قال المصنف-﵀:
"وعذاب القبر" (^١).
وقد دلَّ على سؤال القبر وما يكون فيه من نَعيم أو عذاب-بعض الآيات والسُّنَّة المُتواترة وكذلك إجماع أهل السُّنَّة والجَمَاعَة.
أمَّا دلالة القرآن: فمنها:
• قوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ [غافر: ٤٦].
قال الحافظ ابن كثير: «وهذه الآية أصلٌ كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» (^٢).
وقال العلامة الفوزان: «هذا في البرزخ قبل الآخرة؛ يُعرضون على النَّار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليلٌ على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات:
الأولى: أنَّ الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة.
الثاني: أنَّهم يُعَذَّبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة.
_________________
(١) هذه العبارة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ومختصر الحجة.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ١٤٦).
[ ٤٣٥ ]
الثَّالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله» (^١).
• ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ [التوبة: ١٠١].
قال ابنُ تيمِيَّة: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ العُلَمَاءِ: المَرَّةُ الأُولَى فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ فِي البَرْزَخِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ فِي الآخِرَةِ» (^٢).
• ومنها: وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
وهذا خطابٌ لهم عند الَموت، وقد أخبر الملائكة-وهم الصادقون-أنَّهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صَحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ فدل على أنَّ المراد به عذاب القبر (^٣).
وأمَّا السُّنَّة: فإنها متواترةٌ في ذلك، كما قال الحافظُ ابنُ رَجَب رحمه الله تعالى: «وقد تَوَاتَرَت الأحاديثُ في عذاب القبر» (^٤).
وقال ابنُ أبي العِزِّ رحمه الله تعالى: «وقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ
_________________
(١) «شرح الأصول الثلاثة» (ص ٥١)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ -٢٠٠٦ م.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦٦).
(٣) انظر: «الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد» صالح الفوزان (ص ٢٧٥)، دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.
(٤) «أهوال القبور» (ص ٤٣).
[ ٤٣٦ ]
في ثُبُوت عذاب القبر ونعيمه لِمَنْ كان أهلًا» (^١).
وأمَّا الإجماعُ:
• فقد قال ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ» (^٢).
• وقال أيضًا: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (^٣).
• وقال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: «وَهَذَا كَمَا أنه مُقْتَضى السُّنَّة الصَّحِيحَة فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَين أهل السُّنَّة.
قَالَ المروزي: قَالَ أَبُو عبد الله: عَذَاب القَبْر حقٌّ، لَا يُنكره إِلَّا ضالٌّ أَوْ مُضِلٌّ» (^٤).
والإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ.
وقد ذكر شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى هُنَا مَسأَلَتَينِ عَظيمَتَينِ:
الأولى: فِتنَةُ القَبر، والثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.
_________________
(١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٣٩٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٢).
(٤) «الروح» (ص ٥٧).
[ ٤٣٧ ]