الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
وبعد:
فإن الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله تعالى وهي: الإيمان بوجود الله تعالى (١) والإيمان بربوبيته والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين:
وتوحيد الله به أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات (٢)
فمنزلته في الدين عالية وأهميته عظيمة ولا يمكن أحدًا (٣) أن يعبد الله
_________________
(١) أدلة وجود الله أكثر من أن تحصر ولأهل السنة والجماعة طريقة تخالف طريقة المتكلمين في إثبات وجود الله ﷿ انظر منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في التوحيد لخالد نور وموقف ابن تيمية من الأشاعرة د. عبد الرحمن المحمود
(٢) أنواع التوحيد سنذكرها في الملحق.
(٣) مفعول به منصوب ليمكن، والفاعل هو المصدر المؤول من أن وما دخلت عليه ٠
[ ٢٧ ]
على الوجه الأكمل (١) حتى يكون على علم بأسماء الله تعالى وصفاته
ليعبده على بصيرة قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة (٢) .
- فدعاء المسألة:
أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبًا مثل أن تقول: "يا غفور اغفر لي ويا رحيم ارحمني ويا حفيظ احفظني " ونحو ذلك (٣)
_________________
(١) لم يقل المؤلف على الوجه الواجب وإنما قال على الوجه الأكمل لأن الواجب هو عبادة الله إلا أن الأكمل هو أن يكون على علم بالأسماء والصفات.
(٢) ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد من الآية هو أن يسمى الله في الدعاء أي دعاء المسألة في تعريف المؤلف إلا أن المحققين على أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واختاره السعدي في تفسيره (٢/١٧٤) وقد درج المؤلف على هذا التقسيم وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المسألة في الملحق وقد استدل الألوسي على أن المراد هو التسمية قولنا: دعوته زيدًا أو بزيد أي سميته انظر تفسير الآلوسي (٩/١٢١)، حاشية الجمل على الجلالين (٣/١٤٦) وتفسير الشربيني (١/٥٣٩)، وحاشية محي الدين زاده (٢/٢٨٦) وحاشية الشهاب على البيضاوي (٤/٤٠٨)
(٣) قوله يقدم من الأسماء ما يكون مناسبًا أي ما يليق به كالأمثلة التى ضربها المؤلف، وكقولنا: يا هادي اهدني أو يا تواب تب على وغير ذلك، لكن لو خالف وقال: اللهم اغفر لي إنك أنت المنتقم واعطني فأنت الضار المانع فإنه لم يرتكب محرمًا في الدعاء إلا أنه لم يتبع الأكمل كما هو ظاهر كلام ابن العربي (٢/٨١٦) أما الإلحاد في الأسماء فإنه هو المحرم كما سيأتي وقال القاسمي في تفسيره (٧/٣٨) في قوله تعالى (فادعوه بها) المعنى سموه بها، وفي ذلك أمر بدعائه بالأسماء الحسنى وهو أمر ندب إذا حمل على التلاوة بالتسعة والتسعين وحث على ذلك في الحديث عنه ﷺ وإن أريد التسمية بما فيه مدح دون ما فيه إلحاد فذلك للوجوب وقد نبه ابن العربي إلى أن بعض أسمائه عامة تصلح لأن يدعى بها في كل موضع وفي كل الأمور مثل: الله، والرب وقد تبعه على ذلك القرطبي (٧/٣٢٧) وانظر الأسماء والصفات للأشقر ص ٣٤، وسيأتي تفصيل الأسماء في القاعدة السابعة
[ ٢٨ ]
- ودعاء العبادة: أن تتعبد الله تعالى بمقتضى هذه الأسماء فتقوم بالتوبة إليه لأنه التواب وتذكره بلسانك لأنه السميع وتتعبد له بجوارحك لأنه البصير وتخشاه في السر لأنه اللطيف الخبير وهكذا (١)
سبب تأليف هذا الكتاب:
ومن أجل منزلته هذه، ومن أجل كلام الناس فيه بالحق تارة وبالباطل الناشيء عن الجهل أو التعصب تارة أخرى (٢)
أحببت أن أكتب فيه ما تيسر من القواعد (٣) راجيًا من الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه موافقًا لمرضاته نافعًا لعباده.
_________________
(١) قد فصلنا المسألة وبينا معنى الدعاء لغة واصطلاحًا والفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة وأيهما أفضل في الملحق
(٢) في هذه العبارة ذكر المؤلف سبب تأليف الكتاب وهو أمران: الأول: للمنزلة العظيمة على اعتبار أنه السبب في عبادة الله على الوجه الأكمل إذ أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بالأسماء الحسنى وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء. الثاني: لكلام الناس في الأسماء والصفات وكلامهم قسمان: (أ) كلام حق (ب) كلام باطل وهو ناشيء عن أمرين: الأول: الجهل الثاني: التعصب وبعد أن كتب المؤلف هذه القواعد وأقام الأدلة عليها فإنه جدير بمن كان جاهلًا أن يتعلم، وبمن كان متعصبًا أن يرجع إلى هداه وكل ذلك توفيق من الله ملاحظة: من الذين تكلموا بالباطل في هذا الباب هشام البدراني في كتابه الحكم الشرعي في بحث أسماء الله وصفاته المطبوع ١٤١٩هـ وزعم في ص ٥ من كتابه أن الشيخ ابن عثيمين أتى في كتابه شرح الواسطية بغرائب وعجائب يحار به النبيه وأنه لا يستحق الرد لأنه رأى لا يعتد به، وفي ص ١٧٨ حرم شرح أسماء الله وصفاته أو التعليق عليها وفي ص ١٩٣ وص ١٩٤ حكم بالكفر على من يثبت لله الوجه واليد والعين والرجل والإصبع. ورأيه هذا هو الذي لا يستحق أن يرد عليه لأنه لا يعتد به لمخالفته معتقد أهل السنة.
(٣) القواعد جمع قاعدة وهي في اللغة: الأساس فقاعدة كل شيء هي أساسه ومن ذلك قواعد البيت أي أسسه وهي في الأمور الحسية إلا أنها استعملت في الأمور المعنوية ومن ذلك قواعد العلوم = انظر الصحاح (٢/٥٢٥) ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (٥/١٠٨) وأما القاعدة اصطلاحًا فقد ذكرها علماء الأشباه والنظائر واختلفوا هل هي كلية أو أغلبية على جزئياتها إلا أن القاعدة النحوية والأصولية قاعدة كلية كالفاعل مرفوع، والأمر إذا تجرد عن القرائن أفاد الوجوب والقواعد التي أتى بها المؤلف في الأسماء والصفات لا شك إنها قواعد كلية ويكون معناها (حكم كلي ينطبق على جزئيات كثيرة) وهذا واضح من خلال دراسة القواعد. وهنا يرد سؤال وهو لماذا لم يقل المؤلف: الضوابط بدلًا من القواعد مع أن كلًا منهما شمل جزئيات كثيرة؟ والجواب هو أحد أمرين: الأول: إما أن القاعدة تستخدم بمعنى الضابط والضابط بمعنى القاعدة وهو ظاهر كلام تاج الدين ابن السبكي في الأشباه (١/١١) الثاني: أو أن القاعدة تجمع فروعًا في أبواب شتى كالأمور بمقاصدها وأما الضابط فهو يشمل فروعًا في باب. ولا شك أن القواعد في الأسماء والصفات كلية كما ذكر ولهذا ناسب التعبير بها.
[ ٢٩ ]
ملحق المقدمة
ذكرنا في الحاشية على مقدمة المؤلف أننا سنتكلم في الملحق على أمرين:
١ - أنواع التوحيد.
٢ - دعاء المسألة ودعاء العبادة، والفرق بينهما، وأيهما أفضل
أولًا: أنواع التوحيد
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
١ - توحيد " الربوبية "
٢ - توحيد " الألوهية "
٣ - توحيد الأسماء والصفات
(١) توحيد الربوبية
ومعناه اعتقاد أنه تعالى رب السموات والأرض وخالق من فيهما وما فيهما ومالك الأمر في هذا العالم كله لا شريك له في ملكه ولا معقب عليه في حكمه وهو وحده رب كل شيء ورازق كل حي ومدبر كل أمر وهو وحده الخافض الرافع، المعطي المانع، الضار النافع، المعز المذل، وكل من سواه وما سواه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله ومشيئته.
وهذا القسم من التوحيد لم يجحده إلا الماديون الملحدون الذين ينكرون وجود الله تعالى كالدهريين قديمًا والشيوعيين في عصرنا ومثل الماديين " الثنوية " الذين يعتقدون أن للعالم إلهين إلهًا للنور وإلهًا للظلمة
[ ٣١ ]
أما معظم المشركين كالعرب في الجاهلية فكانوا يعترفون بهذا النوع من التوحيد ولا ينكرونه كما حكى عنهم القرآن.
"ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر؟ ليقولن: الله ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها، ليقولن: الله " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله، قل أفلا تذكرون؟ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله، قل أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل فأنى تسحرون؟ "
فهذه أجوبة المشركين تدل على أنهم يقرون بربوبية الله تعالى للكون وتدبيره لأمره وكان مقتضى إيمانهم بربوبيته تعالى للكون أن يعبدوه وحده ولا يشركوا بعبادة ربهم أحدًا ولكنهم أنكروا القسم الآخر من التوحيد هذا وهو توحيد الإلهية أو الألوهية.
٢ - توحيد الألوهية
ومعنى توحيد الألوهية إفراد الله تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة فلا يعبد إلا الله وحده ولا يشرك به شيء في الأرض أو في السماء ولا يتحقق التوحيد ما لم ينضم توحيد الألوهية إلى توحيد الربوبية فإن هذا وحده لا يكفي فالعرب المشركون كانوا يقرون به ومع هذا لم يدخلهم في الإسلام لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا واتخذوا مع الله آلهة أخرى زعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى أو تشفع لهم عند الله.
والنصارى لم ينكروا أن الله رب السموات والأرض ولكنهم أشركوا به المسيح عيسى واتخذوه إلهًا من دون الله واعتبر القرآن هؤلاء وأولئك كفارًا تحرم عليهم الجنة ويخلدون في النار.
ومنذ أقدم العصور ضل الناس عن هذا التوحيد فعبدوا من دون الله آلهة شتى عبد قوم نوح ودا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا وعبد قوم إبراهيم الأصنام وعبد قدماء المصريين العجل وعبد الهندوس
[ ٣٢ ]
البقر . وعبد أهل سبأ الشمس.. وعبد الصابئون الكواكب..وعبد المجوس النار.. وعبد العرب الأوثان والحجارة.. وعبد النصارى المسيح وأمه.. وعبدوا الأحبار والرهبان من دون الله فهؤلاء كلهم مشركون لأنهم لم يفردوا الله تعالى بالعبادة التي لا تستحق لأحد غيره
وأما تفصيل أنواع العبادة فيمكن الرجوع إلى كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب وما ذكره الشراح.
(٣) توحيد الأسماء والصفات
ومعنى هذا القسم من التوحيد إفراد الله تعالى بأحسن الأسماء وأكمل الصفات التي لا تنبغي لأحد غيره.
فكل ما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله الكريم من الأسماء الحسنى والصفات العليا، نثبته لله تعالى بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل
فهو سبحانه في صفاته وأسمائه كما هو في ذاته تعالى ليس له ند ولا شريك ولا شبيه:
(قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد *) (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
الفرق بين توحيد الربوبية والألوهية
توحيد الربوبية
توحيد الألوهية
١ - هو اعتقاد أن خالق الكون ومدبره واحد هو الله تعالى
١ - هو إفراد الخالق بالعبادة والطاعة والرغبة والرهبة الخ
٢ - هو اعتقاد قلبي فقط
٢ - اعتقاد وعمل وتوجه وسلوك وانقياد تابع لما استقر في القلب
٣ - هو يقتضي توحيد الألوهية لأنه كالسبب له والبرهان عليه
٣ - هو لازم لتوحيد الربوبية ونتيجة حتمية له فما يستحق أن يعبد أو يطاع إلا خالق الكون ومدبره
٤ - جلي مستقر في النظر يقر به أكثر الناس من ثم اعتمد عليه الرسل في دعوتهم لتوحيد الألوهية
[ ٣٣ ]
٤ - دقيق ضل عنه كثير من الناس ومن ثم كانت عناية الرسل به كان أول ما دعوا الناس إليه
٥ - الإقرار به لا يدخل في الإسلام إلا إذا اقترن بتوحيد الألوهية فقد اقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام لما جحدوا توحيد الألوهية وعبدوا غير الله
٥ - لب الإسلام وتحرير الفرد من كل عبودية لغير الله وتقرير المساواة بين الناس وسبب السيادة في الدنيا والنجاة في الآخرة (١)
(٢) دعاء المسألة ودعاء العبادة
تكلم الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في مقدمة كتابه عن الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، وزيادة في الإيضاح أقول:
الدعاء لغة يطلق على معان منها:
١ - الطلب والسؤال (٢)
٢ - العبادة: وممن صرح بهذا المعنى أبو إسحاق الزجاج.
_________________
(١) كتاب التوحيد المقرر على المعهد الديني في قطر.
(٢) المخصص لابن سيده (١٣/٨٨) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص ٢٩٤ الوجوه والنظائر للدامغاني، تحقيق محمد الزفيني (١/٣٣٥) والكليات لأبي البقاء الكفوي ص ٤٤٦
[ ٣٤ ]
(ت سنة ٣١١هـ) فإنه قال في قوله تعالى (أجيب دعوة الداع إذا دعان) [البقرة: ١٨٦] (الدعاء لله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك، يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد (١)
وصرح به الدامغاني ت سنة ٤٧٨هـ حيث قال: إن من معاني الدعاء العبادة ومنه قوله تعالى (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) يعني: انعبد (٢)
وصرح به ابن الجوزي ت سنة ٥٩٧ حيث قال إن من معاني الدعاء هو العبادة (٣) وصرح به السمين الحلبي ت سنة ٧٥٦هـ (٤)، والفيروز آبادى ت سنة ٨١٧هـ (٥) وللدعاء معان أخرى ذكرها أهل اللغة وأصحاب الوجوه والنظائر (٦)
الدعاء باعتبار معناه:
اختلفت عبارة العلماء في تقسيم الدعاء باعتبار معناه إلا أنه ليس بينهما اختلاف كبير وتباين، وأدق من قسمه هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن الدعاء قسمان:
١ - دعاء مسألة وطلب
٢ - دعاء عبادة وثناء (٧)
_________________
(١) معاني القرآن للزجاج (١/٢٥٥) وانظر الدعاء للعروسي (١/١٠٨) .
(٢) الوجوه والنظائر (١/٣٣٥)
(٣) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص ٢٩٣
(٤) عمدة الحفاظ (٢/١١)
(٥) بصائر ذوي التمييز (٢/٦٠١)
(٦) انظر المراجع السابقة
(٧) الفتاوى (١/٢٣٧)، وبدائع الفوائد (٣/٢) ويلاحظ أن البعض قسم الدعاء إلى دعاء عبادة، ودعاء عادة وهذا التقسيم لرشيد رضا كما ذكره في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة زينى دحلان ص٤٣٥
[ ٣٥ ]
أولًا: دعاء المسألة:
عرفنا حقيقة الدعاء في اللغة وأنها تطلق على المسألة والطلب كطلب ما ينفع الداعي، وطلب ما يكشف الضر ويرفعه
أما دعاء المسألة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو: سؤال الله في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، والتوسل إلى الله بالأسماء في الدعاء فيقول الداعي: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وتب على يا تواب، وارزقني يا رزاق ونحو ذلك (١)
ثانيًا دعاء العبادة:
عرفنا أن من معاني الدعاء في اللغة هو العبادة، وأما دعاء العبادة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو التعبد لله ﷾، والثناء عليه بأسمائه الحسنى، فكل اسم يتعبد به بما يقتضيه ذلك الاسم، فيقوم بالتوبة إليه لأن من أسماء الله التواب، وتخشاه في السر لأن من أسمائه اللطيف الخبير وهكذا (٢)
سؤال: لقد ورد في القرآن آيات كثيرة فيها لفظ الدعاء فكيف نفرق بين دعاء المسألة والعبادة منها أو ما هو الضابط في معرفة دعاء المسألة ودعاء العبادة؟
قبل أن نذكر الضابط أحب أن أبين أن تقسيم الدعاء إلى نوعين لا يعنى أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي فيه أظهر بدلالة المطابقة (٣)
_________________
(١) أسماء الله لعبد الله الغصن ص ١٢٧، وتفسير الآلوسي (٩/١٢١) وحاشية الجمل على الجلالين (٣/١٨٢)
(٢) أسماء الله للغصن ص ١٢٧ ومقدمة كتاب المؤلف
(٣) دلالة المطابقة والتضمن والالتزام سنذكرها في مبحث خاص لأن المؤلف قد ذكرها في الكتاب.
[ ٣٦ ]
فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب فإنه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام لأن العابد لله كالذي يذكر الله مثلًا هو في الحقيقة سائل.
وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال.
وبهذا يتبين أن نوعي الدعاء متلازمان ويندفع بهذا التقرير ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها دعاء العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم هكذا زعموا (١)
ضابط دعاء العبادة:
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: " وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (٢) دعاء المسألة فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: ٣] فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم
الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى (وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون) [الشعراء: ٩٢-٩٣]
_________________
(١) الدعاء للعروسي (١/١١٦) وانظر شرح كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين ففيه تفصيل أنواع العبادة
(٢) أي المستلزم عند المناطقة ولم يرد بهذا التضمن بإصطلاح المناطقة، انظر الدعاء للعروسي (١/١٢٣) .
[ ٣٧ ]
وقوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) [الأنبياء: ٩٨]
وقوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون) [الكافرون: ٢] وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة (١)
سؤال: هل الأفضل دعاء المسألة أم دعاء العبادة؟
العلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:
١ - أن دعاء العبادة أفضل
٢ - أن دعاء المسألة أفضل
٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال
أدلة الفريق الأول (٢)
أ - قوله ﷺ: " أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " (٣)
ب - وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده " (٤)
ج - إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه.
_________________
(١) الفتاوى (١٥/١٣)، وبدائع الفوائد (٣/٤)
(٢) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين: ١/٧٥-٧٧، وبدائع الفوائد: ٢/١٩٠، والوابل الصيب:١٨٢، والفتاوى: ٢٢/٣٧٩ - ٣٨٩
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/٢٠، ومسلم: ٣/١٦٨٥ رقم ٢١٣٧ واللفظ له
(٤) أخرجه مسلم: ٤/٢٠٩٣ رقم ٢٧٣١.
[ ٣٨ ]
د- إن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من مخلص وغير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم
هـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " (١)
ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.
و ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل.
ز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتحة هل يقوم الدعاء المحض وهو دعاء المسألة مقام الذكر، إلي غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة
أدلة الفريق الثاني:
أ - قوله ﷺ: " الدعاء هو العبادة " (٢)
ب - وصفه ﷺ: الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حسن غريب (٥/٤٥)، ورواه الدارمي (٣٣٥٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٧٢)، وضعفه الألباني في السلسلة برقم (١٣٣٥)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ولم يصب (٣/٤٢١)
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم (٧٣٥) ورواه الترمذي (٥/٣٨٦) وقال: حسن صحيح والحاكم (١/٦٦٧) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه النووي في الأذكار ص ٣٤٥ وجود إسناده ابن حجر في الفتح (١/٤٩) وحسنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية (٧/١٩١) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (٣٤٠٧) .
[ ٣٩ ]
ج - إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.
د- إن كل داع عابد ولا ينعكس.
هذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيدًا بها هذا القول (١)
ويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) (٢)
٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: " أفضل العبادة الدعاء " وقرأ:
(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) (٣)
٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ: " أي العبادة أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه) (٤)
القول الثالث:
وهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل
_________________
(١) إتحاف السادة:٥/٤
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٧٣٣، والترمذي: رقم ٣٣٧٠، وابن ماجة: ٢/١٢٥٨، رقم ٣٨٢٩، وأحمد في المسند: ٢/٣٦٢، والحاكم: (١/٦٦٦)
(٣) أخرجه الحاكم: (١/٦٦٧)، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/١٦ رقم ١٥٧٩، وصححه في صحيح الجامع: (١/٢٥١) رقم (١١٢٢)، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/١٧٤٣ وضعفه.
(٤) رواه البخاري في الأدب المفرد ص١٥٤، والحاكم في المستدرك وصححه (١/٧٢٧) .
[ ٤٠ ]
قال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا وقراءة القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلي الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة وكذلك التسبيح والتحميد
والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة (١)
وقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك. (٢)
*****
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٢-١٨٨، ومدارج السالكين:١/٨٨-٩، وزاد المعاد: (١/٢٦)
(٢) انظر الفتاوى (٢٢/٣٠٩)، والدعاء للعروسي (١/١١٦) ويقول الشيخ ابن عثيمين في منظومة القواعد: ورب مفضول يكون أفضلا وقال في شرحه ص ٣٥: فقراءة القرآن أفضل من الذكر، وإذا أذن المؤذن كانت المتابعة أفضل ويقول السيوطي في ألفيته: وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا أو فائقًا
[ ٤١ ]
الفصل الأول
[ ٤٣ ]
الفصل الأول