قال ابن قدامة ﵀: "الوتر غير واجب وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: هو واجب ".
ثم قال: "قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة، وأراد المبالغة في تأكيده لما قد ورد فيه من الأحاديث في الأمر به، والحث عليه" (^١).
عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: «الوتر ركعة من آخر الليل» (^٢).
وجاء في روض المربع: "سنة الوتر: وأقله ركعة واحدة لقوله ﷺ: "الوتر ركعة من آخر الليل". رواه مسلم. ولا يكره الوتر بها لثبوته عن عشرة من الصحابة منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃ وأكثره أي أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة يصليها مثنى مثنى أي يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة
_________________
(١) انتهى بتصرف من "المغني" (١/ ٨٢٧).
(٢) صحيح مسلم (٢/ ١٧٣ حديث رقم ١٧٩٣).
[ ٦٩٢ ]
ركعة يوتر منها بواحدة وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة هذا هو الأفضل. وله أن يسرد عشرا ثم يجلس فيتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالركعة الأخيرة ويتشهد ويسلم وإن أوتر بخمس أو سبع سردها ولم يجلس إلا في آخرها لقول أم سلمة: كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه أحمد ومسلم. وإن أوتر بتسع يسرد ثمانية ثم يجلس عقب الركعة الثامنة ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم ثم يصلي الركعة التاسعة ويتشهد ويسلم لقول عائشة: ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه وينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعناه.
وأدنى الكمال في الوتر ثلاث ركعات بسلامين فيصلي ركعتين ويسلم ثم الثالثة ويسلم لأنه أكثر عملا ويجوز أن يسردها بسلام واحد يقرأ من أوتر بثلاث في الركعة ا لأولى ب سورة سبح وفي الركعة الثانية ب سورة قل يا أيها الكافرون وفي الركعة الثالثة ب سوره الإخلاص بعد الفاتحة" (^١).
وعن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة
_________________
(١) الروض المربع شرح زاد المستقنع (١/ ٨٤).
[ ٦٩٣ ]
الليل فقال رسول الله ﵇ (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته (^١).
وعن عبد الله بن عمر قال قال النبي ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت)
قال القاسم ورأينا أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث وإن كلا لواسع أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس (^٢).
قال ابن حجر: "وروى محمد بن نصر من طريق سعيد بن الحارث أنه سأل بن عمر عن ذلك فقال إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صل ما بدا لك ثم أوتر وإلا فصل واترك على الذي كنت أوترت، ومن طريق أخرى عن بن عمر أنه سئل عن ذلك فقال أما أنا فأصلي مثنى فإذا انصرفت ركعت ركعة واحدة فقيل أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح قال ليس بذلك بأس، واستدل بقوله ﷺ (صل ركعة واحدة) على أن فصل الوتر أفضل من وصله، وتعقب بأنه ليس صريحا في الفصل فيحتمل أن يريد بقوله صل
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧ رقم ٩٤٦).
(٢) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧ رقم ٩٤٨).
[ ٦٩٤ ]
ركعة واحدة أي مضافة إلى ركعتين مما مضى.
واحتج بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز واختلفوا فيما عداه قال فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب وقد صححه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعا نحوه وإسناده على شرط الشيخين وقد صححه بن حبان والحاكم ومن طريق مقسم عن بن عباس وعائشة كراهية الوتر بثلاث وأخرجه النسائي أيضا وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر وقال لا يشبه التطوع الفريضة فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله وأما قول محمد بن نصر لم نجد عن النبي ﷺ خبرا ثابتا صريحا أنه أوتر بثلاث موصولة نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث لكن لم يبين الراوي هل هي موصولة أو مفصولة انتهى فيرد عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة أنه كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن
[ ٦٩٥ ]
وروى النسائي من حديث أبي بن كعب نحوه ولفظه يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ولا يسلم إلا في آخرهن وبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يثبتا عنده والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب أن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين وقد فعله السلف أيضا فروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير ومن طريق المسور بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن ومن طريق بن طاوس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحماد بن زيد عن أيوب مثله وروى محمد بن نصر عن بن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب وكأنهم لم يبلغهم النهى المذكور وسيأتي في هذا الباب قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث ولكن النزاع في تعين ذلك فإن الأخبار الصحيحة تأباه، قوله ﴿توتر له ما قد صلى﴾ استدل به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر وأن كل ما تقدمها شفع وادعى بعض الحنفية أن هذا إنما يشرع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر فيكتفي بواحدة لقوله فإذا خشي الصبح فيحتاج إلى دليل تعين
[ ٦٩٦ ]
الثلاث وسنذكر ما فيه من رواية القاسم الآتية واستدل به على تعين الشفع قبل الوتر وهو عن المالكية بناء على أن قوله ما قد صلى أي من النفل وحمله من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من النفل والفرض وقالوا إن سبق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة ويؤيده حديث أبي أيوب مرفوعا الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ومن شاء بثلاث ومن شاء بواحدة أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها وسيأتي في المغازي حديث عبد الله بن ثعلبة أن سعدا أوتر بركعة وسيأتي في المناقب عن معاوية أنه أوتر بركعة وأن بن عباس استصوبه وفي كل ذلك رد على بن التين في قوله إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية في ذلك وكأنه أراد فقهاءهم قوله ﴿أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته﴾ ظاهره أنه كان يصلي الوتر موصولا فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى وفي هذا دفع لقول من قال لا يصح الوتر إلا مفصولا
[ ٦٩٧ ]
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال صلى بن عمر ركعتين ثم قال يا غلام أرحل لنا ثم قام فأوتر بركعة وروى الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعله وإسناده قوي ولم يعتذر الطحاوي عنه إلا باحتمال أن يكون المراد بقوله بتسليمة أي التسليمة التي في التشهد ولا يخفي بعد هذا التأويل والله أعلم" (^١).
وعن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس
_________________
(١) فتح الباري ابن حجر (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢).
[ ٦٩٨ ]
فقال دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ" (^١).
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه: قوله "وعنده مولى لابن عباس هو كريب روى ذلك محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر له من طريق بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن كريب واخرج من طريق علي بن عبد الله بن عباس قال بت مع أبي عند معاوية فرأيته اوتر بركعة فذكرت ذلك لأبي فقال يا بني هو اعلم قوله فقال دعه فيه حذف يدل عليه السياق تقديره فأتى بن عباس فحكى له ذلك فقال له دعه وقوله دعه أي اترك القول فيه والانكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئا الا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب انه فقيه ما يؤيد ذلك ولا التفات إلى قول بن التين ان الوتر بركعة لم يقل به الفقهاء لان الذي نفاه قول الأكثر وثبت فيه عدة أحاديث نعم الأفضل ان يتقدمها شفع واقله ركعتان واختلف أيما الأفضل وصلهما بها أو فصلهما وذهب الكوفيون إلى شرطية وصلهما وان الوتر بركعة لا يجزئ وشهرة ذلك تغني عن الاطالة فيه" (^٢)
عن عائشة "أن رسول الله ﷺ-كان يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلى ركعتين خفيفتين" (^٣).
قال سمعت ابن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ-قال «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة» (^٤).
قال ابن تيمية: "والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ١٣٧٣ رقم ٣٥٥٣).
(٢) فتح الباري ابن حجر (٧/ ١٠٤).
(٣) في صحيح مسلم، (٢/ ١٦٥ حديث ١٧٥١).
(٤) صحيح مسلم (٢/ ١٧٤ حديث رقم ١٧٩٩).
[ ٦٩٩ ]
على مصلحته
ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل، بأن يسلم في الشفع، ثم يصلي ركعة الوتر، وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه.
وهذا أعدل الأقوال الثلاثة؛ فإن السلف فعلوا هذا وهذا، وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم. " (^١)
"وقالوا (^٢) أقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ثلاث فجعلوا للكمال أدنى وأعلى وكلاهما في الكمال المسنون لا المفروض" (^٣).
وقال ابن تيمية: "كذلك في (السنن الراتبة) يجعلون (^٤) الوتر ركعة واحدة وان كان قبلها شفع وهذا أصح من قول الكوفيين الذين يقولون لا وتر الا كالمغرب مع ان تجويز كليهما أصح لكن الفصل أفضل من الوصل فقولهم أرجح من قول الكوفيين مطلقا" (^٥).
وقال ابن تيمية: "وأما احتجاج ابن حزم على أن ما دون ركعتين ليس بصلاة
_________________
(١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٢) يعني الفقهاء.
(٣) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه لابن قاسم (١٩/ ٢٩١).
(٤) يعني أهل المدينة.
(٥) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه لابن قاسم (٢٠/ ٣٦٠).
[ ٧٠٠ ]
بقوله صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فهذا يرويه الأزدي عن علي بن عبد الله البارقي عن بن عمر وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن بن عمر فانهم رووا ما في الصحيحين أنه سئل عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الفجر فأوتر بواحدة ولهذا ضعف الامام أحمد وغيره من العلماء حديث البارقي ولا يقال هذه زيادة من الثقة فتكون مقبولة لوجوه
أحدها أن هذا متكلم فيه
الثاني أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور والا فاذا انفرد عن الجمهور ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره
الثالث أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه وهذا الحديث قد ذكر بن عمر أن رجلا سأل النبي عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فاذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ومعلوم أنه لو قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فاذا خفت الصبح فأوتر بواحدة لم يجز ذلك وانما يجوز اذا ذكر صلاة الليل منفردة كما ثبت في الصحيحين والسائل إنما سأله عن صلاة الليل والنبي وان كان قد يجيب عن أعم مما سئل عنه كما في حديث البحر لما قيل له إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته لكن يكون الجواب منتظما كما في هذا الحديث
[ ٧٠١ ]
وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما لأنه ذكر فيه قوله فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة وهذا ثابت في الحديث لا ريب فيه
فان قيل يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبي في مجلس آخر كلاما مبتدأ لآخر إما لهذا السائل وإما لغيره
قيل كل من روى عن ابن عمر إنما رواه هكذا فذكروا في أوله السؤال وفي آخره الوتر وليس فيه إلا صلاة الليل وهذا خالفهم فلم يذكر ما في أوله ولا ما في آخره وزاد في وسطه وليس هو من المعروفين بالحفظ والاتقان ولهذا لم يخرج حديثه أهل الصحيح البخاري ومسلم
وهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب علم أنه غلط في الحديث وإن لم يعلم ذلك أوجب ريبة قوية تمنع الاحتجاج به على إثبات مثل هذا الأصل العظيم.
ومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة وكذلك صلاة الجنازة وغيرها فعلم أن النبي لم يقصد بذلك بيان مسمى الصلاة وتحديدها فإن الحد يطرد وينعكس
فإن قيل قصد بيان ما يجوز من الصلاة
قيل ما ذكرتم جائز" (^١).
_________________
(١) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (٢١/ ٢٨٩ - ٢٩١).
[ ٧٠٢ ]