اعلمْ رحمكَ اللهُ بأنَّ النُّصوصَ الدَّالَّةَ على علوِّ الله على العرشِ: لا تخفى على ذي عيانٍ؛ بل أجلى منْ ضياءِ الشمسِ في البيانِ، لكنْ لمن له فهمٌ ثاقبٌ، وعقلٌ كاملٌ، وبصرٌ ناقدٌ.
وهذه النُّصوصُ الدَّالَّةُ على علوِّ الله على العرش «لمْ يعارضْهَا قطُّ صريحٌ معقولٌ، فضلًا عنْ أنْ يكونَ مقدَّمًا عليهَا، وإنَّما الذي يعارضُهَا «جهليَّاتٌ»، و«ضلالاتٌ»، و«خيالاتٌ»، و«شبهاتٌ مكذوباتٌ»، و«أوهامٌ فاسدةٌ»، وأنَّ تلك الأسماء ليستْ مطابقةً لمسمَّاها، بلْ هي منْ جنسِ تسميةِ الأوثانِ «آلهةً» و«أربابًا»، وتسميةِ «مسيلمةَ الكذَّاب» وأمثاله «أنبياء»: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى *﴾ [النجم: ٢٣]» (١)، مبناهَا عَلَى معانٍ متشابهةٍ وألفاظٍ مجملةٍ، فمتى وقعَ الاستفسارُ والبيانُ ظهرَ أنَّ ما عارضهَا شبهٌ سوفسطائيةٌ (٢)، لا براهين عقلية.
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
فَأَدِلَّةُ الإِثْبَاتِ حَقًّا لاَ يَقْو مُ لَهَا الجِبَالُ وَسَائِرُ الأكْوَانِ
تَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ وَوَحْيُهُ مَعْ فِطْرَةِ الرَّحمنِ وَالبُرْهَانِ
أنَّى يُعَارضُها كِنَاسَةُ هَذِهِ الـ أذْهَانِ بِالشُّبُهَاتِ وَالهَذَيَانِ
وَجَعَاجِعٌ وَفَرَاقِعٌ مَا تَحْتَهَا إلَّا السَّرابُ لوَارِدٍ ظَمْآنِ (٣)
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) بين شيخ الاسلام ﵀ في «بيان تلبيس الجهمية» ١/ ٣٢٤): أنَّ كلمةَ السَّفْسَطَةِ تتضمن إنكارَ الحقِّ، وتمويهَهُ بالباطل؛ فكُلُّ من جحد حقًا معلومًا، ومَوَّهَ ذلك بباطل فهو مُسَفْسِطٌ.
(٣) الكافية الشافية (ص١٥٤).
[ ١٨٠ ]
وإنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ جعلوا أقْوالهم التي ابتدعوهَا، أصولَ دينهمْ - وإن سمُّوها «أصولَ العلم والدِّين» فهي «تَرْتِيبُ الأُصُولِ في مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ والمَعقُولِ» - ومعتقدهمْ في ربِّ العالمينَ هيَ المحكمةُ، وجعلوا قولَ الله ورسولهِ هو المتشابهُ الذي لا يستفادُ منهُ علمٌ ولا يقينٌ، ثمَّ ردُّوا تشابهَ الوحيِ إلى محكمِ كلامهم وقواعدهم.
وهذا كمَا أحدثوهُ مِنَ الأصولِ التي نفوا بها صفاتِ الرَّبِّ ﷻ، ونعوتِ كمالهِ، ونفوا بها كلامهُ، وتكليمَهُ، وعلوَّهُ على عرشهِ، محكمًا، وجعلوا النُّصوصَ الدَّالَّةِ على خلافِ تلكِ القواعدِ والأصولِ متشابهةً يقضي بتلكَ القواعدِ عليها وتردُّ النُّصوصُ إليها.
وأمَّا أهلُ العلمِ والإيمانِ فطريقهم عكسُ هذهِ الطريقةِ منْ كلِّ وجهٍ، يجعلونَ كلامَ اللهِ ورسولهِ هو الأصلُ الذي يُعْتَمَدُ عليهِ، ويردُّ ما يتنازعُ النَّاسُ فيهِ إليهِ، فمَا وافقهُ كانَ حقًّا، وما خالفهُ كانَ باطلًا، وإذا وردَ عليهم لفظٌ مشتبهٌ ليسَ في القرآنِ ولا في السنَّةِ [كالحيِّزِ والجهةِ والمكانِ والجسمِ والحركةِ] لمْ يتلقَّوهُ بالقبولِ، ولمْ يردُّوهُ بالإنكارِ حتَّى يسْتفصلوا قائلهُ عنْ مرادهِ، فإنْ كانَ حقًّا موافقًا للعقلِ والنَّقلِ قبلوهُ، وإنْ كانَ باطلًا مخالفًا للعقلِ والنَّقلِ ردُّوهُ، ونصوصُ الوحيِ عندهم أعْظمُ وأكْبَرُ في صدورهم مِنْ أنْ يقدِّموا عليها ألْفاظًا مجملةً، لها معانٍ مشْتبهةٍ (١).
_________________
(١) الصواعق (ص٩٩١ - ٩٩٢)، وانظر: «فتح الباري» (٧/ ٢٣٩ - ٢٤١) لابن رجب الحنبلي.
[ ١٨١ ]
وهذا أصلٌ مهمٌّ، منْ تصوَّرهُ وتدبَّرهُ انتفعَ بهِ غايةَ النَّفعِ وتخلَّصَ بهِ منْ ضلالِ المتفلسفينَ، وحيرةِ المتكلِّمينَ، «وعرفَ حقيقةَ الأقوالِ الباطلةِ، وما يلزمها مِنَ اللَّوازمِ، وعرفَ الحقَّ الذي دلَّ عليهِ صحيحُ المنقولِ، وصريحُ المعقولِ لا سيَّما في هذهِ الأصولِ التي هي أصولُ كلِّ الأصولِ، والضَّالُّونَ فيها لما ضيَّعوا الأصولَ حُرِموا الوصول» (١). والأصولُ اتِّباعُ ما جاء به الرسول ﷺ (٢). كما قيل:
أيُّها المُغْتَدِي لِتَطْلُبَ عِلْمًا كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ
تَطْلُبُ الفِرْعَ كي تُصَحِّحَ حكمًا ثُمَّ أَغْفَلْتَ أَصْلَ أَصْلِ الأُصُولِ (٣)
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: الرسولُ ﷺ بيَّنَ الأصولَ الموصلةَ إلى الحقِّ أحسنَ بيانٍ، وبيَّنَ الآياتِ الدَّالةَ على الخالقِ سبحانُه، وأسمائهِ الحسنى، وصفاتهِ العليا، ووحدانيتهِ، على أحسنِ وجهٍ.
وأمَّا أهلُ البدعِ منْ أهلِ الكلامِ والفلسفةِ ونحوهم فهمْ لم يثبتوا الحقَّ، بلْ أصَّلوا أصولًا تناقضُ الحقَّ، فلمْ يكفهم أنَّهم لم يهتدوا ولم يدلُّوا على الحقِّ، حتَّى أصَّلوا أصولًا تناقضُ الحقَّ، ورأوا أنَّها تناقضُ ما جاء بهِ الرسول ﷺ، فقدَّموها على ما جاءَ بهِ الرسولُ (٤) ﷺ فيا بئسَ ما أصَّلوا وما فرَّعوا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٧).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٧).
(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٨).
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
[ ١٨٢ ]
وإذا تأمَّلتَ تعمُّقهم في التَّأويلاتِ المخالفةِ لظاهرِ الكتابِ والسنَّةِ، وعدولَهم عنهما إلى زخرفِ القولِ والغرورِ لتقويةِ باطلهم، وتقريبهِ إلى القلوبِ الضعيفةِ لاحَ لكَ الحقُّ، وبانَ الصدقُ، فلا تلتفتْ إلى ما أسسوهُ، ولا تبالِ بما زخرفوهُ، والزمْ نصَّ الكتابِ، وظاهرَ الحديثِ الصحيحِ اللَّذينِ هما أصولُ الشرعياتِ، تقفُ على الهدى المستقيمِ (١).
وبعدَ هذا البيانِ نذكرُ شبهاتِ المتكلِّمينَ - التي عارضوا بها نصوصَ الوحي - ثمَّ نأتي عليهَا مِنَ القواعدِ بإذن الله ﷾.
الشُّبْهَةُ الأولى
يستلزمُ منْ إثباتِ الفوقيَّةِ لله تعالى أنْ يكونَ في مكانٍ وحيِّزٍ وجهةٍ (٢).
ينبغي أنْ يُعلمَ بأنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلام إذا قالوا: «إنَّ الله منزَّهٌ عَنِ الحيِّز والجهةِ والمكانِ» أوهموا النَّاسَ أنَّ مقصودهم بذلكَ أنَّهُ لا تحصرهُ المخلوقاتُ، ولا تحوزه المصنوعاتُ، وهذا المعنى صحيحٌ، ومقصودهم: أنَّهُ ليسَ مباينًا للخلقِ ولا منفصلًا عنهم، وأنَّهُ ليس فوق السَّمواتِ ربٌّ يعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ يصلَّى لهُ ويسجدُ، وأنَّ محمَّدًا لم يُعْرَجْ بهِ إليهِ، ولا ترفعُ إليهِ الأيدي في الدُّعاءِ، ونحو ذلك منْ كلامِ الجهميَّةِ الفرعونيَّة.
تَالله قَدْ ضَلَّتْ عُقُولُ القَوْمِ إذْ قَالُوا بِهَذَا القَوْلِ ذِي البُطْلاَنِ (٣)
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٩٥).
(٢) قال شيخ الاسلام في «منهاج السنة» (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨): «هؤلاء أخذوا لفظ «الجهة» بالاشتراك، وتوهموا وأوهموا أنه إذا كان في جهة كان في كل شيء غيره، كما يكون الإنسان في بيته وكما يكون الشمس والقمر والكواكب في السماء، ثم رتبوا على ذلك أنه يكون محتاجًا إلى غيره، والله تعالى غنيٌّ عن كل ما سواه، وهذه مقدِّماتٌ كلها باطلةٌ».
(٣) الكافية الشافية (ص٩٠).
[ ١٨٣ ]
والردُّ على الشُّبهةِ المذكورةِ أنْ يقالَ:
الأصلُ في هذا البابِ أنَّ كلَّ ما ثبتَ في كتابِ الله تعالى، أو سنَّةِ رسولهِ ﷺ وجبَ التَّصديقُ بهِ، مثلُ علوِّ الرَّبِّ، واستوائهِ على عرشهِ ونحو ذلكَ. وأمَّا الألفاظُ المبتدعةُ في النَّفيِ والإثباتِ، مثلُ قولِ القائلِ: هوَ في جهةٍ أو ليسَ في جهةٍ، وهو متحيِّزٌ أو ليسَ بمتحيِّزٍ، ونحو ذلكَ مِنَ الألفاظِ التي تنازعَ فيهَا النَّاسُ، وليسَ مع أحدهمْ نصٌّ لا عَنِ الرسولِ ﷺ، ولا عَنِ الصَّحابةِ ﵃، والتابعينَ لهمْ بإحسانٍ، ولا أئمَّةِ المسلمين. هؤلاءِ لمْ يقلْ أحدٌ منهم: إنَّ الله تعالى في جهةٍ، ولا قالَ ليسَ هوَ في جهةٍ، ولا قالَ: هوَ متحيِّزٌ، ولا قالَ: ليسَ بمتحيِّزٍ، بلْ ولا قالَ: هو جسمٌ أو جوهرٌ، ولا قالَ: ليسَ بجسمٍ ولا جوهرٍ. فهذهِ الألفاظُ ليستْ منصوصةً في الكتابِ، ولا السنَّةِ، ولا الإجماعِ، والنَّاطقونَ بها قدْ يريدونَ معنًى صحيحًا وقدْ يريدونَ معنًى فاسدًا، فإنْ أرادوا معنًى صحيحًا يوافقُ الكتابَ والسنَّةَ، كانَ ذلكَ مقبولًا منهمْ. وإنْ أرادوا معنًى فاسدًا يخالفُ الكتابَ والسنَّةَ، كانَ ذلكَ المعنى مردودًا عليهم.
[ ١٨٤ ]
فإذا قالَ القائلُ: إنَّ الله تعالى في جهةٍ، قيلَ ما تريدُ بذلكَ؟ أتريدُ بذلكَ أنَّهُ سبحانهُ في جهةٍ موجودةٍ تحصرهُ وتحيطُ بهِ وتعلو عليهِ، أو يحتاجُ إليها بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، مثلَ أنْ يكونَ في جوفِ السَّمواتِ، أمْ تريدُ بالجهةِ أمرًا عدميًّا وهوَ ما فوقَ العالمِ، فإنَّه ليسَ فوقَ العالمِ شيءٌ مِنَ المخلوقاتِ، فإنْ أردتَ الجهةَ الوجوديَّةَ، وجعلتَ الله تعالى محصورًا في المخلوقاتِ فهذا باطلٌ. فكلُّ موجودٍ سوى الله فهو مخلوقٌ، والله خالقُ كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما سواه فهو فقيرٌ إليه، وهو غنيٌّ عمَّا سواهُ. وإنْ أردتَ الجهةَ العدميَّةَ، وأردتَ الله تعالى وحدَهُ فوقَ المخلوقاتِ بائنٌ عنها، فهذا حقٌّ، وليسَ في ذلكَ أنَّ شيئًا مِنَ المخلوقاتِ حصرهُ ولا أحاطَ بهِ ولا علاَ عليهِ، بلْ هوَ العالي عليهَا المحيطُ بها، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية.
وقدْ ثبتَ في الصَّحيحِ عَنِ النبي ﷺ: «أنَّ اللهَ ﷿ يَقْبِضُ الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ ويَطْوِي السَّمواتِ بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَهُزُّهُنَّ فيقولُ: أنا المَلِكُ أينَ ملوكُ الأَرْضِ» (١).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨١٢ و٦٥١٩ و٧٣٨٢ و٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٧ و٢٧٨٨) عن أبي هريرة وابن عمر ﵃.
[ ١٨٥ ]
ومنْ قالَ: إنَّ الله تعالى ليسَ في جهةٍ. قيلَ لهُ ما تريدُ بذلكَ؟ فإنْ أرادَ بذلكَ أنَّه ليسَ فوقَ السَّمواتِ ربٌّ يعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ، ونبيُّنا محمَّدٌ ﷺ لمْ يعرجْ بهِ إلى الله تعالى، والأيدي لا ترفعُ إلى الله تعالى في الدُّعاءِ، ولا تتوجَّهُ القلوبُ إليهِ، ولا تصعدُ الملائكةُ إليهِ، ولا تنزلُ الكتبُ منهُ، ولا يقربُ منهُ شيءٌ، ولا يدنو إلى شيءٍ، فهذا فرعونيٌّ معطِّلٌ، جاحدٌ لربِّ العالمينَ. ومنْ نفى الجهةَ وأراد بالنَّفي كون المخلوقات محيطةً بهِ أو كونه مفتقرًا إليها فهذا حقٌّ.
وكذلكَ منْ قال: إنَّ الله تعالى متحيِّزٌ، أو قالَ ليس بمتحيِّزٍ، إنْ أرادَ بقولهِ متحيِّزٌ أنَّ المخلوقاتِ تحوزهُ وتحيطُ بهِ، وليسَ هو بقدرتهِ يحملُ العرشَ وحملتهُ، وليسَ هو العليٌّ الأعلى الكبيرُ العظيمُ الذي لا تدركهُ الأبصارُ وهوَ يدركُ الأبصارَ، فقدْ أخطأَ. وإنْ أرادَ بهِ أنه منحازٌ عَنِ المخلوقاتِ مباينٌ لها عالٍ عليهَا فوق سمواتهِ على عرشهِ بائنٌ منْ خلقهِ، فقدْ أصابَ. ومنْ قالَ: ليس بمتحيِّزٍ؛ إنْ أرادَ المخلوقاتُ لا تحوزهُ فقدْ أصابَ. وإنْ أرادَ ليسَ ببائنٍ عنهَا بلْ هوَ لا داخلٌ فيها ولا خارجٌ عنها فقدْ أخطأ.
ومنْ قالَ بنفي المكانِ عَنِ الله ﷿، فقد يُراد بالمكانِ ما يحوي الشيءَ ويحيطُ به، وقد يرادُ بهِ ما يستقرُّ الشَّيءُ عليه بحيثُ يكونُ محتاجًا إليهِ، وقدْ يرادُ بهِ ما كانَ الشيءُ فوقَهُ وإن لم يكنْ محتاجًا إليهِ، وقدْ يرادُ بهِ ما فوق العالم وإن لم يكن شيئًا موجودًا.
فإنْ قيلَ: هو في مكانٍ بمعنى إحاطة غيرهِ بهِ وافتقارهُ إلى غيرهِ؛ فالله منزَّهٌ عَنِ الحاجةِ إلى الغيرِ وإحاطةِ الغيرِ بهِ ونحو ذلكَ.
وإنْ أريدَ بالمكانِ ما فوق العالمِ وما هو الرَّبُّ فوقهُ.
[ ١٨٦ ]
قيلَ: إذا لم يكنْ إلَّا خالقٌ أو مخلوقٌ، والخالقُ بائنٌ مِنَ المخلوقِ، كانَ هو الظاهرُ الذي ليسَ فوقهُ شيءٌ.
وإذا قالَ القائلُ: هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ فهذا المعنى حقٌّ سواء سمَّيتَ ذلكَ مكانًا أوْ لمْ تسمِّه.
وإذا عُرف المقصودُ فمذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ ما دلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ واتَّفقَ عليه سلفُ الأمَّةِ، وهو القول المطابقُ لصحيحِ المنقولِ وصريحِ المعقول (١).
قالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: «وحقيقةُ الأمرِ في المعنى أنْ يُنظرَ إلى المقصودِ، فَمَنِ اعتقدَ أنَّ المكانَ لا يكونُ إلَّا ما يفتقرُ إليهِ المتمكنُ، سواءُ كانَ محيطًا به، أو كانَ تحتهُ، فمعلومٌ أنَّ الله سبحانه ليسَ في مكانٍ بهذا الاعتبارِ، ومَنِ اعتقدَ أنَّ العرشَ هو المكانُ، وأنَّ الله فوقهُ، مع غناه عنهُ، فلا ريبَ أنَّهُ في مكانٍ بهذا الاعتبارِ.
فممَّا يجبُ نفيهُ بلا ريبٍ افتقارُ الله تعالى إلى ما سواه، فإنَّهُ سبحانهُ غنيٌّ عنْ ما سواهُ، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليهِ، فلا يجوزُ أن يُوصفَ بصفةٍ تتضمَّنُ افتقارَهُ إلى ما سواه» (٢).
ثمَّ نقولُ: لا نسلِّمُ كونَ الباري على عرشهِ فوقَ السَّماواتِ يلزمُ منهُ أنَّهُ في حيِّزٍ وجهةٍ، لأنَّ العرشَ سقفُ جميعِ المخلوقاتِ، فما فوقهُ لا يسمَّى جهةً، وما دونَ العرشِ يقالُ فيهِ حيِّزٌ وجهاتٌ، وما فوقهُ فليسَ هوَ كذلكَ، والله فَوْقَ عَرْشِهِ كما أجمعَ عليهِ الصَّدرُ الأوَّلُ ونقلهُ عنهم الأئمَّةُ.
ولو سلَّمنا أنَّه يلزمُ منْ إثباتِ العلوِّ إثباتُ الجهةِ، فلازمُ الحقِّ حقٌّ، فما استلزمهُ صريحُ الآياتِ والأحاديثِ فهوَ حقٌّ بلا خلافٍ عندَ أهلِ السنَّةِ.
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٤٩).
[ ١٨٧ ]
أمَّا القولُ المتولِّدُ أخيرًا مِنْ أنَّهُ تعالى ليسَ فوقَ العرشِ، فهذا شيءٌ لا يعقلُ ولا يفهمُ، مع ما فيهِ منْ مخالفةِ الآياتِ والأخبارِ. ففرَّ بدينكَ، وإيَّاكَ وآراءَ المتكلِّمينَ، وآمنْ باللهِ وما جاءَ عَنِ الله على مرادِ الله، وفوِّض أمركَ إلى الله، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله (١).
ومنْ تدبَّر هذا كلَّهُ وتأمَّلهُ، تبيَّنَ لهُ أنَّ ما جاءَ بهِ القرآنُ منْ [إثباتِ علوِّ الله على خلقهِ] هو الحقُّ المعلومُ بصريحِ المعقولِ، وأنَّ هؤلاءِ خالفوا القرآنَ في أصولِ الدينِ: في دلائلِ المسائلِ، وفي نفسِ المسائلِ، خلافًا خالفوا بهِ القرآنَ والإيمانَ، وخالفوا به صريحَ عقلِ الإنسانِ، وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلافِ ذلكَ أهلَ كذبٍ وبهتانٍ، وإنْ لمْ يكونوا متعمِّدينَ الكذبَ، بل التبسَ عليهم ما ابتدعوهُ مِنَ الهَذَيَانِ (٢).
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ
لو كانَ الخالقُ فوقَ العرشِ لكانَ حاملُ العرشِ حاملًا لمنْ فوقَ العرشِ فيلزمْ احتياجُ الخالقِ إلى المخلوقِ.
اعلمْ باركَ اللهُ فيكَ بأنَّ «غايةَ ما عندَ هؤلاءِ المتقعِّرينَ مِنَ العلمِ، عباراتٌ وشقاشقُ لا يعبأ الله بها، يحرِّفونَ بها الكلمَ عنْ مواضعهِ قديمًا وحديثًا، فنعوذُ باللهِ مِنَ الكلامِ وأهلهِ» (٣).
والكلامُ المذكورُ فيه من الافتراء على تعالى ووصفهِ بالنقَائصِ ما يعلم بطلانهُ بصريح المعقولِ وصحيح المنقول.
والردُّ على الشُّبهةِ المذكورةِ منْ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:
_________________
(١) العلو (ص١٣٧٨)، ومعارج القبول (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٠٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٧).
[ ١٨٨ ]
هؤلاءِ النُّفاةِ كثيرًا ما يتكلَّمونَ بالأوهامِ والخيالاتِ الفاسدةِ، ويصفونَ الله بالنَّقائصِ والآفاتِ، ويمثِّلونهُ بالمخلوقاتِ، بلْ بالنَّاقصاتِ، بلْ بالمعدوماتِ، بلْ بالممتنعاتِ، فكلُّ ما يضيفونهُ إلى أهلِ الإثباتِ الذينَ يصفونهُ بصفاتِ الكمالِ وينزِّهونهُ عَنِ النَّقائصِ والعيوبِ، وأنْ يكونَ لهُ في شيءٍ منْ صفاتهِ كُفوٌ أوْ سَمِيٌّ، فما يضيفونهُ إلى هؤلاءِ منْ زعمهم أنَّهم يحكِّمونَ بموجبِ الوهمِ والخيالِ الفاسدِ، أو أنَّهم يصفونَ الله بالنَّقائصِ والعيوبِ، أو أنَّهم يشبِّهونهُ بالمخلوقاتِ، هو بهم أَخْلَقُ، وهو بهم أعلقُ، وهمْ بهِ أحقُّ، فإنَّكَ لا تجدُ أحدًا سلبَ الله ما وصفَ بهِ نفسَهُ منْ صفاتِ الكمالِ، إلَّا وقولهُ يتضمَّنُ لوصفهِ بما يستلزمُ ذلكَ مِنَ النَّقائصِ والعيوبِ ولمثيلهِ بالمخلوقاتِ، وتجدهُ قد توهَّمَ وتخيَّلَ أوهامًا وخيالاتٍ فاسدةٍ غير مطابقةٍ بنى عليها قولَهُ منْ جنسِ هذا الوهمِ والخيالِ، وأنَّهم يتوهَّمون ويتخيَّلون أنَّهُ إذا كانَ فوقَ العرشِ كانَ محتاجًا إلى العرشِ، كما أنَّ الملكَ إذا كانَ فوقَ كرسيِّهِ كان محتاجًا إلى كرسيِّه (١)، وكمَا يحتاجُ الإنسانُ إلى السَّطحِ أو السريرِ. وهذا «تشبيهٌ لهُ بالمخلوقِ الضعيفِ العاجزِ الفقيرِ» (٢) وقياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّ «قياسَ الله الخالقُ لكلِّ شيءٍ الغنيُّ عنْ كلِّ شيءٍ، الصمدُ الذي يفتقرُ إليهِ كلُّ شيءٍ بالمخلوقاتِ الضعيفةِ المحتاجةِ عدلٌ لها بربِّ العالمينَ، ومنْ عدلها بربِّ العالمينَ فإنَّهُ في ضلالٍ مبينٍ» (٣).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٩).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٢٦).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٢٥).
[ ١٨٩ ]
وهؤلاءِ الجهميَّةِ دائمًا يشركونَ بالله، ويعدلونَ بهِ، ويضربونَ لهُ الأمثالَ (١). فإنَّ كلامهم هذا وأمثالَهُ عدلٌ بالله، وإشراكٌ بهِ، وجعلُ أندادٍ لهُ، وضربُ أمثالٍ لهُ: فكلامهم في علوِّ الله يوجبُ لهم أنَّهم جعلوا مثلَ هذا العلوِّ: يجمعُ مِنَ التمثيلِ لله والعدلِ بهِ ابتداءً، ومِنْ جحدِ علوِّهِ المستلزمِ لجحودِ ذاتهِ انتهاءً؛ ظانِّينَ أنَّ هذا تنزيهٌ لله وتقديسٌ (٢).
أوَلا يعلمونَ أنَّ الله يحبُّ أنْ نثبتَ لهُ صفاتِ الكمالِ وننفي عنهُ مماثلةَ المخلوقاتِ؟ وأنَّهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، لا في ذاتهِ ولا في صفاتهِ ولا أفعالهِ؟ فلا بدَّ منْ تنزيههِ عَنِ النَّقائصِ والآفاتِ ومماثلةِ شيءٍ مِنَ المخلوقاتِ، وذلكَ يستلزمُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ والتمامِ، التي ليسَ فيهَا كفوٌ لذي الجلالِ والإكرامِ.
وبيانُ ذلكَ هنا: أنَّ الله مستغنٍ عنْ كلِّ ما سواهُ، وهوَ خالقُ كلِّ مخلوقٍ، ولم يصرْ عاليًا على الخلقِ بشيءٍ مِنَ المخلوقاتِ، بل هوَ سبحانهُ خلقَ المخلوقاتِ، وهو بنفسهِ عالٍ عليهَا، لا يفتقرُ في علوِّهِ عليهَا إلى شيءٍ منهَا كمَا يفتقرُ المخلوقُ إلى ما يعلو عليهِ مِنَ المخلوقات، وهو سبحانهُ حاملٌ بقدرتهِ للعرشِ ولحملةِ العرشِ. فإنَّما أطاقوا حملَ العرشِ بقوَّته تعالى، والله إذا جعلَ في مخلوقٍ قوَّةً أطاقَ المخلوقُ حملَ ما شاءَ أن يحملهُ منْ عظمتهِ وغيرهَا، فهو بقوَّته وقدرتهِ الحاملُ للحاملِ والمحمولِ، فكيفَ يكونُ مفتقرًا إلى شيءٍ؟ وأيضًا فالمحمولُ مِنَ العبادِ بشيءٍ عالٍ، لو سقطَ ذلكَ العالي سقطَ هوَ، واللهُ أغنى وأجلُّ وأعظمُ منْ أنْ يوصفَ بشيءٍ منْ ذلكَ (٣).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٢٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٨٣) بتصرف يسير.
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٩ - ٢٠).
[ ١٩٠ ]
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «واستواؤهُ وعلوُّهُ على عرشهِ سلامٌ منْ أنْ يكونَ محتاجًا إلى ما يحملهُ أو يستوي عليهِ، بَلِ العرشُ محتاجٌ إليهِ، وحملتهُ محتاجونَ إليه. فهوَ الغنيُّ عَنِ العرشِ وعَنْ حملتهِ وعنْ كلِّ ما سواه. فهو استواءٌ وعلوٌّ لا يشوبهُ حصرٌ ولا حاجةٌ إلى عرشٍ ولا غيرهِ، ولا إحاطةٌ شيءٍ بهِ ﷾، بلْ كانَ سبحانهُ ولا عرش، ولم يكنْ بهِ حاجةٌ إليهِ، وهو الغنيُّ الحميدُ، بل استواؤهُ على عرشهِ واستيلاؤهُ على خلقهِ منْ موجباتِ ملكهِ وقهرهِ منْ غيرِ حاجةٍ إلى عرشٍ ولا غيرهِ بوجهٍ ما» (١).
وهَوَ السَّلامُ على الحَقِيقَةِ سَالِمٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وتَمْثِيْلِ (٢).
الوَجْهُ الثاني:
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ١٣٦).
(٢) الكافية الشافية (ص٢٤٧).
[ ١٩١ ]
لا نسلِّمُ أنَّ مَنْ حملَ العرشَ يجبُ أنْ يحملَ مَا فوقهُ إلَّا أنْ يكونَ مَا فوقهُ معتمدًا عليهِ، وإلَّا فالهواءُ فوقَ الأرضِ وليسَ محتاجًا إليهَا، وكذلكَ السَّحابُ فوقهَا وليس محتاجًا إليهَا، وكذلكَ السَّماواتُ فوقَ الأرضِ وليستْ الأرضُ حاملةً السَّماواتِ، وكلُّ سماءٍ فوقها سماءٌ، وليسَ السفلى حاملةً للعليا، وكذلكَ السَّمواتُ فوقَ السَّحابِ والهواءِ والأرضِ، وليستْ محتاجةً إلى ذلكَ، وكذلكَ العرشُ فوقَ السَّمواتِ وليسَ محتاجًا إليهَا، فإذا كانَ كثيرٌ مِنَ الأمورِ العاليةِ فوقَ غيرهَا ليسَ محتاجًا إليها فكيفَ يجبُ أنْ يكونَ «العليُّ الأعلى» خالقُ الخلقِ الغنيُّ الصَّمدُ محتاجًا إلى ما هو عالٍ عليهِ وهو فوقهُ، مَعَ أنَّهُ هوَ خالقهُ وربُّهُ ومليكُهُ، وذلكَ المخلوقُ بعضُ مخلوقاتهِ، مفتقرٌ في كلِّ أمورهِ إليهِ. فإذا كان المخلوقُ إذا علا على كلِّ شيءٍ غنيٌّ عنهُ لمْ يجبْ أنْ يكونَ محتاجًا إليهِ فكيفَ يجبُ على الرَّبِّ إذا علا على كلِّ شيءٍ منْ مخلوقاتهِ وذلكَ الشيءُ مفتقرٌ إليه أنْ يكونَ الله محتاجًا إليهِ (١)؟!
وأصحابُ التلبيسِ واللَّبسِ لا يميِّزونَ هذا التمييزَ، ولا يفصِّلونَ هذا التفصيلَ، ولو ميَّزوا وفصَّلوا لهدوا إلى سواءِ السَّبيلِ، وعلموا مطابقةَ العقلِ الصَّريحِ للتنزيلِ ولسلكوا خلفَ الدليلِ، ولكنْ فارقوا الدليلَ وضلُّوا سواءَ السَّبيلِ (٢).
_________________
(١) تلبيس الجهمية (٢/ ١٤٤) بتصرف يسير.
(٢) لمزيد من التفصيل، انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٤٩١ - ٤٩٢)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٢٠ - ٥٦٦)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٤٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٩ - ٢٠)، والصواعق (٤/ ١٢١٩ - ١٢٢٠).
[ ١٩٢ ]
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ
لَوْ كانَ اللهُ فِي السَّمَاءِ لكانَ محصورًا.
هؤلاءِ النُّفاةِ يوهمونَ عامَّةَ المسلمينَ أنَّ مقصودَهم تنزيهُ الله عنْ أنْ يكونَ محصورًا في بعضِ المخلوقاتِ، [أو مفتقرًا إلى مخلوق]، ويفترونَ الكذبَ على أهلِ الإثباتِ أنَّهم يقولونَ ذلكَ، كقولِ بعضهم أنَّهم يقولونَ إنَّ الله في جوفِ السَّمواتِ، إلى أمثالِ هذهِ الأكاذيبِ التي يفترونها على أهلِ الإثباتِ، فيخدعونَ بذلكَ جهَّالَ النَّاسِ، فإذا وقعَ الاستفصالُ والاستفسارُ، انكشفتِ الأسرارُ، وتبيَّنَ الليلُ مِنَ النَّهارِ، وتميَّزَ أهلُ الإيمانِ واليقينِ منْ أهلِ النِّفاقِ المُدَلِّسِينَ، الذين لَبَّسُوا الحقَّ بالباطلِ، وكتموا الحقَّ وهمْ يعلمون (١).
والردُّ على الشبهةِ المذكورةِ أنْ يقالَ:
من توهَّمَ أنَّ كونَ اللهِ في السَّمَاءِ بمعنى أنَّ السَّمَاءَ تحيطُ بهِ وتحويهِ فهوَ كاذبٌ - إنْ نقلهُ عنْ غيرهِ - وضالٌّ - إن اعتقدهُ في ربِّهِ - ومَا سمعنا أحدًا يفهمُ هذا مِنَ اللَّفظِ، ولا رأينَا أحدًا نقلهُ عنْ واحدٍ، ولوْ سئلَ سائرُ المسلمينَ هل تفهمونَ مِنْ قولِ اللهِ ورسولهِ «إنَّ الله في السَّماء» أنَّ السَّماءَ تحويهِ لبادرَ كلُّ واحدٍ منهم إلى أنْ يقولَ: هذا شيءٌ لعلَّهُ لمْ يخطرْ ببالنَا.
وإذا كانَ الأمرُ هكذا: فَمِنَ التكلُّفِ أنْ يُجعلَ ظاهرُ اللَّفظِ شيئًا محالًا لا يفهمهُ النَّاسُ منهُ، ثمَّ يريدُ أنْ يتأوَّلهُ، بلْ عندَ النَّاسِ «إنَّ الله في السَّماء» «وهو على العرشِ» واحدٌ، إذِ السَّماءُ إنَّما يرادُ بهِ العلوُّ، وكلُّ مَا علا فهوَ سماء. يقال: سما، يسمو، سموًّا، أي: علا، يعلو، علوًّا.
فإذا قيلَ: نزلَ المطرُ مِنَ السَّماءِ، كانَ نزولهُ مِنَ السَّحابِ.
وإذا قيلَ: العرشُ والجنَّةُ في السَّماءِ، لا يلزمُ منْ ذلكَ أنْ يكونَ العرشُ داخلَ السَّمواتِ، بلْ ولا الجنَّةِ.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٥٣).
[ ١٩٣ ]
والسَّلفُ والأئمَّةُ وسائرُ علماءِ السُّنَّةِ إذا قالوا: «اللهُ في السَّمَاءِ»، فالمرادُ بالسَّماءِ ما فوقَ المخلوقاتِ كلِّها، والمعنى: أنَّ اللهَ في العلوِّ لا في السُّفلِ، وهوَ العليُّ الأعلى، فله أعْلى العلوِّ، وهوَ مَا فوقَ العرشِ، وليسَ هناكَ غيرهُ - العليُّ الأعلى ﷾ - «لا يقولونَ إنَّ هناك شيئًا يحويهِ أو يحصرهُ، أو يكونُ محلًا لهُ أو ظرفًا ووعاءً ﷾ عنْ ذلكَ بلْ هوَ فوقَ كلِّ شيءٍ، وهو مستغنٍ عنْ كلِّ شيءٍ وكلُّ شيءٍ مفتقرٌ إليهِ، وهو عالٍ على كلِّ شيءٍ، وهو الحاملُ للعرشِ ولحملةِ العرشِ بقوَّتهِ وقدرتهِ، وكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إليه وهو غنيٌّ عَنِ العرشِ وعنْ كلِّ مخلوقٍ» (١). فأمَّا أنْ يكونَ في جوفِ السمواتِ فليسَ هذا قولُ أهلِ الإثباتِ، أهلِ العلمِ والسنَّةِ، ومنْ قالَ بذلكَ فهو جاهلٌ، كمنْ يقولُ: إنَّ اللهَ ينزلُ ويبقى العرشُ فوقَهُ، أو يقولُ: إنَّهُ يحصرهُ شيءٌ منْ مخلوقاتهِ، فهؤلاءِ ضُلَّالٌ: كما أنَّ أهلَ النَّفيِ ضُلَّالٌ (٢).
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة ﵀: وليس معنى قولهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّهُ مختلطٌ بالخلقِ؛ فإنَّ هذا لا توجبهُ اللُّغةُ، وهو خلافُ ما أجمعَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ، وخلافُ ما فطرَ الله عليهِ الخلقَ، بلِ القمرُ آيةٌ منْ آياتِ الله منْ أصغرِ مخلوقاتهِ، وهوَ موضوعٌ في السَّماء، وهوَ مَعَ المسافرِ وغيرِ المسافرِ أينمَا كانَ.
وهوَ سبحانهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رقيبٌ على خلقهِ، مهيمنٌ عليهمْ، مطَّلعٌ عليهم إلى غيرِ ذلكَ منْ معاني ربوبِيَّتهِ.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٠٠ - ١٠١).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥ - ١٦).
[ ١٩٤ ]
وكلُّ هذا الكلام الذي ذكرهُ الله - من أنَّه فوق العرشِ وأنَّهُ معنا - حقٌّ على حقيقتهِ، لا يحتاجُ إلى تحريفٍ، ولكنْ يصانُ عَنِ الظُّنونِ الكاذبةِ، مثلَ أنْ يُظنَّ أنَّ ظاهرَ قولهِ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٤]، أنَّ السَّماءَ تظلُّهُ أو تقلُّهُ، وهذا باطلٌ بإجماعِ أهلِ العلمِ والإيمانِ؛ فإنَّ الله قدْ وسعَ كرسيُّهُ السَّماواتِ والأرضَ، وهوَ يمسكُ السَّماواتِ والأرضَ أنْ تزولا، ويمسكُ السَّماءَ أنْ تقعَ على الأرضِ، إلَّا بإذنهِ، ومنْ آياتهِ أنْ تقومَ السَّماءُ والأرضُ بأمرهِ (١).
فمنْ يمسكُ السَّمواتِ والأرضَ؟ وبأمرهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ، وهوَ الذي يمسكهما أنْ تزولا، أيكونُ محتاجًا إليهما مفتقرًا إليهما؟.
وإذا كان المسلمونَ يكفِّرونَ منْ يقولُ: إنَّ السَّمواتِ تقلُّهُ أو تظلُّهُ؛ لما في ذلكَ من احتياجهِ إلى مخلوقاتهِ، فمنْ قالَ: إنَّهُ في استوائهِ على العرشِ محتاجٌ إلى العرشِ كاحتياجِ المحمولِ إلى حاملهِ فإنَّهُ كافرٌ؟ لأنَّ الله غنيٌّ عَنِ العالمينَ حيٌّ قيُّومٌ، هو الغنيُّ المطلقُ وما سواهُ فقيرٌ إليهِ. فكيفَ بمنْ يقولُ إنَّهُ مفتقرٌ إلى السَّمواتِ والأرضِ؟ فأينَ حاجتهُ في الحملِ إلى العرشِ، منْ حاجةِ ذاتهِ إلى ما هو دونَ العرشِ (٢)؟!
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (ص١٩٤ - ١٩٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).
[ ١٩٥ ]
فكيفَ يُتوهَّمُ بعدَ هذا أنَّ خلقًا يحصرهُ ويحويهِ؟! وقدْ قالَ سبحانهُ: ﴿وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي «على جذوعِ النَّخلِ» ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، بمعنى «على الأرضِ» ونحو ذلكَ، وهوَ كلامٌ عربيٌّ حقيقةً لا مجازًا وهذا يعلمهُ منْ عرفَ حقائقَ معاني الحروفِ، وأنَّها متواطئةٌ في الغالبِ لا مشتركةٌ (١).
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ
قال الرازيُّ: العالمُ كُرَةٌ فلو كانَ الله في جهةِ فوق لكانَ أسفلَ بالنِّسبةِ إلى سكَّانِ الوجهِ الآخر.
وهذا الكلامُ «إذا تدبَّرهُ العاقلُ تبيَّن لهُ أنَّ القومَ يقولونَ على الله ما لا يعلمونَ ويقولونَ على الله غيرَ الحقِّ» (٢).
وهذه الشُّبهةُ وأمثالها «مِنَ الخيالاتِ والأوهامِ الباطلةِ، التي تُعَارَضُ بها فطرةَ الله التي فطرَ النَّاسَ عليها، والعلومَ الضروريَّةَ، والقصودَ الضروريَّةَ، والعلومَ البرهانيةَ القياسيَّةَ، والكتبَ الإلهيَّةَ، والسننَ النبويَّةَ، وإجماعَ أهلِ العلمِ والإيمانِ منْ سائرِ البرية» (٣).
_________________
(١) الرسالة التدمريّة (ص٨٥ - ٨٩) تحقيق: محمود عودة السعودي، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٦) و(١٦/ ١٠٠ - ١٠١)، ودرء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٦)، والجواب الصحيح (٤/ ٣١٦ - ٣١٧).
(٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٥٥).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢١).
[ ١٩٦ ]
والجوابُ عَنِ الشُّبهة المذكورةِ منْ وجهين:
أحدُها:
أنْ يقالَ: القائلونَ بأنَّ العالمَ كرةٌ يقولونَ: إنَّ السَّماءَ عاليةٌ على الأرضِ منْ جميعِ الجهاتِ، والأرضُ تحتها منْ جميعِ الجهاتِ، والجهاتُ قسمان: حقيقيَّةٌ ولها جهتان: العلوُّ والسُّفلُ فقط، فالأفلاكُ وما فوقهَا هو العالي مطلقًا، وما في جوفهَا هوَ السَّافلُ مطلقًا، وإضافية: وهي الجهاتُ الست بالنِّسبةِ للحيوانِ، فما أمامهُ يقالُ لهُ أمامٌ، وما خلفهُ يقالُ له خلفٌ، وما عنْ يمينهِ يقالُ لهُ اليمينُ، وما عنْ يسارهِ يقالُ لهُ اليسارُ، وما فوقَ رأسهِ يقالُ لهُ فوقُ، وما تحتَ قدميهِ يقالُ لهُ تحتُ.
أرأيتَ لوْ أنَّ رجلًا علَّقَ رجليهِ إلى السَّماءِ ورأسهُ إلى الأرضِ أليستِ السماءُ فوقَهُ وإنْ قابلهَا برجليهِ؟! (١).
وإذا كانَ كذلكَ، فالملائكةُ الذينَ في السَّماءِ، هم باعتبارِ الحقيقةِ كلُّهم فوقَ الأرضِ، وليسَ بعضهمْ تحتَ شيءٍ مِنَ الأرضِ، وكذلكَ السَّحابُ وطيرُ الهواءِ، هوَ منْ جميعِ الجوانبِ فوقَ الأرضِ وتحتَ السَّماءِ، ليسَ شيءٌ منهُ تحتَ الأرضِ. وكذلكَ ما على ظهرِ الأرضِ مِنَ الجبالِ والنَّباتِ والحيوانِ والأناسيِّ وغيرهم، همْ منْ جميعِ جوانبِ الأرضِ فوقَها، وهمْ تحتَ السَّماءِ، وليسَ أهلُ هذهِ النَّاحيةِ تحتَ أهلِ هذهِ الناحيَّةِ، ولا أحدٌ منهم تحتَ الأرضِ ولا فوقَ السَّماءِ البتةَ.
وإذا كانتْ هذهِ المخلوقاتُ لا يلزمُ منْ علوِّها على ما تحتَها أنْ تكونَ تحتَ ما في الجانبِ الآخرِ مِنَ العالمِ، فالعليُّ الأعلى سبحانه أولى أنْ لا يلزم منْ علوِّه على العالمِ أنْ يكونَ تحتَ شيءٍ منهُ.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٦ - ١٩٧).
[ ١٩٧ ]
وكانَ مَنِ احتجَّ بمثلِ هذهِ الحجَّةِ إنَّما احتجَّ بالخيالِ الباطلِ الذي لا حقيقةَ لهُ، مَعَ دعواهُ أنَّهُ مِنَ البراهينِ العقليةِ، فإنْ كانَ يتصوَّرُ حقيقةَ الأمرِ فهوَ معاندٌ جاحدٌ محتجٌّ بما يعلمُ أنَّهُ باطلٌ، وإنْ كانَ لمْ يتصوَّر حقيقةَ الأمرِ، فهوَ منْ أجهلِ النَّاسِ بهذهِ الأمورِ العقليةِ، التي هيَ موافقةٌ لما أخبرتْ بهِ الرُّسلُ، وهو يزعمُ أنَّها تناقضُ الأدلَّةَ السمعيةَ، فهوَ كمَا قيلَ:
فَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالمُصِيْبَةُ أَعْظَمُ (١)
ومِنَ العجبَ أنَّ هؤلاءِ النُّفاةِ يعتمدونَ في إبطالِ كتابِ الله، وسنَّةِ أنبيائهِ ورسلهِ، وما اتَّفقَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتها، وما فطرَ الله عليهِ عبادَهُ، وجعلهم مضطرينَ إليهِ عندَ قصدهِ ودعائهِ، ونصب عليه البراهينَ العقليَّةَ الضروريَّةَ، على مثلِ هذه الحجَّةِ التي لا يعتمدونَ فيها إلَّا على مجرَّدِ خيالٍ ووهمٍ باطلٍ، مَعَ دعواهم أنهَّم هم الذينَ يقولونَ بموجبِ العقلِ، ويدفعونَ موجبَ الوهمِ والخيالِ (٢).
الوجهُ الثاني:
أنْ يقالَ: أنَّهُ ﷾ محيطٌ بكلِّ شيء، وفوقَ كلِّ شيءٍ.
قالَ ﷾: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ *﴾ [البروج: ٢٠] وقال ﷿: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]. وقال ﷾: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦].
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٢٩).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٣٢).
[ ١٩٨ ]
وليس المرادُ مِنْ إحاطتهِ بخلقهِ أنَّ المخلوقاتِ داخلَ ذاتهِ المقدَّسةِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا؛ فإنَّه العظيمُ الذي لا أعظمَ منهُ. ألا ترى أنَّ السماءَ لمَّا كانتْ «محيطةً بالأرضِ كانتْ عاليةً عليها، ولا يستلزمُ ذلكَ ممَّا هوَ محيطٌ بهِ، مماثلتهُ ومشابهتهُ لهُ، فإذا كانتِ السَّماءُ محيطةً بالأرضِ، وليستْ مماثلةً لهَا فالتَّفاوتُ الذي بين العالمِ وربُّ العالمِ أعظمُ مِنَ التفاوتِ الذي بينَ الأرضِ والسَّماءِ» (١).
ويجبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ العالمَ العلويَّ والسفليَّ بالنِّسبةِ إلى الخالقِ ﷾ في غايةِ الصِّغَرِ.
قالَ ﷾: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقدْ ثبتَ في الصحيحين (٢) منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ هذهِ الآيةَ، لمَّا ذكرَ لهُ بعضُ اليهودِ أنَّ الله يحملُ السَّمواتِ على أصبعٍ، والأرضينَ على أصبعٍ، والجبالَ على أصبعٍ، والشَّجرَ والثرى على أصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على أصبعٍ؛ فضحك رسولُ الله ﷺ تعجُّبًا وتصديقًا لقولِ الحبر (٣)، وقرأ هذهِ الآية.
وهذا يقتضي أنَّ عظمتهُ أعظمُ ممَّا وصفَ ذلكَ الحبرُ، فإنَّ الذي في الآيةِ أبلغُ (٤).
قال الشيخ علي بن إبراهيم بن مشيقح ﵀:
_________________
(١) الصواعق المرسلة (ص١٣٠٨).
(٢) رواه البخاري (٤٨١١ و٧٤١٤ و٧٤١٥ و٧٤٥١ و٧٥١٣)، ومسلم (٢٧٨٦).
(٣) وما ذهب إليه بعض المتكلمين: أنَّ ضحك النبي ﷺ وتعجبه، وتلاوته الآية ليس تصديقًا لقول الحبر؛ بل هو ردٌّ عليه، وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده أنَّ مذهب اليهود التجسيم. وأنَّه فهم منه ذلك. وهذا القول، يأباه النظم السني، ويخالفه واضح هذا الكلام.
(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٢).
[ ١٩٩ ]
وَفِي الصَّحيحَيْنِ أَيْضًا إقْرَارُ نَبِيِّنَا مُصَدِّقًا لِقَوْل الْحَبْرِ وَالنَّبيُّ يَسْمَعُ
يَجْعَلُ اللهُ السَّمَوَاتِ على أَصْبُعٍ واْلأَرضِيْنَ على أصبُعٍ والمَاء يَحمله أصْبُعُ
والشَّجر على أصْبُعَ وَالثَّرىَ عَلَى أَصْبُعٍ وَسَائر الْخَلْقِ تَحْمِلْهَا أَصْبُعُ
ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ﷿ قَائِلًا أَنَا الْمَلِكُ يُكَرِّرُهَا فَبالْحَقِّ فَاقْنَعُوْا
قَالوُا ضِحْكُ النَّبِيِّ مِنْهُ تَعَجُّبًا وَلَيْسَ تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ قلنا لَهُمُ اسْمَعُوْا
هَلْ يُقِرُّه المُصْطَفَى عَلَى مَقَالٍ مُخَالِفٍ هذَا مُحالٌ حَيْثُ الإِقْرارُ مِنْهُ سُنَّةٌ تُتْبَعُ
بَلْ أَيَّد قَوْلَ الْحَبْرِ مُصَدِّقًا لِمَقَالِه بِتِلاوَةِ آيَةٍ تُطابِقُ قَوْلَ الحبْرِ تَصْدَعُ
فهذِه أَدِلَّةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةٍ عَلَى مُرَادِ ظَاهِرِ لَفْظِهَا دَلاَلَةً تَقْطَعُ
بِلاَ تَشْبيهٍ لَهَا قَطْعًا وَلاَ نُكَيِّفُهَا بَلْنَنْتَهِي حَيْثُ انْتَهَى الْوَحْيَان بِنَا وَنَقْنَعُ (١)
فقد تبيَّنَ بهذا أنَّ السَّمواتِ والأرضَ وما بينهما بالنسبةِ إلى عظمةِ الله تعالى أصغرُ منْ أنْ تكونَ مع قبضهِ لها إلَّا كالشيءِ الصغيرِ في يدِ أحدنَا، حتَّى يدحوها كما تُدحى الكرة (٢).
والمقصودُ أنَّه إذا كانَ اللهُ أعظمَ وأكبرَ وأجلَّ منْ أن يُقدِّرَ العبادُ قدرهُ، أو تدركهُ أبصارهمْ، أو يحيطونَ به علمًا، وأمكنَ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ في قبضتهِ لم يجبْ - والحالُ هذهِ - أنْ يكونَ تحتَ العالمِ، أو تحتَ شيءٍ منهُ، فإنَّ الواحدَ مِنَ الآدميينَ إذا قبضَ قبضةً أو بندقةً أو حمصةً أو حبَّةَ خردلٍ، وأحاطَ بها، لم يجزْ أنْ يُقالَ: إنَّ أحدَ جانبيها فوقهُ.
_________________
(١) العقيدة الجامعة الكافية (١/ ٤٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٦٢).
[ ٢٠٠ ]
وكذلكَ أمثالُ ذلكَ منْ إحاطةِ المخلوقِ ببعضِ المخلوقاتِ، كإحاطةِ الإنسانِ بما في جوفهِ، وإحاطةِ البيتِ بما فيهِ، وإحاطةِ السَّماءِ بما فيهَا مِنَ الشَّمسِ والقمرِ والكواكبِ، فإذا كانتْ هذهِ المحيطاتُ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها تحتَ المحاطِ، وأنَّ ذلك نقصٌ، مَعَ كونِ المحيطِ يحيطُ بهِ غيرُهُ، فالعليُّ الأعلى المحيطُ بكلِّ شيءٍ، الذي تكونُ الأرضُ جميعًا قبضتهُ يومَ القيامةِ والسَّماواتُ مطوياتٌ بيمينهِ، كيفَ يجبُ أنْ يكونَ تحتَ شيءٍ ممَّا هوَ عالٍ عليهِ أو محيطٌ بهِ، ويكونُ ذلكَ نقصًا ممتنعًا؟!
وقدْ ذكرَ أنَّ بعضَ المشايخِ سُئِلَ عنْ تقريبِ ذَلِكَ إِلَى العقلِ، فقالَ للسَّائلِ: إِذَا كَانَ باشقٌ كبيرٌ، وقدْ أمسكَ برجلهِ حمصةً أليسَ يكونُ ممسكًا لها فِي حالِ طيرانهِ، وَهُوَ فوقهَا ومحيطٌ بِهَا؟ فإذا كانَ مثلُ هذا ممكنًا في المخلوقِ، فكيفَ يتعذَّرُ في الخالقِ؟! (١).
فقدْ تبيَّنَ بهذا الكلامِ «أنَّ ما يدَّعونهُ مِنَ العقلياتِ المخالفةِ للنُّصوصِ لا حقيقةَ لهَا عندَ الاعتبارِ الصَّحيحِ، وإنَّما هي منْ بابِ القعقعةِ بالشنانِ لمن يفزعهُ ذلكَ مِنَ الصبيانِ ومنْ هوَ شبيهٌ بالصبيانِ وإذا أُعْطيَ النَّظرُ في المعقولاتِ حقَّهُ مِنَ التَّمامِ، وجدهَا براهينَ ناطقةً بصدقِ ما أخبرَ بهِ الرَّسولُ، وأنَّ لوازمَ ما أخبرَ بهِ لازمٌ صحيحٌ، وأنَّ منْ نفاهُ نفاهُ لجهلهِ بحقيقةِ الأمرِ» (٢).
_________________
(١) راجع: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٢٧ - ٣٢٩)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٥٦٤) و(٦/ ٥٨١ - ٥٨٣).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٨١).
[ ٢٠١ ]
الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ
لو كانَ مَوْصُوفًا بالعُلُوِّ لكانَ جسمًا، ولو كانَ جسمًا لكان مماثلًا لِسَائِرِ الأَجْسَامِ، واللهُ قد نَفَى عنه المِثْلَ (١).
أقول وبالله التوفيق: هنا ثلاثُ مقدِّماتٍ حصلَ فيها التَّلبيسُ:
أحدُها: كونُ كلِّ عالٍ جسمًا.
والثاني: كونُ الأجسامِ متماثلةٌ.
والثالثُ: كونُ هذا التماثلِ هو المرادُ بالمثلِ في لغةِ العربِ التي نزلَ بها القرآن (٢).
والجوابُ على الشُّبهةِ المذكورةِ منْ وجوهٍ:
الأولُ:
قَدِ ادَّعيتَ أيُّها الجهميُّ أنَّ ظاهرَ القرآنِ، الذي هوَ حجَّةُ الله على عبادهِ، والذي هو خيرُ الكلامِ، وأصْدقُهُ، وأحْسنُهُ، وأفْصحُهُ، وهوَ الذي هدى الله بهِ عبادَهُ، وجعلَهُ شفاءً لما في الصُّدورِ، وهدًى ورحمةً للمؤمنينَ، ولمْ ينزلْ كتابٌ مِنَ السَّماءِ أهدى منهُ، ولا أحْسنَ ولا أكْملَ، فانتهكْتَ حرمتَهُ، وادَّعيتَ أنَّ ظاهرَهُ يستلزمُ التَّشبيهَ والتَّجسيم (٣). وهذا الإلزامُ إنَّما هوَ لمنْ جاءَ بالنُّصوصِ الدَّالةِ على علوِّ الله على العرشِ، وتكلَّم بهَا، ودعَا الأمَّةَ إلى الإيمانِ بهَا ومعْرفتِهَا، ونهاهم عنْ تحْريفِهَا وتبديلِهَا.
يَا قَوْمُ واللهِ العَظِيمِ أَسَأْتُمُ بِأَئِمَّةِ الإسْلاَمِ ظَنَّ الشَّانِ
مَا ذَنْبُهُمْ وَنَبِيُّهُمْ قَدْ قَالَ مَا قَالوا كَذَلكَ مُنْزِلُ الفُرْقَانِ
مَا الذَّنبُ إلاّ للنصُوصِ لَديكمُ إِذْ جَسَّمَتْ بَلْ شَبَّهتْ صِنْفَانِ
_________________
(١) قال شيخ الاسلام ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢١٤): «لا يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون جسدًا، وهو الجسم اللغوي. فإنا نعلم بالضرورة أن الهواء يعلو على الأرض وليس هو بجسد؛ والجسد هو الجسم اللغوي. فقول القائل: لو كان مستويًا على العرش لكان جسمًا. والجسم هو الجسد والجسد منتف بالشرع: كلام ملبِّس».
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١١ - ١١٢).
(٣) راجع: الصواعق (ص٢٣٩).
[ ٢٠٢ ]
مَا ذنْبُ مَنْ قَدْ قَالَ مَا نَطَقَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلاَ عُدْوَان (١)
الثاني:
نحنُ أثبتنا لله غايةَ الكمالِ، ونعوتَ الجلالِ، ووصفناهُ بكلِّ صفةِ كمالٍ فإنْ لزمَ منْ هذا تجسيمٌ، أو تشبيهٌ لم يكنْ هذا نقصًا، ولا عيبًا، ولا ذمًَّا، بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، فإنَّ لازمَ الحقِّ حقٌ، وما لزمَ منْ إثباتِ كمالِ الرَّبِّ ليسَ بنقصٍ، وأمَّا أنتم فنفيتم عنهُ صفاتِ الكمالِ، ولا ريبَ أنَّ لازمَ هذا النَّفيِّ وصفهُ بأضدادها مِنَ العيوبِ، والنَّقائصِ، فما سوَّى الله ولا رسولهُ ولا عقلاءُ عبادهِ بينَ منْ نفى كمالَهُ المقدَّسَ حذرًا مِنَ التجسيمِ، وبينَ منْ أثبتَ كمالَهُ الأعظمَ وصفاته العلى بلوازمِ ذلكَ كائنةً ما كانت (٢).
لاَ تَجْعَلُوا الإِثْبَاتَ تَشْبِيهًا لَهُ يَا فِرْقَةَ التَّشْبِيهِ وَالطُّغْيَانِ
كَمْ تَرْتَقُونَ بِسُلَّمِ التَّنْزِيهِ لِلْتَّـ ـعْطِيلِ تَرْوِيجًا عَلَى العُمْيَانِ
فَاللهُ أكْبَرُ أنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ كِصِفَاتِنَا جَلَّ العَظِيمُ الشَّانِ
هَذَا هُوَ التَّشْبِيهُ لاَ إثْبَاتُ أوْ صَافِ كَمَالٍ فَمَا هُمَا سِيَّانِ (٣)
سَمَّيْتُمُ التَّحْرِيفَ تَأوِيلًا كَذَا التَّـ ـعْطِيلَ تَنْزِيهًا هُمَا لَقَبَانِ
وَأضَفتُم أمرًا إلَى ذَا ثَالِثًا شَرًّا وَأَقْبَحَ مِنْهُ ذَا بُهْتَانِ
فَجَعَلْتُم الإِثْبَاتَ تَجْسِيمًا وَتَشْـ بيهًا وَذَا مِنْ أقْبَحِ العُدْوَانِ
فَقَلَبْتُمُ تِلْكَ الحَقَائِقَ مِثْلَ مَا قُلِبَتْ قُلُوبُكُمُ عَنِ الإِيمَانِ
وَجَعَلْتُمُ الممدُوحَ مَذْمُومًا كَذَا بالعكْس حَتَّى اسْتَكْمَلَ اللَّبْسَانِ (٤)
الثالثُ:
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٢٩).
(٢) الصواعق (ص٢٦٣ - ٢٦٤).
(٣) الكافية الشافية (ص٣٣٦).
(٤) الكافية الشافية (ص١٥٥).
[ ٢٠٣ ]
ماذا تعنونَ بقولكم «لو كانَ فوقَ العرشِ لكانَ جسمًا»؟ أتعنونَ بهِ أنَّهُ ما يتضمَّنُ مماثلةَ الله لشيءٍ مِنَ المخلوقاتِ في شيءٍ منْ صفاتهِ؛ فاللهُ سبحانهُ منزَّهٌ عنْ أنْ يوصفَ بشيءٍ مِنَ الصِّفاتِ المختصَّةِ بالمخلوقينَ، وكلُّ ما اختصَّ بالمخلوقِ فهوَ صفةُ نقصٍ، والله تعالى منزَّهٌ عَنْ كلِّ نقصٍ ومستحقٌّ لغايةِ الكمالِ، وليسَ لهُ مثلٌ في شيءٍ منْ صفاتِ الكمالِ فهوَ منزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مطلقًا، ومنزَّهٌ في الكمالِ أنْ يكونَ لهُ مثلٌ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * َلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، فبيَّنَ أنَّهُ أحدٌ صمدٌ، واسمهُ الأحدُ يتضمَّنُ نفيَّ المثلِ، واسمهُ الصَّمدُ يتضمَّنُ جميعَ صفاتِ الكمالِ (١).
وإذا كانَ اللهُ ليسَ منْ جنسِ الماءِ والهواءِ، ولا الرُّوحِ المنفوخةِ فينا، ولا منْ جنسِ الملائكةِ، ولا الأفلاكِ، فلأن لا يكونَ منْ جنسِ بدنِ الإنسانِ ولحمهِ وعصبهِ وعظامهِ، ويدهِ ورجلهِ ووجههِ، وغيرِ ذلكَ منْ أعضائهِ وأبعاضهِ، أولى وأحرى (٢).
وإنْ أردتم بالجسمِ المركَّبِ وهوَ مَا كانَ مفترقًا فركَّبهُ غيرهُ، كمَا تُركَّبُ المصنوعاتُ مِنَ: الأطعمةِ، والثيابِ والأبنيةِ، ونحو ذلكَ منْ أجزائها المفترقةِ. والله تعالى أجلُّ وأعظم منْ أنْ يُوصفَ بذلكَ، بلْ منْ مخلوقاتهِ ما لا يُوصفُ بذلكَ، ومنْ قالَ ذلكَ (٣) فهوَ منْ أكفرِ النَّاسِ وأضلِّهم وأجهلهم وأشدِّهم محاربةً لله.
وإنْ أردتم بهِ «أنَّ الرَّبَّ مركَّبٌ مؤلَّفٌ بمعنى أنَّهُ يقبلُ التفريقَ والانقسامَ والتجزئةَ، فهذا منْ أكفرِ النَّاسِ وأجهلهم» (٤).
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٧ - ٥٣٠).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٣٠٧).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٤٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨).
[ ٢٠٤ ]
وإنْ أردتم بالجسمِ ما يوصفُ بالصِّفاتِ، ويُرى بالأبصارِ، ويتكلَّمُ، ويُكَلَّمُ، ويسمعُ، ويبصرُ، ويرضى، ويغضبُ، فهذه المعاني ثابتةٌ للرَّبِّ تعالى وهوَ موصوفٌ بها، فلا ننفيها عنهُ بتسميتكم للموصوفِ بها جسمًا، ولا نردُّ ما أخبرَ بهِ الصَّادقُ عنِ الله وأسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ لتسميةِ أعداءِ الحديثِ لنا حشويةٌ. ولا نجحدُ صفاتِ خالقنا وعلوَّهُ على خلقهِ واستواءهُ على عرشهِ؛ لتسميةِ الفرعونيَّةِ المعطِّلةِ لمنْ أثبتَ ذلكَ مجسِّمًا مشبِّهًا.
فإن كانَ تجسيمًا ثبوتُ استوائِهِ على عَرْشِهِ إني إذًا لَمُجَسِّمُ
وإنْ كانَ تشبيهًا ثبوتُ صِفَاتِهِ فمن ذلكَ التَّشْبِيهِ لا أَتَكَتَّمُ
وإنْ كان تنزيهًا جحودُ استوائِهِ وأوصافِهِ أو كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ
فعَنْ ذلكَ التَّنْزِيهِ نَزَّهْتُ رَبَّنا بِتَوْفِيقِهِ واللهُ أَعْلَى وأَعْلَمُ
وإنْ أردتم بالجسمِ ما يُشارُ إليهِ إشارةٌ حيَّةٌ، فقدْ أشارَ إليهِ أعرفُ الخلقِ بهِ بأصبعهِ رافعًا لها إلى السَّماءِ، يُشْهدُ الجمعَ الأعظمَ مشيرًا لهُ. وإنْ أردتم بالجسمِ ما يقالُ أينَ هو؟ فقدْ سألَ أعلمُ الخلقِ بهِ عنهُ بأينَ منبِّهًا على علوِّهِ على عرشهِ.
وإنْ أردتم بالجسمِ ما يلحقهُ «مِنْ» و«إِلىَ» فقدْ نزلَ جبريلُ منْ عندهِ، ونزل كلامهُ منْ عندهِ، وعرجَ برسولهِ ﷺ إليهِ، وإليهِ يصعدُ الكلمُ الطيِّبُ، وعندهُ المسيحُ رفعَ إليهِ.
وإنْ أردتم بالجسمِ ما يكونُ فوقَ غيرهِ، ومستويًا على غيرهِ، فهو ﷾ فوقَ عبادهِ مستوٍ على عرشهِ.
الرابعُ:
[ ٢٠٥ ]
لاَ يلزمُ منِ استواءِ الله عَلَى عرشهِ، أنْ يكونَ جسمًا بالمعنى الَّذي اصطلحوا عليهِ، لاَ عقلًا وَلاَ سمعًا إلَّا بالدَّعاوى الكاذبةِ. فدعوى هَذَا اللُّزومِ عينُ البهتِ والكذبِ الصُّراحِ؛ بل العرشُ خلقٌ مِنْ خلقهِ، ولا يلزمُ مِنْ كونِهِ فوقَ السَّمواتِ كلِّها أنْ يكونَ مركَّبًا مِنَ الجواهرِ الفردةِ ولا مِنَ المادَّةِ والصُّورةِ ولا مماثلًا لغيرهِ مِنَ الأجْسامِ، وكذلكَ جبريلُ مخلوقٌ مِنْ مخلوقاتهِ وهوَ ذو قوَّةٍ وحياةٍ وسمعٍ وبصرٍ وأجنحةٍ ويصعدُ وينزلُ ويُرى بالأبصارِ، ولا يلزمُ مِنْ وصفهِ بذلكَ أنْ يكونَ مركَّبًا مِنَ الجواهرِ الفردةِ، ولا مِنَ المادَّةِ والصُّورةِ، ولا أنْ يكونَ جسمهُ مماثلًا لأجْسامِ الشياطينِ، فدعونَا منْ هَذَا الفشرِ (١) والهذيانِ، والدَّعاوى الكاذبةِ. والتَّفاوتُ الذي بينَ اللهِ وخلقهِ أعْظمُ مِنَ التَّفاوتِ الذي بينَ جسمِ العرشِ وجسمِ الثرى والهواءِ والماءِ، وأعْظمُ مِنَ التفاوتِ الذي بينَ أجْسامِ الملائكةِ وأجْسامِ الشياطينِ، والعاقلُ إذا أطلقَ على جسمٍ صفةً مِنْ صفاتِهِ - وعندهُ منْ كلِّ وجهٍ موصوفٌ بتلكَ الصِّفةِ - لمْ يلزمْ منْ ذلكَ تماثلهَا؛ فإذا أطْلقَ على الرجيعِ، الذي قدْ بلغَ غايةَ الخبثِ، أنَّهُ جسمٌ قائمٌ بنفسهِ ذو رائحةٍ ولونٍ، وأطلقَ ذلكَ على المسكِ، لمْ يقلْ ذو حسٍ سليمٍ ولا عقلٍ مستقيمٍ، إنَّهما متماثلانِ، وأينَ التَّفاوتُ الذي بينهمَا مِنَ التَّفاوتِ الذي بين اللهِ وخلقهِ، فكمْ تلبِّسونَ وكمْ تدلِّسونَ وتموِّهونَ؟!
_________________
(١) الفشر: فشر فشرًا كذب وبالغ فِي الكذب والادِّعاء.
[ ٢٠٦ ]
فكيفَ يجوزُ بعدَ هذا أنْ يقالَ: إذا كانَ الرحمنُ فوقَ العرشِ أنْ يكونَ مماثلًا لخلقهِ؟! والله تعالى ليسَ كمثلهِ شيءٌ في ذاتهِ ولا في صفاتهِ ولا في أفعالهِ. حتَّى لَوْ قدِّرَ لزومُ ذَلِكَ كلِّهِ لكانَ التزامهُ أسهلَ مِنْ تعطيلِ علوِّهِ عَلَى عرشهِ، وجعلهِ بمنزلةِ المعدومِ الممتنعِ، الَّذي لاَ هوَ داخلَ العالمِ وَلاَ خارجهُ (١).
عطَّلْتُمُ السَّبع السموات العلا والعَرْشَ أخْليتُم منَ الرحمن (٢)
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
قَدْ عَطَّلَ الرَّحْمَنُ أفْئِدَةً لَهُمْ مِنْ كُلِّ مَعْرِفَةٍ وَمِنْ إيمَانِ
إذْ عَطَّلُوا الرَّحْمَنَ مِنْ أوصَافِهِ وَالعَرْشَ أخْلَوْهُ مِنَ الرَّحْمنِ (٣)
أيُّها المشتغلونَ بعلمِ الكلامِ: إنَّ نفيَكم لعلوِّ الله تعالى على العرشِ بدعوى التَّجسيمِ، خطأٌ فِي اللَّفظِ والمعنى، وجنايةٌ عَلَى ألفاظِ الوحي.
أمَّا اللَّفظيُّ: فتسميتكم علوَّ اللهِ على العرشِ تجسيمًا وتشبيهًا وتحيُّزًا. وتواصيتم بهذا المكرِ الكبَّارِ إلى نفيِ ما دلَّ عليهِ الوحيُ، والعقلُ، والفطرةُ؛ فكذبتم عَلَى القرآنِ، وعلى الرسولِ ﷺ، وعلى اللُّغةِ، ووضعتم لصفاتِهِ ألفاظًا منكمْ بدأتْ وإليكمْ تعودُ.
وأمَّا خطأكمْ فِي المعنى: فنفيُكم، وتعطيلكم لعلوِّ الرحمنِ بواسطةِ هذهِ التسميةِ والألقابِ، فنفيتم المعنى الحقَّ وسمَّيتموهُ بالاسمِ المنكرِ، وكنتم فِي ذلكَ بمنزلةِ منْ سمعَ أنَّ فِي العسلِ شفاءً ولمْ يرهُ، فسأل عنهُ فقيلَ لهُ: مائعٌ رقيقٌ أصفرٌ يشبهُ العذرةَ تتقيَّأهُ الزنابيرُ، ومنْ لمْ يعرفِ العسلَ ينفرُ عنهُ بهذا التَّعريفِ، ومَنْ عرفهُ وذاقهُ لم يزدهُ هذا التَّعريفُ عندهُ إلَّا محبَّةً لهُ، ورغبةً فيهِ، وما أحسنَ مَا قَالَ القائلُ:
_________________
(١) الصّواعق (ص١٠١٦ - ١٠١٧).
(٢) نونية القحطاني (ص٥١)، طبعة مكتبة السوادي.
(٣) الكافية الشافية (ص٢٦٨).
[ ٢٠٧ ]
تَقُولُ هذا جَنْي النَّحْلِ تَمْدَحُهُ وإنْ تَشَاءُ قُلْتَ ذا قَيءُ الزَّنَابِيرِ
مَدْحًا وذَمًّا وما جَاوَزتَ وَصْفَهُما والحقُّ قد يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ
أفيظنُّ الجاهلونَ أنَّا نجحدُ علوَّ اللهِ عَلَى عرشهِ، لأسماءٍ سمُّوها، هم وسلفهم، مَا أنزلَ الله بها منْ سلطانٍ، وألقابٍ وضعوهَا مِنْ تلقاءِ أنفسهم، لمْ يأتِ بها سنَّةٌ وَلاَ قرآنٌ، وشبهاتٍ قذفتْ بها قلوبٌ، مَا استنارتْ بنورِ الوحي، وَلاَ خالطتهَا بشاشةُ الإيمانِ، وخيالاتٍ هي بتخييلاتِ الممرورينَ، وأصحابِ الهوسِ، أشبهُ منها بقضايا العقلِ والبرهانِ، ووهمياتٍ نسبتهَا إلى العقلِ الصَّحيحِ كنسبةِ السَّرابِ إلى الأبصارِ فِي القيعانِ.
فدعونَا منْ هذه الدعاوي الباطلةِ، التي لا تفيدُ إلَّا تضييعَ الزمانِ، وإتعابَ الأذهانِ، وكثرةَ الهذيانِ، وحاكمونَا إلى الوحي، لا إلى «نخالةِ الأفكارِ، وزبالةِ الأذْهانِ وعفارةِ الآراءِ، ووساوسِ الصُّدورِ، التي لا حقيقةَ لهَا في التَّحقيقِ، ولا تثبتُ على قدمِ الحقِّ والتَّصْديقِ، فملأتم بها الأوراقَ سوادًا، والقلوبَ شكوكًا، والعالَم فسادًا» (١).
يَا قَوْمَنَا وَاللهِ إنَّ لِقَوْلِنَا ألْفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ ألفَانِ
عَقْلًا وَنَقْلًا مَعْ صَرِيحِ الفِطْرَةِ الـ أولَى وَذَوْقِ حَلاَوَةِ الإِيمَانِ
كُلٌّ يَدُلُّ بأنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ السَّمَاءِ مُبَاينُ الأكوَانِ
أتَرَوْنَ أنَّا تَارِكُو ذَا كُلِّهِ لِجَعَاجِع التَّعْطِيلِ والهَذَيَانِ (٢)
وهذهِ الشُّبهةُ قدْ تكلَّمنا عليها «بالاستقصاءِ حتَّى يتبيَّنُ أنَّها مِنَ القولِ الهراءِ فهاتوا برهانكم إنْ كنتم صادقين» (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٠٥) بتصرف وزيادة.
(٢) الكافية الشافية (ص١٣١).
(٣) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٥٥).
[ ٢٠٨ ]
الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ
لو كانَ الله فوقَ العرشِ للزمَ إمَّا أنْ يكونَ أكبرَ مِنَ العرشِ أو أصغرَ أو مساويًا وكلُّ ذلكَ مِنَ المحالِ.
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ «طريقةَ سلفِ الأمَّةِ وأئمَّتها: أنَّهم يصفونَ الله بما وصفَ بهِ نفسهُ وبما وصفهُ بهِ رسولهُ: منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ: إثباتٌ بلا تمثيلٍ، وتنزيهٌ بلا تعطيلٍ، إثباتُ الصفاتِ، ونفيُّ مماثلةِ المخلوقاتِ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهذا ردٌّ على الممثِّلةِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ردٌّ على المعطِّلةِ» (١). وهذهِ: معالجةٌ: لسقمِ الأوهامِ، ودواءٌ لداءِ الأسقامِ، وشفاءٌ لأوامِ الجهلِ: على وجهِ الكمالِ والتمامِ (٢).
ومنْ فهمَ هذه الآيةَ الكريمةَ حقَّ فهمها، وتدبَّرها حقَّ تدبُّرها مشى بها عندَ اختلافِ المختلفينَ في الصِّفاتِ على طريقةٍ بيضاءَ واضحةٍ، ويزدادُ بصيرةً إذا تأمَّلَ معنى قولهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فإنَّ هذا الإثباتَ بعدَ ذلكَ النَّفيَّ للمثلِ، قَدِ اشتملَ على بردِ اليقينِ، وشفاءِ الصُّدورِ، وانثلاجِ القلوبِ.
فاقدرْ يا طالبَ الحقِّ قدرَ هذهِ الحجَّةِ النيِّرةِ، والبرهانِ القويِّ، فإنَّك تحطِّمُ بها كثيرًا مِنَ البدعِ، وتهشِّمُ بها رؤوسًا مِنَ الضلالةِ، وترغِمُ بها آنافَ طوائفَ مِنَ القاصرينَ المتكلِّفينَ، والمتكلِّمينَ المتأوِّلينَ، ولا سيِّما إذا ضممتَ إليهِ قولَ الله سبحانهُ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] فإنَّكَ حينئذٍ قدْ أخذتَ بطرفي حبلِ ما يسمُّونهُ علمُ الكلامِ وعلمُ أصولِ الدِّينِ (٣).
والردُّ على الشُّبهةِ المذكورةِ أنْ يقالَ:
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).
(٢) السراج الوهاج (١٠/ ٥٢٥ - ٥٢٦).
(٣) فتح البيان (١٢/ ٢٨٢).
[ ٢٠٩ ]
إنَّ الله ﷾ الموصوفَ بصفاتِ المجدِ والكبرياءِ والعظمةِ والجلالِ، «أكْبرُ منْ كلِّ شيءٍ ذاتًا وقدْرًا ومعنًى وعزَّةً وجلالةً، فهوَ أكْبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ في ذاتهِ وصفاتهِ وأفْعالهِ كمَا هوَ فوقَ كلِّ شيءٍ، وعالٍ على كلِّ شيءٍ، وأعظمُ مِنْ كلِّ شيءٍ، وأجلُّ منْ كلِّ شيءٍ في ذاتهِ وصفاتهِ وأفْعالهِ (١). فهوَ الحيُّ القيُّومُ الذي ليسَ كمثلهِ شيءٌ في حياتهِ وقيُّوميَّتهِ، العليُّ الذي ليسَ كمثلهِ شيءٌ في علوِّهِ بلْ هوَ منفردٌ بذاتهِ وصفاتهِ عنْ مماثلةِ مخلوقاتهِ، فلهُ أعظمُ المباينةِ وأجلُّها وأكملُها كما لهُ منْ كلِّ صفةِ كمالٍ أعظمُها وأكملُها» (٢).
والقائلُ الذي قالَ: لو كانَ الله فوقَ العرشِ للزمَ إمَّا أنْ يكونَ أكبرَ مِنَ العرشِ أو أصغرَ أو مساويًا، وكلُّ ذلكَ مِنَ المحالِ، ونحو ذلكَ مِنَ الكلامِ: فإنَّه لمْ يفهمْ منْ كونِ الله على العرشِ إلَّا ما يثبتُ لأيِّ جسمٍ كانَ على أيِّ جسمٍ كانَ، وهذا اللازمُ تابعٌ لهذا المفهومِ، أمَّا استواءٌ يليقُ بجلالِ الله تعالى ويختصُّ بهِ، فلا يلزمهُ شيءٌ مِنَ اللَّوازمِ الباطلةِ، التي يجبُ نفيهَا، كما يلزمُ منْ سائرِ الأجسامِ. وصارَ هذا مثلُ قولِ الممثِّلِ: إذا كان مستويًا على العرشِ فهوَ مماثلٌ لاستواءِ الإنسانِ على السريرِ أو الفلكِ، إذْ لا يُعلمُ الاستواءُ إلَّا هكذا فإنَّ كليهما مثَّلَ وكليهما عطَّلَ حقيقةَ ما وصفَ بهِ نفسَهُ، وامتازَ الأوَّلُ بتعطيلِ كلِّ اسمٍ للاستواء الحقيقيِّ، وامتازَ الثاني بإثباتِ استواءٍ هوَ منْ خصائصِ المخلوقينَ (٣).
_________________
(١) الصواعق (ص١٣٧٩).
(٢) الصواعق المرسلة (ص١٣٣٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٧ - ٢٨).
[ ٢١٠ ]
«وحينئذٍ فنفاةُ العلوِّ همْ بينَ أمرينِ: إنْ سلَّموا أنَّه على العرشِ مَعَ أنَّهُ ليسَ بجسمٍ ولا متحيِّزٍ بطلَ كلُّ دليلٍ لهم على نفي علوِّه على عرشهِ؛ فإنَّهم إنَّما بنوا ذلكَ على أنَّ علوَّهُ على العرشِ مستلزمٌ لكونهِ جسمًا متحيِّزًا، واللازمُ منتفٍ فينتفي الملزومُ؛ فإذا لم تثبت الملازمةُ لم يكنْ لهم دليلٌ على النفي، ولا يبقى للنُّصوصِ الواردةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ بإثباتِ علوِّهِ على العالمِ ما يعارضهَا، وهذا هوَ المطلوبُ» (١).
واعلمْ أنَّهُ ليسَ في العقلِ الصَّريحِ ولا في شيءٍ مِنَ النَّقلِ الصَّحيحِ ما يوجبُ مخالفةَ الطريقَ السَّلفيةَ أصلًا.
ثمَّ المخالفونَ للكتابِ والسُّنَّةِ وسلفِ الأمَّةِ - مِنَ المتأوِّلينَ لهذا البابِ - في أمرٍ مريجٍ؛ فإنَّ منْ أنكرَ الرؤيةَ يزعمُ أنَّ العقلَ يحيلُهَا، وأنَّهُ مضطرٌ فيهَا إلى التأويلِ، ومنْ يزعمُ أنَّ الله ليسَ فوقَ العرشِ؛ يزعمُ أنَّ العقلَ أحالَ ذلكَ وأنَّهُ مضطرٌ إلى التأويلِ.
ويكفيكَ دليلًا على فسادِ قولِ هؤلاءِ: أنَّه ليسَ لواحدٍ منهم قاعدةٌ مستمرةٌ فيما يحيلهُ العقلُ، بلْ منهمْ منْ يزعمُ أنَّ العقلَ جوَّزَ وأوجبَ، ما يدَّعي الآخرُ أنَّ العقلَ أحالهُ (٢). يعرفُ هذا كلُّ منصفٍ، ومنْ أنكرهُ فليصفِّ فهمهُ وعقلهُ عنْ شوائبِ التعصُّبِ والتمذهُّبِ؛ فإنَّهُ إنْ فعلَ ذلك أسفرَ الصبحُ لعينيهِ (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٨٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٨ - ٢٩).
(٣) فتح البيان (٤/ ٣٠٥).
[ ٢١١ ]
والعجبُ أنَّ مِنْ هؤلاءِ مَنْ يصرِّحُ بأنَّ عقلَهُ إذا عارضَهُ الحديثُ - لا سيَّما في أخبارِ الصِّفاتِ - حملَ الحديثَ على عقلهِ وصرَّحَ بتقديمهِ على الحديثِ، وجعلَ عقلهُ ميزانًا للحديثِ. فليتَ شعري هلْ عقلهُ هذا كان مصرَّحًا بتقديمهِ في الشَّريعةِ المحمَّديةِ، فيكونُ من السبيلِ المأمورِ باتباعهِ، أمْ هوَ عقلٌ مبتدعٌ جاهلٌ ضالٌ حائرٌ خارجٌ عَنِ السَّبيلِ؟! (١).
و«إنَّ عقلَ رسولِ الله ﷺ أكملُ عقولِ أهلِ الأرضِ على الإطلاقِ، فلوْ وزنَ عقلهُ بعقولهم، لرجحَ بها كلِّها، وقدْ أخبر - سبحانهُ - أنَّهُ قبلَ الوحيِ لمْ يكنْ يدري الإيمانَ، كمَا لمْ يكنْ يدري الكتابَ. فقالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فإذا كانَ أعقلُ خلقِ اللهِ على الإطلاقِ إنَّما حصلَ لهُ الهدى بالوحيِ، كمَا قالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]. فكيفَ يحصلُ لسفهاءِ العقولِ وأخفاءِ الأحلامِ وفراشِ الألبابِ، الاهتداءُ إلى حقائقِ الإيمانِ بمجرَّدِ عقولهم دونَ نصوصِ الأنبياءِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *﴾ [مريم: ٨٩، ٩٠]» (٢).
ثمَّ نقولُ للجميعِ: بعقلِ مَنْ منكم يوزنُ كلامُ الله ورسولهِ؟! وأيُّ عقولكم تُجعلُ معيارًا لهُ؟! فما وافقهُ قُبِلَ وأُقِرَّ عَلَى ظاهرهِ وما خالفَه رُدَّ أو أوِّلَ أو فُوِّض (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) الصواعق (ص٧٣٤ - ٧٣٥).
(٣) الصواعق (ص٧٨٣).
[ ٢١٢ ]
ونحنُ نقولُ: إذا تعارضَ النَّقلُ وهذه العقولُ أُخِذَ بالنَّقلِ الصَّريحِ ورُمِيَ بهذهِ العقولِ تحتَ الأقدامِ وحطَّتْ حيثُ حَطَّها الله وحَطَّ أصحابها (١).
فقبحًا لهاتيك العقولِ فإنَّها عقالٌ على أصْحابها ووبال (٢)
ورحمَ اللهُ الإمامَ مالكَ بنَ أنسٍ حيثُ قالَ: «كلَّما جاءنا رجلٌ أجدلَ منْ رجلٍ تركنا ما نزلَ به جبرائيلُ على محمَّدٍ ﷺ لجدلهِ» (٣).
_________________
(١) الصواعق (ص٧٩١).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٨٢١)، طبعة مكتبة العبيكان.
(٣) أخرجه الذهبي في «العلو» (ص٩٥٠) بسند صحيح.
[ ٢١٣ ]
وفي ختام الردِّ على الشُّبهةِ المذكورةِ نقولُ للمشتغلينَ بعلمِ الكلامِ «إذا علمَ الإنسانُ بالعقلِ أنَّ هذا رسولُ الله وعلمَ أنَّهُ أخبرَ بشيءٍ، ووجدَ في عقلهِ ما ينافي خبرهُ، كان الواجبُ عليه أنْ يسلِّم لما أخبر بهِ الصَّادقُ الذي هو أعلمُ منهُ، وينقادُ لهُ ويتَّهمُ عقلَهُ، ويعلَمُ أنَّ عقلَهُ بالنِّسبةِ إليهِ أقلُّ منْ عقلِ أجهلِ الخلقِ بالنسبةِ إليهِ هوَ، وأنَّ التَّفاوتَ الذي بينهما في العلمِ والمعرفةِ بالله تعالى وأسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ ودينهِ أعظمُ بكثيرٍ كثيرٍ مِنَ التفاوتِ الذي بينَ منْ لا خبرةَ لهُ بصناعةِ الطبِّ، ومنْ هو أعلمُ أهلِ زمانهِ بها. فيالله العجبُ إذا كان عقلهُ يوجبُ عليهِ أنْ ينقادَ لطبيبٍ يهوديٍّ فيما يخبرُ بهِ منْ قوى الأدويةِ والأغذيةِ والأشربةِ والأضمدةِ والمسهِّلاتِ وصفاتهَا وكميَّاتها ودرجاتها، مَعَ ما عليهِ في ذلكَ من الكَلَفَة والألمِ ومقاساةِ المكروهاتِ، لظنِّه أنَّ هذا أعلمُ بهذا الشَّأنِ منهُ، وأنَّهُ إذا صدَّقهُ كانَ في تصديقهِ حصولُ الشِّفاءِ والعافيةِ، مَعَ علمهِ بأنَّه يخطىءُ كثيرًا، وأنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ لا يشفى بما يصفهُ الطبيبُ، بلْ يكونُ استعمالهُ لما يصفهُ سببًا منْ أسبابِ هلاكهِ، وأنَّ أسبابَ الموتِ أغلاطُ الأطباءِ، فكمْ لهمْ منْ قتيلٍ أسكنوهُ المقابرَ بغلطهم وخطئهم؟ وإنْ كان خطأُ الطبيبِ إصابةَ المقاديرِ، وكيفَ لا يسلكُ هذا المسلكَ مَعَ الرسل «صلواتُ الله وسلامهُ عليهم» وهمُ الصَّادقونَ المصْدقون؟ ولا يجوزُ أن يكونَ خبرهم على خلافِ ما أخبروا بهِ والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم مِنَ الجهلِ والضَّلالِ المركَّبِ والبسيطِ ما لا يحصيهِ إلَّا منْ هوَ بكلِّ شيءٍ محيط (١).
_________________
(١) الصواعق (ص٨٢٢ - ٨٢٣).
[ ٢١٤ ]
الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ
يستدلُّ المشتغلونَ بعلمِ الكلامِ بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكمْ إِلَى الصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلاَ يَبْصُق قِبَلَ وَجْهِهِ» (١)، على نفي العلوِّ.
قَالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ تعليقًا عَلَى هذا الحديث: وقد نزعَ بهذا الحديثِ بعضُ مَنْ ذهبَ مذهبَ المعتزلةِ فِي أنَّ الله ﷿ فِي كلِّ مكانٍ، وليس عَلَى العرشِ، وهذا جدلٌ منْ قائلهِ (٢).
وقالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: الحديثُ حقٌّ على ظاهرهِ، وهوَ سبحانهُ فَوْقَ العَرْشِ وهوَ قِبَلَ وجهِ المصلِّي، بل هذا الوصفُ يثبتُ للمخلوقاتِ.
فإنَّ الإنسانَ لو أنَّهُ يناجي السَّماءَ أو يناجي الشَّمسَ والقمرَ لكانت السَّماءُ والشمسُ والقمرُ فوقهُ، وكانتْ أيضًا قبلَ وجههِ؛ مَعَ أنَّ الشمسَ قدْ تشرقُ وقدْ تغربُ، فتنحرفُ عنْ سمتِ الرأسِ، فكيفَ بمنْ هوَ فوق كلِّ شيءٍ دائمًا لا يأفلُ ولا يغيبُ ﷾!!
وقد ضربَ النبيُّ ﷺ المثلَ بذلكَ - ولله المثلُ الأعلى - ولكن المقصودَ بالتمثيلِ بيانُ جوازِ هذا وإمكانهُ، لا تشبيهَ الخالقِ بالمخلوقِ - فقالَ النبيُّ ﷺ: «ما مِنْكُم من أحدٍ إلا سيرى رَبَّهُ مَخْلِيًّا به» فقال له أبو رزين العقيلي: كيفَ يا رسول الله وهو واحدٌ ونحنُ جميع؟ فقال النبي ﷺ: «سأنبِّئُكَ بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمرُ كُلُّكُم يراه مَخْلِيًّا به، وهو آيةٌ من آياتِ الله، فاللهُ أكبرُ» (٣). وقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٦ و٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١)، ومسلم (٥٤٧).
(٢) التمهيد (١٤/ ١٥٧).
(٣) رواه ابن ماجه (١٨٠)، وحسَّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠).
(٤) رواه البخاري (٥٥٤ و٥٧٣ و٤٨٥١ و٧٤٣٤ و٧٤٣٥ و٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣).
[ ٢١٥ ]
فشبَّهَ الرؤيةَ بالرؤيةِ، وإنْ لم يكنْ المرئيُّ مشابهًا للمرئيِّ؛ فالمؤمنونَ إذا رأوا ربَّهم يومَ القيامةِ وناجوهُ كلٌّ يراهُ فوقهُ قِبَلَ وجههِ، كما يُرى الشمسُ والقمرُ، ولا منافاةَ أصلًا.
ومنْ كانَ لهُ نصيبٌ مِنَ المعرفةِ بالله، والرسوخِ في العلمِ بالله: يكونُ إقرارهُ للكتابِ والسنَّةِ على ما هما عليهِ أوكد (١).
فقدْ تبيَّن بهذا الكلامِ «أنَّ ما جاءَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ وغيرهِ، كلُّهُ حقٌّ يصدِّقُ بعضهُ بعضًا، وهو موافقٌ لفطرةِ الخلائقِ، وما جعلَ فيهِ مِنَ العقولِ الصَّريحةِ، والقصودِ الصَّحيحةِ، لا يخالفُ العقلَ الصَّريحَ، ولا القصدَ الصَّحيحَ، ولا الفطرةَ المستقيمةَ، ولا النَّقلَ الصحيحَ الثَّابتَ عنْ رسولِ الله ﷺ.
وإنَّما يظنُّ تعارضها: منْ صدَّقَ بباطلٍ، مِنَ النقولِ، أو فهمَ منهُ ما لم يدلَّ عليهِ؛ أو اعتقدَ شيئًا ظنَّهُ مِنَ العقلياتِ وهوَ مِنَ الجهلياتِ. أو مِنَ الكشوفاتِ وهوَ مِنَ الكسوفاتِ» (٢).
الشبهة الثامنة
يستدلُّ المشتغلونَ بعلمِ الكلامِ بقولِ النبيِّ ﷺ: «أَنتَ الظّاهِرُ فَلَيسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شيءٌ» (٣) عَلَى نفيِ العلوِّ.
وهذا الاستدلالُ باطلٌ منْ وجهينِ:
الوجهُ الأوَّلُ:
قولُ النبيِّ ﷺ: «أَنتَ الظّاهر فَلَيسَ فَوْقَكَ شيءٌ» إثباتٌ صريحٌ لفوقيَّةِ اللهِ عَلَى كلِّ شيءٍ، ونفيُها عنْ كلِّ شيءٍ؛ فإنَّ الظاهرَ معناه: هو العالي فوقَ كلِّ شيءٍ فلا شيءَ أعلى منهُ. وهذا غايةُ الكمالِ في العلوِّ أنْ لا يكون فوقَ العالي شيءٌ موجودٌ، واللهُ موصوفٌ بذلكَ (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٧، ٥٧٧) و(٦/ ٥٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٨٠).
(٣) رواه مسلم (٢٧١٣).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١١).
[ ٢١٦ ]
وكلُّ شيءٍ علا شيئًا فقدْ ظهرَ، قال الله ﷿: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا *﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوا عليهِ (١). ومنهُ قولهُ تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] أي: يرتفعونَ ويصعدونَ ويعلونَ عَلَيهِ (أي عَلَى الدُّرجِ).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: ليعليهُ، ومنهُ ظهرُ الدَّابةِ، لأنَّه عالي عَلَيهَا.
ويُقالُ: ظهرَ الخطيبُ عَلَى المنبرِ، وظاهرُ الثَّوبِ أعلاهُ، بخلافِ بطانتهِ. وكذلكَ ظاهرُ البيتِ أعلاهُ، وظاهرُ القولِ مَا ظهرَ منهُ وبانَ. وظاهرُ الإنسانِ خلافُ باطنهِ، فكلَّمَا عَلاَ الشيءُ ظهرَ (٢).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
والظَّاهرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوقَهُ شَيءٌ كَمَا قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ
حَقًّا رَسُولُ الله ذَا تَفْسِيرُهُ وَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ
فَاقْبَلْهُ لاَ تَقْبَلْ سِوَاهُ مِنَ التَّفَا سِيرِ التِي قِيلَتْ بِلاَ بُرْهَانِ
والشَّيءُ حِينَ يَتِمُّ مِنْه عُلُوُّهُ فَظُهورُهُ فِي غَايَةِ التِّبْيَانِ
أوَ مَا تَرَى هَذِي السَّمَا وَعُلُوَّهَا وَظُهُورَهَا وَكَذَلِكَ القَمَرَانِ (٣)
الوَجْهُ الثاني:
أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَأَنْتَ البَاطِن فَلَيْسَ دُونَكَ شيءٌ» ولمْ يقلْ: «فليسَ تحتكَ شيءٌ».
_________________
(١) التمهيد (٨/ ٩٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٤٤)، وانظر: شرح الواسطية (١/ ١٨١) لابن عثيمين ﵀، وفتح الباري (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧) لابن رجب، وجامع البيان (م١١/ج٢٥/ص٤٣) و(م١١/ج٢٧/ص١٢٤ - ١٢٥).
(٣) الكافية الشافية (ص١١٣ - ١١٤).
[ ٢١٧ ]
والمعنى: لَيْسَ دونَ الله شيءٌ، لا أحدٌ يدبِّر دونَ الله، لا أحدٌ ينفردُ بشيءٍ دونَ الله، وَلاَ أحدٌ يخفى عَلَى الله، كلُّ شيء فاللهُ محيطٌ بهِ، ولهذا قَالَ: «لَيْسَ دُونَكَ شيء» يعني: لا يحولُ دونَكَ شيءٌ، وَلاَ يمنعُ دونكَ شيءٌ، وَلاَ ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجدُّ وهكذا (١).
الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ
قال الجويني: «فإن استدلوا - يعني أهلُ السنَّةِ - بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] فالوجهُ معارضتهم بآي يساعدوننَا على تأويلها: منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فنسألهم عنْ معنى ذلكَ، فإنْ حملوهُ على كونهِ معنا بالإحاطةِ والعلمِ، لم يمتنعْ حملُ الاستواءِ على القهرِ والغلبةِ» (٢).
قال ابنُ قدامة ﵀: قلنَا: نحنُ لم نتأوَّل شيئًا، وحملُ هذه اللَّفظاتِ عَلَى هذهِ المعاني ليسَ بتأويلٍ، لأنَّ التأويلَ صرفُ اللَّفظ عنْ ظاهرهِ، وهذهِ المعاني هي الظاهرُ منْ هذهِ الألفاظِ بدليلِ أنَّهُ المتبادرُ إلى الأفهامِ منهَا.
وإذا تقرَّرَ هَذَا فالمتبادرُ إلى الفهمِ منْ قولهم: «اللهُ معكَ» أي بالحفظِ والكلاءةِ، ولذلكَ قَالَ اللهُ تعالى - فيما أخبرَ عنْ نبيِّهِ -: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وقال لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ولوْ أرادَ أنَّهُ بذاتهِ مَعَ كلِّ أحدٍ لمْ يكنْ لهمُ بذلكَ اختصاصٌ لوجودهِ فِي حقِّ غيرهم كوجودهِ فيهم، ولم يكنْ ذلك موجبًا لنفيِ الحزنِ عن أبي بكرٍ وَلاَ علَّةَ لهُ.
فعُلمَ أنَّ ظاهرَ هذهِ الألفاظِ هوَ مَا حُملتْ عَلَيهِ فلمْ يكنْ تأويلًا.
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (٢/ ٥١)، للعلامة ابن عثيمين ﵀.
(٢) الإرشاد للجويني (ص٤٠).
[ ٢١٨ ]
ثمَّ لَوْ كانَ تأويلًا فمَا نحنُ تأوَّلنا، وإنَّما السَّلفُ رحمةُ الله عليهم الّذي ثبتَ صوابهم ووجبَ اتِّباعهم هم الذين تأوَّلوه، فإنَّ ابنَ عبّاسٍ والضحاكَ ومالكًا وسفيانَ وكثيرًا مِنَ العلماءِ قالوا فِي قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أي علمهُ.
ثمَّ قدْ ثبتَ بكتابِ اللهِ والمتواترِ عنْ رسولِ اللهِ وإجماعِ السَّلفِ أنَّ الله تعالى فِي السَّمَاءِ عَلَى عرشهِ، وجاءتْ هذهِ اللَّفظةُ مَعَ قرائنَ محفوفةٍ بها دالَّةً عَلَى إرادةِ العلمِ منهَا وهوَ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] فبدأهَا بالعلمِ وختمهَا بهِ، ثمَّ سياقهَا لتخويفهم بعلمِ الله تعالى بحالهمْ، وأنَّهُ ينبئهم بما عملوا يومَ القيامةِ ويجازيهم عَلَيهِ.
وهذهِ قرائنُ كلُّها دالَّةٌ عَلَى إرادةِ العلمِ. فقد اتَّفقَ فيهَا هذهِ القرائنُ ودلالةُ الأخبارِ عَلَى معناها ومقالةُ السَّلفِ وتأويلهم فكيفَ يلحقُ بها مَا يخالفُ الكتابَ والأخبارَ ومقالاتِ السَّلفِ؟!! فهذا لا يخفى عَلَى عاقلٍ إنْ شاءَ الله تعالى، وإنْ خفيَ فقدْ كشفناهُ وبيَّنَّاهُ بحمدِ الله تعالى (١).
وقال العلامةُ يحيى بن أبي الخير العمراني: فإنْ قال قائلٌ: فلمَ تأوَّلتم قولَ الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية.
_________________
(١) ذم التأويل (ص٤٥ - ٤٦).
[ ٢١٩ ]
قلنا لهُ: لأنَّ القرآنَ يعاضدُ بعضُهُ بعضًا، وقدْ أخبرَ الله تعالى أنَّهُ على العرشِ استوى، وأخبرَ النبيُّ ﷺ. فعلمنَا أنَّ هناك معنًى يختصُّ بهِ العرشُ دونهُ، فقلنَا هو على العرشِ استوى، ولا نكيِّفُ الاستواءَ؛ بلْ نصدِّقُ ونؤمنُ بهِ إيمانًا مجملًا، وأنَّهُ تعالى الله أنْ يكونَ في الحشوشِ والأمكنةِ الدنيئةِ فنزَّهناهُ عنهَا، وحملنا هذهِ الآيةِ على الإحاطةِ والعلمِ لذكرهِ العلمَ في ابتداءِ الآيةِ وآخرهَا، كما حملنا قولهُ تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] على النَّصرِ والتأييدِ وإنْ كانَ يسمعُ كلامَ فرعونَ ويراهُ كما يسمعُ كلامهمَا ويراهما، وليس كذلكَ هذهِ الآياتُ والأخبارُ التي وردتْ بصفاتِ الذَّاتِ فإنَّ العقولَ تقصرُ عنْ معرفةِ المرادِ بها فلزمنَا بالضَّرورةِ التَّصديقُ بها والإمساكُ عنها (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة ﵀: إنَّ الكتابَ والسنَّةَ يحصلُ منهما كمالُ الهدى والنُّورِ لمنْ تدبَّر كتابَ الله وسنَّةَ نبيِّهِ، وقصدَ اتِّباعَ الحقِّ، وأعرضَ عنْ تحريفِ الكلمِ عنْ مواضعهِ، والإلحادِ في أسماءِ اللهِ وآياتهِ.
ولا يحسبُ الحاسبُ أنَّ شيئًا منْ ذلكَ يناقضُ بعضهُ بعضًا البتّةَ، مثل أنْ يقولَ القائلُ: ما في الكتابِ والسنَّةِ منْ أنَّ الله فوقَ العرشِ يخالفُ الظاهرَ منْ قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلكَ، فإنَّ هذا غلطٌ.
_________________
(١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥).
[ ٢٢٠ ]
وذلكَ أنَّ الله معنا حقيقةً، وهوَ فوقَ العرشِ حقيقةً، كمَا جمعَ اللهُ بينهمَا في قولهِ ﷾: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. فأخبرَ أنَّه فوقَ العرشِ يعلمُ كلَّ شيءٍ، وهوَ معنا أينما كنَّا.
وذلكَ أنَّ كلمةَ (مع) في اللُّغةِ إذا أطلقتْ فليسَ ظاهرهَا في اللُّغةِ إلَّا المقارنةَ المطلقةَ؛ منْ غيرِ وجوبِ مماسةٍ أو محاذاةٍ عنْ يمينٍ أو شمالٍ؛ فإذا قيِّدتْ بمعنًى مِنَ المعاني دلَّتْ على المقارنةِ في ذلكَ المعنى. فإنَّه يقالُ: ما زلنا نسيرُ والقمرُ معنَا أو والنَّجمُ معنا. فاللهُ مَعَ خلقهِ حقيقةً، وهو فوقَ عرشهِ حقيقةً.
ثمَّ هذهِ «المعيةُ» تختلفُ أحكامُهَا بحسبِ المواردِ فلمَّا قالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد: ٤] إلى قولِه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. دلَّ ظاهرُ الخطابِ على أنَّ حكمَ هذهِ المعيَّةِ ومقتضاهَا أنَّه مطَّلعٌ عليكمْ؛ شهيدٌ عليكم ومهيمنٌ عالمٌ بكمْ، وهذا معنى قولِ السَّلفِ: إنَّه معهم بعلمهِ، وهذا ظاهرُ الخطابِ وحقيقتهُ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ» (١). فهو سبحانهُ مَعَ المسافرِ في سفرهِ ومع أهلهِ في وطنهِ، ولا يلزمُ منْ هذا أن تكونَ ذاتهُ مختلطةً بذواتهم، كمَا قالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: معهُ على الإيمانِ، لا أنَّ ذاتهم في ذاتهِ، بل همْ مصاحبونَ لهُ، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] يدلُّ على موافقتهم في الإيمانِ وموالاتهم.
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٤٢).
[ ٢٢١ ]
فاللهُ تعالى عالمٌ بعبادهِ وهوَ معهم أينما كانوا، وعلمهُ بهم منْ لوازمِ المعيَّةِ (١).
وكذلكَ في قولهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. فإنَّهُ افتتحَ الآيةَ بالعلمِ وختمهَا بالعلمِ، فكانَ السِّياقُ يدلُّ على أنَّه أرادَ أنَّهُ عالمٌ بهم (٢).
ولمَّا قالَ النَّبيُّ ﷺ لصاحبهِ في الغارِ: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] كانَ هذا أيضًا حقًّا على ظاهرهِ، ودلَّتِ الحالُ على أنَّ حكمَ هذهِ المعيَّةِ هنا معيةُ الاطِّلاعِ، والنَّصرِ والتأييدِ.
وكذلكَ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *﴾ [النحل: ١٢٨] وكذلك قولهُ لموسى وهارونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤]. هنا المعيةُ على ظاهرهَا، وحكمهَا في هذهِ المواطنِ النَّصرُ والتأييدُ (٣).
فلفظُ «المعيَّةِ» قد استعملَ في الكتابِ والسنَّةِ في مواضعَ، يقتضي في كلِّ موضعٍ أُمورًا لا يقتضيهَا في الموضعِ الآخرِ، فإمَّا أنْ تختلفَ دلالتها بحسبِ المواضعِ، أو تدلُّ على قدرٍ مشتركٍ بينَ جميعِ مواردهَا - وإن امتازَ كلُّ موضعٍ بخاصيَّةٍ - فعلى التقديرينِ ليسَ مقتضاها أنْ تكونَ ذاتُ الرَّبِّ ﷿ مختلطةً بالخلقِ، حتَّى يقال قدْ صرفتْ عن ظاهرهَا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٣١).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٤).
[ ٢٢٢ ]
ومنْ علمَ أنَّ «المعيةَ» تضافُ إلى كلِّ نوعٍ منْ أنواعِ المخلوقاتِ - كإضافةِ الربوبيةِ مثلًا - وأنَّ الاستواءَ على الشيءِ ليسَ إلَّا للعرشِ، وأنَّ الله يوصفُ بالعلوِّ والفوقيَّةِ الحقيقيةِ، ولا يوصفُ بالسُّفولِ ولا بالتحتيَّةِ قطُّ، لا حقيقةً ولا مجازًا: عُلِمَ أنَّ القرآنَ على مَا هوَ عليهِ مِنْ غيرِ تحريفٍ (١).
الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ
قالَ النَّسفي في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أي: من ملكوته في السَّماءِ؛ لأنَّها مسكنُ ملائكتهِ، ومنها منزلُ قضاياه وكتبهِ وأوامرهِ ونواهيهِ، فكأنَّهُ قالَ: أأمنتم خالقَ السَّماءِ وملكَهُ؛ أو لأنَّهم [أي المشركين] كانوا يعتقدونَ التَّشبيهَ، وأنَّه في السَّماء، وأنَّ الرحمةَ والعذابَ ينزلانِ منهُ؛ فقيل لهمْ على حسبِ اعتقادهم: أأمنتمْ منْ تزعمونَ أنَّه في السَّماءِ وهو متعالٍ عَنِ المكانِ (٢).
أقولُ وبالله التوفيق: هذا تحريفٌ لكتابِ الله تعالى؛ فقدْ حرَّف هذهِ الآيةَ بتحريفينِ فاضحينِ:
أمَّا التَّحريفُ الأوَّلُ: فهوَ تأويلُ قولهِ تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] بمنْ ملكوتهُ في السَّماءِ، يعني أنَّ الله تعالى ليسَ في السَّماءِ بلْ ملكوتهُ في السَّماءِ، وهذا تحريفٌ محضٌ؛ لأَنَّهُ خارجٌ عنْ لغةِ العربِ ولا يقتضيهِ سياقُ هذهِ الآيةِ البتةَ؛ فإنَّ كلمةَ «من» اسمُ موصولٍ بمعنى «الذي» والمرادُ هوَ الله تعالى وكلمةُ «في» بمعنى «على» و«السَّماء» هو «العلوُّ» فكلُّ ما علا فهو سماء، فكلمةُ «في» ليستْ للظرفيَّةِ، و«السَّماء» ليسَ المرادُ منهَا الفلكَ والجسمَ، بل المرادُ جهة العلوِّ.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٢ - ١٠٦).
(٢) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (٤/ ٢٢٢) للنسفي.
[ ٢٢٣ ]
فمعنى هذه الآيةِ الكريمةِ عندَ سلفِ هذهِ الأمَّةِ وأئمَّةِ السنةِ: أمَا تخافونَ الله الذي هوَ على السَّماءِ العالي على خلقهِ وفوقَ عبادهِ أنْ يرسلَ عليكمْ حاصبًا، وأنْ يخسفَ بكمُ الأرضَ.
ثمَّ سياقُ هذهِ الآيةِ وكلمةُ «منْ» الموصولةُ، وكلمةُ «يرسل» وكلمةُ «يخسف» معَ كثرةِ تلكَ الآياتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويَّةِ وفطرةِ جميعِ بني آدمَ كلِّها تدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ تأويلَ النَّسفيِّ لهذهِ الآيةِ تحريفٌ وهميٌ، كما تدلُّ على أنَّ الصحيحَ الحقَّ الصريحَ هو أنَّ الله تعالى في جهةِ العلوِّ فوقَ العالمِ عالٍ على خلقهِ أجمعين.
وأمَّا التَّحريفُ الثاني: وهوَ قولُ النَّسفيِّ: إنَّ هذهِ الآيةَ محمولةٌ على زعمِ المشركينَ من المشبِّهةِ: أنَّ الله تعالى فوقَ السَّماءِ، فقالَ الله تعالى لهم: أنتم أيُّها المشركونَ المشبِّهونَ تعتقدونَ أنَّ الله تعالى في السَّماءِ، فلمَ لا تخافونهُ.
أقولُ: قصدَ النَّسفيُّ أنَّ عقيدةَ كونِ الله تعالى في السَّماءِ، مِنَ العقائدِ الفاسدةِ للمشبِّهةِ المشركينَ، وليستْ هذهِ العقيدةُ مِنَ العقائدِ الصحيحةِ للموحِّدينَ المسلمينَ!!.
وانظرْ أيُّها المسلمُ كيفَ حرَّفَ المصنِّفُ معنى هذهِ الآيةِ!! حتَّى جعلَ العقيدةَ السَّلفيةَ - أي العلوُّ لله تعالى - عقيدةً للمشبِّهةِ المشركينَ، فقدْ حكمَ على عقيدةِ جميعِ الأنبياءِ والمرسلينَ والصَّحابةِ والتَّابعينَ وأئمَّةِ هذا الدِّينِ - وهي عقيدةُ علوِّ الله تعالى على خلقهِ - بأنَّها عقيدةُ المشبِّهةِ المشركينَ.
وقدْ ردَّ عليه علامةُ العراقِ الألوسيُّ المفسِّرُ حيثُ قالَ:
[ ٢٢٤ ]
«وقيلَ هو مبنيٌّ على زعمِ العربِ حيثُ كانوا يزعمونَ أنَّهُ سبحانهُ في السَّماءِ؛ فكأنَّهُ قيلَ: أأمنتم منْ تزعمونَ أنَّهُ في السَّماءِ. وهو متعالٍ عَنِ المكانِ!! وهذا في غايةِ السَّخافةِ، فكيفَ يناسبُ بناءُ الكلامِ في مثلِ هذا المقامِ على زعمِ بعضِ الجهلةِ، كما لا يخفى على المنصفِ» (١).
ثمَّ ذكرَ الألوسيُّ عدةَ نصوصٍ لأئمَّةِ الإسلامِ على إقرارِ الصِّفاتِ لله تعالى ولا سيَّما صفةُ العلوِّ لهُ تعالى، وقالَ: «وأئمَّةُ السَّلفِ لم يذهبوا إلى غيرهِ تعالى».
أقولُ: يعني الألوسيُّ: أنَّ معنى الآية عندَ السَّلفِ أأمنتم الله الذي في السَّماءِ أي في العلوِّ، بأنَّ المرادَ منْ قولهِ «من» هو اللهُ تعالى لا غيرُ.
ثمَّ قالَ الألوسيُّ أيضًا: «وحديثُ الجاريةِ منْ أقوى الأدلَّةِ لهم في هذا البابِ، وتأويلهُ بما أوَّلَ بهِ الخلفُ خروجٌ عن دائرةِ الإنصافِ عندَ أولي الألبابِ» (٢).
وهذا كلامٌ في غايةِ الإنصافِ لمنْ فهمهُ (٣).
الشُّبْهَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ
لوْ كانَ تعالى فوقَ العرشِ لما صحَّ القولُ بأنَّهُ تعالى قريبٌ منْ عبادهِ.
والجوابُ على هذهِ الشُّبهةِ أنْ يقالَ:
ليسَ فِي القرآنِ وصفُ الرَّبِّ بالقربِ منْ كلِّ شيءٍ أصلًا؛ بلْ قربهُ الّذي فِي القرآنِ خاصٌّ لا عامٌّ، كقولهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فهوَ سُبْحَانهُ قريبٌ ممَّنْ دعاهُ.
وهذا القربُ من الدَّاعي هوَ قربٌ خاصٌّ، لَيْسَ قربًا عامًّا منْ كلِّ أحدٍ؛ فهوَ قريبٌ منْ داعيهِ وقريبٌ منْ عابدهِ.
_________________
(١) روح المعاني (٢٩/ ١٥).
(٢) التنبيهات السنية (ص١٠٨ - ١١١).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٧٥).
[ ٢٢٥ ]
عنْ أبي موسى الأشْعري ﵁ قالَ: كنَّا معَ رسولِ الله ﷺ في سفرٍ فارتفعت أصْواتنا بالتكبيرِ فقالَ: «أيُّها الناسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكم! إنكمْ ليسَ تدْعُونَ أصمَّ ولا غائبًا إنَّكم تدْعون سميعًا قريبًا وهو معكم أقْربُ إلى أحَدِكُم من عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» (١).
وذلكَ لأنَّ الله سبحانهُ قريبٌ منْ قلبِ الدَّاعي فهوَ أقربُ إليهِ منْ عنقِ راحلتهِ. فالمعنى يكونُ بتقريبهِ قلبِ الدَّاعي إليهِ، كما يقربُ إليهِ قلبُ السَّاجدِ؛ كما ثبتَ في «الصَّحيحِ»: «أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ من رَبِّهِ وهو سَاجِدٌ» (٢).
فالساجدُ إذا سجدَ يتقربُ قلبهُ وروحهُ إلى اللهِ تعالى، والسجودُ هو نهايةُ خضوعِ العبدِ وتواضعهُ، والعبد كلما تواضع رفعهُ الله، كما قال النبي ﷺ: «ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله» (٣).
فالمتواضُع للهِ: الَّذِي ذلَّ واستكان للهِ تعالى لا لخلقه يكون قلبه قريبًا من الله، فيرفعه اللهُ بذلكَ، فهو في الظاهرِ هابطٌ نازلٌ، وفي الباطن - وهوَ فِي الحَقِيقَةِ - صاعِدٌ عالٍ (٤) كَما قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِن آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأسِهِ حَكَمَةٌ (٥) بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلمَلَكِ: ارفَع حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلمَلَكِ: ضَع حَكَمَتَهُ» (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٩٢ و٤٢٠٢ و٦٣٨٤ و٦٤٠٩ و٦٦١٠ و٧٣٨٦)، ومسلم (٢٧٠٤).
(٢) رواه مسلم (٤٨٢).
(٣) قطعة من حديث رواه مسلم (٢٥٨٨).
(٤) بيان تلبس الجهمية (٦/ ٦٧ - ٦٨) طبعة مجمع الملك فهد.
(٥) الحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه، وفيها العِذاران؛ وهما من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان.
(٦) رواه الطبراني (١٢٩٣٩)، وحسنه لغيره الألباني؟ في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٥).
[ ٢٢٦ ]
فالسَّاجدُ يقربُ الرَّبُّ إليه فيدنو قلبهُ منْ ربِّهِ، وإنْ كانَ بدنهُ على الأرضِ. ومتى قربَ أحدُ الشيئينِ منَ الآخرِ صارَ الآخرُ إليهِ قريبًا بالضَّرورةِ. وإنْ قدِّرَ أنَّهُ لمْ يصدرْ منَ الآخرِ تحرُّكٌ بذاتهِ، كما أنَّ منْ قرُبَ منْ مكةَ قربتْ مكةُ منهُ.
وقَالَ ﷺ فيما يروي عنْ ربِّهِ ﷿: «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (١).
فكلَّما تقرَّبَ العبدُ باختيارهِ قدرَ شبرٍ زادهُ الرَّبُّ قربًا إليهِ حتَّى يكون كالمتقرِّبِ بذراعٍ. فكذلكَ قربُ الرَّبِّ منْ قلبِ العابدِ، وهو ما يحصلُ في قلبِ العبدِ منْ معرفةِ الرَّبِّ والإيمانِ بهِ، وهوَ المثلُ الأعلى؛ وذلكَ أنَّ العبدَ يصيُر محبًّا لما أحبَّ الرَّبُّ، مبغضًا لما أبغضَ، مواليًا لمنْ يوالي؛ معاديًا لمنْ يعادي؛ فيتحدُ مرادهُ معَ المرادِ المأمورِ بهِ الذي يحبُّهُ الله ويرضاهُ (٢).
وقالَ ﷺ: «أقربُ مَا يكونُ الرَّبُّ من العبدِ فِي جوفِ الليلِ الآخِرِ، فَإِنِ استطَعْتَ أن تكونَ ممن يذكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» (٣).
وليسَ هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعْهودِ منهم، كما ظنَّهُ منْ ظنَّهُ مِنْ أهلِ الضَّلالِ؛ وإنَّما هوَ قربٌ ليسَ يشبهُ قربَ المخْلوقينَ، كما أنَّ الموصوفَ بهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٤)؛ بَلِ الرَّبُّ تعالى فوقَ سمواتهِ على عرشهِ، والعبدُ في الأرضِ (٥).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٨٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٠٣ - ٥١٣).
(٣) رواه النسائي (٥٧٢)، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٥٥٧).
(٤) فتح الباري (٣/ ١١٦ - ١١٧)، لابن رجب الحنبلي.
(٥) مدارج السالكين (٣/ ٢٧٢) [دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية].
[ ٢٢٧ ]
وقال ﷾: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقال ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ *﴾ [هود: ٩٠].
ومعلومٌ أنَّ قولَهُ ﷾: ﴿قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] مقرونٌ بالتوبةِ والاستغفارِ، أرادَ بِهِ قريبٌ مجيبٌ لاستغفارِ المستغفرينَ التائبينَ إليهِ، كَمَا أنَّه رحيمٌ ودودٌ بهم، وقدْ قرنَ القريبُ بالمجيبِ. ومعلومٌ أنَّهُ لا يقالُ إنَّهُ مجيبٌ لكلِّ موجودٍ، وإنَّما الإجابةُ لمنْ سألهُ ودعاهُ، فكذلكَ قربهُ ﷾.
وقال ﷾: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
فذكَّر الخبرَ وهوَ «قريبٌ» عن لفظِ «الرَّحمةِ» وهيَ مؤنثةٌ، إيذانًا بقربهِ تَعَالَى مِنَ المحسنينَ؛ فكأنَّهُ قَالَ: إنَّ الله برحمتهِ قريبٌ مِنَ المحسنينَ.
ويوضِّحُ ذَلِكَ: أنَّ الرَّحمةَ لمَّا كانتْ صفةً منْ صفاتِ الله تَعَالَى، وصفاتهُ قائمةٌ بذاتهِ؛ فإذا كانتْ قريبةً مِنَ المحسنينَ، فهوَ قريبٌ سُبْحَانهُ منهم قطعًا.
فالرَّبُّ ﵎ قريبٌ مِنَ المحسنينَ ورحمتهُ قريبةٌ منهمْ وقربهُ يستلزمُ قربَ رحمتهِ. ففي حذفِ التَّاءِ هاهنا تنبيهٌ عَلَى هذهِ الفائدةِ العظيمةِ الجليلةِ وإنَّ الله تَعَالَى قريبٌ مِنَ المحسنينَ وذلكَ يستلزمُ القربينِ قربهُ وقربَ رحمتهِ. ولو قَالَ: إنَّ رحمةَ الله قريبةٌ مِنَ المحسنينَ، لم يدلَّ عَلَى قربهِ تَعَالَى منهم.
وإنْ شئتَ قلتَ: قربهُ ﵎ مِنَ المحسنينَ، وقربُ رحمتهِ منهم متلازمانِ لا ينفكُّ أحدهما عَنِ الآخرِ؛ فإذا كانتْ رحمتهُ قريبةً منهم، فهوَ أيضًا قريبٌ منهم، وإذا كان المعنيانِ متلازمينِ صحَّ إرادةُ كلِّ واحدٍ منهما.
[ ٢٢٨ ]
فكانَ فِي بيانِ قربهِ ﷾ مِنَ المحسنينَ مِنَ التَّحريضِ عَلَى الإحسانِ واستدعائهِ مِنَ النُّفوسِ وترغيبها فيه، غايةُ حظٍّ لها، وأشرفهُ، وأجلُّهُ عَلَى الإطلاقِ. وهو أفضلُ إعطاءٍ أعطيهُ العبدُ، وهو قربهُ ﵎ منْ عبدهِ. الّذي هو غايةُ الأماني، ونهايةُ الآمالِ، وقرَّةُ العيونِ، وحياةُ القلوبِ وسعادةُ العبدِ كلُّها.
فكانَ فِي العدولِ عنْ قريبةٍ إِلَى قريبٍ من استدعاءِ الإحسانِ وترغيبِ النُّفوسِ فيهِ، مَا لا يتخلَّفُ بعدَهُ إلَّا منْ غلبتْ عَلَيهِ شقاوتهُ. وَلاَ قوَّةَ إلَّا بالله.
فتبيَّنَ منْ هَذَا: أنَّ اللهَ ﷾ قريبٌ مِنَ المحسنينَ بذاتهِ ورحمتهِ قربًا لَيْسَ لهُ نظيرٌ وهوَ مَعَ ذَلِكَ فوقَ سماواتهِ عَلَى عرشهِ كَمَا أنَّهُ سُبْحَانهُ يقربُ منْ عبادهِ فِي آخرِ الليلِ وهوَ فوقَ عرشهِ ويدنو منْ أهلِ عرفةَ عشيّةَ عرفةَ وهوَ عَلَى عرشهِ؛ فإنَّ علوَّهُ سُبْحَانهُ عَلَى سماواتِهِ مِنْ لوازمِ ذاتهِ فلا يكونُ قطُّ إلَّا عاليًا، وَلاَ يكونُ فوقهُ شيءٌ البتّةَ كَمَا قَالَ أعلمُ الخلقِ: «وأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (١).
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ
قال عبدُ القاهر البغداديُّ: قال عليٌّ: كانَ اللهُ ولا مكانَ، وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ (٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٣)، وبدائع الفوائد (٣/ ١٧ - ٣٢)، ومختصر الصواعق (٢/ ٢٦٨ - ٢٧١). والجملة المذكورة قطعة من حديث: رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) الفرق بين الفرق (ص٣٢١) [طبعة دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة الثانية].
[ ٢٢٩ ]
والكلامُ المذكورُ كذبٌ مفترًى على عليٍّ ﵁، وقد اتَّفقَ أهلُ العلمِ بالحديثِ أنَّهُ موضوعٌ مختلقٌ مفترى، وليسَ هو في شيءٍ منْ دواوينِ الحديثِ لا كبارهَا ولا صغارهَا، ولا رواهُ أحدٌ منْ أهلِ العلمِ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ، ولا بإسنادٍ مجهولٍ، وإنَّما تكلَّمَ بهذهِ الكلمةِ متأخرو الجهميَّةِ، فتلقَّاهُ مِنْ هؤلاءِ الذينَ وصلوا إلى آخرِ التجهُّمِ، وهوَ التَّعطيلُ والإلحادُ وهذهِ المقولةُ قصدَ بها المتكلِّمةُ الجهميَّةُ نفيَ الصِّفاتِ التي وصفَ بهَا نفسهُ منْ استواءهِ على العرشِ وغيرِ ذلكَ وهمْ دائمًا يهذونَ بهذهِ الكلمةِ في مجالسهمْ، وهي أجلُّ عندهمْ منْ قولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] ومنْ حديثِ الجاريةِ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ
قال القشيريُّ: «قال جعفرُ الصَّادقُ: مَنْ زعمَ أنَّ الله في شيءٍ أو منْ شيءٍ أو على شيءٍ فقدْ أشركَ؛ إذ لو كانَ على شيءٍ لكانَ محمولًا، أو كانَ في شيءٍ لكانَ محصورًا، أو كانَ من شيءٍ لكانَ محدثًا» (١).
سبحانَ الله!! كيفَ قوبلَ هذَا الكلامُ بأعظمِ القبولِ، وقدِّمَ على الآياتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ الدَّالةِ على علوِّ الله على العرشِ. فليسَ الدينُ بكثرةِ الكلامِ ولكنْ بالهدى والسدادِ.
والكلامُ على الأثرِ المذكورِ منْ وجهينِ:
الأوَّلُ:
هذَا الكلامُ وأشباهُه ممَّا اتَّفَقَ أهلُ المعرفةِ على أنَّهُ مكذوبٌ عنْ جعفرٍ، والكذبُ على جعفر كثيرٌ منتشرٌ. والذي نقلهُ العلماءُ الثقاتُ عنهُ معروفٌ، يخالفُ روايةَ المفترينَ عليهِ (٢).
الثاني:
_________________
(١) الرسالة القشيرية (١/ ٤٠ - ٤١).
(٢) الاستقامة (١/ ١٩١).
[ ٢٣٠ ]
أنَّ المعاني المذكورةَ فيهِ صحيحةٌ إلَّا قولهُ «أو على شيءٍ» ففيهِ مصادمةٌ لقولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] فإنَّ استواءَ الرَّبِّ سبحانه بغيرِ كيفيَّةٍ كما قالَ الإمامُ مالكٍ وغيرهُ. وجلَّ الله سبحانهُ أنْ يكونَ محمولًا أو محصورًا؛ بلْ جميعُ الخلقِ محمولونَ بقدرتهِ محصورونَ في قبضتهِ. تعالى الله عمَّا يقولُ المعطِّلة والمشبِّهةُ علوًّا كبيرًا (١).
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ
قال الزرقانيُّ: إذا كنتم تأخذونَ بظواهرِ النُّصوصِ على حقيقتها، فماذا تفعلونَ بمثلِ قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، مَعَ قولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]؟ أتقولونَ: إنَّهُ في السَّماءِ حقيقةً؟ أم في الأرضِ حقيقةً؟ أمْ فيهما معًا حقيقةً؟ وإذا كانَ في الأرضِ وحدهَا حقيقةً فكيفَ تكونُ لهُ جهةُ فوق ولا يقالُ: لهُ جهةُ تحت؟ ولماذا يشارُ إليهِ فوق ولا يشارُ إليهِ تحت؟ (٢).
إنَّ هذا الكلامَ أشبهُ بكلامِ أهلِ الجهلِ والضَّلالِ، ومنْ لا يدري ما يخرجُ منهُ منَ المقالِ، منْ كلامِ أهلِ العقلِ والعلمِ والبيانِ، وهوَ أشبهُ بكلامِ جهَّالِ القصَّاصِ والمغالطينَ، منْ كلامِ العلماءِ المجادلينَ بالحقِّ (٣).
_________________
(١) تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدارسي والحلبي (ص٢٨ - ٢٩).
(٢) مناهل العرفان (٢/ ٣١٦)، طبعة دار الكتب العلمية - الأولى.
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
[ ٢٣١ ]
فهوَ يحاولُ إثباتَ التناقضِ في آياتِ القرآنِ ليدعمَ بتعطيلهِ وإنكارهِ لصفَّةِ علوِّ الله تعالى، وإلَّا فالجوابُ واضحٌ، ولا تناقضٌ ولا اضطرابٌ في كلامِ الله تعالى، لأننا نقولُ: إنَّهُ لا شكَّ: أنَّ الله تعالى في السماء، أي على السماء، ولا نقول: إنَّه في الأرض. كما لا نقول: إنَّهُ فيهما. ولا نقول أيضًا: إنَّه يشارُ إليهِ إلى التحتِ. كما لا نقولُ: إنَّهُ يشارُ إليهِ إلى التحتِ والفوق جميعًا. بل نقولُ: إنَّهُ فوقَ العالمِ عالٍ على خلقهِ، ويشارُ إليهِ إلى جهةِ الفوقِ ﷾.
ولا يناقضُ ذلكَ قولهُ تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] (١). فإنَّ معنى الآيةِ كما قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: هوَ إلهُ منْ في السّماواتِ وإلهُ منْ في الأرضِ، وهو على العرشِ وقدْ أحاطَ علمهُ بما دونَ العرشِ، ولا يخلو منْ علمِ الله مكانٌ. ولا يكونُ علمُ الله في مكانٍ دونَ مكانٍ، فذلكَ قولهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (٢).
قالَ الآجُرِيُّ ﵀: ومما يُلبِّسونَ بهِ على منْ لا علمَ معهُ احتجوا بقولهِ ﷿: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
وهذا كلُّهُ إنَّما يطلبونَ بهِ الفتنةَ، كمَا قالَ الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
_________________
(١) التنبيهات السنية (ص٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) الرد على الجهمية (ص٣٩) [المطبعة السلفية - القاهرة، الطبعة الأولى].
[ ٢٣٢ ]
وعندَ أهلِ العلمِ منْ أهلِ الحقِّ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ *﴾ [الأنعام: ٣] فهوَ كما قالَ أهلُ العلمِ ممَّا جاءتْ بهِ السُّننُ: إنَّ الله ﷿ على عرشهِ، وعلمهُ محيطٌ بجميعِ خلقهِ، يعلمُ ما تسرُّونَ وما تعلنونَ، يعلمُ الجهرَ منَ القولِ ويعلمُ ما تكتمونَ.
وقولهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فمعناه: أنَّه جلَّ ذكرهُ إلهُ منْ في السَّمواتِ، وإلهُ منْ في الأرضِ، إلهٌ يعبدُ في السَّموات، وإلهٌ يعبدُ في الأرضِ، هكذا فسَّرهُ العلماءُ (١).
الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ عَشْرَةَ
قالَ صاحبُ كتابِ حسن المُحَاجَجَة (٢): إذا كانَ الله تعالى - عندكم - فوقَ العالمِ بائنًا منهُ خارجًا منهُ فهوَ - إذًا - إمَّا أنْ يكونَ مماسًّا للعالمِ أو منفصلًا عنهُ، فإنْ قلتم: إنَّهُ مماسُّ للعالمِ فأنتم مبتدعةٌ مجسمةٌ. وإنْ قلتم: إنَّهُ منفصلٌ عَنِ العالمِ - فيقالُ - إذن - توجدُ المسافةُ بيَن العالمِ وبيَن الله تعالى فهذهِ المسافةُ إنْ كانتْ عدميَّةً فصارَ الله مماسًّا بالعالمِ، وإنْ كانتْ وجوديَّةً فهي جزءٌ مِنَ العالمِ، فيلزم أنَّ الله منفصلٌ عَنِ العالمِ بجزءٍ مِنَ العالم.
والجوابُ أنْ يقالَ:
إنَّ السَّلفَ قالوا: إنَّ اللهَ تعالى فَوْقَ العالَمِ بائنٌ عنهُ وهذا القدرُ كافٍ في العقيدةِ، ولم يخوضوا في المسافةِ، هلْ بينَ الله وبيَن العالمِ مسافةٌ أمْ لا، وكمْ مقدارُ هذهِ المسافةِ وهلْ تلكَ المسافةُ جزءٌ منَ العالمِ أمْ لا؟ وذلكَ لوجهينِ:
الأولُ:
خشيةَ الدخولِ في الكيفِ.
والثاني:
خشيةَ الدخولِ في دائرةِ الغيبِ بدونِ خبرٍ منَ الله تعالى.
_________________
(١) الشريعة (ص١٠٧٢ - ١١٠٥)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي.
(٢) (ص١٤).
[ ٢٣٣ ]
فالواجبُ على المسلمِ أنْ يعتقدَ أنَّ الله تعالى فوقَ العرشِ وقاهرٌ فوقَ عبادهِ عالٍ على الكونِ بائنٌ عنْ خلقهِ، ولا يدخلُ في الكيفِ.
وإننا نعلمُ بالاضطرارِ منْ دينِ الإسلامِ: أنَّ الموجودَ موجودانِ: خالقٌ ومخلوقٌ.
فالله تعالى بذاتهِ وصفاتهِ خالقٌ، وما سواهٌ عالمٌ - وهوَ الكونُ - وهوَ مخلوقٌ والله تعالى فوقَ الكونِ بائنٌ عنْ خلقهِ. فليسَ وراءَ هذا الكونِ شيءٌ موجودٌ غير الله تعالى لا المسافةُ ولا غيرهَا.
فالذي يُنْكِرُ علوَّ الله تعالى على خلقهِ بشبهةِ المسافةِ. فهُوَ المُشَبِّهُ في الحَقِيقَةِ أَوَّلًا؛ لأنَّهُ قدْ شبَّهَ فوقيَّةَ الله تعالى، بفوقيَّةِ رجلٍ على سطحِ بيتهِ، ولذلكَ دخلَ في المسافةِ وكيفيَّتها.
ثُمَّ هُوَ المُعَطِّلُ ثَانِيًا؛ لأنَّهُ عطَّلَ صفةَ علوِّ الله تعالى خشيةَ المسافةِ.
ثُمَّ هُوَ المُشَبِّهُ ثَالِثًا؛ لأنَّهُ قدْ وقعَ في أشنعِ ممَّا فرَّ منهُ وهو خوفُ الوقوعِ في التَّشبيهِ. لأنَّهُ لمَّا عطَّلَ صفةَ علوِّ الله تعالى خشيةَ التَّشبيهِ وقالَ: إنَّ الله لا داخلَ العالمِ ولا خارجهُ ولا فوقهُ ولا تحتهُ؛ شبَّهَ الله تعالى بالمعدومِ بل بالممتنعِ (١).
فتبًّا لذوي العقولِ الخائضةِ، والقلوب المعطِّلةِ، والنَّفوسِ الجاحدةِ، فما قدروا الله حقَ قدرهِ، والأرضُ جميعًا قبضتهُ يومَ القيامةِ، والسماواتُ مطوياتٌ بيمينهِ سبحانه وتعالى عمَّا يشركون.
فاسمعْ وتعقَّلْ ما يقالُ لكَ وتدبَّرْ ما يلقى إليكَ، والجأ إلى الإيمانِ بالغيبِ، فليسَ الخبرُ كالمعاينة. ودعِ المكابرةَ والمراءَ، فإنَّ المراءَ في القرآنِ كفرٌ، ما أنا قلتهُ بلِ المصطفى ﷺ قاله (٢).
_________________
(١) التنبيهات السنية (ص٣٩٥ - ٤٠٠).
(٢) انظر: مختصر العلو (ص١٠٠).
[ ٢٣٤ ]
الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ عَشْرَةَ
كان في الأزلِ ليسَ مستويًا على العرشِ، وهو الآن على ما عليه كانَ، فلا يكونُ على العرش؛ لأنَّ الاستواءَ فعلٌ حادثٌ - كانَ بعدَ أنْ لمْ يكنْ - فلو قامَ بهِ الاستواءُ لقامتْ بهِ الحوادثُ، وإنَّ قيامَ الحوادثِ بذاتهِ تغيُّرٌ والله منزَّهٌ عنِ التغيُّرِ.
ينبغي أن يعلمَ بأنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ إذا قالوا: «لا تحلُّهُ الحوادثُ» أوهموا النَّاسَ أنَّ مرادهم أنَّهُ لا يكونُ محلًا للتغيراتِ والاستحالاتِ ونحو ذلكَ منَ الأحداثِ التي تحدثُ للمخلوقينَ فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلكَ أنَّهُ لا ينزلُ إلى السَّماءِ الدنيا، ولا يأتي يومَ القيامةِ ولا يجيءُ، ولا يغضبُ بعدَ أنْ كانَ راضيًا، ولا يرضى بعدَ أنْ كانَ غضبانَ، ولا يقومُ بهِ فعلٌ البتةَ، ولا أمرٌ مجددٌ بعدَ أنْ لمْ يكنْ، ولا استوى على عرشهِ بعدَ أنْ لمْ يكنْ مستويًا عليهِ، ولا يغضبُ يومَ القيامةِ غضبًا لمْ يغضبْ قبلهُ مثلهُ، ولنْ يغضبَ بعدهُ مثلهُ، ولا ينادي عبادهُ يومَ القيامةِ بعدَ أنْ لمْ يكنْ مناديًا لهم، فإنَّ هذهِ كلَّها حوادثُ، وهو منزَّهٌ عنْ حلولِ الحوادثِ (١)؛ فإنَّ هذا مِنَ اللبسِ والتلبيسِ، وتسميةِ المعاني الصحيحةِ الثابتةِ بالأسماءِ القبيحةِ المنفِّرةِ، وتلكَ طريقةٌ للنُّفاةِ مألوفةٌ وسجيةٌ معروفةٌ (٢).
والجوابُ على الشُّبهةِ المذكورةِ - التي هيَ أوهنُ منْ بيتِ العنكبوتِ - منْ وجوهٍ:
الأولُ:
_________________
(١) الصواعق المرسلة (ص٩٣٥ - ٩٣٦).
(٢) الصواعق المرسلة (ص١٥٠٠).
[ ٢٣٥ ]
منْ قالَ لكم إنَّ الحادثَ لا يقومُ إلَّا بحادثٍ. منْ أينَ جاءتْ هذهِ القاعدةُ؟ هلْ هيَ في القرآنِ الكريمِ؟ هلْ هيَ في السنَّةِ المطهَّرةِ؟ هلْ هيَ في العقلِ؟ وكلُّ منْ أمعنَ النَّظرَ وفهمَ حقيقةَ الأمرِ علمَ أنَّ السَّلفَ كانوا أعمقَ منْ هؤلاءِ علمًا، وأبرَّ قلوبًا، وأقلَّ تكلُّفًا، وأنَّهم فهموا منْ حقائقِ الأمورِ ما لمْ يفهمهُ هؤلاءِ، الذين خالفوهم، وقبلوا الحقَّ وردُّوا الباطلَ ومنْ هداهُ الله ﷾ أيقنَ فسادَ هذا الكلامِ (١).
الوجهُ الثاني:
إننا نقابلُ هذهِ القاعدةِ الفاسدةِ بقاعدةٍ أكملَ منهَا وأوضحَ وهوَ: أنَّ الفعَّالَ لما يريدُ أكملُ منَ الذي لا يفعلُ. والله ﷾ يفعلُ ما يشاءُ، والله يحدثُ ما يشاءُ، لا معقِّبَ لحكمهِ، فمَا منْ فعلٍ يفعلهُ إلَّا وقدْ حدثَ بعدَ أنْ لمْ يكنْ. وأنتم إذا عطَّلتم الله ﷿ عنِ الأفعالِ الإختياريةِ - كالاستواءِ والنزولِ والضحكِ والفرحِ والغضبِ - معنى ذلك: وصفتموهُ بأنقص ما يكونُ «والكَمَالُ في اتِّصَافِهِ بهذه الصِّفَاتِ؛ لا في نَفْي اتِّصَافِهِ بها» (٢).
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: «اللهُ سبحانهُ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ، منزَّهٌ عنِ النَّقائصِ، وكلُّ كمالٍ وُصِف بهِ المخلوقُ منْ غيرِ استلزامهِ لنقصٍ فالخالقُ أحقُّ بهِ، وكلُّ نقصٍ نُزِّهَ عنهُ المخلوقُ فالخالقُ أحقُّ بأنْ ينزَّهَ عنهُ، والفعلُ صفةُ كمالٍ لا صفةَ نقصٍ، كالكلامِ والقدرَةِ، وعدمُ الفعلِ صفةُ نقصٍ، كعدمِ الكلامِ وعدمِ القدرةِ، فدلَّ العقلُ على صحةِ ما دلَّ عليهِ الشَّرعُ، وهوَ المطلوبُ» (٣).
وقال ابنُ القيِّم ﵀:
_________________
(١) انظر: النبوات (ص٧٩)، وشرح حديث النزول (ص٤١٧)، ودرء التعارض (١/ ٣٩، ٤٠، ٩٨) و(٣/ ٤٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٤٢).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٦).
[ ٢٣٦ ]
وَالرَّبُّ لَيْسَ مُعَطَّلًا عَنْ فِعْلِهِ بَلْ كُل يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَانِ (١)
الوجهُ الثالثُ:
«لفظُ التغيُّرِ لفظٌ مجملٌ. فالتغيُّر في اللغةِ المعروفةِ لا يرادُ بهِ مجرَّد كون المحلِّ قامتْ بهِ الحوادثُ» (٢)؛ بلْ إنَّ لفظَ التغيُّرِ في كلامِ النَّاس المعروفِ: يتضمَّنُ استحالةَ الشيءِ.
والنَّاسُ إنَّما يقولونَ تغيَّر: لمنِ استحالَ منْ صفةٍ إلى صفةٍ.
فالإنسانُ مثلًا: إذا مرضَ، وتغيَّرَ في مرضهِ؛ كأن اصفرَّ لونهُ أو شحبَ، أو نحلَ جسمهُ: يقالُ: غيَّرهُ المرضُ.
وكذا إذا تغيَّر جسمهُ بجوعٍ أو تعبٍ، قيلَ قد تغير.
وكذا إذا غيَّرَ لونَ شعرِ رأسهِ ولحيته؛ قيلَ قد غير ذلكَ.
وكذا إذا تغيَّر خلقهُ ودينهُ؛ مثل أنْ يكونَ فاجرًا فيتوبُ، ويصيرُ برًّا. أو يكون برًا، فينقلبُ فاجرًا. فهذا يقالُ عنهُ: إنَّهُ قد تغيَّر.
ومنْ هذا البابِ، قولُ رسولِ الله ﷺ لما أُتيَ بأبي قحافةَ، ورأسهُ ولحيتهُ كالثَّغامة: «غيِّروا هذا بشيءٍ، واجْتَنِبُوا السَّوادَ» (٣).
وكذا الشمسُ إذا اصفرَّت، قيلَ: تغيَّرت. ويقالُ: وقتُ العصرِ ما لم يتغيَّر لونُ الشمسِ.
والأطعمةُ إذا استحالَ لونها أو ريحهَا؛ يقالُ: تغيَّرت أيضًا.
يقولُ الله ﷾ عَنِ الجنَّةِ ونعيمهَا: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥].
فاللبنُ يتغيَّر طعمهُ منَ الحلاوةِ إلى الحموضةِ، ونحو ذلكَ.
والماءُ الكثيرُ إذا وقعت النجاسةُ فيهِ لم ينجس، إلَّا أنْ يتغيَّر طعمهُ أو لونهُ أو ريحهُ، وقولهم: إذا نجسَ الماءُ بالتغيُّر زالَ بزوالِ التغير.
_________________
(١) الكافية الشافية (ص٩٠).
(٢) جامع الرسائل (٢/ ٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٤٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٦٣).
[ ٢٣٧ ]
«وكذلكَ يقالُ: فلانٌ قد تغيَّر على فلانٍ إذا صارَ يبغضهُ بعدَ المحبةِ، فإذا كان ثابتًا على مودتهِ لمْ يسم هشتهُ إليهِ وخطابهُ لهُ تغيُّرًا.
وإذا جرى على عادتهِ في أقوالهِ وأفعالهِ فلا يقالُ أنَّهُ قدْ تغيَّر، قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ومعلومٌ أنَّهم إذا كانوا على عادتهم الموجودةِ يقولونَ ويفعلونَ ما هو خيرٌ لم يكونوا قد غيَّروا ما بأنفسهم، فإذا انتقلوا عنْ ذلكَ فاستبدلُّوا بقصدِ الخيِر قصدَ الشرِّ، وباعتقادِ الحقِّ اعتقادَ الباطلِ، قيلَ: قدْ غيَّروا بأنفسهم، مثل منْ كانَ يحبُّ الله ورسولَهُ والدَّارَ الآخرةَ فتغيَّر قلبهُ وصارَ لا يحبُّ الله ورسولهُ والدَّارَ الآخرة، فهذا قد غيَّر ما في نفسه» (١).
والمقصودُ أنَّ مثلَ هذهِ الأمور يقالُ لها تغيُّرٌ.
أمَّا ما يقومُ بالإنسانِ منْ أفعالٍ: كتكلمهِ، ومشيهِ، وقيامهِ، وقعودهِ، وطوافهِ، وصلاتهِ، وركوبهِ، وأمرهِ، ونهيهِ، فلا يقالُ إنَّ هذا تغيُّرٌ.
فالنَّاسُ لا يقولونَ للإنسان إذا كانتْ عادتهُ أنْ يقرأ القرآنَ ويصلِّي الخمسَ أنَّهُ كلَّما قرأ وصلَّى: قدْ تغيَّر، وإنِّما يقولونَ ذلكَ لمنْ لمْ تكنْ عادتهُ هذهِ الأفعال، فإذا تغيَّرت صفتهُ وعادتهُ قيلَ: إنَّهُ قدْ تغيَّر.
وكذلكَ النَّاسُ لا يقولونَ للشمسِ والكواكبِ إذا كانتْ ذاهبةً مِنَ المشرقِ إلى المغربِ: إنَّها متغيَّرةٌ.
ولا يقولونَ: للماءِ إذا جرى معَ بقاءِ صفائهِ أنَّهُ تغيَّرَ.
_________________
(١) جامع الرسائل (٢/ ٤٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، ودرء تعارض العقل والنقل (٣/ ٧٤ - ٧٥).
[ ٢٣٨ ]
ولا يقالُ عندَ الإطلاقِ للفاكهةِ والطعامِ إذا حُوِّلَ منْ مكانٍ إلى مكانٍ: أنَّهُ تغيَّرَ. ويقولونَ: تغيَّرَ الهواءُ، إذا بردَ بعدَ السخونةِ، ولا يكادونَ يسمُّونَ مجرَّدَ هبوبهِ تغيُّرًا، وإنْ سمِّي بذلكَ فهم يفرِّقونَ بينَ هذا وهذا.
ولهذا لمْ يطلقْ على الصفةِ الملازمةِ للموصوفِ أنَّها مغايرةٌ لهُ، لأنَّهُ لا يمكنُ أنْ يستحيلَ عنهَا ولا يزايل.
والنَّاسُ إذا قيلَ لهم: التغيُّرُ على الله ممتنعٌ، فهموا منْ ذلكَ الاستحالةَ والفسادَ، مثلَ انقلابِ صفاتِ الكمالِ إلى صفاتِ نقصٍ، أو تفرُّقِ الذاتِ، ونحو ذلكَ ممَّا يجبُ تنزيهُ الله عنهُ. واللهُ أَجَلُّ وأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْطُرَ بِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قيامُ القَبَائِحِ والآفَّاتِ والعُيوبِ به ﷾ (١).
وأمَّا كونهُ سبحانهُ يتصرَّفُ بقدرتهِ، فيخلقُ، ويستوي، ويفعلُ ما يشاءُ بنفسهِ، ويتكلَّمُ إذا شاءَ، ونحو هذا، فهذا لا يسمُّونهُ تغيُّرًا. فإنَّ صفةَ الموصوفِ اللازمةِ لهُ لا تُسمَّى تغيُّرًا.
فالرَّبُّ تعالى لمْ يزلْ ولا يزالُ موصوفًا بصفاتِ الكمالِ، منعوتًا بنعوتِ الجلالِ والاكرامِ، وكمالهُ منْ لوازمِ ذاتهِ، فيمتنعُ أنْ يزولَ عنهُ شيءٌ منْ صفاتِ كمالهِ، ويمتنعُ أن يصيَر ناقصًا بعدَ كمالهِ.
و«هذا الأصلُ» عليهِ قولُ السلفِ، وأهلُ السنَّةِ: أنَّهُ لمْ يزلْ موصوفًا بصفاتِ الكمالِ، ولا يزالُ كذلكَ، فلا يكونُ متغيِّرًا، وهذا معنى قولِ منْ يقولُ: يا مَنْ يغيِّر، ولا يتغيَّر! (٢).
وذكرَ البخاريُّ عنْ نُعيم بنِ حَمَّاد أنَّهُ قالَ: إنَّ العَرَبَ لا تعرف الحَيَّ من المَيِّتِ إلَّا بالفِعْلِ، فَمَنْ كان له فعلٌ فهو حَيٌّ، ومَنْ لم يَكُنْ له فِعْلٌ فهو مَيِّتٌ (٣).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٣٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٣) خلق أفعال العباد (ص١١٧)، تحقيق: بدر البدر.
[ ٢٣٩ ]
ولكن حججَ النُّفاةِ مبناها على ألفاظٍ مجملةٍ موهمة، كما قالَ الإمامُ أحمدُ: يَتَكَلَّمُونَ بالمُتَشَابَهِ من الكَلاَمِ، ويلَبِّسونَ على جُهَّالِ النَّاسِ بما يُشَبِّهُونَ عليهم، حتى يَتَوَهَّمَ الجاهلُ أنهم يُعَظِّمونَ اللهَ، وهم إنَّما يقودهم قولُهم إلى فِرْيَةٍ على اللهِ (١).
فقدْ تبيَّنَ بهذا الكلامِ أنَّ المشتغلينَ بعلمِ الكلامِ «قدْ خالفوا صريحَ المعقولِ، وسلبوا الكمالَ عمَّنْ هوَ أحقُّ بالكمالِ منْ كلِّ ما سواهُ، ولمْ يكفهمْ ذلكَ حتَّى جعلوا الكمالَ نقصًا، وعدمهُ كمالًا، فعكسوا الأمرَ، وقلبوا الفطرَ، وأفسدوا العقولَ، فتأمَّل شبههم الباطلة، وخيالاتهم الفاسدة التي عارضوا بها الوحي هلْ تقاومُ الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على إثباتِ العلوِّ والفوقيَّةِ للرَّبِّ ﷾؟ ثمَّ اخترْ لنفسكَ بعدُ ما شئتَ» (٢).
وفي ختامِ الرّدِّ على الشُّبهاتِ نقولُ: إنَّ النُّصوصَ الدَّالَّةَ على علوِّ الله على خلقهِ كثيرةٌ منتشرةٌ، قد بهرت المتكلِّمين بكثرتها وقوَّتها، وليس معهم في نفي ذلكَ، لا عقلٌ صريحٌ، وَلاَ نقلٌ صحيحٌ. فهم يظنُّون أنَّ معهم عقلياتٍ، وإنَّما معهم جهلياتٌ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *﴾ [النور: ٣٩] فهمْ لا يرجعونَ في قولهم إلى آيةٍ مِنَ التنزيلِ محكمةٌ، ولا روايةٌ عنْ رسولِ الله ﷺ صحيحةٌ، فارقوا الدَّليلَ واتَّبعوا أهواءَ قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبلُ وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عنْ سواءِ السَّبيل (٣).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٧٢ - ٧٥).
(٢) انظر: الصواعق (ص٩١٧).
(٣) إغاثة اللهفان (ص١٢٧).
[ ٢٤٠ ]
الوجه الأول
ونسأله ﷾ أنْ لا يبتلينا بما ابتلاهم بهِ منْ مفارقةِ المنقولِ والمعقولِ وتلقِّي العلمِ واليقينِ منْ غيرِ مشكاةِ الرسول ﷺ (١).
* * *