جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس
أولًا: تقديم
كان الله تعالى قد شرع فيما مضى على لسان نبيه إبراهيم وابنه النبيِّ إسماعيل تشريعات بقيت قائمة في الجزيرة العربية إلى بعثة نبينا محمدٍ - ﷺ -، وقد أقامت هذه التشريعات كثيرًا من مصالح العباد، وحفظت لهم نسبةً عاليةً من الأمن في الوقت الذي لم يكن للعرب فيه مَلِكٌ يقيم لهم الأمن كما هو الحال عند الأمم الأخرى، وهذا يدل على أنَّ الله - تعالى - عليمٌ بكل شيءٍ، ويشرِّع من التشريع ما يقيم به مصالح العباد، وكلُّ ما شرعه الله لرسولنا - ﷺ - داخل في هذا الباب.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة المائدة
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
[ ٧٨ ]
عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٧ - ٩٩].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات
الكعبة: هي البنية التي بناها نبيُّ الله إبراهيم وابنه إسماعيل، والتي يحجُّ الناس إليها في مكَّة، سمِّيت بذلك لأنها مربَّعة، وكلُّ بناءٍ مربعٍ عند العرب فهو كعبةٌ.
البيت الحرام: البيت الحرام الكعبة، سمِّيت بيتًا لأنَّ لها سقفًا وجدرًا.
وجعل الله الكعبة حرمًا، لأنه لا يجوز الاقتتال والعدوان عندها، ويحرم أن يصاد في الحرم، كما يحرم قطع شجره.
قيامًا للناس، أي: جعل الكعبة بما تحفظه من أمنٍ وما تقيمه من أمورهم الدينية مقيمةً لمصالحهم الدنيوية.
الشهر الحرام: المراد به جنس الشهر الحرام، والأشهر التي حرَّم الله تعالى القتال فيها أربعةٌ: رجب الذي بين جمادى وشعبان، وذو الحجة ذو القعدة، وشهر الله المحرم.
والهدي: ما يُهدى إلى الحرم من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ.
والقلائد: الأكاليل التي كانت العرب تحيط به أنفسها أو أنعامها إذا ما أرادت حجَّة أو عمرة.
[ ٧٩ ]
رابعًا: شرح هذا الموضع من الآيات
أنزل الله ربُّنا من التشريع على رسله وأنبيائه في مختلف الأزمنة والعصور ما يقيم مصالح العباد في هذه الحياة، وهذه التشريعات التي أنزلها سبحانه قائمة على العلم الذي يتصف به ربُّنا، فعلمه سبحانه محيطٌ بكلِّ شيءٍ في السموات وفي الأرض. وقد شرَّع الله تعالى للناس في الجزيرة العربية على لسان رسوله وخليله إبراهيم وابنه إسماعيل تشريعاتٍ تقيم مصالحهم الدينية والدنيوية.
وقد ذكر الله تعالى في قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ. . .﴾ الآية أنه شرع لهم أربعة أمور تقيم مصالحهم في الجزيرة العربية، فقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧].
وسميت الكعبة بهذا الاسم، لأنها مربعةٌ، فكل بيتٍ مربَّع فهو كعبةٌ، وسمَّاها بيتًا، لأنَّ لها سقفًا وجدرًا، والمراد بالكعبة هنا الحرم، وجعل الله الكعبة حرمًا، لأنه حرَّم أن يعتدي الإنسان أو يَقتصَّ من غيره في الحرم، وحرَّم أن تُصاد الطيور والحيوانات في الحرم، وحرَّم أن يُخْتَلى خلاه، أو يُعْضد شوكه.
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ المرادُ به جنس الشهر الحرام، والأشهر الحرم أربعةٌ، وهي: رجبٌ، الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، واحد فرد وثلاثة سردٌ، وهذه الأشهر الأربعة لا يجوز أن يبدأ المسلمون فيها الحرب والقتال.
[ ٨٠ ]
﴿وَالْهَدْيَ﴾ ما يُهدي للحرم من بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم، ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ جمع قلادةٍ، والمراد بها ما كان يتقلَّده العُمَّار والحجَّاج من قلائد مصنوعةٍ من ورق الشَّجر أو غيره.
وقد جعل الله تعالى الأربعة المذكورة في الآية، وهي البيت الحرام، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد، قيامًا للناس، أي جعلها مصالح تقيمُ لهم أمورهم الدينية والدنيوية في الجزيرة العربية منذ عهد إبراهيم ﵇ حتى مجيء رسولنا - ﷺ -، فأبقى الأمر على ما كان مشروعًا من عهد إبراهيم. ووجه كونها قيامًا للناس أنَّ العرب في الجزيرة العربية لم يكن لديها ملكٌ أو حاكمٌ يحجز قويَّهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم، فصيَّر الله الكعبة، والشهر الحرام، والهدي والقلائد بمثابة الحاكم أو الملك الذي يطيعه الناس، ويلتزمون بأمره، فالعرب في جاهليتها كانت تعظِّم الحرم، ومن ذلك أنَّ الرجل كان يلقى قاتل أبيه في الحرم، فلا يهيِّجه، ولا يؤذيه، قال الطبريُّ بعد أن نقل كلام أهل العلم في تفسير الآية الكريمة: «وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائليها وألفاظها، فإنَّ معانيها آيلة إلى ما قلنا في ذلك من أنَّ القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كما الملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبِّر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم.
وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم ومتوجَّهِهِم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم».
[ ٨١ ]
ونقل عن قتادة أنه قال: «﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية: فكان الرجلُ لو جرَّ كلَّ جريرةٍ ثم لجأ إلى الحرام لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجلُ، لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجلُ إذا أراد البيت تقلد قلادةٍ من شعر، فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلَّد قلادةً من الإذخر أو من لحاء السَّمر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية».
وعن ابن زيد قال: «﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ قال: كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعضٍ، قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعضٍ، فجعل الله تعالى ذكره لهم البيت الحرام قيامًا يدفع بعضهم عن بعضٍ به، والشهر الحرام كذلك، يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد، قال: ويلقى الرجلُ قاتل أبيه أو ابن عمه فلا يعرض له» [الطبري: ٤/ ٣٠٥٦].
وأخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنَّه تعالى إنما شرَّع هذه الشريعة في جعله هذه الأربعة قوامًا للناس ليعلم الناس أنَّ الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليم.
إنَّ الذين ينظرون في أسرار التشريع ويعلمون بدائعه وحكمه، يعلمون موقنين أنَّ الذي شَرَعَ هذه التشريعات عليم بكلِّ شيءٍ، ولو لم يكن عليمًا لم يستطع أن يُشرِّع مثل هذا التشريع.
[ ٨٢ ]
وقال ابن جرير الطبريُّ في قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] «اعلموا أيها الناس أنَّ ربكم يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها، شديدٌ عقابه من عصاه، وتمرَّد عليه، على معصيته إيَّاه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] وهو غفور لذنوب من أطاعه وأناب إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها، رحيمٌ به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها» [الطبري: ٤/ ٣٠٥٧].
وهذه الآية تدلُّ على أنَّه يجب على كلِّ عبدٍ مؤمنٍ أن يعلم يقينًا أنَّ الله شديد العقاب وأنه غفورٌ رحيمٌ سبحانه.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - بنفسه في هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا العزيزُ الكريم أنَّه ﷾:
١ - جعل الكعبة والأشهر الحرم والهدي والقلائد لتقيم مصالح الناس في الجزيرة العربية، شرعها على لسان نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل، وبقي العرب ملتزمين بها عبر تاريخهم إلى أن بُعث رسولنا - ﷺ -، فقامت هذه التشريعات مقام المَلِك الضائع المفقود في الجزيرة العربية.
٢ - هذا التشريع ومثله جميع التشريعات التي شرعها ربُّ العزَّة سبحانه قائمةٌ على علم الله الواسع الكبير، فالجاهل لا يستطيع أن يُشرِّع التشريعات المحكمة الصحيحة.
[ ٨٣ ]
٣ - أمرنا ربُّنا - ﵎ - أن نعلم أنَّه شديد العقاب لمن أشرك وكفر به، وأنَّه غفورٌ رحيم لمن أطاعه وآمن به وتاب إليه.
٤ - عرَّفنا ربُّنا - سبحانه - أنه يعلم بما نظهره ونبديه، كما يعلم ما نبطنه ونخفيه، كلُّ ذلك في علمه سواء.
* * *
[ ٨٤ ]