﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
الله تعالى هو الذي أحيا العباد بعد أن كانوا أمواتًا، ثم يميتهم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يحييهم جميعًا، ويوقفهم بين يديه، ويحاسبهم على ما قدموه في دنياهم.
وكان كفار قريش وعامة العرب يكذبون بقدرة الله على البعث والنشور، وأعلمنا ربُّنا - ﷿ - في هذه الآيات أن الكفار قد أقسموا على أنَّ الله لا يبعث الذي يموت، فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. فالكفار من قريشٍ يكذِّبون بالبعث والنشور، وليؤكدوا قولهم هذا أقسموا بالله ﴿جَهْدَ
[ ١٩٤ ]
أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: بحلفهم أغلظ الأيمان، وقد ردَّ الله تعالى عليهم قولهم هذا بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: بلى، أي سيبعث الله كلَّ من يموت، وبعث الناس يوم القيامة وعد على الله، لا بدَّ منه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنَّ بعث العباد أمر يسير على الله، لا يعجزه من ذلك شيءٌ.
ثم بيَّن ربُّ العزَّة سبحانه الغرض من بعث العباد، فقال سبحانه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] أي: ليبين الله تعالى لعباده ما كانوا يختلفون فيه في الحياة الدنيا، وأعظمه اختلافهم في التوحيد، واختلافهم فيما كانوا يعبدونه من دون الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أي: وليعلم الذين كفروا أنهم كاذبين فيما أقسموا عليه أنَّ الله تعالى لا يبعث من يموت، ولذلك فإنَّ زبانية النار تقول لهؤلاء المكذبين بالبعث والنشور، وهي تدعُّهم إلى النار: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [الطور: ١٤ - ١٦].
ثم بيَّن لنا ربُّنا - ﷿ - أنَّ أمر بعث العباد في يوم المعاد سهل يسير عليه سبحانه، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالله - ﵎ - إذ أراد أن يخلق شيئًا، فإنما يقول له: كن، فيكون كما أراده الله ﵎، فالله لا يعجزه شيءٌ، وليس هناك شيءٌ يأمره الله فيرفض، ولا يطيع.
[ ١٩٥ ]
وقد جاء في الحديث أنَّ الذين زعموا أن الله تعالى لا يبعث من يموت، قد كذبوا على الله ﵎، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله: كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، أمَّا تكذيبه إياي أن يقول: إنِّي لن أعيده كما بدأته، وأمَّا شتمه إياي أن يقول: اتَّخذ الله ولدًا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد، ولم يكن لي كفؤًا أحدٌ» [البخاري: ٤٩٧٥].
* * *
[ ١٩٦ ]