قال المصنف-﵀:
"والجهر بآمين عند قول الإمام "ولا الضالين".
التَّأمينُ سنَّةٌ مؤكَّدةٌ بعد قراءةِ الفاتحةِ (^١)، ويُسرُّ بها في الصَّلاةِ السِّريَّةُ، ويجهرُ بها في الجَهريَّةِ، ويؤمِّنُ فيها مع الإمامِ، وهو مذهبُ الشافعيَّةِ (^٢)،
_________________
(١) قال النَّوويُّ: (قد اجتمعَتِ الأمةُ على أنَّ المنفَرِدَ يؤمِّن، وكذلك الإمامُ والمأمومُ في الصلاة السِّرية، وكذلك قال الجمهورُ في الجهرية). «شرح النَّووي على مسلم» (٤/ ١٣٠). قال ابن عبد البرِّ: (قولُه في حديث سُمَيٍّ: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمينَ»، ولا خلافَ أنَّه لا تأمين في الصلاة في غير هذا الموضع) «الاستذكار» (١/ ٤٧٤). وخالف الحنفية فقالوا: السنَّة المخافَتَة في الجهرية. يُنظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٢٧٠). أما مذهَبُ المالكية فلا يُنْدَبُ عندهم للإمامِ التأمينُ في الصلاة الجهرية، ويُنْدَبُ للمأموم إن سَمِعَ قراءة الإمام: قال الخرشي: ("ص" وتأمينُ فَذٍّ مطلقًا وإمامٍ بِسِرٍّ ومأمومٍ بِسِرٍّ أو جَهْر إن سَمِعَه على الأظهر وإسرارهم به (ش) أي إنَّه يندَبُ على المذهب تأمينُ الفَذِّ، أي: قولُه آمين عقب (ولا الضالين) في قراءته سواءٌ كانت قراءةُ الصلاةِ سرًّا أو جهرًا كما يُندَب للإمامِ التأمين على قراءته في السِّرِّية وكذا مأمومُه، وأمَّا في الجهرية فلا يُندَب للإمامِ ويندب للمأموم إن سَمِعَ قراءة الإمام؛ لأنَّه مُؤَمِّن حينئذ على دعائِه، فإن لم يَسْمَعْه فلا؛ على الأظهر عند ابن رشد) «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٨٢)، وينظر: «منح الجليل» لابن عليش (١/ ٢٥٩).
(٢) (المجموع» للنووي (٣/ ٣٦٨، ٣٧١)، وينظر: «أسنى المطالب» لزكريا الأنصاري (١/ ١٥٤).
[ ٥٧٠ ]
والحنابلةِ (^١)، وبه قال جمهورُ أهلِ العِلمِ (^٢)، وعامَّةُ أهلِ الحديثِ (^٣).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (^٤)
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لولا جهرُه بالتَّأمينِ لَمَا أمكَنَ المأمومَ أنْ يؤمِّنَ معه ويوافِقَه في التَّأمينِ (^٥).
_________________
(١) «كشاف القناع» للبهوتي (١/ ٣٣٩)، وينظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٥٢).
(٢) قال النَّوويُّ: (ذكرنا أن مذهبَنا استحبابُه للإمام والمأموم والمنفرد، وأن الإمام والمنفرد يَجهران به، وكذا المأموم على الأصح، وحكى القاضي أبو الطيِّب والعبدري الجهرَ به لجمعهم، عن طاوس، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود، وهو مذهبُ ابنِ الزبير) «المجموع» (٣/ ٣٧٣). وقال ابنُ رجب: (دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ الإمام والمأمومين يؤمِّنون جميعًا، وهذا قول جمهور أهل العلم، رُوي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة، وقال عطاءٌ: لقد كنت أسمعُ الأئمة يقولون على إثر أم القرآن: آمين، هم أنفسهم ومَن وراءهم، حتى إن للمسجد للجةً، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وهو رواية المدنيِّين عن مالك، واختيارُهم). «فتح الباري» (٤/ ٤٩٢).
(٣) قال ابنُ رجب: (اختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال: أحدها: يجهر بها الإمام ومَن خلفه، وهو قولُ عطاءٍ، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وعامةُ أهل الحديث). «فتح الباري» (٤/ ٤٩٣)، وينظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (١/ ٤٧٥).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٢٧٠) رقم (٧٤٧)، ومسلم (٢/ ١٧)، رقم (٩٤٢) في صحيحهما.
(٥) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٣٩٦)، «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٤٩٣).
[ ٥٧١ ]
وعن وائل بن حجر، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين ورفع بها صوته» (^١).
ثانيًا: مِنْ الآثارِ
عن ابنِ جُرَيجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزُّبيرِ يؤمِّنُ على أثرِ أمِّ القرآنِ؟ قال: نعم، ويؤمِّنُ مَنْ وراءَهُ، حتَّى إنَّ للمسجدِ للَجَّةً (^٢).
ثالثًا: أنَّ التَّأمينَ تابعٌ للفاتحةِ، فكان حُكمُه حُكمَها في الجهرِ؛ كالسُّورةِ (^٣).
قال النووي: "في هذه الأحاديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد وأنه ينبغي أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لقوله ﷺ وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وأما رواية إذا أمن فأمنوا فمعناها إذا أراد التأمين" (^٤) أه
_________________
(١) سنن أبي داود (١/ ٣٥١) (رقم ٩٣٠)، وأخرجه الترمذي في جامعه (٢/ ٢٧) رقم (٢٥٠) وحسنه ثم قال: (وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٨٠) مختصرًا، وأخرجه موصولًا عبد الرزاق في «المصنف» (٢٦٤٠)، وابن حزم في «المحلى» (٣/ ٢٦٤). صحح إسناده الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٣٨٠).
(٣) «المجموع» للنووي (٣/ ٣٦٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠).
[ ٥٧٢ ]
وقوله: "بآمين"
معناها: اللهم استجب، وعلى هذا؛ فهي اسم فعل دعاء، واسم الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه.
هلم: اسم فعل؛ لأنه بمعنى أقبل. «صه» اسم فعل بمعنى اصمت. فأحيانا أقول «صه»، وأحيانا أقول «صه»، وبينهما فرق، فإن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كل شيء، إن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كلام معين.
قال الفقهاء: فإن شدد الميم في «آمين» بطلت الصلاة؛ لأن معناها حينئذ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يشدد الميم، وتبطل الصلاة؛ لأنه أتى بكلام من جنس كلام المخلوقين" (^١).
_________________
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (٣/ ٢٣).
[ ٥٧٣ ]