قال الشيخ حمود التويجري: "وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، وقد تواترت الأحاديث في خروج
_________________
(١) (صحيح مسلم) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ مع شرح النووي).
(٢) (الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد)، (٢٤/ ٨٥ - ٨٦) قال الهيثمي: (رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح)، انظر: (مجمع الزوائد) (٧/ ٣٤٤).
[ ٥١٥ ]
الدجال من وجوه متعددة، ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه، والرد على من أنكر ذلك.
وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال: وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله-ﷺ، وذكر النووي في شرح مسلم: "أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة" (^١).
وقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي-ﷺ، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة، ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي-ﷺ، ولكانوا يقابلونها بالرضا والقبول والتسليم. " (^٢)
_________________
(١) انظر شرح النووي لمسلم ١٨/ ٥٨ - ٥٩، وفتح الباري ١٣/ ١٠٥.
(٢) إقامة البرهان ص ٦ - ٧
[ ٥١٦ ]
قال الدكتور يوسف الوابل: "ما تقدم من الأحاديث يدل على تواتر خروج الدجال في آخر الزمان، وأنه شخص حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.
وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح (^١)، وتبعه الشيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدجال رمز لاستشراء الباطل، وليس رجلا من بني آدم، وهذا التأويل صرف للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينة!!
وإليك ما قاله الشيخ أبو عبية في تعليقه على أحاديث الدجال؛ قال: "اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الأجال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صياد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولته جبروته، واستشراء خطرة، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسر له من وسائل التمكن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته سلطان الحق، وكلمة الله: (إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] " (^٢).
ويقول أيضا: أليس الأولى أن يفهم من الدجال أنه رمز الشر والبهتان
_________________
(١) انظر: تفسير المنار» (٣١٧٣).
(٢) «النهاية المس والملاحم (١/ ١١٨ - ١١٩)، تحقيق الشيخ محمد فهيم أبو عبية.
[ ٥١٧ ]
والإفك .. إلخ (^١)
ويرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدجال رجل بعينه، وليس هناك ما يدل على أنه رمز للخرافات والدجل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، وأن أول ما يخرج الدجال من أصبهان من جهة خراسان. وكلها في جهة المشرق، وما قيل عن ابن صياد هل هو الدجال أم غيره؟ وذكر العلماء الأقوال في ذلك.
وإذا تبين هذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب ولا من حيث مكان خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته التي نبهت عليها الأحاديث، والتي تدل دون ارتكاب تجوز لا داعي له على أنه شخص حقيقة.
وأيضا؛ فأبو عبية متناقض في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدجال في كتاب الفتن والملاحم، لابن كثير؛ فإنه يعلق على قول النبي ﷺ: «إنه مكتوب بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن». وقوله: «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت».
يقول أبو عبية: "وهذا يقرر كذب الدجال في دعواه الربوبية قبحه الله، وأتم عليه غضبه ولعنه" (^٢)
_________________
(١) النهاية الفتن والملاحم (١/ ١٥٢).
(٢) النهاية الفتن والملاحم (١/ ٨٩).
[ ٥١٨ ]
فهو هنا يرى أن الدجال إنسان حقيقة، يدعي الربوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجال على الحقيقة، وإنما هو رمز للشر والفتنة!!
ولا شك أن هذا تناقض واضح منه.
وأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدجال قوله ﷺ: «إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا» (^١) (^٢)
_________________
(١) مسند أحمد (١/ ٢٢٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال إسناده صحيح.
(٢) أشراط الساعة ليوسف الوابل، ص ٣١٥. ٣١٧.
[ ٥١٩ ]