الله تعالى مالك الملك يؤتي الملك من يشاء
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا نفسه في هاتين الآيتين في صورة دعاءٍ أمر الله رسوله - ﷺ - أن يدعو به، وهو دعاء لطيف موفق معجب، لا يمل المرء من الدعاء به، وترديد عباراته، والتأمل في معانيه.
وهو يُعرِّفنا بربِّنا سبحانه، فيرينا إيَّاه ويده تعمل في المجتمع الإنساني على مرِّ الدهور والأزمان، يذلُّ أقوامًا، ويقهرهم، ويعلي شأن آخرين ويعزَّهم، وكما يصرف الله أمور عباده على هذا النحو، يصرف أمر هذا الكون الواسع العريض، فيولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحيِّ ويرزق من يشاء بغير حساب، إنه الله سبحانه.
[ ٦١ ]
ثانيًا: آيات هذا الموضع من القرآن من سورة آل عمران
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعزَّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
ثالثًا: تفسير آيات هذا الموضع من القرآن
اللهم: يا الله.
تنزع، أي: تقبضه وتخلعه.
تُعِزُّ من تشاء: ترفعه وتعلي شأنه.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضوع من كتاب الله تعالى
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه في هاتين الآيتين في هذا الموضع، فهو الذي يصرف الملك في عباده، وكما يصرف الملك في عباده فهو الذي يصرف الأمر في كونه ﵎.
قال تعالى معرفًا عباده أنه يصرف الملك فيهم: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعزَّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أن الملك بيده سبحانه في الدنيا، يصرفه في عباده كيف يشاء، فيؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزَّ من يشاء، ويذل من يشاء، ومن تصفح كتب التاريخ في القديم والحديث رأى مصداق ما حدَّثنا الله به في
[ ٦٢ ]
هذه الآية، فالدول كالأفراد، تنشأ وليدةً، ثم ترتقي شيئًا فشئيًا، ثم تصبح في غاية القوة والعنفوان، ثم تتلاشى وتزول، وقد جاء الله بالإسلام، فأزال المسلمون عروش الأكاسرة والقياصرة، وامتدت الدولة الإسلامية، وانهارت عروشٌ كثيرة، وحكم الخلفاء الراشدون، ثم جاء الأمويون والعباسيون، وأخيرًا جاء العثمانيون، وزال العثمانيون، وجرت بعد ذلك خطوب وأهوال، وقدر الله ماضٍ في عباده.
وكما يصرف الله الملك في عباده، فهو وحده مصرف الأمر في كونه، ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧].
ومن تصريف الله كونه بإرادته أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فهما من جهة متعاقبان، ومن جهة أخرى متقارضان يأخذ الليل من النهار، ثم يأخذ النهار من الليل، وقد يتعادلان.
وهو سبحانه يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، فهو سبحانه ينزل الماء من السماء، فيحيي الأرض بعد موتها ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] ونحن نشاهد الماء ينزل على الحب والنوى في باطن الأرض، فتتشقَّق الأرض، وينبت الحبُّ، ويورق، ويخضرُّ ويثمر ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] وهذا النبات الحيُّ يخرج من الحبِّ الميت، وصور
[ ٦٣ ]
الإحياء والإماتة في الأرض كثيرةٌ، فمن النطفة والبويضة يخلق الإنسان، ومن البيضة الميتة تتكون الطيور، ومن الطيور الحية تكون البيضة.
ومن ألوان التصريف في الخلق أنه سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فيمدُّ بعض عباده بالمال الكثير، الذي لا يعدُّ، ولا يحصى، وقد يضيِّق على آخرين، كل ذلك وفق مشيئته وحكمته وتقديره.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - في هاتين الآيتين بنفسه فذكر:
١ - أنَّه يؤتي الملك من يشاء إيتاءه إيَّاه، ويقبضه وينزعه ممن يشاء نزعه منه، وقد رأينا في أيامنا التي عشناها مثل هذا، رأينا الدول القويَّة تسنَّمت قمة الملك في أيامنا، ورأيناها وقد زالت وضعفت، ورأينا من الأفراد من آتاه الله الملك، ورأينا من الأفراد والأسر من زال عرشه وزال ملكه.
٢ - وكما يصرِّف الله - تعالى - الملك في عباده، فإنه يصرف الأمر في كونه، فإنه هو سبحانه الذي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فهما يتعاقبان ويتقارضان.
٣ - الله تعالى يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحيِّ، فمن الحبَّة الصماء تخرج النبتة الخضراء، ومن البيضة الجامدة يخرج العصفور المغرِّد، ويخرج من النبتة الخضراء الحبوب الميتة، ويخرج من الدجاجة الحية البيضة الميتة.
٤ - الله ﵎ يرزق من يشاء رزقه بغير حساب، فينزل على أقوام المطر، فينبت لهم النبات، ويخرج لهم الأشجار، ويرزق أقوامًا المال حتى تفيض به خزائنهم.
* * *
[ ٦٤ ]