إيحاءُ الله تعالى إلى النحل
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - في هذه الآيات بنفسه، وذلك ليرقِّق بها قلوبنا، ويصفِّي بها نفوسنا، ويمضي بنا إلى نور الإيمان، فمن ذلك إنزاله الماء من السماء، فيحيي به الأرض بعد موتها، وإخراجه اللبن من بطون الأنعام لبنًا سائغًا للشاربين، وأخرج لنا من ثمرات النخيل والأعناب لنتخذ منه سكرًا ورزقًا حسنًا، وأخرج لنا من بطون النحل عسلًا صافيًا، فيه شفاء للناس، وهو خلقنا ثم يتوفانا، وقد نردُّ إلى أرذل العمر كي لا نعلم من بعد علمٍ شيئًا.
وفضَّل الله - تعالى - بعضنا على بعضٍ في الرزق، وجعل الله تعالى لنا أزواجًا، وجعل لنا منهن بنين وحفدةً.
[ ٢٠٧ ]
ثانيًا: آيات هذا الموضع
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٦٥ - ٧٢].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
الفرث: ما يبقى في كرش الأنعام بعد هضمها الطعام.
خالصًا: صافيًا لا تخالطه الشوائب.
سائغًا: يتقبله شاربه ويتذوقه.
يعرشون، أي: ما يصنعونه من العرائش القائمة على الأعمدة والجدران.
[ ٢٠٨ ]
سبلُ ربك: السبل الطرق التي يسير فيها النحل.
أرذل العمر: أسوؤه وأدناه.
حفدة: الأحفاد أولاد الأولاد.
رابعًا: تفسير آيات هذا الموضع من سورة النحل
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه في آيات هذا الموضع ببيان ما يأتي:
١ - الله - تعالى - أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها:
أخبرنا ربُّنا - ﷿ - أنَّه ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥] أنزل الله - ﵎ - من السماء ماءً، أي: من السحاب، فأحيا به الأرض بعد موتها، فإنَّك تمرُّ بالأرض، فتراها يابسةً خاشعةً، فإذا جادها الله تعالى بالغيث تراها وقد أينعت وأنبتت، واكتست جنباتها بالخضرة والزهور، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنَّ في ذلك لآيةً تدلُّ على وحدانية الله تعالى، وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون كلام الله تعالى، ويفقهون ما يتضمنه من العبر، ويتفكرون في خلق السموات والأرض.
٢ - إسقاءُ الله - تعالى - لنا مما في بطون الأنعام لبنًا خالصًا للشاربين:
قال سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾
[ ٢٠٩ ]
] النحل: ٦٦] «فهذا اللبن الذي تدرُّه ضروع الأنعام مم هو؟ إنه مستخلصٌ من بين فرثٍ ودمٍ، والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم، هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب، الذي لا يدري أحد كيف يكون.
وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دمٍ، وتغذية كلُّ خليةٍ بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم، عمليةٌ عجيبة فائقة العجب، وهي تتم في الجسم في كلِّ ثانيةٍ، كما تتم عمليات الاحتراق، وفي كلِّ لحظة تتمُّ في هذا الجهاز الغريب عمليات هدمٍ وبناءٍ مستمرة، لا تكف حتى تفارق الروح الجسد. . .، ولا يملك إنسان سويُّ الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كلُّ ذرَّةٍ فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني، الذي لا يقاس إليه أعقد جهازٍ من صنع البشر، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى.
ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل، وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجبٌ لا ينقضي التأمل فيه.
وقد بقي هذا كله سرًا إلى عهد قريب، وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من فرثٍ ودمٍ لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلًا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية
[ ٢١٠ ]
الكاملة، وما يملك إنسانٌ يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل، ووجود حقيقةٍ واحدةٍ من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن، فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة.
والقرآن - يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة - يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين» [في ظلال القرآن ٤/ ٢١٨٠].
٣ - أخرج الله لنا من ثمرات النخيل والأعناب سكرًا ورزقًا حسنًا:
ومن آيات الله ﵎ الدالة على بديع صنعه، وعجيب أمره ما أخرجه لنا من ثمرات النخيل والأعناب نتخذ منه سكرًا ورزقًا حسنًا ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]. فثمار النخيل يصنع منها المسكرات، وكانت الخمر في أوَّل الإسلام. . . حلالًا، ثم حُرِّمت، وقوله: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فيها إشارةٌ إلى أنَّ الخمر غير داخلةٍ في الرزق الحسن، والرزق الحسن هو في تناول ثمار النخيل، وصنع ألوان الطعام من تلك الثمار، فمن ذلك صناعة التمر والزبيب واستخراج الدبس منهما، وأنواع العصير، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إنَّ فيما أخرجه ربُّنا - ﵎ - من ثمرات النخيل والأعناب آياتٌ، وليس بآيةٍ واحدةٍ تدلُّ على بديع صنع الله، والذي يفقه هذه الآيات هم الذين يعقلون عن الله كلامه، ويحسنون النظر إلى ما خلق من آياته.
[ ٢١١ ]
٤ - أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شرابًا مختلفًا ألوانه فيه شفاء للناس:
أخبرنا ربُّنا - ﷿ - أنَّه ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].
وقد فسَّر سيِّد قطب رحمه الله تعالى هذه الآيات بقوله:. . . «والنحل تعمل بإلهامٍ من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لونٌ من الوحي تعمل بمقتضاه، وهي تعمل بدقةٍ عجيبةٍ يعجز عن مثلها العقل المفكر سواءً في بناء خلاياها. أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى.
وهي تتخذ بيوتها - حسب فطرتها - في الجبال والشجر وما يعرشون، أي: ما يرفعون من الكروم وغيرها، وقد ذلَّل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق، والنصُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس قد شرحه بعض المختصين في الطبِّ، شرحًا فنيًا، وهو ثابتٌ بمجرد نصِّ القرآن عليه؛ وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استنادًا إلى الحقِّ الكليِّ الثابت في كتاب الله» [في ظلال القرآن: ٤/ ٢١٨١].
وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس، فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريُّ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسقه عسلًا» ثمَّ أتى الثانية، فقال: «اسقه عسلًا» ثمَّ أتاه الثالثة
[ ٢١٢ ]
فقال: «اسقه عسلًا» ثمَّ أتاه فقال: قد فعلت، فقال: «صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا»، فسقاه فبرأ [البخاري: ٥٦٨٤، ومسلم: ٢٢١٧].
وعن عائشة - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ الحلواء والعسل [البخاري: ٥٤٣١. مسلم: ١٤٧٤مطولًا].
وعن ابن عباس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطةِ مِحْجمٍ، أو شربةِ عسلٍ، أو كيَّةِ نارٍ، وأنا أنهى أمتي عن الكيِّ» [البخاري: ٥٦٨١].
وعن جابر بن عبد الله - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﵁ - يقول: «إن كان في أدويتكم - أو يكون في شيءٍ من أدويتكم - خيرٌ، ففي شرطةِ مِحْجمٍ، أو شربةِ عسلٍ، أوى لذعةٍ بنارٍ توافق الدَّاء، وما أُحبُّ أن أكتوي» [البخاري: ٥٦٨٣. مسلم٢٢٠٥].
٥ - الله - ﵎ - خلقنا ثم يتوفانا:
أخبرنا ربُّنا - ﷿ - سبحانه أنَّه خلقنا من العدم، ثم يتوفانا سبحانه، أي يميتنا، وقد يردُّ بعضنا إلى أرذل العمر، وأرذل العمر الشيخوخة، وبلوغ الإنسان حالةً لا يعلم فيها شيئًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
وكان الرسول - ﵁ - يدعو ربَّه أن لا يردَّ إلى أرذل العمر، فعن أنس بن مالك أن الرسول كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات» [البخاري: ٤٧٠٧ - ومسلم: ٢٧٠٦].
[ ٢١٣ ]
٦ - فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق:
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
خاطب الله - نبارك وتعالى - المشركين به غيره قائلًا لهم: الله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ فهم لا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواءٌ، قال قتادة في تفسير الآية: «وهذا مثلٌ ضربة الله، فهل أحد منكم شاركه مملوكه في زوجته، وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإذا لم ترض لنفسك هذا، فالله أحقُّ أن ينزَّه منه من نفسك ولا تعدل بالله أحدا من خلقه» [تفسير الطبري: ٦/ ٥٠١٧].
وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: جحدوا نعمة الله عندما جعلوا لأصنامهم من الحرث والأنعام نصيبًا.
٧ - جعل الله - ﵎ - لنا من أنفسنا أزواجًا وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة:
خاطب ربُّ العزَّة عباده قائلًا لهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].
[ ٢١٤ ]
امتنَّ الله - ﵎ - على عباده من البشر بأنَّه خلق لهم من أنفسهم أزواجًا، وقد خلق الله - ﵎ - لآدم من ضلعه زوجًا له، وهي أمُّنا حواء كما قال - ﵎ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
وجعل لنا ربُّنا من أزواجنا ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أي جعل لنا منهنَّ الأولاد، وجعل لنا الحفدة، وهم أولاد الأولاد، ورزقنا ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من الطعام والشراب واللباس، ثمَّ ذمَّ ربُّ العزَّة - ﵎ - المشركين لإيمانهم بالباطل من الأصنام والأوثان، وكفرهم بنعم الله، أي: عندما يصرفون العبادة لغير الله من الآلهة الباطلة ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
٨ - ذمَّ الله - تعالى - المشركين لعبادتهم غيره:
ذمَّ ربُّ العزَّة المشركين بعبادتهم ما لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] فهذه الآلهة الباطلة لا تملك شيئًا من الرزق في السماوات والأرض، فلا تملك أن تنزل المطر من السماء، ولا تملك أن تخرج الزرع، ولا تُدرَّ الضرع، ولا تملك دفع الشرِّ عن عابديها، ولا تملك جلب الخير لهم، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: هذه الأصنام لا تملك شيئًا من ذلك لأنفسها فهي ضعيفةٌ عاجزة.
ونهى الله - تعالى - المشركين عن ضرب الأمثال لله ﵎: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. أي: فلا تجعلوا لله
[ ٢١٥ ]
أندادًا ولا أشباهًا وأمثالًا، فإنَّ الله - ﵎ - يعلم أنَّه واحدٌ لا شريك له، وأنتم لا تعلمون ذلك.
٩ - ضرب الله - ﵎ - مثلين للإله الحقِّ والإله الباطل:
ضرب الله - ﵎ - مثلين للإله الحقِّ وللإله الباطل ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
قال مجاهد في هذه الآية: «كلُّ هذا مثل إله الحقِّ، وما يُدعى من دونه من الباطل، وقال السُّديُّ: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة، يقول: كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيءٍ، وعبدٌ حرٌّ قد رُزق رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه سرًا وجهرًا، لا يخاف من أحدٍ، فكذلك أنا والآلهة التي تدعون، ليست تملك شيئًا، وأنا الذي أملك وأرزق من شئت، وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج، قال: بيَّن الله لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان، فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق، والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف يسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الله الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، وهو رازقٌ جميع خلقه» [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٢].
وضرب الله - ﵎ - مثلًا آخر، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجلَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦].
[ ٢١٦ ]
وذهب مجاهدٌ والسدِّيُّ وقتادة إلى أنَّ هذا المثل كسابقه ضرب الله تعالى فيه مثلًا لإله الحقِّ والأصنام والأوثان، وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة. [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٧].
والأبكم: الأقطع اللسان، وهو العييُّ بالجواب، الذي لا يحسن وجه الكلام، لأنَّه لا يفهم وجه الكلام، ولا يُفهم عنه. وقوله:. . . ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يقدر على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي: هو ثقلٌ، أي: عيالٌ على مولاه وصاحبه، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: أينما يرسله ويبعثه لا يأت بخير، لقلة فهمه، وقصور إدراكه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هل يستوي هذا الأبكم الذي هذه صفاته، هو والرجل السويُّ القادر على النطق، التامُّ العقل، الذي يحسن التدبير والعمل، الذي يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيم، أي: على الدين القويم.
والجواب: أنهما لا يستويان.
١٠ - الله - ﵎ - محيط علمه بالسموات والأرض:
ثم أخبرنا ربُّنا - ربُّنا تعالى - أن له: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧].
فالله - ﵎ - العليم الخبير مطلعٌ على كلِّ ما غاب عنكم من غيوب السماوات والأرض لا يخفى عليه شيءٌ من أمورهما، ومن جملة هذه
[ ٢١٧ ]
الغيوب التي لم يُطْلع ربُّنا عليها أحدًا، لا ملكًا مقرَّبًا، ولا نبيًا مرسلًا، زمن وقوع الساعة، وقد أخبرنا ربُّنا ﷿ عن قدرته على وقوع الساعة، فإذا شاء إيقاعها، كان وقوعها في مثل لمح البصر، أو هو أقرب من ذلك، لأنَّه يقول لها: كن، فتكون كما يريده الله تعالى، والله تعالى على كل شيءٍ قديرٍ.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات:
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بإعلامنا ما يأتي:
١ - أنزل الله - تعالى - الماء من السماء بالمطر، فأحيا به الأرض بالنبات.
٢ - أخرج الله تعالى لنا اللبن من الأنعام من بين فرثٍ ودم، ليكون لنا شرابًا نافعًا مفيدًا.
٣ - أخرج الله تعالى لنا من النخيل والأعناب الثمار النافعة لتكون لنا رزقًا.
٤ - أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شرابًا مختلفًا ألوانه، فيه شفاء للناس.
٥ - الله تعالى هو الذي خلقنا، ثم يتوفانا، وبعضنا قبل الوفاة يردُّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا.
٦ - الله - تعالى - فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق.
٧ - الله - تعالى - جعل لنا من أنفسنا أزواجًا، وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدةً، ورزقنا من الطيبات.
* * *
[ ٢١٨ ]