السؤالُ الأولُ
اخْتَلَفَ رجلانِ فِي الاعْتِقَادِ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السّمَاءِ فَهُوَ ضَالٌ. وَقَالَ الآخَرُ: إنَّ الله لاَ يَنْحَصِرُ فِي مَكَانٍ فِبَيِّنُوا لَنَا مَا نَتَّبِعُهُ وَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ؟
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: مَنِ اعتقدَ أنَّ الله تعالى فِي جوفِ السَّمَاواتِ محصورٌ محاطٌ بهِ، أو مفتقرٌ إِلَى العرشِ، أَوْ غيرِ العرشِ - مِنَ المخلوقاتِ - أَوْ أَنَّ استواءَهُ عَلَى عرشهِ كاستواءِ المخلوقِ عَلَى كرسيِّهِ؛ فَهُوَ ضالٌّ مبتدعٌ جاهلٌ.
ومَنِ اعتقدَ أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَات إلهٌ يعبدُ، وَلاَ عَلَى العرشِ ربٌّ يصلَّى لَهُ ويسجدُ، وأنَّ محمَّدًا لَمْ يعرجْ بِهِ إِلَى ربِّهِ، وَلاَ نزلَ القرآنُ منْ عندهِ، فَهُوَ معطِّلٌ فرعونيٌّ، ضالٌّ مبتدعٌ؛ فإنَّ فرعونَ كذَّبَ موسى في أنَّ ربَّه فوقَ السَّموات، وقالَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
ونبيُّنا محمَّدٌ ﷺ، صدَّق موسى ﵇، أنَّ ربَّهُ تعالى فوقَ السَّمواتِ، فلمَّا كانَ ليلة المعراجِ، وعرجَ بهِ إلى اللهِ ﷿؛ وفرضَ عليهِ خمسينَ صلاةً؛ ذكرَ أنَّهُ رجعَ إلى موسى وقالَ لهُ: ارجعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التَّخفيفَ لأمَّتكَ.
فمنْ وافقَ فرعونَ وخالفَ موسى ومحمَّدًا عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فهوَ ضالٌّ؛ ومَنْ مثَّلَ اللهَ تعالى وشَبَّهَهُ بخلقهِ، فهو ضَالٌّ.
[ ٣١٥ ]
والقائلُ الذي قالَ: منْ لَمْ يعتقدْ أَنَّ الله فِي السّمَاءِ فَهُوَ ضالٌّ، إنْ أرادَ بذلكَ منْ لاَ يعتقد أنَّ الله فِي جوفِ السَّمَاء، بحيثُ تحصرُهُ وتحيطُ بِهِ فَقَدْ أخطأَ. وإنْ أرادَ بذلكَ منْ لَمْ يعتقدْ مَا جاءَ بِهِ الكتابُ والسنَّةُ، واتَّفقَ عَلَيهِ سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتها، مِنْ أنَّ الله تعالى فَوْقَ سماواته عَلَى عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ، فَقَدْ أصابَ؛ فإنَّه منْ لَمْ يعتقدْ ذَلِكَ يكونُ مكذِّبًا للرسولِ ﷺ، متَّبعًا غيرَ سبيلِ المؤمنينَ؛ بلْ يكونُ فِي الحقيقةِ معطِّلًا لربِّهِ نافيًا لَهُ؛ فَلاَ يكونُ لَهُ فِي الحقيقةِ إلهٌ يعبدهُ، وَلاَ ربٌّ يسألهُ، ويقصدهُ. وهذا قولُ الجهميَّةِ ونحوهمْ منْ أتباعِ فرعونَ المعطِّل.
واللهُ سبحانهُ قدْ فطرَ العبادَ - عربهم وعجمهم - على أنَّهم إذا دعوهُ توجَّهتْ قلوبهم إلى العلوِّ، ولا يقصدونَهُ تحتَ أرجلهمْ، ولهذا قَالَ بعضُ العارفينَ: مَا قَالَ عارفٌ قطٌّ: يَا الله!! إِلَّا وجدَ فِي قلبهِ - قبلَ أَنْ يتحرَّكَ لسانهُ - معنًى يطلبُ العلوَّ، لاَ يلتفتُ يمنةً وَلاَ يسرةً.
وأمَّا القائلُ الذي يقولُ: «إنَّ الله تعالى لا ينحصرُ في مكانٍ» إنْ أرادَ بهِ أنَّ الله تعالى لا ينحصرُ في جوفِ المخلوقاتِ، وأنَّه لا يحتاجُ إلى شيءٍ منها، فقدْ أصابَ، وإنْ أرادَ أنَّ الله ﷾ ليسَ فوقَ السمواتِ، ولا هوَ مستوٍ على العرشِ استواءً لائقًا بذاتهِ، وليسَ هناكَ إلهٌ يعبدُ، ومحمَّدٌ ﷺ لم يعرجْ بهِ إلى اللهِ تعالى؛ فهذا جهميٌّ فرعونيٌّ معطِّلٌ.
[ ٣١٦ ]
ومنشأُ الضَّلالِ أنْ يظنَّ الظانُّ أنَّ صفاتِ الرَّبِّ سبحانهُ كصفاتِ خلقهِ، فيظنُّ أنَّ الله تعالى على عرشهِ، كالملكِ المخلوقِ على سريرهِ؛ فهذا تمثيلٌ وضلالٌ، وذلكَ أنَّ الملِكَ مفتقرٌ إلى سريره، ولو زالَ سريرهُ لسقطَ، واللهُ ﷿ غنيٌّ عَنِ العرشِ، وعنْ كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما سواه محتاجٌ إليه، وهوُ حاملٌ العرشَ وحملةَ العرشِ، وعلوُّه عليهِ لا يوجبُ افتقارَهُ إليهِ، فإنَّ الله تعالى قدْ جعلَ المخلوقاتِ عاليًا وسافلًا، وجعلَ العالي غنيًّا عَنِ السَّافلِ، كمَا جعلَ الهواءَ فوقَ الأرضِ، وليسَ هو مفتقرًا إليهَا، وجعلَ السَّماءَ فوقَ الهواءِ، وليسَتْ محتاجةً إليهِ. فالعليُّ الأعلى ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينهمَا أولى أنْ يكون غنيًّا عَنِ العرشِ، وسائرِ المخلوقاتِ، وإنْ كانَ عاليًا عليهَا سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا.
والنَّاسُ في هذا البابِ ثلاثةُ أصنافٍ: أهلُ الحلولِ والاتحادِ، وأهلُ النَّفيِ والجحودِ، وأهلُ الإيمانِ والتَّوحيدِ والسنَّةِ.
فأهلُ الحلولِ يقولونَ: إنَّه بذاتهِ في كلِّ مكانٍ، وقدْ يقولونَ بالاتحادِ والوحدةِ فيقولونَ: وجودُ المخلوقاتِ وجودُ الخالقِ
وأمَّا أهلُ النَّفيِ والجحودِ فيقولونَ: لا هوَ داخلُ العالمِ ولا خارجٌ ولا مباينٌ لهُ ولا حالٌّ فيهِ، ولا فوقَ العالمِ ولا فيهِ، ولا ينزلُ منهُ شيءٌ، ولا يصعدُ إليهِ شيءٌ، ونحو ذلكَ. وهذا قولُ متكلِّمةِ الجهميَّةِ المعطلِّةِ، كمَّا أنَّ الأوَّلَ قولُ عبَّادِ الجهميَّةِ؛ فمتكلِّمةُ الجهميَّةِ لا يعبدونَ شيئًا، ومتعبِّدةُ الجهميَّةِ يعبدونَ كلَّ شيءٍ، وكلامهم يرجعُ إلى التَّعطيلِ والجحودِ الذي هو قولُ فرعونَ.
[ ٣١٧ ]
وقدْ علمَ أنَّ الله تعالى كانَ قبلَ أنْ يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ ثمَّ خلقهما؛ فإمَّا إنْ يكونَ دخلَ فيهما وهذا حلولٌ باطلٌ، وإمَّا أنْ يكونَا دخلا فيهِ وهوَ أبطلُ وأبطلُ، وإمَّا أنْ يكونَ الله سبحانهُ بائنًا عنهما لم يدخلْ فيهما ولمْ يدخلا فيهِ، وهذا قولُ أهلِ الحقِّ والتَّوحيدِ والسنَّةِ.
ولأهلِ الجحودِ والتَّعطيلِ في هذا البابِ شبهاتٍ (١)، يعارضونَ بها كتابَ الله ﷿ وسنَّةَ رسولهِ ﷺ، وما أجمعَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتهَا، ومَا فطرَ الله تعالى عليهِ عبادهُ، وما دلَّتْ عليهِ الدلائلُ العقليةُ الصحيحةُ؛ فإنَّ هذهِ الأدلَّةَ كلَّها متَّفقةٌ على أنَّ الله تعالى فوقَ مخلوقاتهِ، عالٍ عليهَا، قدْ فطرَ اللهُ تعالى على ذلكَ العجائزَ والأعرابَ والصبيانَ في الكتَّابِ؛ كما فطرهمْ على الإقرارِ بالخالقِ تعالى.
وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ الصَّحيحِ: «كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تُنْتِجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ هل تُحِسُّونَ فيها منْ جدعاءَ» ثمَّ قالَ أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (٢).
وهذا معنى قولِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ﵀: «عليكَ بدينِ الأعرابِ والصبيانِ في الكتَّابِ، وعليكَ بما فَطَرَهُمُ اللهُ تعالى عليه»؛ فإنَّ الله سبحانهُ فطرَ عبادهُ على الحقِّ، والرسلُ بعثوا بتكميلِ الفطرةِ وتقريرهَا، لا بتحويلِ الفطرةِ وتغييرهَا.
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀: «وكيفَ تكونُ الآراءُ والخيالاتُ وسوانحُ الأفكارِ دينًا يُدانُ بهِ ويُحْكَمُ بهِ على اللهِ ورسولهِ؟! سبحانكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ!».
(٢) رواه البخاري (١٣٥٨ و١٣٥٩ و١٣٨٥ و٤٧٧٥ و٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣١٨ ]
وأمَّا أعداءُ الرُّسلِ كالجهميَّةِ الفرعونيَّةِ ونحوهم: فيريدونَ أنْ يغيِّروا فطرةَ الله تعالى ودينَهُ ﷿، ويوردونَ على النَّاسِ شبهاتٍ بكلماتٍ مشتبهاتٍ، لا يفهمُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ مقصودَهُمْ بها، ولا يحسنُ أنْ يجيبهم. وأصلُ ضلالهم تكلُّمهمْ بكلماتٍ مجملةٍ؛ لا أصلَ لها في كتابِ الله تعالى؛ ولا سنَّةِ رسولهِ ﷺ؛ ولا قالها أحدٌ منْ أئمَّةِ المسلمينَ، كلفظِ التحيُّزِ والجسمِ والجهةِ ونحو ذلك.
فمنْ كانَ عارفًا بحلِّ شبهاتهم بيَّنها، ومنْ لمْ يكنْ عارفًا بذلكَ فليعرضْ عنْ كلامهمْ، ولا يقبلُ إلَّا ما جاءَ بهِ الكتابُ والسنَّةُ، كمَا قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ومنْ يتكلَّمُ في الله تعالى وأسمائهِ وصفاتهِ بما يخالفُ الكتابَ والسنةَ فهوَ مِنَ الخائضينَ في آياتِ الله تعالى بالباطلِ.
وكثيرٌ منْ هؤلاءِ ينسبُ إلى أئمَّةِ المسلمينَ ما لمْ يقولوه؛ فينسبونَ إلى الشافعيِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ ومالكٍ، وأبي حنيفة؛ مِنَ الاعتقاداتِ ما لم يقولوا، ويقولونَ لمنِ اتبعهم: هذَا اعتقادُ الإمامِ الفلانيِّ؛ فإذا طولبوا بالنَّقلِ الصَّحيح عَنِ الأئمَّة تبيَّنَ كذبهم.
وقالَ الشَّافعيُّ: حُكْمِي في أهلِ الكلامِ: أن يُضربوا بالجَرِيدِ والنِّعالِ، ويُطافُ بهم في القَبَائِلِ والعَشَائِرِ، ويقالُ: هذا جزاءُ مَنْ تَركَ الكتابَ والسُّنَّةَ، وأقبلَ على الكَلاَمِ.
قالَ أبو يوسفَ القاضي: مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بالكلام تَزَنْدَقَ.
قالَ أحمد: ما ارْتَدَى أحدٌ بالكَلاَمِ فَأَفْلَحَ.
قال بعضُ العلماءِ: المُعَطِّلُ يعبدُ عدمًا، والمُمَثِّلُ يعبدُ صنمًا. المعطِّل أعمى، والممثِّل أعشى (١)؛ ودينُ الله بين الغالي فيهِ والجافي عنهُ.
_________________
(١) الأعشى: مرادف للأعمى، أو هو سيئ البصر بالليل والنهار.
[ ٣١٩ ]
وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والسنَّةُ في الإسلامِ كالإسلامِ في المللِ. والحمدُ لله ربِّ العالمين (١).
السؤالُ الثاني
إذا كانَ الله تعالى إنَّما استوى على العرشِ بعدَ أنْ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيَّامٍ، فقبلَ ذلكَ لمْ يكنْ على العرشِ؟
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: الاسْتِوَاءُ علوٌّ خاصٌّ، فكلُّ مستوٍ عَلَى شيءٍ عالٍ عَلَيهِ، وليسَ كلُّ عالٍ عَلَى شيءٍ مستوٍ عَلَيهِ.
ولهذا لاَ يقالُ لكلِّ مَا كانَ عاليًا على غيرهِ أنَّهُ مستوٍ عليهِ، واستوى عليهِ؛ ولكن كلُّ ما قيلَ فيهِ أنَّه استوى على غيرِه، فإنَّهُ عالٍ عَلَيهِ.
والذي أخبرَ اللهُ أنَّهُ كانَ بعدَ خلق السَّماواتِ والأرضِ «الاستواءُ» لا مطلقُ العلوِّ، مَعَ أنَّهُ يجوزُ أنَّهُ كانَ مستويًا عليهِ قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ لمَّا كانَ عرشهُ على الماءِ، ثمَّ لمَّا خلقَ هذا العالمَ كانَ عاليًا عليهِ ولمْ يكنْ مستويًا عليهِ، فلمَّا خلقَ هذا العالمَ استوى عليهِ.
فالأصلُ أنَّ علوَّهُ على المخلوقاتِ وصفٌ لازمٌ لهُ، كمَا أنَّ عظمتَهُ وكبرياءهُ وقدرتهُ كذلكَ، وأمَّا «الاستواءُ» فهو فعلٌ يفعلهُ ﷾ بمشيئتهِ وقدرتهِ، ولهذا قالَ فيهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ [يونس: ٣].
ولهذا كانَ الاستواءُ مِنَ الصفاتِ السَّمعيةِ المعلومةِ بالخبرِ، وأمَّا علوُّه على المخلوقاتِ فهوَ عندَ أئمَّةِ أهلِ الإثباتِ من الصِّفاتِ العقليةِ المعلومةِ بالعقلِ مَعَ السمعِ (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٥٨ - ٢٦١).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٣).
[ ٣٢٠ ]
السؤالُ الثالث
ما هو التعليقُ على قولِ الدسوقي: «أصولُ الكفرِ ستةٌ - وعدَّ خمسةً منها ثمَّ قال: سادسًا: التمسكُ في أصولِ العقائدِ بمجرَّدِ ظواهِرِ الكتابِ والسنَّةِ من غير عَرْضِها على البراهينِ العقليَّةِ والقواطعِ الشرعيةِ إلى أن قال: والتمسُّكُ في أصولِ العقائدِ بمجرَّد ظواهرِ الكتابِ والسنةِ من غير بصيرةٍ في العقلِ وهو أصلُ ضلاَلةِ الحَشَوِيَّةِ، فقالوا بالتَّشبيه والتَّجسيم والجهةِ عملًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]» (١).
ويا للهِ العجبُ! كيفَ كانَ الصَّحابةُ والتَّابعونَ قبلَ وضعِ هذهِ القوانينِ التي أتى اللهُ بنيانها مِنَ القواعدِ وقبلَ استخراج هذه الآراءِ والمقاييسِ والأوضاعِ هل كانوا مهتدينَ مكتفينَ بالنُّصوصِ أمْ كانوا على خلافِ ذلكَ؟ حتَّى جاء المتأخرونُ فكانوا أعلمَ منهم وأهدى وأضبطَ للشَّريعة منهم وأعلمَ باللهِ وأسمائهِ وصفاتهِ وما يجبُ لهُ وما يمتنعُ عليهِ منهم؟ فواللهِ لأنْ يلقى الله عبدهُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراك لخيرٌ منْ أنْ يلقاهُ بهذا الظنِّ الفاسدِ والاعتقادِ الباطلِ (٢).
والقولُ بأنَّ الأخذَ بظاهرِ الكتابِ والسنَّةِ منْ أصولِ الكفرِ لا يصدرُ البتةَ عنْ عالمٍ بكتابِ الله وسنَّةِ رسوله وإنَّما يصدرُ عمَّن لا علمَ لهُ بالكتابِ والسنَّةِ أصلًا، لأنَّه لجهلهِ بهما يعتقدُ ظاهرهما كفرًا والواقعُ في نفسِ الأمرِ أنَّ ظاهرهما بعيدٌ ممَّا ظنَّه أشدَّ منْ بعدِ الشمسِ مِنَ اللمسِ (٣).
وهذا يتبيَّن منْ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:
ينبغي أنْ يعلمَ بأنَّ كلَّ ما أخبرَ الله بهِ فهوَ حقٌّ، ويستحيلُ أنْ يلزمَ عليهِ باطلٌ.
_________________
(١) حاشية الدسوقي على أم البراهين (ص٢١٩)، للسنوسي.
(٢) إعلام الموقعين (٤/ ٤٥٧).
(٣) أضواء البيان (٧/ ٤٣٨).
[ ٣٢١ ]
ولا يخفى على أحدٍ أنَّ الذي يقول: إنَّ الأخذَ بظاهرِ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] يلزمُ منهُ الكفرُ والتشبيهُ والضَّلالُ. أنَّ إلزامهُ هذا اعتراضٌ صريحٌ على منْ أخبرَ بالاستواءِ وهو الله جلَّ وعلا (١).
الوجهُ الثاني:
لا شكَّ أنَّ النبيَّ ﷺ، عالمٌ كلَّ العِلْمِ، بأنَّ الظاهرَ المتبادرَ ممَّا مدحَ الله بهِ نفسه، في آياتِ الصِّفاتِ هو التنزيهُ التَّامُّ عنْ صفاتِ الخلقِ، ولو كان يخطرُ في ذهنهِ أنَّ ظاهرهُ لا يليقُ، لأنَّهُ تشبيهٌ بصفاتِ الخلقِ، لظهرَ التحذيرُ منهُ ومنْ أصحابهِ وتواترَ أعظمَ ممَّا حذَّروا مِنَ الدَّجالِ الأعورِ الكذَّابِ، ولبادرَ كلَّ المبادرةِ إلى بيانِ ذلكَ، لأنَّه لا يجوزُ في حقِّهِ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ إليهِ، ولا سيَّما في العقائدِ، ولا سيَّما فيما ظاهرهُ الكفرُ والتشبيهُ. ولو أخَّرَ البيانَ لكانَ قدْ كلَّفَ العبادَ ما لا سبيلَ إليهِ (٢).
ألا ترى أنَّ المتكلِّمينَ لمَّا اعتقدوا قبحَ هذه الظواهرِ تواترَ عنهمُ التَّحذيرُ عنهَا والتأويلُ لها وصنَّفوا في ذلكَ وأيقظوا الغافلينَ، وعلَّموا الجاهلينَ، وكفَّروا المخالفينَ، وأشاعوا ذلكَ بينَ المسلمينَ؛ بل بينَ العالمينَ. فكانَ أحقَّ منهم بذلك سيِّدُ المرسلينَ، وقدماءُ السابقينَ، وأنصارُ الدِّينِ (٣).
الوجهُ الثالثُ:
لوْ علمَ الأئمَّةُ أنَّ حملَ النُّصوصِ على ظاهرهَا كفرٌ لوجبَ عليهم تبيينُ ذلكَ، وتحذيرُ الأمَّةِ منهُ؛ فإنَّ ذلكَ من تمامِ نصيحةِ المسلمينَ، فكيفَ كانوا ينصحونَ الأمَّةَ فيما يتعلَّقُ بالأحكام العمليةِ ويَدَعونَ نصيحتهم فيما يتعلَّقُ بأصولِ الإعتقاداتِ!! هذا من أبطلِ الباطلِ (٤).
_________________
(١) انظر: منع جواز المجاز (ص٦١).
(٢) أضواء البيان (٧/ ٤٤٩).
(٣) إيثار الحق على الخلق (ص١٣٨ - ١٣٩).
(٤) فتح الباري (٧/ ٢٣١)، لابن رجب الحنبلي.
[ ٣٢٢ ]
الوجهُ الرابعُ:
إنَّ القولَ المذكورَ يتضمنُ الظنَّ السَّيِّءَ بالله ﵎.
ومنْ ظنَّ بالله ﷾ أنَّه أَخبرَ عنْ نفسهِ وصفاتهِ وأفْعالهِ بما ظاهرهُ باطلٌ، وتشْبيهٌ، وتمْثيلٌ، وتركَ الحقَّ، لمْ يخبرْ بهِ، وإنَّما رمزَ إليهِ رموزًا بعيدةً، وأشارَ إليه إشاراتٍ مُلْغِزةً لمْ يصرِّحْ بهِ، وصرَّح دائمًا بالتَّشبيهِ والتمثيلِ والباطلِ، وأرادَ منْ خلقهِ أنْ يُتْعِبوا أذْهانهم وقواهم وأفْكارهمْ في تحريفِ كلامهِ عنْ مواضعهِ، وتأويلهِ على غيرِ تأويلهِ، ويتطلَّبوا لهُ وجوهَ الاحتمالاتِ المستكرهةِ، والتأويلاتِ التي هي بالألغازِ والأحاجي أشْبهُ منها بالكشفِ والبيانِ (١)،
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٠٧): «قال بعضُ أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أنْ يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]» ..
[ ٣٢٣ ]
وأحالهمْ في معْرفةِ أسْمائهِ وصفاتهِ على عقولهمْ وآرائهمْ، لا على كتابهِ، بلْ أرادَ منهمْ أنْ لا يحْملوا كلامهُ على ما يعْرِفونَ منْ خطابهمْ ولغتهم، معَ قدْرتهِ على أنْ يصرِّحَ لهمْ بالحقِّ الذي ينبغي التَّصْريحُ بهِ، ويريحهمْ مِنَ الألفاظِ التي توقعهمْ في اعْتقادِ الباطلِ، فلمْ يفعلْ، بلْ سلكَ بهمْ خلافَ طريقِ الهدى والبيانِ، فقدْ ظنَّ به ظنَّ السَّوءِ، فإنَّه إنْ قالَ: إنَّهُ غيرُ قادرٍ على التعْبيرِ عَنِ الحقِّ باللفظِ الصَّريحِ الذي عبَّر بهِ هوَ وسلفُهُ، فقدْ ظنَّ بقدْرتهِ العجزَ، وإنْ قالَ: إنَّهُ قادرٌ ولمْ يبيِّنْ، وعدَلَ عنِ البيانِ، وعَنِ التَّصْريحِ بالحقِّ إلى ما يوْهمُ، بلْ يُوقِعُ في الباطلِ المحالِ، والاعْتقادِ الفاسدِ، فقدْ ظنَّ بحكمتهِ ورحمتهِ ظنَّ السَّوء، وظنَّ أنَّهُ هوَ وسلفهُ عبَّروا عَنِ الحقِّ بصريحهِ دونَ اللهِ ورسولهِ، وأنَّ الهدى والحقَّ في كلامهم وعباراتهم. وأمَّا كلامُ الله، فإنَّما يؤخذُ منْ ظاهرهِ التَّشبيهُ، والتَّمثيلُ، والضَّلالُ، وظاهرُ كلامِ المتهوِّكين (١) الحيارى، هوَ الهدى والحقُّ، وهذا منْ أسوإ الظنِّ بالله، فكلُّ هؤلاءِ مِنَ الظَّانينَ بالله ظنَّ السَّوء، ومِنَ الظَّانينَ بهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهليةِ (٢).
الوجهُ الخامسُ:
أنَّ الذينَ يقولونَ: إنَّ الأخذَ بظاهرِ الكتابِ والسنَّةِ منْ أصولِ الكفرِ لا يعلمونَ ما هيَ الظواهرُ وأنَّهم يعتقدونَ شيئًا ظاهر النص. والواقع أنَّ النَّص لا يدلُّ عليهِ بحالٍ مِنَ الأحوالِ فضلًا عنْ أنْ يكونَ ظاهره. فبنوا باطلًا على باطلٍ، ولا شكَّ أنَّ الباطلَ لا يُبنى عليه إلَّا الباطل. ولو تصوَّروا معاني ظواهرِ الكتابِ والسنَّةِ على حقيقتها لمنعهم ذلكَ، منْ أن يقولوا ما قالوا.
_________________
(١) التَّهَوُّك: كالتَّهَوُّر، وهو الوقوع في الأمر بغير رَوِيَّة.
(٢) زاد المعاد (٣/ ٢٣١).
[ ٣٢٤ ]
وأصولُ الكفرِ يجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يحذرَ منها كلَّ الحذرِ، ويتباعدَ منها كلَّ التباعدِ ويتجنبُ أسبابها كلَّ الاجتنابِ، فيلزمُ على هذا القولِ المنكرِ الشنيعِ وجوبُ التباعدِ مِنَ الأخذِ بظواهرِ الوحي.
فتنفيرُ النَّاسِ وإبعادهم عنْ كتابِ الله، وسنَّةِ رسولهِ، بدعوى أنَّ الأخذَ بظواهرِهما منْ أصولِ الكفرِ هو منْ أشنعِ الباطلِ وأعظمهِ كما ترى.
وهذا كما ترى، وبما ذكرنا يتبيَّنُ أنَّ منْ أعظمِ أسبابِ الضَّلالِ، ادِّعاء أنَّ ظواهرَ الكتابِ والسنَّةِ دالَّةٌ على معانٍ قبيحةٍ، ليستْ بلائقةٍ. والواقعُ في نفسِ الأمرِ بُعدهَا وبراءتها منْ ذلكَ.
فنوصي «أنفسنا وإخواننا المسلمينَ بتقوى الله تعالى وعدمِ التهجُّم على الله تعالى وعلى كتابهِ بالدَّعاوى الباطلةِ والتمسُّكِ بنورِ الوحيِ الصحيحِ في المعتقدِ وغيرهِ، لأنَّ السلامةَ متحققةٌ في اتِّباع الوحي وليستْ متحققةً في شيءٍ غيره:
ونَهْجُ سبيلي واضحٌ لمن اهْتَدَى ولكنَّها الأهواءُ عَمَتْ فَأَعْمَتْ» (١)
وكلامُ الدسوقي «مع كونهِ ظلمًا لنا، يا ليتهُ كان كلامًا صحيحًا مستقيمًا، فكنَّا نحلله من حقِّنا ويستفادُ ما فيهِ مِنَ العلمِ!! ولكن فيهِ منْ تحريفِ كتابِ الله والإلحادِ في آياته وأسمائه، والكذبِ والظلمِ، والعدوان الذي يتعلق بحقوقِ اللهِ مما فيه؛ لكنْ إنْ عفونا عنْ حقِّنا، فحقُّ اللهِ إليهِ لا إلى غيرهِ» (٢).
السؤالُ الرابعُ
ما معنى قول السَّلفِ: أمِرُّوهَا كما جاءتْ بلا كيفٍ؟
قولهمْ ﵃: «أمرُّوها كما جاءت» ردٌّ على المعطِّلة، وقولهمْ: «بلا كيفٍ» ردٌّ على الممثِّلةِ.
_________________
(١) آداب البحث والمناظرة (٢/ ١٦٢)، للعلامة الشنقيطي ﵀.
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٥).
[ ٣٢٥ ]
وسأل رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن فقال: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] كيفَ استوى؟ فقال: «الاستواءُ غيرُ مجْهولٍ، الكيفُ غيرُ معْقولٍ، ومِنَ الله الرسالة، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّصْديقُ» (١).
وقال رجلٌ للإمامِ مالكٍ: يا أبا عبدِ الله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] كيفَ استوى؟ قال: «الكيفُ غيرُ معْقولٍ، والاستواءُ منهُ غيرُ مجْهولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدعةٌ» (٢).
فقولُ ربيعةَ ومالكٍ: «الاسْتواءُ غيرُ مجْهولٍ، والكيفُ غيرُ معْقولٍ، والإيمانُ بهِ واجبٌ» موافقٌ لقولِ الباقينَ: «أمِرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ»؛ فإنَّما نفوا علمَ الكيفيَّةِ، ولمْ ينْفوا حقيقةَ الصِّفةِ.
ولو كانَ القومُ قدْ آمنوا باللَّفظِ المجرَّدِ منْ غيرِ فهمٍ لمعْناه على ما يليقُ بالله؛ لما قالوا: «أمرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ»؛ فإنَّ الاسْتواءَ حينئذٍ لا يكونُ معْلومًا؛ بلْ مجْهولًا بمنْزلةِ حروفِ المعجمِ.
وأيضًا؛ فإنَّه لا يحْتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا لمْ يفهمْ عَنِ اللَّفظِ معنًى؛ وإنَّما يحْتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا أثْبتت الصِّفاتُ.
وأيضًا؛ فإنَّ منْ ينْفي علوَّ الله على العرشِ والنزولَ لا يحْتاجُ أنْ يقولَ: بلا كيفٍ! فمنْ قال: إنَّ الله ليس على العرشِ. لا يحتاجُ أنْ يقولَ: «بلا كيفٍ»، فلو كانَ مذهبُ السَّلفِ التفْويضَ في المعْنى؛ لما قالوا بلا كيفٍ.
_________________
(١) راجع: «مختصر العلو» (ص١٣٢).
(٢) راجع: «مختصر العلو» (ص١٤١).
[ ٣٢٦ ]
وأيضًا؛ فقولهم: «أمرُّوها كما جاءت»: يقتضي إبْقاءُ دلالتهَا على ما هي عليهِ، فإنَّها جاءتْ ألْفاظًا دالةً على معاني؛ فلو كانتْ دلالتهَا منْتفيةً؛ لكانَ الواجبُ أنْ يقالَ: «أمرُّوا لفظهَا مع اعْتقادِ أنَّ المفْهومَ منها غيرُ مرادٍ»، أو «أمرُّوا لفْظَهَا مع اعْتقادِ أنَّ الله لا يوصفُ بما دلَّتْ عليهِ حقيقةً». وحينئذٍ فلا تكونُ قدْ أُمرَّتْ كما جاءتْ، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيفٍ؛ إذْ نفيُ الكيفِ عمَّا ليسَ بثابتٍ لغوٌ مِنَ القولِ (١).
فلا يقالُ إنَّ السَّلفَ - رحمهم الله تعالى - تلقَّوا النُّصوصَ فلم يفهموها، ففوَّضوا معناها. ولا يجوزُ أن يشتملَ القرآنُ على ما لا يُعلمُ معناه (٢) - حاشاهم منْ ذلكَ - «بل كفُّوا عَنِ الثرثرةِ، والتشدُّقِ، لا عجزًا بحمدِ الله عَنِ الجدالِ والخصامِ، ولا جهلًا بطرقِ الكلامِ، وإنَّما أمسكوا عَنِ الخوضِ في ذلكَ عنْ علمٍ ودرايةٍ، لا عنْ جهلٍ وعمايةٍ» (٣).
السؤالُ الخامسُ
كيف استوى على العرش؟
مِنَ المعلومِ أنَّ صفاتِ كلِّ موصوفٍ تناسبُ ذاتهُ وتلائمُ حقيقتهُ؛ فمنْ لم يفهمْ منْ صفاتِ الرَّبِّ - الذي ليس كمثله شيءٌ - إلَّا ما يناسبُ المخلوق فقدْ ضلَّ في عقلهِ ودينهِ.
فقولُ السَّائلِ: كيفَ استوى؟ بمنزلةِ قولهِ: كيفَ ينزلُ؟ وقولهِ: كيفَ يسمعُ؟ وكيفَ يبصرُ؟ وكيفَ يعلمُ ويقدرُ؟ وكيفَ يخلقُ ويرزقُ؟
فنحنُ نعلمُ معنى الاستواءِ ولا نعلمُ كيفيَّتهُ، ونعلمُ معنى السَّمعِ والبصرِ والعلمِ والقدرةِ، ولا نعلمَ كيفيَّةَ ذلكَ. ونعلم معنى الرَّحمةِ والغضب والرضا والفرحِ والضَّحكِ ولا نعلمَ كيفيَّةَ ذلكَ (٤).
_________________
(١) راجع: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩ - ٤٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٥).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٧).
(٤) انظر: شرح حديث النزول (ص١٣٢ - ١٣٣).
[ ٣٢٧ ]
قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: «ما صحَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالهُ فلا يقالُ فيهِ لِمَ وكيفَ» (١).
وقالَ البربهاريُّ ﵀: «ولا يقولُ في صفاتِ الربِّ: كيفَ؟ ولمَ؟ إلَّا شاكٌ في الله ﵎» (٢).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ ﵀: «وأنَّهُ ﷿ استوى على العَرْشِ، بلا كَيْفٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى انتهى منْ ذلكَ إلى أنَّه استوى على العرشِ، ولم يَذْكُرْ كيفَ كانَ استواؤُهُ» (٣).
وقالَ عبدُ العزيز بن يحيى المكي ﵀ (٢٤٠هـ) في «الردِّ على الزنادقة والجهمية»: «فقال الجهميُّ: أخبرني كيفَ استوى على العرشِ؟ أهوَ كمَا يُقالُ: استوى فلانٌ على السريرِ، فيكون السريرُ قد حوى فلانًا وحدَهُ إذا كانَ عليهِ، فيلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ العرشَ قدْ حوى الله وحدَهُ إذا كانَ عليه، لأنَّا لا نعقلُ الشَّيءَ على الشيءِ إلَّا هكذا. قالَ: فيُقالُ لهُ: أمَّا قولكَ: كيفَ استوى؟ فإنَّ الله لا يجري عليهِ كيفَ، وقدْ أخبرنَا أنَّهُ استوى على العرشِ، ولم يخبرنا كيفَ استوى، فوجبَ على المؤمنينَ أنْ يصدِّقوا ربَّهم باستوائهِ على العرشِ، وحرَّمَ عليهم أنْ يصفوا كيفَ استوى، لأنَّهُ لمْ يخبرهمْ كيفَ ذلكَ، ولمْ ترهُ العيونُ في الدنيا فتصفهُ بما رأتْ، وحرَّمَ عليهم أنْ يقولوا عليهِ منْ حيثُ لا يعلمونَ، فآمنوا بخبرهِ عَنِ الاستواءِ، ثمَّ ردُّوا علمَ كيفَ استوى إلى الله» (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي بطة في «الإبانة» (٣/ ٢٠٣) رقم (١٥٧)، بإسناد صحيح.
(٢) شرح السنة (ص٧٠).
(٣) اعتقاد أئمة الحديث (ص٥٠)، لأبي بكر الإسماعيلي.
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١١٧ - ١١٨).
[ ٣٢٨ ]
وقال معمر بن أحمد الأصبهانيُّ ﵀ (٤١٨هـ): «جميعُ ما وردَ منَ الأحاديثِ في الصِّفاتِ؛ كلُّ ذلكَ بلا كيفٍ ولا تأويلٍ نؤمنُ بها إيمانَ أهلِ السلامةِ والتسليمِ، ولا نتفكَّرُ في كيفيَّتها، وساحةُ التَّسليمِ لأهلِ السنَّةِ، والسلامةُ واسعةٌ بحمدِ الله ومنِّهِ، وطلبُ السلامةِ في معرفةِ صفات الله ﷿ أوجبُ وأولى، وأقِمنْ وأحرى، فإنَّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فليسَ كمثلهِ شيءٌ: ينفي كلَّ تشبيهٍ وتمثيلٍ، وهو السميع البصير: ينفي كلَّ تعطيلٍ وتأويلٍ، فهذا مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ والأثرِ، فمنْ فارقَ مذهبهم فارقَ السنَّةَ، ومنِ اقتدى بهم وافقَ السنَّةَ، ونحنُ بحمدِ الله منَ المقتدينِ بهم، المنتحلينَ لمذاهبهم، القائلينَ بفضلهم، جمعَ اللهُ بيننا وبينهم في الدَّارينِ، فالسنَّةُ طريقتنا، وأهلُ الأثرِ أئمتنا، فأحيانا اللهُ عليها وأماتنا عليها برحمتهِ إنَّهُ قريبٌ مجيبٌ» (١).
وقال الحافظ إسماعيلُ بنُ محمدٍ التيميُّ ﵀ (٥٣٥هـ): «الاستواءُ معلومٌ كونهُ مجهولُ كيفيَّتهُ، واستواءُ نوحٍ على السفينةِ معلومٌ كونهُ معلومٌ كيفيَّتهُ؛ لأنَّهُ صفةٌ لهُ، وصفاتُ المخلوقينَ معلومةٌ كيفيَّتها. واستواءُ الله على العرشِ غيرُ معلوم كيفيَّتهُ؛ لأنَّ المخلوقَ لا يعلمُ كيفيَّةَ صفاتِ الخالقِ؛ لأنَّهُ غيبٌ ولا يعلمُ الغيبَ إلَّا الله، ولأنَّ الخالقَ إذا لمْ يشبه ذاتهُ ذاتَ المخلوقِ لمْ يشبه صفاتهُ صفات المخلوق. فثبتَ أنَّ الاستواءَ معلومٌ، والعلمُ بكيفيَّتهِ معدومٌ، فعلمهُ موكولٌ إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]» (٢).
وقال السفاريني ﵀:
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ٣٢٩ ]
سُبْحَانَهُ قَدِ «اسْتَوَى» كَمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ قَدْ تَعَالَى أَنْ يُحَدَّ (١)
وقدْ قَالَ بعضهم، مخاطبًا للزمخشريِّ، منكرًا عَلَيهِ نفيَ الصِّفاتِ، شعرًا:
قُلْ لِمَنْ يفهمُ عنِّي مَا أقولُ قِصَرَ القَوْلِ فذا شرحٌ يَطُولُ
أَنْتَ لاَ تفهمُ إيَّاك وَلاَ من أنْتَ وَلاَ كيفَ الوُصولُ
لاَ وَلاَ تدري خَفَايا رُكِّبَتْ فيكَ حارَتْ فِي خَبَايَاهَا العُقُولُ
أَنْتَ أَكْلُ الخُبْزِ لاَ تَعْرِفُه كيفَ يجري منكَ أم كيفَ تَبُولُ
أينَ منكَ الرُّوحُ فِي جَوْهَرِهَا كيفَ تَسْرِي فيكَ؟ أم كيف تجولُ؟
فإذا كانَتْ طَوايَاكَ التي بين جَنْبَيكَ كذا فِيهَا ضلولُ
كيفَ تَدْرِي مَنْ على العرشِ استوى لاَ تَقُل كَيْفَ اسْتَوَى كَيْفَ النُّزُولُ (٢)
وما أحْسن ما قيل:
عَلىَ عرْشِهِ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ اسْتَوىَ كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ وَالمُصْطَفَى رَوَى
وَذَاكَ اسْتِواءٌ لاَئِقٌ بِجَلاَلِهِ وَأَبْرَأُ مِنْ قَوْلِي لَهُ العرْشُ قَدْ حَوَى
فَمَنْ قَالَ مِثْلَ الفُلْكِ كَانَ اسْتِواَؤُهُ عَلَى جَبَلِ الجودِي مِنْ شَاهِقٍ هَوَى
وَمَنْ يَتَّبِعْ مَا قَدْ تَشاَبَهَ يَبْتَغِي بِهِ فِتْنَةً أَوْ يَبْغِي تَأْوِيلَهُ غَوَى
فَلَمْ أَقُلِ اسْتَوْلَى وَلَسْتُ مُكَلَّفًا بِتَأْوِيِلِهِ كَلَّا وَلَمْ أَقُلِ احْتَوَى
ومَنْ قَالَ لي كَيْفَ اسْتَوَى لاَ أُجِيبُهُ بِشَيء سِوَى أَنِّي أَقُولُ لَهُ اسْتَوَى (٣)
_________________
(١) العقيدة السفارينية (ص٥٤)، تحقيق: أشرف عبد المقصود.
(٢) الدرر السنية (٣/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٣) شرح العقيدة السفارينية (ص١٠١).
[ ٣٣٠ ]
السؤالُ السادسُ
هل مذهبُ السَّلفِ أسلمُ، ومذهبُ الخلفِ أحكمُ وأعلمُ؟
شاعَ عندَ المتأخرينَ مِنَ المتكلِّمينَ: أنَّ طريقةَ السَّلفِ أسلمُ، وأنَّ طريقةَ الخلفِ أحكمُ، وهذا ليس بمستقيمٍ؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ طريقةَ السَّلفِ مجرَّدُ الإيمانِ بألفاظِ القرآنِ والحديثِ منْ غير فقهٍ في ذلكَ، وأنَّ طريقةَ الخلفِ هي استخراجُ معاني النُّصوصِ المصروفةِ عنْ حقائقها بأنواعِ المجازاتِ.
فجمعَ هذا القائلُ بينَ الجهلِ بطريقةِ السَّلفِ، والدَّعوى في طريقةِ الخلفِ.
ثمَّ هذا القولُ إذا تدبَّرهُ الإنسانُ وجدَهُ في غايةِ الجهالةِ؛ بلْ في غايةِ الضَّلالة.
أليسَ هذا صريحًا: أنَّ السَّلفَ كانوا ضالِّينَ عَنِ التوحيدِ والتنزيهِ وعَلِمَهُ المتأخرونَ؟! وهذا فاسدٌ بضرورةِ العلمِ الصحيحِ والدينِ المتينِ فيصفونَ إخوانهم بالفضيلةِ في العلمِ والبيانِ، والتحقيقِ والعرفانِ، والسَّلفَ بالنَّقصِ في ذلكَ والتقصيرِ فيهِ، أو الخطأ والجهلِ.
ولا ريبَ أنَّ هذا وإنْ لمْ يكنْ تكفيرًا للسَّلفِ، ولا تفسيقًا لهم، كان تجهيلًا لهم وتخطئةً وتضليلًا، ونسبةً لهم إلى الذنوبِ والمعاصي، وإنْ لم يكنْ فسقًا فزعمًا: أنَّ أهلَ القرونِ المفضولة في الشَّريعةِ أعلمُ وأفضلُ منْ أهلِ القرونِ الفاضلةِ.
ومِنَ المعلومِ بالضَّرورةِ لمنْ تدبَّرَ الكتابَ والسنَّةَ، وما اتَّفقَ عليهِ أهلُ السنَّةِ والجماعةِ منْ جميعِ الطوائفِ: أنَّ خيرَ قرونِ هذهِ الأمَّةِ - في الأعمالِ والأقوالِ، والاعتقادِ وغيرهَا منْ كلِّ فضيلةٍ أنَّ خيرَها -: القرنُ الأوَّلُ، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، كما ثبتَ ذلكَ عَنِ النبيِّ ﷺ منْ غيرِ وجهٍ، وأنَّهم أفضلُ مِنَ الخلفِ في كلِّ فضيلةٍ: منْ علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ، وأنَّهم أولى بالبيانِ لكلِّ مُشْكِلٍ. هذا لا يدفعهُ إلَّا منْ كابرَ المعلومَ بالضَّرورةِ منْ دينِ الاسلامِ، وأضلَّهُ الله على علمٍ.
[ ٣٣١ ]
هذا وقدْ قال ﷺ: «لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بعدهُ شرٌّ منهُ، حتَّى تلقوا ربَّكم» (١). فكيفَ يحدثُ لنا زمانٌ فيهِ الخيرُ في أعظمِ المعلوماتِ وهو معرفةُ الله تعالى؟ هذا لا يكونُ أبدًا.
وما أحسن ما قالَ الشافعيُّ ﵀ في رسالتهِ: «هم فوقنا في كلِّ علمٍ وعقلٍ ودينٍ وفضلٍ، وكلِّ سببٍ يُنالُ به علمٌ أو يدركُ به هدًى، ورأيهم لنا خيرٌ منْ رأينا لأنفسنا» (٢).
وقالَ العلَّامةُ الشنقيطيُّ ﵀: قولهم: «إنَّ مذهبَ السَّلفِ أسلمُ، ومذهبَ الخلفِ أحكمُ وأعلمُ» فنقول:
أوَّلًا: وصفوا مذهبَ السَّلفِ بأنَّهُ أسلمُ، وهي صيغةُ تفضيلٍ مِنَ السَّلامةِ (٣) ومَا كانَ يفوقُ غيرهُ ويفضلهُ في السَّلامةِ فلا شكَّ أنَّهُ أعلمُ منهُ وأحكمُ.
ثانيًا: اعلموا أنَّ المؤولينَ ينطبقُ عليهم بيتُ الشافعيِّ ﵀:
رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ ومِنَ البِرِّ ما يَكُونُ عُقُوقًا
وإيضاحُ المقارنةِ: أنَّ منْ كانَ على معتقدِ السَّلفِ الصَّالحِ إذا سَمِعِ مثلًا قولَهُ تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] امتلأ قلبهُ مِنَ الإجلالِ والتَّعظيمِ والإكبارِ لصفةِ ربِّ العالمينَ التي مَدَحَ بها نفسَهُ وأثنى عليهِ بهَا، فجزمَ بأنَّ تلكَ الصِّفةِ التي تمدَّحَ بهَا خالقُ السمواتِ والأرضِ بالغةٌ مِنْ غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينهَا وبينَ صفاتِ الخلقِ.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٦٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٨).
(٣) والسلامةُ لا يعدلها شيءٌ وهي منْ أعظمِ الغاياتِ التي يطلبهَا المسلمُ لدينهِ وعرضهِ ومالهِ، وما سواها هو التعرُّض للهلاكِ والبوارِ.
[ ٣٣٢ ]
وبإجلالِ تلكَ الصِّفةِ وتعظيمهَا وحملهَا على أشرفِ المعاني اللائقةِ بكمالِ منْ وَصَفَ بهَا نفسَهُ وجلالهُ، يسهلُ على المؤمنِ السَّلفيِّ أنْ يؤمنَ بتلكَ الصِّفةِ، ويثبتها لله كمَا أثبتهَا الله لنفسهِ على أساسِ التنزيهِ.
فيكونُ أوّلًا: منزِّهًا سالمًا منْ أقذارِ التَّشبيهِ.
وثانيًا: مؤمنًا بالصِّفاتِ، مصدِّقًا بها، على أساسِ التَّنزيهِ. فيكونُ سالمًا منْ أقذارِ التَّعطيلِ.
فيجمعُ بينَ التَّنزيهِ والإيمانِ بالصِّفاتِ على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فمعتقدهُ طريقُ سلامةٍ محقَّقةٍ؛ لأنَّهُ مبنيٌّ على ما تضمنتهُ آيةُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] الآية، مِنَ التَّنزيهِ، والإيمانِ بالصِّفاتِ.
فهوَ تنزيهٌ منْ غيرِ تعطيلٍ، وإيمانٌ منْ غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلٍ.
وكلُ هذا طريقُ سلامةٍ محقَّقةٍ، وعملٌ بالقرآنِ. فهذا هوَ مذهبُ السَّلفِ.
وأمَّا ما يسمُّونهُ مذهبُ الخلفِ فالحاملُ لهم فيهِ على نفيِ الصِّفاتِ وتأويلها: هو قصدهم تنزيهُ الله عنْ مشابهةِ الخلقِ.
ولكنَّهمْ في محاولتهم لهذا التنزيهِ وقعوا في ثلاثِ بلايا، ليستْ واحدةً منها إلَّا وهي أكبرُ منْ أختها:
الأولى: منْ هذهِ البلايا الثلاث: أنَّهم إذا سمعوا قولَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] زعموا أنَّ ظاهرَ الاستواءِ في الآيةِ هو مشابهةُ استواءِ المخلوقينَ. فتهجَّموا على ما وصفَ اللهُ بهِ نفسَهُ في محكمِ كتابهِ، وادَّعوا عليهِ أنَّ ظاهرَهُ المتبادر منهُ هو التَّشبيهُ بالمخلوقينَ في استوائهم.
فكأنَّهم يقولونَ لله: هذا الاستواءُ الذي أثنيتَ بهِ على نفسكَ في سبع آياتٍ منْ كتابكَ ظاهرهُ قذرٌ نجسٌ لا يليقُ بكَ لأنَّهُ تشبيهٌ بالمخلوقينَ، ولاَ شيءَ مِنَ الكلامِ أقذرُ وأنجسُ منْ تشبيهِ الخالقِ بخلقِه! سبحانكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ!
[ ٣٣٣ ]
وهذهِ هي البَلِيَّةُ الأولى التي هيَ التَّهجُّمُ على نصوصِ الوحيِ وادِّعاءُ أنَّ ظاهرَها تشبيهُ الخالقِ بالمخلوقِ، وناهيكَ بهَا بليَّة.
ثمَّ لمَّا تقرَّرتْ هذه البليَّةُ في أذهانهمْ، وتقذَّرتْ قلوبهمْ بأقذارِ التَّشبيهِ، اضطروا بسببها إلى نفيِ صفةِ الاستواءِ فرارًا منْ مشابهةِ الخلقِ التي افتروها على نصوصِ القرآن أنَّها هي ظاهرها.
ونفيُ الصِّفةِ التي أثنى الله بها على نفسِهِ منْ غيرِ استنادٍ إلى كتابٍ أو سنةٍ هو البليَّةُ الثانيةُ التي وقعوا فيها.
فحملوا نصوصَ القرآنِ أوَّلًا على معانٍ غيرُ لائقةٍ بالله، ثمَّ نفوهَا منْ أصلهَا، فرارًا مِنَ المحذورِ الذي زعموا.
والبليَّةُ الثالثةُ: أنَّهمْ يفسِّرونَ الصِّفةَ التي نفوهَا بصفةٍ أخرى، منْ تلقاءِ أنفسهم، منْ غيرِ استنادٍ إلى وحيٍ؛ معْ أنَّ الصِّفةَ التي فسَّرها بها هي بالغةٌ غايةَ التَّشبيهِ بالمخلوقينَ. فيقولون ﴿اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ظاهرهُ مشابهةُ استواءِ المخلوقينَ. فمعنى ﴿اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: استولى، ويستدلون بقولِ الراجزِ في إطلاقِ الاستواءِ على الاستيلاءِ:
قد استوى بِشْرٌ عَلَى العِراقِ من غير سَيفٍ وَدَمٍ مهراقِ
ولا يدرونَ أنَّهم شبَّهوا استيلاءَ الله على عرشهِ الذي زعموهُ باستيلاءِ «بِشْرِ بنِ مروانَ» على العراقِ!!
فأيُّ تشبيهٍ بصفاتِ المخلوقينَ أكبرُ منْ هذا؟! وهلْ يجوزُ لمسلمٍ أنْ يشبِّهَ صفةَ الله التي هي الاستيلاءُ المزعومُ بصفةِ بشرٍ التي هيَ استيلاؤهُ على العراقِ؟
وصفةُ الاستيلاءِ منْ أوغلِ الصِّفاتِ في التَّشبيهِ بصفاتِ المخلوقينَ، لأنَّ فيها التَّشبيهَ باستيلاءِ مالكِ الحمارِ على حمارهِ، ومالكِ الشَّاةِ على شاتهِ ويدخلُ فيها كلُّ مخلوقٍ قهرَ مخلوقًا واستولى عليه.
وفي هذا منْ أنواعِ التَّشبيه ما لا يحصيهِ إلَّا الله.
[ ٣٣٤ ]
فإنْ زعمَ مَنْ شَبَّهَ أولًا، وعطَّلَ ثانيًا، وشبَّه ثالثًا أيضًا، أنَّ الاستيلاءَ المزعومَ منزَّهٌ عنْ مشابهةِ استيلاءِ المخلوقينَ.
قلنا لهُ: نحنُ نسألك ونطلبُ منكَ الجوابَ بإنصافٍ: أيُّهمَا أحقُّ بالتَّنزيهِ عنْ مشابهةِ الخلقِ! الاستواءُ الذي مَدَحَ الله بهِ نفسَهُ في محكمِ كتابهِ وهو في نفسِ القرآنِ الذي يتلى، ولتاليهِ بكلِّ حرفٍ منهُ عشرُ حسنَاتٍ، لأنَّهُ كلامُ الله، أمِ الأحقُّ بالتَّنزيهِ هو الاستيلاءُ الذي جئتمْ بهِ منْ تلقاءِ أنفسكمْ منْ غيرِ استنادٍ إلى وحيِ؟.
ولا شَكَّ أنَّ الجوابَ الحقَّ: أنَّ اللَّفظَ الواردَ في القرآنِ أحقُّ بالتَّنزيهِ والحملِ على أشرفِ المعاني وأكملها، منَ اللَّفظِ الذي جاءَ بهِ معطِّلٌ مِنْ كِيسِهِ الخاص، لا مستندَ لهُ مِنَ الوحيِ!
وبهذهِ الكلماتِ القليلةِ يظهرُ لكمُ: «أنَّ مذهبَ السَّلفِ أسلمُ وأحكمُ وأعلمُ» (١) وأهدى إلى الطريق الأقوم. ومذهبُ الخلفِ - الذي هو التأويلُ - بدعةٌ أحدثها المنتحلونَ وتمسَّكَ بها المبطلونَ (٢).
السؤالُ السابعُ
هل التحدُّث بآياتِ الصفاتِ وأحاديثها فيه تلبيسٌ على العامَّةِ وفتنةٌ لهم، وفيه تمزيقُ وحدة الأمَّةِ؟
اعلمْ - بارك الله فيك - بأنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ ينكرونَ على السلفيينَ التحدُّثَ بأحاديثِ الصِّفاتِ، زاعمينَ أنَّهُ فتنةٌ على العامَّةِ، وفيه مِنَ الإضلالِ وتمزيقِ وحدة الأمَّةِ.
وهذا الكلامُ باطلٌ منْ وجهينِ:
الأولُ:
أنَّ النبي ﷺ كان يتلو آياتِ الصِّفاتِ ويتكلَّمُ بكلامهِ الذي فيهِ خبرٌ عَنِ الله تعالى وصفاتهِ، وكانَ يغشاهُ عليه الحضريُّ والبدويُّ، فلو كانَ بيانُ توحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ تلبيسًا على العامَّةِ لم يتفوَّه النبيُّ ﷺ بشيءٍ منْ ذلكَ.
_________________
(١) القواعد الطيبات في الأسماء والصفات (ص٨٨ - ٩٢).
(٢) عون الباري (٤/ ٧١٨)، لصديق حسن خان ﵀.
[ ٣٣٥ ]
و«منْ زعمَ: أنَّ إطلاقَ ما أطلقهُ رسولُ الله ﷺ على الله ﷿، في مجالسهِ الشريفةِ، ومجامعهِ المنيفةِ ممنوعٌ لنا، ومنهيٌّ عنه؛ فقدْ أتى بابًا كبيرًا، منْ أبوابِ إساءةِ الأدبِ بالله وبرسوله. ولم يَكُنِ الله ولا رسولهُ، قطٌّ: عاجزينَ عنْ أنْ لا يأتيا بهذه الألفاظِ الموهمةِ: للتَّجسيم والتَّشبيه. بلْ قالا مَا يكونُ صريحًا في التَّنزيهِ والتَّقديسِ.
فهذا الزعمُ - منْ أهلِ التَّأويلِ، والكلامِ -: منْ أبطلِ الباطلاتِ، وأنكرِ المنكراتِ.
ونحنُ إذا تلونَا قولَه سبحانهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص: ٤] تلاشَتْ شُبَهُ التمثيلِ والتكييفِ، بحذافيرهَا. ولم يبقَ لشيءٍ مِنَ التجسيمِ والتشبيهِ مَسَاغٌ.
فنحنُ نسبِّحهُ ونقدِّسهُ عنْ جميعِ سماتِ النَّقصِ، والزوالِ. ونثبتُ لهُ ما أثبتهُ لنفسهِ المقدَّسة، ووصفهُ بهِ رسولهُ - فيمَا صحَّ عنهُ، روايةً - وهذا هوَ مختارُ جمهورِ السَّلف، ومشربُ الصالحينَ مِنَ الخلفِ. ومنْ خالفَ ذلكَ: فقدْ خالفَ هذه الشريعةَ، بلِ الشرائعَ كلَّها» (١).
الثاني:
القولُ بأنَّ بيانَ صفاتِ الله تعالى بدونِ تعطيلها وبدونِ تحريفِ نصوصها فيهِ إضلالٌ وتمزيقٌ لوحدةِ الأمَّةِ، قولٌ في غايةِ السفاهةِ والفسادِ، فإنَّ المتكلِّمينَ مِنَ الجهميَّةِ المعطِّلةِ هم الذين مزَّقُوا وحدةَ هذهِ الأمَّةِ، وأتوا بضلالِ التَّعطيلِ وإضلالِ التَّحريفِ.
وأمَّا السَّلفيُّون فهم بحمدِ اللهِ يدعونَ النَّاس إلى ما كان عليه سلفُ هذهِ الأمَّةِ ولا يجمعُ شملُ هذهِ الأمَّة إلَّا بتوحيدِ العقيدةِ وتوحيدِ الصُّفوفِ. وهذا لا يمكنُ إلَّا بالتمسُّكِ بالكتابِ والسنَّةِ وما عليهِ أئمَّةُ هذهِ الأمَّةُ في العقائدِ والأعمالِ (٢).
_________________
(١) السراج الوهاج (١١/ ١٢٧) لصديق حسن خان ﵀.
(٢) التنبيهات السنية (ص١٩١ - ١٩٢) بتصرف يسير.
[ ٣٣٦ ]
ونحنُ نقولُ: لا مخافةَ على العَامَّةِ منْ فهمِ الاستواءِ فهمًا فاسدًا. فإنَّ كتابَ الله وسنَّة نبيِّه ﷺ قدْ تلقتهما الأمَّةُ بالقبولِ والتَّسليمِ ولم يُتَطَرَّقْ إلى أذهانِ أحدٍ منهم هذا المفهومُ الخاطئُ، وإنَّما يُخَافُ على العَّامةِ منْ تأويلاتِ أهلِ الكلامِ ودعاويهم الباطلةِ. الذين يرددون في مجالسهم: «كانَ اللهُ ولا مكان وهو الانَ على ما عليهِ كان» و«إنَّ الله خلقَ العرشَ إظْهارًا لقدْرتهِ ولمْ يتخذه مكانًا لذاتهِ» وأمثال هذا الهذيان الذي هوَ منْ وحيِّ الشَّيطانِ.
السؤالُ الثامنُ
هل آياتُ الصِّفاتِ مِنَ المتشابَه؟
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ أهلَ الكلامِ جعلوا آياتِ الصفاتِ مِنَ المتشابَهِ التي لا يعلمُ معناها إلَّا الله ﷾.
وهذا افتراءٌ قبيحٌ، وبهتٌ صريحٌ، وكذبٌ شنيعٌ، وتقوُّلٌ فظيعٌ، وضلالٌ وإضْلالٌ. وهذا يتبيَّنُ منْ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:
أنَّ الله ﷾ قالَ في كتابهِ العزيزِ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا *﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ *﴾ [ص: ٢٩]، وقال ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ *﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا *﴾ [النساء: ٨٢].
فالله ﷾ «قدْ أمرَ بتدبُّر القرآنِ مطلقًا، ولم يستثن منهُ شيئًا لا يتدبَّر، ولا قالَ: لا تدبَّروا المتشابه، والتدبُّر بدونِ الفهمِ ممتنعٌ، ولو كانَ مِنَ القرآنِ ما لا يُتَدبَّر لم يعرفْ، فإنَّ الله لم يميِّز المتشابه بحدٍ ظاهرٍ حتَّى يجتنبَ تدبُّرُه» (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٦).
[ ٣٣٧ ]
الثاني:
أنَّ الله ﷾ وصفَ القرآنَ بأنَّه: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، ووصفهُ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
فلمَّا أخبرَ ﷾ بأنَّ القرآنَ شفاءٌ، وهدىً، ورحمةٌ، ونورٌ، ومبينٌ، ولم يستثنِ منهُ شيئًا دلَّ على أنَّهُ كلَّهُ كذلكَ، وأنَّهُ ممَّا يمكنُ فهمُ معناه، ولو لمْ يمكنْ فهمُ معناه لمْ تتحقَّقْ فيهِ هذهِ الصفاتُ (١).
الثالثُ:
أنَّ الله ﷾ قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *﴾ [الزخرف: ٣].
فبيَّن سبحانهُ أنَّهُ أنزلهُ عربيًّا ليعقلَ، والعقلُ لا يكونُ إلَّا معَ العلمِ بمعانيه (٢).
الرابعُ:
أنَّ الله ﷾ قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ *﴾ [البقرة: ٧٨].
فالله تعالى قدْ ذَمَّ هؤلاءِ الذينَ لا يعرفونَ الكتابَ إلَّا تلاوةً دونَ فهمِ معانيهِ، كما ذمَّ الذين يحرِّفون الكلمَ عنْ مواضعهِ منْ بعد ما عقلوهُ وهم يعلمونَ، فإنَّه ﷾ قالَ عقبَ الآيةِ السابقةِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *﴾ [البقرة: ٧٩].
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٨).
[ ٣٣٨ ]
فهذا يدلُّ على أنَّ كلا النوعينِ مذمومٌ: الجاهلُ الذي لا يفهمُ معاني النُّصوصِ، والكاذبُ الذي يحرِّفُ الكلمَ عنْ مواضعهِ (١).
والمقصودُ أنَّ الله ﷾ ذمَّ منْ لا يعرفُ منْ كتابهِ إلَّا مجرَّد التلاوةِ دونَ فقهٍ ولا فهمٍ لمعانيهِ، وأنَّ ذلكَ منْ خصالِ اليهودِ.
ولذلكَ فإنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
وقال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
فلو «كان المؤمنون لا يفقهونهُ أيضًا لكانوا مشاركينَ للكفَّارِ والمنافقينَ فيما ذمَّهمُ الله تعالى بهِ» (٢).
الخامسُ:
أنَّهُ تعالى ذمَّ منْ لمْ يكنْ حظُّهُ مِنَ السَّماعِ إلَّا سماع الصَّوتِ دونَ فهمِ المعنى واتِّباعهِ، فقالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *﴾ [البقرة: ١٧١]، وقالَ تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا *﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ *﴾ [محمد: ١٦].
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٣٢ - ٤٤٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٨).
[ ٣٣٩ ]
فمنْ جعلَ السَّابقينَ الأوَّلِينَ مِنَ المهاجرينَ والأنصارِ والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ غير عالمين بمعاني القرآن جعلهم بمنزلةِ الكفَّارِ والمنافقينَ فيما ذمَّهم الله تعالى عليه (١).
السادسُ:
أنَّ الله تعالى قالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
ولوْ لمْ يكنِ القرآنُ مفهومًا ومعلومًا لمْ يكنْ كافيًا ولمْ يكنْ برهانًا.
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: ومِنَ المحالِ أن يكونَ الكتابُ الذي يخالفهُ صريحُ العقلِ كافيًا، وإنما يكون كافيًا لمنْ قدَّمهُ على كلِّ معقولٍ ورأيٍّ وقياسٍ وذوقٍ، وحقيقةٍ وسياسةٍ، فهذا الكتابُ في حقِّهِ كافٍ لهُ، كما أنَّهُ إنَّما يكونُ رحمةً وذكرى لهُ دونَ غيرهِ، وأمَّا منْ أعرضَ عنهُ أو عارضهُ بآراءِ الرجالِ فليس بكافٍ لهُ ولا هو في حقِّهِ هدًى ولا رحمةً، بلْ هوَ مِنَ الذين آمنوا بالباطلِ وكفروا بالله (٢).
السابعُ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فإنَّهُ يدلُّ على أنَّهُ يبيِّنُ للنَّاسِ جميعَ ما نُزِّلَ إليهم فيكونُ جميعُ المنزل مبينًا عنه يمكنُ معرفتهُ وفهمهُ، وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] يدلُّ على ذلكَ، فإنَّ التفكُّرَ طريقٌ إلى العلمِ وما لا يمكنُ العلمُ بهِ لا يؤمرَ بالتفكُّرِ فيهِ.
الثامنُ:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) الصواعق (ص١٣٥٢ - ١٣٥٣).
[ ٣٤٠ ]
قولُهُ تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *﴾ [الأعراف: ٣]، وقولُهُ تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
ومعلومٌ أنَّ اتباعَ ما أمرهم الله تعالى مِنَ الكتاب والحكمة إنَّما يمكنُ بعدَ فهمهِ وتصوُّرِ معناه، ومَا كانَ مِنَ الكلامِ لا يمكنُ أحدًا فهمهُ لمْ يمكن اتباعهُ، بلْ كانَ الذي يسمعهُ كالذي لا يسمعُ إلَّا دعاءً ونداءً، وإنَّما الاتباعُ لمعاني الكلامِ.
التاسعُ:
قولُهُ تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
ومعلومٌ أنَّ حكمَ الله بالكتابِ أو حكمَ الكتابِ بين المختلفين لا يمكنُ إلَّا إذا عرفوا ما حكمَ بهِ مِنَ الكتابِ، وما تضمَّنهُ الكتابُ مِنَ الحكمِ، وذلكَ إنَّما يمكنُ إذا كانَ ممَّا يمكنُ فهمُ معناهُ وتصوُّرُ المرادُ بهِ دونَ ما يمتنعُ ذلكَ منهُ.
العاشرُ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
قال المفسِّرونَ: لو جعلهُ قرآنًا أعجميًا لأنكروا ذلكَ، وقالوا: هلَّا بَيَّنْتَ آياتهِ بلغةِ العربِ لنفهمهُ، أقرآنٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ؟! (١).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٤) [طبعة دار الفكر - بيروت].
[ ٣٤١ ]
فقدْ بيَّن ﷾ أنَّه لو جعلهُ أعجميًا لأنكروهُ، فجعلهُ عربيًا ليفهمَ معناهُ، وليندفعَ مثلُ هذا القولِ، ومعلومٌ أنَّه لو كان أعجميًا لأمكنهم التَّوصلُ إلى فهمهِ بأنْ يترجمَ لهم مترجمٌ، إمَّا أنْ يسمعَهُ مِنَ الرسولِ ويترجمهُ، أو يحفظهُ لهم أعجميًا ثمَّ يترجمهُ لهم، كما أنَّ مِنَ العجمِ منْ يحفظُ القرآنَ عربيًا ولا يفهمُ، ويُتَرْجَمُ لهُ، وأمَّا إذا كان عربيًا لا يمكنُ أحدًا أنْ يفهمهُ لا الرسولُ ولا المرسلُ إليهم فإنكارُ هذا أعظمُ منْ إنكارِ كونهِ أعجميًا، وإذا كان الله تعالى قدْ بيَّن أنَّه لا يفعلُ الأوَّلَ فهوَ ألَّا يفعل هذا أولى وأحرى.
الحادي عَشَرَ:
أنَّ الله تعالى وصفَ آياتِ القرآنِ بقولهِ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقولُهُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
وما لا يمكن فهمهُ فإنَّهُ لم يُحْكَمْ، ولم يُفَصَّلْ، ولم يبَيَّنْ.
الثاني عَشَرَ:
أنَّ الله مدحَ القرآنَ وبيَّنَ اشتماله على علمهِ، كمَا قالَ ﷾: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦].
وإذا كانَ كذلكَ دلَّ على أنَّ ما فيهِ منَ العلمِ لمْ يستأثرِ الله تعالى بهِ بلْ أنزلهُ إلى عبادهِ وعلَّمهم إيَّاه، وهوَ منْ علمهِ الذي قالَ فيهِ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهذا لا يكونُ إلَّا إذا أمكنَ فهمُ معناه، وإلَّا فاللَّفظُ الذي لا يمكنُ فهمُ معناه لا علمَ فيهِ لأحدٍ، ومثلُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤].
الثَّالِثُ عَشَرَ:
[ ٣٤٢ ]
وأيضًا فالكلامُ إنَّما المقصودُ بهِ الإفهامُ، فإذا لمْ يُقصدْ بهِ ذلكَ كان عبثًا وباطلًا، والله تعالى قدْ نزَّهَ نفسَهُ عنْ فعلِ الباطلِ والعبثِ. فكيفَ يقولُ الباطلَ والعبثَ ويتكلَّمُ بكلامٍ ينزلهُ على خلقهِ لا يريدُ بهِ إفهامهم؟! (١).
الرابع عَشَرَ:
أنَّ الله ﷾ تحدَّى العربَ بالقرآنِ، ولوْ لمْ تكنْ معانيه معلومةً لديهم لمْ يصحَّ أنْ يتحدَّاهم بهِ.
الخامس عَشَرَ:
إنَّ الصَّحابةَ والتَّابِعينَ قد تكلَّموا في معاني آياتِ الصفاتِ بل قدْ فَسَّروا جميعَ القرآنِ وعلِموا معانيه.
قال شيخ الإسلام ﵀: «فالسَّلفُ مِنَ الصَّحابةِ والتابعينَ وسائرِ الأمَّةِ قدْ تكلَّموا في جميعِ نصوصِ القرآنِ: آياتُ الصفاتِ وغيرهَا، وفسَّروها بما يوافقُ دلالتها وبيانها، ورووا عَنِ النبيِّ ﷺ أحاديثَ كثيرةً توافقُ القرآنَ، وأئمَّةُ الصَّحابةِ في هذا أعظمُ منْ غيرهم» (٢).
قال ابنُ مسعود ﵁: «والله الذي لا إلَه غيرُه ما أنزلت سورةٌ منْ كتابِ الله إلَّا أنا أعلمُ أينَ أنزلتْ، ولا أنزلتْ آيةٌ منْ كتابِ الله إلَّا أنَا أعلمُ فيما أنزلتْ، ولو أعلمُ أحدًا أعلَمَ مني بكتاب الله تبلغه الإبلُ لركِبْتُ إليه» (٣).
وقال ﵁: «كُنَّا إذا تَعَلَّمْنَا من النَّبيِّ ﷺ عشرَ آيات مِنَ القرآنِ لم نتعلَّم مِنَ العشرِ الذي نزلت بعدها حتَّى نعلم ما فيه» (٤).
فالصَّحابة ﵃ نقلوا عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهم كانوا يتعلَّمُون منهُ التفسيرَ مَعَ التلاوةِ، ولم يذكرْ أحدٌ منهم عنه قطٌ أنه امتنع من تفسير آية (٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٧).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٧).
(٣) رواه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣).
(٤) رواه الحاكم (١/ ٥٥٧) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨).
[ ٣٤٣ ]
فمنْ قالَ إنَّ جبريلَ ﵇ ومحمدًا ﷺ والصَّحابةَ والتابعينَ وسلفَ الأمَّةِ كانوا يقرءونَ نصوصَ الصِّفاتِ ولا يعرفونَ لها معنًى بلْ معناها ممَّا استأثرَ الله بهِ فقدْ كذبَ على القومِ، والنُّقولُ المتواترةُ عنهم تكذِّب هذا الزعمَ (١).
السَّادس عَشَرَ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِيَ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *﴾ [سبأ: ٥]. فلولاَ أنَّهم عرفوا معنى ما أنزلَ كيفَ عرفوا أنَّه حقٌ أو باطلٌ، وهل يحكمُ على كلامٍ لم يُتَصَوَّر معناه أنَّهُ حقٌّ أو باطلٌ؟ (٢).
السابعُ عَشَرَ:
قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ *﴾ [الطارق: ١٣] أي: فاصلٌ يفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ، فكيفَ يكونُ فصلًا إذا لم يكنْ إلى معرفةِ معناه سبيلٌ؟ (٣).
الثامنُ عَشَرَ:
أنَّ اللهَ ﷾ يَسَّرَ القرآنَ للذِّكرِ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر: ١٧]. وتيسيرهُ للذِّكرِ يتضمَّنُ أنواعًا مِنَ التيسيرِ:
إحداها: تيسيرُ ألفاظهِ للحفظِ.
الثاني: تيسيرُ معانيهِ للفهمِ.
الثالث: تيسيرُ أوامرهِ ونواهيهِ للامتثالِ.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٢٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٢٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٣٢).
[ ٣٤٤ ]
ومعلومٌ أنَّه لو كانَ بألفاظٍ لا يفهمهَا المخاطَبُ، لم يكنْ ميسَّرًا لهُ، بلْ كانَ معسَّرًا عليهِ، فهكذا إذا أريدَ مِنَ المخاطَبِ أنْ يفهمَ مِنْ ألفاظهِ ما لا يدلُّ عليهِ مِنَ المعاني، أو يدلُّ على خلافهِ فهذا منْ أشدِّ التعسيرِ، وهوَ منافٍ للتيسيرِ؛ فإنَّه لا شيءَ أعسرُ على الأمَّةِ منْ أنْ يرادَ منهمْ أن يفهموا منْ آياتِ الصِّفاتِ ما لا تدلُ عليهِ، بل تَدلُّ على خلافهِ ويقولُ: اعلموا يا عبادي أنِّي أردتُ منكم أنْ تعلموا أنِّي لستُ فوقَ العالمِ، ولا تحتَهُ، ولا فوقَ عرشي، ولا ترفعُ الأيدي إليَّ ولا يعرجُ إليَّ شيءٌ، ولا ينزلُ منْ عندي شيءٌ منْ قولي: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]. ومن قولي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ومنْ قولي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومنْ قولي: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. ومنْ قولي: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ومنْ قولي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومنْ قولي: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى: ١]. ومنْ قولي: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. ومنْ قولي: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. ومنْ قولي: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
[ ٣٤٥ ]
فإنَّكم إذا فهمتم منْ هذهِ الألفاظِ حقائقهَا وظواهرهَا فهمتم خلافَ مرادي منها، بلْ مرادي منكم أنْ تفهموا منها ما يدلُّ على خلافِ حقائقهَا وظواهرهَا. فأيُّ تيسيرٍ يكونُ هناكَ وأيُّ تعقيدٍ وتعسيرٍ لم يحصلْ بذلكَ، ومعلومٌ أنَّ خطابَ الرجلِ بما لا يفهمهُ إلَّا بترجمةٍ أيسرُ عليهِ منْ خطابهِ بما كلِّفَ أنْ يفهمَ منهُ خلافَ موضوعهِ وحقيقتهِ بكثيرٍ. فإنَّ تيسيرَ القرآنِ منافٍ لطريقةِ النُّفاةِ المحرِّفِينَ أعظمُ منافاةٍ (١). الذينَ يقولونَ إنَّ آياتِ الصِّفاتِ ظاهرهَا التَّشْبيهُ فنفوِّضُ أو نؤوِّلُ، كمَا قالَ قائلهم:
وكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تَنْزِيها
فمنْ تدبَّرَ القرآنَ، وعرفَ مقصودَ القرآنِ: تبيَّن لهُ المرادُ، وعرفَ الهدى والرسالةَ، وعرفَ السَّدادَ مِنَ الانحرافِ والاعوجاجِ (٢)، وتبيَّنَ لهُ بُطْلانُ قولِ منْ يقولُ: إنَّ آياتِ الصِّفاتِ مِنَ المتشابَه.
والحَقُّ أَبْلَجُ لا تَزِيغُ سَبِيلُهُ والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذوُو الأَلْبَابِ (٣)
* * *