أشار المصنف هنا إلى حديث: «لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ» (^١).
وقد تضمن الحديث بعض شروط عقد النكاح وهي:
١ - الولي.
٢ - وشاهدين عدل.
٣ - والصداق الذي هو المهر.
ولعقد النكاح مجموعةٌ من الأركان التي لا يُنعقد إلا بها، وقد اختلف الفقهاء في عدد تلك الأركان، فمنهم من جعلها ركنًا واحدًا، ومنهم من جعلها أكثر من ذلك. ومن تلك الأركان:
صِيغَة العقد: وهو الرُّكنُ الوحيد المُجمَع عليه بين فقهاء المذاهب بما
_________________
(١) رواه الألباني، في إرواء الغليل، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٦/ ٢٦٠، مرسل ورجاله ثقات رجال مسلم.
[ ٦٥٨ ]
فيهم: أبو حنيفة، وتَتَكوَّنُ الصّيغة من الإيجاب والقَبول،
فالإيجاب: هو ما يَصدر من العاقد الأول سواء كان الزوج أو الزوجة أو وليّيهما أو وكيليهما.
والقَبول: هو ما يصدر من العاقد الثّاني كذلك وهما فيهما سواء، ويتحقّق الإيجاب والقبول باللّفظ، أي الكلام الذي به يَدلّ ويُعبّر فيه العاقد عن رغبته من إجراء العقد (^١).
المَهر أو الصَّداق: وهو رُكنٌ من أركان عقد النّكاح عند الجمهور وشرطٌ له عند الحنفيّة، والدّليل عليه القرآن والسُّنة النبوية والإجماع.
ودليله من القرآن: قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ)، [النساء، آية: ٤].
وأما السُنّة: فقول الرّسول ﵊: (الْتمسْ ولَو خاتمًا مِنْ حديدٍ) (^٢)، وذلك يَدُلُّ على اشتراطه، كما قال الرّسول ﵊: (لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ) (^٣).
_________________
(١) الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة ٢٩٤٣، جزء ٤. بتصرّف.
(٢) رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: ٥١٣٥.
(٣) رواه الألباني، في إرواء الغليل، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٦/ ٢٦٠، مرسل ورجاله ثقات رجال مسلم.
[ ٦٥٩ ]
وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على ذلك، فلا يَجوز التَّراضي على إسقاط المهر من العقد. (^١)
العاقِدان: وهما الزَّوج والزّوجة، وكلٌ منهما ركنٌ مُستقلّ بذاته، فلا ينعقد الزّواج بأحدهما فقط إلا إن وُجِد الآخر، ويُشتَرَطُ في الزّوجة أن تكون خاليةً من مَوانِع الزواج الشرعيّة، ومنها مثلًا أن تَكون مُتَزَوِّجَة بغيره، أو مُعْتَدَّة من طلاق لغيره، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو مُرتَدة، أو مَجوسية، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَمًا له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجًا بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، أو تكون مُحْرِمَةً بحجّ أو عمرة. (^٢)
الشُّهود: فلا يَنْعَقِدُ النِّكاح إلا بِحُضُور شاهدين من الرجال أو بحضور رجلٍ وامرأتين، ويشترط فيهما أن يكونا مُسلمين بالِغَين عاقِلين حُرَّيْن عَدلَين سَميعَيْن بَصيرَين عارِفَين لِسان المُتَعاقِدَيْن (^٣).
الوَلِيّ: فَلَا يَصح النِّكاح إِلَّا بولِي، لقَوْله تَعَالَى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، [البقرة، آية: ٢٣٢] وقيل إن هذه الآية سبب نزولها: (أن أختَ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ طلَّقَها زوجُها، فتَركها حتى انقَضَتْ عِدَّتُها فخطَبها، فأبَى مَعقِلٌ، فنزَلَتْ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
_________________
(١) روضة المستبين في شرح كتاب التلقين لأبي محمد القرشي (الطبعة الأولى)، صفحة ٧٤٤، جزء ١. بتصرّف.
(٢) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (الطبعة الثالثة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة ٤٣، جزء ٧. بتصرّف.
(٣) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (الطبعة الثالثة)، بيروت: المكتب الإسلامي، صفحة ٤٣، جزء ٧. بتصرّف.
[ ٦٦٠ ]
يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة، آية: ٢٣٢]). (^١) وَعَنْ عَائِشَة ﵂ أَنْ النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثًا). (^٢) فَلَا تَصِحُّ عبارَة الْمَرْأَة فِي عقد الزواج سواءً كان ذلك إِيجَابًا أم قبولًا، فَلا يجوز للمرأة البكر أن تزوّج نَفسهَا بنفسها حتى إن أذن لها الولي بذلك، وَلَا يجوز أن يزوّجها أحد غير وليها لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة. (^٣)
والوَليُّ لُغةً: هو القَريبُ، مِنَ الوَلْيِ، وهو القُربُ، ووَلِيَ الأمرَ: إذا قام به، وتولَّى الأمرَ، أي: تقَلَّدَه، وتولَّى فُلانًا: اتَّخَذه وليًّا. (^٤)
والوَليُّ اصْطِلاحًا: مَنْ له ولايةُ التصَرُّفِ في المالِ والنَّفسِ جَميعًا (^٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: "وإذا رضيت رجلًا، وكان كفئا لها، وجب علي وليها-كالأب ثم الأخ ثم العم-أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا
_________________
(١) رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن الحسن البصري، الصفحة أو الرقم: ٤٥٢٩.
(٢) رواه الإمام الشافعي، في الأم، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، الصفحة أو الرقم: ٨/ ٦١١، صحيح.
(٣) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار لأبي بكر الحسيني (الطبعة الأولى)، دمشق: دار الخير، صفحة ٢٥٦، جزء ١. بتصرّف.
(٤) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٣٢٣)، «لسان العرب» لابن منظور (١٥/ ٤٠٧، ٤١١).
(٥) المبسوط» للسرخسي (٤/ ١٩٦ (.
[ ٦٦١ ]
كان كفئًا باتفاق الأئمة وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك أو يخجلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفئا لها العداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحتهن، لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدي إلى أهلها فقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)،] النساء: ٥٨ [". (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٣٢/ ٥٢.
[ ٦٦٢ ]