٥٢).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وحده شيء" (^١).
والأسباب التي جعلها الله تعالى منتجة لمسبَّباتها منها ما هي أسباب كونية، ومنها ما هي أسباب شرعية دلَّ الشرع الحكيم على كونها أسبابًا، وأمر بها؛ فمن أعظم الأسباب الشرعية الموصلة إلى رضوان الله وجنته الإيمان بالله تعالى وإفراده بالعبادة، وعدم الإشراك به، والتوكل عليه، والإيمان برسوله -ﷺ-، وطاعته، والإيمان بالقرآن وكونه كلامه منه بدأ وإليه يعود، فهذه أعظم الأسباب التي ينال بها العبد رحمة الله ومغفرته ورضوانه.
أما في الأمور الكونية فقد جعل الله جل وعلا بعض الأمور أسبابًا منتجة لمسبَّباتها، فمن ذلك أنه جعل الماء منبتًا للزرع، قال ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ [ق: ٩]، وجعل سبحانه الولد مسببًا عن النكاح بين الرجل والمرأة وحصول الوقاع بينهما فتحمل به بإذن الله. كما أنه سبحانه جعل الماء العذب سببًا كونيًا لإزالة العطش، بخلاف الماء المالح فلم يجعله سببًا كونيًا لإزالة العطش. وجعل النار سببًا للإحراق، وجعل في الماء خاصية إطفاء النار، وهكذا.
وخلقه ﷾ للأسباب وتأثيراتها ونتائجها من المُسَبَّبات من أعظم النعم التي أنعم بها على بني الإنسان (^٢)؛ لتستقيم حياتهم، وأمرهم بمعالجة هذه الأسباب والعمل بها، سواء الكونية أو الشرعية للوصول إلى نتائجها ومسبباتها، مع الاعتماد التام على خالق السبب والمسبب وهو الرب ﵎، فإنَّه هو الذي جعل هذه الأسباب تنتج المسبَّبات.
مع ملاحظة أنه يشترط في الأخذ بالأسباب الكونية أن تكون مشروعة، أما إذا كانت محرمة فلا يجوز تعاطيها وإن ثبتت سببيتها
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٣).
(٢) انظر: شفاء العليل (ص ٣٧).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وتأثيرها وإنتاجها للمسبب؛ وذلك كالتداوي بالمحرمات فإنه لا يجوز لمنع الشرع من ذلك وإن ثبت نفعه وتأثيره.
وخلاصة الأمر أن من الأسباب ما ينتج المسبَّب كونًا، ومنها ما لا ينتجه، فإذا كان ينتج المسبب كونًا وذلك حسب العادة والعرف، فينظر بعد ذلك في إباحته الشرعية، فإنْ أَباحته الشريعة فهو سبب شرعي وقدري، وإذا لم تبحه كان سببًا كونيًا، كالتداوي بالمحرمات، وليس بسبب شرعي فهذا النوع لا يجوز تعاطيه شرعًا.
وإذا كان السبب لا ينتج المسبب كونًا وقدرًا فمثله لا يأتي الإذن به شرعًا، فلا يجوز تعاطيه (^١).
ومما ينبغي معرفته أن يعلم أن الأسباب لا تؤثر أصلًا بنفسها، وإنما تأثيرها بتقدير الله أن يرتب عليها مسبباتها، وأنها لا تنفع ولا تضر بذاتها، ولا تؤثر بنفسها، بل الأسباب ومسبباتها تحت مشيئة الله سبحانه، والله تعالى هو الذي أودع في الكون الأسباب والمسببات التي قام بها الخلق والأمر، وهو الذي خلق من الأسباب ما خلق به المسببات (^٢).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر، بل تفتقر إلى مشارك معاون، وانتفاء معارض مانع، وجعلها مخلوقة لله، فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن، ودل عليه العيان والبرهان؛ فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات" (^٣).
_________________
(١) وذلك كمن يعلق خيطًا لدفع العين مثلًا؛ إذ ليس في الخيط سببية دفع العين لا حسًّا ولا كونًا ولا أُذن في ذلك شرعًا؛ كمن يعلق التمائم التي هي طلاسم أو خرزات أو جلد فكل ذلك لا أثر له قدرًا وكونًا، وهو غير مأذون به شرعًا، بل هو من الشرك الأصغر.
(٢) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ٣٧٣).
(٣) درء التعارض (٩/ ٣٤٨)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٢٢)، وتلخيص كتاب الاستغاثة =
[ ٢ / ٨٣٨ ]
ويقول أيضًا: "فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم، فمجرد نزول المطر ليس موجبًا للنبات، بل لا بد من أن يخلق الله أمورًا أخرى، ويدفع عنه الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده، فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه" (^١).
فالأسباب الكونية أو الشرعية مؤثرات، ولكن تأثيرها ناقص، لا يحصل المسبب بها وحدها، وإنما المؤثر التام هو إرادة الله الكونية القدرية، ومشيئته النافذة فإن المراد لا يتأخر عنهما أبدًا.
يقول الإمام الشاطبي: "إذ كان واجبًا على كل مؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير فاعلة بأنفسها، وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه؛ لكن عادته في خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة، وقد يخرقها إذا شاء لمن شاء، فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول في الأسباب، ومن حيث كانت الأسباب فيها بيد خالق المسببات اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها" (^٢).
والقاعدة نصت على أن من اعتقد في فاعلية الأسباب وتأثيرها بذاتها بدون مشيئة الله وقدرته النافذة، كان مشركًا الشرك الأكبر السالب للإيمان بالكلية، وذلك كحال عباد الأصنام وعباد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وهذا عام في جميع الأسباب سواء كانت كونية أو شرعية.
أما من تعاطى الأسباب بدون اعتقاد فيها، وأنها لا تؤثر بذاتها، ولكنه اعتمد عليها واطمأن لها بدون التفات إلى خالقها وخالق أثرها كان
_________________
(١) = (١/ ٤٢٦)، وشفاء العليل (ص ٣٧)، ومنهاج التأسيس والتقديس، للشيخ عبد اللطيف (ص ٢٠٥).
(٢) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ١٤٦).
(٣) الموافقات (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
[ ٢ / ٨٣٩ ]
واقعًا في الشرك الخفي وهو شرك أصغر لا يخرج عن ملة الإسلام.
وأما من تعاطى ما ليس سببًا كونيًا ولا شرعيًا واعتقده سببًا مع عدم الدليل على سببيته؛ لا كونًا ولا شرعًا ولا عرفًا كان واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنه شارك الرب ﵎ في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببًا، وليست له سببية بحسب العادة والعرف (^١).
وبفهم هذه المسألة العظيمة يصل المؤمن إلى التحقيق الكامل لتوحيد الله تعالى؛ فإن حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، رؤية تقطع الاعتماد على الأسباب، واعتقاد كونها مؤثرة بذاتها، وهذا المقام يثمر التوكل، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله تعالى، والتسليم لحكمه (^٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لقد تظاهرت الأدلة الدالة على تقرير معنى القاعدة من الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة، وفيما يأتي أذكر ما ظهر لي منها:
أولًا: أن إثبات تأثير الأسباب وإنتاجها للمسببات بذاتها فيه إثبات القدرة والإيجاد والإبداع لها، ولا شك أن إثبات موجد مستقل بالتأثير معِ الله شرك في الربوبية؛ لأنه لا خالق إلا الله ﵎، قال ﷾: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، فخص الخلق به سبحانه دون ما سواه.
فلا محدث، ولا خالق، ولا موجد إلا الله تعالى، فكل ما يدخل
_________________
(١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية عدد (٦٩)، (ص ١١٨ - ١١٩).
(٢) انظر: تجريد التوحيد، المفيد للمقريزي (ص ١٨).
[ ٢ / ٨٤٠ ]
في الوجود من المخلوقات، ومن أفعال العباد، وأعمالهم الظاهرة والباطنة كلها إنما حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه.
فهو سبحانه وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١] فنص على أنه خلق كل شيء بما في ذلك الأسباب ومسبباتها (^١).
فكيف بعد ذلك يسند الإبداع والإيجاد، وهما من خواص الإلهية إلى أعجز شيء وأهونه وهو الأسباب، فالقرآن الكريم يرسخ هذا الدليل في آياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد، ويقرر أن لا مؤثر إلا الله وحده، فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًا، وإنما هي أسباب مُدَبَّرَة ومُصَرَّفَة بخلق الله لها، وجعلها مؤثرة إذا شاء ذلك ﷾ (^٢).
والحاصل أن هذا الأصل -أعني: اختصاصه سبحانه بالخلق والإبداع والتدبير والتصريف دون ما سواه- هو من أعظم أصول الإسلام وأجلها، والقاعدة العظمى التي تدور عليها جميع الأحكام، وجميع القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا الأصل ويقرره، وقد احتج به تعالى على وجوب عبادته وطاعته، وأنه الإله الحق دون ما سواه (^٣).
ثانيًا: حديث زيْدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِّيّ (^٤) أنَّهُ قالَ: (صَلَّى لَنَا
_________________
(١) انظر: أضواء البيان (٨/ ٧٠).
(٢) انظر: حقيقة التوحيد لبديع الزمان النورسي (ص ١٧٣).
(٣) انظر: البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (٩٠).
(٤) هو: زيد بن خالد الجهني، مختلف في كنيته؛ فقيل: أبو زرعة، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، روى عن النبي - ﷺ - وعن عثمان وأبي طلحة وعائشة، وروى عن ابناه خالد وأبو حرب، ومولاه أبو عمرة وغيرهم، وشهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، وحديثه في "الصحيحين" وغيرهما، مات =
[ ٢ / ٨٤١ ]
رسولُ الله -ﷺ- صلاةَ الصبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فلمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قال ربُّكُمْ؟ " قالُوا: الله ورسولُهُ أعْلَمُ. قال: "أصْبَحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ فأمَّا منْ قالَ مُطِرْنا بفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذلِكَ مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ بالكوْكَبِ وأمَّا مَنْ قال مُطِرْنا بَنَوْءٍ كَذَا وكَذَا فذَلِكَ كافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ") (^١).
قال الإمام الشافعي: "وأرى معنى قوله والله أعلم: أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله؛ لأنه يعلم أنه لا يمطر، ولا يعطي إلا الله ﷿، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر، كما قال رسول الله - ﷺ -؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ولا يمطر، ولا يصنع شيئًا، فأما من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه" (^٢).
ويقول الإمام النووي: "فاختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين؛ أحدهما: هو كفر بالله ﷾، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر، منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير
_________________
(١) = سنة ثمان وسبعين بالمدينة وله خمس وثمانون. [ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٦٠٣)].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (١/ ٢٩٠)، برقم (٨١٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (١/ ٨٣)، برقم (٧١)، من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٣) الأم (١/ ٢٥٢)، وانظر: الاستذكار (٢/ ٤٣٨).
[ ٢ / ٨٤٢ ]
العلماء، والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث" (^١).
وقال الإمام ابن عبد البر بعد ذكره لحديث النوء: "فمعناه عندي على وجهين؛ أحدهما: أن القائل مطرنا بنوء كذا؛ أي: بسقوط نجم كذا، أو بطلوع نجم كذا، إن كان يعتقد أن النوء هو المنزل للمطر، والخالق له، والمنشئ للسحاب من دون الله، فهذا كافر كفرًا صريحًا ينقل عن الملة، وإن كان من أهلها استتيب. فإن رجع إلى ذلك إلى الإيمان بالله وحده وإلا قتل إلى النار.
وإن كان أراد أن الله ﷿ جعل النوء علامة للمطر، ووقتًا له، وسببًا من أسبابه؛ كما تحيي بالأرض الماء (^٢) بعد موتها، وينبت به الزرع، ويفعل به ما يشاء من خليفته (^٣)، فهذا مؤمن لا كافر.
ويلزمه مع هذا أن يعلم: أن نزول الماء لحكمة الله تعالى، ورحمته، وقدرته لا بغير ذلك؛ لأنه مرة ينزله بالنوء ومرة بغير نوء كيف يشاء لا إله إلا هو.
والذي أحب لكل مؤمن أن يقول كما قال أبو هريرة: مطرنا بفضل الله ورحمته ويتلو الآية إن شاء" (^٤).
ويقول الشيخ الدهلوي عقب ذكره لحديث النوء: "ومغزى الحديث أن من اعتقد للنجوم تأثيرًا في العالم وما يحدث فيه من الحوادث كان عند الله ممن كفر به وعبد النجوم، ومن عزا كل ما يحدث في العالم من خير وشر، ومن حوادث وأمور إلى الله وحده كان عند الله من عباده المقبولين، الذين تبرأوا من عبادة النجوم والكواكب" (^٥).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٦٠).
(٢) هكذا في المطبوع، وكذا في الطبعة التي بتحقيق: عبد المعطي قلعجي، ولم يظهر لي وجه ذلك، والمقصود: (كما يحيى الأرض بالماء).
(٣) هكذا في المطبوع ولم يظهر لي وجه ذلك ولعلها تصحفت من (خليقته).
(٤) الاستذكار (٢/ ٤٣٧) ..
(٥) رسالة التوحيد للدهلوي (ص ١٣٠).
[ ٢ / ٨٤٣ ]
والحاصل أن ظهور النوء وقت لنزول المطر بإذن الله تعالى ومشيئته؛ فمن اعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر بذاته فهذا شرك أكبر بالإجماع، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر، وإما أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، وكونها سببًا للمطر مع اعتقاد أن الله هو الفاعل، فهذا أيضًا مما نفاه النبي - ﷺ - وأبطله، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، حماية منه لجناب التوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، وذلك لأنه نسب ما هو من فعل الله إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء فيكون شركًا أصغر (^١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لا يخفى على المتأمل في كلام العلماء فيما يتعلق بالأسباب والمسببات اهتمامهم بهذا الجانب الهام الذي يحتاج إلى معرفته وتجليته كل مسلم لما فيه من الخطورة، خاصة على عامة الناس ممن ليس له معرفة بالنصوص الشرعية وكلام علماء الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول من أقوالهم في تأييد معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك المتعلق بالأسباب: "فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما شرك، والآخر عبودية وتوحيد، فالشرك: أن يعتمد عليها، ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورًا عليها" (^٢).
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٢٣١).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٩٩).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
ويقسم ﵀ الوقوف مع الأسباب إلى وقوف مأمور به بحيث لا يتعدى حدودها، ولا يقصر عنها؛ فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها، وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به، "ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها، وأنها تنفع وتضر بذاتها، فهذا لا يعتقده موحد، ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك" (^١).
فاعتقاد أن السبب مؤثر بذاته، ومبدع لمسببه بانفراده أو مع الله تعالى شرك بالله تعالى، يخرج صاحبه عن ملة الإسلام.
ومما قرره الإمام ابن تيمية كثيرًا -ونسبه في مواضع إلى الغزالي وابن الجوزي-: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد " (^٢).
وهذا الالتفات إذا تضمن اعتقاد التأثير الذاتي للأسباب بدون مشيئة الله كان شركًا في الربوبية مخرجًا عن ملة الإسلام، مستلزمًا للشرك في الإلهية كما سبق تقريره؛ لأنَّه لا بد من حصول الاعتماد والرجاء والخوف على هذه الأسباب وهي عبادات قلبية لا يجوز صرفها لغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأن غيره سبحانه لا يستقل بفعل شيء البتة، فكل سبب لا بد له من شريك وضد، ومع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يُسَخَّر (^٣).
ويقول الإمام الشاطبي: "فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب؛ أحدها: أن يدخل فيها على أنه (^٤) فاعل للمسبب أو مولد
_________________
(١) المصدر نفسه (٣/ ٤٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٩)، وانظر: (٨/ ١٧٠)، ومنهاج السُّنَّة (٥/ ٣٦٦)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (٢/ ٢٨٦).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢١).
(٤) يعني: السبب.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
له فهذا شرك أو مضاه له والعياذ بالله والسبب غير فاعل بنفسه" (^١).
ويقول الألوسي: "القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى: ضلال واعتقاده كفر" (^٢).
ويفصل الإمام المعلمي في مسألة الاعتقاد في الأسباب بقوله: "فأما اعتقاد التأثير فاعلم أن التأثير على ضربين:
الأول: ما ثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة؛ كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان إلى الحد المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة، وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك فلا يكفر إلا من يخرجها من خلق الله تعالى أصلًا.
فأما من يقول إن الله تعالى أودع في النار قوة الإحراق مثلًا، فهي تؤثر بذلك إلا أن يشاء الله ﷿ سلبها قوة الإحراق فيسلبها، فلا يكفر هذا وإن خطأه كثير من العلماء، ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًا ولكنه مستند إلى قطعي كما سلف في التمهيد.
الضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثر مؤثر استقلالًا وقد مر تفسيره فهو شرك، وإن لم يبلغ ذلك فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله ﷿ أو كذب عليه فهو كفر وشرك وإلا فهو من الخرص المذموم.
هذه حكم الاعتقاد؛ فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرَّ حكم ذلك ولا يتوقف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير" (^٣).
يقول الشيخ صالح الفوزان - يحفظه الله -: "أما إذا اعتقد أنّ النعم
_________________
(١) الموافقات (١/ ٢٠١).
(٢) روح المعاني (٤/ ١٦٢).
(٣) مخطوط العبادة، للمعلمي، لوحة (٦٩١ - ٦٩٢).
[ ٢ / ٨٤٦ ]
من إحداث المخلوق ومن صُنع المخلوق، فإنّ هذا كفرٌ أكبر يُخرِجُ من الملّة" (^١).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض ما ظهر لي من فوائد للقاعدة:
أولًا: هذا الحكم الذي دلت عليه القاعدة عام ومطرد في جميع الكائنات؛ وليس خاصًا بالأسباب المؤثرة فحسب؛ فمن اعتقد في أي مخلوق كائنًا ما كان له يفعل بذاته ويوجد الشيء بنفسه ومشيئته استقلالًا بدون إرادة الله ومشيئته وقدرته فقد أشرك بالله شركًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام؛ حتى ولو كان الفعل مقدورًا للبشر، فكيف إذا وجد في الأمة من يعتقد في أصحاب القبور من يفعل وينفع ويضر بروحه، ويعتقدون أن في أيديهم الشفاء، والعطاء، والصحة وغير ذلك من أمور تتعلق بالدنيا بل والآخرة كذلك؛ من مغفرة الذنوب وستر العيوب، وهداية القلوب، ودخول الجنة (^٢).
ثانيًا: الواجب اعتقاد تأثير الأسباب في مسبَّباتها بمشيئة الله وإذنه وقدرته، وبما أودعه فيها من الطبيعة والعادة، كما أن الأسباب نفسها وجدت بإيجاد الرب تعالى، وهو سبحانه الجاعل فيها التأثير في المسببات، فنفي كون الأسباب مؤثرة بإذن الله تعالى قدح في العقل.
يقول الألوسي: "فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها، ولكن بإذنه، وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر، ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه:
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ص ١٥١).
(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٥/ ١٩٧).
[ ٢ / ٨٤٧ ]
﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]؛ إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق، وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة، ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول: إلهي ما أودعتني شيئًا، ولا منحتني قوة، وما أنا إلا كَيَدٍ شلاء، صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال، وتصول وتجول في ميدان الأفعال؛ أفيقال لليد الشلاء: لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي، ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحَرِية بتلك المقالة" (^١).
ثالثًا: تضمنت القاعدة بيان حكم من اعتقد في السبب بذاته دون مشيئة الله تعالى، وأن ذلك شرك أكبر في الربوبية والإلهية، وقد مضى بيان شيء من ذلك فيما سبق، والحاصل أن من اعتقد في الأسباب أو في غيرها من المخلوقات أنها فاعلة ومؤثرة بدون مشيئة الله وإرادته الكونية كان واقعًا في شرك الربوبية، وهو نسبة الخلق والإيجاد لغيره ﷾.
فإذا استقرت هذه العقيدة الشركية في القلب استلزمت أعمالًا قلبية أخرى؛ من التوكل والالتجاء والخوف والرجاء والرهبة والمحبة والطمأنينة لهذه الأسباب، وهذه من أعظم العبادات القلبية التي من صرفها لغير الله تعالى وقع في شرك العبادة.
فالالتفات إلى الأسباب شرك بالله تعالى؛ لأنه تضمن صرف العبادة لغيره سبحانه؛ من اعتماد القلب، ورجائه، والاستناد إلى غيره ﷿؛ فإن وجد ذلك مع اعتقاد استقلالية تأثيرها في المسببات كان شركًا أكبر كما سبق بيانه.
واعلم أنه ليس في المخلوقات من يستحق هذا؛ لأنَّه لا يوجد سبب مستقل بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، وما ثَمَّ علة تامة إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا بد
_________________
(١) روح المعاني (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ٨٤٨ ]
أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل مُسَبَّبُه، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيده إن لم تصرف المفسدات، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو المقتضي بنفسه (^١).
وعليه فلا يستقيم عقلًا ولا شرعًا صرف العبادة، أو الاعتقاد في مثل هذه الأسباب الناقصة الضعيفة التي لا تفي بالمطلوب لوحدها.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها، وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل" (^٢).
هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه بعد انتفاء المانع ووجود المقتضي فلا بد من تسخير مسبب الأسباب وخالق الأسباب، فالرجاء يجب أن يكون كله للرب، والتوكل عليه، والدعاء له، فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن وإن شاءه الناس (^٣).
رابعًا: في القاعدة رد على الفلاسفة والطبائعيين الذين يعتقدون في الأسباب، وأنه لا يمكن تجريدها عن آثارها ونتائجها، فهي ليست عندهم مربوبة مسخرة، بل هي فاعلة منتجة بذاتها.
يقول الإمام ابن القيم: "فهكذا سائر أفعاله سبحانه، مع أنه أشهد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٧).
(٢) المصدر السابق، وانظر: (٨/ ١٦٩ - ١٣٣)، وبيان تأسيس الجهمية (٢/ ٤٥٧).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٦٦).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
عباده بذلك: أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها.
ويقولون لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة، ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته، وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة، مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالها، ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار، الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله، والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها" (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص ٢٥٦).
[ ٢ / ٨٥٠ ]
المبحث السادس
قاعدة الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى * معنى الشفاعة لغة وشرعًا
الشَّفاعة على وزن (فَعَالَة) مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (شَفَعَ)، والشَّفْعُ ضد الوتر، يقال: كان وترًا فشفعه من باب قَطَعَ، فالشَّفْعُ: ما شَفَعَ غيره وجعله زوجًا جمع أَشْفاعٍ وشُفَّاع، وكذلك شَفَعَ الشيء شَفْعًا: ضم مثله إليه، وجعله زوجًا، وتَشَفَّع إليه في فلان فَشَفَّعَهُ فيه تَشْفِيعًا: قبل شفاعته فيه، ويقال: هو مُشَفِّعٌ: يقبل الشفاعة وهو مُشَفَّعٌ: مقبول الشفاعة. واسْتَشْفَعَ: طلب الناصر، والشَّفِيع والشَّافِع: صاحب الشفاعة، والشَّفَاعَة: كلام الشفيع والجَمعُ شُفَعاء وهو الطالبُ لغَيرِه يَتَشَفَّعُ به إلى المَطلوب (^١).
_________________
(١) انظر: تاج العروس (٢١/ ٢٨٢ - ٢٨٦، ٢٨٥، ٢٨٣)، ومقاييس اللغة (٣/ ٢٠١)، والصحاح (٣/ ١٢٣٨)، ولسان العرب (٧/ ١٥٠ - ١٥٢)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٨٠)، ومختار الصحاح (١٤٤)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٨٧).
[ ٢ / ٨٥١ ]
هذا هو أصل مادة (شَفَعَ)، وعليه فمعنى الشَّفَاعَة في اللغة من الشَّفْعِ؛ كأن المَشْفُوع له كان فردًا فجعله الشَّفِيعُ شفْعًا، ولذا عرَّفها الراغب بقوله: "والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة" (^١).
وهذا المعنى هو حقيقة الشفاعة الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وبهذا عرَّفها أهل العلم، وأذكر فيما يلي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
يقول الزبيدي: هي كلامُ الشَّفيع للمَلِكِ في حاجةٍ يسألُها لغيرِه، وَشفَع إليه في معنى طَلَبَ إليه.
وقيل: الشَّفاعة: التَّجاوُزُ عن الذُّنُوبِ والجرائم.
وقيل: الشّفاعَةُ المُطالَبةُ بوَسيلةٍ أو ذِمامٍ (^٢).
وفسَّر بعض أهل اللغة الشفاعة الواردة في قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ذعِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أن الشفاعة ها هنا هي الدعاء (^٣).
وقال أبو جعفر الطبري: "والشفاعة: مصدر من قول الرجل شَفَعَ لي فلان إلى فلان شفاعة: وهو طلبه إليه في قضاء حاجته، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع؛ لأنَّه ثَنَّى المستشفع به فصار له شفعًا، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردًا فصار صاحبه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة؛ ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعًا لمصير البائع به شفعًا" (^٤).
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٣).
(٢) انظر: تاج العروس (٢١/ ٢٨٦)، وبه قال الأزهري في تهذيب اللغة (١/ ٢٧٨).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٧٨)، وقد نقله الأزهري عن المبرد وثعلب.
(٤) تفسير الطبري (١/ ٢٦٧).
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وقال أبو السعود في تفسيره: "الشفاعة: هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه من مضرة ما كذلك، من الشفع كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا" (^١).
ويقول الإمام القرطبي: "فالشفاعة إذًا ضَمُّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشَفِّع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له" (^٢).
وعرَّفها الإمام ابن تيمية بقوله: "والشَّفاعة هي الدعاء" (^٣).
وعرَّفها الشيخ مبارك الميلي (^٤) بقوله: "فالشَّفاعة تحمل معنى الضم والإعانة للمشفوع له، ومعنى الجاه والحرمة للشفيع عند المشفوع إليه، فسعيك لآخر في حاجة له عند عظيم شفاعة، وأنت شفيع، وذلك الآخر مشفوع له، وذلك العظيم مشفوع إليه، وقضاء تلك الحاجة تشْفِيع" (^٥).
هذا بعض ما وقفت عليه من كلام العلماء في تحرير معنى الشفاعة (^٦) والحاصل أن الشفاعة في حقيقتها أنها دعاء الشافع لربه تبارك
_________________
(١) تفسير أبو السعود (٢/ ٢١٠)، وانظر: روح المعاني (٥/ ٩٧).
(٢) تفسير القرطبي (٥/ ٢٩٥)، وانظر: (١/ ٣٦٨)، وفتح القدير (١/ ٤٩٢)، وعمدة القارئ (٤/ ١٠).
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٣٠).
(٤) هو: العلامة الشيخ السلفي مبارك بن محمد الهلالي الميلي الجزائري، ولد سنة ١٣١٦ هـ، بقرية ميلية من نواحي قسنطينة (شرق الجزائر)، درس على العلامة ابن باديس، ثم التحق بعد ذلك بجامع الزيتونة بتونس وتتلمذ على علمائها، من أعماله: عين عضوًا في مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأمينًا لماليتها، مؤلفاته: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ورسالة الشرك ومظاهره، ومجموعة من المقالات القيمة والبحوث، توفي سنة ١٩٤٥ هـ. [ترجمته في: معجم المؤلفين (٣/ ١٣)، برقم (١١٣٣٨)].
(٥) رسالة الشِّرك ومظاهره (ص ٢١٧).
(٦) انظر للوقوف على المزيد من أقوال أهل العلم في تحرير معنى الشفاعة: التوقيف =
[ ٢ / ٨٥٣ ]
وتعالى للمشفوع له لينال الخير والأجر والنعيم، ويوقى الشر والعذاب، ولكنها أخص من الدعاء من حيث إن الدعاء يتصور أن يصدر من شخص واحد يطلب أمرًا له أو لغيره من غير طلب المدعو له لهذا الأمر، بل قد لا يعلم به أصلًا ولا يتصوره في نفسه، وهذا بخلاف الشفاعة إذ لا تكون إلا إذا كان هناك شخصان يطلبان أمرًا، فيشفع أحدهما الآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره (^١).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
دلت القاعدة في الجملة على أمرين عظيمين:
الأول: أن مالك الشفاعة هو الله تعالى، فلا يملكها مخلوق على الإطلاق لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا صالح ولا جن ولا إنس، بل هي حق الله الخالص الذي لا يشركه فيه مخلوق بحال.
الثاني: أن الأصل في الاستشفاع وهو طلب الشفاعة أن يكون من مالكها وهو الرب تعالى، أو ممن أذن الله تعالى أن يستشفع به فمن طلبها من غير الله أو من غير من أذن له وقع في الشرك الأكبر.
فالقاعدة قررت ملك الله تعالى الكامل للشفاعة واستقلاله بها، فالمخلوقات دونه سبحانه لا تملك شيئًا من هذه الشفاعة على الإطلاق، وعليه فلا تطلب إلا من مالكها أو ممن أذن له سبحانه أن يشفع.
_________________
(١) = على مهمات التعاريف (ص ٤٣٢)، فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٤١)، الكليات لأبي البقاء (ص ٥٣٦)، لوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٢٠٤)، روح المعاني (٥/ ٩٧)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٤٨٦)، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ٣٣١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٢)، والتوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني (ص ٧٣).
[ ٢ / ٨٥٤ ]
يقول الإمام ابن تيمية: "إذ المخلوق لا يملك شيئًا يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]: أن هذا عام مطلق؛ فإن أحدًا ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوك لهم" (^١).
ولزيادة التوضيح والبيان لمعنى القاعدة فإن الاستشفاع وهو طلب الشفاعة يكون على ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: طلب الشفاعة في الدنيا ممن هو حي حاضر وقادر على أداء الشفاعة، وتكون الشفاعة فيما أباحه الله ورضيه لا فيما حرمه ومنعه، والشافع سائلٍ وداعٍ قد تقبل شفاعته بما له عند المُشَفِّع من المكانة والمنزلة والجاه وقد ترد، وهذه الشفاعة شاملة لأمور الدنيا والآخرة، وقد يكون المشفوع إليه هو الله تعالى وقد يكون غيره، فهذا مما أمر الله به أو أباحه (^٢).
الحالة الثانية: طلب الشفاعة في الدنيا من الميت، أو من الحي الغائب، سواء كان موضوع الشفاعة يتعلق بأمر دنيوي، أو بأمر أخروي: فهذه هي الشفاعة الشركية، وهي شفاعة المشركين وقد أبطلها القرآن ونفاها في غير ما موضع، ولذا لم يثبت عن أحد من الصحابة -﵃- ولا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٧).
(٢) يقول العز بن عبد السلام فيما يتعلق بمصالح الشفاعات الدنيوية ومقاصدها: "وأما الشفاعات، فمصالحها للشافعين أخروية إذا قصدوا بذلك وجه الله ﷿، وأما المشفوع لهم فإن كانت الشفاعة في أمر دنيوي فهي دنيوية وسيلتها خير منها، وإن كانت أخروية كمن يشفع [في] تعليم علم، أو إعانة على عبادة من العبادات؛ كالجهاد والحج فهي للمشفوع له أخروية، وأجر المشفوع إليه أفضل من أجر الشافع؛ لأن الشافع مسبب، والمشفوع إليه مباشر، والمقاصد أفضل من الوسائل". [الفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام وهو المسمى بالقواعد الصغرى (ص ٦٠)، وما بين المعقوفتين لعله سقط وهي زيادة يقتضيها السياق].
[ ٢ / ٨٥٥ ]
عن تابعيهم، ولا عن أحد من سلف الأمة أنه دعا ميتًا أو غائبًا أو طلب منه الشفاعة.
ومن المعلوم بداهة أن طلب الشفاعة من أحد يلزم منه علم الشافع بهذه الشفاعة، ثم أداؤها، والميت أو الغائب إذا اسْتُشْفِعَ به فإنه لا يعلم بهذه الشفاعة، ولا يستطيع أداءها بحكم موته أو غيبته، وعليه فإن الشفاعة باطلة من أساسها (^١).
الحالة الثالثة: طلب الشفاعة يوم القيامة، وهذه على ضربين:
أحدهما: شفاعة مثبتة وهي شفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وهي جائزة ونافعة إذا تحققت فيها شروط قبول الشفاعة وهي: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع وللمشفوع له أن يشفع فيه (^٢)، ثم رضاه ﷿ عن الشافع والمشفوع له (^٣).
_________________
(١) والذي يطلب الشفاعة من الميت فإنه يعتقد علم الميت بحاله وسماعه لكلامه، وقدرته على أداء الشفاعة وتحقيق ما طلبه منه، ولا شك أن الميت ليس بوسعه فعل كل ذلك، ولذا بيَّن النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - انقطاع الأعمال عن الميت إلا ما استثناه - ﷺ - فقال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". [أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (٣/ ١٢٥٥)، رقم (١٦٣١)]. يقول الشيخ عبد الله أبا بطين في حديث انقطاع عمل الميت: "فدل على أن هذه الأشياء التي يطلبها المشركون من الأموات من قضاء حوائجهم أو الدعاء لهم ونحو ذلك التي هي أعمال صالحة من الحي قد استحال وجودها من الميت، فطلبها منه طلبٌ مستحيل لعجزه حسًّا، فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا". [تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٨٩)، وانظر: البراهين الإسامية (ص ٦٦)].
(٢) يقول الإمام ابن كثير: "وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة". [تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠)].
(٣) هذا هو الذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في أن الإذن والرضا كلاهما يتعلق بالشافع والمشفوع له، خلافًا لمن قصر الإذن على الشافع، والرضا عن المشفوع له. =
[ ٢ / ٨٥٦ ]
الثاني: الشفاعة المنفية وهي التي يتخلف عنها أحد شرطي الشفاعة المثبتة، هذا النوع من الشفاعة غير واقع أصلًا، وإنما شيء تخيله المشركون في أذهانهم المنكوسة، وإلا فمن الذي يتجرأ في ذلك اليوم العصيب أن يتقدم ويتكلم ويخاطب رب العزة بدون إذنه سبحانه، بل قال سبحانه في شأن الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨].
وجملة القول أن الشفاعة إما أن تكون دنيوية يطلبها المستشفع في الدنيا، وإما أن تكون أخروية تطلب في الآخرة، والقاعدة دلت على أن الشفاعة ملك لله تعالى مطلقًا في الدنيا والآخرة، وأما كون طلبها ورجائها من غير الله أو من غير من أذن له شرك فهذا خاص بالحالة الثانية وهي طلب الشفاعة من الميت، أو من الحي الغائمب، الذي ليس
_________________
(١) = يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك أنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩] والشفاعة: مصدر شفع شفاعة، والمصدر يضاف إلى (الفاعل) تارة، وإلى (محل الفعل) تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه (المفعول به) تارة، كما يقال: أعجبني دق الثوب، ودق القصار، وذلك مثل لفظ العلم، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونحو ذلك. والثاني: كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فالساعة هنا معلومة لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١] قال موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، ومثل هذا كثير. فالشفاعة مصدر لا بد لها من شافع ومشفوع له، والشفاعة تعم شفاعة كل شافع وكل شفاعة لمشفوع له، فإذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ [طه: ١٠٩]: نفى النوعين شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين فقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضي له قولًا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولًا من المشفوع له، وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه، والشفاعة يومئذٍ لا تنفع لا شافعًا ولا مشفوعًا له ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨]، فهذا الصنف: المأذون لهم، المرضي قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة وهذا موافق لسائر الآيات". [مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩١ - ٣٩٢)].
[ ٢ / ٨٥٧ ]
في مقدوره أداء الشفاعة، والله تعالى لم يأذن لنا في دعاء الأموات ولا غيرهم إلا هو سبحانه، فقال ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، ومن المعلوم أن طلب الشفاعة من الله تعالى دعاء وهو عبادة فلا يجوز صرفها لغيره ﷾.
ولذلك قسَّم -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشفاعة إلى قسمين، فقال ﵀: "والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية؛ وشفاعة مثبتة: فالشفاعة المنفية، هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله (^١)؛ والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والمثبتة: هي التي تطلب من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ والشافع: مكرم بالشفاعة؛ والمشفوع له: من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن" (^٢).
وأما طلبها في الآخرة ممن أذن له، أو في الدنيا من الأنبياء والصالحين حال حياتهم وحضورهم فهذا جائز لا منع فيه.
_________________
(١) يقول الإمام ابن تيمية: "وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، ويحسن خلقه، ويزكى نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ، سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي، وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه وأما ما يقدر عليه العبد: فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهيًا عنها". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧ - ٦٨)].
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٤)، [وانظر: القواعد الأربع ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٤٥)].
[ ٢ / ٨٥٨ ]
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة، أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك، ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله - ﷺ - إياها يوم القيامة، فهذا لا ينكر، وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته -ﷺ-، وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعته أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام" (^١).
ويقول الشيخ محمد بشير السهسواني: "وجملة القول أن طلب الشفاعة منه - ﷺ - في حياته ثابتة بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه - ﷺ - يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد" (^٢).
ويقول الشيخ حسين بن غنام (^٣) في بيان أن طلب الشفاعة من الميت كفر مخرج عن الدين: "وأما كون الطلب لها والسؤال كفرًا مبيحًا للدم والمال، فهذا كلام فيه غاية الإجمال، بل هو من المغالطة في
_________________
(١) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (٢١٣).
(٢) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دخلان (ص ٣٦٣)، وقال أيضًا: "ثبوت الشفاعة وحصول الإذن يوم القيامة مسلّم لا ينكره أحد من أهل السُّنَّة والجماعة، وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسلم". [المصدر السابق (ص ٣٧٢)].
(٣) هو: الشيخ حسين بن أبي بكر ابن غنام الإحسائي، المالكي مذهبًا، التميمي نسبًا، ولد ببلدة المبرز بالإحساء، ونشأ بها، ثم نزح من الإحساء إلى مدينة الدرعية ونزل على الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأكرماه وأنزلاه المنزلة الرفيعة، فاستقر في الدرعية وجلس فيها لطلبة العلم، وقد ألف مؤلفين هما: العقد الثمين في أصول الدين، وتاريخه المشهور بتاريخ ابن غنام وقد سماه: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام. توفي سنة ١٢٢٥ هـ في الدرعية. [ترجمته في: مشاهير علماء نجد وغيرهم (ص ١٤٧)، ومعجم المؤلفين (١/ ٦٠٥) برقم (٤٥٥٧)].
[ ٢ / ٨٥٩ ]
المناظرة والجدال، والذي نجزم به وندين هو ما أفصح به النور المبين، وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال، في صدور السؤال والمقال:
فما كان في حياته ﵊ فليس إلى منعه من سبيل، لورود النص فيه والدليل، ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور، وحاشا أن يُقِرَّ أحدًا على محظور، فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (^١)، ولو كان سؤالها في حياته شركًا لسدَّ بابه، بل لم تسأل ذلك الصحابة، فلا ريب في جواز ذلك ولا إشكال، وليس للمقال فيه مجال.
وأما بعد موته - ﷺ - فهو مما لا سبيل إليه، والطرق دونه مسدودة، وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة، لا تقاوم قواطع النصوص، ولا تعارض براهين المنع المنصوص على استواء العموم في ذلك والخصوص.
وحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول:
اعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى، لا خلاف فيه بين أهل الحق في ذلك، ولا نزاع، ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع،
_________________
(١) سؤال الصحابة للنبي - ﷺ - الشفاعة والدعاء في حال حياته وحضوره لا يكاد يحصر أو يحصى، ومن ذلك: قول عكاشة بن محصن - ﵁ - في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب: (ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: اللَّهُمَّ اجعله منهم) صحيح البخاري (٥/ ٢١٨٩)، برقم (٥٤٧٤)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٨)، برقم (٢١٨)، وكقول أم سليم: (يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له قال اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) صحيح البخاري (٥/ ٢٣٣٦)، برقم (٥٩٨٤)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥٧)، برقم (٦٦٠)، وقول والد عبد الله بن بسر - ﵁ -: (ادع الله لنا، فقال: "اللَّهُمَّ بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم") صحيح مسلم (٣/ ١٦١٥)، برقم (٢٠٤٢)، وقول المرأة التي كانت تصرع وتتكشف: (فادع الله لي قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها) صحيح البخاري (٥/ ٢١٤٠)، برقم (٥٣٢٨)، وكقول أبي هريرة - ﵁ - في قصة إسلام أمه صحيح مسلم (٤/ ١٩٣٨)، برقم (٢٤٩١)، وغير ذلك كثير.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
الذين يحرفون الكلم على خلاف مراد واضعه، ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه، بل يبتدعون الأقوال، ويخترعون شبه الضلال.
فإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين، وأنها داخلة في جملة أنواع الدين، الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين: امتنع صرفها لغيره، فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبيّ، ولا ملك مقرب ولا وليّ؛ لأن ذلك من الشرك الجلي، إلا أن الدليل القاطع خصَّ عموم النهي بالأموات لقيام المانع، ودلَّ على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه وكذلك الاستشفاع، كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع، وأنهما خارجان من عموم الامتناع" (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
علمنا مما سبق دلالة القاعدة على أمرين:
الأول: استقلاله سبحانه وتفرده بملكيته للشفاعة دون غيره من الخلق.
الثاني: طلب الشفاعة من غير الله تعالى مباشرة، أو من غير من أَذن له تعالى يوقع في الشرك بالله العظيم.
وفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من أدلة تدل على كلا الأمرين الذين اشتملت عليهما القاعدة:
أولًا: أدلة عامة دلت على ملكية الله تعالى لجميع ما في الكون، بل هو مالك الدنيا والآخرة والشفاعة داخلة في هذا العموم، ومن تلك الآيات:
_________________
(١) انظر: العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين، للشيخ حسين بن غنام (١٦٩ - ١٧١)، بتصرف.
[ ٢ / ٨٦١ ]
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله ﷿: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عز من قائل: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٥، ١٦].
يقول الإمام السمعاني في قوله تعالى: ﴿مالك الملك﴾: "ومعناه مالك العباد وما ملكوه" (^١).
ويقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: "بل الكلك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي كلهم مملوكون لله ليس لأحد من الملك شيء" (^٢).
ثانيًا: تصريحه ﷾ بملكه التام للشفاعة وأنه لا يشركه فيها أحد من الخلق مهما كانت مكانته ومنزلته، ومن تلك الآيات:
قوله سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
بيَّن ﷾ ضعف هؤلاء الشفعاء وأنهم لا يملكون مثقال ذرة، لا
_________________
(١) تفسير السمعاني (١/ ٣٠٦).
(٢) تفسير السعدي (ص ٤٦٩)، وانظر (ص ٥٧٧).
[ ٢ / ٨٦٢ ]
شفاعة ولا غيرها، وأن الشفاعة جميعها خالصة لله تعالى ملكًا وتصرفًا، وعليه فيجب ألا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى أو ممن أذن له تعالى أن يشفع.
يقول البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: "والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل بها، ثم قرر ذلك فقال: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ يوم القيامة، فيكون الملك له أيضًا حينئذٍ" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم في بيان معنى الآية: "فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه.
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه" (^٢).
ويقول الشيخ السندي: "وثبوت الشفاعة لا يوجب أنه يملك شيئًا، سيما إذا كان محتاجًا فيها إلى الإذن من الله تعالى فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ " (^٣).
_________________
(١) تفسير البيضاوي (٥/ ٧٠).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٠)، وانظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٤).
(٣) حاشية السندي على سنن النسائي (٦/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٨٦٣ ]
ثالثًا: أدلة دلت على أن الله هو المالك الحق للشفاعة دون غيره من الآلهة، ومع ملكه التام لها فقد أذن لمن شاء من عباده أن يشفع فيمن شاء منهم، ومن تلك الأدلة:
قوله ﷿: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧].
نفى الله سبحانه في الآيتين الشفاعة عمن دعي وعبد من دونه ثم استثنى بعد ذلك، وهذا الاستثناء فيه قولان لأهل العلم: الأول: أنه استثناء متصل، فقيل: المستثنى هو الشافع، وقيل بل هو المشفوع له، والثاني: أن الاستثناء في الآية منقطع وهذا هو الراجح (^١).
يقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للقولين: "قلت: كِلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، وكل من دعي من دون الله لا يملك الشفاعة البتة، والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله" (^٢).
وقال ﵀ أيضًا: "والمقصود هنا أن قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ فهذا استثناء منقطع، والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين
_________________
(١) ورجح هذا القول جمع من أهل العلم منهم الإمام ابن تيمية كما في النقل الآتي، وابن القيم، وابن كثير في تفسيره (٣/ ١٣٩)، و(٤/ ١٣٧)، وغيرهم، وانظر: أضواء البيان (٣/ ٥١٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٢)، وانظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣٥).
[ ٢ / ٨٦٤ ]
المذكورين، فلما نفى ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا مالك لها، كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد فقال: نعم" (^١).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: ليست الشفاعة ملكهم ولا لهم منها شيء، وإنما هي لله تعالى قل لله الشفاعة جميعًا" (^٢).
وقد يقال: إن من أَذن الله له في الشفاعة فقد مَلَّكَه ما أُذن له فيه، ولا يقال: إنه مالك للشفاعة بإطلاق، ولكن يقال: إن الله ملكه ذلك بإذن خاص، فهو مالك لما أذن له فيه فقط، أما ما لم يؤذن له فيه فلا يملك منه شيئًا.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وقد بين تعالى في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك" (^٣).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين في رده على ابن جرجيس على قوله: إن الله ملَّك المؤمنين الشفاعة. فقال: "فإطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة خطأ، بل الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي - ﷺ - أن الأنبياء يشفعون والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال: إنه مَلَكَ ما أُذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلَّق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال" (^٤).
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٩).
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٠).
(٣) أضواء البيان (٣/ ٥١٦).
(٤) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ١١٥).
[ ٢ / ٨٦٥ ]
مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
وهذه الآية قطعت أصول الشفاعة الشركية، إذ نفت ملك الآلهة المعبودة لشيء من ذرات الكون لا استقلالًا ولا مشاركة ولا معاونة، ولم تبق إلا الشفاعة فبيّن الله أنها لا تنفع إلا من بعد إذنه سبحانه ورضاه (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن غير الله لا يستقل بفعل شيء البتة، فغير الله لا مالك لشيء، ولا شريك في شيء، ولا هو معاون للرب في شيء، بل قد يكون له شفاعة إن كان من الملائكة والأنبياء والصالحين، ولكن لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، فلا بد أن يأذن للشافع أن يشفع، وأن يأذن للمشفوع له أن يُشْفَع له، ومن دونه لا يملكون الشفاعة البتة" (^٢).
وقال ﵀ أيضًا: "وأما في الملك فلا يمكن أن يكون غيره مالكًا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكًا لها، بل هذا ممتنع كما يمتنع أن يكون خالقًا وربًّا، وهذا كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ فنفى الملك مطلقًا، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقًا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيًا مطلقًا بغير استثناء، وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه فلما قال: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٥)، وانظر: (٧/ ٧٧)، و(٨/ ٥١٩ - ٥٢٠).
[ ٢ / ٨٦٦ ]
[الأنعام: ٥١] نفى الشفاعة مطلقًا، وإذا ذكر ﴿بِإِذْنِهِ﴾ لم يقل: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] " (^١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
أدرك أهل العلم -﵏- خطورة مسألة الشفاعة وسؤالها من غير مالكها، ولذا كثر اهتمامهم ببحثها وتقريرها وضبطها، كيف لا وهي سبب الضلال والانحراف لكثير من الأمم والشعوب في حاضر تاريخها وغابره، فوقعوا بسببها في الشرك بالله العظيم، وصرفت العبادة لغير الله المولى ﷾ (^٢)، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من كلام أهل العلم في تقرير وتأييد معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن تيمية في شأن المشركين: "لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه، فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة، وهذا نوع من الشرك، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله" (^٣).
ويقول - الإمام المجدد - الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي - ﷺ - ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة لله كلها فاطلبها منه فأقول: اللَّهُمَّ لا تحرمني شفاعته، اللَّهُمَّ شفعه في وأمثال هذا" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٦).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢١٤).
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٢٢).
(٤) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (الرسالة السابعة عشرة، رسالة إلى أهل المغرب) (٣/ ٦٣).
[ ٢ / ٨٦٧ ]
ويقول ﵀: "فالشّفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى" (^١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: "أي: هومالكها، فليس لمن تطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون كل من سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلا لله" (^٢).
ويقول الشيخ السعدي: "فإذا أراد رحمة عبده أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع رحمة بالاثنين، ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]؛ أي: جميع ما فيها من الذوات والأفعال والصفات فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها وتخلص له العبادة" (^٣).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "والمقصود أن الشفاعة ملك لله ﷿ ولا تُسأل إلا منه، كما لا يكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة" (^٤).
ويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "فإذا تبيَّن حَدُّ الشفاعة وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله ﷾ وإكرام أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة ورجائها، فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلّون، ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذن لهم بالشفاعة" (^٥).
_________________
(١) الرسائل الشخصية ضمن مجموع مؤلفات محمد عبد الوهاب (الرسالة السابعة عشرة، رسالة إلى أهل المغرب) (٣/ ٦٣).
(٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(٣) تفسير السعدي (ص ٧٢٦).
(٤) معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٨٨٨ - ٨٨٩).
(٥) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢٢٣).
[ ٢ / ٨٦٨ ]
هذا ما وقفت عليه من ألفاظ العلماء في تأييد معنى القاعدة وتقريرها.
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في أمور عديدة، ومن تلك الفوائد ما يلي:
أولًا: دلت القاعدة على ثبوت الشفاعة الشرعية في الآخرة، وهذا هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أخذًا بالنصوص الصريحة الدالة على ثبوتها، وذلك خلافًا لمن أنكرها من أهل البدع وتأول فيها النصوص على غير وجهها، والحق أنها ثابتة لمن أذن الله له في الآخرة أن يشفع من الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وغيرهم، فهي نائلة كل من مات على التوحيد والإيمان وكان مقترفًا لكبائر الذنوب بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا - ﷺ - وغيره في أهل الكبائر، وأما أهل السُّنَّة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا - ﷺ - في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له، ويحد له حدًّا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة" (^١).
ثانيًا: دلت القاعدة على أن طلب الشفاعة في الدنيا من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو أو من غير إذنه شرك بالله تعالى؛ لأنها متضمنة
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٠)، والفصل في الملل والأهواء (٤/ ٥٣).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
لسؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والإقبال عليه، رغبة ورهبة، وفي هذا إعراض عن الله وقصده وإرادة وجهه، فلا يشرع دعاء الملائكة ولا من مات من الأنبياء والصالحين لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقوع في الشرك بالله تعالى.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فإن قلت: إنما حكم ﷾ بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط فهو لم يعبدهم فلا يكون ذلك شركًا.
قيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك لازم له، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب ﷾، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى.
وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم، فإدن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم للشفاعة فقد عبدهم، وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى" (^١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات يتضمن أنواعًا من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دودن الله، ورجائه والرغبة إليه والإقبال عليه بالقلب والوجه واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله" (^٢).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإدن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان آل الشيخ (ص ٢٢١)، وأصل الكلام لابن القيم. انظر: إغاثة اللهفان (١/ ٦٢).
(٢) القول الفصل النفيس (ص ٩٠)، وانظر: فتح المجيد (ص ٥٩).
[ ٢ / ٨٧٠ ]
والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله، وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك، وإذا سألهم معتقدًا تأثيرهم من دون الله فهو أكبر وأطم" (^١).
ويقول الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى: "قد أخبر تعالى أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا ممن هي له، وإذنه فيها وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم، ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علمًا يقينيًا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به الرسول - ﷺ - من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص" (^٢).
ولذا يقول الشيخ الشنقيطي مبينًا ومقررًا أن طلب الشفاعة من غير الله، واتخاذ الشفعاء بقصد القربة إلى الله تعالى هو أصل شرك المشركين، فقال: "ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار" (^٣).
ثالثًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة لا تطلب إلا من مالكها، فلا تطلب ممن لا يملكها، ولم يؤذن له فيها، وكون الملائكة والأنبياء يشفعون في الآخرة فإن هذا لا يجيز دعاءهم وطلب الشفاعة منهم بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لما يترتب على طلب الشفاعة منهم من مفسدة التوجه إلى غير الرب تعالى.
_________________
(١) البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ١١٦)، ويقول أيضًا: "فإن تعليق القلب والهمة بغير الله، والإقبال على سواه تعالى هو عين الشرك الأكبر الذي أنكره القرآن، وكفر أهله، وأباح دماءهم وأموالهم لأهل التوحيد والإيمان". [اليراهين الإسلامية (ص ٦٨)].
(٢) الرد على شبهات المستعينين بغير الله (ص ٤٥).
(٣) أضواء البيان (٦/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٨٧١ ]
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة، وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين:
أحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم، فلا فائدة في الطلب منهم.
الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم، ففيه هذه المفسدة، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه، فإنهم ينهون عن الشرك بهم، بل فيه منفعة: وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذٍ من نفع الخلق كلهم؛ فإنهم في دار العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة" (^١).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإن قال: النبي - ﷺ - أُعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله! فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، فإذا كنت تدعو الله أن يُشَفِّعَ نبيه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾.
وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي - ﷺ -، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إنه الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم، فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢١).
[ ٢ / ٨٧٢ ]
رابعًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة ملك لله تعالى ليس لأحد من الخلق حق فيها، بحيث يشفع لمن شاء كيف شاء في الوقت الذي يشاء، وهذا ما أوقع أهل الشرك والتنديد في الشرك بالله العظيم، حيث ادعوا لآلهتهم وأوليائهم هذا الحق، والشبهة التي أوقعتهم في هذا الجرم العظيم أنهم قاسوا الله تعالى على ملوك الدنيا حيث لا تستطيع الرعية سؤال الملك والطلب منه مباشرة، وإنما يرفعون أمرهم إلى المقربين من حاشية الملك وخاصته، وهم يرفعونها إلى الملك، فحقيقة أمرهم تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا من أقبح الشرك والتنديد.
وممن فنَّد هذه الشبهة وأطال في إبطالها الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في معرض رده على زعم مشركي العرب بأن للملائكة حق الاختيار في الشفاعة بدون إذن الله تعالى، فقال ﵀: "شبهة هذا الفريق هي القياس على ملوك الدنيا كأنهم يقولون إننا نرى الملك من ملوك الدنيا لا يخلو أن يكون لديه أشخاص مقربون تعرض الناس عليهم حوائجهم فيعرضها المقربون على الملك، ويسألونه قضاءها فيقضيها إكرامًا لهؤلاء المقربين وَيُعَدُّ هذا من تمام عظمة الملك؛ لأن من الحوائج ما لا يَحْسُن عرضها على الملك بدون واسطة، ومن أصحاب الحوائج من لا يليق لمخاطبة الملك؛ إما لدناءته، وإما لإساءة تقدمت منه، ومنهم من لا يستحق أن تقضى حاجته، ولكن إذا شفع فيها أحد المقربين قضاها الملك؛ لأن ذلك المقرب يستحق الإكرام.
الجواب: قد أبطل الله ﷿ هذه الشبهة بإخباره أن الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فهم بغاية التعظيم لربهم ﷿ والمحبة له، والاجتهاد في مرضاته. إن أحبوا أن يشفعوا لأحد فإنما ذلك لعلمهم بأن ربهم ﵎ يحب الشفاعة له ويرضاها، وقد أخبر الله تعالى عن بعض شفاعتهم بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
[ ٢ / ٨٧٣ ]
وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ [الشورى: ٥ - ٦] وبيَّن استغفارهم لمن هو بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فأنت تراهم إنما شفعوا لمن تاب واتبع سبيل الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وإذا كان الأمر كذلك فطريق التوصل إلى شفاعة الملائكة إنما هي بطاعة الله تعالى، واتباع سبيله، والتوبة من الذنوب، ونحو ذلك، فأما تعظيمهم فإنه لا يحملهم على الشفاعة، بل إذا علموا أن تعظيمهم معصية لله تعالى، وكفر به كان أبغض الأشياء إليهم، فهم إلى أن يسألوا الله تعالى تعذيب فاعله أقرب من أن يشفعوا له، وكذا يقال في سؤال الشفاعة منهم" (^١).
ويبين الإمام ابن القيم خطأ هذا القياس فيقول: "وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده؛ لا خلقًا، ولا أمرًا، ولا إذنًا، بل هو
_________________
(١) العبادة للشيخ عبد الرحمن المعلمي، (لوحة/ ٥٨٤ - ٥٨٦) بشيء من الاختصار والتصرف، وهو مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية (فلم/ ٣٥٧٧)، وقرر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في آخر كلامه: "والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى". [انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦ - ١٣٤، ١٢٩ - ١٣٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٢٢١)، تفسير السعدي (ص ٧١٨)].
[ ٢ / ٨٧٤ ]
سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه" (^١).
ويقول الإمام الصنعاني: "وأما قياس رب العالمين على الكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصه وأوليائه من يشفع عنده في الحوائج، فهذا قياس فاسد، والفرق بينهما هو الفرق بين الخلق والخالق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة له إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فأي قياس أبطل في الوجود من هذا القياس، مع مخالفته النصوص القرآنية، والسُّنَّة الإلهية، والطريقة الإيمانية" (^٢).
خامسًا: أفادت القاعدة جواز طلب الشفاعة ممن أذن له الرب ﵎ حال حياته وفي حضوره بعد رضاه عن المشفوع له، والله تعالى لا يرضى إلا بالتوحيد وإخلاص الدين له، وعليه فمن كان واقعًا في الشرك بالله العظيم فإن الله لا يأذن في الشفاعة فيه مطلقًا ولو بلغ الشفيع من المكانة والمنزلة ما بلغ.
يقول الله تعالى في شأن الكافرين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨]، وقال تعالى حاكيًا لقولهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وقال ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ [الروم: ١٣]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣].
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٢).
(٢) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، للصنعاني (ص ٦١).
[ ٢ / ٨٧٥ ]
وقال سبحانه عن الملائكة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]، مع قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض" (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما الشفاعة والدعاء: فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا -فلا شفيع أعظم من محمد -ﷺ- ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقد كان -ﷺ- أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] " (^٢).
سادسًا: الأصل الذي دلت عليه الأدلة المتعاضدة من الكتاب والسُّنَّة، أن الكفار الذين ماتوا على الشرك لا تنالهم الشفاعة أبدًا، ولا
_________________
(١) أضواء البيان (١/ ٣٥)، ويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧]: "أي: لا يملك المجرمون الشَّفاعة؛ أي: لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنَّهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم، فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى". [المصدر السابق (٣/ ٥١٥)].
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥)، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٥٣).
[ ٢ / ٨٧٦ ]
يجوز للمسلم أن يشفع فيهم ما داموا على كفرهم وعنادهم، ويستثنى من ذلك أمران:
الأول: شفاعته - ﷺ - لأهل الموقف (الشفاعة العظمى).
الثاني: شفاعته - ﷺ - لعمه أبي طالب (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي - ﷺ - في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار.
وأيضًا ففي "الصحيح" عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا" (^٢).
والحاصل أن هذه الشفاعة في تخفيف العذاب لا في رفعه بالكلية، وهي خاصة بالنبي - ﷺ - وبأهل الموقف وبعم النبي -ﷺ- أبي طالب.
يقول ابن العربي: "وهذه شفاعة في تخفيف العذاب" (^٣).
ويقول القرطبي ﵀: "لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير، لكن مع انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب، فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] " (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب عن العباس بن عبد المطلب -﵁- (قال للنبي -ﷺ-: ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٨/ ١٤٠٣)، برقم (٣٦٧٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب: قصة أبي طالب (١/ ١٩٤)، برقم (٢٠٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١١٦ - ١١٧).
(٣) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٥٩٤).
(٤) تفسير القرطبي (٨/ ١٦٢ - ١٦٣).
[ ٢ / ٨٧٧ ]
ويقول الإمام ابن تيمية: "فإذا كان في الكفار من خفَّ كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه، لا في إسقاط العذاب بالكلية" (^١).
ويقول الإمام ابن كثير في شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب: "وقد يكون هذا خاصًا بأبي طالب من دون الكفار" (^٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "تنبيه: هذا الذي قررناه من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعًا مطلقًا يستثنى منه شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه -ﷺ- في "الصحيح"، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسُّنَّة" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٤٤).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٨).
(٣) أضواء البيان (١/ ٣٦)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٧).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
المبحث السابع
قاعدة كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة
بيان معنى الدعاء وأقسامه:
الدُّعاءُ مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (دَعَوَ)، تقول: دعوت الشيء أدعوه دعاء، وهو مصدر ممدود الآخر، على وزن (فُعَالٌ)، تقول: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوَى وأَلِفُها للتَّأْنِيثِ، وبعضُ العَرَبِ يُؤَنِّثُ الدَّعْوَةَ بالأَلِفِ فيقولُ الدَّعْوَى.
والهمزة في (دعاء) منقلبة عن واو، والأصل (دعاو)، فهي واوية الأصل، تقول: دعوتُ أدعو دُعاءً فأنا داعٍ والمفعول مدعوِّ، فهذا يدل على أن أصل الهمزة في دعاء الواو، وإنما أبدلت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة (^١).
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٣٧)، وجمهرة اللغة، لابن دريد (٢/ ١٠٥٩)، وتاج العروس (١٠/ ١٢٦).
[ ٢ / ٨٧٩ ]
وقد أرجع ابن فارس معاني مادة (دعو) وتصاريفها إلى أصل واحد فقال: " (دعو) الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك" (^١).
يقال: دعا بالشيء دعوًا ودعوة ودعاء ودعوى: طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء يدعو دعاء: رغب فيه وقرب إليه، ودعا فلانًا: سأله واستعان به ورغب إليه وابتهل، ويقال: دعا الله رجا منه الخير، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان طلب له الشر، ودعا إلى الشيء حثه على قصده، ويقال ما دعاه إلى أن يفعل كذا: ما اضطره ودفعه، واستدعاه: صاح به وطلبه واستلزمه، وطلب أن يدعو له، أو فعل ما يستحق أن يدعو عليه، وتداعت عليهم القبائل من كل جانب: اجتمعت عليهم، وتألبت بالعداوة (^٢).
وألصق المعاني بالمعنى الشرعي معنيان:
الأول: السؤال والطلب.
الثاني: الرغبة والرجاء والابتهال.
قال ابن سيده في معنى الدعاء: "طلب الطالب للفعل من غيره" (^٣).
وقال أيضًا: "الدعاء: الرغبة إلى الله ﷿" (^٤).
وقال ابن العربي: "وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّلَبُ" (^٥).
وقال الشوكاني: "لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعًا هو الطلب" (^٦).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٢٧٩).
(٢) انظر: تاج العروس (٣٨/ ٤٦)، والقاموس المحيط (١٦٥٥)، والمعجم الوسيط (١/ ٢٨٦)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٠٠).
(٣) المخصص لابن سيده (١٣/ ٨٨).
(٤) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٣٢٥).
(٥) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١).
(٦) فتح القدير (٤/ ٤٩٨)، وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل (٤/ ٨)، وصيانة الإنسان (ص ٤٢٨).
[ ٢ / ٨٨٠ ]
والدعاء في عرف الشرع ينقسم إلى قسمين:
١ - دعاء العبادة.
٢ - ودعاء المسألة.
فدعاء العبادة هو العبادة نفسها، والتي يتقرب بها العبد إلى ربه ﵎، طالبًا رضوانه والجنة، وأن يبعده من النار وما يقرب إليها، ويدخل في ذلك جميع ما يتعبد به الله تعالى، ومن أعظم العبادات هي سؤاله والطلب منه ﷾، وهو النوع الثاني من أنواع الدعاء وهو:
دعاء المسألة، وهو أن يسأل الله ويطلب منه تحقيق أمر من أمور الدنيا أو الآخرة.
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال؛ إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة" (^١).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان المقصود بدعاء المسألة: "دعاء المسألة: وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة، بقطع النظر عن الامتثال، ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معناه، وهو الدعاء الشامل للعبادة والمسألة" (^٢).
ويقول الشيخ محمود شكري الألوسي معرفًا له: "وهو طلب العبد من ربه بالصيغة القولية" (^٣).
وعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: "وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال" (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٢).
(٢) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٩٢).
(٣) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٣٣٢، ٣٣٥، ٣٣٧).
(٤) القواعد الحسان (ص ١٢٧).
[ ٢ / ٨٨١ ]
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى دعاء العبادة: "أما دعاء العبادة فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات؛ من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج، وغيرها، خوفًا وطمعًا، يرجو رحمته، ويخاف عذابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يريد الجنة ويهرب من النار وهو سائل راغب راهب، يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته، وهو سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في فعل العبادة، وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، بهذا وهذا، قيل اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم، وقيل سلوني أعطكم" (^١).
ويظهر مما سبق أن دعاء العبادة أعم من دعاء المسألة، فالأول يراد به التقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه بجميع أنواع العبادة، ويكون الطلب والسؤال من الله داخلًا تحت عموم العبادة، إذ يعد والحالة هذه فردًا من أفراد العبادة، وهو في نفس الوقت قسيمًا لدعاء العبادة تحت لفظ الدعاء الشرعي العام (^٢).
ومما يدل على كون الدعاء أعم من السؤال تفريق النبي - ﷺ - بين الداعي والسائل كما جاء في حديث (النزول) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ - قال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأستَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغْفِرَ لَهُ" (^٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٢).
(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٦/ ٨٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل (١/ ٣٨٤)، برقم (١٠٩٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢١)، برقم (٧٥٨)، من رواية أبي هريرة -﵁-.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
يقول ابن أبي العز الحنفي: "والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل، ولهذا قال النبي - ﷺ - فذكر حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق ثم قال عقبه: ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص" (^١).
والتوجه بالدعاء لا بد فيه من إرادة وقصد، فإذا أردت بدعائك المعبود نفسه كان ذلك دعاء عبادة، وإذا كان قصدك بدعائك تحصيل أمر، ونيل مطلوب من المعبود كان الدعاء دعاء مسألة.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة، فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد، ودعاء المسألة يكون الله هو المراد منه، كما في قول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فالعبادة إرادته والاستعانة وسيلة إلى العبادة، فالعبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود" (^٢).
ويقول أيضًا: "والدعاء: قصد المدعو والتوجه إليه إما على وجه المسألة، وإما على وجه العبادة المحضة؛ لأن دعاء الشيء هو طلبه وإرادته، سواء طلب لذاته أو للأمر منه" (^٣).
والعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة (^٤): أن دعاء العبادة مُسْتَلْزِم لدعاء المسألة ومتضمن له من جهة، فإن من رضي بالله ربًّا
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٢).
(٢) النبوات (ص ٨٢).
(٣) شرح العمدة (٤/ ٢٧ - ٢٨).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠، ٢٤٣)، وجلاء الأفهام (ص ٨١).
[ ٢ / ٨٨٣ ]
ومعبودًا، وكان خاضعًا ذليلًا، راجيًا محبًا، قائمًا وساجدًا لزمه أن يسأل ربه في كل ما يحتاجه من أمور دينه ودنياه، كأن يسأله القبول والثواب لما يقوم به من العبادة، وهو متضمن لدعاء المسألة بلسان الحال؛ إذ العابد المعظم لمعبوده هو في الحقيقة سائل وطالب منه الرضا والمثوبة.
كما أن دعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة؛ بمعنى: أن بعض أفراد دعاء العبادة داخلة في دعاء المسألة؛ وذلك لكون الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة، ومخها، وروحها، وحقيقتها (^١).
أو يقال: العلاقة بينهما السببية والمسببية، فإن العبادة سبب للدعاء؛ فإن من عبد شيئًا، فإنَّه يدعوه عند احتياجه إليه، وهذا هو الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجئ إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة، أو دفع مضرة (^٢).
ويمكن القول بأن دعاء العبادة ودعاء المسألة يشبه الألفاظ التي إذا اجتمعت في الذكر افترقت في المعنى، وإذا افترقت في الذكر اجتمعت في المعنى؛ ولذا لا يتصور الانفكاك بينهما.
يقول الإمام ابن تيمية: "اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب،
_________________
(١) انظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، للعروسي (١/ ١١٦).
(٢) انظر: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان نقلًا عن الرازي (ص ٤٣٤).
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع" (^١).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن تقسيم الدعاء الشرعي إلى نوعين لا يعني أنهما متضادان أو متباينان بحيث لا يقصد به إلا معنى واحدًا من أنواع الدعاء في كل موطن ورد فيه مع عدم أخذ المعنى الآخر في الاعتبار، هذا لا يحصل؛ لعدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وإنما غاية الأمر أن تكون دلالة السياق أو ما يقترن به على أحد النوعين أظهر من النوع الآخر، وهو في نفس الوقت دال على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي هو فيه أظهر بدلالة المطابقة؛ فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب، فإنَّه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنَّه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام والتضمن من جهة كما سبق تفصيله.
ومن أهل العلم من قسَّم دعاء المسألة إلى قسمين: دعاء عبادة ودعاء عادة.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض، مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد" (^٢).
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٢٨).
(٢) انظر: تعليق الشيخ محمد رشيد على كتاب "صيانة الإنسان" (ص ٣٧٤)، وحياة القلوب بدعاء علام الغيوب، لعبد الظاهر أبي السمح (ص ٣١).
[ ٢ / ٨٨٥ ]
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
المتأمل في آيات القرآن الكريم ونصوص الشرع عمومًا يظهر له صحة هذه القاعدة؛ لأن ذكر أهل العلم لها إنما كان عن استقراء لنصوص الشرع وآيات القرآن المجيد التي جاء فيها ذكر الدعاء، والقاعدة أفادت بأن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة.
وعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه، وعليه فإذا جاء الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره لا يمكن حمله على نوع دون الآخر؛ لأن كلا النوعين مما أحبه ورضيه ﷾، وأمر بأن يصرف له وحده، وكلاهما مما نهى عن صرفه لغيره سبحانه، ولذا فالواجب صرف الدعاء كله لله تعالى، وعدم صرف شيء منه لأحد دونه؛ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم، وهما جميعًا مختصان بالله، حقَّان له لا يصلحان لغيره، بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٦٩).
[ ٢ / ٨٨٦ ]
[الفرقان: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١]، فغير الله لا يجوز أن يكون مستعانًا به، متوكلًا عليه؛ لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلًا" (^١).
ومن أعظم أنواع دعاء العبادة التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هو توحيده سبحانه والإيمان به ﷿، وتعظيمه وإجلاله ﵎.
يقول الإمام ابن رجب: "اعلم أن أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله ﷿ والابتهال إليه؛ كقول الداعي: اللَّهُمَّ اغفر لي، اللَّهُمَّ ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب؛ وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره، وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان فما اسْتَجْلَبَ العبد من الله ما يحب، واسْتَدْفَعَ منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله، وعبادته، وذكره، وهو حقيقة الإيمان، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا" (^٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
لا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى إلا بشيء من الجهد، خاصة بعد التأمل في آيات القرآن المجيد، وأحاديث المصطفى الكريم، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أدلة مما ذكره أهل العلم، أو ظهر لي استقامة الاستدلال به:
أولًا: من المعلوم أن دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يخرجان عن مفهوم العبادة العام، كما سبق بيانه؛ فدعاء العبادة هو العبادة نفسها،
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٥٧).
(٢) فتح الباري، لابن رجب (١/ ٢٠).
[ ٢ / ٨٨٧ ]
ودعاء المسألة دلت النصوص الشرعية على أنه عبادة، كما في حديث النعمان بن بشير - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، إلى قوله: ﴿دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] (^١).
فإذا ثبت كون الدعاء بنوعيه عبادة صح أن يتوجه الأمر أو النهي إليهما جميعًا؛ لأن الله لا يأمر إلَّا بما هو عبادة يحبها ويرضاها، وحمل الأمر أو النهي على أحدهما دون الآخر تحكم بلا دليل، إذ كلاهما محبوب لله تعالى فتوجه إليها الأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب.
لكن قد يكون أحد المعنيين أظهر من الآخر، فهذا لا يعني أن حمله على الآخر يعد باطلًا، بل معناه حق وصواب وإن كان ظهوره ليس كالأول، وذلك إنما يصار إليه إذا كان في النص قرينة تقوي حمله على أحد المعنيين، فإذا لم يكن في الدليل النصي قرينة تحدد أحد المعنيين، تعين حمله على المعنيين جميعًا على السواء؛ لأن حمل النص على أحد المعنيين بدون دليل ولا برهان تحكُم في النص وذلك لا يجوز.
ثانيًا: الأدلة التي جاء فيها الأمر بدعاء الله وحده، والنهي عن دعاء غيره، أو فيها الثناء على الداعين فسَّرها أهل العلم بدعاء العبادة ودعاء المسألة، وفي بعضها نصوا على أن أحد المعنيين أظهر من المعنى
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٧)، برقم (١٨٣٧٨)، وأبو داود في سننه، باب: الدعاء (٢/ ٧٦)، برقم (١٤٧٩)، والترمذي في جامعه (٥/ ٢١١)، برقم (٢٩٦٩)، وقال عقبه: "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه البزار في مسنده (٨/ ٢٠٥)، برقم (٣٢٤٣)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (١/ ٦٦٧)، برقم (١٨٠٢)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وصححه النووي في الأذكار (٣٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر عقب ذكره للحديث: "أخرجه أصحاب السُّنن بسند جيد". [فتح الباري (١/ ٤٩)].
[ ٢ / ٨٨٨ ]
الآخر، مع اعتبار المعنى الآخر، وفيما يأتي بعض هذه النصوص وكلام أهل العلم في بيانها:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
يقول الإمام الطبري: "وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس ادعوني لكم استجب؛ يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دون الأوثان والأصنام وغير ذلك أستجب لكم؛ يقول أجب دعاءكم، فأعفو عنكم وأرحمكم" (^١).
وبعض أهل العلم فسر الدعاء بدعاء العبادة، وممن ذكر هذا البغوي حيث قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإصابة استجابة" (^٢).
وذكر الثعلبي معنى القولين ونسبهما إلى أكثر المفسرين حيث قال: " ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم، وآجركم، وأثيبكم، وأغفر لكم. هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه سياق الآية" (^٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٨)، يقول الإمام الشوكاني: "وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي القبول للدعاء؛ أي: جعله عبادة متقبلة، فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة، والمراد أنه سبحانه يجيب بما شاء وكيف شاء، فقد يحصل المطلوب قريبًا، وقد يحصل بعيدًا، وقد يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه". [فتح القدير (١/ ١٨٤)].
(٢) تفسير البغوي (٤/ ١٠٣).
(٣) تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٩).
[ ٢ / ٨٨٩ ]
أظهر؛ ولهذا أعقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا" (^١).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها" (^٢).
ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: "قال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: اعبدوني أثبكم من عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾، وقال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اسألوني أعطكم، ولا منافاة بين القولين لأن دعاء الله من أنواع عبادته" (^٣).
ثالثًا: ومما يدل على صحة القاعدة مسألة التلازم الحاصل بين دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ إذ كل دعاء عبادة يستلزم دعاء المسألة ويتضمنه من جهة، وكل دعاء مسألة يتضمن دعاء العبادة، فلا يمكن تصور صدور دعاء العبادة من العبد بدون نية الطلب ولو بدون صيغة السؤال القولية، إذ كل عابد إنما يريد ويطلب بعبادته رضا الله وجنته، والبعد عن سخطه وناره، كما أن دعاء المسألة داخل في دعاء العبادة (^٤)، إذ هو فرد من أفراده، فثبت بذلك عدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وعليه يكون الأمر بأحدهما أمرًا بالآخر، والنهي عن أحدهما نهي عن الآخر.
يقول الإمام ابن تيمية: "اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٢).
(٢) تفسير السعدي (٧٤٠).
(٣) أضواء البيان (٦/ ٣٩٣)، وانظر: مواهب الجليل (١/ ٣٧٨).
(٤) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٨٤).
[ ٢ / ٨٩٠ ]
معنيين؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع" (^١).
ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك، إما بالتضمن أو باللزوم، ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السُّنَّة" (^٢).
رابعًا: سبق البيان بالأدلة أن الدعاء في الشرع على نوعين؛ دعاء عبادة ودعاء مسألة، وجاء في النصوص الشرعية الأمر أو النهي عن الدعاء بإطلاق، بدون تقييد له بنوع معين فالقاعدة أنه يحمل على المعنيين لدلالة النصوص على العموم، ومن تلك الأدلة:
قوله تعالى ناهيًا عن دعاء غيره: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: ١٠٦]، فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ عام يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، ولا دليل على التخصيص أو التقييد.
يقول الشيخ صالح آل الشيخ: "فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾: هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك فإنه يعمُّ أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة ومنه دعاء عبادة، والقاعدة: أن النكرة في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٢٨).
(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٨١).
[ ٢ / ٨٩١ ]
الشرط، فإنها تعمُّ، و(تدعُ) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر، والمصدر حدثٌ نكرة، فهو يعمّ نوعي الدعاء" (^١).
خامسًا: ومما يدل على صحة توجه الأمر أو الثناء أو النهي عن دعاء غير الله، واشتمال ذلك على نوعي الدعاء أن دعاء المسألة لا يصح توجهه -وحتى دعاء العبادة- إلا لمن يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، الغني الكريم، العالم بأحوال الخلق جميعهم فلا تخفى عليه خافية، وليس ذلك إلا الرب الخالق ﵎، فإذا جاء النهي عن دعاء غيره تعالى، أو الأمر بإفراده وإخلاصه والثناء على أهله تضمن كلا النوعين.
يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع، فإنَّه هو المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًّا ولا نفعًا، وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم، وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة،
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٨١).
[ ٢ / ٨٩٢ ]
ويدعو خوفًا ورجاءً دعاء العبادة" (^١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
وفيما يأتي أذكر جملًا مما وقفت عليه من أقوالهم في تقرير معنى القاعدة:
يقول الإمام ابن تيمية: "لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو العبادة والمسألة" (^٢).
وقال أيضًا: "فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان" (^٣).
ويقول ﵀: "إذا عرف هذا فقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، يتناول نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن دعاء العبادة؛ ولهذا أمر بإخفائه وإسراره" (^٤).
ويقول أيضًا بعد أن ذكر جملة من النصوص التي فيها الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره: "فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربًا وإلهًا بحيث يسأل ويعبد، وقد فصل معنى الدعاء بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، ونحو ذلك من الآي؛ فهو يعبد من حيث هو إله، ويسأل من حيث هو رب، وإن كان كل عابد سائلًا وطالبًا، وكل سائل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠ - ١١).
(٢) المصدر نفسه (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٣) المصدر نفسه (١٥/ ١٠).
(٤) المصدر نفسه (١٥/ ١٥).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
عابدًا وقاصدًا من جهة الالتزام" (^١).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، فهذا يتناول نوعي الدعاء" (^٢).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
فيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من فوائد لهذه القاعدة:
الأولى: شمول الاستدلال بالأدلة التي ورد فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى وبطلانه لحرمة وبطلان التوجه بجميع العبادات لغير الله تعالى؛ لأن النهي عن دعاء غير الله -هو في حكم الشرع وبحسب ما نصت القاعدة- نهي عن السجود والذبح والنذر والرجاء والمحبة والخضوع لغير الله تعالى، وغيرها من كل ما هو داخل تحت مسمى العبادة الشرعية.
ولذلك يستدل أهل العلم بالآيات التي فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى على بطلان وحرمة التوجه بجميع العبادات لغيره ﷿، وكذلك الأمر بإفراد وإخلاص الدعاء لله تعالى وحده هو أمر بإخلاص جميع ما هو عبادة شرعًا، وذلك استنادًا على هذه القاعدة.
الثانية: تناول لفظ الدعاء الشرعي في نصوص القرآن الكريم لدعاء العبادة ودعاء المسألة ليس هو من باب استعمال اللفظ المشترك (^٣) في
_________________
(١) شرح العمدة (٤/ ٢٩).
(٢) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ١٠٢).
(٣) قال الرازي: "الفظ المشترك: هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا =
[ ٢ / ٨٩٤ ]
معنييه، وإنما هو من باب استعمال اللفظ في حقيقته المشتملة على المعنيين جميعًا، فهو من باب الألفاظ المتواطئة (^١)، التي وضعت لمعنى واحد صادق على أفراد، وليست موضوعة لمعانٍ متعددة (^٢)، فالأسماء المتواطئة إنما تقتضى أن يكون بين المسميين قدر مشترك وإن كان المسميان مختلفين أو متضادين (^٣).
يقول الإمام ابن تيمية: "وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل ما يُفْطَن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا فهي من هذا القبيل" (^٤).
_________________
(١) = أولًا من حيث هما كذلك"، وقال الجرجاني: "المشترك: ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير؛ كالعين لاشتراكه بين المعاني". [انظر: المحصول للرازي (١/ ٣٥٩)، والتعريفات (ص ٢٧٤)].
(٢) قال الجرجاني: "المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية؛ كالإنسان والشمس فإن الإنسان له أفراد في الخارج، وصدقه عليها بالسوية، والشمس لها أفراد في الذهن، وصدقها عليها أيضًا بالسوية". [التعريفات (ص ٢٥٧)، وانظر: التمهيد للأسنوي (ص ٨٠)، والتوقيف على مهمات التعاريف (ص ٦٣٥)].
(٣) انظر: القواعد والفوائد الأصولية، لعلي بن عباس البعلي الحنبلي (ص ٦٦). وقال المرداوي: "والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة بخلاف المتواطئ فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير والله أعلم". [الإنصاف (٨/ ٥ - ٦)].
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢١٢).
(٥) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١)، ويقول أيضًا: "واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدًا فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقة فيما يختص به كل =
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين بعد نقله لكلام الإمام ابن القيم -وهو بمعنى كلام شيخ الإسلام-: "فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة" (^١).
ثالثًا: قد يقترن بسياق النصوص الوارد فيها الدعاء ما يرجح أحد النوعين على الآخر مع اعتبار الآخر، وكونه داخلًا في معنى النص، فقد يقترن ببعض النصوص من القرائن ما يجعل دعاء العبادة أظهر من دعاء المسألة أو العكس، ولا يقتضي هذا الظهور عدم اعتبار المعنى الآخر.
وهذا يعتبر بمثابة الضابط للتفريق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة في النصوص الشرعية، وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى بعض ذلك فقال: "وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة، فهو من دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.
الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿يلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]، وقوله ﷾: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ٢]، فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم.
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم،
_________________
(١) = منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها". [مجموع الفتاوى (٧/ ١٠٨)].
(٢) تأسيس التقديس في كشف تلبس داود بن جرجيس (ص ١٠٢).
[ ٢ / ٨٩٦ ]
ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة" (^١).
رابعًا: فيها الرد على من أجاز الطلب والسؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ بحجة أن الأدلة الناهية عن دعاء غيره سبحانه إنما أُريد بها دعاء العبادة؛ كالصلاة والسجود والركوع، ولا يدخل فيها طلب وسؤال الشفاعة، أو نداء (^٢) الأموات والغائبين.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله؛ والنهي عن دعاء غيره على المنع من مسألة المخلوق ودعائه بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك" (^٣).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وإذا كان هذا الدعاء وأمثاله هو دعاء العبادة المشتمل على الاستعانة من رب العالمين بالنص عند كل علماء المسلمين، فلو صرف لغير الله من سائر الخلق لكان معبودًا به، والداعي عابد المدعو ومستعين به ومتوكل عليه، ولا يقال ليس هو عابدًا ولا مستعينًا؛ لأنَّه إنما يناديه فقط، فيصرف العبادة والاستعانة وجود النداء كما فهمه صاحب المقدمة معللًا لزوم العبادة كل منادي، وعدم تكفير كل من نادى غيره، لأنا نقول علة التكفير وجود دعاء العبادة الشاملة لدعاء المسألة التي هي حق الله، وصرفه إلى غيره سواء وجد النداء أو لم يوجد، وليس العلة وجود النداء نفسه خاليًا من العبادة، وبهذا يعلم ما ذكره المفسرون تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣)، ونقله عنه ابن القيم. انظر: بدائع الفوائد (٣/ ٥١٥).
(٢) النداء هو رفع الصوت بما له معنى، والعربي يقول لصاحبه ناد معي ليكون ذلك أندى لصوتنا؛ أي: أبعد له، والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه، يقال: دعوته من بعيد، ودعوت الله في نفسي، ولا يقال: ناديته في نفسي، وأصل الدعاء طلب الفعل؛ دعا يدعو، وادعى ادعاء؛ لانه يدعو إلى مذهب من غير دليل، وتداعى البناء يدعو بعضه بعضًا. [الفروق اللغوية للعسكري (ص ٤١)].
(٣) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٦).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤]؛ أي: تعبدون، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأعراف: ١٩٧]؛ أي: تعبدون وأمثاله؛ وذلك لأن العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في كل الأفعال المأمورات، وفي ترك المحرمات، وفي الصبر على المقدورات فالعبد محتاج في مصالح دينه ودنياه، وكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله منهما لا يجوز أن يسأل من غيره فلا يعبد إلَّا الله، ولا يتوكل إلَّا عليه، ولا يستعان إلَّا به، لأن ما سواه مفتقر إليه، مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون معبودًا" (^١).
وكون الدعاء في الأصل بمعنى النداء والطلب مما لا مرية فيه، كما قال الراغب: "الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد"، فلا يدخل في دعاء العبادة المستلزم لدعاء المسألة، كما أنه لا يدخل في دعاء المسألة المتضمن للعبادة، فليس كل مطلق دعاء يكون عبادة، فإدخال مطلق النداء في معنى العبادة من الترويج والتلبيس، بل نداء العبادة هو الطلب من غير الله جلب منفعة، أو دفع مضرة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والمنادي في هذه الحال يكودن داعيًا وطالبًا وسائلًا (^٢).
ويدحض الشيخ عبد الله أبا بطين شبهة التفريق بين الدعاء والنداء، وأن الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، فيقول: "فيقال لهذا: تفريقك بين الدعاء والنداء تفريق باطل مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة مع مخالفته اللغة، فقد سمى الله سبحانه سؤال عباده له دعاء ونداء، قال تعالى عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠]، وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦]، فسماه في موضع دعاء
_________________
(١) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٢) انظر: الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٤٥١).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وفي موضع نداء، وقال عن زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، وقال في موضع: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقال عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال - ﷺ -: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْع بِهَا رَجُل مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ" (^١).
وقال بعض الصحابة للنبي -ﷺ-: (يَا رَسُولَ اللهِ: أَقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ الرَّسُولُ -ﷺ- فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] (^٢) " (^٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٧٠)، برقم (١٤٦٢)، والترمذي في سننه (٥/ ٥٢٩)، برقم (٣٥٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٨٤)، برقم (١٨٦٢)، وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١١٠)، برقم (٧٧٢)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩)، و(٧/ ٦٨)، وقال عقب ذكره: "ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير إبراهيم ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة"، وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية: (٤/ ١١)، وصححه الألباني. [انظر: صحيح الجامع (٣/ ١٤٥)، رقم (٣٣٧٨)، وتخريجه للكلم الطيب (ص ١١٨)، برقم (١٢٣)].
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ١٥٨)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (ص ٣١)، برقم (١٧)، والأصبهاني في العظمة (٢/ ٥٣٥)، برقم (٢٢)، من طريق الصلت بن حكيم عن أبيه، عن جده، والصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري قال عنه الحافظ: مجهول. لسان الميزان (٣/ ١٩٥)، (٨٧١)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السُّنَّة (١/ ٢٧٧)، برقم (٥٢٢)، قال حدَّثني إسماعيل أبو معمر، نا سفيان، عن أبي قال: قال المسلمون: (يا رسول الله أقريب ) ثم ذكر الحديث.
(٣) تأسيس التقديس في كشف تليس داود بن جرجيس (ص ٧٧).
[ ٢ / ٨٩٩ ]
الفصل الثاني
القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: الشرك هضم لعظمة الربوبية
وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب
العالمين.
المبحث الثاني: قاعدة: قبح الشرك مستقر في العقول
والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى
معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك.
المبحث الثالث: قاعدة: الشرك الأصغر هو كل وسيلة
وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من
الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ
رتبة العبادة.
[ ٢ / ٩٠١ ]
المبحث الاول
قاعدة الشرك هضم لعظمة الربوبية وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب العالمين
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة
معنى الهضم والتنقص:
الهضم: مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (هضم)، وهو مصدر، يقال: هضمه يهضمه هضمًا، وهو يدل على كسر وضغط وتداخل، والهضم: الظلم، والهضم المطمئن من الأرض، وقيل أصله من النقصان ثم صار كل ظُلم هَضْمًا، وهضم الشيء: كسره، وهضم فلانًا: ظلمه وغصبه، وهضم حقه: نقصه، وهضم نفسه: وضع من قدرها تواضعًا (^١).
وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله والهضم النقص والمنع من بعض الحق فكل هضم ظلم ولا ينعكس، فالهضم نقصان بعض الحق، ولا يقال لمن أُخِذَ جميعُ حقه: قد
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ٥٥)، وإصلاح المنطق، لابن السكيت (ص ٢٢)، وجمهرة اللغة (٢/ ٩١٢)، والمعجم الوسيط (٢/ ٩٨٧).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
هُضِم، وأما الظلم فيكون في البعض وفي الكل، وفي القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]؛ أي: لا يمنع حقه ولا بعض حقه (^١).
أما التنقص فهو مشتق من الفعل (نقص)، يقال: نقص الشيء نقصًا ونقصانًا، إذا خس وقل، ونَقَّص الشيء: صيَّره ناقصًا، ونقص فلانًا حقه: غمطه إياه، و(نَقَّص) الشيء مبالغة في نقصه، و(انْتُقِصَ) الشيء: نقص، و(تناقص) الشيء نقص شيئًا فشيئًا، وتنقص الشيء أخذ منه قليلًا قليلًا، وتنقص فلانًا: عابه، واستنقص الشيء: عده ناقصًا أو نسب إليه النقصان (^٢).
معنى سوء الظن:
الظن مشتق من الأصل اللغو (ظنن)، يقال: ظَنَّ يَظُنُّ ظنًّا، وجمعه: ظنون وأظانين، ويتعدى إلى مفعولين؛ يقال: ظننت زيدًا صادقًا، وقيل: معنى الظَّنُّ: التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقادِ الغيرِ الجازِمِ، وقيل: هو إدراك الذهن الشيء مع ترجيحه، وقد يكون مع اليقين، فهو شَكٌّ ويَقِينٌ إلَّا أنه ليسَ بيَقِينِ عِيانٍ إنَّما هو يَقِينُ تَدَبُّرٍ فَأَمَّا يَقِينُ العِيانِ فلا يُقالُ فيه إلَّا عَلِمَ؛ فإذا قيل: ظن فلان الشيء ظنًا: علمه بغير يقين وقد تأتي بمعنى اليقين، والظنة التهمة، والظنون السيء الظن من الرجال، والظنين: كل ما لا يوثق به، والمتهم والقليل الخير، ومظنة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع مظان وهي المراجع التي ينشد فيها الباحث طلبته (^٣).
_________________
(١) انظر: الفروق اللغوية للعسكري (٢٥٥)، وتفسير البحر المحيط (٦/ ٢٦١)، وأضواء البيان للشنقيطي (٤/ ١٠٢).
(٢) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٤٦ - ٩٤٧).
(٣) انظر: تاج العروس (٣٥/ ٣٦٥)، وجمهرة اللغة (١/ ١٥٤)، والمعجم الوسيط (٢/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٩٠٤ ]
وقال الراغب: "الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جدًا لم يتجاوز حد التوهم" (^١).
فظن السوء بالله تعالى مع اختلاف درجاته، وكون بعضه أعظم من بعض؛ فإنه لا يجوز مطلقًا، بل هو من أعظم الذنوب التي عصي الله ﵎ بها، ولذا جاء في القرآن بيان شناعته وقبحه، وأنه من أعظم الذنوب.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظَنَّ به ظَنَّ السوء قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٥، ٦]، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].
فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات، فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا تكلم ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها، وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين" (^٢).
أما إساءة الظن بالمسلمين عمومًا ففيها تفصيل؛ فإن كان ظنًا مقرونًا بدليل شرعي، وقرينة ظاهرة، فلا لوم على صاحبه، وإلا كان محرمًا منهيًا عنه، وتزيد الحرمة إن كان ظنًا بأهل الخير والصلاح والعلم والفضل.
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣١٧).
(٢) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٤/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧).
[ ٢ / ٩٠٥ ]
يقول الإمام السمعاني: "واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء بأهل الخير، فأما بأهل الشر فجائز" (^١).
وأما إساءة الظن بالأنبياء والمرسلين فقد صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، ونقل إجماع أهل العلم على ذلك.
يقول الإمام النووي ﵀: "فإن ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع" (^٢).
ثم إن سوء الظن بالمسلمين بدون مسوغ شرعي، أو قرينة ظاهرة هو إثم في نفسه، وإذا استمر في قلب العبد أنتج آثامًا عظيمة، وأورث أقوالًا وفعالًا محرمة، فهو لا خير فيه أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
يقول الشيخ السعدي ﵀: "نهى الله ﷿ عن كثير من الظن السيء بالمؤمنين، حيث قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة؛ فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلافها منه" (^٣).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى بعض صفات الشرك الشنيعة، وسماته القبيحة التي اشتمل عليها، ولا يخلو منها شرك ألبتة، بل جميع أهل الإشراك في
_________________
(١) تفسير السمعاني (٥/ ٢٢٥).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٥٦).
(٣) تفسير السعدي (ص ٨٠١).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
الأرض لا تكاد قلوبهم تخلوا من هذه الصفات القبيحة، التي حقيقتها أشنع الظلم، وأعظم الإجحاف، ومنتهى الإجرام، وعظيم التجني، وغاية الاعتداء على حق الملك الديان، مالك الملك، وخالق الكون، وموجد البرية من العدم، فأشرك مع الرب غيره في العبادة، وأدخل الوسائط بينه وبين معبوده الحق، فصار يدعوهم ويتوجه إليهم بأخص خصائص الإلهية، ومعاني الربوبية فخضع قلبه، وتعلق فؤاده، خوفًا ورجاء ومحبة وخضوعًا، وذلًا وإخباتًا في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، إلى أمثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجريد التوحيد وتحقيقه، وقطع ملاحظة الأغيار في العبادة، والاستغاثة، والدعاء، والمسألة، والتوكل، والرجاء، والخشية، والتقوى، والإنابة، ونحو ذلك مما هو من خصائص حق الربوبية التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل" (^١).
وقد يدعي بلسان حاله وربما مقاله عدم أهليته للطلب من الله مباشرة، وأن الله لا يقبل دعاءه إلا بوساطة هؤلاء الأولياء وشفاعتهم فيه، أو أن الله لا يفعل حتى يجعل الولي يفعل، ولا يرحم حتى تجعله الوسائط يرحم، وربما اعتقد بعضهم أن الأولياء يشاركون الله تعالى تدبير الكون، ورعاية أحوال الخلق فيخبرونه جل في علاه بأهل الحاجات، وما أصاب بعضهم من المحن والبلايا فيجيب الله دعاءهم بسبب دعائهم لهذه الوسائط، ولا شك أن هذا من أعظم الهضم والتنقيص لعظمة الإلهية وقهر الربوبية مع ما تضمنه من إساءة الظن البالغة بمن اجتمع فيه غاية الكمال، ومنتهى الجلال، وعظيم الإحسان.
_________________
(١) الاستقامة، لابن تيمية (٢/ ٢٥).
[ ٢ / ٩٠٧ ]
يبين الإمام ابن القيم ﵀ وجه دلالة القاعدة في كون الشرك سوء ظن بالله ﷻ فيقول: "فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي عبده وحده، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق.
أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقًّا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى" (^١).
ونقل كلامه مقررًا له الشيخ سليمان آل الشيخ فقال: بقوله: "وإنما كان ذلك هضمًا لحق الربوبية، وتنقصًا لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب
_________________
(١) إغاثة اللهفان عن مصائد الشيطان، لابن القيم (١/ ٦٢).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
العالمين؛ لأن المتخذ للشفعاء والأنداد إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه إلى أن قال: وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها ذكر معناه ابن القيم؛ فلهذه الأمور وغيرها أخبر ﷾ أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] " (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
قد دل على تقرير هذه القاعدة عدة أدلة منها:
أولًا: إكثاره ﷾ من ذكر معاني ربوبيته الحقة، وقيوميته الشاملة، وملكه التام لجميع ما في الكون، وذلك في معرض إبطال حجج المشركين، العادلين به غيره في العبادة؛ يأتي هذا مع ثبوت إقرار المشركين بمعاني ربوبيته في الجملة، وهذا يشير إلى أن ثمة تقصيرًا وتفريطًا، وهضمًا وتنقيصًا من قبل المشركين في هذا الجانب العظيم، وهو ما سبق تقريره في قاعدة التلازم بين أنواع الشرك.
من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ [يونس: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢١).
[ ٢ / ٩٠٩ ]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢].
ثانيًا: ما دلَّ من النصوص على أن المشركين بسبب إشراكهم وعبادتهم لغيره سبحانه قد هضموا حق الربوبية، وتنقصوا عظمة الإلهية، فوصفوا الله تعالى بلسان حالهم أو مقالهم بما لا يليق بربوبيته جلَّ في علاه، فمن ذلك وصفهم لله ﷾ بعدم العلم والجهل العظيم البالغ بعظمة الربوبية وجلال الإلهية؛ ومن تلك النصوص:
قوله ﷾: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، فاتخاذهم للشفعاء من أعظم التنقص لعظمة الربوبية، واتهام لله تعالى -بلسان حالهم- بالجهل وعدم العلم، ولذا استنكر الله عليهم ذلك.
يقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك، ولا إله معه، أفأنتم يا معشر المشركين تزعمون أنه يوجد لها فيها شركاء، أفتخبرونه بأمر خفي عليه وعلمتموه، أأنتم أعلم أم الله، فهل يوجد قول أبطل من هذا القول المتضمن: أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين، فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه" (^١).
ثالثًا: ومما يدل على أن الشرك يتضمن التنقيص والهضم لحق الإلهية وجلال الربوبية اشتماله على الظلم العظيم، والمنكر الفاحش بتشبيه الرب العظيم القادر، والخالق العليم القاهر بالمخلوق الضعيف الحقير الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره،
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٣٦٠).
[ ٢ / ٩١٠ ]
فتوجه إليه بالعبادة، وصرف له خالص الذل والإنابة، فدعاه عند حاجته، واستنجده عند كربته.
يقول الإمام ابن القيم: "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى، وأكرهها، وأشدها مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم، ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه، ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا؛ وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده" (^١).
رابعًا: الأدلة الدالة على أن سوء الظن، أو الظن السيء يتضمن الشرك الأكبر بالله العظيم، بل هو أعظم إساءة ظن وجدت من بني البشر، فما من مشرك على ظهر البسيطة إلَّا وسوء الظن بالله تعالى هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من التشريك في عبادة الرب ﵎، ولو أحسن ظنه بالله، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وملكه وغناه عن كل أحد بذاته، وكل أحد سواه فقير إليه بذاته، وقَدَرَ الله حق قدره لما حام حول الشرك ولا شم رائحته.
قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فجعل ﷾ استحقاقهم للوصف بالشرك
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠ - ٦١).
[ ٢ / ٩١١ ]
بسبب سوء ظنهم بالله ﵎، فاتخاذهم للشريك مع الله تعالى كان علامة على ظنهم السيء بالله تعالى.
قال ابن الجوزي: "قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: فيه خمسة أقوال:
أحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكًا" (^١).
وقوله سبحانه في قصة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]؛ أي: فما ظنكم أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره (^٢).
قال أبو السعود في معنى الآية: "أي: بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربًّا للعالمين حتى تركتم عبادته خاصة وأشركتم به أخس مخلوقاته، أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أندادًا، أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم، وكيف يعاقبكم بعد ما فعلتم ما فعلتم من الإشراك به" (^٣).
ويقول الشيخ السعدي: "فما ظنكم برب العالمين، أي: وما الذي ظننتم برب العالمين من النقص حتى جعلتم له أندادًا وشركاء" (^٤).
يقول الإمام ابن القيم: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾، وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندًّا فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم
_________________
(١) زاد المسير (٧/ ٤٢٦)، وانظر: تفسير البحر المحيط (٨/ ٩١).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٧٠)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٠)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٣).
(٣) تفسير أبي السعود (٧/ ١٩٧)، وانظر: (٥/ ١٣٠).
(٤) تفسير السعدي (ص ٧٠٥).
[ ٢ / ٩١٢ ]
معه غيره فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفي عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كا هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق.
أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقًا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه لكفى في شفاعته.
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية فلا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السُّنَّة وأولى بالصواب أو يزعم أنها هي السُّنَّة إن
[ ٢ / ٩١٣ ]
كان جاهلًا مقلدًا وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله" (^١).
ويقول ﵀ أيضًا: "بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به كما قال إمام الحنفاءء وأهل التوحيد لقومه أئفكًا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين؛ أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا" (^٢).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
فيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة:
يقول الإمام القرافي: "أصل الكفر اهتضام جانب الربوبية" (^٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده" (^٤).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية وسوء ظن برب
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٢).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٣) الفروق (١/ ٢٢٤).
(٤) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠ - ٦١).
[ ٢ / ٩١٤ ]
العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر ﷾ عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا أو شفيعًا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت باطلًا وضلالًا" (^١).
والسبب في عدم قدرهم لله تعالى هو سوء ظنهم بربهم، وحسن ظنهم بغيره، وأنهم يشفعون عنده، ويقربون من عَبَدهم إلى الله، وأنهم ينفعون ويضرون.
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض ما يستفاد من القاعدة:
أولًا: دلَّ مفهوم القاعدة على أن توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون ما سواه مبني على حسن الظن بالله تعالى، إذ التوحيد ضد الشرك الذي هو إساءة ظن بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته.
فهو يحسن الظن بربه معتقدًا اتصافه سبحانه وتقدس بنعوت الربوبية، واختصاصه بصفات الإلهية لا شريك له في ذاته ولا معين له في أفعاله، ولا ظهير ولا شفيع، وليس له نديد في استحقاق العبادة، ولا مثيل له في سائر أسمائه وصفاته.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠).
[ ٢ / ٩١٥ ]
وعليه فحسن الظن به ﷾ من أعظم العبادات، وأجلّ القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه وخالقه ﷿، والتي تقوم في الأصل على العلم الشرعي الصحيح، والفقه السليم لأسماء الله وصفاته، ومعرفته تعالى المعرفة الحقة في ربوبيته وألوهيته، وسائر صفاته.
كما أن سوء الظن بالله من نتاج وآثار الجهل بالله، وبأسمائه وصفاته، وما له من العظمة، والكبرياء، والقوة، والقدرة، ومنتهى الكمال في كل شيء.
ولذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿" (^١).
قال الجصاص: "فحسن الظن بالله فرض، وسوء الظن به محظور منهي عنه، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه، وهو من الظن المحظور المنهي عنه" (^٢).
وهذا يدل على أن حسن الظن من العبادة التي يحبها الله ﵎، وقد روي في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن حسن الظن بالله ﷿ من حسن عبادة الله" (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٠٦)، برقم (٢٨٧٧)، يقول الإمام النووي: "ومعنى يحسن الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه، ويرجو ذلك، ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله ﷾ وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل التوحيد، وما ينشره من الرحمة لهم يوم القيامة كما قال ﷾ في الحديث الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي" هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء". [المجموع شرح المهذب (٥/ ٩٨)].
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٨٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٧)، برقم (٧٩٤٣)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٨)، برقم (٤٩٩٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٩٩)، برقم (٦٣١)، ومحمد بن نصر المروزي في: (تعظيم قدر الصلاة): (٢/ ٧٨٧)، والحاكم في المستدرك =
[ ٢ / ٩١٦ ]
فحسن الظنّ بالله ﷿ من أوجب الواجبات، وأفرض الفروض، التي يحبها الرب ﵎، وسوء الظن على العكس من ذلك؛ فهو من أقبح المنكرات، وأعظم الكبائر.
ومما لا يخفى ارتباط سائر العبادات بحسن الظن بالله تعالى وتقدس، وقد بين هذا الارتباط فأكثر العبادات أو كلها قائمة على حسن ظن العبد بربه سبحانه وتقدس، وقد بين هذا الارتباط العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: "فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه؛ ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله، والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم" (^١).
ثانيًا: دلت القاعدة على أن صرف العبادة لغيره سبحانه، وتأليه المخلوق من أعظم الانتقاص والإهانة للجناب الرباني الكريم، مع ما فيه من رفعة المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله إياها، كما أن ذلك من أبشع
_________________
(١) = (٤/ ٢٨٥)، برقم (٧٦٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ومرة قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم). [انظر: المستدرك (٤/ ٢٦٩)]، والحديث ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ١٤٠)، برقم (٣١٥٠)، بسبب سمير أو (شتير) بن نهار، وقال بعد أن ذكر كلام الحاكم في تصحيح الحديث وكونه على شرط مسلم، وموافقة الإمام الذهبي له، قال: "قلت: وهو من أوهامهما؛ فإن سميرًا هذا نكرة؛ كما قال الذهبي نفسه (الميزان)، ولم يرو عنه غير ابن واسع". وقال عنه الدارقطني في سؤالات البرقاني: "مجهول" وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه فقال: "لا أعرفه"، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن حجر في التقريب: "صدوق"، وقد وثقه ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٧٠)، (٣٣٩٨)، يقول الشيخ الألباني ﵀: "توثيق ابن حبان مما لا ينبغي الاعتماد عليه؛ لأن من قاعدته فيه توثيق المجهولين". [السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٠٠)]، وعليه يكون سمير أو شتير مجهول الحال ويضعف الحديث بسببه كما قرر ذلك علماء هذا الفن.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٢١)، وانظر: (١/ ٤٧١).
[ ٢ / ٩١٧ ]
الظلم في حق الملك الديان إذ جرده سبحانه عن صفات الربوبية الحقة، وألبس المخلوق ما لا يستحقه من خصائص الإلهية.
ومما لا شك فيه أن جميع الخلق مفطورون على الضعف والضعة والافتقار إلى ربهم وخالقهم ومالكهم ورازقهم، فهذه هي صفتهم التي هي مقتضى خلقتهم وتكوينهم، وإنما جعل كمالهم ورفعتهم في عبادة الله وتوحيده ﷿؛ ولذا أثنى الله على رسوله الكريم في غير موضع أنه عبد الله ﵎.
فالواجب معرفة الفرق بين الخالق والمخلوق في كل ما يختص به، وينزل كل واحد منزلته، وليس في سلب خصائص الربوبية والإلهية عن المخلوق إهانة، أو سب، أو تنقيصًا له مكانته، وإنما ذلك هو مختص التكريم والتقدير الذي يحبه الله ﵎.
يقول الإمام ابن القيم: "فإذا هَضَم المخلوقَ خصائصَ الربوبيةِ، وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له، ولا حطًّا من مرتبته ولو رغم المشركون" (^١).
ثالثًا: أن سؤال المخلوق والطلب منه ما لا يستطيعه ويقدر عليه فيه نوع من صرف حق الرب تعالى، وهضم لربوبيته ومقتضاها من التأله والتعبد، وإعطاء نصيب منها لغيره ﷾؛ وذلك لملازمة المسألة في الغالب للذل والافتقار والمحبة لغير الرب جل وعلا، ولذا جاءت النصوص الشرعية بتحريم السؤال والمسألة إلا في حال الضرورة الملجئة فتقدر بقدرها، وترك مسألة الناس ولو فيما يستطيعونه من كمال تحقيق التوحيد.
يقول الإمام ابن القيم: "والمسألة في الأصل حرام، وإنما أبيحت
_________________
(١) الروح، لابن القيم (ص ٢٦٣).
[ ٢ / ٩١٨ ]
للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما الأول: فلأنه بَذَل سؤاله وفَقْرَه وَذُلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيدَه وإخلاصَه وفقرَه إلى الله، وتوكلَه عليه، ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كله يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره، ويضعف قوته" (^١).
رابعًا: دلت القاعدة على أن الشرك واتخاذ الشفعاء هضم وتنقص من جناب الربوبية، فالمشرك بالله تعالى واقع في هذا التنقص شاء أم أبى، ولا ينفعه أنه إنما كان قصده تعظيم الباري جل وعلا، وأنه بسبب إجلاله وإعظامه لا يستطيع أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء، فإن تعظيمه هذا الذي اعتقده هو محض التنقص، وخالص الظلم.
يقول ابن القيم: "فإن قلت إذا كان من اتخذ شفيعًا عند الله إنما قصده تعظيم الرب تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء؛ فلم كان هذا القدر شركًا؟ قيل: قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى، فكم مَنْ يقصد التعظيم لشخص ينقصه بتعظيمه؛ ولهذا قيل من في المثل المشهور: يضر الصديق الجاهل ما لا يضر العدو العاقل؛ فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية، وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر ﷾ عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا، أو شفيعًا يحبه، ويخافه،
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٩١٩ ]
ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر فالشرك ملزوم لتنقص الرب ﷾، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى" (^١).
خامسًا: دلت القاعدة على أن الشرك سوء ظن بالله تعالى، والحاصل أن سوء الظن تتفاوت مراتبه ودرجاته؛ فمنه ما هو شرك أكبر مخرج عن دين الإسلام بالكلية، ومنه ما يؤثر في تمام التوحيد الواجب، فهو دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
وهذا التفاوت كما سبق هو بحسب أسبابه ودوافعه، فالظن أصله في القلب، وهو بحسب العلم والمعرفة، فالظن الحسن بالله تعالى ينبني على علم العبد بمعبوده الحق، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا؛ من الملك والخلق والغنى والرحمة؛ فإذا ساء ظن العبد بربه بسبب خلل فيما يتعلق بربوبية الله تعالى؛ كأن يظن عدم قدرة الله، أو عدم علمه ومعرفته لأمر من الأمور، أو عدم غناه وكرمه، أو اعتقد أن غيره ﷾ قادر على ما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه بحسب الطبيعة والعرف، محسنًا ظنه بذلك الغير، أو اعتقد أن لغيره ﷿ حقًّا في العبادة والتعظيم كان فاقدًا لأصل من أصول التوحيد وقاده حينئذٍ حسن ظنه بغيره سبحانه، وسوء ظنه بالله تعالى إلى الكفر والخروج عن ملة الإسلام، فسوء الظن درجات منه ما ينافي أصل التوحيد وأساس الإيمان، ومنه ما ينافي كماله الواجب (^٢).
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شرحه لتبويب الإمام محمد بن
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) انظر: حاشية الأصول الثالثة، لابن قاسم (ص ٧٠)، حيث قرر أن حالة حسن الظن بالله المقارن للشخص عند نحره للذبيحة من أفضل القرب، وأن صرفه لغير الله شرك أكبر.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
عبد الوهاب في أحد أبواب كتاب التوحيد، والتي افتتحها بقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]: "أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله؛ لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به؛ لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله، وعزته، وإحسانه، وقدرته، وعلمه، وحسن اختياره، وقوة المتوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله، وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة؛ لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص" (^١).
وعليه فيختلف حسن الظن وتتفاوت درجاته بحسب ما يقوم بقلب العبد من العلم والمعرفة، ويقبح سوء الظن ويزداد شناعة وسوءًا بحسب ما يقوم بقلب العبد من قلة العلم والمعرفة بالله تعالى وبأسمائه وصفاته؛ فمنه ما يصل إلى الحد المخرج عن ملة الإسلام، ومنه ما يعتبر نقصًا في إيمان العبد، وخدشًا في توحيده فيكون من الشرك الأصغر.
ويبين الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ صلة حسن الظن بالعلم بالله، ومعرفة أسمائه وصفاته، واعتقاد كماله وعظمته، فيقول: "وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان، وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله، وتكذيب لخبره، وشك في وعده" (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٧٨).
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٧٥).
[ ٢ / ٩٢١ ]
ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- ضمن فوائد بعض الآيات التي استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب في إحدى أبواب كتاب التوحيد: "أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله ﷿ واجبٌ من واجبات التّوحيد: ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ﷾ ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا، أو شيئًا خفيفًا، أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إن تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد" (^١).
ويقول ابن القيم ﵀ مبينًا حقيقة الظن المخرج عن ملة الإسلام: "ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم، ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه" (^٢).
ويقول ﵀ أيضًا مبينًا أنواعًا مختلفة من سوء الظن بالله تعالى، وعموم البلوى بذلك: "فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تَعَتُّبًا على القدر، وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٤٧).
(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٢٣٣).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيًا
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء (^١) من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى" (^٢).
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب مختصرًا وملخصًا لما سبق من كلام الإمام ابن القيم، ومبينًا درجات سوء الظن بالله ﵎: "فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، أو عطّل ما وصف به نفسه فقد ظن به ظن السوء؛ كمن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو شفيعًا بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة أنه يخيبه، أو ظن أنه يسلط على رسوله محمد -ﷺ- أعداءه تسليطًا مستقرًا في حياته ومماته" (^٣).
_________________
(١) التعبير بأولى هنا ليست على أفعل التفضيل وإلا لكان المعنى سيئًا؛ إذ فيه إساءة الظن بالرب تعالى، والله أعلم.
(٢) زاد المعاد (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٣) مختصر زاد المعاد (ص ٢٤١).
[ ٢ / ٩٢٣ ]
والمتأمل لما سبق يجد أن سوء الظن بالله تعالى منه ما يصل إلى درجة الشرك والكفر بالله العظيم، ويخرج المسلم عن دائرة الإسلام، ومنه ما يعتبر شركًا أصغر ومعصية عظيمة، وكل ذلك بحسب العلم والاعتقاد الدافع والمولد لسوء الظن بالله جل وعلا، وبحسب قوة سوء الظن وكثرته واستمراره، أو كونه ضعيفًا قليلًا مترددًا كالخطرات التي تختلج القلوب فيدفعها القلب، ويصدها بحسب قوة إيمانه ويقينه ومعرفته بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.
يقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا بعض أنواع سوء الظن: "فالذي يخالف ما أمر الله -جل وعلا- به شرعًا فيما يتصل بنصرة الدين، فإنه يقع في سوء ظن بالله ﷻ وهذا مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
ولهذا يجب على المؤمن أن يتحرز كثيرًا، وأن يحترس من سوء الظن بالله -جل وعلا-، فإن بعض الناس قد ينال الشيء فيرى أنه يستحق أكثر منه، وقد يحصل له الشيء بقضاء الله وبقدره فيظن أنه لا يستحق ذلك الشيء (^١)، أو أن الذي ينبغي أن يصاب به هو غيره، فينظر إلى فعل الله -جل وعلا- وقضائه وقدره على وجه الاتهام، وقلَّ من يَسْلَم باطنًا وظاهرًا من ذلك، فكثيرون قد يَسْلَمون ظاهرًا، ولكن في الباطن يقوم بقلوبهم ظن الجاهلية، والظن محله القلب، فلهذا يجب على المؤمن أن يخلّص قلبه من كل ظن بالله غير الحق، وأن يتعلم
_________________
(١) لكن إذا ساق الله إليه خيرًا عظيمًا وفضلًا جزيلًا فاعتقد أنه لا يستحق ذلك من أجل نقص في عمله أو لتقصير في طاعته، وإنما هو محض فضل الله وكرمه فلا شيء في ذلك، بل هذا هو الواجب على المسلم؛ وهو إساءة الظن بالنفس وبالعمل بكونه ناقصًا وغير كامل، يؤيده قوله تعالى في الحديث القدسي: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) برقم (٢٥٧٧)].
[ ٢ / ٩٢٤ ]
أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، وأن يتعلم آثار ذلك في ملكوت الله، حتى لا يقوم بقلبه إلا أن الله ﷻ هو الحق، وأن فعله حق" (^١).
سادسًا: تضمنت القاعدة بعض الفروق بين الشرك بنوعيه وبين سائر المعاصي؛ من حيث آثارهما ما يستلزمه كل منهما، مع اتصافهما بكونهما من الذنوب التي يتنجس بها ابن آدم.
يقرر هذا المعنى الإمام ابن القيم ﵀ فيقول: "وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله ﷿؛ ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك.
وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفي عن النجاسة المخففة؛ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخف والحذاء، أو بول الصبي الرضيع، وغير ذلك ما لا يعفى عن المغلظة، وكذلك يعفي عن الصغائر ما لا يعفي عن الكبائر، ويعفي لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك" (^٢).
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٥٤٥ - ٥٤٦).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٦٣).
[ ٢ / ٩٢٥ ]
المبحث الثاني
قاعدة قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده.
فالفطر السليمة والعقول الصحيحة بطبيعتها التي خلقت عليها تستبشع وتستعظم اتخاذ معبود دون الله تعالى، تصرف له العبادة مع الله، ويشرك معه غيره في الحب، والخضوع، والذلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وسائر ما يتقرب به إلى الله ﷿.
يقول الشيخ السعدي ﵀: "فَإِن ذَكَرَ التوحيدَ والشركَ، وأَمَرَ بالأولِ، ونهى عن الثاني أقام من البراهين القاطعة على صحة التوحيد،
[ ٢ / ٩٢٦ ]
وحسنه، وتعينه طريقًا للنجاة، وقبح الشرك، وبطلانه، وكونه هو الطريق للهلاك ما يجعل ذلك للبصيرة كالشمس في نحر الظهيرة" (^١).
ويقول ابن الوزير اليماني: "لأنه لا يخفى على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكًا لربه الخالق له، وذلك الشريك مخلوق لربه بإقرار العبد، ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر للعبد، مصنوع له، ينحته، ويكسره، ويشكله، ويطمسه، ويضعه، ويرفعه، ويدنيه، ويقصيه، ويتصرف أنواع التصرف فيه" (^٢).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
من الأدلة الدالة على صحة القاعدة ما يلي:
أولًا: النصوص التي فيها إبطال شرك المشركين، وإلزامهم بعبادة معبودهم الحق ﷾، المتفرد بالربوبية، المختص بالإلهية، مع بيان عدم استحقاق تلك الآلهة المعبودة مع الله للعبادة؛ لضعفها ونقصها وفقرها وعجزها عن نصرة نفسها فضلًا عن غيرها من العابدين لها، فترك عبادة من تفرد بالربوبية والإنعام والإيجاد، وإشراك من سبق وصفه بالمهانة والحقارة معه في العبادة مستقبح في العقول الصحيحة، مستهجن في الفطر السليمة، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - ما ذكره ﷾ عن خليله إبراهيم ﵇ في محاجته لقومه، وبيانه لضعف آلهتهم وكونها مخلوقة معمولة كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٣٨).
(٢) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات (ص ٣٢١).
[ ٢ / ٩٢٧ ]
آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٦].
قال ابن عطية: " ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾؛ أي: تجعلون إلهًا معظمًا شيئًا صنعتموه من عود أو حجر، وعملتموه بأيديكم، أخبرهم بخبر لا يمكنهم إنكاره" (^١).
فهذا إلزام لهم من الناحية العقلية، إذ من المستبعد أن يتوجه القلب والعقل لعبادة معبود صنعه عابده بيده، وكونه وشكله ببنانه.
يقول الإمام ابن تيمية في معنى الآيات: "فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم؛ ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾؛ أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم وتدعون رب العالمين.
فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه كونه منهيًا عنه لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة" (^٢).
وبين ﵀ أيضًا وجهة الآية في بطلان الشرك وفساده عقلًا بقوله: "ثم نَبَّه عُبَّاد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾: فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها؛
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ٤٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨١ - ٦٨٢).
[ ٢ / ٩٢٨ ]
بأنها إذا كانت لا تصير أصنامًا إلا بنحتكم لها فأنتم أيضًا لن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات إلا بفعلي، وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم، إذ كنت أنا المُقْدِرُ لكم عليه، والمُمَكِّنُ لكم منه" (^١).
وفي علة كونه سبحانه جمع في الآية بين خلقه لآلهتهم وخلقه للعابدين وما يعملون يقول الإمام ابن القيم: "قيل في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم، وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط؛ فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم، وخلق معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم، فكيف يعبد العاقل من هو مثله، ويتألهه، ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة، وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم، وفي حق ربكم.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد؛ فإنه إذا كان مثله كان عبدًا مخلوقًا، والمعبود ينبغي أن يكون ربًّا خالقًا، فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه" (^٢).
ويزيد الإمام ابن كثير الأمر بيانًا بقوله في معنى الآيات: "أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله، فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له" (^٣).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٣) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٥).
[ ٢ / ٩٢٩ ]
٢ - قوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ [يس: ٢٣].
يقول الإمام ابن القيم: "ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [يس: ٢٣، ٢٤]، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة" (^١).
وهذا يدل على أن قبحه وشناعته مستقرة في العقول والفطر وإلا لم يحسن الاستدلال ولا الإلزام.
ثانيًا: النصوص التي ضرب الله فيها الأمثال المبطلة للشرك، والدالة على التوحيد وحسنه، وقد خاطب الرب تعالى بها عقول الخلق، مبينًا لهم حسن التوحيد، وتقبُّل العقول له، وموضحًا لهم قبح الشرك وشناعته، وهذا يدل على أن هذا القبح مستقر في عقولهم وأصل فطرتهم التي فطروا عليها، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الروم: ٢٨].
يقول الإمام ابن تيمية في معنى المثل: "يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله" (^٢).
ويقول ابن القيم: "وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٦).
[ ٢ / ٩٣٠ ]
يعرفون صحتها من نفوسهم لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها، معلوم لها: فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم، وإمائكم شركاء في المال والأهل؛ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسموكم أموالكم، ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي، فإن كان هذا الحكم باطلًا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبيد لي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي" (^١).
٢ - وقوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩].
يقول الإمام ابن القيم: "ضرب الله الأمثال في القرآن، وذَكَّرَ العقول، ونَبَّهَهَا وأرشدها إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأولى؛ يعني: إذا كان المملوك فيكم له مُلاك مشتركون فيه، وهم متنازعون، ومملوك آخر له مالك واحد، فهل يكون هذا وهذا سواء، فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له رب واحد، ومالك واحد، فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله، تحبونها كما يحبونه، وتخافونها كما يخافونه، وترجونها كما يرجونه" (^٢).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٢) مفتاح دار السعادة، لابن اليم (٢/ ٧٦).
[ ٢ / ٩٣١ ]
٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣].
هذه الآية من البراهين العقلية التي أرشد إليها القرآن، ونبه عليها، وقد تضمنت الدلالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وأن ذلك مستقر في العقول والفطر، وجاء بعد ذلك الوحي مؤيدًا لما قررته العقول، وتقبلته الفطر.
يقول الإمام ابن القيم في معنى المثل: "فضرب لهم سبحانه مثلًا من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره، وإن هذا أمر مستقر قبحه وهجنته في كل عقل، وإن لم يرد به الشرع، وهل في العقل أنكر وأقبح من عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لم يقدروا على الانتصار منه، واستنقاذ ما سلبهم إياه، وترك عبادة الخلاق العليم القادر على كل شيء، الذي ليس كمثله شيء، أفلا تراه كيف احتج عليهم بما ركبه في العقول من حسن عبادته وحده، وقبح عبادة غيره" (^١).
ويزيد ﵀ المثل إيضاحًا وبيانًا فيقول: "حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه؛ وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فسيتنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨ - ٩).
[ ٢ / ٩٣٢ ]
فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله، وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الآلهة الحق، وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه" (^١).
ويقول ابن كثير في الآية: "أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر" (^٢).
ولذا يقول الإمام الطبري ﵀ بعد أن ساق تفسير الآية: "وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها تقريعًا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة، ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئًا عليه لم يقدر أن يمتنع منه، ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض، ومالك جميع ذلك، والمحيي من أردت، والمميت ما أردت، ومن أردت" (^٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين، لابن القيم (١/ ١٨١).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٧٧)، وانظر: (٣/ ٢٣٦).
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ٢٠٣).
[ ٢ / ٩٣٣ ]
ويقول الإمام القرطبي ﵀: "فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله ﷿ على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابًا مطاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان" (^١).
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد اهتم أهل العلم بتقرير معنى القاعدة في ثنايا كلامهم على الأدلة القرآنية العقلية الدالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وبيان منتهى شناعته، وعظيم جرمه، وفيما يلي بعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:
يقول الإمام ابن القيم: "والحق أن وجوبه -يعني حسن التوحيد وقبح الشرك- ثابت بالعقل، والسمع، والقرآن على هذا يدل؛ فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه، وقبح الشرك عقلًا وفطرة، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك؛ ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال؛ وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك وذمه" (^٢).
ويقول أيضًا -بعد أن ذكر عدة أمثال قرآنية مضروبة لبيان قبح الشرك-: "وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر، والسمع نبَّه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك" (^٣).
ويقول ﵀: "واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٢/ ٩٧).
(٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤٨٨).
(٣) المصدر نفسه (١/ ٢٤٠).
[ ٢ / ٩٣٤ ]
معلومًا بالعقل، مستقرًا في الفطرة فلا وثوق بشيء من قضايا العقل؛ فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون، ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح، والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا﴾ ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ فائدة؛ فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض، وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية، والشواهد العيانية، أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر. وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة" (^١).
ويقول المقريزي: "ومن خصائص الإلهيّة العبوديّة التي لا تقوم إلّا على ساق الحب والذّل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبّهه بالله ﷾ في خالص حقه، وقُبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيّرت الشياطين فطر أكثر الخلق، واجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، كما روى عن الله أعرف الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنّوه حسنًا" (^٢).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذكر ما
_________________
(١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤٩١).
(٢) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٦).
[ ٢ / ٩٣٥ ]
في قصة عمرو بن عبسة السلمي من الفوائد عند قوله: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان) (^١): "الأولى: كون الشرك يعرف قبحه بالفطرة، لقوله: كنت أظن الناس ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان" (^٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يستطيع المتأمل لما سبق من تقرير لمعنى القاعدة، وكلام أهل العلم حولها استخلاص بعض الفوائد، وفيما يلي بعض ما ظهر لي من ذلك:
أولًا: أن من رحمة الله تعالى، وعظيم منته على عباده أن خلقهم متهيئين لمعرفته وعبادته، فخلق عقولهم مقرة بربوبيته ووحدانيته، واستحقاقه للإلهية دون غيره، وجعل نفوسهم قابلة لتوحيده وإفراده بالتأله، منصرفة لعبادته وحده لا شريك له، مستقبحة لجعل ند وشبيه له في العبادة، مستهجنة لصرف خالص حقه لغيره ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
وزادهم من نعمائه، وخصهم من سائر مخلوقاته فأنزل عليهم وحيًا أحيا به قلوبهم بالتوحيد والإخلاص، ونَبَّه به عقولهم، واستثار به ما وجد في مكامن نفوسهم من حسن توحيده، وإفراده بالتأله والخضوع والمحبة، وقبح الإشراك به، واتخاذ أنداد من دونه يشاركونه في التوجه
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، باب: إسلام عمرو بن عبسة (١/ ٥٦٩)، برقم (٨٣٢). يقول الإمام النووي في وصف حديث عمرو بن عبسة: "ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة - ﵁ - الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه". [رياض الصالحين (ص ٧٨)].
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ١٠).
[ ٢ / ٩٣٦ ]
والتعظيم والمحبة والخوف والخشية وغيرها من صنوف التعبدات، وأنواع التقربات.
ثانيًا: أنه مع استقرار قبح الشرك وشناعته في العقول الصحيحة، ونفور النفوس منه بفطرتها وطبيعتها السليمة التي خلقت عليها فإن الحجة على الخلق لم تقم بمجرد ذلك، بل لا بد من بعثة الرسل، ونزول الوحي، كما قال ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ مبينًا ومقررًا لذلك: "أما وجه دلالة القرآن عليه فهو أن مقتضى القول الأول: أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية؛ كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قال فيها: ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يقل حتى نخلق عقولًا، وننصب أدلة، ونركز فطرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل، لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة" (^١).
ويقول الإمام ابن القيم بعد أن قرر أن الشرك إنما علم قبحه بالعقل والفطرة قبل الشرع: "ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
_________________
(١) أضواء البيان (٢/ ٤٣).
[ ٢ / ٩٣٧ ]
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام: ١٣١]، فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل، وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم، فالآية رد على الطائفتين معًا؛ من يقول: إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع، ومن يقول: إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع، فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: ٤٧] فأخبر أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة، ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر" (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
[ ٢ / ٩٣٨ ]
المبحث الثالث
قاعدة الشرك الأصغر كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
هذه القاعدة بمثابة الضابط والحد للشرك الأصغر، إذ فيها بيان حقيقته الشرعية، وطبيعة وجوده، ومدى تعلقه وارتباطه بالشرك الأكبر، وبها يحصل التفريق بين ما هو داخل في الشرك الأكبر أو خارج عنه، ولا يخفى أهمية الحدود للأسماء والألفاظ الشرعية، إذ بها يعرف حقيقة ما أراده الله ﵎ من عباده فيما أنزله عليهم من الوحي، كما أن الجهل بها، وإهمالها وعدم حفظها له خطورته العظيمة في تحريف النصوص، وانقلاب المفاهيم، مما يتسبب في انحراف المسلمين وتخبطهم وضلالهم وبعدهم عن الدين الحق الذي أنزله الله على نبيه محمد -ﷺ-.
يقول الإمام ابن تيمية: "والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة
[ ٢ / ٩٣٩ ]
فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة؛ مثل حدود الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والمؤمن، والكافر، والزاني، والسارق، والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء من الأحكام" (^١).
والشرك الأصغر من الأسماء الشرعية التي جاء ذكرها في السُّنَّة النبوية، وفسرها النبي -ﷺ- كما سيأتي قريبًا في حديث محمود بن لبيد (^٢).
والقاعدة عرَّفت الشرك الأصغر وحدته بعدة أمور هي كما يلي:
١ - كونه وسيلة وذريعة وطريقًا إلى الشرك الأكبر.
٢ - أنه يتنوع فيشمل إرادات القلوب وأعماله، وأقوال اللسان وأفعال الجوارح.
٣ - أن لا تصل تلك الإرادات والأقوال والأفعال إلى رتبة عبادة غيره ﷾، والمقصود بذلك أن تصرف الإرادات والأقوال والأفعال المختصة بالله تعالى للمخلوق، فيكون هناك نوع من التنديد، ولكن ليست بنفس الطريقة التي تصرف بها للرب ﵎، وعليه فإنها لا تنافي التوحيد منافاة مطلقة، وإن كان فيها نوع منافاة، لكنها لا تتضمن الاعتقاد الشركي الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.
وقبل الخوض في تفاصيل معنى القاعدة أتناول بعض التعاريف والحدود التي وضعها أهل العلم لبيان حقيقة الشرك الأصغر وضابطه، ومن ثم مقارنتها بقاعدتنا هذه.
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) هو: محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن الأوسي الأنصاري الأشهلي أبو نعيم المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة روى عن النبي -ﷺ- أحاديث ولم تصح له رؤية ولا سماع منه، وسمع من عمر وكان ثقة قليل الحديث، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. [ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/ ٥٩)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٥)].
[ ٢ / ٩٤٠ ]
عرَّفه الراغب بقوله: "الشرك الصغير: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة" (^١).
وبين الشيخ سليمان آل الشيخ معنى الشرك الأصغر، معرَّفًا بالحد والمثال، ومستخلصًا له من كلام ابن القيم وغيره من أهل العلم فقال: "الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة؛ بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ؛ كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه، وقد يكون ذلك شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده" (^٢).
وعرَّفه الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- بقوله: "وأما الشرك الأصغر: فهو ما ثبت بالنصوص من الكتاب أو السُّنَّة تسميته شركًا، ولكنه ليس من جنس الشرك الأكبر؛ كالرياء في بعض الأعمال، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك" (^٣).
وعرَّفه الشيخ العثيمين -﵀- بقوله: "الشرك الأصغر وهو: كل عمل قولي، أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة" (^٤).
وقيل: "هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا" (^٥).
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٠).
(٢) تيسيير العزيز الحميد (ص ٣٥).
(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز -﵀- (٣/ ٢٨٩).
(٤) الأصول الثلاثة، لابن عثيمين (ص ٤٢)، وفتاوى مهمة (ص ٢٨).
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٧٤٨).
[ ٢ / ٩٤١ ]
وقيل: "هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، وأقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت، وقوله عبد الحارث ونحو ذلك" (^١).
وجاء في تعريف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية: "أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر" (^٢).
هذه بعض التعاريف والحدود لمعنى الشرك الأصغر، وبعد التأمل فيها، والنظر فيما ورد من أدلة ونصوص متعلقة بالشرك الأصغر، وجدت أن تعريفات أهل العلم اعتمدت على عدة مرتكزات وضوابط لمعنى الشرك الأصغر أذكرها فيما يلي:
أولًا: أن تأتي النصوص بوصفه وتسميته شركًا، مع ورود الأدلة القاطعة بعدم إرادة الشرك الأكبر.
ثانيًا: أن يشتمل على تسوية بين الله وغيره لا تبلغ درجة العبادة.
ثالثًا: ما كان فيه تعلُّق بغير الله؛ سواء عن طريق المحبة، أو الخوف، أو الرجاء، أو التوكل والاعتماد على غيره تعالى، بحيث لا يصل إلى حد التعلق الشركي المخرج عن الملة.
رابعًا: ما كان فيه تشريك واقتران وتنديد بين الله وغيره، بحيث لا يبلغ درجة التنديد الأعظم.
خامسًا: كونه وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر.
وجميع هذه الضوابط عدا الأخير منها موضع اتفاق بين جمهور
_________________
(١) المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية (ص ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ٧٤٨).
[ ٢ / ٩٤٢ ]
أهل العلم؛ إذ لا يكاد يخلو نوع من أنواع الشرك الأصغر منها، أو من بعضها، ولا يشترط اجتماعها في كل نوع.
أما الضابط الخامس باعتبار كونه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، وهو ما جاء التنصيص عليه في القاعدة، وذكره بعض أهل العلم فهو من أوسع الضوابط لمعرفة الشرك الأصغر؛ إذ يدخل في ذلك أشياء كثيرة من البدع والمعاصي، وبناء عليه فإنك تجد تعبيرات أهل العلم قد اختلفت في وصف بعض البدع؛ كالغلو في مدح الأنبياء والصالحين، وبناء الأضرحة والقباب على قبورهم، وتحري الدعاء والعبادة عندها؛ فالبعض جعلها من الشرك الأصغر، وبعضهم عبَّر عنها بأنها من وسائل الشرك وأسبابه وشوائبه.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما المسائل التي ذكر في الجنائز؛ من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، أو كذا وكذا فهذا أنواع؛ أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك" (^١).
فسماها -﵀- أسبابًا للشرك، ولم يتعرض لكونها من الشرك الأصغر أم لا.
والأصل أن يقتصر في معنى الشرك الأصغر على ما سبق من ضوابط من كونه قد وردت تسميته شركًا في النصوص الشرعية، أو أن حقيقته قد تضمنت تسوية بين الله وخلقه، أو استلزم تعلقًا قلبيًا بغيره سبحانه، أو اقترن بالفعل أو القول تشريكًا أو تنديدًا شريطة أن لا يصل في جميع ذلك إلى حد العبادة أو الاعتقاد المؤدي إلى الشرك الأكبر،
_________________
(١) الفتاوى، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٧٠).
[ ٢ / ٩٤٣ ]
وكل ما ذكر من ضوابط للشرك الأصغر إذا وجدت كانت من أكبر الوسائل، وأقوى الذرائع المؤدية إلى الشرك الأكبر.
يقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: "فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدًا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، وهي ليست شركًا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ﷿، ولذلك منعها -ﷺ-" (^١).
أما كون الشرك الأصغر من وسائل الشرك الأكبر فمما لا شك فيه، ولكن ليست كل وسيلة وسبب للشرك الأكبر نسميه شركًا أصغر؛ كالبدع والمعاصي، وغالب أهل العلم كما سبق يطلق عليها: أسباب الشرك، ووسائله وشوائبه (^٢).
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد يدخلها أحيانًا في عموم الإشراك بسبب طاعة الإنسان لهواه، أو بطاعته الشيطان، فيكون عابدًا لهواه وللشيطان، أو لأن تجويز واستحباب مثل هذه البدع؛ كالعبادة عند القبور يدخل فيمن شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
يقول الإمام ابن تيمية في مسألة دعاء الله عند القبور: "وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٣١٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٣)، و(٢٧/ ١٢٠)، و(٢٧/ ١٣٧)، و(٢٧/ ١٤٥).
[ ٢ / ٩٤٤ ]
وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله" (^١).
بل اعتبر جميع المعاصي والذنوب داخلة في عموم الإشراك بطاعة الشيطان، وأنها من شعب الكفر والشرك.
يقول الإمام ابن تيمية في شأن عبادة الشيطان: "ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا على من أشرك به، فكل من أطاع الشيطان في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه، وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك" (^٢).
ويقول أيضًا: "فجميع ما نهى الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه، كما أن كل ما أمر الله به هو من الإيمان والإخلاص لدين الله؛ لكن قد يكون ذلك شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر بحسب ما يقترن به من الإيمان، فمتى اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه، وبغضه، وخوف العقاب، ورجاء الرحمة لم يكن شركًا أكبر، وأما إن اتخذ الإنسان ما يهواه إلهًا من دون الله، وأحبه كحب الله، فهذا شرك أكبر،
_________________
(١) اقتضاء الصراط لمخالفة أصحاب الجحيم (ص ٣٤٠).
(٢) قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص ٢٩١)، ضمن جامع الرسائل/ المجموعة الثانية.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
والدرجات في ذلك متفاوتة" (^١).
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
هذه القاعدة التي تضمنت تعريف الشرك الأصغر ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- في كتابه القول السديد، وتابعه بعض العلماء في جميع ما ذكره أو في بعضه، والذي يظهر لي أن وضع أهل العلم لهذا الحد لتعريف الشرك الأصغر كان مستندًا ومبينًا على عدة أمور:
أولًا: حديث محمود بن لبيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصغَرُ" قَالُوا وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: "الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لهُم يَومَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بأَعمَالِهِم اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" (^٢).
فكان هذا الشرك من أعظم الذنوب مخافة من النبي -ﷺ- على أهل التوحيد؛ لأنه يؤدي بهم إلى الشرك الأكبر، والتنديد الأعظم؛ لما فيه من صرف نوع حق لله تعالى لغيره من الخلق؛ ولذا يطلب منهم ربهم يوم القيامة أن يذهبوا إلى من كانوا يراءون في الدنيا، مع تعظيم القلوب لهم، وظنهم الانتفاع من قبلهم أن يطلبوا منهم الجزاء على
_________________
(١) قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ٢٥٣)، برقم (٤٣٠١)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٨)، حديث (٢٣٦٨٠)، وقال العراقي عقب ذكره: "ورجاله ثقات"، المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٩٢٩)، وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد (١/ ١٠٢)، وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": "أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدِ حَسَنٍ"، وحسنه الصنعاني في سبل السلام (٤/ ١٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (١٥٥٥).
[ ٢ / ٩٤٦ ]
تلك المراءاة وذلك التعظيم والظن الحسن بهم في الدنيا.
ثانيًا: استقراؤهم للنصوص الواردة في الشرك الأصغر، وكون أفراده المنصوص عليها لم تصل إلى درجة الشرك الأكبر، لكنهم لحظوا التشابه والاتفاق في الظاهر بين حالتي الشرك الأكبر والأصغر في بعض الأمور، وقد يحصل الاشتباه أحيانًا بحيث لا يفرق بينهما إلا من ألهمه الله علمًا ورزقه فهمًا، هذا مع وجود الاختلاف الكبير أيضًا الذي يعطي كل واحد منهما حكمه، والذي مرجعه في الغالب إلى النية والإرادة والقصد والاعتقاد.
فوجود هذا التشابه والاشتباه، مع غفلة الناس، وتزيين الشيطان، وحرصه الشديد على إيقاع أهل التوحيد في مستنقع الإشراك ومنحدر التنديد، بل وفرحه بذلك أشد الفرح صار الشرك الأصغر من أمضى أسلحته، وأعظم وسائله، وأخطر ذرائعه، وأكبر أبوابه التي يتوصل بها إلى تلبس أهل التوحيد بالشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الشرك، وتعلق القلوب بغير الله؛ عبادة واستعانة غالب على قلوب الناس في كل وقت، إلا من عصم الله، والشيطان سريع إلى دعاء الناس إلى ذلك" (^١).
ثالثًا: استقراؤهم لواقع الناس وتقصيهم لأحوالهم، فإن الناظر في سيرة من تلبس بشيء من الشرك الأصغر أن نهايته كانت وقوعه في الشرك الأكبر وخروجه عن ملة الإسلام؛ فإن من ابتلي بلبس التمائم على أساس أنها سبب للشفاء لا يزال معه الشيطان مزينًا له هذه التمائم حتى يصل به إلى أن يعتقد فيها استقلال النفع والضر، ولا شك أن اعتقاد أن أحدًا دون الله يملك جلب نفع، أو دفع ضر بذاته استقلالًا من أعظم الإشراك
_________________
(١) شرح العمدة (٤/ ٤٥٢).
[ ٢ / ٩٤٧ ]
المخرج عن دين الإسلام بالكلية، وهكذا في جميع أفراد الشرك الأصغر وخاصة مع فشو الجهل وغربة الدين.
رابعًا: كما دلت النصوص الواردة في أفراد الشرك الأصغر على تنوع أحواله، وتعدد صفاته؛ فتارة يكون في النيات والإرادات، وتارة يكون في الأقوال، وتارة يكون في الأعمال، فيشترك فيه القلب واللسان والجوارح.
خامسًا: بالنسبة لقيد (التي لم تبلغ رتبة العبادة)؛ أي: مرتبة عبادة غير الله ﵎، وهي المرتبة التي تتضمن إعتقادًا شركيًا يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام بالكلية؛ كمن يحلف بغير الله معتقدًا تعظيم المحلوف به كتعظيم الرب تعالى، أو محبته المحبة الشركية الملازمة للخضوع والذلة وتعظيم المحبوب، واعتقاد ملكه للنفع والضر، أو الخوف منه خوفًا يتضمن اعتقاد أنه بمقدوره إيصال النفع والضر بذاته بدون أسباب محسوسة، فكل ذلك من الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، والمنافي للتوحيد جملة وتفصيلًا.
ولذا قيد الشرك الأصغر بأن لا يصل إلى درجة العبادة لغيره ﷾، ولكنه متضمن لنوع من التسوية والتنديد ولكنها لا تصل إلى درجة العبادة المتضمنة للاعتقاد الشركي المخرج عن الملة.
* المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
أذكر فيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة وتقريرها:
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: "وأما الشرك الأصغر: فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك، كالغلو في
[ ٢ / ٩٤٨ ]
المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك" (^١).
ويقول أيضًا: "حَدُّ الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر؛ من الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة" (^٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة قولهم في تأييد معنى القاعدة مع زيادة بعض القيود وذكر المثال: "أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر" (^٣).
فزاد بعض القيود: منها أن يكون مما نهى الله عنه. ومنها: أن يأتي في النصوص الشرعية تسميته شركًا.
* المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض ما ظهر لي من فوائد وتطبيقات للقاعدة:
أولًا: وهي أعظم فائدة إذ يمكن الاستفادة من القاعدة في ضبط مسائل الشرك المتشابهة، والتفريق بين ما هو من قبيل الشرك الأكبر، أو من قبيل الشرك الأصغر من الإرادات والأقوال والأفعال، وكما سبق بيانه فإن مناط التفريق بين ما هو شرك أكبر أو أصغر مرجعه إلى الأمور القلبية والاعتقادية، أما من حيث الظاهر فلا يمكن الحكم إلا بالشرك الأصغر على بعض الأقوال والأعمال (^٤).
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٣٢).
(٢) المرجع نفسه (ص ٥٤).
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٧٤٨).
(٤) المقصود ما يتردد بين الشرك الأكبر والأصغر من الأقوال والأعمال، ولا شك أن =
[ ٢ / ٩٤٩ ]
ثانيًا: أفادت القاعدة الحذر العظيم من الشرك الأصغر لكونه طريقًا وبابًا إلى الشرك الأكبر، والخسران الأعظم، الذي ليس بعده فلاح ولا نجاح ولا فوز، بل هو الخلود في جهنم وساءت مصيرًا؛ ولذا كان هذا الشرك من أعظم مخاوف النبي -ﷺ- على أمته كما سبق في حديث محمود بن لبيد.
ثالثًا: ومما يدخل في القاعدة: تعليق التمائم، ولبس الحلقة، أو الخيط، أو العظم، أو الشعر، أو غير ذلك لرفع البلاء أو دفعه. كل ذلك من الشرك الأصغر المنهي عنه شرعًا؛ لما فيه من تعلق القلب بغيره سبحانه، واعتقاد أنها سبب يؤثر في رفع البلايا، أو جلب المنافع.
ولا شك أن جعل الشيء مؤثرًا في غيره إنما هو من خصاص الرب ﵎، إذ هو الخالق لكل شيء، فمن تعلق قلبه بشيء لجلب خير أو دفع شر لم يجعله الشارع سببًا لهذا، ولم يأذن باتخاذه يكون واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنَّه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا، أما إن اعتقد أن هذه الأمور المعلقة تدفع الشر، وتجلب الخير بذاتها وقدرتها المستقلة أداه ذلك إلى الشرك الأكبر في توحيد الربوبية، المخرج عن دين الإسلام؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره (^١).
يقول الشيخ حافظ الحكمي: "هذه الأمور المذكورة التي يتعلق بها العامة غالبها من الشرك الأصغر، لكن إذا اعتمد العبد عليها بحيث يثق بها، ويضيف النفع والضر إليها كان ذلك شركًا أكبر والعياذ بالله؛ لأنه حينئذٍ صار متوكلًا على سوى الله، ملتجئًا إلى غيره" (^٢).
_________________
(١) = هناك من الأقوال والأعمال ما هو شرك أكبر مخرج عن الإسلام؛ وهي الأقوال والأعمال المناقضة لكلمة التوحيد.
(٢) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين (١/ ١٦٥).
(٣) معارج القبول، لحافظ الحكمي (٢/ ٤٩٧).
[ ٢ / ٩٥٠ ]
رابعًا: ومن ذلك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فهو يعمل العمل لله تعالى ولكنه يريد به ثواب الدنيا، فقلبه متعلق بالمال والبنين، ولذا وصفه -ﷺ- في الحديث بكونه عابدًا للدينار والدرهم فعن أبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قال: "تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وعبْدُ الدِّرْهَمِ وعبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطيَ رَضِيَ وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وانْتَكَسَ وإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ " (^١).
يقول الإمام ابن تيمية في كلامه على الحديث: "وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقائه، أو أمواله هي التي تجلب المنفعة الفلانية، وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها، ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسؤول.
وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل، وانقاد، وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان " (^٢).
فسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدًا لهذه الأشياء؛ لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها، فإذا شغف الإنسان بمحبة المال، أو الصور، أو الدنيا، وتعلق قلبه لغير الله بحيث يرضى وصول ذلك إليه، وظفره به، ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها والعبودية بقدر ذلك (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله (٣/ ١٠٥٧)، برقم (٢٧٣٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٥ - ٣٦).
(٣) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٤٩).
[ ٢ / ٩٥١ ]
فالعبودية درجات، منها: عبودية الشرك الأصغر، ومنها عبودية الشرك الأكبر، فالذي يشرك بغير الله الشرك الأكبر هو عابد له، كأهل الأوثان، وعبدة الأصنام، وعبدة الصليب، وكذلك من يعمل الشرك الأصغر، ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد لذلك، يقال: عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، فهذا الذي حركته همته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلًا تحرك إليها بدون النظر هل يوافق أمر الله أم لا يوافق أمر الله وشرعه (^١).
فالذي يعمل العبادة لله طمعًا في ثواب الدنيا ولا هم له في الآخرة كان فيه من الشرك الأصغر بحسب تعلقه؛ أما من كانت إرادته للدنيا أصلًا وقصدًا وتعلقًا وهمة وتحركًا، فعمل من أجل الدنيا ولم يتحرك قلبه بإرادة الله تعالى والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن؛ فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، فلا بد أن يريد الله والدار الآخرة، بل هو من أعمال الكافرين الخارجين عن ملة الإسلام جملة وتفصيلًا، وفيهم نزل قوله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦] (^٢).
خامسًا: ومما يدخل في حكم القاعدة مسألة الرياءء وهو بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (^٣)، فهو ما يفعل طاعة لله ليراه الناس، ولا يكتفي فيه برؤية الله ﷾ (^٤).
_________________
(١) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٤١٠).
(٢) انظر معناه في: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي (ص ١٣٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح آل الشيخ (ص ٤٠٥).
(٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
(٤) انظر: مرقاة المفاتيح (٩/ ٥٠٠).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
قال الصنعاني فى معناه: "وشرعًا: أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه" (^١).
فالرياء ليس فيه صرف للعبادة لغير الله، بل هو تزيين العبادة من أجل رؤية المخلوق ومدحه، وأما العبادة فهي لله وحده، وأما من توجه بالعبادة لغير الله وقصد بها غيره سبحانه فهذا قد وقع في الشرك الأكبر.
وقد فصَّل الشيخ السعدي -﵀- حالات الرياء، ومتى يكون شركًا أكبر أو شركًا أصغر، فيقول: "واعلم أن الرياء فيه تفصيل: فإن كان الحامل للعبد على العمل قصد مراءاة الناس، واستمر على هذا القصد الفاسد، فعمله حابط، وهو شرك أصغر، ويخشى أن يتذرع به إلى الشرك الأكبر.
وإن كان الحامل على العمل إرادة وجه الله مع إرادة مراءاة الناس، ولم يقلع عن الرياء بعمله، فظاهر النصوص أيضًا بطلان هذا العمل.
وإن كان الحامل للعبد على العمل وجه الله وحده، ولكن عرض له الرياء في أثناء عمله، فإن دفعه وخلص إخلاصه لله لم يضره، وإن ساكنه واطمأن إليه نقص العمل، وحصل لصاحبه من ضعف الإيمان والإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء" (^٢).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فإن كان الباعث على العمل من أصله هو إرادة غير الله فنفاق، وإن كان دخل الرياء في تزيين العمل وكان الباعث عليه أولًا إرادة الله والدار الآخرة كان شركًا أصغر بحسبه، حتى إذا غلب عليه التحق بالأكبر" (^٣).
_________________
(١) سبل السلام (٤/ ١٨٥).
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٢٩ - ١٣٠).
(٣) معارج القبول (٢/ ٤٤٢).
[ ٢ / ٩٥٣ ]
وبين الشيخ علي القاري -﵀- خطورة الرياء بأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر فقال: "ثم إذا ثبت المرائي على اعوجاجه، ولم يرجع إلى الصراط المستقيم، هام في أودية الضلال، وأداه الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر أعاذنا الله منه" (^١).
سادسًا: ومما تتناوله القاعدة مسألة الحلف بغير الله تعالى، حيث جاء في الحديث عن سعد بن عبيدة قال سمع بن عمر -﵄- رجلًا يحلف بالكعبة فقال: لا تحلف بالكعبة فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^٢).
والمقصود بالشرك هنا الشرك الأصغر، وهو دون الشرك الأكبر المخرج من الإسلام، وحكمة النهي أن حقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (^٣)، فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ (^٤)؛ لأن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه
_________________
(١) مرقاة المفاتيح، لعلي القاري (١/ ٤٨١).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٤/ ٣٣٠)، برقم (٧٨١٤)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ومرة قال (١/ ٦٥)، برقم (٤٥): "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بمثل هذا الإسناد وخرجاه في الكتاب، وليس له علة، ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم فقد احتج بشريك بن عبد الله النخعي"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٠/ ١٩٩)، برقم (٤٣٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٢٢٣)، برقم (٣٢٥١)، والترمذي في جامعه (٤/ ١١٠)، برقم (٤٣٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٢٢٣)، برقم (٣٢٥١)، والترمذي في جامعه (٤/ ١١٠)، برقم (١٥٣٥)، وقال عقبه: "هذا حديث حسن، وفسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ قال أبو عيسى: هذا مثل ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الرياء شرك، "، وصححه الألباني: انظر: التعليقات الرضية على الروضة الندية (٢/ ٥٤٢).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٧٦)، برقم (٨٨٨١)، وأبو داود (٤/ ٥٩)، برقم (٤٠٩٠)، والحديث عند مسلم (٤/ ٢٠٢٣)، برقم (٢٦٢٠)، بلفظ: "العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته"، من روايته أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
(٤) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي (٧/ ١٣٣، ١٣٤).
[ ٢ / ٩٥٤ ]
والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (^١).
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي -﵀- في معنى قوله -ﷺ-: "أن من حلف بشيء دون الله فقد أشرك": "فكان ذلك عندنا والله أعلم لم يرد به الشرك الذي يخرج به من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا من الإسلام، ولكنه أريد أن لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، وكان من حلف بغير الله قد جعل ما حلف به كما الله تعالى محلوفًا به، وكان بذلك قد جعل من حلف به، أوما حلف به شريكًا فيما يحلف به، وذلك عظيم، فجعل مشركًا بذلك شركًا غير الشرك الذي يكون به كافرًا بالله تعالى" (^٢).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: "وكذلك الحلف بغير الله لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر أيضًا، وقد يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد الحالف بغير الله أن هذا المحلوف به مثل الله، أو يصح أن يدعى من دون الله، أو أنه يتصرف في الكون من دون الله فإنه يكون شركًا أكبر" (^٣).
ويقول الشيخ محمد أمان الجامي -﵀-: "وقد ينتقل بعض أفراد هذا النوع من الشرك الأصغر إلى دائرة الشرك الأكبر بأمور خارجة تطرأ أحيانًا وتصاحب القول، كأن يصل تعظيم المحلوف به في قلب الحالف، والخوف إلى حد تعظيم الموحد ربه وخالقه، أو أعظم من ذلك، وفي هذه الحالة ينتقل القَسَم بغير الله من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر؛ لأن من بلغ إلى هذه الحالة فقد خرب قلبه، وحقيقة الكفر هو خراب القلب، ويفقد تقدير الله حق قدره، وتعظيمه، والخوف منه، ويحل محل
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (٣/ ٨٨)، وفيض القدير للمناوي (٦/ ١٢٠).
(٢) شرح مشكل الآثار للطحاوي (٢/ ٢٩٧).
(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٥/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٩٥٥ ]
تعظيم الله تعظيم مخلوق؛ فنسأله تعالى العفو والعافية" (^١).
سابعًا: ومما يدخل في الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر التشريك في الألفاظ؛ كقولك: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك.
فعن قتيلة (^٢) امرأة من جهينة (أن يهوديًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت) (^٣).
وعن ابن عباس -﵄- أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فكلمه في بعض الأمر، فقال ما شاء الله وشئت. فقال النبي -ﷺ-: "أجعلتني لله عدلًا قل ما شاء الله وحده" (^٤).
يقول الإمام ابن تيمية: "فأنكر عليه أن جعله ندًا لله في هذه الكلمة
_________________
(١) مقال بعنوان: (ما هكذا يا سعد تورد الإبل) بقلم فضيلة الشيخ: محمد أمان بن علي الجامي ﵀، وهو رد على الدكتور: أحمد الشلبي ضمن مجلة الجامعة الإسلامية عدد (٤٣).
(٢) هي: قتيلة بنت صيفي، قال ابن عبد البر: ويقال: الأنصارية، كانت من المهاجرات الأول، وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: ولم أر من نسبها أنصارية، وقوله من المهاجرات يأبى ذلك. وقد أخرج حديثها ابن سعد وأشار إلى أنها ليس لها غيره. [ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ١٩٠٣)، والإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٧٩)].
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٢٤)، برقم (٤٧١٤)، وانظر: (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣١)، برقم (٧٨١٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٨/ ٧٩): "سنده صحيح". اهـ.
(٤) أخرجه النسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٠٤)، برقم (٤٢١٨)، بلفظ: (ندًا) بدلًا من (عدلًا)، وحسَّن إسناده العراقي وكذا الألباني. [انظر: المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٨٣٥)، برقم (٣٠٦٦)، والسلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٦)].
[ ٢ / ٩٥٦ ]
التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة؛ إذ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندًا لله قد يكون بدون أن يعبد العبادة التامة، فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة" (^١).
يقول العلامة عبد العزيز بن باز: "ومن هذا الباب قول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وهذا كله من الشرك الأصغر، لقول النبي -ﷺ-: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (^٢)، وبهذا يعلم أنه لا حرج بأن يقول: لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم فلان .. إذا كان له تسبب في ذلك.
وثبت عنه -ﷺ-: أن رجلًا قال له: ما شاء الله وشئت فقال له -ﷺ-: "أجعلتني لله ندًّا قل ما شاء الله وحده"، فدل هذا الحديث على أنه إذا قال: ما شاء الله وحده فهذا هو الأكمل، وإن قال ما شاء الله ثم شاء فلان فلا حرج جمعًا بين الأحاديث والأدلة كلها والله ولي التوفيق" (^٣).
وفيما سبق من نصوص الدلالة على حرمة التسوية بين الله وغيره، وأنه يعد من الشرك، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنَّه يوهم أن مشيئة العبد مساوية لمشيئة الرب ﷾، والسبب في ذلك استعمال الواو التي تقتضي مطلق الجمع بين المشيئتين، فإن اعتقد حقيقة المساواة بين الرب والعبد كان مشركًا الشرك الأكبر المخرج إلى الكفر بالله العظيم.
_________________
(١) قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل، لابن تيمية المجموعة الثانية (ص ٢٧٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٤)، برقم (٢٣٣١٣)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢١)، وأبو داود في السُّنن (٤/ ٢٩٥)، برقم (٤٩٨٠)، والدارمي في سننه (٢/ ٣٨٢)، برقم (٢٦٩٩)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٤)، برقم (١٣٧): "قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، وهو "قلت: وهذا سند صحيح، ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، وهو الجهني الكوفي وهو ثقة، وثقه النسائي وابن حبان".
(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٧/ ٥٢).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "والفرق بين الواو وثم: أنه إذا عطف بالواو كان مضاهيًا مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بـ (ثم) فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] " (^١).
وقال الشافعي -﵀-: "المشيئة: إرادة الله -﷿- قال الله -﷿-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء" (^٢).
ومما يلحق بذلك قول البعض: (ما لي غير الله وأنت) و(أنا داخل على الله وعليك)، وأقبح منه قول البعض: (باسم الله والوطن)، أو (باسم الله والشعب)، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تضمنت سوء الأدب وسوء الظن بالرب المالك القدير.
يقول الإمام ابن القيم: "وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: (أنا بالله وبك) (وأنا في حسب الله وحسبك) (ومالي إلا الله وأنت) (وأنا متوكل على الله وعليك) (وهذا من الله ومنك) (والله لي في السماء وأنت لي في الأرض)، و(الله وحياتك)، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندًّا للخالق، وهي أشد منعًا وقبحًا من قوله: (ما شاء الله وشئت) " (^٣).
ثامنًا: ومن أنواع الشرك الأصغر وتتناوله القاعدة في كونه وسيلة إلى الشرك الأكبر الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الطاعة وفعل المعصية، وكذا رجاء غير الله فيما يملكه المخلوق ويقدر عليه، وكذلك محبة ما يبغضه الله تعالى مما حرمه، ومن ذلك التوكل والاعتماد على غير الله تعالى فيما يقدر عليه ذلك الغير من الأسباب الظاهرة الحسية،
_________________
(١) معارج القبول للحكمي (٢/ ٤٩٧).
(٢) الاعتقاد للبيهقي (ص ١٥٧).
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٩٥٨ ]
وهذا الشرك متعلق بالقلب، ويشبهه من يتوكل على سلطان أو ملك ظالم فيما جعله الله في يده من القوة والبطش أو الرزق والخير.
أما الخوف الشركي فأن يخاف ممن لا يملك أسباب الخوف الحسية والظاهرة، وكذا الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذا من توكل واعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك هو عين الشرك المخرج عن الإسلام، وعليه فالشرك الأصغر في الخوف والرجاء والتوكل يؤدي إلى الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما خوف المخلوق؛ فالمراد به الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك خوفًا من ذلك المخلوق، وأما الرجاء فلعل المراد الذي يخرج العبد عن التوكل على الله، والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدًّا.
وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر أو الأكبر فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه أو يرجوه فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه حتى يصل إلى الشرك الأكبر" (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله -لحب المال- ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى، للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٨٢).
[ ٢ / ٩٥٩ ]
الفصل الثالث
القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى الشرك
من المقاصد الشرعية.
المبحث الثاني: قاعدة: الحقائق لا تتغير بتغير
المسميات.
المبحث الثالث: قاعدة: تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله
وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله.
[ ٢ / ٩٦١ ]
المبحث الأول
قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك من المقاصد الشرعية
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى* شرح مفردات القاعدة
معنى سد الذرائع:
السدُّ: هو الحاجز بين الشيئين، والبناء في مجرى الماء ليحجزه، والجمع: سدود وأسداد، فالسين والدال: أصل واحد، وهو يدل على ردم شيء، وملاءمته؛ من ذلك: سددت الثُّلْمَة سدًّا، وكل حاجز بين الشيئين سَدٌّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (^١).
والذرائع: جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة (^٢)، وقد تَذرَّعَ فلان
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ٦٦)، لسان العرب (٣/ ٢٠٨)، المعجم الوسيط (١/ ٤٢٣)، المصباح المنير (١/ ٢٧٠).
(٢) ومن أهل اللغة من فرَّق بين الذريعة والوسيلة، وذكر ذلك أبو هلال العسكري في =
[ ٢ / ٩٦٣ ]
بذريعة؛ أي: تَوَسَّلَ، والذريعة: السبب إلى الشيء، وقولهم فلان ذَرِيعتي إلى كذا، وهذا الأمر ذَرِيعَتي؛ أي: سببي ووسيلتي إليه، ومعنى الذريعة في كلام العرب: ما يدني الإنسان من الشيء ويُقرِّبه منه، والأصل في هذا: أنْ يُرْسَلَ البعيرُ مع الوحش يرعى معها، حتى يأنس بالوحش، ويأنس به الوحش، فإذا أراد الرجل أن يصيدها استتر بالبعير، حتى إذا حاذى الوحش وداناها رماها فصادها، ويسمُّون هذا البعير الذريعة، ثم جُعِلت الذريعةُ مثلًا لكل شيء أَدْنى من شيء وقَرَّب منه (^١).
وبهذا يظهر الاتفاق بين معنى الوسيلة والذريعة من جهة المعنى العام، وهي ما يتوصل به إلى الشيء، سواء كان هذا الشيء خيرًا أم شرًا، مصلحة أو مفسدة، وهذا هو معنى الذريعة العام.
غير أن غالب أهل الفقه قد اصطلحوا على أن الذرائع هي: الطرق المفضية إلى المفاسد والشرور -خاصة-، أو هي: الأشياء الّتي ظاهرها الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل محظور.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة: عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح، وهو وسيلة إلى فعل المحرم، أما
_________________
(١) = كتابه "معجم الفروق اللغوية" فقال: "الفرق بين الوسيلة والذريعة: أن الوسيلة عند أهل اللغة هي القربة، وأصلها من قولك: سألت أسال؛ أي: طلبت، وهما يتساولان؛ أي: يطلبان القربة التي ينبغي أن يطلب مثلها، وتقول: توسلت إليه بكذا، فتجعل كذا طريقًا إلى بغيتك عنده، والذريعة إلى الشيء: هي الطريق إليه؛ ولهذا يقال: جعلت كذا ذريعة إلى كذا، فتجعل هي الطريقة نفسها، وليست الوسيلة هي الطريقة فالفرق بينهما بَيِّن". [معجم الفروق اللغوية للعسكري (ص ٣٣٣)].
(٢) انظر: العين (٢/ ٩٨)، وتاج العروس (٢١/ ١٢)، ومقاييس اللغة (٢/ ٣٥٠)، ولسان العرب (٨/ ٩٦)، والزاهر في معاني كلمات الناس (١/ ٥٠١)، وتهذيب الأسماء (٣/ ١٠٤)، والمعجم الوسيط (١/ ٣١١).
[ ٢ / ٩٦٤ ]
إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلًا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء نفسه فسادًا؛ كالقتل، والظلم، فهذا ليس من هذا الباب، فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادًا، بحيث تكون ضررًا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منها" (^١).
ويقول القرطبي: "والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع" (^٢).
ويقول الإمام محمد بن جزي (^٣) الغرناطي المالكي: "وأما سد الذرائع فمعناه: حسم مادة الفساد بقطع وسائله" (^٤).
فالذريعة في الأصل مباحة لكن يتوصل بها إلى المحرم، فنهى الشارع عن هذا المباح خوفًا من أثره، وهو الوصول إلى المحرم والفساد.
يقول الإمام الشاطبي: "وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع" (^٥).
وعليه فمعنى سدّ الذّريعة: حسم مادّة وسائل الفساد وسد بابها دفعًا
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٥٦).
(٢) تفسير القرطبي (٢/ ٥٧ - ٥٨).
(٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي، كنيته أبو القاسم، ولد سنة ٦٩٣ هـ، كان ﵀ نابغة زمانه في مختلف العلوم الإسلامية، من مؤلفاته: التسهيل لعلوم التنزيل، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، والأنوار السنية، والقوانين الفقهية في تلخيص المالكية، وغيرها، توفي سنة ٧٤١ هـ. [ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٩٥)، ومقدمة كتاب: تقريب الوصول بتحقيق: محمد المختار الشنقيطي (ص ٢٣ - ٥٠)].
(٤) تقريب الوصول إلى علم الأصول (ص ٤١٥)، وقيل هي: المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور. [المصدر نفسه].
(٥) الموافقات (٤/ ٢٦٤).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
لها؛ إذا كان الفعل السالم من المفسدة وسيلةً إلى مفسدة، وإن لم تكن المفسد مقصودة.
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
لا شك أن قاعدة سد الذرائع عمومًا من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، بل هي جزء عظيم لا يتجزأ عن تكاليف الشريعة، ظهرت فيه حكمة الله سبحانه، وكمال تشريعاته، وحسن أحكامه، وأنها تقود إلى المقاصد الحميدة، والنتائج السليمة الموافقة للعقول الصحيحة، والعارف البصير من نظر في الأسباب وتحقق من غاياتها، وعرف نتائجها، وتأمل مقصادها وما تؤول إليه.
يقول الإمام ابن القيم عن هذه القاعدة: "وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين" (^١).
واعلم أنه يعظم تطبيق هذه القاعدة ويزداد وجوبًا كلما عظم المنكر والشر الذي يراد سد بابه، وقفل طريقه، وحسم مادته، إذ المحرمات تتفاوت درجاتها، وأعظمها هو الشرك بالله ﵎، وعدم الإخلاص في العبادة، فهو الداء الخطير، والسم القاتل، والمرض العضال الذي متى ما وقع فيه الإنسان خسر الدنيا والآخرة، وكان من أهل النار، وسكان دار البوار، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا؛ ولذا كان اعتماد هذه القاعدة في هذا الباب فرض واجب وحتم لازم؛ من
_________________
(١) إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).
[ ٢ / ٩٦٦ ]
أجل السلامة من الشرك كبيره وصغيره، وتخليص القلوب لربها ومالكها.
والقاعدة دلت على أن من المقاصد الشرعية، والقواعد المرعية في شريعة الإسلام سدّ باب الذرائع المؤدية إلى الشرك، والموصلة إلى تعليق القلوب لغير باريها وخالقها.
* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
لقد حازت هذه القاعدة العظيمة على مكانة كبيرة في الشرع، ولذا فلا تكاد تحصر أدلتها من حيث عمومها إلا بشيء من الجهد، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك، وسيكون التركيز على الأدلة المتعلقة بالعقيدة، والتي فيها سد الطرق المؤدية والموصلة إلى الشرك بجميع أنواعه، وقد أذكر بعض الأدلة العامة التي فيها اعتماد القاعدة عمومًا:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى منع أهل الإيمان من سبِّ آلهة المشركين، ومن المعلوم أن سبَّ آلهتهم دائر بين الوجوب والندب والإباحة، ولكنه لما كان سبّ آلهتهم قد يفضي إلى سبّهم لله تعالى نهي عن ذلك؛ سدًا لهذه المفسدة وهذه الذريعة، وهي شتمهم لله تعالى، وظاهر الآية وإن كان نهيًا عن سبِّ الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى؛ لأنَّه سبب لذلك (^١).
_________________
(١) ولكن كيف يقع من مشركي قريش وغيرهم سبّ الله تعالى مع إيمانهم بوجود الله تعالى، وعدم إنكارهم له، واعتقادهم بربوبيته ﷾، وقد ذكر الرازي بعض الأوجه التي تزيل هذا الإشكال فقال: "واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود =
[ ٢ / ٩٦٧ ]
يقول الإمام ابن تيمية في معرض ذكره لدلالة الآية على سد الذرائع: "حرَّم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبهم ﷾؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبّنا لآلهتهم" (^١).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: "يقول الله تعالى ناهيًا لرسوله -ﷺ- والمؤمنين عن سبِّ آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين وهو: الله لا إله إلا هو، ومن هذا القبيل ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها" (^٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية: "ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزًا، بل مشروعًا في الأصل وهو سب آلهة المشركين التي اتخذت أوثانًا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها، ولكن لما كان هذا السب طريقًا إلى سب المشركين لرب العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب وآفة وسب وقدح
_________________
(١) = الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله، بل هاهنا احتمالات؛ أحدها: أنه ربما كان بعضهم قائلًا بالدهر، ونفي الصانع، فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة. وثانيها: أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول -﵊-، فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى، وثالثها: أنه ربما كان في جُهّالهم من كان يعتقد أن شيطانًا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد -﵊- فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل". وقال ابن الجوزي ﵀: " (فيسبوا الله)؛ أي: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسبّ الله تعالى؛ لأنَّهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به". [انظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١٥)، وتفسير السمعاني (٢/ ١٣٥)، وزاد المسير (٣/ ١٠٢)، وتفسير البغوي (٢/ ١٢٢)، ومرقاة المفاتيح (٧/ ٣٥٤)].
(٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٥٨).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٥).
[ ٢ / ٩٦٨ ]
نهى الله عن سب آلهة المشركين؛ لأنَّهم يتحمسون لدينهم ويتعصبون له؛ وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي: أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرَّم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر" (^١).
ولكن إذا كان شتم المؤمنين للأصنام من الطاعات العظيمة التي يحبها الله ﵎، فما هي الحكمة من نهي الله تعالى عن سب آلهتهم، والجواب: أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم وجب الاحتراز منه، والأمر هاهنا كذلك؛ لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله، وشتم رسوله -ﷺ-، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين، وإخال الغيظ والغضب في قلوبهم؛ فلكونه مستلزمًا لهذه المنكرات وقع النهي عنه (^٢).
ثانيًا: قوله ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].
تضمنت الآية الكريمة نهي المؤمنين عن قول (راعنا) للنبي -ﷺ-، وذلك لكون اليهود كانوا يقولونها على أساس أنها (راعن) من الرعونة، وهي الجهل، يقولونها بقصد إيذائه ﵇، فيظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويبطنون أنهم يريدون الرعونة، فنهى الله المسلمين عن قول هذه الكلمة سدًّا لذريعة الاتفاق الواقع في المعنى بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، والمسلمون قصدوا من (راعنا)؛ أي: انظرنا واسمع لنا، فنهى الله المؤمنين عن هذا القول سدًّا للذريعة لئلا يتطرق
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) انظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١٥)، وما ذكره شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ٩٢٤).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
منه اليهود إلى المحظور (^١).
يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: "والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه (راعنا) أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه -ﷺ- نظير الذي ذكر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة" (^٢)، "ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي" (^٣)، وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات" (^٤).
ويقول الإمام ابن القيم في الآية: "نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (١/ ١٠٢)، التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٥٦)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٨٩)، وقال الرازي في تفسيره: "كان المسلمون يقولون لرسول الله -ﷺ- إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابُّون بها تشبه هذه الكلمة، وهي (راعينا)؛ ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون راعنا افترضوه، وخاطبوه به النبي -ﷺ- وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: (انظُرْنَا)، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ". وذكر الإمام السمعاني قولًا آخر في حكمة النهي عن كلمة (راعنا) فقال: "والقول الثاني: أن قولهم راعنا كان فيه جفوة وخشونة؛ لأن حقيقته: (فرغ سمعك لكلامنا حتى تفهم)، وفي هذا نوع جفاء، فنزل قوله: ﴿تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، حتى يقولوا ما يقولون على طريق التبجيل والمسألة، ويختاروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أحكمها". [انظر: تفسير الرازي الكبير (٣/ ٢٠٣)، وتفسير السمعاني (١/ ١٢٠)].
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٣) برقم (١٤)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠٩)، برقم (١٠٦٢٠)، مع بعض الاختلاف، وأوله ثابت عند البخاري (٥/ ٢٢٨٦) برقم (٥٨٢٨)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٦٣)، برقم (٢٢٤٧)، من رواية أبي هريرة أيضًا.
(٣) سيأتي تخريجه انظر: (ص ٩٧٨).
(٤) تفسير الطبري (١/ ٤٧١).
[ ٢ / ٩٧٠ ]
في أقوالهم، وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي -ﷺ- ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلًا من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي -ﷺ- تشبهًا بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون" (^١).
ثالثًا: قوله -ﷺ- في حديث عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ"، قيل: يا رَسول الله وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قال: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أمّهُ فَيَسُبُّ أُمّهُ" (^٢).
قال ابن بطال: "هذا الحديث أصل في سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإنْ لم يقصد إلى ما يحرم والأصل في هذا الحديث قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] " (^٣).
ويقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للحديث: "فإذا كان النبي -ﷺ- قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه، فكيف إذا سب هو أباه مباشرة، فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين" (^٤).
رابعًا: نهى النبي -ﷺ- عن عدة أمور تتعلق بالقبور؛ كبناء المساجد عليها، بل لعن من فعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن تجصيصها وتشريفها، ونهى عن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شد الرحال إليها (^٥).
_________________
(١) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه، (٥/ ٢٢٢٨)، رقم (٥٦٢٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، (١/ ٩٢)، رقم (٩٠).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٤٠٤).
(٤) مجموع الفتاوى (٣٤/ ٢٢٦).
(٥) انظر الأدلة على ما سبق: صحيح البخاري (١/ ١٦٨)، برقم (٤٢٥، ٤٢٦)،=
[ ٢ / ٩٧١ ]
كل ذلك لئلا تكون هذه الأمور ذريعة إلى الغلو فيها، واتخاذها أوثانًا والإشراك بها، وقد منع -ﷺ- من هذه الأمور سواء قصدها المسلم أم لم يقصدها، بل منع من قصد خلافها سدًّا للذريعة (^١).
يقول الإمام ابن تيمية: "واتخاذ المكان مسجدًا: هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنما يقصد فيه عبادة الله، ودعاؤه، لا دعاء المخلوقين، فحرم -ﷺ- أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر، ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله -ﷺ- عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه" (^٢).
ويقول الإمام ابن عبد الهادي (^٣): "فإن النصوص التي صحت عنه -ﷺ- بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله؛ من الصلاة عندها وإليها، واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وشد الرحال إليها، وجعلها أعيادًا يجتمع لها كما يجتمع للعيد، ونحو ذلك
_________________
(١) = وصحيح مسلم (٢/ ٦٦٨)، برقم (٣١٦٤)، وسنن الترمذي (٣/ ٣٦٨)، برقم (١٠٥٢)، وسنن النسائي الكبرى (١/ ٦٥٣)، بقم (٢١٥٥، ٢١٥٦)، ومصنف ابن ابي شيبة (٣/ ٢٥)، برقم (١١٧٦٤).
(٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١٣٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، وانظر: اقتضاء الصراط (٤٠٤، ٤٠٥، ٤٢٣).
(٤) هو: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، الإمام المحدث الحافظ، الحاذق الفقيه، النحوي اللغوي ذو الفنون، ولد سنة ٧٠٥ هـ، من مؤلفاته: شرح على التسهيل والأحكام في الفقه، والصارم المنكي، وله المحرر في اختصار الإلمام، وغيرها، مات في جمادى الأولى سنة ٧٤٤ هـ. [ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ١٤١)، وطبقات الحفاظ (ص ٥٢٤ - ٥٢٥)].
[ ٢ / ٩٧٢ ]
صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير، وهو أصل أسباب الشرك، والفتنة به في العالم" (^١).
ويقول الحافظ ابن حجر في مسألة اتخاذ المساجد على قبور الصالحين مرجحًا للمنع من ذلك سدًّا للذريعة: "وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سد الذريعة، وهو هنا متجه قوي " (^٢).
ونقل الإمام الصنعاني عن الشيخ شَرَفِ الدِّين الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَغْرِبِيِّ (^٣) فقال: "وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْمُعَبَّرُ فِيهَا بِاللَّعْنِ وَالتَّشْبيهِ بِقَوْلِهِ: "لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله" تُفِيدُ التَّحْرِيمَ لِلْعِمَارَةِ، والتَّزْيِينِ، وَالتَّجْصِيصِ وَوَضْعِ الصُّنْدُوقِ الْمُزَخْرَفِ، وَوَضْعِ السَّتَائِر عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى سَمَائِهِ، وَالتَّمَسُّحِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي مَعَ بُعْدِ الْعَهْدِ، وَفشو الْجَهْلِ إِلَى مَا كَانَ عَليْهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَكَانَ فِي الْمَنْعِ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ قَطَعًا لِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفَسادِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ؛ مِنْ جَلْبِ الْمَصالِحِ، وَدَفْعِ الْمَفَاسِدَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِأَنْفُسِهَا، أَوْ بِاعْتِبارِ مَا تُفْضي إِلَيْهِ" (^٤).
_________________
(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٥٩).
(٢) فتح الباري (٣/ ٢٠٨).
(٣) هو: الحسين بن محمد بن سعيد بن عيسى اللاعي المعروف بالمغربي، قاضي صنعاء وعالمها ومحدثها، ولد سنة ١٠٤٨ هـ، وبرع في عدة علوم، وأخذ عنه جماعة من العلماء، وهو مصنف: البدر التمام شرح بلوغ المرام، وهو شرح حافل ومفيد، وقد اختصره السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، وسمى المختصر: سبل السلام، وله رسالة في حديث: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب"، وكان أخوه الحسن من محاسن اليمن، ولهذين الأخوين ذرية صالحة هم ما بين عالم وعامل وإلى الآن وهم كذلك، وبيتهم معمور بالفضائل، توفى صاحب الترجمة سنة ١١١٩ هـ، وقيل: سنة ١١١٥ هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٢٣٠ - ٢٣١)].
(٤) سبل السلام (٢/ ١١١).
[ ٢ / ٩٧٣ ]
ويقول الإمام الشنقيطي في المسألة: "ومعلوم أن قبور الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة؛ لأنَّهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور، فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقًا" (^١).
ويقول محمد ابن الحاج (^٢): في حكم البناء على القبور: "وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيمًا وتعظيمًا فذلك يهدم ويزال؛ فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبيهًا بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام" (^٣).
ويقول الإمام الصنعاني في علة تحريم البناء على القبور: "والظاهر أن العلة سدُّ الذريعة، والبعد عن التشبيه بعبدة الأوثان، الذين يعظمون الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر؛ ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنَّه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله، ومفاسد ما يُبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر" (^٤).
خامسًا: نهيه -ﷺ- عن مشابهة المشركين وأهل الكتاب في عباداتهم وفي هديهم الظاهر؛ لئلا تكون هذه المشابهة ذريعة للمشابهة في الباطن، وليحصل كمال التمييز، فإن المشابهة في الظاهر تدعو إلى المشابهة في
_________________
(١) أضواء البيان (٢/ ٢٩٦)، وانظر: (٨/ ٣٥١).
(٢) هو: محمد بن محمد، أبو عبد الله العبدري، المعروف بابن الحاج، نسبته إلى قبيلة عبد الدار، نزيل مصر، ومن أعيان المالكية، كان قاضيًا فقيهًا عارفًا بمذهب الإمام مالك، فاضلًا تفقه في بلاده، وقدم مصر، وحج، وكف بصره في آخر عمره وأقعد، وتوفي بالقاهرة، عن نحو ٨٠ عامًا، من تصانيفه: مدخل الشرع الشريف، وشموس الأنوار، وكنوز الأسرار، مات سنة ٧٣٧ هـ. [ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٣٢٧)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٥)].
(٣) المدخل، لابن الحاج (٣/ ٢٦٤).
(٤) سبل السلام (١/ ١٥٣).
[ ٢ / ٩٧٤ ]
الباطن بحسبها، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة، قد دلَّ عليه الشرع والعقل والحس (^١).
وكما نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح؛ فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين، فمنع من الصلاة فيهما سدًّا للذريعة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة، والتدريج الخفي، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة، وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضًا أمر محسوس.
فمشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه كما دلت عليه الأصول المقررة (^٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "ونهى عن التشبه بأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة؛ لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة؛ فإنه إذا أشبه الهدي الهدي، أشبه القلب القلب" (^٣).
كما نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة؛ كقوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (^٤)، وقوله: "خالفوا اليهود فإنهم
_________________
(١) انظر: أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٨٢ - ١٢٨٣)، والفروسية (ص ١٢١).
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٢٠).
(٣) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٤)، وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٣٩ - ١١٤٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، برقم (٣٢٧٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة (١٣/ ٦٦٣)، برقم (٢١٠٣).
[ ٢ / ٩٧٥ ]
لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" (^١)، وقوله -ﷺ- في صيام عاشوراء: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" (^٢)، مخالفة لليهود، وقوله: "ليس منا من تشبه بغيرنا" (^٣)، وقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" (^٤)، وسر ذلك أن المشابهة في الهدى الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل (^٥).
يقول الإمام ابن كثير: "والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال، والأفعال المنهي عنها شرعًا، مما يشابه أهل الكتاب قبلنا: أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم، وأفعالهم، حتى لو كان
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل (١/ ١٧٦)، برقم (٦٥٢)، والبزار في مسنده (٨/ ٤٠٥)، برقم (٣٤٨٠)، وابن حبان في صحيحه، في ذكر الأمر بالصلاة في الخفاف والنعال إذا أهل الكتاب لا يفعلونه (٥/ ٥٦١)، برقم (٢١٨٦)، والبيهقي في سننه، باب: سنة الصلاة في النعلين (٢/ ٤٣٢)، برقم (٤٠٥٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩١)، برقم (٩٥٦)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني. [انظر: صحيح الجامع (١/ ٥٥٣)، برقم (٣٢١٠)].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب: أي يوم يصام في عاشوراء (٢/ ٧٩٧)، برقم (١١٣٤)، وانظر: مسند أحمد (١/ ٢٣٦)، برقم (٢١٠٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٣)، برقم (٩٣٨١)، والمعجم الكبير (١١/ ١٦)، برقم (١٠٨٩١).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، باب: ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام، (٥/ ٥٦)، برقم (٢٦٩٥)، وقال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه، والطبراني في المعجم الأوسط (٧/ ٢٣٨)، برقم (٧٣٨٠)، قال الشيخ الألباني: (قلت: والموقوف أصح إسنادًّا؛ لأن حديث ابن المبارك عن ابن لهيعة صحيح؛ لأنه قديم السماع منه). انظر: إرواء الغليل (٥/ ١١١)، وصحيح الجامع رقم (٥٤٣٤).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة (٤/ ٤٤)، برقم (٤٠٣١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧١)، برقم (٣٣٠١٦)، قال الشيخ الألباني: "قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا ففيه خلاف". [إرواء الغليل (٥/ ١٠٩)].
(٥) إعلام الموقعين (٣/ ١٤٠).
[ ٢ / ٩٧٦ ]
قصد المؤمن خيرًا؛ لكنه تشبه، ففعله في الظاهر فعلهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذٍ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]، فكان الكفار يقولون للنبي -ﷺ- كلامهم معه (راعنا)؛ أي: انظر إلينا ببصرك، واسمع كلامنا، ويقصدون بقولهم: (راعنا) من الرعونة: فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدًا فليس للمسلم أن يتشبه بهم؛ لا في أعيادهم، ولا مواسمهم، ولا في عباداتهم؛ لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء، الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل، الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة، وعيسى ابن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حين لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجودين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة، فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد -ﷺ- فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلُّوا من قبل، وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل، قد بدَّلوا دينهم، وحرّفوه، وأوَّلوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولًا، ثم هو بعد ذلك كله منسوخ، والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلًا ولا كثيرًا، ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية" (^١).
سادسًا: نهى النبي -ﷺ- الصحابة -﵃- عن التشريك في اللفظ بين الله وبين عباده؛ سواء في مخاطبتهم للنبي -ﷺ- أو في التخاطب فيما بينهم؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى والاعتقاد.
_________________
(١) البداية والنهاية (٢/ ١٤٥).
[ ٢ / ٩٧٧ ]
من ذلك قوله -ﷺ- عن ابن عباس وعيهنما: أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: ما شاء الله وشئت، فقال له النبي -ﷺ-: "أجعلتني والله عدلًا بل ما شاء الله وحده" (^١).
يقول الإمام ابن القيم مبينًا حرصه ﵇ على أصحابه: "وذم الخطيب الذي قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى" (^٢)؛ سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًا)، فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدّها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه، وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمَّها" (^٣).
ومن ذلك نهيه -ﷺ- عن قول السيد عبدي وأَمَتي، وعن قول المملوك ربي؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى.
فعن أبي هريرة -﵁- عنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قال: "لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ، ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلاي، ولا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتي وغُلامِي" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢١٤)، برقم (١٨٣٩)، و(١/ ٢٨٣)، برقم (٢٥٦١)، و(١/ ٣٤٧)، وسنن النسائي الكبرى، كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٧٤)، برقم (٢٩٥٧٣)، والمعجم الكبير (١٢/ ٢٤٤)، برقم (١٣٠٠٦)، وحسّن إسناده العراقي. انظر: المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٨٣٥)، حديث رقم (٣٠٦٦)، وكذا حسنه الشيخ الألباني. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٨٥)، حديث رقم (١٠٩٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٤)، برقم (٨٧٠)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٥)، برقم (٤٩٨١)، مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٧٤)، برقم (٢٩٥٧٤)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٧)، برقم (٢٧٩٨)، وانظر: خطبة الحاجة للشيخ الألباني (ص ١٥) وما بعدها.
(٣) إعلام الموقعين (٣/ ١٤٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق وقوله =
[ ٢ / ٩٧٨ ]
قال الإمام النووي: "قال العلماء مقصود الأحاديث شيئان، أحدهما: نهى المملوك أن يقول لسيده ربي؛ لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى
الثاني: يكره للسيد أن يقول لمملوكه عبدي وأَمَتي، بل يقول غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر: "فأرشد -ﷺ- إلى العلة في ذلك؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه" (^٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيان علة النهي: "لما في ذلك من الإيهام من المشاركة في الربوبية، فنهى عن ذلك أدبًا مع جناب الربوبية، وحماية لجناب التوحيد" (^٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في توجيه النهي: "لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، منهي عن المضاهاة بهذا الاسم، لما فيه من التشريك في اللفظ، وإن كان يطلق لغة، فالنبي -ﷺ- نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، والله تعالى رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم، فنهى عن ذلك لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما
_________________
(١) = عبدي أو أمتي (٢/ ٩٠١)، برقم (٢٤١٤)، ومسلم صحيحه، كتاب: الألفاظ من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤)، برقم (٢٢٤٩)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٦٩)، برقم (١٠٠٧٠)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٤)، برقم (٤٩٧٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٣١٦)، برقم (٨١٨٢).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٦ - ٧). وانظر: الأذكار للنووي (ص ٢٨٩).
(٣) فتح الباري (٥/ ١٨٠).
(٤) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٥٥).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فنهى عنه حسمًا لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقًا للتوحيد، وبعدًا عن الشرك حتى في اللفظ، وأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجماد فلا يمنع منه كقوله: رب الدار، ورب الدابة" (^١).
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
يكاد يقع الاتفاق من أهل العلم على تقرير القاعدة واعتمادها والعناية بها؛ قاعدة شرعية واسعة الانتشار والاستعمال في جميع أبواب الشريعة كلها، وقد كان الاهتمام بهذه القاعدة في جانب العقيدة أكبر، وكانت العناية بها أشد؛ لخطورة هذا الباب، وما يترتب عليه من آثار، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة خاصة فيما يتعلق بباب العقيدة (^٢).
يقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر أدلة سد الذرائع في الشرع: "وليس المقصود استيفاء أدلة المسألة من الجانبين، وإنما الغرض التنبيه على أن من قواعد الشرع العظيمة قاعدة سد الذرائع" (^٣).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "ومنها القاعدة الكلية، والأصل العظيم، وهو سد الذرائع المفضية إلى أشد المفاسد، إذ الوسائل لها حكم الغايات" (^٤).
وقال ﵀ أيضًا: "سد الذرائع، وقطع الوسائل، من أكبر أصول
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (٣٤٥ - ٣٤٦).
(٢) وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٤٤)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٢٧).
(٣) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٦).
(٤) الدرر السنية (١٢/ ٤٢٨).
[ ٢ / ٩٨٠ ]
الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة، من الأحكام الدينية تحليلًا وتحريمًا، ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى أهل العلم (^١) والخبرة، وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية، قدس الله روحه، لهذه القاعدة في كتاب التوحيد، فقال: باب ما جاء في حماية المصطفى -ﷺ- جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وساق بعض أدلة هذه القاعدة" (^٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة، لأنها تؤدي إليه" (^٣).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة" (^٤).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة عن القاعدة ما نصه: "ولقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسُّنَّة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة" (^٥).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "سدّ الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده" (^٦).
وقال ﵀ أيضًا: "وقد جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي" (^٧).
_________________
(١) كذا بالأصل ولعل الصواب: ولا يخفي على أهل العلم.
(٢) الدرر السنية (٨/ ٣٣٦)، ونقلها عنه الشيخ سعد بن حمد بن عتيق. انظر: (١٠/ ٤٦٧).
(٣) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ١٥٣).
(٤) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ج ١٠)، كتاب النكاح، تحت عنوان: الغناء وصوت المرأة في الإذاعة.
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ٥٠١).
(٦) فتاوى الشيخ ابن باز (٩/ ٤٠٥).
(٧) فتاوى الشيخ ابن باز (٥/ ٣٠٦).
[ ٢ / ٩٨١ ]
ويقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- في شرحه لكتاب "التوحيد": "وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب، لأن الشريعة جاءت بسد أصول المحرمات، وسد الذرائع إليها، فيجب أن يغلق كل باب من أبواب الشرك بالله" (^١).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
قاعدة سد الذرائع من القواعد العظيمة التي يجب اعتبارها ومراعاتها، لا سيما في جانب التوحيد، وفوائد هذه القاعدة لا تكاد تحصر، واستعمالها لا ينتهي؛ وذلك لصلاحيتها لكل زمان، ودخولها في جميع القضايا الطارئة التي تكون في نفسها مباحة وجائزة ولكنها تؤدي إلى شر وفساد، وفيما يأتي بعض الفوائد المستفادة من هذه القاعدة:
أولًا: بتأمل أفراد القاعدة وجزئياتها وفرعياتها، سواء العقدية أو الفقهية، تتبيّن عظمة هذا الدين، وموافقته للعقول الصحيحة، والأفهام السليمة، وبعده عن المتناقضات، إضافة إلى ما اشتملت عليه أحكامه من الحكم الجليلة، بمراعاة المقاصد، وما يتبعها من تقدير المصالح والمفاسد، ومن عرف مقاصد الشرع في سد الذرائع المفضية إلى الشر والفساد ازداد يقينه، وقوي إيمانه، بكمال هذه الشريعة السمحاء التي أنعم الله بها على أمة الإسلام على يد أحب الخلق إليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﵇ (^٢).
يقول الإمام ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢٦٥).
(٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده، أو رعيته، أو أهل بيته، من شيء ثم أباح لهم الطرق، والأسباب، والذرائع الموصلة إليه، لَعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة، والمصلحة، والكمال، ومن تأمل مصادرها، ومواردها، علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها، ونهى عنها" (^١).
ثانيًا: أن الذرائع حكمها بحسب المتذرع إليه؛ فإن كان المتذرع إليه شرًا ومفسدة كانت الذريعة شرًّا وفسادًا وينهى عنها حينئذٍ، وإن كان المتذرع إليه جائزًا أو مشروعًا كانت الذريعة بحسب ذلك، فتسد الذرائع التي تؤدي إلى الشر والفساد بكل صوره وألوانه، وتفتح الذريعة التي توصل إلى الجائز أو المشروع، فقد يكون فعل الذريعة واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا بحسب مرتبة المتذرّع إليه (^٢).
_________________
(١) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).
(٢) السيل الجرار للشوكاني (٢/ ١١٩).
[ ٢ / ٩٨٣ ]
يقول الإمام الشاطبي: "الذرائع في الحكم بمنزلة المتذرع إليه، ومنه ما ثبت في "الصحيح" من قول رسول الله -ﷺ-: "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه"، قالوا يا رسول الله: وهل يسب الرجل والديه، قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه" فجعل سب الرجل لولدي غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه، حتى ترجمه عنها بقوله: (أن يسب الرجل والديه) ولم يقل: (أن يسب الرجل والدي من يسب والديه) أو نحو ذلك، وهو غاية معنى ما نحن فيه" (^١).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "والذرائع نوعان:
أ- ذرائع إلى أمور مطلوبة، فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب.
ب- ذرائع إلى أمور مذمومة؛ فهذه تسد
وذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها؛ يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي -ﷺ- الذرائع" (^٢).
ثالثًا: ما نهي عنه من الأمور التي هي مباحة في الأصل أو مشروعة سدًّا للذريعة فإنه يباح وتفعل الذريعة إذا انتفت المفسدة، أو كان في فعلها مصلحة راجحة فاقت تلك المفسدة، ولا شك أن مرجع النظر في هذه الأمور للراسخين من أهل العلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "فالنهى عن الصلاة فيها -أي: في أوقات النهي- هو من باب سد الذرائع؛ لئلا يتشبه بالمشركين فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تُفَوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٣٤).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٩٨٤ ]
تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة؛ لإمكان فعله في سائر الأوقات" (^١).
وذلك كالنهي أول الإسلام عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم، وقوي الإيمان في قلوبهم أذن في زيارتها، وهذا يدل على أن النهي كان بسبب الخوف من الفتنة بالقبور أول الأمر، ولما كان يحصل عندها من الأقوال المنكرة، والأفعال الشنيعة، فسدت ذريعة ذلك بمنع الزيارة (^٢).
يقول الإمام ابن القيم: "بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور؛ صيانة لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًّا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس، فلما تمكن التوحيد من قلوبهم، واضمحل الشرك، واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان، وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذٍ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة، وأذنه فيها للمصلحة.
وأما النساء؛ فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام، من فتنة الأحياء، وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناهما على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة" (^٣).
وليس في ترك الزيارة المتذرع بها إلى الشرك أو الفساد أدنى
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢١٤).
(٢) انظر: المصدر نفسه (٢٧/ ٣٧٦)، وزاد المعاد (٣/ ٦٠٨).
(٣) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٤٤)، وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٠).
[ ٢ / ٩٨٥ ]
غضاضة، ولو كانت قربة وطاعة؛ لأن مفسدتها راجحة، وليس فيها مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وهذه ليس فيه مصلحة راجحة، بل إما أن يكون مفسدة محضة، أو مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع (^١).
يقول الإمام ابن عبد الهادي: "وكيف يقاس على الزيارة التي لا يتعلق بها مفسدة البتة، بل هي مصلحة محضة الزيارة التي يخشى بها أعظم الفتنة، وتتخذ وسيلة إلى ما يبغضه المزور، ويكرهه، ويمقت فاعله، حتى لو كانمت الزيارة من أفضل القربات، وكانمت ذريعة ووسيلة إلى ما يكرهه المزور ويبغضه لنهي عنها طاعة له، وتعظيمًا، ومحبة، وتوقيرًا، وسعيًا في محابه، كما نهي عن الصلاة التي هي قربة إلى الله في الأوقات المخصوصة؛ لما يستلزمه من حصول ما يكرهه الله، ويبغضه، ولم يكن في ذلك إخلال بتعظيم الله، بل هذا عين تعظيمه وإجلاله وطاعته، فتأمل هذا الموضع حق التأمل؛ فإنه سر الفرق بين عباد القبور وأهل التوحيد" (^٢).
رابعًا: ومما استعمل فيه أهل العلم قاعدة (سد الذرائع) لسد الطرق المفضية إلى الشرك ووسائله ما فعله المسلمون حيال حجرة النبي -ﷺ- من تعلية الحيطان، وإحاطتها بالجدر الثلاثة، وسد جميع المنافذ المؤدية إليها، كل ذلك سدًّا لذريعة الغلو والمبالغة في ذلك المؤديان إلى الشرك بالله العظيم، واتخاذه ندًّا مع الله ﵎، وسدًّا لذريعة اتخاذ قبره قبلة، وغير ذلك.
يقول الإمام القرطبي: "ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي -ﷺ-؛ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٩٤).
(٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٥٧).
[ ٢ / ٩٨٦ ]
محدقة بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره" (^١).
خامسًا: إن حسن النية والقصد لا يسوغ إباحة الفعل الذي حُرّم سدًّا للذريعة؛ لأن التحريم لم يراع فيه قصد المتذرع بالذريعة، وهل نيته حسنة أم سيئة، بل حرمت الشريعة الذريعة المؤدية إلى الشر والفساد والمنكر، حتى ولو كانت نيته صالحة، وقصده حسنًا.
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ١٢٧)، وانظر: فتح المجيد (ص ٢٦٣).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
المبحث الثاني
قاعدة الحقائق لا تتغير بتغير المسميات
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة
الحقائق: جمع حقيقة، وهي الشيء الثابت يقينًا، أو هي ما استعمل في معناه الأصلي، وحقيقة الشيء: خالصه وكنهه، وحقيقة الأمر: يقين شأنه، وقيل: حقيقة الشيء: منتهاه وأصله المشتمل عليه (^١).
الأَسْمَاء: جَمْعُ اسْمٍ، والاسْمُ: هُوَ اللفْظُ المَوْضُوعُ لِلدَّلَّالَة عَلَى المُسَمَّى، وَقِيلَ: هُوَ اللفْظُ الدَّالُّ عَلَى المَعْنَى بِالوضْعِ لُغَة، وَقِيلَ الاسْمُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْء وَأَصْلُهُ، وَلَيْسَ الِاسْمُ نَفْسَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ الِاسْمَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ نَفْسَ التَّسْمِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا فِعْلُ الْمُسَمِّي. فالاسْمُ: لَفْظ مَوْضُوعٌ عَلَى الذَّاتِ لِتَعْرِيفَهَا أَوْ لِتَخْصِيصِهَا عَنْ غَيْرِهَا كَلَفْظِ زَيْدٍ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الذَّاتُ الْمَقْصُودُ تَمْيِيزُهَا بِالاسْمِ؛ كَشَخْصِ زَيْدٍ، وَالمُسَمِّي هُوَ الْوَاضِعُ لِذَلِكَ
_________________
(١) انظر: المعجم الوسيط (١/ ١٨٨)، والمصباح المنير (١/ ١٤٤).
[ ٢ / ٩٨٨ ]
اللَّفْظِ، والتَّسْمِيَةُ هِيَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ اللَّفْظِ بِتِلْكَ الذَّاتِ (^١) (^٢).
ولا يكاد ينفك اللفظ أو الاسم عن الحقيقة والمعنى؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط الألفاظ، فإن الألفاظ قوالب المعاني، والأسماء قوالب المسميات (^٣).
يقول الإمام الشوكاني: "فإن الألفاظ إنما هي قوالب المعاني، ولا تراد لذاتها أصلًا؛ لا عند أهل اللغة ولا عند أهل الشرع" (^٤).
_________________
(١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٢٤٤)، والمقصد الأسنى للغزالي (ص ١٧٣)، وعمدة القاري (١٤/ ٢٣)، وسبل الهدى والرشاد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي (١/ ٤٩٣).
(٢) مسألة الاسم والمسمى خاض فيها أهل الكلام والذي عليه أهل السُّنَّة أنه لا يقال الاسم نفس المسمى ولا غير المسمى؛ لأن هذا من الألفاظ المجملة، التي توقف فيها أهل السُّنَّة والجماعة بدون نفي ولا إثبات، والصواب أن يقال: الاسم للمسمى. يقول الشيخ يحيى العمراني: "واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى، أو غيره، فذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى أن: الاسم للمسمى، وقال بعضهم: هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: هو علم للمسمى، والجميع واحد. وقال المعتزلة: الاسم غير المسمى، وقال أبو الحسن الأشعري: الاسم هو المسمى". [الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٠٣)]. ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما الذين يقولون: أن الاسم للمسمى كما يقوله أكثر أهل السُّنَّة، فهؤلاء وافقوا الكتابِ والسُّنَّة والمعقول قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال النبي -ﷺ-: "إن الله تسعى وتسعين اسمًا" وإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ فصلوا؛ فقالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى، وإذا قيل: أنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينًا له فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه، فكيف بالخالق، وأسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنًا عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنًا مثل أن يسمي الرجل غيره باسم أو يتكلم باسمه، فهذا الاسم نفسه ليس قائمًا بالمسمى، لكن المقصود به المسمى، فإن الاسم مقصوده إظهار المسمى وبيانه". [مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧)].
(٣) انظر: فيض القدير (١/ ٣١٢)، وروح المعاني (١٥/ ٨١).
(٤) السيل الجرار (٢/ ٣٤٣).
[ ٢ / ٩٨٩ ]
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن حقائق الأشياء ومعانيها اللغوية أو الشرعية لا تتغير بتغير الألفاظ والأسماء، كما أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالحقائق والمعاني، فمتى ما وجدت الحقيقة وجد الحكم بغض النظر عن اختلاف الأسماء وتنوع الألفاظ؛ إذ الأسماء عرضة للتغيير حسب الأزمنة والأمكنة وأعراف الناس، وهذا أمر مشاهد بين الناس ولا ينكره منكر.
يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: "فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسماءها فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم، ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
المتأمل في النصوص الشرعية يجد فيها تقرير وتكرير ما دلت عليه القاعدة من كون العبرة بالحقائق وليست بالألفاظ، وأن الأحكام دائرة مع الحقائق وإن اختلفت الألفاظ، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة تصلح للاحتجاج للقاعدة:
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).
[ ٢ / ٩٩٠ ]
أولًا: النصوص الدالة على حرمة التحايل على المحرمات الذي هو فعل اليهود وصفتهم الغالبة، ومن ذلك:
ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (^١).
وقد جاء فعل اليهود في تحايلهم على تحليل الشحوم التي حرمها الله عليهم، ففي "الصحيحين" عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهُ - يَقُولُ: قاتَلَ الله فُلانًا ألَم يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: " لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوها فَبَاعُوهَا" (^٢).
ولا شك أن تغيير الألفاظ الشرعية التي لها دلالات معينة، وحقائق ثابتة، ومن ثم تسميتها بأسماء أخرى مألوفة وغير منفرة من أجل إباحتها وتجويزها من أعظم الحيل المحرمة.
ووجه الشاهد من هذه الأدلة: أنه لو كان مجرد تغيير الاسم واللفظ يؤثر في تغيير المعنى والمضمون لما حُرِّمَت الحيل أصلًا؛ لأنَّه بتغيير الاسم واللفظ سيتغير المعنى وينتقل إلى حقيقة أخرى غير الحقيقة الأولى، وعندها فلا مانع من أن يكون للحقيقة الثانية حكم آخر يختلف عن الأول. لكن مع تحريم هذا الصنيع دلالة على أن تغيير اللفظ والاسم
_________________
(١) رواه الإمام ابن بطة في: إبطال الحيل (ص ٤٧)، ويقول الإمام ابن تيمية عقب ذكره للحديث: "هذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة، ومحمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم، وقد تقدم ما يشهد لهذا الحديث من قصة أصحاب السبت". الفتاوى الكبرى (٣/ ١٢٣)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٩)، وحسَّنه الإمامان: ابن القيم وابن كثير. انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٤)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، برقم (٣٢٧٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٣/ ١٢٠٧)، برقم (١٥٨٢).
[ ٢ / ٩٩١ ]
لا يغير في الحقيقة شيئًا، بل هي باقية والحكم يدور معها وجودًا وعدمًا لا مع الاسم واللفظ.
يقول الإمام ابن القيم معلِّقًا على حيلة اليهود في الشحوم: "وجملوها: يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك؛ ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر وهو الوَدَك (^١)، وذلك لا يفيد الحِلَّ؛ فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم" (^٢).
فاليهود لعنوا لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، كما أنه لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك (^٣).
ومما يدل على صحة القاعدة مما هو داخل في حكم الحيل أيضًا: ما جاء عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن أناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" (^٤)، وفي رواية عند الدارمي من طريق عائشة -﵂-: "يسمونها بغير اسمها فيستحلونها" (^٥)؛ يعني: الخمر.
_________________
(١) الوَدَك: بفتحتين، هو دسم اللحم والشحم ودهنه الذي يستخرج منه، أو يستحلب منه. [انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٦٨)، والمصباح المنير (٢/ ٦٥٣)، والمعجم الوسيط (٢/ ١٠٢٢)].
(٢) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٤)، وانظر: فيض القدير (٥/ ٣٩١).
(٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٢).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٣٧)، برقم (١٨٠٩٨)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ١٦٠)، برقم (٦٧٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٣٢٩)، برقم (٣٦٨٨)، من طريق أبي مالك الأشعري، والحديث ذكره الشيخ الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٠١)، برقم (٤١٤)، وقال عقبه: " قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وجهالة اسم الصحابي لا تضر، كما في المصطلح تقرر". [المرجع نفسه].
(٥) سنن الدارمي (٢/ ١٥٥)، برقم (٢١٠٠)، وحسَّنه الألباني، وله شاهد. [انظر: =
[ ٢ / ٩٩٢ ]
يقول الشيخ السندي ﵀: " (يسمونها بغير اسمها): قاله في محل
الذم، فيدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالًا" (^١).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀: "التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء عنه - ﷺ -: " أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها"، وكذا من سمى الزنا نكاحًا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربًا، فكذا من ارتكب شيئًا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلًا وتشفعًا ونحوه" (^٢).
ولا شك أن إبليس قد سبق اليهود عليهم لعائن الله على هذا المنهج المنحرف، إذ هو قائدهم الأول، وإمامهم الأعظم في التلبيس والتدليس والكذب على الله ﵎.
يقول الإمام الصنعاني: "وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم ﵇: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها - غرورًا وتدليسًا - بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا: أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى سم (النفاعة)، وفي بعضها إلى اسم (السياقة)، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.
_________________
(١) = السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٤)، رقم (٨٩)].
(٢) حاشية السندي (٨/ ٣١٣٩).
(٣) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٩٤).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسُّنَّة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد" (^١).
ثانيًا: إنكاره ﷾ على المشركين تسمية أصنامهم وأوثانهم بأنهم آلهة، وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، ولا نصيب لها من خصائص الإلهية شيء البتة، وهذا الإنكار من الله تعالى عليهم يدل على أن العبرة بحقائق الأشياء وما هي عليه من الصفات الثابتة، أما مجرد إطلاق الأسماء والألفاظ على ما هو عار وخواء من الحقائق والمعاني التي دلت عليها الألفاظ فلا اعتبار له، كما أن هذا التغيير في الألفاظ والأسماء لا أثر له في تغيير الحقائق البتة.
وعليه فهذه الأصنام والأوثان حقيقتها أنها حجارة، وهؤلاء المعبودون غايتهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، بل وأموات قد استحالوا ترابًا ورفاتًا، فمهما بالغوا في تعظيمهم، وإلباسهم لباس العزة، وتسميتهم بأسماء العظمة، ووصفهم بأخص خصائص الإلهية، لم تكن سوى أسماء جوفاء، وألفاظ عارية فقيرة، متناقضة غاية التناقض مع حقيقة الحال.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة، سموها بما لا تستحقه، كما يسمى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، وِالكذاب نبيًّا فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] " (^٢).
وقال أيضًا: "أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها، لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدودن أسماء لا مسميات لها؛
_________________
(١) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص ١٠٨)، بتعليق الشيخ: علي آل سنان.
(٢) النبوات (ص ٢٠٠).
[ ٢ / ٩٩٤ ]
لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا في أنها آلهة تنفع وتضر " (^١).
ويقول الشيخ السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]: "أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الإلهية فيها، ولا مثقال ذرة" (^٢).
ثالثًا: قصة ذات أنواط التي حدثت في خروج النبي - ﷺ - مع أصحابه
إلى خيبر فمر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي -ﷺ-: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَّة من كان قبلكم" (^٣).
فلم يكن استبدالهم للفظ الآلهة بذات أنواط مؤثرًا ما دامت الحقيقة واحدة في كلتا الصورتين، فدل ذلك على أن الحقائق لا تتغير وإن تغيرت الأسماء والألفاظ.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ عقب ذكره للقصة: "وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي - ﷺ - طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه؛ كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم، والنذر، ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه وقس على ذلك" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٥٩).
(٢) تفسير السعدي (ص ٢٩٤).
(٣) سبق تخريجه في (ص ٢٣٣)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
(٤) تيسير العزيز الحميد (ص ١٤٢).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
رابعًا: من المعلوم أن التفريق في الحكم بين الشيئين المتفقين في الحقيقة والمعنى والصفة لمجرد اختلاف الأسماء من الظلم العظيم الذي نهى الله عنه، بل هو تفريق بين المتماثلين، والله تعالى قد أمر بالعدل والاعتبار الذي هو القياس الشرعي، وهو التسوية في الحكم بين المتماثلين في الحقيقة والمعنى ولو اختلفت الألفاظ، وتنوعت الأسماء، فلا فرق بين شرك وشرك، ولا بين شراب مسكر وآخر مثله باسم آخر، وهكذا (^١).
خامسًا: كما لا يخفى أن التحريم الشرعي إنما يكون تابعًا للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة بسبب شرب الخمر، وكذا سوء الظن وقلة الأدب مع الله، وتشبيه المخلوق بالخالق، والتنقص لعظمة الألوهية والربوبية الحاصل بسبب الإشراك في عبادة الله تعالى لا يزول، ولا يتغير بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم، وعدم الفقه عن الله ورسوله (^٢).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:
يقول الإمام ابن القيم: "فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ" (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٩٦).
(٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٦).
(٣) إعلام الموقعين (١/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٩٩٦ ]
ويقول الإمام الصنعاني في كلامه على فعل المشركين: "وإنما الجاهلية سموه صنمًا ووثنًا، وهؤلاء القبوريون يسمونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية" (^١).
ويقول العلامة السهسواني الهندي في معرض كلامه على التوسل بالأعمال الصالحة: " وهذا التوسل هو عين دين الإسلام، لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلًا بالأنبياء والصالحين، فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمُسَمَّى والمُعَنْوَن لا للاسم والعنوان" (^٢).
ويقول الشيخ السعدي: " ولا فرق في هذا بين أن يسمي تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها" (^٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم" (^٤).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما
_________________
(١) تطهير الاعتقاد عن أدران الألحاد (ص ١٠٧).
(٢) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ١٩٩).
(٣) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٣١).
(٤) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٩٩٧ ]
يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:
أولًا: دلت القاعدة على ثبات الحقائق والمعاني للألفاظ والأسماء، إذ إن جميع الأحكام الشرعية إنما بنيت على الحقائق والمعاني، وهي بلا شك مرتبطة بأسمائها الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية في القرآن والسُّنَّة، فالعبرة والمعول على الحقائق والمعاني، فهي التي عليها مدار الأحكام، وبها يكون الحكم والقضاء، ولا ينكر أهمية المحافظة على الألفاظ والأسماء الشرعية، وأن تغييرها مع اعتبار الحقيقة الأولى يعد من التحريف والكذب على الله تعالى.
ويستخلص من ذلك: أن حكم الشيء تابع لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه ولا لاعتقاد فاعله: يوضح ذلك: أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا وإلهًا ومعبودًا من دون الله، كما قال تعالى في شأن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال عديّ بن حاتم لما قدم على النبي - ﷺ - وهو يقرأ هذه الآية فقال للنبي - ﷺ -: إنهم لم يعبدوهم فقال -ﷺ-: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرموه" (^١).
فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسمّوا أحبارهم
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب: تفسير القرآن (٥/ ٢٧٨)، برقم (٣٠٩٥)، والبيهقي في السُّنن الكبرى (١٠/ ١١٦)، برقم (٢٠١٣٧)، وصحح الشيخ الألباني بعض طرقه في السلسلة الصحيحة (٧/ ٨٦١)، رقم (٣٢٩٣)، وحسن بعضها في غاية المرام حديث رقم (٦).
[ ٢ / ٩٩٨ ]
ورهبانهم أربابًا ولا آلهة، ولا معبودين، ولا كانوا يعتقدون أو يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا استعظم عدي هذا وقال: إنهم لم يعبدوهم، ومع ذلك سمَّاهم الله أربابًا وبيَّن النبي - ﷺ - أن فعلهم هذا عبادة وتأليه لهم، ولم يكن عدم ظنهم هذا عذرًا لهم، ولا مزيلًا لاسم فعلهم ولا رافعًا لحقيقته وحكمه.
وفي هذا دلالة على أن حكم الشيء تابع لحقيقته وما هو عليه، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله.
ثانيًا: فيها الرد على من أجاز الشرك الواضح الذي لا شك فيه بحجة أنه توسل إلى الله تعالى بأهل الخير والصلاح، وأنه من محبة الأولياء ومن حقهم علينا، والقاعدة تبطل هذا المفهوم الشركي، بل هذا هو عين الإشراك بالله ﵎.
يقول الإمام ابن القيم في كلامه على حكم الساحر: "والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به" فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق، وقال ليس هذا بسجود له، وهذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم، أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله فليسمه بما شاء" (^١).
ويقول الإمام الشوكاني: "إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه؛ سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم" (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٤٦١).
(٢) رسالة الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص ١٨)، ضمن مجموع (الرسائل =
[ ٢ / ٩٩٩ ]
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء" (^١).
كما أبطل الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ مقالة من قال: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلًا عنده وتشفعًا. فقال: "وهذا فرار منه أن يسميه شركًا وكفرًا، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات ، وأن التوسل صار مشتركًا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه ، فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عبَّاد قبور، لا يستريب في ذلك إلّا جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام" (^٢).
ولقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلًا، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس، واستبداله باسم آخر، ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر، تقبله النفوس، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، فمن ارتكب شيئًا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلًا، وتشفعًا (^٣).
_________________
(١) = السلفية في إحياء سنة خير البرية)، للإمام الشوكاني.
(٢) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٤٠٦).
(٣) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص ١٧).
(٤) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٥٦٧ - ٥٦٨).
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
وذكر العلامة محمود شكري الألوسي حقيقة واقع أهل القبور، وما وقعوا فيه من التلبيس والتدليس بتغييرهم للأسماء، وبين ﵀ أن هذا التغيير لا يغير من الحقيقة شيئًا، وأن العبرة بحقائق أفعالهم وأعمالهم؛ فقال ما ملخصه: "ونذكر لك طرفًا من معتقد هؤلاء وحقيقة ما هم عليه من الدين؛ ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن؛ إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق.
من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية وجماهيرهم -لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم - لا يكاد يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى، وكل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، فهل سمعت عن جاهلية العرب، مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب.
والكلام مع ذكي القلب، يقظ الذهن، قوي الهمة، العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحقيقة التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة،
[ ٢ / ١٠٠١ ]
ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق بما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة، معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج.
إلى أن قال ﵀:
وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء، وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرع في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله ﷿ أنهم يعترفون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية، والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
ولا يمانع هذا إلا مكابر في الحسيات وإن فقد بعض أنواع في بعض البلاد فكم له من نظائر، ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي والحسين وموسى الكاظم، ومحمد الجواد -﵃- عند رافضتهم، والشيخ عبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم -﵃- عند سنتهم: من العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها" (^١).
ويبين الشيخ عبد العزيز بن باز استشكال من يقول: إن المتأخرين لم يدعوا عبادة الأولياء أو الصالحين، وإنما هم يتبركون بهم، فقال:
_________________
(١) انظر: تاريخ نجد، للعلامة: محمود شكري الألوسي (ص ٧٥ - ٧٩).
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
"الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات، والأنبياء، والصالحين، والذبح لهم، أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم" (^١).
ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٢)، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.
فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا -كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ١٣٩).
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ١٧٢)، برقم (٤١٤)، مرسلًا عن عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠)، برقم (٧٥٤٤)، عن زيد بن أسلم عن النبى - ﷺ -، وللحديث طريق آخر عند أحمد بلفظ: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -. قال الشيخ الألباني: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حمزة بن المغيرة وهو المخزومي وهو ثقة بلا خلاف". [انظر: الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب (١/ ٣٦١)].
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
تغير الحقائق" (^١).
ثالثًا: هذه القاعدة بمثابة السد المنيع، والباب المغلق أمام جميع أهل الباطل من أصحاب الديانات المحرفة، أو من أهل الأهواء المضلة والبدع المغوية والمبعدة عن هدي القرآن والسُّنَّة، ولو فتح هذا الباب لتبدلت الشرائع، وفسدت الأحكام، ولم يوثق بعدها بنص أو تنزيل.
يقول الإمام ابن القيم: "ولو أوجب تبديلُ الأسماء والصور تبدلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها، وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقربًا إلى الله، وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهًا، وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون الله تسمية ذلك تعظيمًا واحترامًا، وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه، ورسله، وملائكته، وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا، وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا، وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله. لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة، وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا، وقدحهم في عقل من لم ينافق نفاقهم، ويداهن في دين الله، وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية، وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان.
وأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبهم الداحضة عند
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٦٢).
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
ربهم، وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات، وبراهين، وتسمية كثير من المتصوفة الخيالات الفاسدة، والشطحات حقائق، فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي، والمطرب، والقوال، وكما يسمي الديوث بالمصلح، والموفق، والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات، ويسمى ذلك وضع الرأس للشيخ، قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء، فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم" (^١).
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في رده على من سمى إثبات صفات الله تركيبًا: "هم سموه تركيبًا لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيبًا فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرًا لم يحرم بهذه التسمية" (^٢).
رابعًا: ومما يعد من دلالات أو فروع القاعدة: أن الحقائق لا تتغير بتغير الشعارات والعناوين والألقاب والانتسابات، فليس كل من انتسب إلى السُّنَّة، أو رفع شعارها صحت نسبته، وبورك شعاره، وإن كان مخالفًا للسُّنَّة، متنكرًا لها، معاديًا لأهلها أين ما كانوا، ومبغضًا لحملتها أين ما حلوا، فتسميته وانتسابه لا يغير في حقيقة أمره شيئًا.
_________________
(١) إعلام الموقعين (٣/ ١١٧ - ١١٨).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٦).
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
ولذا يقول أبو البقاء الكفوي: "العبرة للمعاني دون الصور والمباني" (^١).
خامسًا: ومما يستفاد من القاعدة: استعمالها في وزن أقوال الناس وآرائهم ونتائج عقولهم، بحيث لا يغتر بالأقوال والعبارات والألفاظ، إلا بعد تفحصها، ومعرفة حقيقتها، والوصول إلى مضمونها، وملاحظة ما تؤول إليه، وبعد ذلك تعرض على ميزان الكتاب والسُّنَّة، فما وافقهما منها قُبِلَ وإن كانت عبارته ركيكة، وألفاظه منفرة، وما خالفهما من تلك الأقوال رُدَّ وأُبعد وإن كانت ألفاظها منمقة، وأسلوبها مبهرجًا.
يقول الشيخ السعدي: "وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية، والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة؛ فإن كانت حقًا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات رديئة، وألفاظًا غير وافية، وإن كانت باطلًا ردوها على من قالها، كائنًا من كان، ولو أُلْبِسَت من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير" (^٢).
ويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]: "أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه فى أحسن صورة ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلًا والباطل حقًا" (^٣).
_________________
(١) كتاب الكليات (ص ١٠٦٧).
(٢) تفسير السعدي (ص ٢٧٠).
(٣) تفسير السعدي (ص ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
المبحث الثالث
قاعدة تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة
أولًا: معنى التعظيم:
التعظيم مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (عظم)، والعين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة، فالعِظَم: مصدر الشَّيء العظيم، تقول: عَظُمَ يَعْظُم عِظَمًا، وعَظَّمَه تَعْظِيمًا وأعْظَمَهُ: فَخَّمَهُ، وكَبَّرَهُ، فإذا عَظُم في عينيك قلت: أعْظَمْتُهُ واسْتَعْظَمْتُه، ومن الباب العَظْم، سمِّي بذلك لقوّته وشِدّته (^١).
ثانيًا: معنى شعائر الله:
الشعائر على وزن فَعَائِل، وأصلها من الفعل الثلاثي (شعر)، ومفردها: (شَعِيرَة) على وزن (فَعِيلة)؛ فقيل هي بمعنى (مُشْعِرَة) بصيغة
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٤/ ٣٥٥)، والقاموس المحيط (ص ١٤٧٠).
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
اسم فاعل، وقيل: بمعنى مفعولة؛ أي: (مُشْعرٌ بها)، ثم إن مادة (شعر) تتضمن أصلين: أحدهما الثَبَات، والآخر عِلْم وعَلَم (^١).
فمن الأول: (الشَّعْر) وجمعه أَشْعار والواحدة (شعرة)، ورجل أشعر: طويل شعر الجسد، ومن الثاني: قولهم شعرت بالشيء إذا علمته وفطنت له، وليت شعري؛ أي: ليتني علمت، ومنه سمي الشاعر؛ لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره (^٢)، ومنه الشِّعار: الذي يتنادَى به القومُ في الحرب ليَعرِف بعضُهم بعضًا، ومشاعر الحج: مواضع المناسك، سميت بذلك، لأنَّها ظاهرة للحواس (^٣).
فالشعائر إذًا كل ما جعل علمًا على شيء، أو كان علامة على أمر بحيث يكون ظاهرًا للحواس (^٤).
وأما معنى الشعائر في الشرع فقد اختصت بعدة أمور بيَّنها أهل العلم في ثنايا كلامهم في بيان معنى الشعائر التي أمر الله بتعظيمها:
فجاء عن ابن عباس -﵄- بأن الشعائر هي الهدي والبدن، قال وتعظيمها يكون باستحسانها، واستسمانها، وقيل: هي الجمار، وقيل: هي الصفا والمروة، وقيل: هي الركن والبيت، وقيل: الوقوف بعرفة
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ١٩٣).
(٢) سمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشِّعْرُ في الأصل: اسم للعلم الدقيق، وصار في التعارف اسمًا للكلام الموزون والمقفى، وحده: ما تركب تركبًا متعاضدًا، وكان مقفى، موزونًا، مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود أو من بعضها فلا يسمى شعرًا، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ ولهذا ما ورد في الكتاب أو السُّنَّة موزونًا فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شعرت إذا فطنت وعلمت، وسمي شاعرًا لفطنته وعلمه به، فإذا لم يقصده فكأنه لم يشعر به، [انظر: المصباح المنير (١/ ٣١٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٢)].
(٣) انظر: المصباح المنير (١/ ٣١٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٢)، ومعاني القرآن للنحاس (٢/ ٢٥٠)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٢٥).
(٤) انظر: غريب الحديث، لابن قتيبة (١/ ٢٢٠).
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
ومزدلفة (^١).
وبعد أن ذكر الإمام الطبري هذه الأقوال وغيرها تعقبها بقوله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم؛ من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم، لم يخصص من ذلك شيئًا فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب" (^٢).
والناظر في كلام أهل العلم في معنى (الشعائر) يجد بعضهم قد فسرها بحسب معناها في الآية، كما جاء عن ابن عباس وغيره، ومنهم من فسرها بما هو أعم من ذلك، وقد يمثلون بشيء مما مرَّ ذكره.
والصحيح أن الشعائر هي كل ما أشعر الله به عباده وأعلمهم بتعظيمه وتعبدهم بذلك، فهي أعلام الدين، وشعائر الملة، أعم من كونها أعلامًا للحج، وإن كانت شعائر الحج تدخل في ذلك دخولًا أوليًا (^٣)، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان معنى الشعائر:
فعن عطاء: "أنه سئل عن شعائر الله، فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله" (^٤).
وجاء عنه بأنها: "جميع ما أمر به أو نهى عنه" (^٥).
وقال الإمام الطبري: "وأما قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها؛
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ١٥٦)، وتفسير السمعاني (٣/ ٤٣٧).
(٢) تفسير الطبري (١٧/ ١٥٧)، وهذا ما رجحه في مواضع أخرى. انظر: (١٧/ ١٥٩).
(٣) انظر: فتح القدير (٣/ ٤٥٢).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٥٤).
(٥) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ١٤٦).
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها" (^١).
وعرَّفها الرازي بقوله: "فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علمًا من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله" (^٢).
وقال الجصَّاص في معنى الشعائر: "الشعائر: هي معالم للطاعات والقرب" (^٣).
وقال الزجاج في بيان معنى الشعائر: " يعْنِي بها جَميعَ مُتَعَبَّداتِه التي أَشْعَرَها الله: أَي جَعَلَها أَعلامًا لنا، وهي كلُّ ما كان من مَوْقفٍ، أَو مَسْعًى، أَو ذَبْحٍ، وإِنّما قيل شَعائِرُ لكُلّ عَلَمٍ ممّا تُعَبِّدَ به؛ لأنّ قَوْلَهُمْ شَعَرْتُ به: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتِ الأَعلامُ التي هي مُتَعَبَّداتُ اللّهِ تعالى شَعَائِرَ" (^٤).
ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]: "يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان: من شعائر الله: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد الله بها عباده" (^٥).
ويقول الشيخ ابن عاشور في تفسير معنى الشعائر: "والشعائر: جمع شعيرة، وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا والمروة، والمشعر الحرام: من الأمكنة، والشهر الحرام: من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد: من الشعائر الذوات" (^٦).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٤٤)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ١٨٠)، و(١٢/ ٥٦).
(٢) التفسير الكبير (٤/ ١٤٣)، وانظر: تفسير ابن زمنين (١/ ١٩٠).
(٣) أحكام القرآن، للجصاص (١/ ١٢١).
(٤) تاج العروس (١٢/ ١٩١)، وتهذيب اللغة للأزهري (١/ ٢٦٧).
(٥) تفسير السعدي (ص ٧٦).
(٦) انظر: التحرير والتنوير (٦/ ٨١ - ٨٢).
[ ٢ / ١٠١٠ ]
ويقول الشيخ العثيمين: "والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَمًا في الدين؛ يعني: من معالم الدين الظاهرة؛ لأن العبادات منها خفية: بَيْن الإنسان وربه؛ ومنها أشياء عَلَم ظاهر بيِّن، وهي الشعائر" (^١).
ويقول الشيخ أحمد شاه الدهلوي: "وأعني بالشعائر: أمورًا ظاهرة محسوسة، جعلت ليعبد الله بها، واختصت به حتى صار تعظيمها عندهم تعظيمًا لله، والتفريط في جنبها تفريطًا في جنب الله، وركز ذلك في صميم قلوبهم، لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم" (^٢).
ويظهر مما سبق أن الشعائر عامة في كل ما أشعر الله ﵎ به عباده، وبين لهم مكانته وأهميته وشرفه، وتعبدهم بكل ذلك، وأنها مشتملة على أمكنة وأزمنة وذوات وأقوال وأفعال.
ولذا يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]: "هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة" (^٣).
ويقول الشيخ الدهلوي أيضًا: "وإنما ينبغي أن يجعل من الشعائر: ما كثر وجوده، وتكرر وقوعه، وكان ظاهرًا، وفيه فوائد جمة، تقبله
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم للعثيمين، سورة البقرة (٢/ ١٨٤)، وإنما أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي أشعرها وشرعها، وأثبتها، وجعلها طريقًا موصولًا إليه، إذ التعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه، فإذا كان تعظيمًا لله، وكتابه، ودينه، ورسوله، كان خيرًا محضًا، وإن كان تعظيمًا للصنم، وللشيطان، فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرًا، كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك. [انظر: شفاء العليل (ص ١٨٢)].
(٢) حجة الله البالغة (ص ١٤٥).
(٣) تفسير السعدي (ص ٥٣٨)، ومثل الشعائر في ذلك الحرمات، ولذا عرفها الإمام ابن القيم بالعموم بعد أن ذكر عدة أقوال للسلف فيها فقال: "والصواب أن (الحرمات) تعم هذا كله، وهي جمع حرمة، وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق، والأشخاص، والأزمنة، والأماكن، فتعظيمها: توفيتها حقها، وحفظها من الإضاعة". [مدارج السالكين (٢/ ٧٤)].
[ ٢ / ١٠١١ ]
أذهان الناس أشد القبول" (^١).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
لا يخفى على المتأمِّل في حال الأمم، وسائر الأديان اهتمامهم بأمر الشعائر، -سواء كانت مما أنزله الله إليهم أو اخترعوه بأنفسهم- فهي التي تميّزهم عن غيرهم، إذ كل ديانة من الديانات إنما تعرف وتتميّز بما لها من الشعائر الخاصة بها، بل إن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى، والتقرب بها إليه تعالى (^٢).
والقاعدة أشارت إلى أن تعظيم شعائر الله، وإجلالها، ومحبتها من العبادات القلبية العظيمة التي تستتبع أعمال الجوارح، فهذا التعظيم لهذه الشعائر من الأمور التي يتقرب بها العبد إلى ربه ﷾، ويرجو بسببها رحمة الله وجنته، كما أشارت القاعدة إلى أن هذا التعظيم لشعائر الله هو فرع عن تعظيم الله تعالى، فتعظيم الله تعالى هو الأصل الذي يَنْتُجُ عنه تعظيم جميع ما أشعر الله بتعظيمه وأخبر عباده بمكانته ومنزلته، إذ تعظيم المأمور به وتبجيله يلزم منه تعظيم الآمر به.
والقاعدة دلت على أن تعظيم الشعائر عبادة لله تعالى، وعليه فيكون تعظيمها بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميلها وتحسينها، وباعتقاد أن التقرب بها من أجل القربات، وأعظم الطاعات (^٣).
يقول الإمام ابن القيم: "وروح العبادة: هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت" (^٤).
_________________
(١) حجة الله البالغة (ص ٣٨٥).
(٢) حجة الله البالغة (ص ١٤٥ - ١٤٦)، وانظر كذا: (ص ٣٤٦).
(٣) انظر: تفسير أبي السعود (٦/ ١٠٦).
(٤) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
ومن أعظم شعائر الدين وأركان الملة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إذ هي الفارقة بين أهل الإسلام وعبدة الأوثان، وهي شعار الدين ودِثاره، وأوله وآخره، فلا يستقيم دين، ولا تصح ملة بدون تعظيمها وإجلالها ومحبتها وإقامتها.
يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومن عرف ما جاء به الشيخ ودعا إليه؛ من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول، وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القرآن من أوله إلى آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له" (^١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي:
أولًا: قوله ﷾: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، ووجه دلالة الآية: أن الله تعالى جعل تعظيم الشعائر ناتجًا عن التقوى، ومن المعلوم أن تقواه سبحانه واجبة على جميع الخلق، وكل ما كان سببًا للتقوى، أو مسببًا عنها كان مما يحبه الله تعالى ويرضى عنه، فإن تقوى الله لا تصدر إلا عن عبادة لله وتقواه، ولا يصدر عن التقوى إلا عبادة وتقوى، فظهر كون تعظيم الشعائر من العبادات التي يحبها الله ومن أعمال القلوب العظيمة المستتبعة لأعمال الجوارح (^٢).
ثانيًا: إن شعائر الله تعالى هي ما أشعر الله عباده بها، وأظهر أهميتها ومكانتها، وبيَّن فضلها وعظمتها، وما يترتب عليها من الرحمة والرضوان، والثواب والإحسان، فهو الذي أمر بتعظيمها في كتابه
_________________
(١) مصباح الظلام (ص ٣١٣).
(٢) تبيين الحقائق (٢/ ٩١).
[ ٢ / ١٠١٣ ]
العزيز، وعلى لسان رسوله -ﷺ- في سنته المطهرة، ولا شك أن تعظيم المأمور به يلزم منه تعظيم الآمر، فتعظيم شعائر الله هي أكبر دليل وأجلى برهان على عظمة وجلال من أمر بتعظيمها وإجلالها.
يقول الإمام ابن القيم: "فلا يتم الإيمان إلا بتعظيمه ﷾، ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه، فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه، وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر" (^١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد قرر أهل العلم هذه القاعدة، وعبروا عنها بعبارات عديدة، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
يقول الشيخ السعدي: "فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله" (^٢).
وقال الشيخ الدهلوي: "المصالح المرعية في الحج أمور: منها تعظيم البيت، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى " (^٣).
ولقد قرر بعض أهل العلم أن جميع العبادات المتعلقة بالخلق؛ من المحبة والطاعة، والتعظيم فإن أصلها محبة الله وطاعته وتعظيمه وهي تابعة لهذا الأصل ولهذا يقول الإمام ابن القيم ﵀ في مسألة المحبة: "فإن تعظيم الرسول، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، تابع لتعظيم مرسله سبحانه، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة، والطاعة، والتعظيم، والإجلال للرسول -ﷺ- دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٤/ ١٥٦١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٥٣٨).
(٣) حجة الله البالغة (ص ٥٣٥).
[ ٢ / ١٠١٤ ]
لمحبة الله، وتعظيمه، وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، ومحبته محبة لله، وتعظيمه تعظيم لله، ونصرته نصرة لله؛ فإنه رسوله، وعبده الداعي إليه، وإلى طاعته، ومحبته وإجلاله، وتعظيمه، وعبادته وحده لا شريك له" (^١).
ويقول ﵀ أيضًا في شرحه لكلام الهروي: "الثاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تبع لتعظيم المعبود، وإجلاله، ووقاره، فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد، وإجلاله، ووقاره، يكون تعظيمه لخدمته، وإجلاله لها، ورعايته لها" (^٢).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لهذه القاعدة العظيمة العديد من الفوائد، أذكر فيما يأتي بعض ما ظهر لي من ذلك:
أولًا: إن تعظيم العبد لشعائر الله تعالى ليس هو في مرتبة تعظيمه لربه سبحانه؛ إذ تعظيم الرب هو الأصل والمؤثر الذي ينتج عنه تعظيم الشعائر، بل العلاقة بين التعظيمين علاقة طردية عكسية؛ فكلما زاد تعظيم الرب وتقواه في القلب زاد تعظيمه لشعائره، كما أن تعظيم الشعائر -بتكميلها والمحافظة عليها- مما يزيد في تقوى القلوب، ويكبر به تعظيم الرب في قلب العبد، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].
وقد بيَّن الشيخ السعدي التعظيم الخاص بالرب تعالى بقوله: "من معاني عظمته تعالى: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يُعَظَّم كما
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٣٩٥ - ٣٩٦) بتصرف.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٥١٠).
[ ٢ / ١٠١٥ ]
يُعَظَّم الله، فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته، ومن تعظيمه أن يتقى حق تقاته؛ فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومن تعظيمه أن لا يُعْتَرض على شيء مما خلقه أو شرعه " (^١).
ثانيًا: تعظيم الشعائر يتضمن أمرين: تعظيم هو من عمل القلب، وهو الأصل، وتعظيم تابع لذلك، وهو الظاهر على الجوارح -من إحسان العمل وتكميله وإتقانه- وهذا فرع عن تعظيم القلب، وبذلك يظهر لنا أن أعمال القلوب هي الأصل لأعمال الجوارح، فإذا ثبت في القلب التعظيم، تبعته الجوارح في ذلك ولا بد، وهذا أمر مطرد، لكنه قد لا ينعكس؛ إذ يمكن أن يظهر على الجوارح من الأفعال الدالة على التعظيم والتوقير ما يكون القلب خاليًا منه (^٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فالمقصود تقوى القلوب لله، وهو عبادتها له وحده دون ما سواه، بغاية العبودية له، والعبودية فيها: غاية المحبة، وغاية الذل، والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهذا كله مما يبين
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، للشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع ودراسة وتحقيق: عبيد بن علي العبيد، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية (عدد: ١١٢)، (ص ٢١٧ - ٢١٨).
(٢) ولذا قرَّر أهل العلم -﵏- استحالة انتفاء انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب. ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت علم القلب". [معارج القبول (٢/ ٥٩٤)].
[ ٢ / ١٠١٦ ]
أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبي -ﷺ-: "إنَّ في الجسد مُضغَة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهْيَ القَلبُ" (^١) " (^٢).
ويقول ابن العربي في معنى كون تعظيم الشعائر من تقوى القلوب: "يريد: فإن حالة التعظيم إذا كست العبد باطنًا وظاهرًا، فأصله تقاة القلب بصلاح السر، وإخلاص النية؛ وذلك لأن التعظيم فعل من أفعال القلب، وهو الأصل لتعظيم الجوارح بالأفعال" (^٣).
ويقول ابن عاشور في تعليل إضافة التقوى إلى القلوب من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]: " وإضافة (تقوى) إلى (القلوب)؛ لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل" (^٤).
ثالثًا: إن التحقير والاستهانة والاستهزاء بالله تعالى أو برسوله أو بدين الإسلام كفر مخرج عن ملة الإسلام كما سبق تقرير.
يقول الشيخ السعدي: "فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظم الله، وتعظيم دينه، ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة" (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (١/ ٢٨)، برقم (٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢١٩)، برقم (١٥٩٩)، ولفظه: "ألا وإنّ في الجسد مضغة".
(٣) أحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٢٨٨)، ولذا يقول الرازي: "وإنما ذكرت القلوب؛ لأن المنافق قد يزهر التقوى من نفسه، ولكن لما كان قلبه خاليًا عنها لا جرم، لا يكون مجدًا في أداء الطاعات، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص". [التفسير الكبير (٢٣/ ٢٩)].
(٤) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٧/ ٢٥٧).
(٥) تفسير السعدي (ص ٣٤٢ - ٣٤٣).
[ ٢ / ١٠١٧ ]
أما التحقير والاستهانة بشعيرة من شعائر الرب ﵎ ففيه تفصيل؛ فإن كان قاصدًا في احتقاره واستهانته لذات الشعيرة نفسها فلا شك أن هذا العمل من أعظم الذنوب، وأقبح المعاصي التي يستحق صاحبها شديد العذاب وأليم العقاب.
وأما إن كان قصده الاستهانة بها وبالله تعالى الذي شرعها وأشعر بها عباده فلا شك في كفر من تلبس بهذه النية وهذا العمل، وهذا من أكبر البراهين على خلو القلب من تعظيم الله وتوقيره، إذ المُعَظِّم لله والمُبَجِّل له لا يستهزئ بما عظمه ربه وبجله، بل الواجب أن يكون معظمًا له غاية التعظيم والتبجيل.
يقول الحافظ ابن حجر: "اِنْتَهَاك حُرْمَة الحَرَم بِالْمَعْصيَةِ تَسْتَلزِم اِنْتَهَاك حُرمَة الله لِأَنَّ تَعْظِيم الْحَرَم مِنْ تَعْظِيم الله، فَصارَتْ الْمَعْصيَة فِي الْحَرَم أَشَدَّ مِنْ الْمَعْصِيَة فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ اِشْتَرَكَ الْجَمِيع فِي تَرْكِ تَعْظِيم الله تَعَالى، نَعَمْ مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ قَاصِدًا الِاسْتِخْفاف بِالْحَرَمِ عَصى، وَمَنْ هَمَّ بِمَعصِيَة الله قَاصِدًا الِاستِخْفَاف بِاللّهِ كَفَرَ، وَإِنَّمَا الْمَعْفُوّ عَنْهُ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَاهِلًا عَنْ قَصْد الِاسْتِخْفافَ، وَهَذَا تَفْصِيل جَيِّد" (^١).
رابعًا: إن تعظيم شعائر الله لا بد أن يكون بالطريقة الشرعية، وبالكيفية التي جاء بها كتاب الله وسُنة رسوله - ﷺ - وعلى نهج أصحابه وسلف الأمة، فلا يكون تعظيم الشعائر بآراء الناس وأذواقهم، وما تستحسنه عقولهم، بل ذلك كله إلى الشرع، فلا يُعَظِّم إلا ما عظَّمه الشرع، وبالكيفية التي جاء بها.
يقول ابن عبد الهادي في معرض مناقشته لأهل التعظيم البدعي: "أتوجبون كل تعظيم للرسول -ﷺ-، أو نوعًا خاصًا من التعظيم، فإن
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٢٨).
[ ٢ / ١٠١٨ ]
أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره، وتقبيله، واستلامه، والطواف به؛ لأنه من تعظيمه، وقد أنكر -ﷺ- على من عَظَّمَه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، فمن عَظَّمَه بما لايحب فإنما أتى بضد التعظيم" (^١).
ويقول ابن الحاج: "لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَقَدْ بَيَّنَ - ﵊ - مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وأَوَانٍ، وَأَيْضًا فَيَسَعُنَا فِيهَا مَا وَسِعَ السَّلَفَ إنْ كُنَّا صَالِحينَ؛ لِأنَّ تَعْظِيمُ الشَّعَائِرِ وَاحْتِرَامَها عَنْهُم يُؤْخَذُ وَمِنْهُمْ يُتَلَقَّى، لَا بِمَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا، وَمَضتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، فَهُوَ الَّذِي يُتَّبَعُ لَا الْعَوَائِدُ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ" (^٢).
ويقول ﵀ أيضًا في معرض مناقشته لبعض أهل العلم في مسألة القام للقادم: "وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ﵀ (^٣) مُسَلَّمٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ تَعْظِيمَ الْحُرَمَاتِ وَالشَّعَائِرِ قَدْ عُرِفَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْقِيَامِ فِيهَا مَجَالٌ" (^٤).
ولا يكفي في ذلك كون نية الشخص صالحة، وأنه أراد بهذا العمل تعظيم الله تعالى؛ لأن التعظيم إذا لم يكن أصله شرعيًا، موافقًا للكتاب والسُّنَّة انقلب إلى تنقيص وتحقير، ولا مجال للنية الصالحة مع المخالفة (^٥).
خامسًا: إن القطع بكون هذا المكان، أو الزمان من شعائر الله لا بد فيه من دليل شرعي يثبت ذلك، بحيث يكون علمًا ظاهرًا للحواس،
_________________
(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٤٧).
(٢) المدخل، لابن الحاج (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٣) المقصود هنا هو أبو الوليد الباجي.
(٤) المدخل، لابن الحاج (١/ ١٨١).
(٥) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠).
[ ٢ / ١٠١٩ ]
مشتهرًا بين الناس، تَعَبَّدَ الله به عباده، وأمرهم بتعظيمه، وعليه فلا مجال للآراء والأذواق في اختيار الأمكنة والأزمنة، وتخصيصها بالعبادة، وإشهار ذلك، وجعلها من شعائر الله، بل مرجع ذلك إلى الشرع الحكيم، فما جعله الله من الشعائر، وأشهره وأظهره، وأذن بتعظيمه كان تعظيمه من تعظيم شعائر الله.
يقول الشيخ حافظ الحكمي: " (كمن يَلُذ ببقعة): أي: يعوذ بها، ويختلف إليها، ويتبرك بها، ولو بعبادة الله تعالى عندها، وتقدم تقييد ذلك بما لم يأذن به الله، فيخرج بهذا القيد ما أذن الله تعالى بتعظيمه؛ كتعظيم بيته الحرام بالحج إليه، وتعظيم شعائر الله من المشاعر، والمواقف، وغيرها، فإن ذلك تعظيم لله ﷿ الذي أمر بذلك لا لتلك البقعة ذاتها (^١) وكذلك التعظيم أيضًا نفسه إنما أردنا منع تعظيم لم يأذن الله به، لا المأذون فيه" (^٢).
سادسًا: إن تعظيم شعائر الله من الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والأعلام هو تعظيم لله، وتعظيم لذات هذه الشعائر؛ وذلك لما تميّزت به عن غيرها، نعم الباعث على هذا التعظيم هو اصطفاء الله تعالى لها دون غيرها، فهو المخصص لها، والآمر عباده بتعظيمها، فحقيقة التعظيم راجعة إليه أصلًا ومآلًا، ولذات الشعائر نصيب من التعظيم تبعًا.
لكن يبقى أن يقال -كما سبق تقريره-: إن الكيفية التي تُعَظَّم بها شعائر الله تعالى، وأعلام دينه، يجب أن تكون مطابقة وموافقة للطريقة التي كان عليها -أعظم البشرية تعظيمًا لشعائر ربه- رسول الله -ﷺ-، ثم صحابته الكرام الذين ساروا على دربه، ورضي الله عنهم بذلك.
_________________
(١) معارج القبول (٢/ ٥١٣).
(٢) الظاهر أن التعظيم يتعلق بذات الشعيرة أيضًا، كما سيأتي توضيح ذلك.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
يقول الإمام ابن القيم: "فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص، وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصفطاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وما أَبْيَنَ بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله - ﷺ - مساوية لذات غيره، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها" (^١).
ويقول أيضًا: "والتفاوت البَيِّن بين الأَمكنة الشريفة وأضدادها، والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير؛ فبين ذات موسى ﵇ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة، والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات.
ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يخصص شيئًا، ولا يفضله ويرجحه، إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه، وربك يخلق ما يشاء ويختار" (^٢).
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٥٣).
(٢) زاد المعاد (١/ ٥٣ - ٥٤).
[ ٢ / ١٠٢١ ]
سابعًا: إن من تعظيم شَعَائِر الله وإجلالها أن لا تجتمع مع شعائر الشرك والكفر، بل الواجب إزالة ومحو جميع شَعَائِر الكفر والشرك؛ إذ في بقائها وإقرارها تعظيم لها، ورفع من شأنها، وتحقير لشعائر الله وإهانة لها، وذلك يستلزم الاستهانة بالله تعالى وبأمره (^١).
يقول الإمام ابن القيم في معرض ذكره للفوائد المستفادة من غزوة الطائف: "ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، والتبرك، والنذر، والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان" (^٢).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "فعلم بذلك أن بناءها -أي: المساجد على القبور- لا يجوز مطلقًا، وما ذلك إلا لكونها من أعظم وسائل الشرك، ومن أظهر أعلامه وشعائره، وهي سنة اليهود والنصارى التي نُهِينَا عن اتِّبَاعِهَا، وَحُذِّرْنَا من سُلُوكِهَا" (^٣).
وقال الإمام ابن تيمية في شأن شَعَائِر أهل الكتاب: "فهذا من شَعائِر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها، والمنع منها في ديار الإسلام،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٣٠)، و(٢٨/ ٦٥٥)، والبحر الرائق (٨/ ٣٣٠)، وبدائع الصنائع للكاساني (٧/ ١١٣)، وأسنى المتاجر للونشرسي (ص ٥٩).
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٥٠٦)، وانظر: الدرر السنية (١١/ ٩٩ - ١٠٠)، والانتصار لحزب الله الموحدين، تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين (ص ٦٨).
(٣) فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ٣٩٦).
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
فلا يجوز إعانتهم عليها" (^١).
ويقول ابن القيم فيما يحرم على أهل الذمة إظهاره: "لما كان الصليب من شَعَائِرِ الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره" (^٢).
ومما ينبغي أن يعلم أنه لا بأس من إقامة شَعَائِر الإسلام في نفس المكان الذي كانت فيه شعائر الكفر والشرك، وذلك بعد محوها وإزالتها، فيصبح المكان شعيرةً من شعائر الله، وبيتًا من بيوته، بعد أن كان معلمًا من معالم الكفر والشرك، كما فعل النبي - ﷺ - في بناء مسجده بعد أن أزال مقابر المشركين، وكما أمر ببناء مسجد الطائف في مكان اللات والعزى (^٣).
يقول الإمام ابن القيم: "قصد النبي - ﷺ - إظهار شَعَائِرِ الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته - صلوات الله وسلامه عليه - أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي - ﷺ - أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى " (^٤).
ولا تعارض بين فعله هذا، وبين قوله - ﷺ - للرجل الذي قال له: (إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي - ﷺ -: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد "، قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم"،
_________________
(١) اقتضاء الصراط (ص ٢٥٠).
(٢) أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٤٠).
(٣) يقول الحافظ ابن حجر: " إن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاةً، كما صنع أهل الجاهلية، وجرهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش، وترمى عظامهم، فهذا يختص بالأنبياء، ويلتحق بهم أتباعهم، وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم؛ إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله - ﷺ - في نبش قبور المشركين، واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه - ﷺ - من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق". [فتح الباري (١/ ٥٢٤)].
(٤) زاد المعاد (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
قالوا: لا، قال رسول الله -ﷺ-: " أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم") (^١).
فإن هذا الحديث قد دلَّ على أن الذبح بموضع كان فيه وثن يعبد، أو فيه عيد من أعياد الجاهلية معصية لله تعالى لا يجوز بحال (^٢)؛ لكن المقصود المنع من ذلك مع بقاء معالم ذاك المكان، وكونه معلمًا من معالم الكفر، وشعيرة من شَعائِر الشرك، أما إذا تحوَّلت معالمه، وصار من شَعَائِر الله تعالى، وأُزيلت عنه معالم الشرك، وشعائر الكفر زال عنه المنع، وتغير الحكم، وأبيحت فيه سائر العبادات المشروعة في مثله، فإذا كان الموضع فيه صنم يعبد، أو فيه عيد من أعياد أهل الشرك، ثم أزيلت وبني في مكانه مسجد للمسلمين، جازت فيه الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، والوفاء بالنذور الجائزة في مثله.
ثامنًا: كل ما كان من شَعَائِر الله المكانية أو الزمانية فلا بد فيه من عبادة الله تعالى ترتبط به، ولا تنفك عنه، ولا يكمل تعظيمها بدون القيام بهذه العبادة، إضافة إلى التعظيم القلبي الذي هو أصل تعظيم جميع الشعائر، وذلك يختلف باختلاف درجة تلك العبادة من حيث الوجوب، أو الاستحباب.
يقول الإمام ابن تيمية: "وكل ما كان من شَعَائِر الله فلا بد من نسك واجب بهما، كسائر الشعائر؛ من عرفة، ومزدلفة، ومنى، والبيت؛
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٢٣٨)، برقم (٣٣١٣)، وغيره، وصَحَّحَ الحافظ ابن حجر إسناده، وكذا ابن الملقن، والإمام النووي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أصل هذا الحديث في "الصحيحين"، وهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة". انظر: [تلخيص الحبير (٤/ ١٨٠)، والمجموع (٨/ ٣٥٨)، وخلاصة البدر المنير، لابن الملقن (٢/ ٤٢٢)، واقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٨٦)، وتيسير العزيز الحميد (ص ١٥٦)].
(٢) وذلك لأن فعل العبادة في أماكن شَعَائِر الشرك يعتبر تعظيمًا لغير ما عظم الله، يشبه تعظيم الكفار للأصنام، فحرم كتعظيم الأصنام. [انظر: المغني، لابن قدامة (١٠/ ٧٩)].
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
فإن هذه الأمكنة جعلها الله يذكر فيها اسمه، ويتعبد فيها له، وينسك، حتى صارت أعلامًا، وفرض على الخلق قصدها، وإتيانها، فلا يجوز أن يجعل المكان شَعِيرَة لله، وعلمًا له، ويكون الخلق مخيرين بين قصده، والإعراض عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم الشعائر واجب، لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها، ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده، ولذا كان ترك الحج بالكلية ترك لتعظيم الأماكن، التي شَرَّفَهَا الله، وترك تعظيمها من فجور القلوب بمفهوم الآية" (^١).
_________________
(١) شرح العمدة (٣/ ٦٢٧).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
الفصل الرابع
القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: المشركون ما قصدوا من
معبوداتهم إلا القربة والشفاعة
المبحث الثاني: قاعدة: الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها،
وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا
من معبودات المشركين.
المبحث الثالث: قاعدة: المشركون الأولون يشركون في
الرخاء ويخلصون في الشدة
المبحث الرابع: قاعدة: دين الحنفاء ليس فيه واسطة
بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
المبحث الأول
قاعدة المشركون ما قصدوا من معبوداتهم إلا القربة والشفاعة ويقولون نريد من الله ﷿ لا منهم لكن بشفاعتهم والتقرب إلى الله بهم
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى مقاصد المشركين ونياتهم في توجهاتهم وعبادتهم لغير الله تعالى، وأنهم ما أرادوا من معبوداتهم إلا التسبّب والتشفّع والتقرب، ولم يدعوا لآلهتهم التصرف والاستقلال بالتأثير في شيء من الكون، وإن كان ذلك لازمًا لهم من جهة إشراكهم في توحيد العبادة كما سبق بيانه من قبل.
فالذي أوقع المشركين في الشرك بالله تعالى هو قولهم واعتقادهم هذا، وصرفهم العبادة لغير الله ممن لا يضر ولا ينفع، قصدًا للزلفى والشفاعة، فاعتقدوا أن صرف العبادة لهذه المعبودات يجلب محبتها، ومن ثم تقرّبهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده، بل جعلوا هذا من تعظيم المعبودات الذي يحبه الله تعالى ويرضى عنهم بسببه، فجعلوا تلك
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
المعبودات واسطة بينهم وبين الله تعالى، والحاصل أن مجرد اعتقاد أن هناك واسطة بين الله تعالى وبين عباده في شأن عباداتهم وتوجهاتهم إليه سبحانه شرخ مخرج عن الدين.
والمقصود أن صرف العبادة لغير الله تعالى شرك أكبر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهًا للعالم وخالقًا للكون، أو اعتقد أن عبادته تقرّبه إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام (^١).
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين، مثل عيسى وأمه والملائكة، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهم يقرون أن الله سبحانه هو النافع الضار المدبر كما ذكر الله عنهم" (^٢).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
المتدبّر لكتاب الله تعالى يجد تقرير معنى القاعدة في كثير من آيات القرآن المجيد، وما ذاك إلا لعظمها وأهميتها، إذ هي من أعظم المسائل، بل هي أعظم مسألة خالف فيها رسول الله -ﷺ- مشركي العرب، واستوجبوا بذلك سفك دماءهم، واستحلال أموالهم.
يقول الشيخ محمود شكري الألوسي في شرحه لمسائل الجاهلية للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته، ويرون ذلك من
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (١٤/ ١٨٢).
(٢) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص ٣٩٨ - ٣٩٩).
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله؛ لظنهم أنهم يحبون ذلك وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله -ﷺ- فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد" (^١).
وفيما يلي أذكر بعض الأدلة الدالة على صحة القاعدة:
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
بيَّن الله تعالى ذكره في هذه الآية صفة عبادة المشركين، لأوثانهم، وأنهم تجاوزوا الله تعالى إلى عبادة غيره مع عبادتهم له سبحانه، فأشركوا معبوداتهم مع الله تعالى في العبادة، مع كونها لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، معتقدين وقاصدين بتلك العبادة التقرّب إلى الله تعالى، وحصول الشفاعة عنده ﷿، فأبطل سبحانه قولهم بأنه لا يعلم في السموات ولا في الأرض شفيعًا يشفع بدون إذنه ورضاه.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر" (^٢).
_________________
(١) مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله -ﷺ- أهل الجاهلية، للألوسي (ص ٤ - ٥).
(٢) تفسير الطبري (١١/ ٩٨)، وانظر: فتح القدير (٢/ ٤٣٢).
[ ٢ / ١٠٣١ ]
ويقول الرازي في معنى الآية: "فاعلم أن من الناس من قال: إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله ﷾، فقالوا: ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى" (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] " (^٢).
ويقول الشيخ السعدي في بيان معنى الآية: "أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى مبطلًا لهذا القول: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه" (^٣).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى لا يقبل دينًا إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأن الذين أشركوا في عبادة الله تعالى قد اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بصرف العبادة لهم والتوجه إليهم، مع اعترافهم بأنهم
_________________
(١) التفسير الكبير (١٧/ ٤٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٥).
(٣) تفسير السعدي (ص ٣٦٠).
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
لم يعبدوهم إلا من أجل أن يقربوهم إلى الله زلفى، فكان عذرهم هذا هو عين الشرك بالله تعالى.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكًا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئًا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه، والشفاعة لمن يشفع له من رسلي، وأوليائي، وأهل طاعتي" (^١).
ويقول الإمام الشوكاني: "فالتوحيد هو دين العالم أوله وآخره وسابقه ولاحقه ومن خالف في ذلك فجعل لله ﷿ شريكًا، وَعَبَدَ الأصنام فإنه كما أرشد إليه القرآن حكاية عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ مقر بأنه إيمان، وإنما جعل الشريك وصلة إلى الرب سبحانه، ووسيلة إلى التقريب إليه" (^٢).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده بيّن شبهة الكفار التي احتجوا بها للإشراك به تعالى في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة" (^٣).
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨].
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ٨).
(٢) إرشادات الثقات إلى اتفاق الشرائع (ص ٥).
(٣) أضواء البيان (٦/ ٣٥٢).
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
يقول الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿قُرْبَانًا﴾ إنما قال ذلك لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله" (^١).
ويقول الإمام الطبري: "فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم، وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانًا يتقربون بها فيما زعموا إلى ربهم منا، إذ جاءهم بأسنا فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد -ﷺ- على مشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئًا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها" (^٢).
ويقول الرازي في بيان معنى الآية: "ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (^٣).
ويقول أبو السعود في تفسير الآية: "فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربًا بها إلى الله تعالى، حيث كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (^٤).
_________________
(١) تفسير السمعاني (٥/ ١٦١).
(٢) تفسير الطبري (٢٦/ ٢٩)، وانظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٣)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٤٤٩)، وتفسير أبي ابن زمنين (٤/ ٢٣٠).
(٣) التفسير الكبير (٢٨/ ٢٦).
(٤) تفسير أبو السعود (٨/ ٨٧).
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد تضافرت أقوال أهل العلم، وتنوعت عباراتهم في بيان القاعدة وتقريرها لما لها من الأهمية العظمى في بيان حقيقة مقاصد المشركين في عبادتهم لغير الله تعالى، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك:
يقول الإمام ابن تيمية: "والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله" (^١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم" (^٢).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القواعد الأربع: " القاعدة الثانية: أنهم - أي: المشركون - يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة، والشفاعة، ونريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم" (^٣).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله" (^٤).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا
_________________
(١) الرد على الأخنائي (٤٠).
(٢) اقتضاء الصراط (٤٤٢).
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٤).
(٤) تيسير العزيز الحميد (٢٢٢).
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
التسبب، والتوسل، والتشفع، ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله، ولا قال به أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربِّه" (^١).
ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: "ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك" (^٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
دلت القاعدة على فوائد عديدة فمن ذلك:
أولًا: أفادت القاعدة أن عبادة المشركين لمعبوداتهم كانت محصورة في طلب الشفاعة، وابتغاء القربة من الله تعالى، ولم يدعوا الاستقلال والتصرف والتأثير لهذه المعبودات، بل كانوا يقرُّون بأنها مخلوقة مصنوعة، وأنها لا تملك نفعًا ولا ضرًّا.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس، والقمر، والكواكب، والعزير، والمسيح، والملائكة، واللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث، ويعوق، ونسر، أو غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء، والملائكة، والكواكب، والجن، والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم، ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون هم شفعاؤنا عند الله" (^٣).
_________________
(١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٤٢ - ٤٣).
(٢) أضواء البيان (٣/ ٦٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٦)، وانظر: منهاج السُّنَّة (٣/ ٣٣٠)، وتيسير العزيز الحميد (ص ١٨٣).
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
فالخلق والإيجاد والاستقلال بالتأثير والتصرف ملك الله تعالى لا يشركه فيه مخلوق، مهما كانت مكانته، أو علت منزلته، فلا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير؛ فإن الاستقلال من خصائص الرب ﷾ (^١).
بل إن الاستقلال والانفراد، وعدم الشركة هو من أخص خصائص الإلهية الحقة، لا انفكاك لها عنه، بل هو لازمها ومقتضاها الدائم الذي إن زال فسدت السموات والأرض ومن فيهن.
يقول الإمام ابن تيمية: "قول القائل عن مخلوق؛ إنه لا يضر ولا ينفع؛ تارة مريد به نفي الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية، بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر والنفع فالله هو خالقه، وهو الذي يجعله فاعلًا بمشيئته، أو يريد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته، أو إرادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا صحيح، فليس في المخلوقات بهذا الاعتبار شيء ينفع ويضر؛ إذ ليس في المخلوقات شيء ما يستقل بإحداث ضرر غيره ونفعه، ولا يفعل شيء إلا بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار، ولا ينبغي بهذا الاعتبار، كما من أسمائه تعالى: المعطي، المانع، الضار، النافع" (^٢) (^٣).
ويقول ﵀: "فإن الاستقلال ينافي الاشتراك، إذ المستقل لا شريك له، فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلًا به، وأن
_________________
(١) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٣٨٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤).
(٢) هذه الأسماء الثلاثة الأخيرة: المانع والنافع والضار الصحيح أنها ليست من أسماء أللّه تعالى المطلقة لعدم ثبوتها مطلقة في الكتاب والسنة.
(٣) تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٦٣٨)، ويقول ابن رجب: "وأما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله". [جامع العلوم والحكم (١٩٢)].
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
الحكم الثابت بعلتين، سواء قيل هو أحكام، أو حكم واحد مؤكد لا تستقل به إحداهما، بل كل منهما جزء من علته لا علة له" (^١).
والمشركون كما نصت القاعدة لم يدعوا هذا في معبوداتهم، وإنما كانوا يقولون عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (^٢).
ويقول الصنعاني: "قلت: ولذا قالوا في الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فلم يكونوا نافين له، بل أثبتوا معه غيره، فخوطبوا بكلمة التوحيد، والقصد نفي الألوهية عن غيره تعالى" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٧٤)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٦١)، ويقول الإمام ابن تيمية: "وهذا كله مما يبين عجز كل مخلوق عن الاستقلال بمفعول ما، فلا يكون شيء من المخلوقات ربًا لشيء من المخلوقات ربوبية مطلقة أصلًا؛ إذ رب الشيء من يربه مطلقًا من جميع جهاته، وليس هذا إلا لله رب العالمين، ولهذا منع في شريعتنا من إضافة الرب إلى المكلفين كما قال -ﷺ-: "لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك"، بخلاف إضافته إلى غير المكلفين، كقول النبي -ﷺ- لمالك بن عوف الجشمي: (أرب إبل أنت، أم رب شاء)، وقولهم: رب الثوب والدار؛ فإنه ليس في هذه الإضافة ما يقتضي عبادة هذه الأمور لغير الله، فإن هذا لا يمكن فيها؛ فإن الله فطرها على أمر لا يتغير، بخلاف المكلفين فإنهم يمكن أن يعبدوا غير الله كما عبد المشركون به من الجن والإنس غيره، فمنع من الإضافة في حقهم تحقيقًا للتوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ولهذا لم يكن شيء يستلزم وجود المفعولات إلا مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان وإن لم يشأ ذلك غيره، وما لم يشأ لا يكون ولو شاءه جميع الخلق، وإذا عرف أنه ليس في المخلوقات، ما هو مستقل بمفعول ولا معلول، فليس في المخلوقات ما هو رب لغيره أصلًا، بل فعل كل مخلوق له فيه شريك، وقد يكون له مانع، وهذا مما يدل على إثبات الصانع تعالى ووحدانيته". [درء التعارض (٩/ ٣٤١ - ٣٤٢)].
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٧).
(٣) إجابة السائل شرح بغية الآمل للصنعاني (ص ٢٥٨).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وأشركوهم في عبادة الله، ولم يفردوا الله بالعبادة دون من سواه، مع أنهم لم يعبدوهم استقلالًا، بل زعموهم شفعاء لهم عند الله ليقربوهم إلى الله زلفى، ولكن اعتقدوا تلك الشفاعة والتقريب ملكًا للمخلوق، ويطلبونه منه، وأن له أن يشفع بدون إذن الله" (^١).
ثانيًا: الذي أوقع المشركين في هذا الاعتقاد أنهم رأوا القصور في أنفسهم وأنهم ليسوا أهلًا لعبادة الله تعالى مباشرة بدون واسطة، وأنهم لا يستطيعون الوصول إليه سبحانه إلا عن طريق هذه المعبودات؛ لأنَّها قريبة من الله تعالى، ونفوسها طاهرة زكية، فهم يتقربون إليها وهي تقربهم إلى الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم في شأن مشركي الفلاسفة الذين عبدوا الكواكب: "ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرَّب إليهم ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا، وآلهتنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا من علائق القوى الغضبية، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذٍ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا " (^٢).
ثالثًا: دلت القاعدة على أن شرك المشركين الأوائل كان بقصد القربة والشفاعة والتوصل بمعبوداتهم إلى الله تعالى، وذلك بخلاف
_________________
(١) معارج القبول (٢/ ٤٨٣).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٥٢).
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
الشرك في هذه الأزمان الصادر ممن غلا في الأولياء والصالحين وفي وقبورهم، فصاروا يعتقدون فيهم النفع والضر والاستقلال بالفعل من دون الله ﵎.
يقول الإمام الشوكاني: "فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الضار، النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر، والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقرُّ به عينه، وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة" (^١).
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٤٥٠).
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
المبحث الثاني
قاعدة الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا من معبودات المشركين
ويشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى* بيان معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن عبادة المشركين للأصنام ونحوها من الأوثان والأنصاب لم يكن لأجل ذاتها، أو لكونها أحجارًا وأخشابًا، أو لشيء من صفاتها التكوينية، وإنما كانت عبادتهم لها لأغراض أخرى، وأسباب عديدة اقتضت تصوير هذه الأصنام ونحتها على شكل وهيئة معبوداتهم، فإن معبودهم في الأصل إما أن يكون من الكواكب؛ كالشمس، أو القمر، أو زحل، أو غير ذلك، وإما أن يكون من الملائكة كجبريل وغيره، أو يكون من الأنبياء؛ كالمسيح عيسى ابن مريم، وإبراهيم، وموسى، ونبينا محمد -ﷺ-، وإما أن يكون من الصالحين، أو يكون من الجن.
يوضح ذلك أن منشأ الشرك في الأرض وأصله لا يخرج عن ثلاثة أمور:
الأول: عبادة البشر من الأنبياء والصالحين وأهل الزهد، سواء كانوا أحياء، أم أمواتًا في قبورهم.
[ ٢ / ١٠٤١ ]
الثاني: عبادة الكواكب.
الثالث: عبادة الملائكة أو الجن.
وبناء على ذلك وضعت الأصنام والأوثان لتكون قائمة مقام هذه المعبودات الغائبة، وتصرف لها العبادة والتوجه والخضوع والتعظيم، هذا هو أصل عبادة الأصنام من دون الله ﵎.
يقول الإمام ابن تيمية: "أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم، وهم المقصودون، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس، وإما القمر، وإما غيرهما، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم -والله أعلم- كان من هذا، أو كان بعضه من هذا، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم" (^١).
ويقول الرازي في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] مبينًا اختلاف المشركين في علة اتخاذ الأصنام: "فإن قيل هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام؛ لأنَّها جمادات فليس بينها منازعة ولا مشاكسة، قلنا: إن عبدة الأصنام مختلفون؛ منهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون: زحل هو النحس الأعظم، والمشتري هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذٍ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذٍ يكون المثل مطابقًا، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١).
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
مضوا، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم: أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضًا ينطبق المثال، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود" (^١).
وذكر ﵀ أيضًا بعض الأسباب التي دعت المشركين إلى اتخاذ الأصنام فقال: "ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنمًا على صورته، يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] " (^٢).
ويوضح الشهرستاني منشأ الشرك بالكواكب والملائكة -بعد أن قسَّمه إلى شرك أصحاب الهياكل وشرك أصحاب الأشخاص- بقوله: "اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبِع؛ فتعرفوا أولًا: بيوتها ومنازلها: وثانيًا: مطالعها ومغاربها، وثالثًا: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعًا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسًا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها.
وكانوا يسمونها أربابًا آلهة، ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربًا إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقربًا إلى الباري تعالى، ثم استخرجوا من
_________________
(١) التفسير الكبير (٢٦/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٢) التفسير الكبير (٢/ ١٠٤).
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب، وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، والصور كلها من علومهم.
وأما أصحاب الأشخاص؛ فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يُتَوَسَّل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق التقرب إليها إلَّا بهياكلها، ولكن الهياكل قد تُرَى في وقت، ولا تُرى في وقت؛ لأن لها طلوعًا وأفولًا، وظهورًا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة، قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله ﷾، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. فاتخذوا أصنامًا أشخاصًا على مثال الهياكل السبعة، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان.
فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا، وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (^١).
ويحصر الإمام ابن القيم أسباب الشرك في العالم في أمرين شرك النجوم وشرك الأموات، فيقول ﵀: "والأصنام التي كانوا يعبدونها
_________________
(١) الملل والنحل (٢/ ٤٩ - ٥١)، ويجزم الشهرستاني بأن جميع مذاهب أهل الشرك؛ من عبدة الملائكة والكواكب والجن والأنبياء والصالحين وغيرهم يرجعون في نهاية أمرهم إلى عبادة الأصنام، وعلل ذلك بقوله: "اعلم أن الأصناف التي ذكرنا مذاهبهم يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام، إذ كان لا يستمر لهم طريقة إلا بشخص حاضر ينظرون إليه، ويعكفون عليه، وعن هذا اتخذت أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا، زعموا أنها على صورتها". [الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٥٩)، وانظر: التفسير الكبير للرازي (١٣/ ٣٠ - ٣١)].
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
كانت صورًا وتماثيل للكواكب، وكانوا يتخذون لها هياكل، وهي بيوت العبادات، لكل كوكب منها هيكل في أصنام تناسبه، فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيمًا منهم للكواكب التي وضعوا الأصنام عليها، وعبادة لها، وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم، وهو الشرك بالنجوم، وتعظيمها، واعتقاد أنها أحياء ناطقة، ولها روحانيات تتنزل على عابديها، ومخاطبيها، فصوروا لها الصور الأرضية، ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب، واستنزال روحانياتها، وكانت الشياطين تتنزل عليهم، وتخاطبهم، وتكلمهم، وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم، وأولادهم، وأموالهم لتلك الأصنام، والتقرب إليها، وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب، وظن السُّعُود والنُّحُوس، وحصول الخير والشر في العالم منها، وهذا شرك خواص المشركين، وأرباب النظر منهم، وهو شرك قوم إبراهيم - ﵊-.
والسبب الثاني: عبادة القبور والإشراك بالأموات، وهو شرك قوم نوح -﵊- وهو أول شرك طرق العالم، وفتنته أعم، وأهل الابتلاء به أكثر، وهم جمهور أهل الإشراك، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣].
وهؤلاء هم أعداء نوح، كما أن المشركين بالنجوم أعداء إبراهيم، فنوح عاداه المشركون بالقبور، وإبراهيم عاداه المشركون بالنجوم، والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها" (^١).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ١٩٧)، وقال مبينًا تلاعب الشيطان بالمشركين: (تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح ﵇، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم=
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
ويقول الألولسي مبيّنًا أصل الشرك وعبادة الأصنام: "وذلك لأنهم - أي: المشركين- كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين، ذوي خطر عندهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنمًا من الأصنام، واشتغلوا بعبادتها قصدًا إلى عبادة الكواكب، وقيل غير ذلك، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول، ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات" (^١).
ونقل بعض أهل العلم أن عبادة فارس للنار هو من هذا الباب، إذ كانوا يعتقدون أن عبادة النار تقرب إلى البارئ ﷿؛ لأنَّها أقوى وأعظم الأركان، وهو كقول المشركين العرب في عبادتهم الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وأنه لا يجوز أن يكون غير هذا حالة من يعبد شيئًا من دون الله؛ لأنَّه يعلم أن معبوده من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو ذهب، أو شيء من الجواهر، غير خالقه، ولا صانعه ولا مدبرة أمره، ولا محولة حاله (^٢).
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
دلت على صحة القاعدة عدة أمور:
أولًا: ما رواه البخاري عن ابن عباس -﵄- أنه قال: (صارَتِ
_________________
(١) = على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتًا وسدنة وحجابًا وحجًا وقربانًا، ولم يزل هذا في الدنيا قديمًا وحديثًا). [إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٢)].
(٢) روح المعاني (١١/ ٨٨ - ٨٩)، ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في مناظرة إبراهيم ﵇ للنمرود: (وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدًّا: وهي أن شرك العالم إنما هو مسند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها). [مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٠٥)].
(٣) البدء والتاريخ، للطاهر المقدسي (١/ ٦٢).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ؛ أمَّا وَدّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَل، وَأمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا، وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآل ذِي الكَلاع، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصبُوا إِلَى مَجَالِسهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وَسَموها بأسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (^١).
وروى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ قال: "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم" (^٢).
فهذه الَاثار توضّح وتبيّن حقيقة الشرك وعبادة الأصنام في عهد نوح ﵇، وأنها وضعت في الأصل لتنوب مناب معبوداتهم من الأنبياء والصالحين، ولتقوم مقام قبورهم (^٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾، (٤/ ١٨٧٣)، برقم (٤٦٣٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٩).
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر عن الواقدي قوله: (كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة طائر)، ثم قال معلقًا على قوله: "وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها والله أعلم". [انظر: فتح الباري (٨/ ٦٦٩)].
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل" (^١).
ويقول الحافظ ابن حجر: "وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" (^٢).
ثانيًا: إن عبادة الأصنام لأجل كونها أحجارًا أو أخشابًا مما يحكم العقل بفساده، فلا يعقل أن يصنع أحد صنمًا بيده، وينحته ويشكله ببنانه، من أحجار وأخشاب، ثم بعد فراغه منه مباشرة يعتقد أنه إلهه ومعبوده (^٣).
يقول الإمام ابن القيم: "وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده " (^٤).
ويقول الشهرستاني موضحًا هذا الأمر: "وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب، حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فنعلم قطعًا أن عاقلًا ما لا ينحت جسمًا بيده، ويصور صورة، ثم يعتقد أنه إلهه
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٤)، ودلَّ كلام ابن القيم على أن أصل عبادة الأصنام هو الغلو في الأموات وقبورهم، يقول الإمام ابن كثير: "وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي -ﷺ- بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام". ويقول الإمام ابن قدامة: "وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها". [انظر: البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٩٣)، وانظر: بدائع الفوائد (٣/ ٧٢٥)].
(٢) فتح الباري (٨/ ٦٦٩).
(٣) يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣]: "والمراد بهذا الكذب: وصفهم بهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة، وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض". [التفسير الكبير (٢٦/ ٢١١)].
(٤) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٤).
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
وخالقه، وإله الكل، وخالق الكل؛ إذ كان وجوده مسبوقًا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته (^١)، لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها، وعن هذا كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (^٢).
ثالثًا: ومما يدل على أن المشركين لم يقصدوا عبادة ذات الأصنام، وإنما قصدوا عبادة من صورت الأصنام على صورهم: أنهم لم يكونوا يعبدون إلا ما صوروه ونحتوه من الأصنام والأوثان، فلم يعبدوا جميع الأحجار، ولا جميع الأشجار، بل كان الصنم يكون مع أحدهم مدة من الزمن يعبده فإذا رأى أحسن منه رمى الأول واستبدله بالثاني وهكذا، وهذا يدل على أن مقصودهم ليس هو ذات الصنم المصنوع من الحجر أو الخشب.
يقول الشيخ العمراني: "إن المشركين إنما كانوا يعبدون من الأخشاب والأحجار أوثانًا وأصنامًا؛ فالأوثان ما نحتوه على مثال ما ليس له صورة، والأصنام على مثال ما له صورة، دقوم إبراهيم ﵇ إنما عبدوا تلك الأوثان والأصنام لأجل نحتهم وتصويرهم الذي نحتوه وصوروه، تعظيمًا للنحت والتصوير لا للأعيان، بدليل أنهم كانوا لا يعبدونها قبل ذلك، ولما كسرها إبراهيم ﵇ وأزال تصويرها ونحتها بطلت عندهم أن تكون آلهة" (^٣).
_________________
(١) في الأصل المطبوع: (إذ كان وجوده مسبوقًا بوجوده صانعه، وشكله يحدث بصنعته ناحته)، ولعل الصواب ما أثبته في المتن، والله أعلم.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، ويقول الرازي: "ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها". [التفسير الكبير (٢٦/ ٢١١)].
(٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٨٩).
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
فيما يلي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء التي تؤيد معنى القاعدة: يقول ابن الأثير مقررًا وموضحًا لمعنى القاعدة: "فإن القول الحق الذي لا يشك فيه: هو أنهم كانوا أهل أوثان يعبدونها كما نطق به القرآن، وهو مذهب طائفة من الصابئين، فإن أصل مذهب الصابئين عبادة الروحانيين وهم الملائكة؛ لتقربهم إلى الله تعالى زلفى، فإنهم اعترفوا بصانع العالم، وأنه حكيم قادر مقدس، إلا أنهم قالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى معرفة جلاله، وإنما نتقرب إليه بالوسائط المقربة لديه، وهم الروحانيون، وحيث لم يعاينوا الروحانيين تقربوا إليهم بالهياكل، وهي الكواكب السبعة السيارة؛ لأنَّها مدبرة لهذا العالم عندهم.
ثم ذهبت طائفة منهم وهم أصحاب الأشخاص، حيمث رأوا أن الهياكل تطلع وتغرب، وترى ليلًا ولا ترى نهارًا إلى وضع الأصنام لتكون نصب أعينهم؛ ليتوسلوا بها إلى الهياكل، والهياكل إلى الروحانيين، والروحانيون إلى صانع العالم.
فهذا كان أصل وضع الأصنام أولًا، وقد كان أخيرًا في العرب من هو على هذا الاعتقاد، قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية في بيان مذاهب المشركين في اتخاذ الأصنام: "بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب؛ منهم من
_________________
(١) الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١/ ٥٤ - ٥٥).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة، فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو الملائكة والأنبجاء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدوها، وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك" (^١).
ويقول ﵀: "ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة، أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك" (^٢).
ويقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر جملة المعبودات من دون الله تعالى، وكيفية عبادتها: "وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام؛ فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص، على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه، ومن ها هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا زعموا أنها على صورتها، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبود" (^٣).
ويقول الإمام ابن كثير في شأن مناظرة إبراهيم لقومه: "والحق أن إبراهيم﵊- كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٦١)، وانظر: (١٧/ ٤٥٥)، واقتضاء الصراط المستقيم (٤٠٦)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٦١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١).
(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٤)، وانظر: معارج القبول (٢/ ٤٧٢).
[ ٢ / ١٠٥١ ]
الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده في الرزق، والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه" (^١).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض ذكره للفوائد المستنبطة من قصة الجاهلية المذكورة في السيرة: "السادسة: معرفة أن الأصنام لم تعبد لذاتها؛ وإنما عبدت لأجل الصالحين" (^٢).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن الغرانيق هي الملائكة على قول، وعلى آخر هي الأصنام، ولا تنافي بينهما؛ فإن المقصود بعبادتهم الأصنام: الملائكة والصالحين كما تقدم " (^٣).
* المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض الفوائد المستفادة من القاعدة:
أولًا: دلت القاعدة على أن عبادة الأصنام لم تكن لأجل ذاتها، وإنما عبدت لأسباب أخرى، وفي هذا رد على شبهة أهل الشرك في هذا الزمان الذين يدعون أن المشركين إنما عبدوا الأصنام والأحجار، وأما نحن فإنما نتوجه إلى الأنبياء والصالحين، ولا شك في بطلان هذه الشبهة، فإنه لا فرق بين المعبودات سواء كانت من الأنبياء أو الصالحين، أو من الأحجار والأشجار أو غير ذلك.
يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في رده على من ألقى
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٢)، وانظر: (٤/ ٤٦).
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٤٧).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٦).
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
هذه الشبهة: "قوله: إن هذه الآية أعني آية يس في الأصنام خاصة فهو كاذب ضال في قوله هذا، بل الآية عامة في كل ما عبد من دون الله؛ لأن من أراده الله بضر لم يغن عنه معبوده شيئًا سواء كان معبوده ملكًا أو نبيًا أو غيرهما، فلا يكشف عنه ضرًا أراده الله به، ولا يجلب له نفعًا، وأتى سبحانه في الآية بضمير العقلاء بالواو والميم فهي عامة في كل معبود من دون الله سواء كان عاقلًا أو جمادًا
وهذا المعترض يقول هذه الآية آية يس فيمن عبد الأصنام، ومقتضى كلامه أن من عبد غير الأصنام أن معبوده ينفعه بشفاعة وغيرها، ومن المعلوم بالسُّنَّة المتواترة وإجماع أهل السُّنَّة، بل الأمة أن من مات مشركًا لا شفيع له، وأخبر سيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه أن شفاعته لمن مات لا يشرك بالله شيئًا، فمن عبد غير الله من ملك أو نبي أو صالح أو صنم، أو غير ذلك فإنه لا يشفع فيه شافع، ولا يدفع عنه دافع" (^١).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب، والخوف، والتعظيم، والرجاء، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح لهم، والنذر، والالتجاء إليهم، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر - أيضًا- فإن مجرد ارتكاب فعل، أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء، والذبح -وما تقدم ذكره- مُوْقِع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا" (^٢).
_________________
(١) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٦٩ - ٧٠).
(٢) الضياء الشارق في رد شبهة الماذق المارق (٤٠٩ - ٤١٠).
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
المبحث الثالث
قاعدة المشركون الأولون يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الشدة والرخاء
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى طبيعة الشرك الذي كان عند العرب الأوائل الذي بعث فيهم محمد -ﷺ-، وأنهم كانوا على حالتين؛ الأولى: وهي حالة الرخاء فكانوا يشركون الأصنام والآلهة مع الله تعالى في العبادة، والثانية: حالة الشدة والكرب ونزول العذاب فكانوا يرجعون إلى الله تعالى بالتوحيد، ويفردونه سبحانه بالعبادة، فيخلصون له الدعاء ويتضرعون إليه بالسؤال وطلب النجاة، وعندها ينسون ما كانوا يشركونه من الأنداد والآلهة؛ لعلمهم بأن ساعات الشدة والعذاب لا ينجي منها إلا الرب سبحانه وجلَّ في علاه.
وهذا يدل على أن لعقولهم نوع سلامة، حيث عرفوا أنه لا ينفع في حال الشدة سوى الله تعالى، وهذه المعرفة ناتجة عن الفطرة التي فطرت عليها قلوب الخلق عامة، ولكنها تغفل وتنسى في حال الرخاء فتعود أدراجها إلى ما كانت تشرك به من قبل، فمتى جاء الاضطرار رجعت
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، وهذا بخلاف من لجأ إلى غير الله، وعلَّق قلبه بغير مولاه في حالتي الشدة والرخاء، والنعمة والعذاب، فما أضله وأظلمه وأجهله حيث فاق شركه شرك الأوائل (^١).
فالمشركون الأوائل كانت لهم عبادات يتعبدون بها الله ﵎ في حال الرخاء والسعة وعند حصول النعم، ويشركون في ذلك أصنامهم، فإذا جاءت الضراء والكروب والضيق أخلصوا العبادة للّه تعالى.
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
دلَّت القاعدة على أمرين:
الأول: أن مشركي العرب كانت لهم عبادات يتعبدون بها الرب ﷾.
الثاني: أنهم يخلصون حال الشدة والضيق ويشركون في حال الرخاء والسعة.
أما الأول فدليله ما يأتي:
أولًا: عن ابن عباس -﵄- قال: (كان المشركون يقولون: (لبيك لا شريك لك) قال: فيقول رسول الله -ﷺ-: "ويلكم قدٍ قدٍ"، فيقولون: (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت) (^٢).
ثانيًا: وجاء عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٢).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (٢/ ٨٤٣)، برقم (١١٨٥).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]: (كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^١).
يقول الشهرستاني في بيان حال الجاهلية: "وكانوا يحجون البيت، ويعتمرون، ويحرمون، ويطوفون بالبيت سبعًا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله: إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقفون المواقف كلها" (^٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "كانت العرب تحج إلى اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وهم مع ذلك يحجون إلى البيت، ويطوفون به، ويقفون بعرفات، ولهذا كانوا تارة يعبدون الله، وتارة يعبدون غيره، وكانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) " (^٣).
وأما الأمر الثاني فالدليل عليه ما يأتي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٥٤).
(٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٤٧)، وقال ياقوت الحموي: "ولقد بلغ من تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجون البيت، ويعتمرون، ويطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرًا من حجارة الحرم فنحته على صورة أصنام البيت، فيحفى به في طريقه، ويجعله قبلة، ويطوفون حوله، ويتمسحون به، ويصلون له تشبيهًا له بأصنام البيت، وأفضى بهم الأمر بعد طول المدة أنهم كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه، فذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة في منازلهم؛ شغفًا منهم بأصنام الحرم". [معجم البلدان (٥/ ١٨٥)، وانظر: البداية والنهاية (٢/ ١٨٨)، وتاريخ اليعقوبي (١/ ٢٥٤)].
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٥٤).
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
بيَّن سبحانه في هذه الآية حال المشركين في ركوب البحر؛ لأنَّهم يخلصون لله الدعاء، ويفردونه بالعبادة؛ لأنَّهم يعلمون أنهم في شدة وكرب لا يقدر على كشف ذلك إلا فاطر السموات والأرضين، فخصوه بالعبادة والدعاء، وتركوا جميع الالهة من الأصنام والأنداد فلم يلتفتوا إليها، وكأنها لم تكن.
يقول الإمام الطبري: "فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر فخافوا الغرو، والهلاك فيه دعوا الله مخلصين له الدين، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم، فلما نجاهم إلى البرِّ، يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه، وسلمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الالهة والأوثان معه أربابًا" (^١).
ويقول الإمام البغوي: "هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله ﷿ وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا رب" (^٢).
ويؤيده قول قتادة في الآية: "إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله ﷿ عنهم فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء" (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ١٣).
(٢) تفسير البغوي (٣/ ٤٧٤)، وانظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٩٣).
(٣) تفسير الطبري (١/ ١٣٦).
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
ويقول الإمام القرطبي: "قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾؛ يعني: السفن وخافوا الغرق ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أي: صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾، أي: يدعون معه غيره وما لم ينزل به سلطانًا" (^١).
وقال العلامة الشوكاني: " ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده كائنين على صورة المخلصين له الدين؛ بصدق نياتهم وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون" (^٢).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
يقول أبو عبد الله القرطبي: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون، وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب" (^٣).
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٣/ ٣٦٣).
(٢) تفسير الشوكاني (٤/ ٢١١)، وانظر: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٢٣).
(٣) تفسير الطبري (٨/ ٣٢٥)، وقال أيضًا: "وقوله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه". [المراجع نفسه (١٣/ ٢٢٣)، وانظر: فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤٧)].
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
ويقول الحافظ ابن كثير: " ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا، بل يفردونه بالدعاء والابتهال، وقال ها هنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾؛ أي: لا نشرك بك أحدًا، ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ها هنا" (^١).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "واعلم أن الكفار في زمن النبي -ﷺ- كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذكر من إجابة المضطر، وكشف السوء عن المكروب: من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب؛ كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده؛ لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك " (^٢).
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٥، ٤١].
يقول الإمام الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: "يقول تعالى ذكره مكذبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم أيها المشركون بالله الآلهة والأنداد، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهوة النازل بكم؛ من آلهة، ووثن، وصنم، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون دون كل شيء غيره، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾، يقول: فيفرج عنكم عند استغاثتكم به، وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم؛ لأنَّه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان، والأصنام، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ يقول
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) أضواء البيان (٧/ ٤٠٧).
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه فتجعلون له ندًّا من وثن وصنم وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا" (^١).
ويقول الرازي في معنى الآية: "قل يا محمد لهؤلاء الكفار: إن أتاكم عذاب الله في الدنيا، وأتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر، أو ترجعون فيه إلى الله تعالى، ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة، لا إلى الأصنام والأوثان، لا جرم قال: ﴿ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، يعني: أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى" (^٢).
وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: "فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد: تنسونهم، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وتخلصون لله الدعاء؛ لعلمكم أنه هو الضار النافع، المجيب لدعوة المضطر، فما بالكم في الرخاء تشركون به، وتجعلون له شركاء، هل دلكم على ذلك عقل، أو نقل، أم عندكم من سلطان بهذا، أم تفترون على الله الكذب" (^٣).
وقال أبو حيان: "وظاهر قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ النسيان حقيقة والذهول والغفلة عن الأصنام، لأن الشخص إذا دهمه ما لا طاقة له بدفعه تجرد خاطره من كل شيء إلا من الله الكاشف لذاك الداهم، فيكاد يصير الملجأ إلى التعلق بالله والذهول عن من سواه، فلا يذكر غير الله القادر على كشف ما دهم" (^٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ١٩٢)، وانظر: تفسير القرطبي (٦/ ٤٢٣).
(٢) التفسير الكبير (١٢/ ١٨٤).
(٣) تفسير السعدي (ص ٢٥٦).
(٤) تفسير البحر المحيط (٤/ ١٣٣)، وانظر: تفسير الثعلبي (٤/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ [الزمر: ٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣]، وقال ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧]، وغير ذلك من الآيات التي تقرر حال الإنسان عمومًا عند السراء والرخاء والنعمة وحال مشركي العرب خاصة.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "يقول تعالى ذكره وإذا مس هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر ضرٌ فأصابتهم شدة، وجدوب، وقحوط دعوا ربهم، يقول: أخلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه، واستغاثوا به منيبين إليه، تائبين إليه من شركهم وكفرهم، ثم إذا أذاقهم منه رحمة، يقول: ثم إذا كشف ربهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضر وفرَّجه عنهم، وأصابهم برخاء، وخصب وسعة، إذا فريق منهم يقول: إذا جماعة منهم بربهم يشركون يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثان" (^١).
وقال الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: منقلبين إليه بالدعاء؛ ومعناه: أنهم إذا وقعوا في الشدة تركوا دعاء الأصنام ودعوا الله وحده" (^٢).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: مرض أو خوف من هلاك ونحوه ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال؛ لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٣)، وانظر: تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣).
(٢) تفسير السمعاني (٤/ ٢١٤).
[ ٢ / ١٠٦١ ]
رَحْمَةً﴾ فشفاهم من مرضهم، وآمنهم من خوفهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم، ويشركون به وكل هذا كفر بما آتاهم الله وَمَنَّ به عليهم، حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة، وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر، والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال" (^١).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]: "بَيَّنَ جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن الكفار إذا مسهم الضُّرُّ في البحر؛ أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنَّها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك، ضل عنهم، أي: غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجَّاهم الله وفرَّج عنهم ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر" (^٢).
خامسًا: ومما يدل على أن المشركين يخلصون الدعاء وقت الشدة ما رواه سعد بن أبي وقاص في قصة إسلام عكرمة، وفيه: (وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٦٤١ - ٦٤٢)، وانظر: (ص ٧٢٠).
(٢) أضواء البيان (٣/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البر غيره، اللَّهُمَّ إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا -ﷺ- حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم) (^١).
* المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة
تواتر ذكر معنى القاعدة في كلام أهل العلم وتقريراتهم، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك مما يشير إلى اعتماد العلماء لمعنى القاعدة:
يقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "القاعدة الرابعة: أنَّ مشركي زَمانِنَا أغلظُ شِرْكًا مِنَ الأوَّلين؛ لأن الأولينَ يُشركُونَ في الرخاءِ ويُخْلصونَ في الشدةِ، ومُشركُو زَماننا شركُهم دائمًا في الرخاء والشدة" (^٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي في السُّنن الصغرى، كتاب تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد (٧/ ١٠٥ - ١٠٦)، برقم (٤٠٦٧)، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام (٣/ ٥٩)، برقم (٢٦٨٣)، وذكره الهيثمي من طريقين، ثم قال عقبهما: ورجالهما ثقات، مجمع الزوائد (٦/ ١٦٩)، والحاكم في المستدرك في ذكر مناقب عكرمة ابن أبي جهل (٣/ ٢٦٩)، برقم (٥٠٥٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٠٤)، برقم (٣٦٩١٣)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٠٠)، برقم (٧٥٧)، والبزار في مسنده (٣/ ٣٥٠)، برقم (١١٥١)، وذكره العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٠٠)، برقم (١٧٢٣)، وصحيح الجامع حديث رقم (٢٤٢٦)].
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٦)، وقال ﵀ أيضًا: "فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين؛ أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء". [كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢٤)].
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
ويقول ﵀ أيضًا: "فإذا فهمت هذا، ورأيت العجب، فاعرف، وحقق: المسألة الرابعة، وهي: أن الذين في زمن رسول الله -ﷺ- لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء، والشياطين، فإذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا فيهم، وإذا أصابهم الضر، والألم الشديد، تركوهم، وأخلصوا لله الدين، وعرفوا: أن الأنبياء، والصالحين، لا يملكون نفعًا، ولا ضرًّا" (^١).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "وأما كون الكفار في زمن رسول الله -ﷺ- لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا" (^٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
للقاعدة فوائد عديدة أذكرها فيما يأتي:
أولًا: بالنظر إلى حال من وقع في الشرك من هذه الأمة يظهر الفرق الكبير، والبون الشاسع بين الشرك القديم، الذي كان على عهد المصطفى ﵇، وبين الشرك في هذه الأوثان، وإن كان جميعه شركًا مخلدًا في النار، لكن بعض الشر أهون من بعض، فالشرك عند العرب لا يكون إلا في الرخاء، أما في الشدة فإنَّهم يرجعون إلى الله بالإخلاص وإفراده بالعبادة، وذلك بخلاف الشرك اليوم فإن أصحابه يشركون في الرخاء والشدة، بل إنهم يزدادون شركًا وضلالًا حال الشدة، فيعظم
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٩).
(٢) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
تعلقهم بالمعبود، وتنعقد قلوبهم عليه، ولا تكاد ألسنتهم تفتر من ذكره، وسؤاله، والاستغاثة به، والرغب فيما عنده، والالتجاء إليه، أما الأوائل فإذا نزلت بهم الكربة والشدة لا يعبدون إلا الله، وينسون معبوداتهم من دون الله تعالى.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان: "وأما مشركو أهل هذه الأزمان فإنه لا يشتد شركهم إلا إذا وقعت بهم الشدائد، فإنهم ينسون الله، ولا يدعون إلا معبودهم، فشركهم دائم في الرخاء والشدة، وهذا أمر معلوم مشاهد، لا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات" (^١).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وهؤلاء أعظم شركًا وأشد؛ لأنَهم يشركون في الرخاء وفي الشدة، بل هم في الشدة أكثر شركًا، وأشد تعلقًا بهم من حالة الرخاء، وأما مشركو الجاهلية الأولى فيشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة" (^٢).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذا بخلاف مشركي زماننا اليوم من عباد القبور وغيرها، فإنَّهم يشركون في الشدة أضعاف شركهم في الرخاء، حتى إن كانوا ينذرون لهذا الولي في الرخاء ببعير، أو تبيع، أو شاة، أو دينار، أو درهم، أو نحو ذلك فأصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك، فجعلوا له بعيرين، أو تبيعين، أو شاتين، أو دينارين، أو درهمين، أو غير ذلك، وأيضًا فإنهم يعتقدون فيهم من صفات الربوبية، وأنهم متصرفون فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغلا بعضهم حتى جعل منهم المتصرف في تدبير الكون على سبيل الاستقلال، ويقولون فيه: إنها لا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بإذن فلان، تعالى الله وتقدس، وجل وعلا عن أن يكون معه إله غيره، أو يكون له شريك في الملك، أو ولي
_________________
(١) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٣٩٨).
(٢) معارج القبول (٢/ ٥٣٩).
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
من الذل" (^١).
وبهذا يتبيَّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، والنصوص فرَّقت بين الشركين، وفرقت بين حالتي الشدة والغفلة؛ فالشدة يتبعها الإخلاص والتوبة والإنابة، والرخاء والسعة يتبعهما الانتكاس والغفلة، وعليه فشرك الأولين أخف، وشرك المتأخرين أعظم وأغلظ، وإن كان كلّ منهما مشرك، ولكن الشرك يتفاوت، بعضه أغلظ من بعض.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ذكره لهذه القاعدة: "فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه: وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- يدعون الله ويدعودن غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعولن إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؛ والله المستعان" (^٢).
ثانيًا: الذي قاد المشركين إلى إخلاص العبادة لله تعالى حال الشدة والكربة، ورجوعهم إلى الله تعالى إيمانهم وإقرارهم بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق والمتصرف في هذا الكودن، وكونه يستحق أن يعبد -﷾-، وهذا إدن دلَّ على شيء فإنما يدل على توحيدهم بربوبية الله تعالى، ورجوعهم إلى الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فميّزوا وعرفوا أنه لا ينجي حال حصول الشدائد والآفات، ووقوع المصائب والكربات، وتلاطم أمواج البحار، وعتو الرياح، إلا المولى ﷾.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما يشترك في معرفته المؤمن والكافر؛ لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء الاضطرار رجعت
_________________
(١) معارج القبول (٢/ ٤٨٥).
(٢) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢٤).
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، ومثل هذا كثير في القرآن؛ يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود وحده، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (^١).
وذلك بخلاف ما يعتقد كثير من الجهلة: وهو أن الولي له التصرف في الخلق؛ جلبًا، وصرفًا، فيزعمون أن الأولياء لهم التصرف في الكون كاملًا، وأن الله أعطاهم التصرف، والكشف، والخطوة إلى ما يريدون، وهذا بلا ريب أعظم من شرك السابقين.
ثالثًا: أشارت القاعدة إلى اضطراب المشركين وعدم ثبات الإيمان في قلوبهم، وأنهم لا يكادون يرجعون إلى الله بالتوحيد وإفراده بالعبادة حال الشدة والكرب، إلا وسرعان ما ينقلبون وينتكسون على رؤوسهم حال الرخاء والنعماء؛ ولذا كان توحيدهم هباء، وعبادتهم سدى، ولا يوصفون بأنهم عابدون لله تعالى وإن وقعت منهم العبادة بعض الأحيان.
يقول الإمام ابن القيم: "وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٢).
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
بها، فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله، ولا عبدًا له" (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
المبحث الرابع
قاعدة دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية، والرسل وسائط في التبليغ والدلالة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* بيان معاني مفردات القاعدة
معنى الواسطة لغة واصطلاحًا:
الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدلُّ على العَدل والنِّصف، وأعدل الشيء أوسطه (^١)، ووسط الشيء: ما بين طرفيه، أو ما له طرفان متساويا القدر، ويقال: (وَسَط) في الكمية المتصلة، كالجسم الواحد، وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين يقال: (وَسْط)، والتوسط بين الناس من الوساطة، فالذي يقوم بالتوسط بين شيئين هو الواسطة، التي توصل أحد الطرفين بالآخر (^٢).
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٠٨).
(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور (٧/ ٤٢٧)، والمفردات في غريب القرآن للراغب =
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
والوساطة: عمل الوسيط، وهي التوسط بين الشيئين أو الموجودين، إذا كان هذان الشيئان، أو الموجودان مستقلين في الواقع عن ذلك التوسط (^١).
ولقد شاع استعمال الواسطة في عصرنا بمعنى الجاه والمكانة (^٢).
ومن العلماء من عبر بالواسطة عن الوسيلة والشفاعة.
كما يقول الإمام ابن القيم: "وتسقط الوسائط بينك وبينه -أي: النبي -ﷺ- إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المُرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (^٣)، فعبَّر عن الواسطة بالوسيلة.
ويقول الألولسي: "والوسيلة في الأصل الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة" (^٤).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "وإما على سبيل الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (^٥).
ويقول الشيخ ابن عثيمين: "الواسطة: هي الشفاعة للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة" (^٦).
والذي يظهر أن الواسطة تتناول الوسيلة والشفاعة، ومطلق التوسط بين شيئين، فكل وسيلة هي واسطة يتوصل بها إلى الشيء المراد،
_________________
(١) = (ص ٥٢٢)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص ٧٢٥)، مختار الصحاح (ص ٣٠٠).
(٢) المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا (٢/ ٥٧٢).
(٣) انظر: رسالة الواسطة بين الله وخلقه، إعداد: المرابط بن محمد الشنقيطي (ص ٢٢).
(٤) مدارج السالكين (٣/ ١٤٤).
(٥) روح المعاني (١٥/ ١٢٦).
(٦) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٣٨).
(٧) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٥/ ٦١).
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
وكذلك الشفاعة هي توسط الشافع للمشفوع له عند المشفوع إليه (^١).
* المسألة الثانية* معنى القاعدة
دلت القاعدة على نوعين من الواسطة:
النوع الأول: واسطة منفية وهي واسطة شركية بدعية.
والثاني: واسطة مثبتة وهي واسطة شرعية إيمانية (^٢).
فأما الواسطة الشركية البدعية فهي المنفية عن دين الحنفاء -وهو دين الإسلام العام (^٣) - فليس فيه واسطة بين الله وخلقه، لا في أمور الربوبية؛ من الخلق والرزق، والنفع والضر، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وتفريج الكربات، والحفظ والهداية، ولا في شيء من أمور الألوهية، من عبادة الله تعالى، والتقرب إليه بالدعاء والاستعانة وغير ذلك من أنواع العبادات، فالحنفاء يوحدون ربهم في ربوبيته وألوهيته بدون واسطة لا من البشر ولا من غير البشر.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما خلق الله تعالى للخلق ورزقه إياهم،
_________________
(١) انظر: رسالة الواسطة بين الله وخلقه، للمرابط يسلم الشنقيطي (ص ٢٠ - ٢٥).
(٢) الناس في الواسطة بنوعيها بين مثبت ونافي، وبيان ذلك كما يلي: الفلاسفة: الذين يقولون: إن الكواكب والروحانيات، والعقول المدبرة هي الواسطة بين الله وخلقه. الرافضة: الذين يزعمون أن الأئمة من أهل البيت هم الواسطة بين الله والناس. الصوفية: الذين يدعون أن أرباب الطرق، وشيوخ الفرق هم الواسطة بين الحق والخلق، كما أن منهم ينفي الواسطة في التبليغ والرسالة فيعتقدون أنهم يتلقون من الله مباشرة وهو ما يعرف عندهم بالعلم اللدني. أهل المذهب الحق: الذين يفصلون فيثبتون الواسطة في التبليغ والرسالة، وينفونها في العابدة. [انظر: الواسطة بين الله وخلقه عند أهل السُّنَّة ومخالفيهم، للمرابط الشنقيطي (ص ٥، ٩٥)].
(٣) انظر: قاعدة دين الأنبياء واحد (ص ٧٥) من هذه الرسالة.
[ ٢ / ١٠٧١ ]
وإجابته لدعائهم، وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل" (^١).
وجميع هذه الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام تتعلق بصفات الربوبية.
ويقول -﵀-: "وإن أراد بالواسطة أن لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين" (^٢).
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]: "يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما يقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه، وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه" (^٣).
وأما الواسطة الشرعية الإيمانية، فهي وساطة الأنبياء في تبليغ الرسالة، وإرشاد الأمة إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، فكل وساطة من الله تعالى في تبليغ دينه وشرعه فهي وساطة شرعية إيمانية لا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بها واعتقادها واتباعها، ويدخل في ذلك وساطة الملائكة بين الله ورسله، ووساطة الأنبياء بين الله وخلقه، وكذلك وساطة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ١٧١).
(٢) المصدر نفسه (١/ ١٢٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢).
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
العلماء بين النبي -ﷺ- وأمته، فجميع هذه الوساطات لا تخرج عن حيز التبليغ والدلالة، ولا يحق لها التوسط بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية.
والملائكة من جملة تلك الوسائط لتبليغ الوحي والنزول بالشرائع من عند الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، كما أنها واسطة في تدبير أوامر الله الكونية.
يقول الشيخ الألوسي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]: على القولين يحتمل أن يكون معناه جاعل الملائكة ﵈ وسائط بينه وبين أنبيائه، والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه ﷿ يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه؛ كالأمطار والرياح وغيرهما، وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم" (^١).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الدينية" (^٢).
والمقصود أن الملائكة وسائط بين الله وبين تدبيره سبحانه لبعض أمور الكون، فهم من ضمن الأسباب التي يخلق الله بها ما يشاء من المسببات.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما أهل الهدى والفلاح؛ فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته، وأنه خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان.
_________________
(١) روح المعاني (٢٢/ ١٦١).
(٢) تفسير السعدي (ص ٦٨٤).
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب" (^١).
وبالنسبة للوحي فإن جبريل هو الواسطة بين الله تعالى وجميع أنبيائه ورسله، كما قال ﷿ في شأن الوحي إلى النبي -ﷺ-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
يقول الرازي في "تفسيره": "وأما جبريل ﵇ فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء، فكان عالمًا بكل الشرائع الماضية والحاضرة، وهو أيضًا عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم" (^٢).
ويقول الألوسي: "وقد دلت الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة" (^٣).
كما أن الرسل هم الواسطة بيننا وبين الله تعالى في تبليغ الوحي وإيصال الشرائع والأحكام إلى الخلق.
يقول أبو عبد الله القرطبي: "وأن رسله صادقون في قولهم، ومؤيدون بالمعجزات من عند ربهم، وأنهم عبيد الله ورسله، وأنهم بشر مثلنا، إلا أن الله تعالى فضلهم: بأن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه" (^٤).
ويقول الشيخ السعدي في شأن عيسى ﵇ وما له من المنزلة عند
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١١٢).
(٢) التفسير الكبير (٢/ ٢٠٨).
(٣) تفسير الألوسي (١/ ٣٣٣).
(٤) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، للقرطبي (ص ٤٤٠).
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
ربه ﵎: "وكذلك يكلمهم كهلًا؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق، وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه" (^١).
وكذلك الصحابة ﵃، والعلماء من بعدهم -سيما أهل الحديث- فهم الواسطة بيننا وبين النبي -ﷺ- في تلقي الوحي، ومعرفة الشرائع لا تكون إلا عن طريقهم؛ لأن هذا الدين ما كان ليصلنا كاملًا بدون نقص -بعد حفظ الله ﵎ له- بدون الصحابة ﵃؛ بصبرهم وجهادهم في سبيل الله لنصرة هذا الدين.
يقول الإمام البيهقي (^٢) في وصفه لصحابة النبي -ﷺ-: "وقطع الريب عن الرسول -ﷺ-، وعن الصحابة النجباء الذين اختارهم الله تعالى له وزراء وأصفياء، وخلفاء، وجعلهم السفراء بيننا وبينه -ﷺ- عن حق عداه أو عدوه، وصدق تجاوزوه" (^٣).
ويقول الإمام ابن عبد البر: "وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنَّهم الواسطة بين النبي -ﷺ- وبين أمته" (^٤).
فأهل الحديث جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي -ﷺ- وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ١٣٠).
(٢) هو: الإمام حافظ الزمان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي، له العديد من المصنفات منها: "السُّنن الكبرى والصغرى"، "دلائل النبوة"، و"شعب الإيمان"، و"الأسماء والصفات" وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. [انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، وطبقات الحفاظ (١/ ٤٣٢)].
(٣) كتاب الأسماء والصفات، البيهقى (٢/ ٣٨٥).
(٤) التمهيد (٢٣/ ١٩٥).
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة (^١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "ومن سوى الأنبياء؛ من مشايخ العلم والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول -ﷺ- وأمته؛ يبلغونهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول" (^٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
دلت القاعدة على نوعين من أنواع الواسطة، ولكل نوع منها أدلته الخاصة، وعليه فيحسن تصنيف الأدلة إلى قسمين:
الأول: الأدلة الدالة على الواسطة المثبتة الشرعية الإيمانية:
وهذه كما سبق هي الواسطة في تبليغ الوحي من الله تعالى إلى خلقه ويدخل في ذلك تبليغ جبريل لنبينا محمد -ﷺ-، وكذلك تبليغ الصحابة الذين للأمة متلقين له من نبيهم محمد -ﷺ-.
فمما دل على كون الملائكة وسائط بين الله ورسله في تبليغ الوحي ما يلي:
قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. فقد جاء عن ابن عباس ﵄ أن الروح الأمين: هو جبريل ﵇ (^٣).
_________________
(١) انظر: شرف أصحاب الحديث، البغدادي (ص ٨ - ٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٥).
(٣) تفسير الطبري (١٩/ ١١٢)، وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري ونقله عن: قتادة والضحاك.
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
وقال بهذا القول جملة من السلف، بل هو مما لا نزاع فيه (^١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨].
وقوله ﷿: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾: "يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ - ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل (^٢)، ثم خُصِّصَا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه" (^٣).
ومن السُّنَّة حديث عمر بن الخطاب -﵁- المعروف بحديث جبريل الطويل، وفيه مجيء جبريل على صورة أعرابي وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمور أخرى، فلما انصرف قال النبي -ﷺ-: "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٨).
(٢) في النسخة المحققة: (في الملائكة ثم عموم الرسل). [انظر: تفسير ابن كثير: (١/ ٥٠٨) بتحقيق ت مجموعة من الباحثين؛ منهم: مصطفى السيد، طبعة مؤسسة قرطبة].
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٣).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٧)، رقم (٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٣٩)، رقم (٩).
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
فجميع هذه النصوص دلت على أن الواسطة في تبليغ الوحي إلى الأنبياء والرسل جميعًا هي الملائكة.
يقول الرازي: "فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة، فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر" (^١).
كما أن الأنبياء واسطة بيننا وبين الله ﵎ في تبليغ الوحي والشرائع كما قال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ [الحجر: ١٠].
يقول الإمام ابن تيمية: "والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله ﷿، فهو الذي يبلغهم أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه: فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله" (^٢).
وقال ابن الوزير: "وهذا رسول الله -ﷺ- وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله وبين عباد الله " (^٣).
أما ما دون الأنبياء من الصحابة ومشايخ العلم والدين فهم واسطة كذلك بين النبي -ﷺ- وما علموه من الكتاب والسُّنَّة وبين الأمة، إذ هم ورثة الأنبياء فيجب عليهم التبليغ والبيان بقدر ما عرفوه من ذلك، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "بلِّغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدًا
_________________
(١) التفسير الكبير (٧/ ١١٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٧٢).
(٣) إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير اليماني (ص ١٤٠).
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
فليتبوأ مقعده من النار" (^١).
يقول الإمام الطحاوي في شرح هذا الحديث: "فأوجب رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث على أمته التبليغ عنه، ثم قد فرق رسول الله -ﷺ- بين التبليغ عنه والحديث عن غيره فقال وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؛ أي: ولا حرج عليكم في أن لا تحدثوا عنهم في ذلك " (^٢).
القسم الثاني: الأدلة الدالة على الواسطة المنفية غير الشرعية:
بينَّا فيما سبق معنى هذه الواسطة المنفية، وهي اتخاذ أو اعتقاد واسطة بينك وبين الله تعالى فيما يتعلق بأمور الربوبية أو الألوهية، ولا شك في بطلان هذا الاتخاذ، بل مجرد اعتقاد مثل هذه الواسطة بينك وبين الله تعالى في شأن الربوبية والألوهية يعتبر مخرجًا من الإسلام، ومما يدل على بطلان هذه الوسائط ما يلي:
١ - ما أمر به سبحانه عباده من إخلاص الدعاء له وحده والاستغاثة به واللجوء إليه وحده، وإنزال الحاجات والضرورات والشدائد به سبحانه دون ما سواه، ولم يقل سبحانه لعباده اطلبوا واسطة مناسبة تصلون بها إليَّ، أو أنه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق تلك الوسائط، بل دلهم على دعائه سبحانه وحده مباشرة بدون أي وسائط، أو تدخلات من البشر، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، رقم (٣٢٧٤).
(٢) شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٨).
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧].
يقول الرازي في "تفسيره ": "ولم يقل (فقل إني قريب) فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه؛ الأول: كأنه ﷾ يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك" (^١).
فدعاء الله تعالى سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة يجب إخلاصه لله تعالى والعمل بطاعته وليس باتخاذ الوسائط طلبًا للقربة ورجاء في قبول الدعاء عند الله تعالى فما عند الله لا ينال بمعصيته.
يقول الإمام الطبري عند الآية: "فأخبر -ﷺ- أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة" (^٢).
كما أمر ﷾ عباده بإخلاص الدين له، وإفراده بالعبادة بدون واسطة أو شفاعة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٢، ٣].
يقول الحافظ ابن كثير: "أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس
_________________
(١) التفسير الكبير (٥/ ٨٤).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ١٦٠).
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
له شريك، ولا عديل، ولا نديد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾؛ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له ثم أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " أي: إن ما يحملهم على عبادتهم لهم، أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى؛ في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا" (^١).
٢ - أن جعل الوسائط بين العبد وربه، والتقرب إليهم بالعبادة والتعظيم مناقض ومناف للحكمة الشرعية والغاية المطلوبة من إيجاد المخلوقات، وهي عبادة الله تعالى بإخلاص ومحبة وخضوع وإنابة وتضرع بين يديه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].
فالذي يتقرب إلى الله بالوسائط قد عارض هذه الحكمة وهذه الغاية العظيمة، وصرف المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والخشية لغير الله العظيم، فإن المتخذ للوسائط من دون الله تعالى يعتقد أنها توصله إلى الله، وتقربه منه، وأنه لا يستطيع الوصول إليه، والنيل من خيراته، والأمن من الشرور والمضار إلا عن طريق هذه الواسطة، وأن الله لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا إن لم يأته بواسطة، ولا شك أن هذا الاعتقاد يجعل قلبه يتعلق بهذه الواسطة فيصرف لها صنوفًا من العبادات والتعظيمات فيقع في الشرك بالله العظيم.
٣ - أن التقرب إلى الله تعالى باتخاذ الوسائط فيه تشبه بالمشركين عبدة الأنبياء والصالحين، من عهد نوح ﵇ وإلى يومنا هذا، جميعهم
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦).
[ ٢ / ١٠٨١ ]
كان شركهم من قبيل اتخاذ الوسائط والشفعاء التي تقربهم إلى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال ﷿ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذه الآيات الكريمة واضحة في صنيع المشركين وأنهم لم يقصدوا من آلهتهم إلا الجاه والواسطة والشفاعة؛ أي: الواسطة التي تقربهم من الله تعالى، وترفع لهم دعاءهم ومسألتهم لتقضى لهم الحوائج.
يقول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: "أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وهذه الشبهة -أي: شبهة الشفاعة والواسطة- هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه" (^١).
* المسألة الرابعة * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة
لا يخفى على القارئ ما أولاه أهل العلم من عناية فائقة، واهتمام بالغ، وحرص شديد، وتركيز كبير على مسألة الواسطة بنوعيها المثبتة والمنفية، وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم؛
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦).
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
سواء كانت بالتنصيص على القاعدة، أو جاءت بمعناها:
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا جهل بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستعانة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة، وإنما الرسل بلغتهم عن الله تعالى ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها، وما نهى عنه، فهم وسائط في التبليغ والدلالة" (^١).
ويقول ﵀: "والله سبحانه لم يجعل له أحدًا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو أو يشفع" (^٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "وبالجملة فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (^٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وبهذا التحقيق تعلم أن: ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف، من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عسهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (^٤).
هذا ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في التنصيص على القاعدة، أو في ذكرهم لمعناها.
_________________
(١) الرد على البكري (٢/ ٥٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٠).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ١٤٤).
(٤) أضواء البيان (١/ ٤٠٣).
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في عدة أمور:
أولًا: إن دين الحنفاء جميعًا من لدن نوح ﵇ وحتى نبينا محمد -ﷺ- هو دين التوحيد وإفراده ﷿ بالعبادة، ورفض جميع الوسطاء والشفعاء بين العباد وخالقهم، لا يختلف في ذلك البتة، والله تعالى لم يشرع لأمة من الأمم اتخاذ الوسطاء في العبادة، بل حرمه سبحانه على جميع الأمم، وكان اتخاذهم لها سببًا لهلاكهم وعذابهم، فإن الله تعالى لا يحب الشرك ولا يشرعه أبدًا.
ثانيًا: إن جميع أهل الملل والأديان يؤمنون بالواسطة في التبليغ والدلالة، وهي أصل في جميع الأديان، ولا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بهذه الواسطة الشرعية.
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل" (^١).
ثالثًا: إن مجرد اعتقاد كون هذا النبي أو ذاك الصالح واسطة بيننا وبين الله تعالى، تقرب العبد من ربه وتدنيه إليه، هو من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎، وإن لم يدع تلك الواسطة، ولم يسألها شيئًا؛ لأنه يكون حينئذٍ قد اعتقد النفع والضر بيد غير الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم: "ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه" (^١).
رابعًا: التفريق بين الواسطة المنفية والوسيلة الشرعية، فالأولى شرك بالله العظيم، والثانية قربة قد رتب الله عليها الأجر والثواب.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وأَما التوسل بالأموات إلى الله سبحانه، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات" (^٢).
خامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول من زعم أنه يتلقى الدين عن غير طريق الرسول -ﷺ-، ولا شك في بطلان هذا القول، بل كفره، فإن من اعتقد أنه يسوغ له الخروج عن شريعة النبي -ﷺ- فهو كافر زنديق.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٢٣٣).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١١٧)، كتاب العقيدة، تحت عنوان: إقامة الاحتفالات عند أضرحة الأولياء والشهداء برقم (٦٢).
[ ٢ / ١٠٨٥ ]