القرآن تنزيل من عند الله الذي خلق الأرض والسموات العلا
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه في هذه الآيات، فعرَّفنا أنَّ هذا القرآن تنزيلٌ من عند خالق الأرض وخالق السموات العلا، وهو الرحمن الذي على العرش استوى، وعرَّفنا سبحانه بأنَّ له ما في السموات وما في الأرض، وما بين السموات والأرض، وله سبحانه ما تحت الثرى.
وإعلام الله - تعالى - رسوله - ﷺ - إعلامٌ لجميع أمته أنَّه إن يجهر بالقول، فجهره به أو إسراره به عند الله سواء، فالله تعالى يعلم السرَّ وأخفى، وأعلمنا ربُّنا - ﵎ - أنَّه المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة معه أحدٌ، وأعلمنا سبحانه أنَّ له الأسماء الحسنى، فكلُّ أسمائه حسنى، وكل صفاته عليا.
[ ٢٣٦ ]
ثانيًا: آيات هذا النص من سورة طه
﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه ١ - ٨].
ثالثًا: تفسير آيات هذا الموضع من سورة طه
لتشقى، أي: لتتعب، وأصل الشقاء العنت والتعب.
العرش: أعظم مخلوقات الله الذي استوى عليه الرحمن في الأزل.
الثري: الترابُّ النديُّ.
رابعًا: شرح هذه الآيات
١ - مصدر هذا القرآن الكريم:
أعلم الله تعالى رسوله - ﷺ - أنَّه لم ينزل القرآن عليه ليشقى ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ٢]. وأصل الشقاء: العناء والتعب، وإذا كان الله لم ينزل عليه القرآن ليشقى، فإنَّه أنزله عليه ليهنأ ويسعد به في الدينا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ [طه: ٣]. أي: ما أنزلناه إلا تذكرةً لمن يخشى الله تعالى، والتذكرة: الموعظة التي تلين لها القلوب، وجعل الله
[ ٢٣٧ ]
القرآن موعظةً لمن يخشى، لأنَّهم هم الذين ينتفعون به دون غيرهم، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١].
هذا القرآن العظيم منزلٌ من عند خالق الأرض والسموات العلا.
والعلا: العالية الرفيعة.
فالله تعالى خالق هذا الكون، وهو منزل القرآن، فإذا حدثنا سبحانه في كتابه عن كونه، فإنَّه يجيء بالحقِّ الذي لا باطل فيه.
٢ - تعريف الله تعالى عباده بنفسه:
عرَّف ربُّنا - ﵎ - عباده بنفسه في هذه الآيات الكريمات، فقال:
﴿تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٤ - ٧].
بيَّنت هذه الآيات لنا أنَّ ربَّنا منزل القرآن هو خالق الأرض والسموات العاليات، وهو الرحمن الذي استوى على عرشه، وهو سرير ملكه، والعرش: أعظم مخلوقات الله تعالى، ومعنى استوى في لغة العرب: علا، وارتفع، واستقرَّ، أما كيف استوى، فلا ندريه، ولا نعلمه، ولكنَّنا نوقن أن الله تعالى استوى عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
وعرَّفنا ربُّنا بنفسه أيضًا فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ فكلُّ ما في السموات والأرض وما بين السموات
[ ٢٣٨ ]
والأرض، وما تحت الثرى فله وحده لا يشركه فيه أحدٌ غيره، ومما في السموات والأرض العباد وما يعبدونه من الأوثان والأصنام والشمس والقمر والنجوم والملائكة، وكلُّ هؤلاء مربوبون مخلوقون، لا يستحقُّ أحدٌ منهم العبادة و﴿الثَّرَى﴾ التراب النديُّ، والله اعلم بما تحت الثرى من الصخور والمياه والمعادن وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أخبر الله تعالى رسوله - ﷺ - أنَّه إن يجهر بالقول، فإنَّه يعلم السرَّ وأخفى، والسر ما أخفاه المرء في ضميره، ويعلم ما هو أخفى من السِّر، وهو الخاطر العابر الذي يمرُّ به القلب، ولا يستقرُّ فيه.
وفي إخبار الله تعالى عباده بعلمه بالسرِّ وما هو أخفى منه دعوة إلى العباد أن يدعوه ويسألوه خفيةً من غير إعلانٍ بالدعاء.
٣ - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾:
أعلمنا ربُّنا - سبحانه - في تعريفه لنفسه، أنَّه هو المعبود الذي لا يستحقُّ أحد العبادة إلا هو، وأعلمنا - ﷾ - أنَّ له الأسماء الحسنى، وأسماؤه سبحانه كثيرةٌ، منها ما أخبرنا عنه في كتابه القرآن، ومنها ما جاءت به السنة المطهرة، ومنها ما علَّمه بعض خلقه، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، وكلُّ أسماء الله حسنى، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
[ ٢٣٩ ]
وأسماء الله بابٌ عظيمٌ يُعرِّفنا بربِّنا الكريم، وقد أمرنا ربُّنا سبحانه أن ندعوه بأسمائه الحسنى، فقال ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - بنفسه:
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بنفسه أنه الذي:
١ - أنزل القرآن الكريم من عنده سبحانه، وأنه خالق الأرض وخالق السموات العلا.
٢ - استوى ربنا - ﵎ - على العرش، وهو أجلُّ مخلوقاته وأعظمها، فهو أعظم من السموات والأرض.
٣ - لله كل ما في السموات والأرض، وما بين السموات والأرض، وله سبحانه ما تحت الثرى، فله الكون كلُّه، وهو مالك ما يعبده الكفار من الشمس والقمر والنجوم والأصنام وغير ذلك.
٤ - يستوي في علم الله - ﵎ - ما يرفع العبد به صوته، وما يخفيه في قلبه، فالسرُّ والإعلان عنده سواء.
٥ - الله له تسع وتسعون اسمًا، وكل أسماء الله حسنى، وهو المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة أحدٌ غيره.
* * *
[ ٢٤٠ ]