مشهد القيامة في القرآن
أولًا: تقديم
هذا نمطٌ جديدٌ من تعريف الله تعالى عباده بنفسه، فهو يحدَّثنا في هذه الآيات بفعله يوم القيامة عندما تقوم الساعة، ويقوم العباد ليوم المعاد، وما يفعله الله تعالى بكونه وعباده.
ففي ذلك اليوم يُنفخ في الصور، ويحشر الله العباد، وينسف الله الجبال، فيزيلها من مكانها، ويصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، وفي ذلك اليوم يتبع الناس الداعي وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور لا يحيدون عنه، ولا يشفع أحد عند الله تعالى إلا من بعد إذن الله ورضاه.
والله تعالى يعلم ما بين أيدي العباد في الدنيا، وما خلفهم في الآخرة، ولا يحيط العباد علمًا بربِّهم، وفي يوم القيامة تعنو وجوه العباد لله ربِّ العالمين.
[ ٢٤٦ ]
ثانيًا: آيات هذه الموضع من سورة طه
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١١٣].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الصور: البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل يوم القيامة.
زرقًا، أي: لون عيونهم زرق لشدَّة ما يصيبهم من هول.
يتخافتون، أي: يتحدثون فيما بينهم بصوتٍ خافت، أي: مخفض.
قاعًا أي: أرضًا مستوية، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.
عوجًا ولا أمتًا، أي: لا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا.
الداعي: هو إسرافيل ﵇.
خشعت، أي: سكنت لربِّ العزَّة.
[ ٢٤٧ ]
همسًا: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم.
عنت الوجوه للحيِّ القيوم: خضعت.
القيوم: القائم بنفسه المقيم لغيره.
رابعًا: شرح هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - بما يفعله يوم القيامة في عباده، وفي كونه على النحو الأتي:
١ - إذا شاء الله ﵎ أن يبعث العباد يوم القيامة أمر إسرافيل ﵇ أن ينفخ في الصور، والصور بوقٌ عظيمٌ، ينفخ فيه إسرافيل في المرة الأولى، فيدمر الكون، ويموت الأحياء، ثم ينفخ فيه أخرى، فيقوم الناس لربِّ العالمين ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢].
٢ - يحشر الله تعالى المجرمين يوم الدين زرق العيون، وزرقة العين تتشاءم العرب بها، والمجرمون: الكفرة المشركون، ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢].
٣ - أخبر الله تعالى أن بعض الناس سألوا عما يُفعل بالجبال يوم القيامة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. وقد أمر الله - ﵎ - رسوله - ﷺ - أن يجيبهم ويخبرهم عما سيفعله بها، وأخبر سبحانه أنه سينسفها نسفًا، فيزيلها من مواضعها، ويذر مكانها قاعًا صفصفًا،
[ ٢٤٨ ]
والقاع: المستوي من الأرض، فلا ترى في أرض المحشر جبلًا ولا رابيةً، ولا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا، والصفصف: الأرض الملساء التي لا نبات فيها. وقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ أي: لا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا.
٤ - أخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنَّ الناس يوم القيامة عندما يقومون من قبورهم يتبعون الداعي ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]. والداعي الذي يتبعونه هو إسرافيل الذي يناديهم، فيسمعهم، ويسيرون وفق ما يأمرهم به، لا تسكن في ذلك اليوم، فلا تسمع إلا همسًا، والهمس: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم، أو الناتج عن سير الأقدام.
٥ - أخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنَّ الشفاعة في يوم القيامة لا تقبل إلا ممن أذن له الرحمن ورضي له قولًا ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] فلا يشفع أحدٌ يوم القيامة إلا من أذن الله تعالى له في الشفاعة، ورضي قوله، ولا بدَّ مع رضا الله عن الشافع أن يرضى أيضًا عن الشفاعة للمشفوع عنه، فلا يشفع عنده كافرٌ أو مشرك، ولا يُشفع في كافر أو مشرك، وإذا أذن الله في الشفاعة شفع الأنبياء والمرسلون، وشفع الصديقون والشهداء والصالحون، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ
[ ٢٤٩ ]
يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
٦ - أخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي عباده من الملائكة والإنس والجن، وهو ما أمامهم إلى قيام الساعة، ويعلم ما خلفهم، أي: من أمر الدنيا، ولا يحيط علمهم بالله تعالى، فهم يعلمون عن الله ما علمهم الله تعالى إيَّاه، ولكنَّ علمهم بالله قليل ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
٧ - أخبرنا العليم الحكيم سبحانه أن الوجوه يوم القيامة تعنو للحيِّ القيوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]. وعنوُّ الوجوه يوم القيامة للحيِّ القيوم سبحانه يعني خضوعها له، وذلَّها واستسلامها للجبَّار القهار - ﵎ -، والحيُّ القيوم هو الله تعالى، فحياته دائمةٌ أبديةٌ سرمديَّةٌ، ولكمال حياته سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وقيُّوم: قائمٌ بنفسه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وهو مقيم لغيره، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خسر وذلَّ من جاء يوم القيامة حاملًا للظلم، والمراد بالظلم هنا الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
٨ - أخبرنا الله - ﵎ - بالناجين يوم الدين، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أخبرنا ربُّنا
[ ٢٥٠ ]
- ﷿ - أنَّ الذي يعمل الأعمال الصالحة في حال كونه مؤمنًا فإنَّه لا يخاف يوم القيامة ظلمًا ولا هضمًا، والظلم أن تكثر سيئاته وتعظم من غير سبب منه، والهضم أن تنقض حسناته وتبخس.
٩ - أنزل الله آخر كتبه وهو القرآن الكريم بلسان العرب، وصرَّف فيه أنواع الوعيد لعلَّ العباد ينزحون عن الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، ليحدث القرآن للعباد في قلوبهم ذكرًا لربِّهم ﵎ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. امتنَّ الله ﵎ على عباده المؤمنين بإنزاله عليهم القرآن الكريم، بلسان عربيٍّ مبين، وصرَّف فيه أنواع الوعيد، فإذا لامس الوعيد قلوب العباد خافت ربَّها، واتقته، فاجتنبت المآثم والفواحش والمحارم، وأوقع في قلوبها الذكر، فاعتبرت واتعظت.
١٠ - نزَّه الله تعالى نفسه عن مماثلة المخلوقات في شيءٍ من الأشياء في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] وقد وصف ربُّنا ﷿ نفسه بأنَّه الملك الحقُّ سبحانه. ونهى الله تعالى رسوله - ﷺ - عن العجلة بقراءة القرآن عندما كان يوحى به إليه قبل أن يتم جبريل قراءته عليه ﴿وَلَا تَعْجلَّ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجلَّ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
[ ٢٥١ ]
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - بنفسه:
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات وفق ما يأتي:
١ - يأمر الله - ﵎ - إسرافيل يوم القيامة أن ينفخ في الصور، فيقوم الناس لربِّ العالمين.
٢ - يحشر الله - ﵎ - يوم الدين المجرمين من الكفرة والمشركين زرق العيون.
٣ - ينسف الله تعالى الجبال يوم القيامة، فيصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.
٤ - يتبع الناس يوم القيامة نداء إسرافيل لا يحيدون عنه، وتخشع الأصوات في ذلك اليوم، فلا يُسمع إلا الهمس.
٥ - لا يشفع في ذلك اليوم أحدٌ عند الله إلا من أذن الله تعالى له، ورضي قوله.
٦ - الله - ﵎ - يعلم ما أمام الناس في الآخرة، وما خلفهم في الدنيا، ولا يحيط العباد بربهم علمًا.
٧ - تعنو الوجوه لربِّها يوم القيامة.
٨ - المؤمنون الذين يعملون الصالحات يوم القيامة آمنون ولا يخافون ظلمًا ولا هضمًا.
٩ - الله تعالى هو الذي أنزل القرآن، وصرَّف فيه ألوان الوعيد.
* * *
[ ٢٥٢ ]