اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لما يُرضيهِ منَ القولِ والنِّيةِ والعملِ، وأعاذنا وإيَّاكَ منَ الزَّيغِ والزَّللِ - أنَّ صالحَ السَّلفِ، وخيارَ الخلفِ، وسادةَ الأئمَّةِ، وعلماءَ الأمَّةِ، اتفقَتْ أقوالُهمْ، وتَطابقَتْ آراؤهُمْ عَلَى أنَّ اللهَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ، ونعوتِ الجلالِ، التي جاءَ بِهَا الكتابُ والسنَّةُ؛ يُثبتونَ للهِ مَا أثبتهُ لنفسهِ المقدَّسةِ، وما وصفهُ بِهِ رسولُهُ ﷺ، مِنْ غيرِ تَمثيلٍ، وَلاَ تَعطيلٍ، ومِنْ غيرِ تَكييفٍ، وَلاَ تَشبيهٍ؛ ولا يَبتدِعونَ للهِ وصفًا لم يَرِدْ بِهِ كتابٌ وَلاَ سُنَّةٌ.
فإنَّ اللهَ تَعَالَى: أعظمُ، وأَجَلُّ، وأكبرُ، وأعلى، وأكملُ فِي صدورِ أوليائهِ المؤمنينَ، منْ أنْ يَتجاسَرُوا عَلَى وصفهِ، ونعتهِ، بمجرَّدِ عقولهمْ وآرائهمْ، وخيالاتِ أوهامهم. فَهُمْ كما يقولُ ابنُ القيِّم ﵀:
وَكَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ وَعَبْدِه فِي قَلْبهِ أعْلى وَأَكْبَرُ شَانِ
مِنْ أنْ يُحَرَّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَنْ يُقْضَى لَهُ بِالعَزْلِ عَنْ إيقَانِ (١)
فآمَنُوا بما قالَ اللهُ سبحانهُ في كتابهِ، وصحَّ عنْ نبيِّهِ، وأمَرُّوهُ كما وَرَدَ منْ غيرِ تعرُّضٍ لكيفيَّةٍ، أو اعتقادِ شبهةٍ أو مِثْلِيَّةٍ، أو تأويلٍ يؤدِّي إلى تعطيلٍ (٢)، ووَسِعَتْهُمُ السنَّةُ المحمَّديةُ، والطريقةُ المرضيَّةُ، ولم يَتعدَّوها إلى البدعةِ المُرْدِيَةِ الرَّدِيَّة، فحازُوا بذلكَ الرُّتبةَ السَّنِيَّةَ، والمنزلةَ العَلِيَّةَ (٣).
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٨١ - ١٨٢).
(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٧٨ - ٨٢).
(٣) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٨٠).
[ ٤ ]
ومِنَ الصِّفاتِ العظيمةِ الثابتةِ فِي الكتابِ والسنَّةِ: «صفةُ العلوِّ والفوقيَّة»، والأدلَّةُ على إثباتها كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ، هذا أوانُ سَرْدِهَا فَألْقِ سَمْعَكَ، وَأحْضِرْ قلبَكَ، وتأمَّلْهَا تأمُّلَ طالبٍ للحقِّ لا نافرٍ عنهُ، وكنُْ مِنَ الذينَ يستمعونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسنَهُ، وإيَّاكَ وسوءَ الظنِّ بكلامِ اللهِ وكلامِ رسولهِ فذلكَ الهَلَكَةُ، وما ضلَّ مَنْ ضلَّ، وهلكَ منْ هلكَ، إلَّا لسوءِ ظنِّهِ بالكتابِ والسنَّةِ. واللهُ المستعانُ وعليهِ التُّكلانُ، ولاَ حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ (١).
أحدُها:
التَّصريحُ بالفوقيَّةِ مقرونًا بأداة «مِنْ» المعيِّنةِ للفوقيَّةِ بالذَّاتِ.
قال اللهُ ﷾: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: فأعْلمَنا الجليلُ جلَّ وعلا في هذهِ الآيةِ أنَّ ربَّنا فوقَ ملائكتهِ، وفوقَ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ مِنْ دَابَّةٍ، وأَعْلَمَنا أنَّ ملائكتَهُ يخافونَ ربَّهم الذي فوقهم (٢).
الثاني:
ذِكْرُها مُجَرَّدَةً عَنِ الأداةِ.
قال اللهُ ﷾: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
وعن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: لمَّا حكمَ سعدُ بنُ معاذٍ في بني قُرَيْظَةَ أنْ يُقتلَ منْ جَرَتْ عليهِ المُوسُ، وأنْ تُقْسَمَ أموالُهم وذَراريهِم، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «لقدْ حَكَمَ فيهمُ اليومَ بحُكْمِ اللهِ الذي حَكمَ بهِ مِنْ فوقِ سبعِ سماواتٍ» (٣).
_________________
(١) معارج القبول (١/ ٣٠٦).
(٢) التوحيد (ص١١١) لابن خزيمة.
(٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٦٢ - ٦٣) (٨٢٢٣) وغيره، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٤٥).
[ ٥ ]
الثالثُ:
التَّصريحُ بالعروجِ إليهِ ﷾.
قالَ الله ﷾: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقالَ ﷿: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٣ - ٤].
قالَ مجاهدٌ ﵀: يقالُ: ذي المعارجِ: الملائكةُ تعرجُ إلى الله (١).
وقالَ الطبريُّ ﵀: يقولُ تعالى ذكرهُ: تصعدُ الملائكةُ والرُّوحُ - وهوَ جبريلُ ﵇ - إليهِ يعني: إلى الله جلَّ وعزَّ، والهاءُ في قولهِ «إليهِ» عائدةٌ على اسمِ اللهِ (٢).
وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِم - فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٣).
قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: وفي الخبرِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ اللهَ ﷿ في السَّماءِ، وأنَّ الملائكةَ تصعدُ إليهِ مِنَ الدُّنيا، لاَ كمَا زعمتِ الجَهْمِيَّةُ (٤) المُعَطِّلَةُ (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣/ ٤٢٦) تعليقًا مجزومًا به.
(٢) جامع البيان (م١٤/ج٢٩/ص٨٧).
(٣) رواه البخاري (٥٥٥) و(٣٢٢٣) و(٧٤٢٩) و(٧٤٨٦)، ومسلم (٦٣٢).
(٤) قال الحافظُ الذهبيُّ في «تاريخ الاسلام» (ص٦٨)، حوادث ووفيات ١٢١هـ ١٤٠هـ: «كان الناسُ في عافيةٍ وسلامةِ فطرةٍ حتى نَبغَ جهمٌ فتكلَّمَ في الباري تعالى وفي صفاته بخلافِ ما أَتَتْ به الرسلُ، وأُنزلت به الكتبُ، نسألُ اللهَ السلامةَ في الدِّينِ».
(٥) التوحيد (ص٣٨١) لابن خزيمة.
[ ٦ ]
الرابعُ:
التَّصْرِيحُ بالصُّعودِ إليهِ ﷾.
قالَ اللهُ ﷾: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
قالَ الطبريُّ ﵀: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: إلى اللهِ يَصْعَدُ ذِكْرُ العبدِ إيَّاهُ وثناؤهُ عليهِ» (١).
وقالَ صدِّيق حسن خان ﵀ - في الآيةِ -: وفيهِ دليلٌ على علوِّهِ تعالى فوقَ الخلقِ وكونِه بائنًا عنهُ بذاتهِ الكريمةِ، كما تدلُّ لهُ الآياتُ الأخرى الصَّريحةُ والأحاديثُ المستفيضةُ الصَّحيحةُ (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀:
وإلَيْهِ يَصْعَدُ كُلُّ قَولٍ طَيِّبٍ وإلَيهِ يُرْفَعُ سَعْيُ ذِي الشُّكْرَانِ (٣)
وتَأَمَّلِ الأحاديثَ التاليةَ:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (٤).
فلِلَّهِ ما أَحْلَى هذا اللَّفْظَ وأوجزَهُ وأَدَلَّهُ على علوِّ اللهِ ﷾.
٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» (٥).
_________________
(١) جامع البيان (م١٢/ج٢٢/ص١٤٤).
(٢) فتح البيان (١١/ ٢٢٧).
(٣) الكافية الشافية (ص٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤).
(٥) رواه الترمذي (٤٧٨)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٣٩٦).
[ ٧ ]
٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (١).
٤ - عَنْ رِفَاعَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ثمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَقَالَ رِفاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «كيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَقَد ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلاَثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا» (٢).
_________________
(١) رواه النسائي (٢٣٥٧)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٢٢٢١).
(٢) رواه أبو داود (٧٧٠)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٧٠٠).
[ ٨ ]
٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: « واتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١).
٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ (٢)، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (٣).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كُشِفَ الحِجَا بُ لأحْرَقَ السُّبُحَاتُ للأكْوَانِ (٤)
فإذا كانتْ سُبُحَاتُ وجْههِ الأعْلى لا يقومُ لها شيءٌ منْ خلقهِ، ولو كشفَ حجابُ النُّورِ تلكَ السُّبحات، لاحْترقَ العالمُ العلويُّ والسفْليُّ، فمَا الظنُّ بجلالِ ذلكَ الوجهِ الكريمِ وعظمتهِ وكبريائهِ وكمالهِ وجلالهِ؟! (٥).
_________________
(١) قطعة من حديث رواه البخاري (١٤٩٦) و(٢٤٤٨)، ومسلم (١٩).
(٢) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ: هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: «رَأَيْتُ نُورًا». وفي رواية: «نُورٌ أَنَّى أَراهُ» رواه مسلم (١٧٩). قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ في «شرح الطحاوية» (١/ ٢٢٤): فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: «رأيت نورًا» أنَّه رأى الحجاب، ومعنى قوله: «نُورٌ أَنَّى أَراهُ»: النور هو الحجابُ يمنعُ من رؤيته، فأَنّى أراه: أي: فكيفَ أراه والنورُ حجابٌ بيني وبينه يمنعُني من رؤيته!
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٣).
(٤) الكافية الشافية (ص٢٤٩).
(٥) الصواعق (ص١٠٨٣).
[ ٩ ]
٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ للهِ ﵎ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يملؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ ﷿ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لاَ، أَيْ رَبِّ! قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١).
هذا حديثٌ صحيحٌ جليلُ القدْرِ وكثيرُ الفائدةِ، وهوَ حسنُ الألفاظِ لطيفُ المعاني، و«فيهِ إثباتُ جهةِ العلوِّ والفوقِ، للهِ تعالى» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٨٩).
(٢) السراج الوهاج (١٠/ ٥٦٧).
[ ١٠ ]
٨ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إذا مكثَ المنيُّ في الرَّحِمِ أربعينَ ليلةً، أتاهُ مَلَكُ النُّفوسِ، فعَرَجَ بهِ إلى الرَّبِّ في رَاحتهِ، فيقولُ: أَيْ ربِّ! عبدُكَ هذا ذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي اللهُ إليه ما هو قاضٍ، ثمَّ يقول: أَيْ ربِّ! أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيكتبُ بين عينَيْهِ ما هُوَ لاقٍ» وتلا أبو ذرٍّ منْ فاتحةِ التغابنِ خمسَ آياتٍ (١).
الخامسُ:
التَّصْرِيحُ برفعهِ بعضَ المخلوقاتِ إليهِ ﷾.
قالَ اللهُ ﷾: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقالَ ﷿: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
السادسُ:
التَّصْرِيحُ بالعلوِّ المطلقِ الدَّالِّ على جميعِ مراتبِ العلوِّ، ذاتًا وقَدْرًا وقَهْرًا.
قالَ ﷾: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *﴾ [الرعد: ٩]. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١]. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: تعالى: الذي هوَ دالٌّ على كمالِ العلوِّ ونهايتِهِ (٢).
وفسَّرَ الطبريُّ (العليَّ): بالعلوِّ والارتفاعِ (٣).
وقالَ ابنُ خُزيمةَ ﵀: الأعلى: مفهومٌ في اللُّغةِ أنَّهُ أعلى كلِّ شيءٍ، وفوقَ كلِّ شيءٍ. والله قدْ وصفَ نفسهُ في غيرِ موضعٍ منْ تنزيلهِ، وأَعْلَمَنا أنَّهُ العليُّ العظيمُ. أفليسَ العليُّ - يا ذوي الحِجَى - ما يكونُ عاليًا؟! (٤).
_________________
(١) رواه الدّارميُّ في «الرد على الجهمية» (٩٤)، وابن جرير (٢٦٤٨٩) بسند صحيح.
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١) [مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة، الطبعة الأولى].
(٣) جامع البيان (م٣/ج٢/ص١٩) و(م١٣/ج٢٥/ص٥٩).
(٤) التوحيد (ص١١٢).
[ ١١ ]
قال ابنُ القيِّم ﵀:
ولهُ العلوُّ من الوجوهِ جميعِها ذاتًا وقهرًا مع عُلوِّ الشَّانِ
لكنْ نُفَاةُ عُلُوِّهِ سَلَبُوهُ إكـ ـمالَ العلوِّ فصارَ ذا نُقْصَانِ
حَاشَاهُ من إفكِ النُّفَاةِ وسَلْبِهِم فلَهُ الكمالُ المطلقُ الرَّبَّاني (١)
فعلوُّ الذَّاتِ: هو أنَّه مستوٍ على عرشهِ، فوقَ جميعِ خلقهِ، مباينٌ لهم، وهوَ معَ هذا مطَّلِعٌ على أحوالِهم، مُشَاهِدٌ لهم، مُدَبِّرٌ لأمورهم الظَّاهرةِ والباطنةِ، مُتَكَلِّمٌ بأحكامهِ القدريَّةِ وتدبيراتهِ الكونيَّةِ وبأحكامهِ الشَّرْعيَّةِ.
وأمَّا علوُّ القَدْرِ: فهو أنَّ صفاتَهُ كلَّها صفاتُ كمالٍ، ولهُ منْ كلِّ وصفٍ ونعتٍ أكملُهُ وغايتُهُ.
وأمَّا علوُّ القَهْرِ: فهوَ قهرهُ تعالى لجميعِ المخلوقاتِ، فالعالمُ العلويُّ والسُّفليُّ كلُّهم خاضعونَ لعظمتهِ مفتقرونَ إليهِ في كلِّ شؤونهم (٢).
السابعُ:
التَّصريحُ بتنزيلِ الكتابِ منهُ ﷾.
قالَ اللهُ ﷿: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *﴾ [الزمر: ١]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *﴾ [فصلت: ٢]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [السجدة: ٢]. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *﴾ [غافر: ٢]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الواقعة: ٨٠]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢].
وأفادَ كونهُ تنزيلًا مِنْ ربِّ العالمينَ مطلوبَينِ عظيمينِ مِنْ أَجَلِّ مطالبِ الدِّينِ:
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٠٤).
(٢) توضيح الكافية الشافية (ص١٨٠ - ١٨١)، طبعة أضواء السلف.
[ ١٢ ]
(أحدُهما): أنَّهُ المتكلِّمُ، وأنَّهُ منهُ نزلَ، ومنهُ بدأ وَهُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ.
(والثاني): علوُّ اللهِ سبْحَانَهُ فَوْقَ خلقهِ، فإنَّ النزولَ والتنزيلَ الذِي تعقلهُ العقولُ، وتعرفهُ الفِطَرُ: هُوَ وصولُ الشيءِ مِنْ أعلى إِلَى أسفلَ. والرَّبُّ تَعَالَى إنَّما يخاطِبُ عبادَهُ بِمَا تعرِفُهُ فِطَرُهُم، وتَشْهَدُ بِهِ عقولُهم.
قال ابنُ القيِّم ﵀:
واللهُ أخبرَنَا بأنَّ كتابَهُ تنزيلُه بالحقِّ والبُرهَانِ
أيكونُ تنزيلًا وليسَ كلامَ مَنْ فوقَ العبادِ أذاكَ ذو إمْكَانِ
أيكونُ تنزيلًا من الرَّحمنِ والرَّ حمنُ لَيسَ مباينَ الأَكوَانِ (١)
الثامنُ:
التَّصْرِيحُ باختصاصِ بعضِ المخلوقاتِ بأنَّهَا عندهُ، وأنَّ بعضَها أقربُ إليهِ منْ بعضٍ.
قال ﷾: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ *﴾ [الأنبياء: ١٩]. ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ *﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٠٩ - ١١٠).
[ ١٣ ]
فدلَّتْ هذهِ الآيةُ على أنَّ الذينَ عندهُ همْ قريبونَ إليهِ و«لو كانَ موجبُ العنديةِ معنًى عامًا، كدخولهمْ تحتَ قدرتهِ ومشيئتهِ وأمثالِ ذلكَ: لكانَ كلُّ مخلوقٍ عندهُ؛ ولم يكنْ أحدٌ مستكبرًا عنْ عبادتهِ، بلْ مسبِّحًا لهُ ساجدًا، وقدْ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وهوَ سبحانهُ وصفَ الملائكةَ بذلكَ ردًّا على الكفَّارِ المستكبرينَ عنْ عبادتهِ» (١).
قال ابنُ القيِّم ﵀:
لَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَه فَوقَ الوَرَى كَانُوا جَمِيعًا عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ
وَيَكُونُ عِنْدَ اللهِ إبْليسُ وَجِبـ ـرِيلُ هُمَا في العِنْد مُسْتَوِيَانِ (٢)
وقالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *﴾ [آل عمران: ١٦٩].
قَالَ مَسْرُوقٌ ﵀: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *﴾ [آل عمران: ١٦٩]. قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ - يَعْنِي: النَبِيَّ ﷺ -: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُم اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟» (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٢) الكافية الشافية (ص١١٢).
(٣) رواه مسلم (١٨٨٧).
[ ١٤ ]
وقالَ ابنُ خُزيمةَ ﵀: فكلُّ منْ لهُ فهمٌ بلغةِ العربِ، يعلمُ أنَّ اطِّلاعَهُ إلى الشَّيءِ لا يكونُ إلَّا مِنْ أعلى إلى أسفلَ. ولو كانَ كما زعمَتِ الجهميَّةُ أنَّ اللهَ مَعَ الإنسانِ وأسفلُ منهُ، وفي الأرضِ السابعةِ السفلى كما هوَ في السَّماءِ السَّابعةِ، لمْ يكنْ لقولهِ: «فَيَطَّلِعُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاعَةً» معنًى (١).
وَتَدبَّرِ الأحاديثَ التاليةَ:
١ - عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأولَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» (٢).
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٣).
٣ - عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «لا تزولُ قَدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ مِنْ عِنْدِ ربِّهِ حتَّى يُسألَ عنْ خمسٍ: عنْ عُمُرهِ فيمَ أفناهُ، وعنْ شبابهِ فِيمَ أبلاهُ، ومالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفِيمَ أَنْفَقَهُ، وماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ» (٤).
_________________
(١) التوحيد (ص٣٨١).
(٢) رواه مسلم (٤٣٠).
(٣) رواه مسلم (٢٧٠٠).
(٤) رواه الترمذي (٢٤١٦)، وحسنه الألباني ﵀ في «صحيح سنن الترمذي» (١٩٦٩).
[ ١٥ ]
٤ - عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُني الليلةَ وأنا نائمٌ، كأنِّي أصلِّي خلفَ شجرةٍ، فسجَدَتُ فسجدتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتُها وهي تقولُ: «اللَّهمَّ اكتُبْ لي بها عندكَ أجْرًا، وضَعْ عنِّي بها وِزْرًا، واجْعَلْها لي عندكَ ذُخْرًا، وتَقَبَّلْها منِّي كما تَقَبَّلْتَها منْ عبدِكَ داودَ» (١).
٥ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهُ ﷺ يقولُ: «كانَ رَجُلاَنِ في بني إسرائيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فكانَ أحدُهمَا يُذْنِبُ، والآخرُ مجتهد في العبادةِ، فكانَ لا يزالُ المجتهدُ يرى الآخَرَ على الذَّنْبِ فيقولُ: أَقْصِر. فوجَدَهُ يومًا على ذنبٍ فقالَ لهُ: أَقْصِرْ. فقالَ خَلِّني ورَبِّي أَبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟ فقالَ: واللهِ! لا يغفرُ اللهُ لكَ - أو لا يُدْخِلُكَ اللهُ الجنَّةَ! - فقبضَ أرواحَهُما، فاجْتَمَعا عندَ رَبِّ العالمينَ، فقالَ لهذا المجتهدِ: أَكنتَ بي عالِمًا، أو كنتَ عَلَى ما فِي يَدَيَّ قادرًا؟ وقالَ للمُذنبِ: اذْهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ بِرحمتي، وقالَ للآخَرِ: اذْهَبُوا بهِ إلى النَّارِ». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلَّم بكلمة أَوْبَقَتْ دنياه وآخرتَه (٢).
_________________
(١) رواه الترمذي (٥٨٤)، وحسّنه الألباني ﵀ في «صحيح سنن الترمذي» (٤٧٣).
(٢) رواهُ أبو داود (٤٩٠١)، وصححهُ المحدث الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٩٧).
[ ١٦ ]
٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ جَلاَلِ اللهِ مِمَّا تَذْكُرُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ لَيَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرنَّ بِصَاحِبِهَنَّ. أَفلاَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِندَ اللهِ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟!» (١).
فانظرْ ما تضمَّنه هذا الكلامُ الوجيزُ البليغُ المشتملُ على هذا المعنى العظيمِ الجليلِ الذي لا يجدُ سامعُهُ مَغْمَزًا لهُ ولا مَطْعَنًا فيهِ ولا تَشْكِيكًا ولا سُؤالًا يوردهُ عليهِ، بلْ يأخذُ بقلبهِ وسمعهِ (٢).
٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (٣).
قالَ ابنُ خزيمة ﵀: فالخبرُ دالٌّ على أنَّ ربَّنا جلَّ وعلا فوقَ عرشهِ الذي كتابهُ - أنَّ رحمتهُ غلبتْ غضبهُ - عندهُ (٤).
وقالَ صدِّيق حسن خان ﵀: وهذا يَدُلُّ على العِنْدِيَّةِ والعلوِّ والفَوْقِيَّةِ. ونحنُ نُؤْمنُ بهِ، بلا كيفٍ ولا تمثيلٍ، ولا نُنْكِرُه، ولا نُؤَوِّلُهُ كأهلِ الكلامِ. وهذا هوَ سبيلُ السَّلفِ في مسائلِ الصِّفاتِ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٠٣) وصححه على شرط مسلم. ووافقه الذهبيُّ. وصححه المحدِّث الألباني ﵀ في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٠٧١).
(٢) الصواعق (ص٤٨٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٩٤) و(٧٤٠٤) و(٧٤٢٢) و(٧٤٥٣) و(٧٥٥٣) و(٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١).
(٤) التوحيد (ص١٠٥).
[ ١٧ ]
والحديثُ: دليلٌ على سبقِ الرحمةِ وغلبتهَا على الغضبِ والسُّخطِ. وهذا هو اللائقُ بشأنِ أرحمِ الراحمينَ. ولولا ذلكَ لكنَّا جميعًا خاسرينَ هالكينَ. نعوذُ بالله منْ غضبِ الله ونتوبُ إليهِ منْ سخطهِ. ونرجو رحمتَه وكَرَمَه وفضلَهُ ولُطْفَهُ. وما أحقَّهُ بذلكَ (١).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَاذْكُرْ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحِ تَضَمَّنَتْ كَلِمَاتُهُ تَكْذِيبَ ذِي البُهْتَانِ
لَمَّا قَضَى الله الخَلِيقَةَ ربُّنَا كَتَبتْ يَدَاهُ كِتَابَ ذِي الإِحْسَانِ
وَكِتَابُهُ هُوَ عِنْدَهُ وَضْعٌ عَلى الـ ـعَرْشِ المجِيدِ الثَّابِتِ الأرْكَانِ
إنِّي أنَا الرَّحمنُ تَسْبِقُ رَحْمَتِي غَضَبِي وَذَاكَ لرأفتِي وَحَنَانِي (٢).
قالَ الشيخُ الغنيمانُ حفظهُ الرحمنُ: والحقُّ أنَّ قولَهُ: «عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ» على ظاهرهِ، وأنَّ كلَّ تأويلٍ لهُ عنْ ظاهرهِ، تبديلٌ للمعنى الذي أرادهُ رسولُ الله ﷺ، ونحنُ نؤمنُ إيمانًا يقينًا قاطعًا وكلُّ المؤمنينَ أنَّ الرسولَ أحرصُ على عقيدةِ المسلمينَ، وعلى تنزيهِ الله - تعالى - منْ هؤلاءِ المحرِّفينَ لكلامهِ. وهوَ كذلكَ أقدرُ على البيانِ والإيضاحِ منهم، وهوَ كذلكَ أعلمُ بالله، وما يجبُ لهُ وما يمتنعُ عليهِ منْ هؤلاءِ المُتَخَبِّطِينَ.
فهذا كتابٌ خاصٌّ، وضعَهُ عندهُ فوقَ عرشهِ، مُثبتًا فيهِ ما ذكرَ، لزيادةِ الاهتمامِ به، ولا ينافي ذلكَ أنْ يكونَ مكتوبًا أيضًا فى اللَّوحِ المحفوظِ. وهوَ كتابٌ حقيقةً، كتبهُ - تعالى - كما ذكرَ لنَا رسولُنا حقيقةً، وهو عندَ الله حقيقةً، فوقَ عرشِهِ حقيقةً (٣).
_________________
(١) السراج الوهاج (١١/ ٦٢ - ٦٣).
(٢) الكافية الشافية (ص١٤٢).
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣٩١).
[ ١٨ ]
التَّاسِعُ:
التَّصريحُ بأنَّهُ تعالى في السَّماءِ.
قالَ اللهُ ﷾: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].
والمرادُ بقولهِ ﷿: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]: اللهُ ﷿ (١)، لقولهِ ﷾: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]، ولقولهِ ﷿: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ *﴾ [النحل: ٤٥].
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَلَقَدْ أتَى فِي سُورَةِ المُلْكِ التِي تُنْجِي لِقَارِئِهَا مِنَ النِّيرَانِ
نَصَّانِ أنَّ الله فَوْقَ سَمَائِهِ عِنْدَ المُحرِّفِ مَا هُمَا نَصَّانِ (٢)
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: وقولهُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *﴾ [الملك: ١٦]، منْ تَوَهَّم أنَّ مقتضى هذهِ الآيةِ أنْ يكونَ اللهُ في داخلِ السَّمواتِ فهو جاهلٌ بالاتِّفاقِ، وإنْ كنَّا إذا قلنَا: إنَّ الشَّمسَ والقمرَ في السَّماءِ يقتضي ذلكَ، فإنَّ حرفَ «في» متعلِّقٌ بما قبلهُ وما بعدهُ فهو بحسبِ المضافِ والمضافِ إليهِ.
فلو قالَ قائلٌ: العرشُ في السَّماءِ أمْ في الأرضِ؟ لقيلَ: في السَّماءِ. ولو قيلَ: الجنَّةُ في السَّماءِ أمْ في الأرضِ؟ لقيلِ: الجنَّةُ في السَّماءِ، ولا يلزمُ منْ ذلكَ أنْ يكونَ العرشُ داخلَ السَّمواتِ بلْ ولا الجنَّةِ.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ٧)، طبعة دار الفكر - بيروت.
(٢) الكافية الشافية (ص١٤٠).
[ ١٩ ]
فهذهِ الجنَّةُ سَقْفُها الذي هوَ العرشُ فوقَ الأفلاكِ مع أنَّ الجنَّةَ في السَّماءِ، والسَّماءُ يُرادُ بهِ العُلُوُّ.
ولمَّا كانَ قَدِ استقرَّ في نفوسِ المُخاطَبينَ أنَّ اللهَ هوَ العليُّ الأعلى وأنَّهُ فوقَ كلِّ شيءٍ كانَ المفهومُ منْ قولهِ: «مَنْ فِي السَّماءِ»، أنَّهُ في العُلُوِّ وأنَّهُ فوقَ كُلِّ شيءٍ.
وإذا قيلَ: «العلوُّ» فإنَّهُ يتناولُ ما فوقَ المخلوقاتِ كلِّهَا، فمَا فوقهَا كلِّهَا هو في السَّماءِ، ولا يقتضي هذا أنْ يكونَ هناكَ ظرفٌ وجوديٌّ يحيطُ بهِ، إذْ ليسَ فوقَ العالَمِ شيءٌ موجودٌ إلَّا اللهُ، كمَا لو قيلَ: إنَّ العرشَ في السَّماء فإنَّهُ لا يقتضي أنْ يكونَ العرشُ في شيءٍ آخرَ موجودٍ مخلوقٍ.
وإذا قُدِّرَ أنَّ السَّماءَ المرادُ بها الأفلاكُ، كانَ المرادُ أنَّهُ عليهَا كما قالَ: ﴿وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]. ويقالُ: فلانٌ في الجبلِ وفي السَّطحِ، وإنْ كانَ على أعلى شيءٍ فيهِ (١).
قال الحافظُ الذهبيُّ ﵀: وكونهُ - ﷿ - في السماءِ متواترٌ عنْ رسولِ الله ﷺ تواترًا لفظيًا، فَمِنْ ذلكَ (٢):
_________________
(١) الرسالة التدمرية (ص٨٥ - ٨٩)، تحقيق محمد بن عودة السعوي.
(٢) الأربعين في صفات ربِّ العالمين (ص٥٣ - ٥٤) للذهبي، طبعة مكتبة العلوم والحكم - المدينة النبوية - الأولى.
[ ٢٠ ]
١ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ. فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلاَ أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا». فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ» (١).
قالَ الشيخُ الهرَّاسُ ﵀: هذا حديثٌ يَتَأَلَّقُ نَصَاعَةً ووضوحًا وهو صاعقةٌ على رؤوسِ أهلِ التَّعطيلِ. فهذا رجلٌ أخطأ في حقِّ جاريتهِ بضربها فأرادَ أنْ يكفِّرَ عنْ خطيئتهِ بعتقهَا، فاستمهلهُ الرسولُ ﷺ حتَّى يمتحنَ إيمانَها، فكانَ السؤالُ الذي اختارهُ لهذا الامتحانِ هوَ (أينَ الله؟) ولمَّا أجابتْ بأنَّهُ في السَّماءِ، رضيَ جوابَها وشهدَ لها بالإيمانِ، ولوْ أنَّكَ قلتَ لمعطِّلٍ: أينَ الله؟ لحكمَ عليكَ بالكفرانِ (٢).
ويُستفادُ منْ حديثِ الجاريةِ ما يلي:
أولًا: شَرعيَّةُ قولِ المسلمِ: أينَ الله؟ (٣). ومَنْ أجهلُ جهلًا، وأَسْخَفُ عقلًا، وأَضَلُّ سبيلًا، ممَّن يقولُ: إنَّهُ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: أينَ الله!! بعدَ تصريحِ صاحبِ الشَّريعةِ بقولهِ: «أينَ اللهُ؟!» (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧).
(٢) تعليقات الشيخ الهراس على كتاب «التوحيد» لابن خزيمة، (ص١٢١ - ١٢٢).
(٣) العلو (١/ ٣٣٢) للحافظ الذهبي، تحقيق: الشيخ عبد الله بن صالح البراك.
(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٨٩)، للحافظ: تقي الدين عبد الغني المقدسي.
[ ٢١ ]
ثانيًا: شَرعيَّةُ قولِ المسؤولِ: في السَّماءِ. فأقَرَّ النبيُّ ﷺ الجاريةَ على ذلكَ، فلو كانَ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الله في السَّمَاء، لبيَّنَ لها النبيُّ ﷺ، لأنَّهُ لا يجوزُ لهُ الإقرارُ على الخطأ، لا سيَّما وكانَ ذلكَ بحضورِ جماعةٍ مِنَ النَّاسِ (١).
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: والنبيُّ ﷺ مُنَزَّهٌ أنْ يَسألَ سؤالًا فاسدًا، وسمعَ الجوابَ عنْ ذلكَ، وهوَ مُنَزَّهٌ أنْ يُقِرَّ على جوابٍ فاسدٍ (٢).
ثالثًا: وفيهِ دليلٌ على أنَّ مَنْ لمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ ﷿ في السَّماءِ فليسَ بمؤمنٍ. ألا ترى أنَّ رسولَ الله ﷺ حكمَ بإيمانِ الجاريةِ لمَّا أقرَّتْ بأنَّ ربَّهَا في السَّمَاء، وَعَرفَتْ ربَّهَا بصفةِ العلوِّ والفوقيَّةِ (٣).
رابعًا: وفيهِ دليلٌ على أنَّ اللهَ ﷿ على عرشهِ فوقَ السَّماءِ (٤).
_________________
(١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدريّة الأشرار (٢/ ٦٢٤)، للعلاّمة: يحيى بن أبي الخير العمراني.
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣١٥).
(٣) انظر: الرد على الجهمية (ص٣٩)، للدارمي.
(٤) انظر: الإبانة (ص٧٦)، وعقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٣٠)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٥).
[ ٢٢ ]
وقالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ - في معنى حديثِ الجاريةِ -: وأمَّا قولهُ في هذا الحديثِ للجاريةِ: «أينَ الله؟»، فعلى ذلكَ جماعةُ أهلِ السنَّةِ، وهمْ أهلُ الحديثِ، ورواتهُ المتفقِّهونَ فيهِ، وسائرُ نقلتهِ، كلُّهم يقولُ مَا قَالَ الله تعالى فِي كتابهِ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وأنَّ الله ﷿ فِي السَّمَاء وعلمهُ في كلِّ مكانٍ، وهوَ ظاهرُ القرآنِ في قولهِ ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وبقولهِ ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقولهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ .. وليسَ في الحديثِ معنًى يُشْكِلُ غيرُ ما وصفنَا.
ولمْ يَزَلِ المسلمونَ إذا دَهَمَهُم أمرٌ يُقلقهم فَزَعوا إلى ربِّهم، فرفَعُوا أيديَهم وأَوْجُهَهُم نحوَ السَّمَاءِ يدعونَهُ، ومخالفونَا ينسبونَا في ذلكَ إلى التَّشبيهِ، واللهُ المستعانُ. ومَنْ قالَ بما نطقَ بهِ القرآنُ، فلا عيبَ عليهِ عندَ ذوي الألبابِ (١).
وقالَ شيخُ الاسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: والجاريةُ التي قالَ لها النبيُّ ﷺ: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّماءِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». وإنَّما أخبرتْ عَنِ الفطرةِ التي فطرهَا الله تعالى عليهَا، وأقرَّها النبيُّ ﷺ على ذلكَ، وشهدَ لها بالإيمانِ. فليتأمَّلِ العاقلُ ذلكَ يَجِدهُ هاديًا لهُ على معرفةِ ربِّهِ، والإقرارِ بهِ كما ينبغي، لا ما أَحْدَثَهُ المتعمِّقونَ والمتشدِّقونَ ممَّنْ سوَّلَ لهمُ الشيطانُ وأمْلَى لهم (٢).
_________________
(١) الاستذكار (٢٣/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٦٢).
[ ٢٣ ]
وقالَ ﵀: والجاريةُ لمَّا قالَ لهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قالتْ: «فِي السَّمَاءِ»، إنَّما أرادت العُلُوَّ مع عدمِ تَخْصِيصِهِ بالأجسامِ المخلوقةِ وحُلُولِهِ فيهَا (١).
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ! مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» (٢).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَاذْكُرْ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحِ وفيه تَحْـ ـذِيرٌ لِذَاتِ البَعْلِ مِنْ هِجْرَانِ
مِنْ سُخْطِ رَبٍّ في السَّمَاءِ عَلَى التِي هَجَرَتْ بِلاَ ذَنْبٍ وَلاَ عُدْوَانِ (٣)
وقالَ العلامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: وفي هذا الحديثِ دليلٌ صريحٌ لما ذهبَ إليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ وسلفُ الأمَّةِ منْ أنَّ الله ﷿ في السماءِ هو نفسهُ جلَّ وعلا، فوقَ عرشهِ، فوقَ سبعِ سمواتٍ، وليسَ المرادُ بقولهِ: «في السماءِ» أي ملكهُ في السَّماءِ، بلْ هذا تحريفٌ للكَلِمِ عنْ مواضعهِ.
وتحريفُ الكَلِمِ عنْ مواضعهِ منْ صفاتِ اليهودِ والعياذُ بالله، الذينَ حرَّفوا التوراةَ عنْ مواضعهَا وعمَّا أرادَ الله بهَا، فإنَّ مُلْكَ الله ﷾ في السماءِ وفي الأرضِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩] (٤).
٣ - عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ! يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!» (٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٣).
(٢) رواه مسلم (١٤٣٦).
(٣) الكافية الشافية (ص١٤٥).
(٤) شرح رياض الصالحين (٥/ ١٦٥).
(٥) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤).
[ ٢٤ ]
فتأمَّل هذا البرهانَ الباهرَ بهذا اللَّفظِ الوجيزِ البيِّنِ (١) الدَّالِّ على عُلُوِّ اللهِ ﷾.
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلاَئِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا، قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان. فَلاَ يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلاَنٌ. فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ. فَلاَ يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ ﷿» (٢).
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀ تعليقًا على هذا الحديثِ: قولُهُ: «فِيهَا اللهُ»، بمنزلةِ قولهِ تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *﴾ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]. وبمنزلةِ ما ثبتَ في الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لجاريةِ معاويةَ بنِ الحكمِ: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ.
_________________
(١) الصواعق (ص٤٦٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٤)، وابن ماجه (٤٢٦٢) وقال البُوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١٤٥١): «إسناد صحيح، رجاله ثقات». وصححه المحدِّث الألباني ﵀ في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٣٧).
[ ٢٥ ]
وليسَ المرادُ بذلكَ: أنَّ السَّمَاءَ تَحْصُرُ الرَّبَّ وتحويهِ، كما تحوي الشَّمسَ والقمرَ وغيرَهُما، فإنَّ هذا لا يقولهُ مسلمٌ، ولا يعتقدهُ عاقلٌ - فقدْ قالَ ﷾: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والسَّماواتُ في الكرسيِّ كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ في أرضِ فَلاةٍ، والكرسيُّ في العرشِ كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ في أرضِ فَلاةٍ، والرَّبُّ سبحانهُ فوقَ سمواتهِ، على عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ، ليسَ في مخلوقاتهِ شيءٌ منْ ذاتهِ، ولا في ذاتهِ شيءٌ منْ مخلوقاتهِ - بلْ معنى ذلكَ: أنَّه فوقَ السَّماواتِ، وعليهَا، بائنٌ مِنَ المخلوقاتِ، كمَا أخبرَ في كتابهِ عنْ نفسهِ أنَّهُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وقالَ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وقالَ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. وأمثالُ ذلكَ في الكتابِ والسنَّةِ (١).
٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (٢).
فإنَّ المرادَ بقولهِ: «يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، هو اللهُ ﷾ وهوَ أرحمُ الرَّاحمينَ لقولهِ ﷺ: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرحمهُ اللهُ ﷿» (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢).
(٢) رواه الترمذي (١٩٢٤)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن الترمذي» (١٥٦٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٢٣١٩).
[ ٢٦ ]
فإنْ قالَ قائلٌ: فقدْ جاءَ الحديثُ بلفظِ: «ارحَمُوا أهلَ الأرضِ يرحَمْكُم أهلُ السَّماءِ» (١).
والجوابُ أنْ يقالَ: الروايةُ الأولى أولى بالصَّوابِ كمَا قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في «الإمتاعِ» (ص٦٦). وقالَ في معنى الحديثِ:
إنَّ مَنْ يرحَمْ مَنْ في الأرضِ قد آنَ أنْ يرحمَهُ مَنْ في السَّمَا
فارحَمِ الخَلْقَ جميعًا إنَّما يَرْحَمُ الرَّحْمَنُ فينا الرُّحَمَا
العاشرُ:
شهادَتُهُ ﷺ التي هيَ أصدقُ شهادةٍ عند اللهِ وملائكتِهِ وجميعِ المؤمنينَ لمنْ قالَ: «إنَّ ربَّهُ في السَّماءِ» بالإيمانِ، وشهدَ عليهِ أفراخُ جهمٍ بالكفرِ.
وصرَّحَ الشَّافعيُّ بأنَّ هذا الذي وصفتهُ منْ أنَّ ربَّهَا في السَّماءِ إيمانٌ، فقالَ في كتابهِ (٢) في «بابِ عتقِ الرقبةِ المؤمنةِ»، وذكرَ حديثَ الأمةِ السَّوداءِ التي سوَّدتْ وجوهَ الجهميَّةِ، وبيَّضتْ وجوهَ المحمَّديَّةِ، فلمَّا وصفتِ الإيمانَ قالَ: «أَعْتِقْهَا فإنَّهَا مُؤمِنَةٌ»، وهي إنَّمَا وصفتْ كونَ ربِّهَا في السَّماءِ، وأنَّ محمَّدًا عبدهُ ورسولهُ، فَقَرَنَتْ بينهما في الذِّكرِ، فجعلَ الصَّادقُ المصدوقُ مجموعَهُما هو الإيمانُ (٣).
قالَ شيخُ الاسلامِ الصَّابونيُّ ﵀: وإنَّما احتجَّ الشَّافعيُّ - رحمةُ الله عليهِ - على المخالفينَ بهذا الخبرِ لاعتقادهِ أنَّ اللهَ سبحانهُ فوقَ خلقهِ وفوقَ سبعِ سمواتهِ على عرشهِ كمَا هوَ معتقدُ المسلمينَ أَهلِ السنَّةِ والجماعةِ سلفِهِم وخَلَفِهِم، إذْ كانَ ﵀ لا يروي خبرًا صحيحًا لا يقولُ بهِ (٤).
_________________
(١) رواه أحمد في «المسند» (٢/ ١٦٠) (٦٤٩٤) - بترقيم أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح. راجع: «السلسلة الصحيحة» (٩٢٥).
(٢) الأم (٥/ ٢٩٨).
(٣) إعلام الموقعين (٢/ ٣١٦).
(٤) عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٤٣).
[ ٢٧ ]
وقال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمدٍ التيميُّ ﵀: فحكمَ النبيُّ ﷺ بإيمانها حينَ قالتْ: إنَّ اللهَ في السماءِ، وتحكمُ الجهميَّةُ بكفرِ منْ يقولُ ذلكَ (١).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَاذْكُرْ شَهَادَتَهُ لِمَنْ قَدْ قَالَ رَبـ ـي فِي السّمَا بحَقِيقَةِ الإيمَانِ
وَشَهَادَةَ العَدْلِ المعَطِّل للذِي قَدْ قَالَ ذَا بِحَقِيقَةِ الكُفْرَانِ
وَاحْكُمْ بأيِّهِمَا تَشَاءُ وإنَّنِي لأَراكَ تَقْبَلُ شَاهِدَ البُطْلاَنِ
إنْ كُنْتَ مِنْ أتْبَاعِ جَهْمٍ صَاحِب التَّـ ـعْطِيلِ والبُهْتَانِ وَالعُدْوَانِ (٢)
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٥).
(٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص١٤٣).
[ ٢٨ ]
التصريح بالاستواء على العرش
الحادي عَشَرَ:
التَّصريحُ بالاستواءِ مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرشِ - الذي هو أعلى المخلوقاتِ وأنْزَهِهَا وأطْهَرِهَا وأنْوَرِهَا وأشْرَفِهَا ذاتًا وقَدْرًا وأوسَعِهَا - مصاحبًا في الأكثرِ لأداةِ «ثمَّ» الدَّالَّةِ على الترتيبِ والمهلةِ.
قالَ ﷾ - ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حديثًا؟ -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] (١).
وقالَ ﷾ في وصفِ كتابهِ العزيزِ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماواتِ العُلَى * الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٤ - ٥].
_________________
(١) قال ابنُ القيِّم ﵀ في «مدارج السالكين» (١/ ٤٢ - ٤٣): «الرحمنُ: الذي الرحمةُ وصفُه. والرحيمُ: الراحمُ لعباده. ولهذا يقولُ تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، ولم يجىء رحمنٌ بعباده، ولا رحمنٌ بالمؤمنين، مع ما في اسم «الرحمن» الذي هو على وزن فَعْلاَن من سعة هذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوف به. ألا ترى أنَّهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا، ونَدْمَان وحَيْران وسَكْران ولَهْفان لمن مُلىء بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول. ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرًا فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأنَّ العرش محيط بالمخلوقات، وقد وسعها. والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات. فلذلك وسعت رحمته كلَّ شيء. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمَّا قضَى اللهُ الخلقَ كتبَ في كتابٍ، فهو عنده موضوعٌ على العرشِ. إنّ رحمَتِي تَغْلِبُ غَضِبي». فتأمَّلِ اختصاصَ هذا الكتابِ بذكرِ الرحمةِ، ووَضْعَهُ عنده على العرشِ، وطابِقْ بين ذلك وبين قوله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، يَنْفَتِحْ لك بابٌ عظيمٌ من معرفةِ الربِّ ﵎».
[ ٢٩ ]
وقدْ فسَّرَ الطبريُّ ﵀ الاستواءَ: بالعلوِّ والارتفاعِ (١).
وقالَ مجاهدٌ ﵀: «استوى: عَلاَ على العرشِ» (٢).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ: كنتُ عندَ ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن فسألهُ رجلٌ فقالَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، كيفَ استوى؟ فقالَ: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، الكيفُ غيرُ معقولٍ، ومِنَ الله الرسالةُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّصديقُ» (٣).
وقالَ رجلٌ للإمامِ مالكٍ: يا أبا عبدِ الله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، كيفَ استوى؟ قالَ: «الكيفُ غيرُ معقولٍ، الاستواءُ منهُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ، وإنِّي أخافُ أنْ تكونَ ضَالًّا، وأمرَ بهِ فأُخرج» (٤).
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «هذا ثابتٌ عنْ مالكٍ، وهوَ قولُ أهلِ السنَّةِ قاطبةً: أنَّ كيفيَّةَ الاستواءِ لا نَعْقِلُهَا، بلْ نَجْهَلُهَا، وأنَّ استواءَهُ معلومٌ كمَا أخبرَ في كتابهِ، وأنَّهُ كمَا يليقُ بهِ، لا نتعمَّقُ ولا نَتَحَذْلَقُ، ولا نخوضُ في لوازمِ ذلكَ نفيًا ولا إثباتًا، بلْ نسكتُ ونقفُ كما وقفَ السَّلفُ، ونعلمُ أنَّهُ لو كانَ لهُ تأويلٌ لبادرَ إلى بيانهِ الصَّحابةُ، والتَّابعونُ، ولما وسعهم إقرارهُ وإمرارهُ والسُّكوتُ عنهُ، ونعلمُ يقينًا مَعَ ذلكَ أنَّ اللهَ ﷻ لا مِثْلَ لهُ في صفاتهِ، ولا في استوائهِ، ولا في نزولهِ، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا» (٥).
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١/ ١٩١).
(٢) أخرجه البخاري (١٣/ ٤١٤) معلَّقًا، وصحح إسناده ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٤٥٥).
(٣) أخرجه الذهبي في «العلو» (ص٩١١)، وصححه.
(٤) أخرجه الذهبي في «العلو» (ص٩٥٤) وقال: «هذا ثابتٌ عن مالك».
(٥) العلو (ص٩٥٤).
[ ٣٠ ]
وقالَ بِشْر بنُ عمر ﵀ (٢٠٧هـ): «سمعتُ غيرَ واحدٍ منَ المفسِّرينَ يقولونَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، على العرشِ ارتفع» (١).
وقالَ يزيدُ بنُ هارون ﵀ (٢٠٦هـ) وقيلَ لهُ: مَنِ الجهميَّةُ؟ قالَ: «منْ زعمَ أنَّ ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] على خلافِ ما يَقِرُ في قلوبِ العامَّةِ فهوَ جهميٌّ» (٢).
قالَ الإمامُ الذهبيُّ ﵀ معقِّبًا: «(يَقِرُ): مخففٌ، و(العامَّةُ): مرادهُ بهم جمهورُ الأمَّةِ وأهلُ العلمِ، والذي وقرَ في قلوبهم مِنَ الآيةِ هوَ ما دلَّ عليهِ الخطابُ معَ يقينهم بأنَّ المستوي ليسَ كمثلهِ شيءٌ. هذا الذي وقرَ في فِطَرِهِم السَّليمةِ، وأذهانهم الصَّحيحةِ، ولوْ كانَ له معنًى وراءَ ذلكَ، لَتَفَوَّهُوا بهِ ولما أهملوهُ، ولو تأوَّلَ أحدٌ منهم الاستواءَ، لتوفَّرتِ الهِمَمُ على نقلهِ، ولو نُقِلَ لاشتهرَ. فإنْ كانَ في بعضِ جَهَلَةِ الأغبياءِ منْ يفهمُ مِنَ الاستواءِ ما يوجبُ نقصًا أو قياسًا للشاهدِ على الغائبِ؛ وللمخلوقِ على الخالقِ، فهذا نادرٌ، فمنْ نطقَ بذلكَ زُجِرَ وعُلِّم، وما أظنُّ أنَّ أحدًا مِنَ العامَّةِ يَقِرُ في نفسهِ ذلكَ، واللهُ أعلمُ» (٣).
_________________
(١) أخرجه الذهبي في العلو (ص١٠١١)، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص١٦٠): «وهذا إسناد صحيح مسلسل بالثقات الحفاظ».
(٢) أخرجه أبو داود في «المسائل» (ص٢٦٨) بسند جيد.
(٣) العلو (٢/ ١٠٣١).
[ ٣١ ]
وقالَ إمامُ الأئمَّةِ ابن خزيمة ﵀ (٣١١هـ): «فنحنُ نؤمنُ بخبرِ الله جلَّ وعلا أنَّ خالقَنا مستوٍ على عرشهِ، لا نبدِّلُ كلامَ الله ولا نقولُ قولًا غيرَ الذي قيلَ لنا، كمَا قالتِ المعطِّلةُ والجهميَّةُ: إنَّهُ استولى على عرشهِ لا استوى، فبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قيلَ لهم كفعلِ اليهودِ لمَّا أمِرُوا أنْ يقولوا: حِطَّةٌ، فقالوا: حِنْطَةٌ، مخالفينَ لأمرِ الله جلَّ وعلا، كذلكَ الجهميَّة» (١).
وقالَ العلَّامةُ الشنقيطيُّ ﵀: «وقدْ أشارَ تعالى في سورةِ الفرقانِ أنَّ وصفَ الله بالاستواءِ صادرٌ عنْ خبيرٍ بالله وبصفاتهِ، عالمٌ بما يليقُ بهِ، وبما لا يليقُ وذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا *﴾ [الفرقان: ٥٩].
فتأمَّلْ قولَهُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، بعدَ قولهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، تعلم أنَّ منْ وصفَ الرحمنَ بالاستواءِ على العرشِ خبيرٌ بالرحمنِ وبصفاتهِ لا يخفى عليهِ اللائقُ مِنَ الصِّفاتِ وغيرِ اللائقِ. فالذي نبَّأنا بأنَّهُ استوى على عرشهِ هو العليمُ الخبيرُ الذي هو الرحمنُ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
وبذلكَ تعلم أنَّ منْ يدَّعي أنَّ الاستواءَ يستلزمُ التَّشبيهَ، وأنَّهُ غيرُ لائقٍ غيرُ خبيرٍ، نعمْ واللهِ هوَ غيرُ خبيرٍ» (٢).
_________________
(١) كتاب التوحيد (ص١٠١)، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.
(٢) أضواء البيان (٧/ ٤٦٨).
[ ٣٢ ]
الإشارة إليه ﷾ حسا إلى العلو
الثاني عَشَرَ:
الإشارةُ إليه ﷾ حسًّا إلى العلوِّ. وهي واقعةٌ على أعلى جزءٍ مِنَ الكون، وتقعُ على عظمةِ الإلهِ، على ما يليقُ بهِ.
فلقدْ أشارَ النبيُّ ﷺ - الذي هوَ أعلمُ باللهِ وبما يجبُ لهُ، ويمتنعُ عليهِ منْ جميعِ البشرِ - إلى الله ﷾ لمَّا كانَ بالمجمعِ الأعظمِ الذي لم يجتمعْ لأحدٍ مثلهُ، في اليومِ الأعظمِ، في المكانِ الأعظمِ، قالَ لهم: «وأَنْتُم تُسْأَلُونَ عنِّي، فمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ؟» قالوا: نشهدُ أنَّكَ قَدْ بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ (١). فرفعَ أصبعهُ الكريمةَ إلى السَّماءِ، رافعًا لها إلى منْ هوَ فوقهَا وفوقَ كلِّ شيءٍ، قائلًا: «اللَّهمَّ اشْهَدْ» (٢). فكأنَّا نشاهدُ تلكَ الأصبعَ الكريمةَ وهي مرفوعةٌ إلى الله، وذلكَ اللِّسانَ الكريمَ وهو يقولُ لمنْ رفع أصبعهُ إليهِ: «اللَّهمَّ اشْهَدْ»، تحقيقًا لإثْباتِ صفةِ العلوِّ، وأنَّ الرَّبَّ الذي اسْتشهدهُ فوقَ العالمِ مستوٍ على عرشهِ، ونشهدُ أنَّهُ بلَّغَ البلاغَ المبينَ، وأدَّى رسالةَ ربِّهِ كما أمرَ، ونصحَ أمَّتهُ غايةَ النَّصيحةِ، فلا يُحْتَاجُ مَعَ بيانهِ وتبليغهِ وكشفهِ وإيضاحهِ إلى تَنَطُّعِ المُتَنَطِّعِينَ، وحَذْلَقَةِ المُتَحَذْلِقِينَ! والحمدُ لله ربِّ العالمينَ (٣).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
واللهُ أكبرُ من أشارَ رسولُه حقًا إليه بأصبعٍ وبنانِ
_________________
(١) قال ابنُ القيِّم ﵀ في «الصواعق» (ص٧٣٣ - ٧٣٤): «فلو لمْ يكنْ قدْ عرف المسْلمون وتيقّنوا ما أرْسل به، وحصل لهم منه العلمُ اليقين، لمْ يكنْ قدْ حصل منه البلاغُ المبين، ولما رفع اللهُ عنه اللومَ، ولما شهد له أعْقلُ الأمّة بأنّه قدْ بلّغ وبيّن. وغاية ما عند النُّفاة أنّه بلّغهمْ ألْفاظًا لا تفيدهم علمًا ولا يقينًا، وأحالهم في طلب العلم واليقين على عقولهم، ونظرهم وأبْحاثهم، لا على ما أوحي إليه، وهذا معلومُ البطْلان بالضرورة».
(٢) قطعة من حديث جابر المطول في حجة النبي ﷺ، أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
[ ٣٣ ]
في مجمعِ الحقِ العظيمِ بموقفٍ دون المعرَّفِ موقفَ الغفرانِ
منْ قالَ منكمْ منْ أشارَ بأصْبُعٍ قُطِعَتْ فعندَ اللهِ يجتمعانِ (١).
وقال ﵀:
وَلَقَدْ أشَارَ رَسُولُهُ فِي مَجْمَعِ الـ ـحَجِّ العَظِيمِ بِمَوْقِفِ الغُفْرَانِ
نَحْوَ السَّمَاءِ بأصْبُعٍ قَدْ كُرِّمَتْ مُسْتَشْهِدًا للوَاحِدِ الرَّحمنِ
يا رَبُّ فاشْهَدْ أنَّنِي بَلَّغْتُهُم وَيُشِيرُ نَحْوَهُمُ لِقَصْدِ بَيَانِ
فَغَدَا البَنَانُ مُرَفَّعًا وَمُصَوَّبًا صَلَّى عَلَيْكَ الله ذُو الغُفْرانِ
أدَّيْتَ ثُمَّ نَصَحْتَ إذْ بَلَّغْتَنَا حقَّ البَلاَغِ الوَاجِبِ الشُّكْرَانِ (٢).
الثالثُ عَشَرَ:
التَّصرِيحُ برَفْعِ الأيدي والأبصارِ إليه ﷾.
١ - عنْ سلمانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ، يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إليهِ يَدَيْهِ أن يَرُدَّهُما صُفْرًا خَائِبَتَيْنِ» (٣).
٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ» (٤).
٣ - عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ - فِي حديثهِ الطَّويلِ - قَالَ: «فَرَفَعَ [النَّبِيُّ ﷺ] رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي واسْقِ مَنْ سقَانِي» (٥).
_________________
(١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص٣٣٥).
(٢) الكافية الشافية (ص١١٣).
(٣) رواه الترمذي (٣٥٥٦)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن الترمذي» (٢٨١٩).
(٤) رواه مسلم (١٧٦٣).
(٥) رواه مسلم (٢٠٥٥).
[ ٣٤ ]
٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» (١).
٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللهَ لَنَا! فَرَفَعَ يَدَيْهِ (٢).
٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ صاحِبَ الصُّورِ مُنْذُ وُكِّلَ بهِ مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُؤمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ» (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٥).
(٢) رواه البخاري (٩٣٣).
(٣) رواه الحاكم (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، وحسّنه الحافظ فِي «الفتح» (١١/ ٣٧٦).
[ ٣٥ ]
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ (٤٦٣هـ): «ومِنَ الحجَّةِ: في أنَّهُ ﷿ على العرشِ، فوقَ السَّماواتِ السَّبعِ، أنَّ الموحِّدينَ أجمعينَ، مِنَ العربَ والعجمِ، إذا كَربهم أمرٌ، أو نَزلتْ بهم شدَّةٌ، رَفَعُوا وجوهَهُم إلى السَّماءِ، يَستغيثونَ ربَّهم ﵎؛ وهذا أشهرُ وأعرفُ، عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، منْ أنْ يحتاجَ فيهِ إِلَى أكثرِ منْ حكايتهِ؛ لأنَّهُ اضطرارٌ لمْ يُؤَنِّبْهم عليهِ أحدٌ، ولا أنكرهُ عليهمْ مسلمٌ» (١).
وقالَ ابنُ أبي شيبةَ ﵀ (٢٩٧هـ): «وأجمعَ الخلقُ جميعًا أنَّهم إذا دعوا الله جميعًا، رفعوا أيديهمْ إلى السَّماءِ، فلوْ كانَ اللهُ ﷿ في الأرضِ السُّفلى، ما كانوا يرفعونَ أيديهمْ إلى السَّماءِ وهو معهم في الأرضِ» (٢).
وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ (٣٢٤هـ): «ورأينا المسلمينَ جميعًا يرفعونَ أيديهم إذا دَعَوْا نحوَ السماءِ، لأنَّ اللهَ ﷿ مستوٍ على العرشِ الذي هو فوقَ السَّموات. فلولا أنَّ الله ﷿ على العرشِ، لم يرفعُوا أيديَهم نحو العرشِ، كما لا يحطُّونها إذا دَعَوْا إلى الأرضِ» (٣).
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٢) كتاب العرش (ص٥١) [مكتبة المُعَلَّا - الكويت، الطبعة الأولى].
(٣) الإبانة عن أصولِ الديانة (ص٩٧ - ٩٨)، طبعة مكتبة البيان - دمشق، الطبعة الرابعة.
[ ٣٦ ]
النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى من الكتاب والسنة
وقالَ ابنُ قدامةَ ﵀ (٦٢٠هـ): «إنَّ الله تعالى وصفَ نفسهُ بالعلوِّ في السَّماءِ، ووصفهُ بذلكَ محمَّدٌ خاتمُ الأنبياءِ، وأجمعَ على ذلكَ جميعُ العلماءِ مِنَ الصَّحابةِ الأتقياءِ والأئمَّةِ مِنَ الفقهاءِ، وتواترتِ الأخبارُ بذلكَ على وجهٍ حصلَ بهِ اليقينُ، وجمعَ الله تعالى عليهِ قلوبَ المسلمينَ، وجعلهُ مغروزًا في طباعِ الخلقِ أجمعينَ، فتراهم عندَ نزولِ الكربِ بهم يَلْحَظُونَ السَّماءَ بأعينهم، ويرفعونَ نحوها للدعاءِ أيديهم، وينتظرونَ مجيءَ الفرجِ منْ ربِّهم، وينطقونَ بذلكَ بألسنتهمْ، لا ينكرُ ذلكَ إلَّا مبتدعٌ غالٍ في بدعتهِ، أو مفتونٌ بتقليدهِ واتِّباعهِ على ضلالتهِ» (١).
الرابعُ عَشَرَ:
النُّصوصُ الدَّالةُ على رؤيةِ أهلِ الجنَّةِ لهُ تعالى مِنَ الكتابِ والسنَّةِ، وإخبارُ النبيِّ ﷺ أنَّهم يرونهُ كرؤيةِ الشمسِ والقمرِ (٢) ليلةَ البدرِ ليسَ دونهُ سحابٌ، ولا يرونهُ إلَّا منْ فوقهم (٣).
_________________
(١) إثبات صفة العلو (ص٦٣)، لابن قدامة.
(٢) وجوهُ الشَّبَهِ بين رؤيةِ اللهِ ورؤيةِ الشمسِ والقمرِ: أ - أنها رؤيةٌ من أسفلَ إلى أعلى. ب - أنها واضحةٌ جَلِيَّةٌ. ج - أنها بَصَرِيَّةٌ عَيانِيَّةٌ. د - أنها رؤيةٌ بلا إِحَاطَةٍ.
(٣) شرح الطحّاوية (٢/ ٣٨٦).
[ ٣٧ ]
وهذهِ المسألةُ منْ أشرفِ مسائلِ أصولِ الدينِ، «وأجلِّها قدْرًا، وأعْلاها خطرًا، وأقرِّها لعيونِ أهْلِ السنَّةِ والجماعةِ، وأشدِّها على أهْلِ البدْعةِ والفرقةِ، وهي الغايةُ التي شمَّرَ إليهَا المشمِّرونَ، وتنافسَ فيهَا المتنافسونَ، وتسابقَ إليهَا المتسابقونَ، ولِمِثْلِهَا فليعْملِ العاملونَ، اتَّفقَ عليهَا الأنبياءُ والمرسلونَ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ، وأئمَّةُ الإسلامِ على تتابعِ القرونِ، وأنْكرهَا أهْلُ البدعِ المارقونَ، والجهميَّةُ المُتَهَوِّكونَ، والفرعونيَّةُ المعطِّلونَ، والباطنيةُ الذينَ همْ منْ جميعِ الأدْيانِ مُنْسَلِخُونَ، وبحبائلِ الشيطانِ مُتَمَسِّكونَ، ومنْ حبْلِ الله منقطعونَ، وعلى مَسَبَّةِ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ عاكفونَ، وللسنَّةِ وأهْلهَا محاربونَ، ولكلِّ عدوٍّ للهِ ورسولهِ ودينهِ مُسَالِمُونَ، وكلُّ هؤلاءِ عنْ ربِّهمْ مَحْجُوبُونَ، وعنْ بابهِ مَطْرُودُونَ» (١).
قالَ ﷾: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢).
_________________
(١) حادي الأرْواح إلى بلاد الأفْراح (ص٣٦١)، طبعة مؤسسة الرسالة.
(٢) لِيَتَأَمَّلِ القارئُ اللبيبُ موقفًا جمعَ بين الإمامِ أحمدَ بنِ نَصْرٍ الخزاعيِّ (المتوفى سنة ٢٣١هـ)، وبين الواثق الخليفة الجهمي وقاضيه أحمد بن أبي دؤاد. ذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨): «أنَّ أحمد بن نصر حُمل مقيَّدًا إلى الواثق وفي مجلسه أحمد بن أبي دؤاد وأتباعه. فقال له الواثقُ: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلامُ الله. قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: هو كلامُ الله. فقال له: فما تقولُ في ربك؟ أتراهُ يومَ القيامةِ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين قد جاءَ القرآنُ والأخبارُ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ: «إنكم ترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تُضامون في رؤيته»، فنحن على الخبر. قال الواثق: ويَحَك! أيُرى كما يُرى المحدودُ المتجسِّمُ ويحويه مكانٌ ويحصره الناظرُ؟ أنا أكفرُ برَبٍّ هذه صِفَتُهُ. ثم قامَ إليه فلما انتهى عليه ضرَبهُ بالسَّيفِ على عاتِقِهِ وهو مربوطٌ بحبلٍ قد أُوقِفَ على نِطْعٍ، ثم ضرَبَهُ أخرى على رأسِهِ، ثم طَعَنَهُ في بَطْنِهِ فَسَقَطَ صريعًا ﵀، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا عنه. قال ابنُ كثير معقبًا على قياس الواثق: وما قاله الواثقُ لا يجوزُ ولا يلزمُ ولا يُرَدُّ به هذا الخبرُ الصحيحُ، والله أعلم».
[ ٣٨ ]
قالَ الحافظُ الذهبيُّ ﵀: «أحاديثُ رؤيةِ اللهِ في الآخرةِ متواترةٌ، والقرآنُ مصدِّقٌ لها» (١).
وفيما يلي أوردُ بعضَ الأحاديثِ الدَّالَّة على رؤيةِ الله في الجنَّةِ.
١ - عنْ عمّارِ بْنِ ياسرٍ ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: « وأسألكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهكَ والشوقَ إلى لقائكَ» (٢).
قال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمَّدٍ التيميُّ ﵀: والنبيُّ ﷺ لا يسألُ سؤالًا يستحيلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يبعثُ نبيًَّا إلَّا وهوَ عالمٌ بما يجري عليهِ (٣).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
أوَ مَا سَمِعْتَ سُؤالَ أَعْرَفِ خَلْقِهِ بِجلاَلِهِ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ
شَوْقًا إلَيْهِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ الذِي بِجَلاَلِ وَجْهِ الرَّبِّ ذِي السُّلْطَانِ
الشَّوْقُ لَذَّةُ رُوحِهِ فِي هَذِهِ الدُّ نْيا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأبْدَانِ
تَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ الَّذي فَازَتْ بِهِ دُونَ الجَوَارِحِ هَذِهِ العَيْنَانِ
واللهِ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ألَذُّ مِنَ اشْتِيَاقِ العَبْدِ لِلرَّحْمَنِ
وَكَذَاكَ رُؤيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ هِيَ أكْمَلُ اللَّذَّاتِ للإِنْسَانِ
لَكِنَّمَا الجَهْمِيَّ يُنْكِرُ ذَا وَذَا وَالوَجْهَ أيْضًا خَشْيَةَ الحِدْثَانِ
تَبًّا لَهُ المَخْدُوع أنْكَرَ وَجْهَهُ وَلِقَاءَهُ وَمَحَبَّةَ الدَّيَّانِ
وَكَلاَمَهُ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوَّهُ وَالعَرْشَ عَطَّلَهُ مِنَ الرَّحْمَنِ
فَتَرَاهُ فِي وَادٍ وَرُسْلُ الله فِي وَادٍ وَذَا مِنْ أعْظَمِ الكُفْرَانِ (٤)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٥).
(٢) قطعةٌ من حديث أخرجه النسائي (١٣٠٥ و١٣٠٦)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن النسائي» (١٢٣٧ و١٢٣٨).
(٣) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٠).
(٤) الكافية الشافية (ص٣٨٧).
[ ٣٩ ]
٢ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ (١) مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿». ثُمَّ تلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٢).
قالَ صدِّيق حسن خان ﵀: «وتفسيرُ الزيادةِ النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ سبحانهُ، وقد ثَبَتَ التفسيرُ بذلكَ منْ قولِ رسولِ الله ﷺ فلمْ يبقَ حينئذٍ لقائلٍ مقالٌ ولا التفاتٌ إلى المُجَادَلاتِ الواقعةِ بينَ المُتَمَذْهِبَةِ الذين لا يعرفونَ مِنَ السنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما ينتفعونَ بهِ، فإنَّهم لو عرفوا ذلكَ لَكَفُّوا عنْ كثيرٍ منْ هَذَيَانِهِمْ. واللهُ المستعانُ» (٣).
_________________
(١) قال شيخُ الإسلام ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٤٣): «فأخبرَ أنَّ النَّظرَ إليهِ أحبُّ إليهمْ منْ كلِّ ما يتنعمونَ بهِ، ومحبَّةُ النَّظرِ إليهِ تبعٌ لمحبتهِ، فإنِّما أحبوا النَّظرَ إليهِ لمحبتهم إيَّاه، ومَا منْ مؤمنٍ إلَّا ويجدُ في قلبهِ محبةَ الله، وطمأنينةً بذكرهِ وتنعمًا بمعرفته، ولذَّةً وسرورًا بذكْرهِ ومناجاتهِ، وذلك يقوى ويضعفُ ويزيدُ وينقصُ بحسبِ إيمانِ الخلقِ. فكلُّ منْ كانَ إيمانهُ أكملَ كانَ تنعمهُ بهذا أكْملَ».
(٢) أخرجه مسلم (١٨١).
(٣) فتح البيان (٦/ ٥٠).
[ ٤٠ ]
٣ - عَنْ أَبِي موسى الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِياءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (١).
قَالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فهذا يدلُّ أنَّ رداءَ الكبرياءِ عَلَى وجههِ - ﵎ - هُوَ المانعُ مِنْ رؤيةِ الذَّاتِ، وَلاَ يمنعُ مِن أصلِ الرؤيةِ؛ فإنَّ الكبرياءَ والعظمةَ أمرٌ لازمٌ لذاتهِ تَعَالَى، فَإِذَا تجلَّى سُبْحَانَهُ لعبادهِ يومَ القيامةِ، وكشفَ الحجابَ بينهم وبينهُ، فَهُوَ الحجابُ المخلوقُ. وأمَّا أنوارُ الذَّاتِ الَّذِي يحجبُ عنْ إدراكهَا فذاكَ صفةٌ للذَّاتِ، لاَ تفارقُ ذاتَ الرَّبِّ ﷻ. ولو كشفَ ذَلِكَ الحجابَ لأحرقتْ سبحاتُ وجههِ مَا أدركهُ بصرهُ مِنْ خلقهِ. وتكفي هَذِهِ الإشارةُ فِي هَذَا المقامِ للمصدِّقِ الموقِنِ، وأمَّا المعطِّلُ الجهميُّ فكلُّ هَذَا عندهُ باطلٌ ومحالٌ» (٢).
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) و(٤٨٨٠) و(٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠).
(٢) التبيان فِي أقسام القرآن (ص١٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).
[ ٤١ ]
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «والمخاطبونَ بهذا قومٌ عربٌ يعلمونَ المرادَ منهُ، ولا يقعُ في قلوبهم تشبيههُ سبحانه [بالشمسِ والقمرِ] بلْ هم أشرفُ عقولًا، وأصحُّ أذْهانًا، وأسلمُ قلوبًا منْ ذلكَ، وحقَّقَ ﷺ وقوعَ الرؤيةِ عيانًا برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تحقيقًا لها، ونفيًا لتوهُّمِ المجازِ الذي يظنُّهُ المعطِّلونَ» (١).
وقالَ ﵀:
مَا بَعْدَ تِبْيَانِ الرَّسولِ لنَاظِرٍ إِلَّا العَمَى وَالعيْبُ فِي العُمْيَانِ
فَانْظُرْ إلَى قَولِ الرَّسُولِ لِسَائِلٍ مِنْ صَحْبِهِ عَنْ رُؤيَةِ الرَّحْمَنِ
حَقًّا تَرَوْنَ إلَهَكُمْ يَومَ اللِّقَا رُؤيَا العِيَانِ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ
كَالبَدْرِ لَيْلَ تَمامِهِ وَالشَّمْسِ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ مَا هُمَا مِثْلاَنِ
بَلْ قَصْدُه تَحْقِيقُ رُؤيَتِنَا لَهُ فَأتَى بأظْهَرِ مَا يُرَى بِعِيَانِ
وَنَفَى السَّحَابَ وَذَاكَ أمرٌ مَانِعٌ مِنْ رُؤيَةِ القَمَرَينِ فِي ذَا الآنِ
فَإذَا أتَى بالمُقْتضِي وَنَفَى المَوَا نِعَ خَشْيَةَ التقْصِيرِ فِي التِّبْيَانِ
صَلَّى عَلَيهِ الله مَا هَذَا الذِي يَأتِي بِهِ مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ
مَاذَا يَقُولُ القَاصِدُ التبيَانَ يَا أهْلَ العَمَى مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ (٢).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٦٨١ - ٦٨٢).
(٢) الكافية الشافية (ص١٩٧).
[ ٤٢ ]
٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجليِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ ليلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذَا لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (١).
قالَ الإمامُ البغويُّ ﵀: «وقولُه: «كما ترونَ» ليسَ كافُ التَّشبيهِ للمرئيِّ بالمرئيِّ، بلْ كافُ التَّشبيهِ للرؤيةِ التي هي فعلُ الرائي بالرؤيةِ، ومعناهُ: تَرَوْنَ ربَّكم رؤيةً لا شكَّ فيها، كما تَرونَ القمرَ ليلةَ البدرِ لا مريةَ فيها» (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: «ومعلومٌ أنَّا نرى الشمسَ والقمرَ عيانًا مواجهةً، فيجبُ أنْ نراهُ كذلكَ، وأمَّا رؤيةُ ما لا نُعَايِنُ ولا نُواجِهُهُ فهذهِ غيرُ مُتَصَوَّرَةٍ في العقلِ، فَضْلًا عنْ أنْ تكونَ كرؤيةِ الشَّمسِ والقمرِ.
وأمَّا قولُه «لا تُضَامُونَ» يُروى بالتَّخفيفِ. أي: لا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ في رؤيتهِ كما يلحقُ النَّاسَ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الحسنِ كالهلالِ. فإنَّهُ قدْ يَلْحَقُهُمْ ضَيْمٌ في طلبِ رؤيتهِ حينَ يُرى؛ وهوَ سبحانهُ يتجلَّى تجليًّا ظاهرًا فيرونَهُ كما تُرى الشمسُ والقمرُ بلا ضَيْمٍ يَلْحَقُكُمْ في رؤيتهِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).
(٢) شرح السنة (٢/ ٢٢٦) للبغوي.
[ ٤٣ ]
وقيلَ: «لا تَضَامُّون» بالتَّشديدِ، أي: لا ينضمُّ بعضُكمْ إلى بعضٍ كمَا يتضامُّ النَّاسُ عندَ رؤيةِ الشيءِ الخفيِّ كالهلالِ، وهذا كُلُّه بيانٌ لرؤيتهِ في غايةِ التَّجَلِّي والظُّهورِ بحيثُ لا يَلْحَقُ الرائي ضررٌ ولا ضيمٌ كما يلحقهُ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الخفيِّ والبعيدِ والمحجوبِ ونحو ذلكَ» (١).
٦ - عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَرَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِيًا بِهِ؟» قلْتُ: بَلَى! قَالَ: «فَاللهُ أَعْظَمُ وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِهِ» (٢).
وإثباتُهُ ﷺ جوازَ الرؤيةِ لجميعِ الخلقِ في وقتٍ واحدٍ وكلُّ منهم يكونُ مُخْليًا بهِ بالقياسِ على رؤيةِ القمرِ مَعَ قولهِ: «اللهُ أَعْظَمُ» دليلٌ واضحٌ على أنَّ النَّاسَ يرونهُ مواجهةً عيانًا يكونُ بجهةٍ منهم. وأنهُ إذا أمكنَ في بعضِ مخلوقاتهِ أنَّهُ يراهُ النَّاسُ في وقتٍ واحدٍ كلُّهم يكونَ مخليًا بهِ، فالله أولى أنْ يمكنَ ذلكَ فيهِ فإنَّهُ أعظمُ وأجلُّ (٣) وأكْبرُ منْ كلِّ شيءٍ. فهذا يُزيلُ كلَّ إشْكالٍ، ويبْطلُ كلَّ خيالٍ (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٠)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٤٤) طبعة مجمع الملك فهد.
(٤) شرح الطحاوية (ص٣٧٥).
[ ٤٤ ]
قالَ ابنُ أبي العزِّ الحنفيُّ ﵀: «وليسَ تشبيهُ رؤيةِ الله تعالى برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تشبيهًا لله، بلْ هوَ تشبيهُ الرؤيةِ بالرؤيةِ، لا تشبيهُ المرئي [وهو الله] بالمرئي [وهو الشمسُ والقمرُ]، ولكنْ فيه دليلٌ على علوِّ الله على خلقهِ، وإلَّا فهلْ تعقلُ رؤيةٌ بلا مقابلةٍ! ومنْ قالَ: يُرى لا في جهةٍ (١)،
_________________
(١) قال النوويُّ ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٦): «يراه المؤمنون؛ لا في جهةٍ». وردَّ عليه صديق حسن خان ﵀ في «السراج الوهاج» (١/ ٣٤٧) بقوله: «هذا الذي قاله؛ سلك فيهِ مسلك المتكلِّمة. ومذهب أهلِ الحقِّ في ذلك وما ضاهاه: إمرارهُ على ظاهره من غير تأويلٍ ولا تعطيلٍ؛ وقدْ ثبت في الأحاديث الصحيحة قوله ﷺ للجارية «أَيْنَ اللهُ؟»، وفي أخرى «الإشارة بالإصبع إلى السماء» والأخبار في ذلك كثيرة جدًّا. وكذلك آيات الكتاب العزيز تدلُّ عليه دلالةً واضحةً، وتفيدُ الفوق، والعلو، والاستواء على العرش، والكون في السماء، فأين هذا من ذاك؟ رحم الله امرءًا أنصفَ، ولم يتأوَّل ولم يتعسَّف». وقال العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني (٥٥٨هـ) في «الانتصار» (٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨): «وأما الدليل على إبطال قول الأشعرية فهو: أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله تعالى بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، بدليل قوله ﷺ: «كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»، ولا يقتضي ذلك تحديدًا ولا تجسيمًا لله، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا. وإنْ قالوا: إنَّ الرؤيةَ لا تختصُّ بالأبصارِ، رَجَعُوا إلى قول المعتزلة، في نفي الرؤية، وأنَّ المرادَ بالرؤية العلمُ به ضروريًا، وقد حُكي عن بعض متأخري الأشعرية أنَّه قال: لولا الحياءُ من مخالفة شيوخنا، لقلتُ: إنَّ الرؤيةَ العلمُ لا غير».
[ ٤٥ ]
فليراجع عقلهُ!! فإمَّا أنْ يكونَ مكابرًا لعقلهِ، أو في عقلهِ شيءٌ، وإلَّا فإذا قالَ: يُرى لا أمامَ الرائي، ولا خلفهُ، ولا عنْ يمينهِ ولا عنْ يسارهِ ولا فوقهُ ولا تحتهُ ردَّ عليهِ كلُّ منْ سمعهُ بفطرتهِ السليمةِ.
ولهذا ألزمَ المعتزلةُ مَنْ نفى العلوَّ بالذَّاتِ بنفي الرؤيةِ، وقالوا: كيفَ تُعْقَلُ رؤيةٌ بغيرِ جهةٍ» (١).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
فَسَلِ المُعَطِّلَ هَلْ يُرى مِنْ تَحْتِنَا أمْ عَنْ شَمَائِلِنَا وَعَنْ أيْمَانِ
أَمْ خَلْفَنَا وَأمَامَنَا سُبْحَانَهُ أمْ هَلْ يُرَى مِنْ فَوقِنَا بِبَيَانِ
يَا قَومُ مَا فِي الأمرِ شَيْءٌ غَيْرَ ذَا أوْ أنَّ رُؤيَتَهُ بِلاَ إمْكَانِ
إذْ رُؤيَةٌ لاَ فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ
وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ ـوَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ (٢).
وقالَ ﵀: «والذي تفهمهُ الأممُ على اختلافِ لغاتِها وأوهامِها منْ هذهِ الرؤيةِ رؤيةُ المقَابَلَةِ والمُوَاجَهَةِ التي تكونُ بينَ الرائي والمرئي فيهَا مسافةٌ محدودةٌ غيرُ مُفْرِطةٍ في البعدِ، فتمتنعُ الرؤيةُ، ولا في القربِ، فلا تمكنُ الرؤيةُ، لا تعقلُ الأممُ غيرَ هذا، فإمَّا أنْ يَرَوْهُ سبحانهُ منْ تحتهم - تعالى الله - أو منْ خلفهم، أو منْ أمامهمْ، أو عنْ أيمانهم، أو عنْ شمائلهم، أو منْ فوقهم، ولا بدَّ منْ قسمٍ منْ هذهِ الأقسامِ إنْ كانتِ الرؤيةُ حقًّا، وكلُّها باطلٌ سوى رؤيتهم لهُ منْ فوقهم.
_________________
(١) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) الكافية الشافية (ص١١٤).
[ ٤٦ ]
التصريح بنزوله ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا
ولا يتمُّ إنكارُ الفوقيَّةِ إلَّا بإنكارِ الرؤيةِ، ولهذا طَرَدَ الجهميَّةُ أَصْلَهُم، وصرَّحوا بذلكَ، وركَّبوا النَفْيَيْنِ معًا، وصدَّقَ أهلُ السنَّةِ بالأمرينِ معًا، وأقرُّوا بهما، وصارَ مَنْ أثبتَ الرؤيةَ، ونفى علوَّ الرَّبِّ على خلقهِ واسْتِوَاءَهُ على عرشهِ مُذَبْذَبًا بينَ ذلكَ لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ» (١).
الخامسُ عَشرَ:
التصريحُ بنزوله ﷾ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدنيا، والنُّزولُ المعقولُ عندَ جميعِ الأممِ إنَّما يكونُ من العُلُوِّ إلى أَسْفَلَ (٢).
عن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (٣).
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ حديثَ النزولِ «حديثٌ كبيرٌ جليلٌ، تنادي جلالتهُ وفخامتهُ وعظمتهُ على أنَّهُ قدْ خرجَ منْ مشكاةِ النبوةِ» (٤)، و«هو قرَّةٌ لعيونِ أهلِ الإيمانِ، وشجىً في حلوقِ أهلِ التَّعطيلِ والبهتانِ» (٥)، يجبُ الأخذُ بظاهرهِ منْ غيرِ تأويلٍ ولا يجبُ أنْ يستوحشَ منْ إطلاقِ مثلِ ذلكَ.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ (٢٠٤هـ): «القولُ فِي السنَّةِ التي أنَا عليهَا ورأيتُ أصحابَنا عليها، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ [بن عيينة] ومالكٍ وغيرهما:
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ٣٠١).
(٣) رواه البخاري (١١٤٥ و٦٣٢١ و٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨) وهو حديث متواتر.
(٤) زاد المعاد (٣/ ٦٧٧).
(٥) مختصر الصواعق (٢/ ٢٣٧).
[ ٤٧ ]
الإقرارُ بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله .. وأنَّ اللهَ على عرشه في سمائهِ يقربُ منْ خلقهِ كيفَ شاء. وأنَّ الله تعالى ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيفَ شاءَ» (١).
وقالَ الدَّارِمِيُّ ﵀ (٢٨٠هـ): «والآثارُ التي جاءتْ عنْ رسول الله ﷺ فِي نزولِ الرَّبِّ ﵎ تدلُّ عَلَى أنَّ اللهَ ﷿ فوقَ السَّماواتِ عَلَى عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ» (٢).
وقالَ الإمامُ الطبريُّ ﵀ (٣١٠هـ): «وأنَّهُ ﷾ يهبطُ كلَّ ليلةٍ وينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، لخبرِ رسولِ اللهِ ﷺ» (٣).
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ اللهُ ﷿ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ؟ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (٤).
وعقدَ الإمامُ ابنُ خزيمة ﵀ (٣١١هـ) بابًا في كتابِ «التوحيدِ» افتتحهُ بقولهِ: بابُ ذكرِ أخبارٍ ثابتةِ السَّندِ، صحيحةِ القوامِ، رواها علماءُ الحجازِ والعراقِ عنِ النبيِّ ﷺ في نزول الرَّبِّ جلَّ وعلا إلى السَّماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ.
_________________
(١) الوصية (ص٥٤)، تحقيق: الشيخ سعد الدين الكبي حفظه الله تعالى - طبعة المكتب الإسلامي.
(٢) الرد على الجهمية (ص٧٣) [طبعة دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة الثانية].
(٣) التبصير في معالم الدين (ص١٣٦).
(٤) رواه ابن خزيمة (٨٩)، وأحمد (١/ ٣٨٨ و٤٠٣ و٤٤٦)، والآجُرِّيُّ (٣١٢) بسند صحيح.
[ ٤٨ ]
نشهدُ شهادةَ مقرٍّ بلسانهِ، مصدِّقٍ بقلبهِ، مستيقنٍ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ نزولِ الرَّبِّ منْ غيرِ أنْ يصفَ الكيفيَّةَ لأنَّ نبيَّنا المصطفى ﷺ لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ نزولِ خالقنَا إلى السَّماءِ الدنيا وأعلمنا أنَّهُ ينزلُ، والله جلَّ وعلا لمْ يتركْ ولا نبيَّهُ ﵇ بيانَ ما بالمسلمينَ إليهِ الحاجة منْ أمرِ دينهم، فنحنُ قائلونَ مصدِّقونَ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ النزولِ غيرُ متكلِّفينَ القولَ بصفتهِ أو بصفةِ الكيفيَّةِ، إذِ النبيُّ ﷺ لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ النزولِ.
وفي هذهِ الأخبارِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ الله جلَّ وعلا فوقَ سماء الدُّنيا - الذي أخبرنا نبيُّنا ﷺ أنَّهُ ينزلُ إليها - إذْ محالٌ في لغةِ العربِ أنْ يقولَ: ينزلُ منْ أسفلَ إلى أعلى، ومفهومُ الخطابِ أنَّ النزولَ منْ أعلى إلى أسفلَ (١).
وقالَ أبو العبَّاس السرَّاج ﵀ (٣١٣هـ): «منْ لم يُقِرَّ ويؤمنْ بأنَّ اللهَ تعالى يعجَبُ، ويضحَكُ، وينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ: «منْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيه؟» فهو زنديقٌ كافرٌ، يستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عنقهُ، ولا يُصَلَّى عليهِ ولا يُدْفنُ في مقابرِ المسْلمينَ» (٢).
قالَ الذهبيُّ معقِّبًا عَلَى هَذَا الأثرِ: «قلتُ: إنَّما يكفرُ بعدَ علمهِ بأنَّ الرسولَ ﷺ قالَ ذلكَ، ثمَّ إنَّهُ جحدَ ذلكَ ولمْ يؤمنْ بهِ» (٣).
وقالَ أبو بكرٍ بن أبي داودَ محدِّثُ بغدادَ (٣١٦هـ):
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله واتّبع الهُدى وَلاَ تَكُ بِدْعيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الّتِي أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُووَتَرْبَحُ
_________________
(١) التوحيد (ص١٢٥ - ١٢٦).
(٢) العلوّ (ص٥٣٤).
(٣) العلوّ (ص٢١٤). وانظر: «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٣٩٦).
[ ٤٩ ]
وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلا كَيْفَ، جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ
إِلَى طَبَقِ الْدُّنْيَا يمُنُّ بِفَضْلِهِ فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ
يَقُولُ: أَلا مُسْتَغْفرٌ يَلْقَ غَافِرًا وَمُسْتَمْنِحُ خَيْرًَا وَرِزْقًَا فَيُمْنَحُ
رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لاَ يُرَدُّ حَديثُهُم ألاَ خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُم وَقُبِّحُوا (١)
وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ (٣٢٤هـ): «ونصدِّقُ بجميعِ الرواياتِ التي يثبتهَا أهلُ النَّقلِ مِنَ النزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّ الرَّبَّ ﷿ يقولُ: هلْ منْ سائلٍ؟ هلْ منْ مستغفرٍ؟ وسائر ما نقلوهُ وأثبتوهُ خلافًا لما قالهُ أهلُ الزَّيغِ والتَّضليلِ.
ونعوِّلُ فيمَا اختلفنَا فيهِ على كتابِ ربِّنا وسنِّةِ نبيِّنا وإجماعِ المسلمينَ ومَا كانَ في معناه.
ولا نبتدعُ في دينِ الله ما لمْ يأذنْ بهِ لنا، ولا نقولُ على الله ما لا نعلم» (٢).
وقالَ ﵀: «وممَّا يؤكِّدُ أنَّ الله ﷿ مستوٍ على عرشهِ دونَ الأشياءِ كلِّها ما نقلهُ أهلُ الروايةِ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ. وذكرَ حديثَ النزولِ بالسندِ عنْ ثلاثةٍ منَ الصحابةِ وهم: جبيرُ بنُ مطعمٍ وأبو هريرة ورفاعةُ الجهنيُّ ﵃» (٣).
وقالَ الإمامُ المشهورُ ابنُ أبي زمنين ﵀ (٣٩٩هـ) تعليقًا علَى حديثِ النزولِ: «هذا الحديثُ بيِّنٌ أنَّ الله ﷿ على عرشهِ في السَّماءِ دونَ الأرضِ، وهو أيضًا بيِّنٌ في كتابِ الله، وفي غيرِ ما حديثٍ عنْ رسولِ الله ﷺ. ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى» (٤).
_________________
(١) السير (١٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٢) الإبانة (ص٢٩ - ٣٠) [طبعة دار الأنصار - القاهرة، الطبعة الأولى].
(٣) الإبانة (ص١١٠ - ١١٢).
(٤) أصول السنة (ص١١٣ - ١١٤)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية - الطبعة الأولى.
[ ٥٠ ]
وقالَ الإمامُ أبو عمرو الداني ﵀ (٤٤٤هـ): «ومنْ قولهم: إنَّ الله ﷻ وتقدَّست أسماؤهُ: ينزلُ في كلِّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا في الثلثِ الباقي مِنَ الليلِ، فيقولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وهلْ منْ سَائِلٍ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، وهلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ، على ما صحَّتْ بهِ الأخبارُ، وتواترتْ بهِ الآثارُ عنْ رسولِ الله ﷺ. نزولهُ ﵎ كيفَ شاءَ، بلا حَدٍّ، ولا تكييفٍ.
وهذا دينُ الأُمَّةِ، وقولُ أهلِ السُّنَّةِ في هذه الصِّفاتِ أنْ تُمَرَّ كما جاءتْ بغيرِ تكييفٍ، ولا تحديدٍ، فمنْ تجاوزَ المَرْوِيَّ فيها وكَيَّفَ شيئًا منها ومَثَّلَها بشيءٍ منْ جوارحِنا وآلَتِنا فقدْ ضلَّ واعْتَدَى، وابتدعَ في الدينِ ما ليسَ منهُ، وخَرَقَ إجماعَ المسلمينَ، وفارقَ أئمَّةَ الدِّينِ» (١).
وقالَ ﵀:
فمِنْ صَحِيح ما أَتَى به الأثر وَشَاعَ فِي النَّاسِ قَدِيمًَا وانْتَشَرْ
نُزُولُ رَبِّنَا بلا امْتِراء فِي كلِّ ليلةٍ إِلى السّماءِ
مِنْ غَيرِ مَا حَدٍّ وَلاَ تَكْيِيفِ سُبْحَانَهُ مِنْ قَادرٍ لَطيف (٢).
وقالَ ابنُ عبد البرِّ ﵀ (٤٦٣هـ) تعليقًا على حديثِ النزولِ: «هَذَا حديثٌ ثابتٌ منْ جهةِ النَّقلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتهِ، وفيهِ (٣) دليلٌ على أنَّ الله ﷿ في السَّماءِ على العرشِ منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ، وعلمهُ في كلِّ مكانٍ كمَا قالتِ الجماعةُ أهلُ السنَّةِ أهلُ الفقهِ والأثرِ (٤)، ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى (٥).
_________________
(١) الرسالة الوافية (ص١٣٤ - ١٣٨).
(٢) الأرجوزة المنبِّهة (ص١٩٤)، للحافظ: أبي عمرو الداني ﵀.
(٣) التمهيد (٧/ ١٢٨).
(٤) الاستذكار (٨/ ١٤٨).
(٥) التمهيد (٧/ ١٢٩).
[ ٥١ ]
قال: وأمَّا قولهُ ﷺ في هذا الحديثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنا»، فالذي عليهِ أهلُ العلمِ منْ أهلِ السنَّةِ والحقِّ الإيمانُ بمثلِ هذا وشِبْهِهِ مِنَ القرآنِ والسُّننِ دونَ كيفيَّةٍ فيقولونَ: ينزلُ ولا يقولونَ كيفَ النزولُ ولا يقولونَ كيفَ الاستواءُ ولا كيفَ المجيءُ في قولهِ ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *﴾ [الفجر: ٢٢]، ولا كيفَ التجلِّي في قولهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]» (١).
وقالَ الإمامُ أبو إسماعيل الصابوني ﵀ (٤٤٩هـ) «ويثبتُ أصحابُ الحديثِ نزولَ الرَّبِّ ﷾ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا، منْ غيرِ تشبيهٍ لهُ بنزولِ المخلوقينَ، ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ، بلْ يثبتونَ ما أثبتهُ رسولُ الله ﷺ، وينتهونَ فيهِ إليهِ، ويُمِرُّونَ الخبرَ الصحيحَ الواردَ بذكرهِ على ظاهرهِ» (٢) - إلى أنْ قالَ:
«فلمَّا صحَّ خبرُ النزولِ عنْ رسولِ الله ﷺ، أقرَّ بهِ أهلُ السنَّةِ، وقبلوا الخبرَ، وأثبتوا النزولَ على مَا قالهُ رسولُ الله ﷺ، ولمْ يعتقدوا تشبيهًا لهُ بنزولِ خلقهِ، ولمْ يبحثوا عنْ كيفيَّتهِ إذْ لا سبيلَ إليها بحالٍ، وعلموا وتحقَّقوا واعتقدوا أنَّ صفاتِ الله ﷾ لا تشبهُ صفاتِ الخلقِ كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُ ذواتَ الخلقِ، تعالى الله عمَّا يقولُ المشبِّهةُ والمعطِّلةُ علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا» (٣).
وقالَ الإمامُ الإسماعيليُّ ﵀ (٤٦٩هـ): «وأنَّه ﷿ ينزلُ إلى السَّماء الدنيا على ما صحَّ بهِ الخبرُ عنْ رسولِ الله ﷺ بلا اعتقادِ كيفيَّةٍ» (٤).
_________________
(١) الاستذكار (٨/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٣٢).
(٣) عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص٤٦).
(٤) اعتقاد أئمة أهل الحديث (ص٦٢).
[ ٥٢ ]
وقالَ أبو الخطَّاب الكلْواذَاني ﵀ (٥١٠هـ) في عقيدتهِ:
قالوا: النزولُ؟ فقلتُ: ناقلُه لنا قومٌ تَمَسُّكُهُمْ بشرعِ محمَّدٍ
قالوا: فكيفَ نزولٌ؟ فأَجَبْتُهُم لم يُنْقَلِ التكييفُ لي فِي مُسْنَدٍ (١)
وقَالَ الشيخ عبدُ الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي ﵀:
وَاللهُ يَنْزِلُ كُلَّ آخِرَ لَيْلَةٍ لِسَمَائِهِ الدُنْيَا بِلا كِتْمَانِ
فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُجِيبهُ فَأَنَا القَرِيبُ أُجِيبُ مَنْ نَادَانِي
حَاشَا الإِلَهَ بِأَنْ تُكَيَّفَ ذَاتُهُ فَالْكَيفُ وَالتَّمْثِيلُ مُنْتَفِيَانِ
وَالأَصْلُ أَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ تَعَالَى الرَّبُّ ذُو الإِحْسَانِ (٢)
وقال أبو الطيِّبُ: حضرتُ عندَ أبي جعفرٍ الترمذيِّ (٢٩٥هـ) فسألهُ سائلٌ عنْ حديثِ نزولِ الرَّبِّ، فالنزولُ كيفَ هو يبقى فوقُه علوٌّ؟ فقالَ: «النزولُ معقولٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ» (٣).
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «صدقَ فقيهُ بغدادَ وعالمها في زمانهِ، إذِ السُّؤالُ عَنِ النزولِ ما هوَ؟ عِيٌّ، لأنَّهُ إنَّمَا يكونُ السؤالُ عنْ كلمةٍ غريبةٍ في اللُّغةِ، وإلَّا فالنزولُ والكلامُ والسمعُ والبصرُ والعلمُ والاستواءُ عباراتٌ جليةٌ واضحةٌ للسَّامعِ، فإذا اتَّصفَ بها منْ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فالصِّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، وكيفيَّةُ ذلكَ مجهولةٌ عندَ البشرِ» (٤).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَكَذَا نُزُولِ الرَّبِّ ﷻ فِي النِّصْفِ مِن لَيْل وَذَاكَ الثَّاني
_________________
(١) إتمام المنَّة بشرح اعتقاد أهل السنَّة (ص٧١)، دار السنة - الخبر - الطبعة الأولى.
(٢) نونية القحطاني (ص٩٦ - ٩٧)، دار الهجرة - القاهرة - الطبعة الأولى.
(٣) رواه الذهبي في «العلو» (ص١٢٢٩)، وصححه الألباني ﵀ في «مختصر العلو» (ص٢٣١).
(٤) العلو (ص١٢٢٩).
[ ٥٣ ]
إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب الصلاة
فَيَقُولُ لَسْتُ بِسَائِلٍ غَيْرِي بِأحْـ ـوَالِ العِبَادِ أنَا العَظِيمُ الشَّانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَيُعْطى سُؤْلَهُ مَنْ ذَا يَتُوبُ إلَيَّ مِنْ عِصْيَانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَأغْفِر ذَنْبَهُ فَأَنَا الوَدُودُ الوَاسِعُ الغُفْرَانِ
مَنْ ذَا يُريدُ شِفَاءَهُ مِنْ سُقْمِهِ فَأَنَا القَرِيبُ مُجِيبُ مَنْ نَادَانِ
ذَا شَأنُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ حَتَّى يَكُونَ الفَجْرُ فَجْرًا ثَانِ
يَا قَومُ لَيْسَ نُزُولُهُ وَعُلوُّهُ حَقًّا لَدَيْكُمْ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ
وَكَذَاكَ يَقُولُ لَيْسَ شَيْئًا عِنْدَكُمْ لاَ ذَا وَلاَ قَوْلًا سِوَاهُ ثانِ
كلٌّ مَجَازٌ لاَ حَقِيقَةَ تَحْتَهُ أوِّلْ وَزِدْ وَانْقُصْ بِلاَ بُرْهَانِ (١)
السادسُ عَشَرَ:
إخبارُهُ ﷺ أنَّه تردَّد بينَ موسى ﵇ وبينَ ربِّه ليلةَ المعراجِ بسببِ الصَّلاةِ، فيصعدُ إلى ربِّهِ، ثمَّ يعودُ إلى موسى ﵇ عدَّةَ مرَّاتٍ (٢).
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١١٠).
(٢) شرح الطحاوية (ص٢٨٧) [طبعة المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة التاسعة].
[ ٥٤ ]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ. فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» (١).
قالَ ابنُ خزيمة ﵀: «وفي الأخبارِ - أي أخبارُ المعراجِ - دلالةٌ واضحةٌ أنَّ النبيَّ ﷺ عرجَ بهِ مِنَ الدُّنيا إلى السَّماءِ السابعةِ وأنَّ الله تعالى فرضَ عليهِ الصَّلواتِ على ما جاءَ في الأخبارِ. فتلكَ الأخبارُ كلُّها دالَّةٌ على أنَّ اللهَ الخالقَ الباري فوقَ سبعِ سماواتٍ» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (٢٥٩) واللفظ له.
(٢) التوحيد (ص١١٩).
[ ٥٥ ]
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: «ومحمَّدٌ ﷺ لمَّا عرجَ بهِ إلى ربِّهِ وفرضَ عليهِ الصَّلواتِ الخمسِ، ذكرَ أنَّهُ رجعَ إلى موسى، وأنَّ موسى قالَ لهُ: ارجعْ إلى ربِّكَ فسلهُ التَّخفيفَ إلى أمَّتكَ، كما تواترَ في أحاديثِ المعراجِ (١). فمحمَّدٌ ﷺ صدَّق موسى في أنَّ ربَّهُ فوق السَّمواتِ (٢)، وفرعونُ كذَّبَ موسى في أنَّ ربَّهُ فوق. فالمقرُّونَ بذلكَ متَّبعونَ لموسى ومحمَّدٍ، والمكذِّبونَ بذلكَ موافقونَ لفرعونَ» (٣).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَاللهُ أكْبَرُ مَنْ رَقَا فَوْقَ الطِّبَا ق رَسُولُهُ فَدَنَا مِنَ الدَّيَّانِ
وَإلَيْهِ قَدْ عَرَجَ الرَّسُولُ حَقِيقَةً لاَ تُنْكِرُوا المِعْرَاجَ بِالبُهْتَانِ
وَدَنَا مِنَ الجَبَّارِ ﷻ ودَنَا إلَيْهِ الرَّبُّ ذُو الإحْسَانِ (٤).
السابعُ عَشَرَ:
النُّصوصُ الواردةُ فِي ذكرِ العرشِ وصفتهِ وإضافتهِ غالبًا إِلَى خالقهِ ﵎ وأنَّه تَعَالَى فوقهُ.
قَالَ الله ﷾: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ﴿إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٥]. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي: لَهُ مكانةٌ ووجاهةٌ عندهُ، وَهُوَ أقربُ الملائكةِ إِلَيْهِ، وفي قولهِ: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠] إشارةٌ إِلى علوِّ منزلةِ جبريلَ، إذْ كَانَ قريبًا مِنْ ذي العرشِ سُبْحَانَهُ (٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥١).
(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٤).
(٤) الكافية الشافية (ص٣٣٥).
(٥) التبيان فِي أقسام القرآن (ص٨٩).
[ ٥٦ ]
وقالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، فأضافَ العرشَ إِلَى نفسهِ، كَمَا تضافُ إِلَيْهِ الأشياءُ العظيمةُ الشريفةُ، وهذا يدلُّ عَلَى عظمةِ العرشِ، وقربهِ منهُ سُبْحَانَهُ واختصاصهِ بهِ؛ بلْ يدلُّ عَلَى غايةِ القربِ والاختصاصِ، كَمَا يضيفُ إِلَى نفسهِ بـ «ذو» صفاتهِ القائمةِ بِهِ، كقولهِ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ﴿ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمن: ٢٧] (١). ويقالُ: ذو العزَّةِ، وذو الملكِ، وذو الرَّحمةِ ونظائرُ ذَلِكَ.
فلوْ كَانَ حظُّ العرشِ منهُ حظَّ الأرضِ السَّابعةِ، لكانَ لاَ فرقَ أَنْ يقالَ: ذو العرشِ، وذو الأرضِ (٢).
وقال تعالى: ﴿ويحملُ عرش ربك﴾ [الحاقة: ١٧]، وإضافةُ العرشِ إلى اللهِ تقتضي «إضافةً تخصُّهُ كما في سائرِ المضافاتِ إلى اللهِ، كقولهِ: بيتُ اللهِ، وناقةُ اللهِ، ونحوِ ذلك. وإذا كانَ العرشُ مضافًا إلى الله في هذه الآية إضافة اختصاصٍ، وذلك يوجبُ أن يكونَ بينهُ وبين اللهِ من النسبةِ ما ليس لغيرهِ، فما يذكرهُ الجهمية منَ الإستيلاء والقدرة وغيرِ ذلك أمرٌ مشتركٌ بين العرش وسائرِ المخلوقاتِ، وهذه الآية تنفي أن يكونَ الثابتُ منَ الإضافةِ هو القدر المشترك، وتوجبُ اختصاصًا للعرش بالله ليس لغيره» (٣).
وتدبَّر - رحمك الله - الأحاديثَ التاليةَ الواردةَ في ذكرِ العرشِ:
_________________
(١) قال شيخ الاسلام ﵀ في «المجموع» (١٦/ ٢٩٦): «وهو سبحانه ذو الجلال والاكرام. فهو المستحِقُّ لأنْ يُجَلَّ، ولأنْ يُكرمَ. والإجلالُ يتضمَّنُ التعظيمَ، والإكرامُ يتضمَّنُ الحمدَ والمحبةَ».
(٢) التبيان فِي أقسام القرآن (ص٦٨).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٧٩) طبعة مجمع الملك فهد.
[ ٥٧ ]
١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ما منْ عبدٍ أتى أخًا لهُ يَزُورُه فِي اللهِ إلَّا نادى منادٍ منَ السَّماءِ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَتْ لكَ الجَنَّةُ، وإلَّا قالَ اللهُ فِي ملكوتِ عَرْشِهِ: عبدي زَارَ فِيَّ، وعَلَيَّ قِراهُ، فلمْ أَرْضَ لهُ بِقِرًى دُونَ الجَنَّةِ» (١).
٢ - عنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «أُذنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عنْ مَلَكٍ منْ ملائكةِ اللهِ، منْ حَمَلَةِ العَرْشِ: إنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ، مَسِيرَةَ سَبْعمَائَةِ عَامٍ» (٢).
٣ - عَنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قَالَ: دخلَ النبيُّ ﷺ عَلَى بلالٍ وعندهُ صبرةٌ منْ تمرٍ، فقالَ: «مَا هَذَا يَا بلالُ؟» قَالَ: أُعِدُّ ذَلِكَ لأضيافكَ. قَالَ: «أَمَا تَخْشَى أنْ يكونَ لَكَ دُخَانٌ فِي نارِ جهنَّمَ؟! أَنْفِقْ بلالُ! وَلاَ تَخْشَى منْ ذِي العَرْشِ إِقْلاَلًا» (٣).
٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوسَ فإنَّهُ أوسطُ الجنَّةِ، وأعلى الجنَّةِ، وفوقَهُ عرشُ الرَّحْمنِ» (٤).
قَالَ ابنُ خزيمة ﵀: «فالخبرُ يصرِّحُ أنَّ عرشَ ربِّنا جلَّ وعلاَ فَوْقَ جنَّتهِ، وقدْ أعلمنَا جلَّ وعلاَ أنَّهُ مستوٍ عَلَى عرشهِ، فخَالِقُنا عالٍ فَوْقَ عَرْشِهِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ جنَّتهِ» (٥).
_________________
(١) رواه أبو يعلى فِي مسنده (٧/ ١٦٦) (٤١٤٠)، والبزّار «كشف الأستار» (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩) (١٩١٨)، وجوَّد إسناده الحافظ المنذري فِي «الترغيب» (٣/ ٢٣٩).
(٢) رواه أبو داود (٤٧٢٧)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٥٣).
(٣) رواه البزّار (٣٦٥٣) «كشف الأستار»، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥١٢).
(٤) رواه البخاري (٧٤٢٣).
(٥) كتاب التوحيد (ص١٠٤).
[ ٥٨ ]
٥ - عنْ جويريةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ منْ عندهَا بكرةً حينَ صلَّى الصبحَ، وهي في مسجدها. ثمَّ رجعَ بعدَ أنْ أضحى، وهيَ جالسةٌ. فقالَ: «ما زِلْتِ على الحالِ التي فَارَقْتُكِ عليهَا؟» قالتْ: نعمْ. قالَ النبيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مرَّاتٍ. لَوْ وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ ورِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: «المقصودُ بالحديثِ نهايةُ ما يمكنُ منَ المعدودِ، وغايةُ ما يمكنُ منَ القولِ. والمحبوبُ هوَ كلامُ الرَّبِّ ورِضَاهُ، وذِكْرُ عددِ خلقِهِ، وزِنَةِ عَرْشِهِ (٢). فهذا يُبَيِّنُ أنَّ زنةَ العرشِ أثقلُ الأوزانِ» (٣).
الثامنُ عَشَرَ:
إخبارهُ تعالى عنْ فرعونَ أنَّهُ رامَ الصُّعودَ إلى السَّمَاء ليطِّلع إلى إله موسى، فيكذِّبهُ فيما أخبرهُ منْ أنَّهُ سبحانهُ فوقَ السَّماوات.
قالَ الله ﷾: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ *﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٢٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٧٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥٣).
[ ٥٩ ]
ففي هذهِ الآيةِ بيانٌ بيِّنٌ، ودلالةٌ ظاهرةٌ، على أنَّ موسى قدْ كانَ أعلمَ فرعونَ أنَّ ربَّهُ - جلَّ وعلا - أعلى وفوق، فمنْ أجلِ ذلكَ أمرَ ببناءِ الصَّرحِ، ورامَ الاطِّلاعَ إليه، واتَّهمَ موسى بالكذبِ في ذلكَ. والجهميَّةُ لا تعلمُ أنَّ الله فوقَها بوجودِ ذاتهِ فهمْ أعْجزُ فهمًا منْ فرعونَ (١).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فكذَّبَ فرعونُ موسى في إخْباره إيَّاهُ بأنَّ ربَّهُ فوقَ السَّماءِ. وعندَ الجهميَّةِ: لا فرقَ بينَ الإخْبارِ بذلكَ، وبينَ الإخبارِ بأنَّهُ يأكلُ ويشْربُ، وعلى زعمهمْ يكونُ فرعونُ قدْ نزَّهَ الرَّبَّ عمَّا لا يليقُ بهِ، وكَذَبَ موسى في إخْبارهِ بذلكَ إذْ مَنْ قالَ عندهم: إنَّ ربَّهُ فوقَ السَّمواتِ فهوَ كاذبٌ. فهمْ في هذا التَّكذيبِ موافقونَ لفرعونَ، مخالفونَ لموسى ولجميعِ الأنبياءِ، ولذلكَ سمَّاهم أئمَّةُ السنَّة فرْعونيَّة، قالوا: وهمْ شرٌّ مِنَ الجهميَّةِ؛ فإنَّ الجهميَّةَ يقولونَ: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاتهِ، وهؤلاءِ عطَّلوهُ بالكليِّةِ، وأوقعوا عليهِ الوصفَ المطابقَ للعدمِ المحضِ. فأيُّ طائفةٍ منْ طوائفِ بني آدمَ أثبتتِ الصانعَ على أيِّ وجهٍ كانَ قولُهم خيرًا منْ قولِهم» (٢).
_________________
(١) انظر: تفسير الآية في «جامع البيان» (م١٢/ج٢٤/ص٨٢ - ٨٣)، والرد على الجهمية (ص٢١) للدارمي، والتمهيد (٧/ ١٣٣)، والإبانة (ص١٠٦)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٥)، والتوحيد (ص١١٤ - ١١٥) لابن خزيمة.
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ٣١٧).
[ ٦٠ ]
وقالَ ابنُ قدامة ﵀: «والمخالفُ في هذهِ المسألةِ قدْ أنكرَ هذا يزعمُ أنَّ موسى كاذبٌ في هذا بطريقِ القطعِ واليقينِ، مع مخالفتهِ لرَبِّ العالمينَ، وتخطئتهِ لنبيِّهِ الصَّادقِ الأمينِ، وتركهِ منهجَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، والأئمَّةِ السَّالفينَ، وسائرِ الخلقِ أجمعينَ. ونسألُ الله تعالى أنْ يعصمَنا مِنَ البدعِ برحمتهِ، ويوفِّقَنا لاتِّباعِ سنَّتهِ» (١).
وقالَ السَّعديُ ﵀ في قولهِ تعالى: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]: «فهذا صريحٌ في تكذيبهِ لموسى في قولهِ إنَّ الله فوقَ السَّماواتِ والخلقِ كلِّهم، وتبعَ فرعونَ على قولهِ هذا جميعُ «الجهميَّةِ الفرعونيَّةِ»، ورموا ببلائهم «أهلَ السنَّةِ والجماعةِ» وقالوا: إنَّ مذهبَهم مذهبُ فرعونَ الذي اعتقدَ علوَّ الله على خلقهِ، وهذا منَ العجائبِ وقلبِ الحقائقِ (٢). ومِنَ المعلومِ أنَّ «الجهميَّةَ» أولى بفرعونَ في هذهِ الحالةِ، لأنَّهُ قالها إنكارًا، وهو نفسُ مذهبِ «الجهميَّةِ»، فإنَّهم أنكروا كلامَ اللهِ وعلوَّهُ على خلقهِ، كمَا أنكرَ فرعونُ ذلكَ بتكذيبهِ لرسالةِ موسى ولعلوِّ الله، وليسَ بينهم فرقٌ، إلَّا أنَّ فرعونَ صرَّحَ بالإنكارِ وهمْ موَّهوا العباراتِ وزخرفوا الألفاظَ، وقبَّحوا الحسنَ وحسَّنوا القبيحَ، وسَمَّوا أنفسهم أهلَ الحقِّ، وسَمَّوا غيرهم أهلَ الباطلِ، فانخدعوا لهذهِ الزخارفِ وخدعوا غيرهُم» (٣).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَمِنَ المَصَائِبِ قَولُهُمْ إنَّ اعتِقَا دَ الفوقِ مِنْ فِرْعَونَ ذِي الكُفرانِ
_________________
(١) إثبات صفة العلوّ (ص٦٥).
(٢) توضيح الكافية الشافية (ص١٠٧).
(٣) توضيح الكافية الشافية (ص١١٨)، تحقيق: أشرف عبد المقصود.
[ ٦١ ]
فَإذَا اعتقَدْتُم هَذَا فأشْيَاعٌ لَهُ أنْتُمْ وَذَا مِنْ أعظَمِ البُهْتَانِ
فاسْمَعْ إذًا مَنْ ذَا الذِي أوْلَى بِفِرْ عَوْنَ المعطِّلِ جَاحِدِ الرَّحمنِ
وَانظُرْ إلَى مَا جَاءَ فِي القَصَصِ التِي تَحْكِي مَقَالَ إِمَامِهِمْ بِبَيَانِ
واللهُ قَدْ جَعَلَ الضَّلاَلَةَ قُدْوةً بِأئِمَّةٍ تَدْعُو إلَى النِّيرانِ
فإِمَامُ كُلِّ مُعَطِّلٍ فِي نَفْيِهِ فِرْعَونُ مَعْ نَمْرُودَ مَعْ هَامَانِ
طَلَبَ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُكَذِّبًا مُوسَى وَرَامَ الصَّرْحَ بالبُنْيَانِ
بَلْ قَالَ مُوسَى كَاذِبٌ فِي زَعْمِهِ فَوْقَ السَّمَاءِ الرَّبُّ ذُو السُّلْطانِ
فَابْنُوا لِيَ الصَّرْحَ الرَّفِيعَ لَعَلَّنِي أرْقى إليْهِ بِحِيلَةِ الإِنْسَانِ
وأظنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِي قَولِهِ اللهُ فَوقَ العَرْشِ ذُو السُّلطَانِ
وكذاك كذَّبهُ بأنَّ إلهَهُ نَادَاهُ بالتَّكليمِ دُونَ عِيَانِ
هُوَ أنْكَرَ التَّكْلِيمَ وَالفَوقِيَّةَ الـ ـعُلْيَا كَقَولِ الجَهْمِ ذِي صَفْوَانِ
فَمَنِ الذِي أوْلَى بِفِرْعَون إذًا مِنَّا ومِنْكُمْ بَعْدَ ذَا التِّبْيَانِ (١).
التاسعُ عَشَرَ:
تنزيهُ اللهِ ﷾ نفسَهُ عن موجبِ النُّقصانِ، وعمَّا يوجبُ التمثيلَ والتشبيهَ.
فنزَّهَ اللهُ نفسَهُ عَنِ الوالدِ والولدِ والزوجةِ والكفؤ، قالَ ﷾: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وقالَ ﷿: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا *﴾ [الجن: ٣].
ونزَّهَ نفسهُ عَنِ اللُّغوبِ قالَ ﷾: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمالِ قدرتهِ، وأنَّهُ لا يلحقهُ اللُّغوبُ في الأعمالِ العظيمةِ مثلَ خلقهِ السَّمواتِ والأرضَ، كما يلحقُ المخلوق اللغوب إذا عَمِلَ عملًا عظيمًا.
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٣٠ - ١٣١).
[ ٦٢ ]
ونزَّهَ نفسَهُ عمَّا لمْ يقلْهُ أحدٌ ولمْ ينسبهُ إليهِ، تحذيرًا منْ وقوعهَا حتَّى لا تقع بخاطرِ أحدٍ.
فنزَّهَ نفسهُ عَنِ الطعمِ مع أنَّ أحدًا لمْ يصفهُ بهِ، قالَ الله ﷾: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
ونزَّهَ نفسهُ عَنِ الموتِ، فقالَ ﷾: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] لكمالِ حياتهِ.
ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ السنةِ والنَّومِ، فقالَ ﷾: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمالِ حياتهِ وقيوميَّتهِ، إذِ النَّوْمُ أخو الموتِ. ولهذا كانَ أهلُ الجنَّةِ لا ينامونَ مَعَ كمالِ الراحةِ، كمَا لا يموتونَ.
ونَزَّه نفسهُ عَنِ النِّسيانِ مع أنَّ أحدًا لمْ ينْسبهُ إلى شيءٍ منْ ذلكَ، قالَ ﷾: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، لكمالِ علمهِ وحفظهِ.
ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ الظُّلمِ فقالَ ﷾: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] لكمالِ عدلهِ وغناه ورحمتهِ.
ونَزَّه نفسهُ عَنِ العبثِ والباطلِ، قالَسبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] لكمالِ حكمتهِ.
ونزَّهَ نفسهُ عنْ مقالةٍ قالها بعضُ طوائفِ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله.
[ ٦٣ ]
فإذا كانَ الله ﷾ قدْ نَزَّهَ نفسهُ عمَّا تقدَّمَ منَ العيوبِ والنَّقائصِ، فلأي شيءٍ إذًا لمْ ينزِّه نفسهُ عنْ تلكَ المقالةِ - وهي كونهُ تعالى فوقَ عرشهِ - إذا كانتْ متضمنةً لمعنًى فاسدٍ لا يجوزُ اعتقادهُ في حقِّ الله تعالى، مَعَ شهرةِ هذهِ المقالةِ، وتفاقمِ أمْرِهَا، فكانتْ هي أحقَّ منْ هذا كلِّهِ للتنبيهِ على فسادهَا والتحذيرِ منهَا. فكيفَ والأمرُ بالعكسِ فهوَ دائمًا يبدي ويعيدُ في ذكرِ علوِّهِ وفوقيَّتهِ ويقرِّرُ ذلكَ بكلِّ دليلٍ وبرهانٍ، بأوجزِ العباراتِ وأدلِّهَا وأبسطهَا وأقطعهَا للعذرِ وألزمهَا للحجَّةِ.
فلو فرضَ أنَّ النُّصوصَ خاليةٌ منْ تقريرِ العلوِّ والاستواءِ على العرشِ لكانَ تركهُ تنزيهه عَنِ العلوِّ أكبرَ دليلٍ على تقريرِ ذلكَ، ورضاهُ بهِ والعِلم بأنَّهُ غيرُ منافٍ لكمالهِ، فكيفَ وهوَ معَ ذَلِكَ والأدلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كلُّها على خلافِ قولِ «الجهميَّةِ» (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: «إنَّهُ عندَ المعطِّلةِ النُّفاةِ كونُ الله سبحانهُ فوقَ العالمِ مستوٍ على عرشهِ بمنزلةِ كونهِ يأكلُ ويشربُ وينامُ، بلْ هوَ بمنزلةِ إثباتِ الزوجةِ والولدِ لهُ في كونِ هذا منافيًا لإلهيتهِ وربوبيتهِ وقدمهِ وكون علوِّهِ على خلقهِ واستوائهِ على عرشهِ منافيًا لذلكَ. وهذا منْ أعظمِ القدحِ في العقولِ والفطرِ والشرائعِ والنبواتِ والكتبِ المنزلةِ، فإنَّها فرَّقتْ بيَن الأمرينِ تفرقةً معلومةً بالاضطرارِ، لكلِّ منْ لهُ أدنى مسكةٍ منْ عقلٍ. فمنْ سوَّى بينَ الأمرينِ، وجعلَ تنزيهَ الرَّبِّ عنهَا منْ لوازمِ الإقرارِ بهِ فليبكِ على عقلهِ وإيمانهِ» (٢).
_________________
(١) توضيح الكافية الشافية (ص١٠٧ - ١٠٨).
(٢) الصواعق (ص١٣١٣).
[ ٦٤ ]
من البراهين الدالة على علو الله على خلقه واستوائه على عرشه الدليل العظيم والبرهان القاطع
العشرون:
مِنَ البراهين الدَّالَّةِ على علوِّ الله على خلقهِ واستوائهِ على عرشهِ الدليلُ العظيمُ والبرهانُ القاطعُ، وهو ما يحصلُ منْ مجموعِ الأدلَّةِ السابقةِ وغيرها.
فإنَّهُ يحصلُ منْ سردِ أنواعهَا وأفرادهَا ونصوصهَا وقواطعهَا ما يوصلُ إلى اليقينِ الاضطراريِّ والعلمِ الضروريِّ الذي لا يمكنُ دفعهُ ويحصلُ الجزمُ التَّامُ الذي لا ريبَ فيهِ بعلوِّ الله وارتفاعهِ واستوائهِ على عرشهِ.
وذلكَ أنَّ واحدًا مِنَ الأدلَّةِ يفيدُ العلمَ بالمقصودِ، ثمَّ الآخرُ كذلكَ، ثمَّ يستفادُ من انْضمامِ أحدهما للآخرِ دلالةٌ أخْرى، ثمَّ منْ مجموعِ الجميعِ دلالةٌ هي أقْوى أنواعِ الدلالاتِ، فتتزايدُ شواهدُ الإيمانِ، وتتعاونُ أدلَّتهُ حتى يكونَ الإيمانُ في القلبِ أرْسخَ مِنَ الجبالِ (١). فأيُّ بيانٍ للمقصودِ أعظمُ منْ هذا؟ (٢).
أيَرُدُّ ذُو عقْلٍ سَليمٍ قَطُّ ذَا بَعْدَ التَّصَوُّرِ يَا أولِي الأذْهَانِ
واللهِ مَا رَدَّ امرُؤ هَذَا بِغَيْـ ـرِ الجَهْلِ أوْ بِحَميَّةِ الشَّيطَانِ (٣)
وهذهِ الأنواعُ مِنَ الأدلَّةِ لو بسطتْ أفرادهَا لبلغتْ نحوَ ألفِ دليلٍ (٤).
ونحنُ نطالبُ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ «بجوابٍ صحيحٍ عنْ دليلٍ واحدٍ ونعلمُ قبلَ المطالبةِ أنَّهُ لو اجتمعَ كلُّ جهميٍّ على وجهِ الأرضِ لما أجابوا عنهُ بغير المكابرةِ والتَّشنيعِ على أهلِ الإثباتِ بالتَّجسيمِ والتنفيرِ والسَّبِّ» (٥) والطعنِ والافتراءِ والتكفيرِ.
وَاللهِ مَا لَكُمُ جَوَابٌ غَيْرُ تَكْـ ـفِيرٍ بِلاَ عِلْمٍ وَلاَ إيقَانِ (٦)
وهذهِ وظيفةُ كلِّ مبطلٍ قامتْ عليهِ حجةُ الله.
* * *
_________________
(١) توضيح الكافية الشافية (ص٣٣٨).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٥٥).
(٣) الكافية الشافية (ص١١٢).
(٤) شرح الطحّاوية (٢/ ٣٨٦).
(٥) الصواعق (ص٢٩٤ - ٢٩٥).
(٦) الكافية الشافية (ص٣٢٠).
[ ٦٥ ]