الله تعالى الذي أنشأ جنات وعروشات وغير معروشات
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا العليُّ الأعلى ﷾ بنفسه، فأخبرنا أنه أنشأ لنا جناتٍ معروشاتٍ وأخرى غير معروشاتٍ، وأنشأ لنا بساتين النخيل والزيتون والرمان، وأنشأ لنا من الأنعام حمولةً تحملنا وأثقالنا، وفرشًا، وهي التي ننتفع بألبانها ولحومها.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *
[ ١٢١ ]
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤١ - ١٤٢].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الجنات: البساتين التي يحفها الشجر، مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر، لأنَّها تستر بأشجارها من يكون تحتها.
معروشات: بساتين الأعناب القائمة على العروش، وهي الأعمدة.
غير معروشاتٍ، أي: الملقاة على الأرض.
مختلفًا أُكلُه: مختلفًا طعمه، فقد يكون حلوًا أو مُرًا أو حامضًا.
متشابهًا وغير متشابه: في المنظر أو الطعم، وقد تختلف فيهما.
ولا تسرفوا، أي: لا تبالغوا في الإنفاق حتى يضرَّ بكم.
حمولة وفرشًا: الحمولة الكبار من الإبل التي تحمل الأحمال، وقد يستعمل في الفرس والبغل والحمار، وفرشًا الصغار من الإبل، والبقر والغنم.
خطوات الشيطان: خطوات جمع خطوة، وهي طرقه المضلَّة.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
عرَّفنا ربُّنا - ﷾ - بنفسه ﵎ ببيان ما يأتي:
١ - الله - تعالى - هو الذي أبدع لنا ما في الأرض من جناتٍ:
أعلمنا ربُّنا - العليُّ العظيم - أنه ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا
[ ١٢٢ ]
وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي: هو سبحانه الذي أنشأ لنا جنَّاتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ، والمراد بالمعروشات بساتين الأعناب المرفوعة على الأعمدة والعروش، وغير المعروشات ما لم يرفع، بل هو ملقى على الأرض.
والجنَّات: البساتين التي يحفُّها الشجر، مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر، لأنها تستر بأشجارها من يكون تحتها.
وقد تكون هذه الجنات من أشجار النخيل أو الزيتون أو الرمَّان، وقد يزرع بين الأشجار الحبوب من القمح والشعير والذُّرة، وقد يزرع فيها الرَّياحين وغيرها، وقوله: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: مختلفًا طعمه، فقد يكون حلوًا، وقد يكون حامضًا، وقد يكون بين ذلك.
والزيتون أنواعٌ كثيرةٌ، متشابهةٌ فيما بينها، في منظرها وطعمها، وقد تختلف فيما بينها، ومثل ذلك يقال في الرُّمان، تتشابه في المنظر، وقد تختلف، وقد يكون من الرُّمان الحلو والحامض.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الأنعام: ١٤١].
هذا الأمر الذي أمرنا به في الآية، وهو الأمر بالأكل من ثمار الأشجار من العنب والنَّخل والزيتون والرُّمان أمر إباحةٍ، وهو يأتي في مقابل ما حرَّمه أهل الجاهلية من الحرث، وأمرنا مع الأكل أن نؤتي حقَّه يوم حصاده، والحقُّ الذي أُمر المؤمنون بإيتائه حقٌّ غير مقدَّرٍ يخرجه صاحبه من ثمار الأعناب
[ ١٢٣ ]
والنخيل والزيتون والرمان، وليس المراد به الزكاة، فهذه الآية مكَّيةٌ، ولم تكن الزكاة قد فرضت بعد، ولو كانت الآية في شأن الزكاة لما أمر فيها بإخراج نصيبٍ من بساتين الرُّمان، فإنَّ الرمَّان لا زكاة فيه، وكذا لا يصحُّ الاحتجاج بالآية على وجوب إخراج الزكاة من الزيتون، ومما يدل على أنَّ الآية ليست في الزكاة أن الزكاة لا تؤدَّى في يوم الحصاد.
وقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُو﴾ نهيٌ عن إخراج ربِّ المال ما يضرُّ به، وبمن يتولَّى الإنفاق عليه من الذُّريَّة والزوجة وغيرهم، وعلَّل النهي عن الإسراف بأنه ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
٢ - امتنانُ الله علينا بما خلقه لنا من الأنعام:
أعلمنا ربُّنا - ﵎ - في الآية السابقة أنَّه أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ، ثم عطف عليها الآية التالية وهي قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. أي: وهو الذي أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ، وأنشأ حمولةً وفرشًا من الأنعام، فالله - سبحانه - هو الذي رزقنا أنواع الحبوب والأشجار وأنواع الأنعام، والحمولة: الإبل الكبار التي يرُكب عليها، ويُحمل عليها، والفرش الصغار من الإبل، والبقر والضأن والمعز مما لا يُحمل عليه، سمَّى صغار الإبل والغنم والبقر فرشًا لقربها من الأرض، فهي كالفرش، وقيل: الفرش ما يفرش على الأرض حين الذبح، وقال ربُّ العزَّة في الحمولة من الإبل التي يحمل عليها الأثقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى
[ ١٢٤ ]
بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وقال ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَاكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢].
وقوله تعالي ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي كلوا مما رزقكم الله من الجنات، ومن الأنعام سواءً كانت حمولةً أو فرشًا، ولا تحرِّموا على أنفسكم شيئًا، ولا تجعلوا منه للأصنام شيئًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ نهانا عن اتباع خطوات الشيطان، فإننا إذا اتَّبعنا خطواته أضلَّنا وأدخلنا النَّار، فهو عدوُّنا الذي كاد أبانا آدم وأمَّنا حوَّاء، والخطوات: جمع خطوةٍ، وهي طرقه المضلِّة، ومنها تلك التشريعات التي يحلُّ بها ما حرَّم الله، ويحرِّم ما أحلَّ، كما بيَّن الله تعالى ذلك في آيات النصِّ السابق.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا العلي الأعلى سبحانه بنفسه
عرَّفنا ربُّنا وهو أكرم الأكرمين بنفسه في هذه الآيات الكريمات ببيان ما يأتي:
١ - الله - ﵎ - هو الذي أنشأ في أرضه الواسعة لعباده جناتٍ من الأعناب، بعضها معروشة، وأخرى منها غير معروشة.
٢ - وأنشأ لهم جناتٍ من النخيل، والنخيل أنواع وأشكال، وقد يزرع في بساتين النخيل الزروع فيما بين الأشجار.
٣ - والله - تعالى - هو الذي أنشأ لنا الجنات من الزيتون والرمان، وبعض هذه قد تتشابه أشجارها، وبعضها تتشابه ثمارها في منظرها أو في طعمها، وقد لا تتشابه في شيءٍ من ذلك.
[ ١٢٥ ]
٤ - الله - ﵎ - هو الذي أنشأ لنا من الأنعام حمولةً وفرشًا، فالحمولة كبار الإبل التي تحملنا وتحمل أثقالنا، والفرش صغار الإبل والبقر والغنم التي جعلها الله لننتفع بلبنها ولحومها وأصوافها وجلودها.
* * *
[ ١٢٦ ]