هذا الحوضُ المورود الذي أَعطاه الله لنبيه محمد ﷺ، كما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣].
قال الإمامُ القرطبيُّ: «والصَّحيح: أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن:
أحدهما: في المَوقف قبل الصِّراط.
والثَّاني: في الجَنَّة.
وكلاهما يُسَمَّى كوثرًا» (^١).
وقد جاءت أحاديث كثيرة في وصفه؛ منها:
• عن أبي عُبيدة أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١]، فقالت: «نهرٌ أُعطيه نَبِيُّكم ﷺ؛ شاطئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّف، آنيته كَعَدد النُّجوم» (^٢).
• وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسيرُ في
_________________
(١) «التذكرة» (ص ٣٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٥).
[ ٣٨٠ ]
الجَنَّة إذ أنا بنهرٍ حافتاه قِباب الدُّرِّ المُجَوَّف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه-أو طِيبُه-مِسك أذفر» (^١).
ومن الأحاديث التي ورد فيها ذكر الحوض:
• عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (^٢).
• وقوله ﷺ للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (^٣).
قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى: «خَصَّ الله نَبيَّه ﷺ أنَّه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه اللهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فمما أعطاه في الدُّنيا الهُدى والنَّصر والتأييد وقُرَّة العَين والنَّفس وشرح الصدر، ونَعَّم قلبَه بذكرِه وحُبِّه بحيث لا يُشبه نعيمُه نعيمَ الدُّنيا البتة، وأعطاه في الآخِرَة الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ، وجعلَه أَوَّلَ مَنْ يُفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخِرَة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة، إلى غير ذلك» (^٤).
وقد حكم جمعٌ من أهل العلم بتواتر السُّنَّة في ذلك، قال ابن أبي العِزِّ: «الأحاديث الواردة في ذِكر الحوض تَبلغُ حَدَّ التواتر؛
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٨١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٩) ح ١٨٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣).
(٣) انظر صحيح البخاري كتاب الجزية، باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ البَحْرَيْنِ وَالجِزْيَةِ، وَلِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ وَالجِزْيَةُ، برقم (٣١٦٣)، ومسلم كتاب الزكاة، بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَصَبُّرِ مَنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ برقم (١٠٥٩)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (١٣٣٤٧).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، بتصرف يسير.
[ ٣٨١ ]
رَوَاها من الصَّحابة بضعٌ وثلاثون صحابياًّ، ولقد استقصى طرقَها شيخُنا عمادُ الدِّين ابنُ كثير-تَغَمَّدَه اللهُ برحمتِه في آخر «تاريخه الكبير» (^١).
وروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٢)
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص ٢٢٧).
(٢) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)
[ ٣٨٢ ]