وحياة الشّهداء وسائر الموتى
ورتّبه على خمسة فصول، اختصر في الفصل الأوّل الجزء الذي صنّفه الحافظ البيهقيّ في حياة الأنبياء، وزاد عليه بعض فوائد.
وتكلّم في الفصل الثّاني على حياة الشّهداء.
وفي الفصل الثّالث على سائر الموتى إلى آخر ما ذكر في بقيّة الفصول.
وجوابه أن يُقال: ليس بنا حاجة في الكلام على حياة الأنبياء والشّهداء وسائر الموتى؛ لأنّ شيخ الإسلام لم ينكر شيئًا من هذا؛ بل ذكر هو وتلميذه الحافظ ابن القيّم شيئًا من ذلك في كتبهم - كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى ـ؛ وحينئذ فيُقال للسّبكيّ: ما أردتَ بما ذكرتَه في هذا الباب؟ فإن كنتَ تريد أنّ حياة الأنبياء في قبورهم كالحياة الدّنيويّة؛ وعليه فيجوز أن يُطلب منهم الشّيء الذي كانوا يقدرون عليه في الدُّنيا؛ فهذا دونه خرط القتاد؛ لأنّنا نقول: هم أحياء بالمعنى الذي يعلمه الله - تعالى ـ، لا بالمعنى الذي نعلمه، ومع هذا؛ فنحن نعتقد أنّها حياة أعلى وأغلى وأعظم من الحياة الدّنيويّة؛ فإنّها لو كانت كحياتنا في هذا الدّار؛ لكان أقلّ النّاس أعلى منهم؛ لأنه مطلق سراحه؛ يمشي ويسافر ويمتمتّع بلذات الدُّنيا، وهم مسجونون تحت الأرض في قبورهم! فأيّ شرف هذا؟!
فإن قال السّبكيّ: أنا لا أعني هذا؛ بل أقول: هي حياة برزخيّة أعلى من الحياة الدُّنيا.
فنقول له: قد رجعتَ عمّا وضعتَ له هذا الباب؛ فإنّك قد خالفت وفرّقت بين
[ ٣٧٨ ]
الحياتين؛ فحينئذ؛ لا يُطلب منهم ما كانوا يقدرون عليه في الدُّنيا.
وأمّا الأحاديث التي وردت في هذا الباب: فالصّحيح منها مبنيّ على أنّ رؤياه ﷺ لموسى - صلوات الله عليه - وهو قائم يصلّي، وكذلك رؤياه لعيسى وموسى ويونس وهم يلبّون؛ إمّا على رؤيا المنام؛ وعليه؛ فلا إشكال، وقد اختار شيخنا محمّد جمال الدّين القاسميّ الدّمشقيّ - تغمّده الله برحمته - في «معراجه»: أنّ الإسراء والمعراج كان منامًا؛ فاستدلّ له بأحاديث، وهو مذهب عائشة أمّ المؤمنين ﵂، وإن كان الجمهور على خلافه.
وإن كانت الرّؤيا في اليقظة؛ فهو حُجّة لنا على أنّ حياة البرزخ مغايرة للحياة الدُّنيا؛ وإلَّا لما اختصّ برؤيتهم النّبيّ ﷺ وحده فقط؟! بل كان رآهم كلّ الصّحابة الذين كانوا معه ﵊. وهذ الذي ذكرناه مبنيّ على تسليم الأحاديث التي
[ ٣٧٩ ]
الرد عليه في نوع الحياة التي نثبتها للأنبياء
أوردها البيهقيّ وغيره في هذا الباب.
وعند التّحقيق: فحياة الشّهداء ثابتة بالكتاب العزيز والسُّنّة الصّحيحة، ومنكرها مكذّب بالقرآن وصحيح السُّنّة:
فمن القرآن: قوله - تعالى ـ: ﴿ولا تقولوا لمَن يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾، وقال - تعالى ـ: ﴿ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء﴾ إلى قوله: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ .
وأمّا السُّنّة: فمثل قوله ﷺ: «إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنّة كيف شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش» .
هذا ما ورد في القرآن، ولم يرد مثله في حقّ الأنبياء، وما ورد من ذلك لا يبلغ درجة هذا.
فإن قلتَ: يلزم على قولكم هذا: أنّ الشّهداء أفضل من الأنبياء.
فالجواب: أنّا لا نزيد على ما أخبر الله وصحّ عن نبيّه ﷺ، ولا نقيس الأشياء بعقولنا. وأيضًا؛ فإنّ الخصوصيّة لا تقتضي تفضيلًا. فعلى هذا؛ لا يلزمنا ما أوردتموه علينا، سيّما ونحن نقول: إنّ فضل الأنبياء على غيرهم ثابت بنصوص من الكتاب والسُّنّة، ولكن إذا خصّ الله - تعالى - أحدًا من خلقه بشيء؛ لا يلزم أن يكون أفضل من الأنبياء. ويؤيّد الذي قلناه: ما ذكره العلّامة المحقّق السّيد محمد رشيد رضا - حفظه الله - في تفسيره لهذه الآية
[ ٣٨٠ ]
ـ قوله (تعالى): ﴿ولا تقولوا لمَن يُقتل﴾ إلخ ـ؛ قال ما نصّه: «أي: لا تقولوا في شأنهم: هم أموات. وقالوا: إنّ اللّام في (لمَن) للتّعليل لا للتّبليغ. والمعنى ظاهر، والتّركيب مألوف، بل هم أحياء في عالم غير عالمكم، ولكن لا تشعرون بحياتهم؛ إذ ليس في عالم الحسّ الذي يدرك بالمشاعر. ثم لا بُدّ أن تكون هذه الحياة حياة خاصّة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم؛ ولذلك ذهب بعض النّاس [إلى] أنّ حياة الشّهداء تتعلّق بهذه الأجساد، وإن فنيت أو احترقت وأكلتها السّباع والحيتان؛ وقالوا: إنّها حياة لا نعرفها، ونحن نقول مثلهم: إنّنا لا نعرفها، ونزيد: أنّنا لا نثبت ما لا نعرف.
وقال بعضهم: إنّها حياة يجعل الله بها الرّوح في جسم آخر يتمتّع به ويرزق. ورووا في هذا روايات؛ منها: الحديث الذي أشار إليه المفسّر الجلال؛ وهو أنّ أرواح الشّهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنّة كيف شاءت.
وقيل: إنّها حياة الذّكر الحسن والثّناء بعد الموت.
وقيل: إنّ المراد بالموت والحياة: الضّلال والهدى؛ روي هذا عن الأصمّ. أي: لا تقولوا: إنّ باذل روحه في سبيل الله ضالّ؛ بل هو مهتدٍ.
[وقيل: إنّها حياة روحانيّة محضة] .
وقيل: إنّ المراد: أنّهم سيحيون في الآخرة، وأنّ الموت ليس عدمًا محضًا كما يزعم بعض المشركين؛ فالآية عند هؤلاء على حدّ: ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم * وإنّ الفجّار في جحيم﴾؛ أي: [إنّ] مصيرهم إلى ذلك.
[ ٣٨١ ]
قال الأستاذ الإمام - بعد ذكر الخلاف ـ: وقال بعض العلماء الباحثين في الرّوح: إنّ الرّوح إنّما تقوم بجسم [لطيف] أثيري [في صورة هذا الجسم المركّب الذي يكون عليه الإنسان في الدُّنيا، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري] تجول الرّوح في هذا الجسم الماديّ، فإذا مات المرء وخرجت روحه؛ فإنّما تخرج بالجسم الأثيري، وتبقى معه، وهو جسم لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتحلّل، وأمّا هذا الجسم المحسوس فإنّه يتحلّل ويتبدّل في كل عدّة سنين.
قال: ويقرب هذا القول من مذهب المالكيّة؛ فقد رُوي عن مالك - رحمه الله تعالى - أنّه قال: إنّ الرّوح صورة كالسجد؛ أي: لها صورة، وما الصّورة إلَّا عرض، وجوهر هذا العرض هو الذي سمّاه العلماء بالأثير، وإذا كان من خواص الأثير النّفوذ في الأجسام اللّطيفة والكثيفة - كما يقولون ـ، حتى إنّه هو الذي ينقل النّور من الشّمس إلى طبقة الهواء؛ فلا مانع أن تتعلّق به الرّوح المطلقة في الآخرة، ثم هو يحلّ بها جسمًا آخر تنعم به وترزق، سواء كان جسم طير أو غيره، وقد قال - تعالى - في آية أخرى: ﴿بل أحياء عند ربّهم يُرزَقون﴾ . وهذا القول يقرّب معنى الآية من العلم.
والمعتمد عند الأستاذ الإمام في هذه الحياة: هو أنّها حياة غيبيّة، تمتاز بها أرواح الشّهداء على سائر أرواح النّاس، بها يُرزقون وينعمون، ولكنّنا لا نعرف حقيقتها، ولا حقيقة الرّزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك؛ لأنّه من عالم الغيب الذي نؤمن به، ونفوّض الأمر فيه إلى الله [تعالى] .
[ ٣٨٢ ]
ذكر الله - تعالى - فضل الشّهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدّعوة إلى الحقّ والدّفاع عنه» . انتهى.
فإذا عرفتَ ما قاله العلماء في حياة الشّهداء التي ثبتت بالكتاب والسُّنّة، وأنّها ليست كحياتنا؛ علمتَ قطعًا [بطلان] ما بنى عليه السّبكيّ من جواز سؤال الميّت ما كان يقدر عليه في الدُّنيا - لأنّه حيّ في قبره حياة حقيقيّة ـ.
ثم يُقال له: فهل كان الصّحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعلمون ذلك أم لا؟ فإن كانوا يعلمونه؛ فلِمَ لم يُنقل لنا بإسناد صحيح عن أحد منهم أنّه كان يأتي إلى القبر المعظّم، ويسأل منه ﷺ ما كان يسأله منه في الدُّنيا ويستغيثه ويشاوره، مع علمه أنّه يسمعه ويقدر على إجابته وقضاء حوائجه؟! بل كانوا يأتون إلى القبر الشّريف ويسلّمون عليه ثم ينصرفون. وإن كانوا لا يعلمون ذلك؛ فمَن أين أتى للسّبكيّ أنّ هذه الحياة حياة حقيقيّة يقدر معها على التّصرّف التّامّ؟!
فقد علمتَ - بما قرّرناه - أن السّبكيّ لا حُجّة له بما أورده في هذا الباب على مقصوده من جواز الاستغاثة بالمخلوق الميّت أو الغائب.
وأمّا التّوسّل بالأنبياء والصّالحين في حياتهم وبعد مماتهم؛ فهو جائز - كما قدّمناه ـ؛ وقد عرفتَ الفرق بين التّوسّل والاستغاثة.
وللإمام الحافظ ابن القيّم كلام نفيس ذكره في نونيّته المسمّاة بـ «الكافية الشّافية في الانتصار لأهل الفرقة النّاجية»؛ يتعلّق بما نحن فيه؛ أردنا أن نختم به الكلام على هذا الباب؛ قال - رحمه الله تعالى - ما نصّه:
[ ٣٨٣ ]
نقل من نونية ابن القيم بحياة الأنبياء
فصل
في الكلام على حياة الأنبياء في قبورهم
ولأجل هذا رام ناصر قولكم ترقيعه يا كثرة الخلقانِ
قال الرسول بقبره حيّ كما قد كان فوق الأرض والرجمانِ
من فوقه أطياق ذاك الترب واللبنـ ـات قد عرضت على الجدرانِ
أو كان حيًّا في الضّريح حياته قبل الممات بغير ما فرقانِ
ما كان تحت الأرض بل [من] فوقها والله هذي سنة الرّحمنِ
أتراه تحت الأرض حيًّا ثم لا يفتيهم بشرائع الإيمانِ
ويريح أمته من الآراء والخلف العظيم وسائر البهتانِ
أم كان حيًّا عاجزًا عن نطقه وعن الجواب لسائل لهفانِ
وعن الحراك فما الحياة اللّات قد أثبتموها أوضحها ببيانِ
* * *
[ ٣٨٤ ]
مراد السبكي من القول بحياة الأنبياء في قبورهم.
هذا ولم لا جاءه أصحابه يشكون بأس الفاجر الفتانِ
إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم حيّ يشاهدهم شهود عيانِ
هل جاءكم أثر بأن صحابه سألوه فتيا وهو في الأكفانِ
فأجابهم بجواب حيّ ناطق فأتوا إذًا بالحقّ والبرهانِ
هلا أجابهم جوابًا شافيًا إن كان حيًّا ناطقًا بلسانِ
هذا وما شدت ركائبه عـ ـن الحجرات للقاصي من البلدانِ
مع شدة الحرص العظيم له على إرشادهم بطرائق التّبيانِ
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ويكون للتبيان ذا كتمانِ
إن قلتم سبق البيان صدقتم قد كان بالتكرار ذا احسانِ
* * *
هذا وكم من أمر أشكل بعده أعنى على علماء كل زمانِ
أو ما ترى الفاروق ود بأنه قد كان منه العهد ذا تبيانِ
بالجد في ميراثه وكلالة وببعض أبواب الربا الفتانِ
قد قصّر الفاروق عند فريقكم إذ لم يسله وهو في الأكفانِ
أتراهم يأتون حول ضريحه لسؤال أمهم أعز حصانِ
[ ٣٨٥ ]
ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ ـمعهم ولا يأتي لهم ببيانِ
أفكان يعجز أن يجيب بقوله إن كان حيًّا داخل البنيانِ
يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ ـوث بالقرآن والرحمنِ
والله لا قدر الرسول عرفتم كلا ولا للنفس والإنسانِ
من كان هذا القدر مبلغ علمه فليستتر بالصمت والكتمانِ
* * *
ولقد أبان الله أن رسوله ميت كما قد جاء في القرآنِ
أفجاء أن الله باعثه لنا في القبر قبل قيامة الأبدانِ
أثلاث موتات تكون لرسله ولغيرهم من خلقه موتانِ
إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ في الأرض حيًّا قط بالبرهانِ
أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا مات الورى أم هل لكم قولانِ
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ ـوا بالدليل فنحن ذو أذهانِ
أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ صوات حول القبر بالنكرانِ
لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ميتا كحرمته لدى الحيوانِ
[ ٣٨٦ ]
فصل: فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور
قد كان يمكنهم يقولوا أنه حي فغضوا الصوت بالإحسانِ
لكنهم بالله أعلم منكم ورسوله وحقائق الايمانِ
ولقد أتوا إلى العباس يستـ ـقون من قحط وجدب زمانِ
هذا وبينهم وبين نبيهم عرض الجدار وحجرة النسوانِ
فنبيهم حي ويستسقون غـ ـير نبيهم حاشا أولي الايمانِ
فصل
فيما احتّجوا على حياة الرّسل في القبور
فإن احتججتم بالشهيد بأنه حيّ كما قد جاء في القرآنِ
والرسل أكمل حالة منه بلا شك وهذا ظاهر التبيانِ
فلذاك كانوا بالحياة أحق من شهدائنا بالعقل والبرهانِ
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ فنساؤه في عصمة وصيانِ
ولأجل هذا لم يحل لغيره منهن واحدة مدى الأزمانِ
أفليس في هذا دليل أنه حيّ لمن كانت له أذنانِ
أو لم ير المختار موسى قائمًا في قبره لصلاة ذي القربانِ
أفميت يأتي الصلاة وإن ذا عين المحال وواضح البطلانِ
أو لم يقل أني أرد على الذي يأتي بتسليم مع الإحسانِ
أيرد ميت السلام على الذي يأتي به هذا من البهتانِ
هذا وقد جاء الحديث بأنهم أحياء في الأجداث ذا تبيانِ
[ ٣٨٧ ]
فصل: الجواب عما احتجوا به
وبأن أعمال العباد عليه تعـ ـرض دائمًا في جمعة يومانِ
يوم الخميس ويوم الاثنين الذي قد خص بالفضل العظيم الشأنِ
فصل
في الجواب عمّا احتجّوا به في هذه المسألة
فيقال: أصل دليلكم في ذاك حجتنا عليكم وهي ذات تبيانِ
إن الشهيد حياته منصوصة لا بالقياس القائم الأركانِ
هذا مع النهي المؤكد أننا ندعوه ميتًا ذاك في القرآنِ
ونساؤه حل لنا من بعده والمال مقسوم على السهمانِ
[ ٣٨٨ ]
هذا وأن الأرض تأكل لحمه وسباعها مع أمة الديدانِ
لكنه مع ذلك حيّ فارح مستبشر بكرامة الرحمنِ
فالرسل أولى بالحياة لديه مع موت الجسوم وهذه الأبدانِ
وهي الطرية في التراب وأكلها فهو الحرام عليه بالبرهانِ
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا أيضًا وقد وجدوه رأي عيانِ
فانظر الى قلب الدّليل عليهم حرفًا بحرف ظاهر التبيانِ
لكن رسول الله خص نساؤه بخصيصة عن سائر النّسوانِ
خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ـترن الرّسول لصحة الايمانِ
شكر الإله لهنّ ذلك وربنا سبحانه للعبد ذو شكرانِ
قصر الرسول على أولئك رحمة منه بهن وشكر ذي الاحسانِ
وكذاك أيضًا قصرهن عليه معـ ـلوم بلا شك ولا حسبانِ
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ ـرى يقينًا واضح البرهانِ
فلذا حرمن على سواه بعده إذ ذاك صون عن فراش ثانِ
لكن أتين بعدة شرعية فيها الحداد وملزم الأوطانِ
[ ٣٨٩ ]
* * *
هذا ورؤيته الكليم مصليًا في قبره أثر عظيم الشانِ
في القلب منه حسيكة هل قاله فالحق ما قد قال ذو البرهانِ
ولذاك أعرض في الصحيح محمّد عنه على عمد بلا نسيانِ
والدّارقطني الإمام أعلّه برواية معلومة التبيانِ
أنس يقول رأي الكليم مصليًا في قبره فأعجب لذا الفرقانِ
فرواه موقوفا عليه وليس بالـ ـمرفوع واشوقًا على العرفانِ
بين السياق الى السياق تفاوت لا تطرحه فما هما سيانِ
لكن تقلد مسلمًا وسواه ممـ ـن صحّ هذا عنده ببيانِ
فرواته الأثبات أعلام الهدى حفاظ هذا الدين في الأزمانِ
لكن هذا ليس مختصًّا به والله ذو فضل وذو إحسانِ
فروى ابن حبان الصدوق وغيره خبرًا صحيحًا عنده ذا شانِ
فيه صلاة العصر في قبر الذي قد مات وهو محقق الايمانِ
[ ٣٩٠ ]
فتمثل الشمس الذي قد كان ير عاها لأجل صلاة ذي القربانِ
عند الغروب يخاف فوت صلاته فيقول للملكين هل تدعاني
حتى أصلي العصر قبل فواتها قالا ستفعل ذاك بعد الآنِ
هذا مع الموت المحقق لا الذي حكيت لنا بثبوته القولانِ
* * *
هذا وثابت البنانيّ قد دع الرّ حمن دعوة صادق الايقانِ
أن لا يزال مصليًا في قبره إن كان أعطى ذاك من إنسانِ
* * *
لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ـراج فوق جميع ذي الأكوانِ
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم والقطع موجبة بلا نكرانِ
ولذاك ظن معارضا لصلاته في قبره اذ ليس يجتمعانِ
وأجيب عنه بأنه أسرى به ليراه ثم مشاهدًا بعيانِ
فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا بتناقض إذ أمكن الوقتانِ
هذا ورد نبيّنا التّسليم من يأتي بتسليم مع الإحسانِ
[ ٣٩١ ]
ما ذاك مختصًّا به أيضًا كما قد قاله المبعوث بالقرآنِ
من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ـليم عليه وهو ذو إيمانِ
رد الإله عليه حقًّا روحه حتى يرد عليه رد بيانِ
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم لما يصح وظاهر النكرانِ
[ ٣٩٢ ]
نوع الحياة التي نثبتها للأنبياء
فانظر إلى الإسناد تعرف حاله إن كنت ذا علم بهذا الشأنِ
* * *
هذا ونحن نقول هم أحياء لـ ـكن عندنا كحياة ذي الأبدانِ
والترب تحتهم وفوق رؤوسهم وعن الشمائل ثم عن أيمانِ
مثل الذي قد قلتوه معاذنا بالله من إفك ومن بهتانِ
بل عند ربهم تعالى مثل ما قد قال في الشهداء في القرآنِ
لكن حياتهم أجل وحالهم أعلى وأكمل عند ذي الإحسانِ
* * *
هذا وأما عرض أعمال العبا د عليه فهو الحق ذو إمكانِ
وأتى به أثر فإن صح الحـ ـديث به فحق ليس ذا نكرانِ
لكن هذا ليس مختصًّا به أيضا بآثار روين حسانِ
فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه وعلى أقاربه مع الإخوانِ
ان كان سعيًا صالحًا فرحوا به واستبشروا يا لذة الفرحانِ
أو كان سعيًا سيّئًا حزنوا وقا لوا ربّ راجعه إلى الإحسانِ
ولذا استعاذ من الصحابة من روى هذا الحديث عقيبه بلسانِ
يا ربّ إني عائذ من خزية أخزي بها عند القريب الداني
[ ٣٩٣ ]
عرض الأعمال على رسول الله - ﷺ - وعلى الأقارب
ذاك الشهيد المرتضى ابن روا حة المحبوّ بالغفران والرضوانِ
[ ٣٩٤ ]
أمور الغيب لا تعلم إلا بالنصوص
لكن هذا ذو اختصاص والذي للمصطفى ما يعمل الثقلانِ
* * *
هذي نهايات لأقدام الورى في ذا المقام الضنك صعب الشانِ
والحق فيه ليس تحمله عقو ل بني الزمان لغلظة الأذهانِ
ولجهلهم بالروح مع أحكامها وصفاتها للألف بالأبدانِ
فارض الذي رضي الإله لهم به أتريد تنقض حكمة الديانِ
هل في عقولهم بأن الروح في أعلى الرفيق مقيمة بجنانِ
وترد أوقات السلام عليه من أتباعه في سائر الأزمانِ
وكذاك إن زرت القبور مسلمًا ردت لهم أرواحهم للآنِ
فهم يردون السلام عليك لـ ـكن لست تسمعه بذي الأذنانِ
هذا وأجواف الطيور الخضر مسكنها لدى الجنات والرضوانِ
من ليس يحمل عقله هذا فلا تظلمه واعذره على النكرانِ
للروح شأن غير ذي الأجسام لا تهمله شأن الروح أعجب شانِ
[ ٣٩٥ ]
الأرواح مخلوقة.
القبوريون يزعمون خروج أوليائهم من القبور وقضاءهم لحوائج الناس
وهو الذي حار الورى فيه فلم يعرفه غير الفرد في الأزمانِ
هذا وأمر فوق ذا لو قلته بادرت بالإنكار والعدوانِ
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ذاك الرفيق جريت في الميدانِ
هذا وقولي أنها مخلوقة وحدوثها المعلوم بالبرهانِ
هذا وقولي أنها ليست كما قد قال أهل الإفك والبهتانِ
لا داخل فينا ولا هي خارج عنا كما قالوه في الديانِ
والله لا الرحمن أثبتم ولا أرواحكم يا مدعي العرفانِ
عطلتم الأبدان من أرواحها والعرش عطّلتم من الرحمنِ
انتهى ما أردتُ نقله من هذا الكتاب بحروفه. وهو وحده كافٍ لردّ [ما أ] ورده السّبكيّ وغيره في هذا الباب.
قلتُ: وقد توسّع بعض الغلاة في حياة الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - والشّهداء - رضي الله تعالى عنهم ـ؛ ولم يقصر الحياة على ما ذكره؛ بل قال بحياة الأولياء في قبورهم، وأنّهم يخرجون منها فيقضون للنّاس المستغيثين بهم حوائجهم ثم يعودون!
انظر - إن شئتَ الوقوف على هذا - في حاشية الشّيخ إبراهيم الباجوريّ على «جوهرة التّوحيد» للقاني، عند قوله:
وأثبتن للأولياء الكرامة
[ ٣٩٦ ]
وقد عزى ذلك إلى الشّيخ عبد الوهّاب الشّعرانيّ. ولو أردنا ذكر جميع ما قيل من هذا القبيل؛ لطال الكتاب بما لا فائدة فيه. فنسأله - تعالى - العافية مما ابتلى كثيرًا من خلقه، آمين.
ثم إنّ الإمام السّبكيّ ذكر بعد هذا الباب بابًا آخر - وهم المتمّم لعشرة أبواب ـ؛ فقال:
[ ٣٩٧ ]