قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وأن الله خلق الجنة قبل الخلق، وخلق لها أهلًا، ونعيمها دائم ومن زعم أنه يبيد من الجنة شيء فهو كافر".
على المسلم الإيمان بالجنة والنار، فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله.
• قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]﴾ [لقمان: ٨]،
• وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.
قول المصنف: " قبل الخلق ".
يشير المصنف هنا إلى قول أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.
قال الإمام ابن القيم: "يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث
[ ٢٣٧ ]
قاطبة لا يختلفون.
فيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: "جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا" "ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري "والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان" (^١).
أدلتهم:
وقد دل على ذلك من القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: "ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" (^٢).
• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن
_________________
(١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.
[ ٢٣٨ ]
كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة" (^١).
• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها " (^٢) وذكر الحديث.
• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم. من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره. والحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم. قال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.
[ ٢٣٩ ]
الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (^١).
• وفي صحيح أبي عوانة الاسفرايني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح "ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن" (^٢).
• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن " (^٣). وذكر الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.
(٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره. وقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا. وقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر). وقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه. فرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.
[ ٢٤٠ ]
• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: " أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " (^١).
وقال رسول الله ﷺ: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت " (^٢).
• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه
_________________
(١) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).
[ ٢٤١ ]
قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: "إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: "بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" (^١).
• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: " قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل" (^٢).
المعتزلة أنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.
وقال الملطي في التنبيه والرد: "ومن فضائح الفوطي وبدعه قوله إن الجنة والنار ليستا بمخلوقتين الآن وإن كل من قال إنهما مخلوقتان الآن فهو كافر.
_________________
(١) صحيح البخاري رقم (٧١٢).
(٢) رقم (٩٠٤) - (٩).
[ ٢٤٢ ]
وهذا القول منه زيادة منه على ضلالة المعتزلة، لأن المعتزلة لا يكفرون من قال بوجودهما وإن كانوا ينكرون وجودهما الآن" (^١).
قال عَبْد القَاهر البَغْدادي: "الفضيحة السَّابِعَة من فضائح الفوطي قَوْله بتكفير من قَالَ إن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان، وأخلافه من الْمُعْتَزلَة شكوا في وجودهَا الْيَوْم وَلم يَقُولُوا بتكفير من قَالَ إنهما مخلوقان والمثبتون لخلقهما يكفرون من أنكرهما ويقسمون بِاللَّه تَعَالَى أن من أنكرهما لَا يدْخل الْجنَّة وَلَا ينجو من النَّار" (^٢).
شبهتهم: سبب هذا القول إن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.
ويجاب عليهم:
أولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله
_________________
(١) التنبيه والرد: (ص ٣١).
(٢) الفرق بين الفرق ص ١٤٩، وانظر: التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: (ص ٢٣، وص ٣٨)
[ ٢٤٣ ]
ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.
ثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.
ثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.
• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.
• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.
[ ٢٤٤ ]
وقول المصنف: "وخلق لها أهلًا" يذكر غير واحد من العلماء هذه المسألة بعينها في كتب الاعتقاد ومن هؤلاء الإمام الطحاوي حيث يقول: "وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه" (^١).
قَالَ ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله تعالى:
"قال الله تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الأنفال: ٧٥] «وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» [الأحزاب: ٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدًا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» [مريم: ٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧
[ ٢٤٥ ]
وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» [الليل: ٥ - ١٠]﴾ خرجاه في الصحيحين" (^١)
وقد أنكر الفلاسفة علم الله بالجزئيات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْلَمُهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ.
وَقَوْلُهُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَمَفْعُولَاتِهِ حَقٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لَكِنْ قَوْلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَعْيَانَ الْمُعَيَّنَةَ جَهْلٌ وَتَنَاقُضٌ فَإِنَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ وَالْأَفْلَاكُ مُعَيَّنَةٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُعَيَّنَاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ إذْ الْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ.
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. " (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئًا بمشيئته ولا يجيب دعاء الداعي بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٩٥.
[ ٢٤٦ ]
بأعيانهم من رسله بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله" (^١).
_________________
(١) الجواب الصحيح ١/. ١١٤
[ ٢٤٧ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وخلق النار قبل خلق الخلق وخلق لها أهلًا، وعذابها دائم".
المسألة الأولى: وجود النار في الحياة الدنيا.
ويدل على ذلك:
من القرآن:
قد ذكر الله تعالى في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه، ونعتها فقال عز من قائل (^١):
• (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (البقرة: ٢٤).
• وقال: «واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (آل عمران: ١٣١).
• وقال: (إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها) الكهف: ٢٩).
• وقال: (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) (الكهف: ١٠٢).
• وقال: «وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرًا) (الفرقان: ١١).
• وقال تعالى: (أغرقوا فأدخلوا نارًا) (نوح: ٢٠).
ومن السنة:
• ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله
_________________
(١) المصدر: يقظة أولي الاعتبار: ص ٥١.
[ ٢٤٨ ]
قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (^١)،
• وفيهما أيضا: «أن النبي ﷺ رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظرًا أفظع من ذلك» (^٢).
• وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي الله قال: «اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء»، وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه (^٣)، ورواه الترمذي والنسائي أيضا (^٤).
• وفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ "أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" (^٥).
• وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله من اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعض فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من
_________________
(١) البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).
(٢) رواه البخاري (١٠٥٢) (٤٣١)، ومسلم (٩٠٧) عن ابن عباس.
(٣) يقظة أولي الاعتبار ص ٥٢.
(٤) هو ضمن الحديث السابق. ورواه البخاري (٣٢٤١، ٥١٩٨، ٦٤٤٩، ٦٥٤٦ رواه الترمذي (٢٦٠٣)، والنسائي في الكبري (٩٢٥٩)
(٥) رواه البخاري (٥٣٩) (٦٢٩) عن أبي ذر.
[ ٢٤٩ ]
الزمهرير» رواه البخاري" (^١) أي: من ذلك التنفس.
• وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قال قال رسول الله ﷺ: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» رواه البخاري" (^٢)، وفي رواية "من فور جهنم رواه عن رافع بن خديج (^٣).
وكل ذلك يفيد وجود النار الآن (^٤)، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمر ﵄: "ولقد أدنيت النار مني حتى جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم"، الحديث (^٥) وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ قال: «لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار" (^٦)
المسألة الثانية: مكان النار.
وقد اختلف في هذه المسألة على عدة أقوال (^٧):
_________________
(١) ورواه (٥٣٦، ٥٣٣، ٥٣٤) عن أبي هريرة.
(٢) رواه (٣٢٦٤، ٥٧٢٣) عن ابن عمر.
(٣) رواه (٥٧٢٦، ٣٢٦٢) عن رافع.
(٤) يقظة أولي الاعتبار ص ٥٣.
(٥) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٥٩)، والنسائي في الكبري (٣/ ١٣٧١٣٨)، وابن خزيمة (٩٠١)، وابن حبان (٢٨٣٨) بسند صحيح عن ابن عمر.
(٦) أخرجه مسلم (٤٢٦).
(٧) ذكر هذه الأقوال صاحب كتاب يقظة أولي الاعتبار ص ٦٢ - ٦٧.
[ ٢٥٠ ]
القول الأول: أن مكانها في الأرض تحت الأرض السابعة.
القول الثاني: أن جهنم على الأرض والله أعلم بموضعها على الأرض.
القول الثالث: أن مكان النار حاليًا تحت الأرض السابعة السفلى، ويوم القيامة تبرز وتظهر، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]، أي في السماء السابعة التي تظهر للناس.
القول الرابع: أن مكانها في السماء.
القول الخامس: التوقف في المسألة وأنه لم يرد نص صريح في مكانها
وقد استدل من قال إن مكانها في الأرض:
• ما جاء في الحديث: (يُجاء يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (^١)، وتسجر البحار وتكون جزءًا من جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
• وقد روى الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: إن أكرم خليقة الله عليه أبو القاسم ﷺ، وإن الجنة في السماء والنار في الأرض (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٤٢).
(٢) رواه الحاكم (٤/ ٦١٢)، والحارث (٩٣٠ - بغية) والبيهقي في الشعب (٣٦٦)
[ ٢٥١ ]
• وروى أبو الشيخ في كتابه العظمة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى (^١).
• وقال ابن رجب في التخويف من النار: الباب الخامس في ذكر مكان جهنم: روى عطية عن ابن عباس قال: الجنة في السماء السابعة ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة وجهنم في الأرض السابعة. أخرجه أبو نعيم. (^٢)
• وخرج ابن منده من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات. قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبع أبحر مطبقة (^٣).
• وروى البيهقي بإسناد فيه ضعف عن أبي الذعراء عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ: إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿المطففين: ١٨﴾ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿المطففين: ٧﴾. وخرجه ابن مندة، وعنده: فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء،
• وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام قال: إن الجنة في السماء وإن النار في الأرض. خرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا،
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٠٠).
(٢) التخويف من النار ص ٦٢.
(٣) عزاه في الفيض (٣/ ٣٦٠) لابن عباس، وعزاه لابن منده ابن رجب في التخويف من النار (ص ٧٢).
[ ٢٥٢ ]
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة قال: كانوا يقولون إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.
• وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿الذاريات: ٢٢﴾. قال: الجنة في السماء،
• وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوًا وعشيًا يعني في مدة البرزخ وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض، وقال تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿المطففين: ٧﴾. اه
• قال ابن الجوزي في المنتظم: ومما يدل على أن النار في الأرض حديث أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ يومًا فسمعنا وجبة فقال النبي ﷺ: "أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله أعلم. قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا، فالآن انتهى إلى قعرها. " انفرد بإخراجه مسلم.
فإن قيل كيف تكون جهنم في الأرض، وقد رآها رسول الله ﷺ ليلة المعراج فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه رآها في الأرض في طريقه إلى بيت المقدس، وقد روينا عن ابن الصامت أنه رؤي على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، فقيل له في ذلك، فقال ههنا رسول الله ﷺ أخبرنا أنه رأى جهنم.
والثاني: أنه لا يمتنع في القدرة أن يرى جهنم في الأرض وهو في السماء، وقد بدى له المقدس وهو بمكة فوصفه للقوم.
[ ٢٥٣ ]
المسألة الثالثة: أبدية النار.
قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وَأَمَّا أَبَدِيَّةُ النَّارِ وَدَوَامُهَا، فَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدَ الْآبَادِ، وَهَذَا قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ طَبِيعَتُهُمْ وَتَبْقَى طَبِيعَةً نَارِيَّةً يَتَلَذَّذُونَ بِهَا لِمُوَافَقَتِهَا لِطَبْعِهِمْ! وَهَذَا قَوْلُ إِمَامِ الِاتِّحَادِيَّةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ!!
الثَّالِثُ: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى وَقْتٍ مَحْدُودٍ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَيَخْلُفُهُمْ فِيهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ-بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١].
الرَّابِعُ: يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهَا تَفْنَى بِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ!! وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِ وَشِيعَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
السَّادِسُ: تَفْنَى حَرَكَاتُ أَهْلِهَا وَيَصِيرُونَ جَمَادًا، لَا يُحِسُّونَ بِأَلَمٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ.
[ ٢٥٤ ]
السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُبْقِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ يُفْنِيهَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ لَهَا أَمَدًا تَنْتَهِي إِلَيْهِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ، كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَيَبْقَى فِيهَا الْكُفَّارُ، بَقَاءً لَا انْقِضَاءَ لَهُ" (^١).
وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك:
• قوله تعالى عن أهل النار: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا *إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا) [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]
• وقوله: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا* خالدين فيها أبدًا) [الأحزاب: ٦٣ - ٦٥].
• وقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [الجن: ٢٣]
• وقوله: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون* لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]
قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وَقَوْلُهُ: "لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ "-هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَبِفَنَاءِ النَّارِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَالْقَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٦٢٤. ٦٢٥.
[ ٢٥٥ ]
وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ إِمَامُ الْمُعَطِّلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ قَطُّ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَفَّرُوهُ بِهِ، وَصَاحُوا بِهِ وَبِأَتْبَاعِهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ. وَهَذَا قَالَهُ لِأَصْلِهِ الْفَاسِدِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَهُوَ امْتِنَاعُ وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْحَوَادِثِ! وَهُوَ عُمْدَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ، الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَحُدُوثِ مَا لَمْ يَخْلُ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عُمْدَتَهُمْ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ. فَرَأَى الْجَهْمُ أَنَّ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فِي الْمَاضِي، يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ! فَدَوَامُ الْفِعْلِ عِنْدَهُ عَلَى الرَّبِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي! وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَقْتَضِي فَنَاءَ الْحَرَكَاتِ، فَقَالَ بِفَنَاءِ حَرَكَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى يَصِيرُوا فِي سُكُونٍ دَائِمٍ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى حَرَكَةٍ!! وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ دَوَامِ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ رَبًّا قَادِرًا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا. وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ لِذَاتِهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ حَدٌّ مَحْدُودٌ حَتَّى يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، وَيَكُونُ قَبْلَهُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ. فَهَذَا الْقَوْلُ تَصَوُّرُهُ كَافٍ فِي الْجَزْمِ بِفَسَادِهِ.
[ ٢٥٦ ]
فَأَمَّا أَبَدِيَّةُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهَا لَا تَفْنَى وَلَا تَبِيدُ، فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] " (^١).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٢٠ - ٦٢٢.
[ ٢٥٧ ]
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"وأن أهل الجنة يرون ربهم [بأبصارهم] (^١)، لا محالة".