فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (^١).
وقال ابن عبد البر بعد ذكره للخلاف الواقع بين أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي: «وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر وتقديم عمر على عثمان وتقديم عثمان على علي ﵃» (^٢)
وقال ابن الصلاح: «وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة (^٣)»
قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^٤).
وحاصل ما كان عليه أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي قبل انعقاد إجماعهم على تفضيل عثمان ثلاثة مذاهب:
_________________
(١) العقيدة الواسطية-ضمن المجموعة العلمية السعودية-ص ٨٦.
(٢) الاستيعاب -بهامش الإصابة-٣/ ٥٤.
(٣) المقدمة ص ١٩٩.
(٤) فتح الباري ٧/ ٣٤.
[ ٥٣٥ ]
الأول: تفضيل عثمان ثم علي-وكان مذهب الجمهور.
الثاني: تفضيل علي ثم عثمان-وكان قد ظهر في أهل الكوفة.
الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وكان قد ظهر في أهل المدينة.
فالمذهب الأول: هو الذي كان عليه عامة أهل السنة كما قال ابن عبد البر (^١) والخطابي (^٢)، وابن حجر (^٣) وغيرهم، وفي هؤلاء من توقف في التفضيل عند عثمان فقال بتفضيل عثمان بعد عمر وسكت على ذلك، مع اعتقاده بالتربيع بعلي، وإنما قصد بالتوقف عند عثمان الاقتداء بحدث ابن عمر المتقدم، وهم لا يقدمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، وصرح ﵀ بأن التوقف عند عثمان إنما هو عمل بحديث ابن عمر فقال: نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، على حديث ابن عمر» (^٤)
وقال ﵀: «فإن قال قائل من بعد عثمان؟ قلت: علي (^٥) وقال ﵀ لمن سأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: «أذهب إليه، ويعجبني أن أقول أبو بكر وعمر وعثمان وأسكت، وإن قال رجل: وعلي، لم أعنفه، ولا يعجبني هذا القول.
_________________
(١) الاستيعاب ٣/ ٥٤.
(٢) معالم السنن -بهامش المختصر -٧/ ١٨.
(٣) فتح الباري ٧/ ١١.
(٤) السنة للخلال ص ٣٩٧.
(٥) السنة للخلال ص ٤. ٥.
[ ٥٣٦ ]
قال ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان، ونترك أصحاب رسول الله له لا نفضل بينهم (^١) وقال ﵀: «من وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة» (^٢).
وهذا المسلك مروي عن جماعة من أئمة أهل السنة كيحيي بن معين وبشر بن الحارث ويزيد بن زريع ومحمد بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (^٣)، وسبق بيان أن ما ورد في حديث ابن عمر من السكوت عن علي متأول بأمور منها أن الإجماع المنعقد على تقديم علي بعد عثمان إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر.
وأما المذهب الثاني: وهو تفضيل علي ثم عثمان بعد أبي بكر وعمر فهو كان مذهب عامة أهل الكوفة، قال الخطابي: «ذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه-يعني عليا-على عثمان ﵄ قال: «وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة عن عبد الصمد قال: قلت لسفيان الثوري: «ما قولك في التفضيل؟ فقال: أهل السنة من أهل الكوفة يقولون: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، قلت: فما تقول أنت؟
_________________
(١) السنة للخلال ص ٤. ٥.
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٣١٣.
(٣) انظر السنة للخلال ٣٩٧، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤١٠، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٨٩، ١٣٩٢، ١٣٦٩.
[ ٥٣٧ ]
قال: أنا رجل كوفي، قال الخطابي: «قلت: وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه: «أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃» (^١)، وكما رجع سفيان الثوري رجع غيره من أهل الكوفة. كما قال ابن تيمية ﵀: «إن سفيان الثوري وطائفة من الكوفة رجحوا عليًا ثم عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره» (^٢)
وقال ابن حجر: «ذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري، ويقال إنه رجع عنه، وقال به ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده (^٣) هذا، وقد روى الخلال بسنده عن يحيي بن سعيد القطان أنه قال: «كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف» (^٤) وكان التوقف مذهب يحيى بن سعيد وقال الإمام أحمد: «بلغني أن يحيى كان يقف عند ذكر عمر» قال: «وكان يأخذه من سفيان» (^٥) يعني الثوري، فلا أدري متى كان التوقف من سفيان؟ والله أعلم.
_________________
(١) معالم السنن-بهامش المختصر -٧/ ١٨.
(٢) الفتاوي ٤/ ٤٢٦؛ وانظر منهاج السنة ٢/ ٧٣، ٧٤.
(٣) فتح الباري ٧/ ١٦ وانظر الباعث الحثيث ص ١٥٦.
(٤) السنة ٣٧/ ٣ وقال المحقق: إسناده صحيح».
(٥) رواه الخلال بسنده في السنة ص ٣٧٢، وقال المحقق وإسناده صحيح).
[ ٥٣٨ ]
وأما المذهب الثالث: وهو التوقف عن المفاضلة بينهم، فهو رواية عن مالك، ففي المدونة قال ابن القاسم: «وسألت مالكا عن خير الناس بعد نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: أبو بكر ثم قال: أو في ذلك شك؟ قال ابن القاسم: فقلت لمالك: فعلي وعثمان أيهما أفضل فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه-يعني عليا وعثمان-ويرى الكف عنهما» (^١)
وروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟ قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس» (^٢) وروى اللالكائي بسنده أن مالكا سئل عن علي وعثمان فقال: «ما أدركت أحدًا ممن يقتدى به إلا وهو يرى الكف عنهما، يريد التفضيل بينهما، فقيل له: فأبو بكر وعمر فقال: ليس في أبي بكر وعمر شك، يريد أنهما أفضل من غيرهما» (^٣)، وقد ذكر ابن تيمية أن مالكًا رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ثم علي فقال: «أما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما وهي
_________________
(١) المدونة ٦/ ٤٥١.
(٢) الانتقاء ٣٠، ٣٩.
(٣) شرح أصول الاعتقاد ٧/ ٣٦٨.
[ ٥٣٩ ]
إحدى الروايتين عن مالك» (^١)
وقال في موضع آخر: «وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان علي علي كما هو مذهب سائر الأئمة» (^٢)
وقد اعتمد ابن رشد في كلام له تقديم عثمان ثم علي في مذهب مالك وقال: «وقيل: إنه الذي رجع إليه مالك بعد أن وقف في عثمان وعلي، فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة» قال ابن رشد: «على أنه كلام محتمل للتأويل» (^٣)
وذكر السيوطي أنه قد حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبي: وهو الأصح إن شاء الله (^٤) ولعل من وافق مالكا على التوقف قبل الرجوع يكون قد رجع إلى تفضيل عثمان على علي كما رجع مالك موافقة له في الرجوع بعد موافقته في التوقف، ولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدًا
_________________
(١) منهاج السنة ٢/ ٧٣.
(٢) الفتاوي ٤/ ٤٢٦.
(٣) الجامع من المقدمات ١٧٤ وانظر حاشية المحقق رقم (٣).
(٤) تدريب الراوي ٢/ ٢٢٣، وانظر لوامع الأنوار ٢/ ٣٥٦.
[ ٥٤٠ ]
يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (^١).
وتوقف في المفاضلة بين عثمان وعلي من غير أهل المدينة يحيى بن سعيد القطان من أهل البصرة وقد استغرب عبد الرحمن بن مهدي ذلك فقال ليحيى: «بمن تقتدي في هذا وأهل البصرة ليس هذا قولهم؟!» (^٢) وذكر ابن حجر أن يحيى القطان تبع مالكا في التوقف (^٣)، ولكن قد سبق قبل قليل قول الإمام أحمد أن يحيى أخذ التوقف عن سفيان الثوري، ويحيى قد حكى هذا القول عن سفيان فقد أخرج الخلال أن يحيى بن معين قال: «قال يحيى بن سعيد: كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف، قال يحيى بن معين: «وهو رأي يحيى بن سعيد» (^٤) كأنه يشير إلى أن ذلك منه موافقة سفيان فيما رواه عنه. والله أعلم.
والحاصل أن ما روي عن أئمة السلف من تقديم علي على عثمان أو التوقف فيهما قد رجعوا عنه واستقر مذهب أهل السنة على تفضيل عثمان ثم علي.
وهذا هو المذهب الحق الذي لا يجوز العدول عنه لثبوته بالأدلة الشرعية من السنة والإجماع وسبق بيانهما من حديث ابن عمر وإجماع الصحابة على تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر وجميع ذلك ثابت صحيح كما تقدم،
_________________
(١) السنة ص ٤٠٣.
(٢) السنة للخلال ص ٣٧٢، ٣٧٣.
(٣) فتح الباري ٧/ ١٦.
(٤) السنة ص. ٣٧٣.
[ ٥٤١ ]
ولذلك قال الإمام أحمد: «كل من قدم عليًا ثم عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (^١) وكذلك قال حماد بن زيد (^٢) وروي نحو ذلك عن جماعة من الأئمة كسفيان الثوري والدارقطني وغيرهم (^٣).
حتى إن الأئمة قد تكلموا في تبديع من يقدم عليًا على عثمان على قولين (^٤).
وروي عن بعضهم أنه قال: من قدم عليًا على عثمان فعليه لعنة الله، وبعضهم قال: فهو أحمق (^٥).
_________________
(١) السنة للخلال ص ٣٩٢.
(٢) شرح أصول الاعتقاد ٧/ ١٣٧٠.
(٣) انظر السنة للخلال ٣٧٠، و٣٩٢ والفتاوى ٤/ ٤٢٢، ٤٢٦، ٤٢٨.
(٤) انظر السنة للخلال هي ٣٨٠ - ٨٣٢، والفتاوى ٤/ ٤٢٦.
(٥) انظر شرح أصول الاعتقاد ٧/ ١٣٧٠.
[ ٥٤٢ ]