قال المصنف رحمه الله تعالى:
"والإقامة فرادى".
ودليله ما ورد عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، قال إسماعيل: فذكرت لأيوب فقال: إلا الإقامة" (^١).
قال ابن بطال: "وقوله: (إلا الإقامة)، هو من قول أيوب وليس من الحديث، قال ابن القصار: وكذلك رواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبى محذورة: (أن الرسول علمه الأذان شفعا والإقامة وترا)، ومثله في رواية عبد الله بن زيد، وسعد القرظ، فإن قال الشافعي: قول أيوب: إلا الإقامة زيادة في الحديث والزيادة يجب قبولها، قيل: الزائد أولى ما لم يعارض ما هو أقوى منه، وذلك عمل أهل المدينة وإجماعهم خلف عن سلف على إفراد الإقامة، ومحال أن يذهب عليهم شيء من جهة الرسول-ﷺ-مما يجرى في اليوم والليلة خمس مرات ويعلمه غيرهم، ولو صحت زيادة أيوب وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة؛ لجاز أن يكون ذلك في وقت ما، ثم ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذى استقر الأمر عليه، ولا يجوز أن يظن بهم أنه خالفوا ولا قصدوا العناد، … " (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (جزء: ١ صفحة: ١٢٥ حديث رقم ٦٠٥)، صحيح مسلم (جزء: ٢ صفحة: ٢ حديث رقم ٣٧٨).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٣٣).
[ ٧٠٣ ]
قال الخطابي: "مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى اقصى بلاد الاسلام أن الاقامة فرادى قال الامام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى مذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله قد قامت الصلاة الا مالكا فان المشهور عنه أنه لا يكررها والله أعلم
والحكمة في افراد الاقامة وتثنية الاذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون ابلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها ولهذا قال العلماء يكون رفع الصوت في الإقامة دونه في الأذان وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة والله أعلم.
فإن قيل قد قلتم إن المختار الذي عليه الجمهور أن الإقامة إحدى عشرة كلمة منها الله أكبر الله أكبر أولًا وآخرًا وهذا تثنية. فالجواب إن هذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد" (^١). أه
وجاء تثنية الإقامة عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة" (^٢).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٧٨ - ٧٩).
(٢) رواه أبو داود في "سننه" (١/ ١٩١) برقم: (٥٠٢)، والنسائي في "المجتبى" (١/ ١٤٦) برقم: (١/ ٦٢٩)، وابن ماجه في "سننه (١/ ٤٥٥) برقم: (٧٠٩)، والترمذي في جامعه (جزء: ١ صفحة: ٢٣٤ حديث رقم ١٩٢)، هذا حديث حسن صحيح. وأبو محذورة اسمه سمرة بن معير. وقد روي عن أبي محذورة: أنه كان يفرد الإقامة. قال الشيخ الألباني: حسن صحيح.
[ ٧٠٤ ]
قال الحافظ: "وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره. انتهى، وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي. وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة، وهو حديث صححه الترمذي وغيره وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكة؛ لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح وبلالا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخا، وقد روى أبو الشيخ أن بلالا أذن بمنى ورسول الله ﷺ ثم مرتين مرتين وأقام مثل ذلك، إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها. وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر: ذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه،
[ ٧٠٥ ]
وداود بن علي، ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ذلك جائز؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال " الله أكبر " أربعا في أول الأذان ومن شاء ثنى، ومن شاء ثنى الإقامة ومن شاء أفردها إلا قوله " قد قامت الصلاة " فإن ذلك مرتان على كل حال، انتهى.
قلت: ما ذهب إليه الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من جواز إفراد الإقامة وتثنيتها هو القول الراجح المعول عليه، بل هو المتعين عندي، ولما كانت أحاديث إفراد الإقامة أصح وأثبت من أحاديث تثنيتها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين كان الأخذ بها أولى، وأما قول الشوكاني: " لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم "، ففيه نظر كما لا يخفي على المتأمل" (^١).
وقال ابن تيمية: "وأما الترجيع وتركه وتثنية التكبير وتربيعة وتثنية الإقامة وإفرادها فقد ثبت في صحيح مسلم والسنن حديث أبى محذورة الذى علمه النبي ﷺ الأذان عام فتح مكة وكان الأذان فيه وفي ولده بمكة ثبت أنه علمه الأذان والإقامة وفيه الترجيع وروى في حديثه التكبير مرتين كما في صحيح مسلم وروى أربعا كما في سنن أبى داود وغيره وفي حديثه أنه علمه الإقامة شفعًا
_________________
(١) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: (١/ ١٧٢).
[ ٧٠٦ ]
وثبت في الصحيح عن انس بن مالك قال لما كثر الناس قال تذاكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال ان يشفع الأذان ويوتر الإقامة وفي رواية للبخاري (إلا الإقامة)، وفي سنن أبى داود وغيره أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان وأمره النبي أن يلقيه على بلال فألقاه عليه وفيه التكبير أربعا بلا ترجيع.
وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي لا يكرهون شيئا من ذلك إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله لأمته.
وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالى ويعادى ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وكذلك ما يقوله بعض الأئمة ولا أحب تسميته من كراهة بعضهم للترجيع وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله وأنه كرره ليحفظه ومن كراهة من خالفهم لشفع الإقامة مع أنهم يختارون أذان أبى محذورة وهؤلاء يختارون إقامته ويكرهون أذانه وهؤلاء يختارون أذانه ويكرهون إقامته فكلاهما قولان متقابلان والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا، وإن كان أحمد وغيره من أئمة الحديث يختارون أذان بلال وإقامته لمداومته على ذلك بحضرته فهذا كما يختار بعض القراءات والتشهدات ونحو ذلك
[ ٧٠٧ ]
ومن تمام السنة في مثل هذا أن يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا في مكان وهذا في مكان لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضى إلى أن يجعل السنة بدعة والمستحب واجبا ويفضى ذلك إلى التفرق والاختلاف إذا فعل آخرون الوجه الآخر.
فيجب على المسلم ان يراعى القواعد الكلية التي فيها الاعتصام بالسنة والجماعة لا سيما في مثل صلاة الجماعة وأصح الناس طريقة في ذلك هم علماء الحديث الذين عرفوا السنة واتبعوها إذ من أئمة الفقه من اعتمد في ذلك على أحاديث ضعيفة، ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده وجعل ذلك السنة دون ما خالفه مع العلم بأن النبي قد وسع في ذلك وكل سنة
وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده إما بالكوفة وإما بالشام وإما بالمدينة وبلال لم يؤذن بعد النبي إلا قليلا وإنما أذن بالمدينة سعد القرظي مؤذن أهل قباء ، والإقامة يختار إفرادها مالك والشافعي وأحمد وهو مع ذلك يقول إن تثنيتها سنة والثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد يختارون تكرير لفظ الإقامة دون مالك والله أعلم (^١)
_________________
(١) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢٢/ ٦٥ - ٦٩).
[ ٧٠٨ ]