قال المصنف-﵀:
"والإيمان بمكر ونكير" (^١).
منكر ونكير هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما أسودان أزرقان، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ، فينعم في قبره. وأما الكافر فلا يحار جوابا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كل من يليه إلا الثقلين.
الأدلة على ذلك.
الأحاديث الواردة في الملكين متلقاة عند أهل العلم بالقبول، قال ابن أبي عاصم: وفي المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (^٢).
وقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الملكين دون ذكر اسمهما، من ذلك:
في حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إذا وُضِعَ
_________________
(١) هذه العبارة غير موجودة في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ومختصر الحجة.
(٢) السنة: (ص ٤١٩ - ٤٢٠ (.
[ ٤٢٨ ]
في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عنه أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ. فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيقول: أَشْهَدُ أَنَّهُ عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ …» (^١).
• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (^٢).
• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن " (^٣). وذكر الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره. وقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا. وقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر). وقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه. فرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.
[ ٤٢٩ ]
وقد ورد في الحديث والآثار ذكر اسميهما، من ذلك:
• أما الحديث.
فمن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبر الميت-أو قال: أحدكم-أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا …» (^١). (^٢)
وحديث أبي هريرة الذي عند الترمذي وغيره، وذكرهما يتقوى كما لا يخفى بالطريق التي عند الطبراني في المعجم الأوسط (٤٦٢٩)، وفيها ابن لهيعة
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في (السنة) (٨٦٤). قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٥) -كما أشار إلى ذلك في المقدمة -. وكذلك الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) المصدر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ص ٢٨٩.
[ ٤٣٠ ]
وموسى ابن جبير الحذاء، وهذا الأخير وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وفي ابن لهيعة كلام معروف، وباقي رجاله ثقات، فتسمية الملكين حسن بمجموع الطريقين،
• وأما الآثار.
هذا بالإضافة أن تسميتهما وردت في أخبار أخرى مرسلة وموقوفة، وهي:
١ - مرسل عطاء بن أبي رباح: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائده رقم ٢٨١)، والآجري في الشريعة (رقم ٨٦١ - دار الوطن) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (رقم ١٠٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "يا عمر كيف بك إذا أنت مت، فانطلق أهلك فقاسوا لك ثلاثة أذرع وشبر في ذراع وشبر، ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم احتملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليه التراب، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف، فتلتلاك وثرثراك وهوّلاك، فكيف بك عند ذلك يا عمر؟ "، قال: يا رسول الله ومعي عقلي؟، قال: "نعم"، قال: "إذا أكفيكهما".
٢ - مرسل عمرو بن دينار المكي: عند عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣) بسند صحيح عنه، ولفظه
[ ٤٣١ ]
نحو الذي قبله، وذكر تسمية الملكين عن عبيد بن عمير.
فلا شك أن مجموع هذه الطرق يعطي قوة لتسمية الملكين، والله أعلم.
• أقوال العلماء.
وقد ذكر جملة من أئمة السلف عبارة (منكر ونكير) وممن ذكره هذه العبارة:
ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من ذلك:
ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن تميم بن غيلان بن سلمة قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء وهو مريض) … إلى أن قال أبو الدرداء: «ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان أسماؤهما منكر ونكير …» (^١)
ومما ورد عن علماء السلف
ما ورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: "هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير
_________________
(١) المصنف (٣/ ٥٣) (٧/ ١١٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١/ ١٣٣)، وهذا اسناد رجاله ثقات، وتميم بن غيلان بن سلمة ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٤١)، وابن حبان في الثقات (٤/ ٨٦)، وهو ثقفي وروى عنه غير يعلى بن عطاء: ابن جريج وعبد العزيز بن أبي رواد، وما أحسبه سمع أبا الدرداء، والله أعلم.
[ ٤٣٢ ]
وهما ملكان" (^١)
وقال أبو بكر الاسماعيلي: "ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ" (^٢).
وقال أبي بكر بن أبي عاصم: "وفي المساءلة أخبار ثابتة والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم". (^٣)
وقال شيخ الاسلام: "إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة" (^٤).
وقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه ..) (^٥). (^٦)
_________________
(١) طبقات ابي يعلى ١/ ٥٥.
(٢) اعتقاد أئمة الحديث (٧٠).
(٣) كتاب السنة (ص ٤١٩ - ٤٢٠).
(٤) الأصفهانية (٢/ ٢١٤).
(٥) العقيدة الطحاوية (٥٠).
(٦) وانظر في ذلك كلام البربهاري في السنة (٣٧)، وصديق حسن خان في قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (١٣٣)، وابن قدامة في لمعة الاعتقاد (٢٦)، ومرعي الكرمي في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات (٢١٣)، والكلاباذي في التعرف لمذهب أهل التصوف (٥٧)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (٣٠٥).
[ ٤٣٣ ]
وأما ما ورد في تفصيل صفة الملكين، وأن أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، ونحو ذلك أحاديث لا تصح. (^١)
_________________
(١) انظر السلسلة الضعيفة (٣٥٨٥).
[ ٤٣٤ ]