الجدال ينقسم إلى قسمين:
١ - الجدال المحمود:
وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦].
وقال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (^٢).
_________________
(١) هذه الجملة ساقطة من نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى وهي مأخوذة من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص: (٢٢٨) ووردت في مختصر الحجة (٢/ ٣٧٦) بلفظ (واحذروا الأهواء والجدال والخصومات لأصحاب الأهواء).
(٢) رواه أبو داود (٢٥٠٤)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأحمد (٣/ ١٢٤) (١٢٢٦٨]. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في «أصول الأحكام ١/ ٢٧». وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين ص ٤٣٧.
[ ٦١٦ ]
وقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة خلق كثير (^١). وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع.
٢ - الجدال المذموم:
هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص:
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣].
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨].
_________________
(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٥) (٨٥٧٥)، والطبراني (١٠/ ٢٥٧) (10598)، والحاكم (2/ 164) واللفظ له، والبيهقي (8/ 179) (17186). وصحح إسناده ابن تيمية في «منهاج السنة» (8/ 530)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 242): رجاله رجال الصحيح، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (711).
[ ٦١٧ ]
وقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤].
وقال ﷺ: «المراء في القرآن كفر» (^١).
وقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها) (^٢).
وقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (^٣).
فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٠) (٧٩٧٦)، وابن حبان (١/ ٢٧٥) (٧٤). صححه النووي في «التبيان» (٢٠٦)، وحسنه ابن القيم في «تهذيب السنن» (١٢/ ٣٥٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٨٧)
(٢) العلم ص ١٦٤.
(٣) فتح الباري لابن حجر ١١/ ٣١٤
[ ٦١٨ ]
يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.
فالمجادلة والمناظرة لأهل البدع: فإن الأصل فيها كما تقدم عدم مجادلتهم ومناظرتهم لكن هذا الأصل له استثناء حيث ورد عن السلف أنهم ناظروا أهل البدع والأهواء، وفي شأن هذا الأمر يفصل الأمر لنا شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: "ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.
١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال:
[ ٦١٩ ]
إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم.
فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث.
أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم.
ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.
فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له
[ ٦٢٠ ]
أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله.
وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.
٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.
مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.
أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.
فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:
١ - بألفاظهم.
[ ٦٢١ ]
٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم.
وحينئذ يقال لهم الكلام إما:
أ-أن يكون في الألفاظ.
ب-وإما أن يكون في المعاني.
ج-وإما أن يكون فيهما.
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.
فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.
وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.
فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
[ ٦٢٢ ]
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).
وقال ابن عثيمين: "المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (^٢).
وقال الكرماني: "الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح" (^٣).
فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).
(٢) العلم ص ١٦٤.
(٣) فتح الباري لابن حجر ١١/ ٣١٤.
[ ٦٢٣ ]