خلق الله الإنسان من نطفة
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - في هذه الآيات بنفسه، وحدَّثنا بنعمه التي أنعم بها علينا في الأرض والسماء، ومن ذلك خلقه الأرض والسماء، وخلقنا من نطفةٍ ضعيفةٍ، وخلق لنا الأنعام، لتكون لنا مأكلًا، وصوفها ملبسًا، ونركبها في حاجاتنا، وتحمل أثقالنا.
وخلق لنا ربُّنا الخيل والبغال والحمير لنركبها، ونتجمل بها، وأنزل لنا الماء من السماء لنشرب منه، ونسقي منه دوابَّنا، ونروي زروعنا، وسخَّر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، وبثَّ لنا في الأرض ما نحتاج إليه من المنافع والمصالح، وسخَّر لنا البحر لنأكل منه اللحم الطريَّ، ونلبس مما يخرج منه من حليِّ، ونسيِّر فيه سفننا لتحملنا وتحمل تجاراتنا، وثبَّت الله العظيم الكريم سبحانه أرضنا بالجبال الرواسي، وسيَّر لنا فيها الأنهار، وجعل لنا فيها
[ ١٨٢ ]
الممرات والطرقات نسير فيها مشرِّقين ومغربين، وجعل لنا فيها العلامات التي تهدينا في أسفارنا، وهدانا بالنجوم في ظلمات الليل، وهو ربُّنا ﵎ الذي لا يعدُّ ولا يحصى خلقه، ولا تعدُّ نعمه، وهو العالم بنا لا يخفى عليه شيءٌ مما نسرُّ به ونخفيه، ولا ما نعلنه ونبديه سبحانه.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة النحل
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
[ ١٨٣ ]
وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٣ - ٢٣].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الأنعام: الجمال والأبقار والأغنام.
النطفة: الحيوان المنوي الذي يخلق منه الإنسان.
تريحون وتسرحون: تريحون بالعودة إلى منازلكم، وتسرحون عندما تنطلقون إلى المرعى.
جائر: ظالمٌ ضالٌّ.
تسيمون: ترعون أنعامكم.
ذرأ: بثَّ ونشر.
مواخر: تشقُّ عباب الماء.
تميد: تميل وتضطرب.
لا جرم: حقًّا.
[ ١٨٤ ]
رابعًا: شرح هذه الآيات
هذه الآيات مقطع طويل من الآيات، عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه فيها عبر النقاط التالية:
١ - خلق الله - ﵎ السموات والأرض بالحق:
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - أنَّه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] وعرَّفنا ﷾ أنَّه خلق السموات والأرض خلقًا كائنًا بالحقِّ متصفًا به، وقد سبق أن بيَّنت فيما مضى في سورة الحجر أنَّ الحق هو الذي جعل السموات والأرض معبدًا تتجاوب أرجاؤه بالتقديس والتسبيح والتحميد، ويتردَّد فيه الدعاء، وتقام فيه الصلاة، وقد نزَّه الله تعالى نفسه عمَّا يشركون، أي ما يشركونه به من الأوثان والأصنام.
وأخبرنا ﷾ أنه ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أي خلقه، من حيوانٍ منويٍّ ضعيفٍ، فلما نما وكبر وأصبح إنسانًا خاصم ربَّه الذي خلقه، وكذَّبه، وحارب رسله، كما قال ﷿ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].
وقد روى بسر بن جحاشٍ قال: بصق رسول الله - ﷺ - في كفه، ثمَّ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتَّى إذا
[ ١٨٥ ]
سوَّيتك، فعدلتُك مشيت بين بُرديك، وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومنعت، حتَّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: أتصدَّق؛ وأنَّى أوان الصدقة» [قال محقق ابن كثير (٣١١٤): أخرجه ابن ماجه وأحمد وصحح البوصيري إسناده في الزوائد، وانظر «الصحيحة» (١٠٩٩)].
وأعلمنا ﷾ أنَّه خلق لنا الأنعام، لمصالح كثيرةٍ حدَّثنا ربُّنا عنها ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨]. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، وقد جعل الله تعالى لنا فيها الدفء، فالبشر يصنعون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يتجملون بها، ويصنعون ملابسهم التي تقيهم البرد، ويصنعون منها خيامهم التي تؤويهم في الحرِّ والقرِّ، وجعل لنا فيها منافع كثيرةً، وجعل لحمها طعامًا لنا، وجعل لنا فيها جمالًا حين نريح وحين نسرح، أي حين نرجع بها من المرعى عشيًا، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين نبعثها إلى المرعى، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ والأثقال تتمثل بالأمتعة وأنواع البضائع والأثاث التي يرغب الناس بنقلها من مكانٍ إلى مكان، تحملها الإبل إلى بلادٍ بعيدة، لم نكن بالغيها إلا بشقِّ الأنفس، نسافر بها إلى الحجِّ والعمرة، أو ننتقل للتجارة أو الزيارة أو السياحة، وعقَّب ربُّنا - ﵎ - على ذلك
[ ١٨٦ ]
بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لرؤوف رحيم بكم، ومن أجل ذك سخر لكم هذه الأنعام.
ثم أخبرنا ربُّنا - ﷿ - أنَّه سخَّر لنا ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. فالخيل والبغال والحمير تستعمل لأمرين: الأول: ركوب بني آدم لها. والثاني: أنَّ في اقتنائها وركوبها زينةً يستمتع بها أصحابها، وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الوسائل التي يركبها العباد، ويتخذونها زينة، وقد يسَّر الله للبشر اختراع السيارات والطيارات (والقطارات)، وطوروا السفن، وسيخترع البشر أنواعًا أخرى لمزيد من الانتفاع بها.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾ [النحل: ٩]. ذكر الله تعالى الحيوانات من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وذكر ما فيها من المنافع، ثمَّ ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبيَّن أنَّ منها السبيل القاصدة، وهي الطريق الموصلة إليه، وهي طريق الحقِّ، وهي متمثلة في دين الإسلام الذي سلكه أنبياؤه ورسله وأتباعهم، ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ وهذا شامل للطرق الضالة كلها، وهي اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية والمجوسية والشيوعية، وغيرها من طرق الضلال والغواية، وأعلمنا ربُّنا في خاتمة الآية أنه لو شاء لهدانا أجمعين، ولكنَّه قضى بتدبيره وحكمته أن نكون مختلفين.
[ ١٨٧ ]
٢ - إنزال الله - ﵎ - الماء من السماء لينبت به الزرع:
أعلمنا ربُّنا - ﵎ - أنه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].
ذكر الله - تعالى - نعمته على عباده في إنزاله الماء من السماء، والمراد به إنزاله من السحاب، وقد جعل من هذا الماء النازل من السماء شرابًا يشرب منه العباد ودوابُّهم ومواشيهم، ومنه تتغذى الآبار وتتدفق العيون، ومنه ما يسقي الزرع والشجر الذي فيه تسيمون أنعامكم، أي: ترعونها فيه، تقول العرب: الإبل السائمة.
وبهذا الماء الواحد ينبت لنا ربُّنا الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ثم قال: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ويخرج لكم غيرها من الثمرات، كالتفاح والبرتقال والخوخ وأنواع الفواكه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيما حدثنا الله من سقينا بالماء النازل من السماء، وما ينبت به من الزروع والثمار، لآيات دالة على الله تعالى، ولكن لقوم يحسنون التدبر والتفكر والاتعاظ بهذه الآيات.
٣ - سخَّر الله - ﵎ - لعباده الليل والنهار والشمس والقمر:
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - أنه سخَّر لنا ما شاء من مخلوقاته ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
[ ١٨٨ ]
لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٢ - ١٣].
ذكر الله - ﵎ - النعم التي لا تقوم حياتنا من غيرها، ذكر أنَّه سخَّر لنا الليل والنهار، يتعاقبان، ويتقارضان، والشمس والقمر يدوران، وسخر لنا النجوم وبثَّها في أرجاء الفضاء، وجعلها لنا نورًا وضياء، وجعلها لنا علاماتٍ نهتدي بها في ظلمات الليل، وقد حدَّثنا في غير هذا الموضع عن مساراتها ومنازلها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] أي: في ذلك آيات لقوم يعقلون دين الله - ﵎ - ويفقهون حججه، وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أخبرنا ربَّنا عمَّا ذرأه في أرضنا من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات المختلفة والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف أشكالها وألوانها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: آياتٌ دالةٌ على الله سبحانه لقومٍ يذَّكرون آلاءه ونعمه، فيشكرونها.
٤ - الله - ﵎ - الذي سخر لعباده البحر:
الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾.
[ ١٨٩ ]
حدَّثنا ربُّنا - ﵎ - عن تسخيره البحر لنا، والبحر في هذه الأرض أكثر من اليابسة، وقد سخَّر لنا هذا البحر الشاسع الواسع المتلاطم بالأمواج، وجعل فيه الأسماك والحيتان، وأحلَّها لعباده، ولحمها طريٌّ صالحٌ للأكل، وجعل فيها الحليَّ التي نستخرجها من البحار، كما قال ربُّ العزَّة: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. ومن الآيات البحرية مسير الفلك في البحر، وهي السفن التي تمخر بصدرها عباب البحر، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لتركبوا الفلك، وتسيروا فيها، متنقلين من قطرٍ إلى قطر، ومن بلادٍ إلى بلاد، لطلب الرزق، وزيارة الأصحاب والأقارب والأحباب، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرونه على نعمة وإحسانه وفضله.
٥ - ألقى ربُّ العزَّة الجبال في الأرض ليثبتها وأجرى فيها الأنهار:
أعلمنا ربُّنا - ﷿ - أنَّه ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦] خلق الله تعالى الأرض فمادت، فأرساها وثبَّتها بالجبال، وسيَّر فيها الأنهار تسقي العباد والبلاد، وجعل فيها الطرق والممرات تخترق الجبال، وينتقل الناس فيها في أسفارهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١].
وجعل ربُّنا في الأرض علاماتٍ يستدلُّ بها المسافرون على ما يقصدونه في أسفارهم، وتكون العلامة جبلًا شامخًا، أو رابيةً مدببة، أو صخرةً مفلطحةً، أو هوةً سحيقةً، أو غير ذلك.
[ ١٩٠ ]
وكما جعل لنا علاماتٍ نهتدي بها في جنبات الأرض، جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمة الليل، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فكثيرٌ من الناس يستطيعون تحديد مشارق الأرض ومغاربها في الليل بالتعرف على مواقع النجوم.
٦ - استحقاق الله تعالى العبادة وحده:
أعلما ربُّنا - ﵎ - أنَّه وحده الخالق دون غيره بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فالله الذي خلق الخلق في الأرض وفي السماء هو الذي يستحقُّ أن يعبد وحده، فغيره لا يخلق شيئًا.
وعقَّب الله - ﵎ - على هذا السيل الذي ساقه من النعم الكثيرة الوافرة بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] أي أنَّ العباد لا يستطيعون عدَّ نعم الله على عباده، وقد تكون في النعمة الواحدة نعمٌ كثيرة، ولذلك لا يستطيع العباد الوفاء بنعم الله كلِّها، فمن فضل الله - ﵎ - علينا أنَّه يرضى عنَّا، وإن لم نستطع أن نفيه حقَّ النعم كلِّها، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولذلك يغفر لنا ما وقع منا من تقصير في شكر نعمه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٩]. أخبرنا ربُّنا - ﷿ - في خاتمة هذا النصِّ أنه يعلم ما نسره ونخفيه، وما نعلنه ونبديه، فعلمه بنا محيط، لا تخفى عليه خافية من أعمالنا وأقوالنا وخطرات قلوبنا.
[ ١٩١ ]
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا على نفسه في هذه الآيات
١ - الله - ﵎ - الذي خلق السموات والأرض.
٢ - الله - ﵎ - خلق الإنسان من نطفةٍ ضعيفة، ثم أصبح لله خصيمًا.
٣ - خلق الله - ﵎ - لنا الأنعام، نصنع من أوبارها وأصوافها ملابسنا، التي تدفئنا، ولنا في لحومها وألبانها منافع كثيرةٌ، ومنها نأكل، ولنا فيها جمالٌ حين نذهب للراحة في المساء، وحين نغدو بها في الصباح، وتحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلدٍ لم نكن بالغيه إلا بشقِّ الأنفس.
٤ - الله تعالى هو الذي خلق لنا الخيل والبغال والحمير لنركب فوق ظهورها، وجعل لنا فيه زينةً وجمالًا.
٥ - الله تعالى الذي أنزل لنا من السماء ماءً نشرب منه، ونسقي منه دوابنا، ويخرج به الشجر الذي نطلق فيه أنعامنا لتأكل منه.
٦ - ينبت الله بالغيث الذي ينزله من السماء الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ويخرج لنا به من كلِّ أنواع الثمار.
٧ - الله - سبحانه - الذي سخَّر الليل والنهار، وجعلهما يتعاقبان ويتقارضان، وخلق لنا الشمس والقمر، لنعلم عدد الأيام، ونعلم الشهور والأعوام.
٨ - أخرج الله تعالى لنا من الأرض شتى أنواع الفواكه والخضراوات، وجعلها مختلفة الألوان فذا ذهبيٌّ، وهذا فضيٌّ، وهذا أسود، وهذا أخضر، وهذا أصفر.
[ ١٩٢ ]
٩ - خلق الله تعالى البحر وسخَّره لنا، وخلق لنا فيه الأسماك والحيتان، لنأكل منه اللحم الطريَّ، وجعل فيه اللؤلؤ والمرجان، لنستخرجها من البحر، ونجعلها حليةً نتحلى بها.
١٠ - خلق لنا ربُّنا السفن، لتسير بنا في البحار، وتحمل أثقالنا فيه، ولنسافر فيه لتجارتنا إلى مختلف بقاع الأرض
١١ - ألقى الله تعالى الجبال في الأرض كي لا تميد بنا، وكي تثبت وتستقرّ.
١٢ - خلق الله لنا الأنهار تسير في الأرض مشرقةً ومغربةً، تسقينا وتسقي الدوابَّ والحقول والأشجار.
١٣ - جعل الله تعالى ممراتٍ بين الجبال، وفي الهضاب والآكام، كي نعبُر عَبرَها عندما نتحرك من مكان إلى مكان.
١٤ - الله يعلم ما نسرُّه ونخفيه في قلوبنا وضمائرنا، وما نظهره ونبديه من أقوالنا.
١٥ - الآلهة التي يعبدها المشركون آلهةٌ باطلةٌ، فهي مخلوقةٌ مربوبةٌ، تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ، وهي ميتةٌ ليس فيها حياةٌ، وما تدري متى البعث والنشور.
١٦ - الله - تعالى - هو الإله الواحد الذي يستحقُّ أن يعبد وحده دون غيره.
* * *
[ ١٩٣ ]