الله ﵎ أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا
أولًا: تقديم
قال قتادة: «هذه السورة - يعنى سورة النحل - سورة النعم» [ابن كثير: ٤/ ٦٠]. وهذا هو النصُّ الثالث في هذه السورة الذي يعرفنا ربُّ العباد فيه بنفسه، فحدَّثنا فيها كيف أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وجعل لنا السمع والبصر والفؤاد لنعقل ونفقه.
وأمرنا أن ننظر إلى الطيور وهي تحلق في جوِ السماء، لا يقدر على إمساكها إلا الله تعالى، وجعل لنا من بيوتنا سكنًا، وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتًا، يسهل علينا حملها ونصبها في أسفارنا وأماكن إقامتنا، وامتنَّ علينا بما نصنعه من أصواف الخراف، وأوبار الإبل، وشعر الماعز، من الأثاث والمتاع.
[ ٢١٩ ]
وامتنَّ الله تعالى علينا بأنَّه جعل لنا مما خلق من الشجر والبيوت والجبال ظلالًا تقينا حرَّ الشمس، وجعل لنا من الجبال غيرانًا ومسارب نلجأ إليها وقت الحاجة، وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ والبرد، وسرابيل أخرى تقينا ضربات الخصم في ميدان الحرب والقتال.
ثانيًا: آيات هذا النص من سورة النحل
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
ثالثًا: تفسير مفردات آيات هذا الموضع
سكنًا: موضعًا نسكن فيه.
الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
أكنانًا: أي: غيرانًا وأسرابًا.
سرابيل: هي الثياب المصنعة من الصوف والقطن والكتان وغيرها.
وسرابيل تقيكم بأسكم: هي الدروع من الحديد والمعادن القوية.
[ ٢٢٠ ]
رابعًا: شرح الآيات
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه في هذه الآيات ببيان ما يأتي:
١ - الله تعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة:
عرَّف الله - ﵎ - عباده بذاته، وخاطبهم ﵎ قائلًا لهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - أنَّه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، فلا ينزل الإنسان من بطن أمه وهو عالم، وجعل الله - ﵎ - لنا السمع الذي ندرك به الأصوات، والأبصار التي نرى فيها المرئيات، وجعل لنا الأفئدة التي نميِّز بها النافع والضار، وهذه القوى من السمع والبصر والأفئدة، تقوى عند الإنسان شيئًا فشيئًا، حتى تكون أفضل ما تكون، وقد خلق الله ﵎ لنا هذه القوى حتى نستعين بها على عبادة ربِّنا ومولانا ﷾ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» [أخرجه البخاري (٦٥٠٢)].
[ ٢٢١ ]
فالحديث يدلُّ على أنَّ العبد إذا أخلص دينه لله ﷿، فإنَّ أفعاله تصبح كلُّها لله تعالى، فسمعه الذي يسمع به لا يكون إلا لله، وكذلك بصره، ويده، ورجله، لأنَّه لا ينبعث إلا لتحقيق ما أمر الله ﵎.
٢ - منظر الطير وهن مسخرات في جو السماء:
حثَّنا الله - تعالى - على النظر إلى الطير التي سخرَّها سبحانه لتطير في الفضاء بين السماء والأرض ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].
حثَّ الله - ﵎ - عباده لينظروا إلى الطير المحلِّقة في أجواء الفضاء، وهو منظرٌ جميلٌ بديعٌ، تراها تحلقُّ، وهي تصدح، وتصفِّر وتغرِّد، ترتفع تارةً، وتنزل أخرى، وتدور في طيرانها، ما يمسكها إلاَّ ربُّها ﵎ ﴿إنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي آيات دالة على قدرة الله وبديع صنعه ﷾.
٣ - جعل الله تعالى لنا من بيوتنا سكنًا وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتًا:
خاطب الله - ﵎ - عباده ممتنًا عليهم، قائلًا لهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
[ ٢٢٢ ]
امتنَّ الله - ﵎ - على عباده بأن جعل لهم من بيوتهم التي يبنونها من الحجر أو الطين أو الخشب أو (الإسمنت) أو المعادن سكنًا، يؤون إليها، ويسكنون فيها، وجعل لهم من جلود الأنعام بيوتًا، فيصنع العباد من جلود الإبل والبقر والغنم، الخيام بيوتًا، وهذه الخيام يسهل على العباد الانتقال بها من مكانٍ إلى مكان، وينصبونها في أسفارهم، كما ينصبونها في مقرِّ إقامتهم، ويتخذون من أصواف الخراف، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، أنواع الأثاث والمتاع، فيتخذون منها البسط، والخيم، والملابس، وغيرها، والأثاث: متاع البيت.
وقوله: ﴿إِلى حِينٍ﴾ أي إلى الوقت الذي تفنى فيه، أو يهلك فيها أصحابها.
٤ - الله تعالى جعل لنا مما يخلق ظلالًا ومن الجبال أكنانًا:
عرَّف ربُّ العزَّة عباده - ﵎ - أنَّه جعل لهم ﴿مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١].
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - أنَّه جعل لنا مما خلق من البيوت والأشجار ظلالًا تقينا حرَّ الشمس، وجعل لنا من الجبال أكنانًا، والأكنان الغيران والأسراب، وواحد الأكنان كنٌّ، وكل شيءٍ وقى شيئًا وستره فهو كِنٌّ، وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ، ومثله البرد، وسرابيل تقينا بأسنا، والسرابيل التي تقينا الحر والبرد هي الثياب والقمص المصنوعة من القطن والصوف والكتان
[ ٢٢٣ ]
وغيرها، وجعل لنا سرابيل تقينا بأسنا، وهي الدروع من الحديد والزرد، والبأس الذي تقينا إيَّاه ضربات السيوف، وطعن الرماح والرمي بالسهام، في ميدان الحرب والقتال.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي: سخَّر لكم ذلك لتستقيموا على أمر الله، وتسلموا دينكم لربِّكم بتوحيده وإخلاص الدين له.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] أي: إن كذبوك وأعرضوا عما جئتهم به من الحقِّ، فإنَّ الواجب عليك أن تبلغهم ما جاءك من عند الله من الحقِّ.
وقوله تعال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وأعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده إرسال رسوله محمدٍ - ﷺ -، وهم يعرفون رسوله، فقد عاش بينهم زمنًا طويلًا، وعرفوا صدقة وأمانته وخلقه، ولكنهم كفروا بهذه النعمة العظيمة، وأكثرهم كافرون بها، فقد آمن بعضهم، وكفر كثير منهم في ذلك الزمان.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه أنَّه:
١ - هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، لنعلم ونشكر ربنا على ما حبانا من نعمه.
٢ - الله الذي أقدر الطير على التحليق في جوِّ السماء، لا يقدر على إمساكهنَّ غيره.
[ ٢٢٤ ]
٣ - الله الذي جعل لنا بيوتًا نسكن إليها، ونأوي إليها، وجعل لنا من جلود الإبل والبقر والغنم بيوتًا هي الخيام التي يسهل علينا نقلها في أسفارنا ونصبها في محلِّ إقامتنا.
٤ - الله تعالى هو الذي جعل لنا من الأشجار والجدر وغيرها ظلالًا تظلنا من أشعة الشمس، وجعل من الجبال غيرانًا ومسارب نأوي إليها في المطر والحرّ، وجعل لنا الملابس والثياب تقينا الحرَّ والبرد، وجعل لنا الدروع التي تقينا ضربات الخصم في ميدان القتال.
* * *
[ ٢٢٥ ]