الحديث عن هذه المسألة.
وقد وافقهم في هذا القول في عرش الله الكلابية، والكرامية، ومتقدمو الأشاعرة، وبعض الجهمية، والمعتزلة (^١).
رابعًا: أقوال المخالفين
القول الأول:
ما زعمه طائفة من الجهمية، والمعتزلة، والماتريدية (^٢)، وعامة متأخري الأشاعرة (^٣)، من أن معنى العرش في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، هو الملك.
قال الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية": (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة. فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان ﴿الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ [المائدة ٤١]، وكالذين ﴿إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون﴾ [البقرة ١٤]،
_________________
(١) شرح أصول الخمسة (ص ٢٢٦)، أصول الدين للبغدادي (ص ١١٢)، الفرق بين الفرق (ص ٢١٥ - ٢١٦)، شرح جوهرة التوحيد (ص ١٨١)، نقض التأسيس (١/ ٣٩٦، ٢/ ١٤ - ١٥).
(٢) هم أتباع أبو منصور، محمد بن محمد الماتريدي، السمرقندي. انظر قولهم في هذه المسألة في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٨٥).
(٣) التبصير في الدين للإسفراييني (١٥٨).
[ ٤٠٩ ]
أتقرون أن لله عرشًا معلومًا، موصوفًا فوق السماء السابعة، تحمله الملائكة، والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه! فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح.
قال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والأرض وما فيهن سمى ذلك كله عرشًا له، واستوى على جميع ذلك كله) (^١).
وقال ابن تيمية -في سياق كلامه على حملة العرش-: (ثم إن قوله تعالى ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧]، وقوله ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، يوجب أن لله عرشًا يحمل، يوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك، كما تقوله طائفة من الجهمية) (^٢).
وقال الزمخشري: (إنه لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالو: استوى فلان على العرش يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضًا في شهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤداه، وإن كان أشرح، وأبسط، وأدل، على صورة الأمر) (^٣).
وقال البغدادي: (والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى
_________________
(١) الرد على الجهمية (ص ١٢ - ١٣).
(٢) نقض تأسيس الجهمية
(٣) الكشاف (٢/ ٥٣٠).
[ ٤١٠ ]
الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره، وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثُلَ عرش فلان، إذا ذهب ملكه، قال متمم بن نويرة في هذا المعنى:
عروشٌ تفانوا بعد عز وأمة … هووا بعد ما نالوا السلامة والبقا
وأراد بالعروش، ملوكًا انقرضوا.
وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر:
قد نال عرشًا لم ينله حائل … جن ولا إنس ولا ديار
وأراد بالعرش، الملك والسلطان.
وقال النابغة:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه … والحارثين يؤمنون فلاحا
وأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه، فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه) (^١).
الرد عليهم:
ما ذهب إليه هؤلاء المخالفون من تفسير معنى العرش الوارد في الآيات بمعنى الملك، إنما هو تأويل باطلٌ، وصرف للفظ عن معناه إلى معنى آخر لا يحتمله.
_________________
(١) أصول الدين (ص ١١٢). وانظر أيضًا التفسير الكبير للرازي (١٤/ ١١٥)، وروح المعاني (١١/ ٦٥).
[ ٤١١ ]
والمتأمل لهذا القول يرى ما فيه من التلبيس والمخالفة.
فقد سبق أن ذكرنا في المبحث اللغوي لكلمة (عرش)، أن لهذه الكلمة عدة معاني في اللغة العربية، ومن المعلوم أن معرفة المعنى المراد من تلك المعاني لهذه الكلمة أو غيرها، إنما يتحدد بحسب سياق الكلمة وبحسب ما أضيفت إليه، وليس في سياق الآيات ما يثبت صحة ما ذهبوا إليه، كما أن ما استدل به هؤلاء المخالفون من الأبيات الشعرية ليس إلا دليلا على أن الملك هو من المعاني اللغوية لكلمة (عرش)، وهذا أمر لا خلاف فيه، وهذا الاستدلال يماثل ما لو استدللنا على أن من معاني كلمة العرش: السقف، بقوله تعالى ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ [البقرة ٢٥٩]، فليس في هذه الأبيات أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على أن الملك هو المعنى المراد في الآيات الواردة في العرش، بل إن المتأمل للآيات والأحاديث الواردة في هذه المسألة يرى أنها تدل دلالة واضحة وصريحة على أن المراد بالعرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي خلقه الله تعالى فوق العالم كله، ثم استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وكذلك ترد على هؤلاء المخالفين زعمهم الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف لكلام الله.
فيا ترى ماذا يصنع ذلك المخالف الذي يزعم أن العرش إنما هو كناية عن الملك والسلطان بقوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود ٧]، هل يزعم أن الملك كان على الماء؟
[ ٤١٢ ]
وكذلك ماذا يصنع بقوله تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟
وقوله ﷺ: «فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" (^١). أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك؟ وكذا قوله ﷺ: «اهتز عرش الرحمن" (^٢)، أيقول: اهتز ملكه وسلطانه؟
القول الثاني:
زعم طائفة من الفلاسفة أن العرش فلك مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدود الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، أو الفلك التاسع، أو الأثير، أو الفلك الأعلى (^٣).
وفي ذلك يقول ابن سينا في رسالته " إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم": (ومن السهل عليك أن تفهم كيف أن العرش بنص القرآن يحمله ثمانية، فهذه الثمانية هي: الثمانية أفلاك التي تحت هذا الفلك المحيط) (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه في (ص ٧).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٧١). وأحمد في المسند (٣/ ٣١٦)، وفي فضائل الصحابة (٢/ ٨١٨). والبخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب سعد بن معاذ ﵁، مثله. فتح الباري (٧/ ١٢٢ - ١٢٣). ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة (٧/ ١٥٠). وابن ماجة في سننه، المقدمة (١/ ٥٦).
(٣) البداية (١/ ١١)، الرسالة العرشية (ص ٢)، مفردات (ص ٣٢٩)، روح المعاني (٢٤/ ٤٥).
(٤) نقلًا عن كتاب "ابن سينا بين الدين والفلسفة" (ص ١٣٧ - ١٣٩).
[ ٤١٣ ]
الرد عليهم:
إن المتأمل لكلام هؤلاء الفلاسفة كابن سينا وأمثاله يرى مدى انحرافهم، حتى أنهم وصلوا إلى درجة اعتقادهم أنه لا موجود إلا ما علموه.
ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار، صاروا حائرين ومتأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وعلى ما تعلموه، وإن كان هذا التأويل لا دليل لهم عليه سوى ظنهم الفاسد بأنه لا موجود إلا ما عرفوه، فقالوا العرش هو: الفلك التاسع، والكرسي هو: الفلك الثامن، فنفوا ما ليس لهم به علم (^١) فانطبق عليهم قوله تعالى ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ [يونس ٣٩].
وقد ثبت أنه ليس لهؤلاء دليل يتمسكون به لا من الشرع ولا من العقل، وأن الذي دفعهم إلى هذا القول هو أنهم نظروا في علم الهيئة وعلوم الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع وهو الأطلس محيط بها ومستدير كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة الشوقية، وأن لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر عرش الله، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن أن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شيء، إما مطلقًا وإما أنه ليس وراءه مخلوق (^٢).
_________________
(١) الفتاوى (١٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
(٢) الرسالة العرشية (ص ٢ - ٣).
[ ٤١٤ ]
وهم معترفون بأنه لم يقم لديهم دليل عقلي على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، ومالم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون ثبوته ولا انتفاءه.
مثال ذلك: أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة على أن الأفلاك مختلفة حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك، كفلك التدوير وغيره، فأما ما كان موجودًا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته، فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم … وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء أخر فوق الأفلاك التسعة، كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل من أن العرش هو الفلك التاسع رجمًا بالغيب وقولًا بلا علم) (^١).
ومع عدم وجود الدليل العقلي عند هؤلاء على صحة زعمهم فكذلك الأدلة الشرعية ترد زعمهم هذا وتبطله.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على هؤلاء الفلاسفة المتكلمين في رسالته العرشية أن الآيات والأحاديث قد دلت على أن العرش
_________________
(١) الرسالة العرشية (ص ٢).
[ ٤١٥ ]
مباين لغيره من المخلوقات وأن الله قد اختصه وميزه بأمور كثيرة منها، أن له حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، وأن الله قد أخبر بوجوده قبل خلق السموات والأرض وقبل وجود الأفلاك وأن الله سبحانه تمدح نفسه بأنه ذو العرش، ووصف العرش بأنه مجيد، وعظيم، وكريم، فكل هذه الميزات والخصائص تبطل قول المنازع لأنه يقول بأن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، ذلك لأنه لو كان العرش من جنس الأفلاك لكان إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر (^١).
كما أن مما يدل على فساد قولهم ما ثبت في الشرع من أن للعرش قوائم وأنه يهتز، ومعلوم أن الأفلاك مستديرة وليس لها قوائم، كما أنها متحركة دائمًا بحركة متشابهة لا تتغير، كما ثبت أيضًا أن العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون إن الفلك لا ثقيل ولا خفيف (^٢).
فعلم مما تقدم انتفاء الدليل العقلي عند هؤلاء كما علم مخالفتهم للأدلة الشرعية وإبطالها لأقوالهم، ويضاف إلى هذا مخالفتهم للغة العرب، فالعرب لا تفهم من كلمة العرش هذا المعنى ولا هو مستعمل في لغتها، والقرآن إنما نزل بما يفهمون.
وبعد هذا كله لا تبقى أدنى شبهة في فساد هذا القول وبطلانه والله أعلم.
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣ - ٧).
(٢) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص ٣٦٣).
[ ٤١٦ ]
وقول المصنف:] والكرسي].
جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة ٢٥٥].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: (ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهًا على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب) (^١).
وأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جدًا.
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٨٨).
[ ٤١٧ ]