قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة".
ذكر المصنف المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها، فكل حكم من الأحكام الشرعية-وإن لم يدخل في العقيدة-تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحًا ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين.
وقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين.
وهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين.
وقال الإمام النووي: "أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها … وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم" (^١)
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٣/ ١٦٠.
[ ٦٧٧ ]
وقال ابن تيمية: "وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك" (^١)
وقال في موضع آخر "وكان سفيان يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا-أي ترك المسح على الخفين-كان شعارًا للرافضة" (^٢)
والأحاديث في المسح على الخفين متواترة خلافًا للروافض الذين أنكروا المسح على الخفين، فالعلماء يذكرون المسح على الخفين في كتب العقائد للرد على الخوارج والروافض الذين ينكرون المسح على الخفين، وكذلك غسل الرجلين في الوضوء وهم يقولون: إن الواجب مسح ظهور القدمين، فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فيمسحونها بعد تبليل أيديهم بالماء، وإذا كان عليهما الخفان وجب خلع الخفين ومسح ظهور القدمين.
حتى إن الذين نقلوا كيفية الوضوء عن النبي ﷺ قالوا: غسلًا للرجلين المكشوفتين ومسحًا للخفين، وأكثر الذين نقلوا نص الآية وهي قوله ﷿ في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٧٤.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٢٣.
[ ٦٧٨ ]
فالآية متواترة؛ لأن القرآن كله متواتر، لكن تواتر كيفية الوضوء غسلًا ومسحًا أقوى من تواتر نص الآية، وذلك أن الصحابة كلهم يتوضؤون، وكلهم شاهدوا غسل الرجلين ومسح الخفين من النبي ﷺ، ومن لم يشاهد النبي ﷺ فقد نقله عن غيره بخلاف نص الآية، فليس كل أحد يحفظ الآية فالبعض يحفظ الآية والبعض لا يحفظها، أما الوضوء فكلهم يتوضئون وليس هناك أحد لا يتوضأ، فالآية متواترة ونقل كيفية الوضوء أقوى تواترًا وأكثر عددًا من الذين نقلوا نص الآية.
قال الحافظ ابن حجر: "وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِي صِفَة وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّن لأَمْرِ اللَّه، وَلَمْ يَثْبُت عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَاف ذَلِكَ إِلا عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَأَنَس، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ الرُّجُوع عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى غَسْل الْقَدَمَيْنِ، رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور" (^١).
وأما الآية، وهي قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)] المائدة: ٦]، فإنها لا تدل على جواز مسح الرجلين، وبيان ذلك: أن في الآية قراءتين:
الأولى: (وَأَرْجُلَكُمْ) بنصب اللام، فتكون الأرجل معطوفة على الوجه،
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٣٢٠).
[ ٦٧٩ ]
والوجه مغسول، فتكون الأرجل مغسولة أيضًا، فكأن لفظ الآية في الأصل: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم) ولكن أُخِّرَ غسلُ الرجل بعد مسح الرأس للدلالة على أن ترتيب الأعضاء في الوضوء يكون على هذا النحو، غسل الوجه، ثم الأيدي، ثم مسح الرأس، ثم غسل الأرجل" (^١)
القراءة الثانية: (وَأَرْجُلِكُمْ) بكسر اللام، فتكون معطوفة على الرأس، والرأس ممسوح، فتكون الأرجل ممسوحة.
غير أن السنة بينت أن المسح إنما هو على الخفين أو الجوربين بشروط معروفة في السنة (^٢).
وبهذا يتبن أن الآية على القراءتين لا تدل على مسح الأرجل، وإنما تدل على وجوب غسل الأرجل، أو مسح الخفين لمن يلبس الخفين.
وقد ذهب بعض العلماء-على قراءة الجر-إلى أن الحكمة من ذكر المسح في حق الأرجل مع أنها مغسولة إشارة إلى أنه ينبغي الاقتصاد في استعمال الماء عند غسل الرجلين، لأن العادة الإسراف عند غسلهما، فأمرت الآية بالمسح أي بأن يكون الغسل بلا إسراف في الماء.
قال ابن قدامة: "ويحتمل أنه أراد بالمسح الغسل الخفيف. قال أبو علي
_________________
(١) انظر: "المجموع" (١/ ٤٧١).
(٢) انظر: "المجموع" (١/ ٤٥٠)، "الاختيارات" (ص ١٣).
[ ٦٨٠ ]
الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا، فيقولون: تمسحت للصلاة. أي توضأت " (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وفي ذِكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل فإن السرف يعتاد فيهما كثيرًا" (^٢)
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٨٦).
(٢) "منهاج السنة" (٤/ ١٧٤).
[ ٦٨١ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: