وهذا الذي ذكره الطبري والبيهقي وابن كثير والذهبي في تعريف العرش، هو الذي جاءت به الآيات والأحاديث والآثار، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها في عرش الله، فهم يعتقدون أن عرش الرحمن هو:
_________________
(١) الأسماء والصفات (٢/ ٢٧٢).
(٢) الاعتقاد (١١٢).
(٣) البداية (١/ ١٢).
(٤) العلو (ص ٥٧).
[ ٤٠٤ ]
• سرير:
قال ابن قتيبة: (وطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء في اللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير، وما عرش من السقوف وأشباهها، قال أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله وهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الن … اس وسوى فوق السماء سريرا
شرجعًا لا يناله بصر العي … ن ترى دونه الملائك صورا) (^١)
وقال ابن كثير: (العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى ﴿ولها عرش عظيم﴾ [النمل ٢٣]. وليس هو فلكًا ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو سرير ذو قوائم …) (^٢).
• وأنه ذو قوائم:
قال شارح الطحاوية: (قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ: «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» (^٣). (^٤).
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ (ص ٢٤٠).
(٢) البداية (١/ ١١ - ١٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. انظر فتح الباري (٥/ ٧٠). ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/ ١٠١ - ١٠٢).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٠ - ٣١١).
[ ٤٠٥ ]
• وأنه مخلوق:
قال الحافظ ابن حجر: (قوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة ١٢٩]، إشارة إلى أن العرش مربوب، وكل مربوب مخلوق … وفي إثبات القوائم للعرش دلالة على أنه جسم مركب له أبعاض وأجزاء، والجسم المؤلف محدث مخلوق) (^١).
• وأن الله سبحانه قد أمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه:
قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر ٧]، وقال تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧].
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (^٢).
• وهو أعلى المخلوقات، وأعظمها، وسقفها، وهو كالقبة على العالم وما تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة:
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه "أصول السنة": (ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق …) (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٦، ح ٤٧٢٧). أورده ابن كثير في تفسير (٤/ ٤١٤) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: (إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات).
(٣) أصول السنة (ص ٨٨).
[ ٤٠٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول جهدت الأنفس، وجاع العيال -وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ﷺ: إن الله على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا» (^١) وقال بأصابعه مثل القبة … وفي علوه قوله ﷺ: «إذا
_________________
(١) الحديث أخرجه كذلك الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٧). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٢). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠، ح ١٤٧). والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٣٢، برقم ١٥٤٧). وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٦، ح ١٩٨). والدارقطني في الصفات (ص ٥١، ح ٣٨). وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٨، برقم ٦٤٣). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٤). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣١٧ - ٣١٨، ح ٨٨٣). وقد تكلم بعض الأئمة على هذا الحديث: فقال الذهبي في العلو (ص ٣٩): "هذا الحديث غريب جدًا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي ﷺ هذا أم لا؟ وأما الله فليس كمثله شيء ﷻ، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره" انتهى كلامه. واستغربه الحافظ ابن كثير في تفسير آية الكرسي من تفسيره (١/ ٣١٠). ثم إن في إسناده اختلافًا. هذا وقد تكلم ابن القيم في تهذيب السنن (٧/ ٩٥ - ١١٧) بكلام طويل نصر فيه تصحيح الحديث، ورد المطاعن التي طعن بها هذا الحديث، وبخاصة عن ابن إسحاق. والصواب أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولا سيما أن جبير بن محمد قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" يعني إذا توبع ولم يتابع هنا. التعليق: منهج السلف في إيراد مثل هذه الأحاديث التي في إسنادها مقال إنما هو من باب التأكيد لا من باب التأييد، وهذا الحديث إنما ساقه الكثير من السلف لما فيه من تواتر علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق آيات القرآن والأحاديث الصحيحة".
[ ٤٠٧ ]
سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (^١).
فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات، وسقفها، وأنه مقبب …) (^٢).
وفي حديث أبي ذر المشهور قال: قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي، ثم قال: يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة" (^٣).
وهذا القول للسلف في عرش الله هو ما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة، وقد كان سلف الأمة وأئمتها دائمًا يصرحون بذلك في كتبهم عند
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحيه، كتاب التوحيد، باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾. انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).
(٢) الفتاوى (٥/ ١٥١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش رقم (٥٨). وابن حبان في صحيحه (١/ ٧٦ - ٧٩). وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩، ح ٢٥٩). وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، ح ٨٦٢). وللحديث أيضًا طرق أخرى ذكرها الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٠٩)، وقال: (وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح)، وصححه أيضًا في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٢)، وتخريجه لأحاديث كتاب "ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان" للألوسي (ص ١٤٠). وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١١) عن ابن حبان تصحيح الحديث وقال: (وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه).
[ ٤٠٨ ]