وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحًا.
المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة.
المطلب الثالث: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق.
المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم «الله».
[ ٢٩ ]
المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحًا.
أ- أصل اشتقاق الاسم:
اختلف في أصل اشتقاق "الاسم" على قولين:
القول الأول: أنه مشتق من "السُّمُوِّ" وهو العلوُّ والارتفاع، وقال به النُّحاةُ البصريُّون.
القول الثاني: أنه مشتق من "السمة"، وهي العلامة، وقال به النُّحاة الكوفيُّون.
والصواب من القولين هو القول الأول (^١)
أولًا: لأن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو "الاشتقاق الخاصُّ" (^٢).
الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف وترتيبها، فإنهم:
• يقولون في تصريفه: "سمِّيت"، ولا يقولون: "وَسَمْتُ".
• ويقولون في جمعه: "أسماء"، ولا يقولون: "أوسام".
_________________
(١) كتاب العين ٧/ ٣١٨، تهذيب اللغة ١٣/ ١١٧.
(٢) الاشتقاق الأصغر الخاص هو الاشتراك في الحروف وترتيبها وهو المشهور، كقولك: عَلِمَ يَعْلَمُ فهو عالم. (والاشتقاق الأوسط أن يشتركا في الحروف لا في ترتيبها، كقول الكوفيين: الاسم مشتق من السِّمةِ. (والاشتقاق الأكبر إذا اشتركا في أكثر الحروف وتفاوتا في بعضها، وقيل: أحدهما مشتق من الآخر. (انظر: منهاج السُّنة ٥/ ١٩٢).
[ ٣٠ ]
• ويقولون في تصغيره: "سُمَيٌّ"، ولا يقولون: "وُسيم".
• ويقالُ لصاحبه: "مسمَّى"، ولا يقالُ: "موسومٌ".
وأما "السِّمة" فهي تتفق مع الاسم في "الاشتقاق الأوسط " وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السِّين والميم والواو) لكن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو الاشتقاق الخاصُّ، كما أسلفنا.
ثانيا: ثُمَّ إن "السُّمُوَّ" هو بمعنى العلوِّ والارتفاع والرِّفعة.
و"السَّمة" بمعنى العلامة.
وإذا كان الاسم مقصوده إظهار المسمَّى وبيانه فإن المعنى الثاني وإن كان صحيحا، لكن المعنى الأول أخص وأتم، فإن العلو مقارن للظُّهور، فالاسم يظهر به المسمَّى ويعلو؛ فيقالُ للمسمِّي: سمِّهِ: أي أظهره وأعلِه، أي أعلِ ذكره بالاسم الذي يُذكرُ به، وبعض النحاة يقول: سمي اسمًا لأنه علا على المسمَّى؛ أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف؛ وليس المراد به هذا، بل لأنه يُعلي المسمى فيظهر؛ ولهذا يقالُ: سمَّيته أي أعليته وأظهرته، فتجعل المعلى المظهر هو المسمى، وهذا إنما يحصل بالاسم. وما ليس له اسم فإنه لا يُذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي الذي لا يُعرفُ؛ ولهذا يقال:
الاسم دليل على المسمَّى، وعلمٌ على المسمَّى، ونحو ذلك.
ولهذا كان أهل الإسلام الذين يذكرون أسماء الله، يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه، ويظهرون ذكره. بخلاف الملاحدة الذين
[ ٣١ ]
ينكرون أسماءه وتُعرِضُ قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره (^١).
ب- تعريف الاسم في اللغة:
عُرّف الاسم بعدَّة تعريفات، نذكر منها:
ا- الاسم: هو اللفظ الدَّلُّ على المسمَّى (^٢).
٢ - الاسم: هو القول الدال على المسمَّى (^٣).
٣ - الاسم: حروف منظومة دالة على معنى، مفرد. (^٤)
٤ - الاسم: قول يدل على مذكور يضاف إليه. (^٥)
ج- الفرق بين "الاسم" و"المسمَّى" و"التَّسمية":
يجب التفريق بين هذه الألفاظ الثلاثة؛ لأن منشأ الغلط في هذه المسألة من إطلاق هذه الألفاظ لغير معانيها التي لها، فلا يفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها (^٦).
فـ "الاسم" هو: اللفظ الدال على المسمَّى.
وأما "المسمى" فهو: الشيء الموجود في الأعيان أو الأذهان.
وأما "التسمية" فهي: فعل المُسمِّى ووضعه الاسم للمُسمَّى.
كما أن التحلية عبارة عن فعل " المُحلى" ووضعه الحلية للتَّحلية.
ولهذا تقول: سمَّيت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٧ - ٣٠٩ (باختصار).
(٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٢.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٩.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٩.
(٦) بدائع الفوائد ١/ ١٦ - ١٧.
[ ٣٢ ]
حليته بهذه، التَّحلية، والحلية غير المحلَّى (^١)
والتَّسمية: مصدر "سمَّى" "يُسِّمي " "تسمية" فالتسمية نطق بالاسم وتكلُّمٌ به وليست هي الاسم نفسه (^٢).
فهنا ثلاث حقائق "اسم" و"مسمى" و"تسمية" ك"حلية" و"مُحلى" و"تحلية"، و"علامة" و"مُعْلَم" و"تعليم"، ولا سبيل إلى جعل لفظين منهما مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى، بطل واحد من هذه الثلاثة ولابدَّ (^٣).
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ١٦ - ١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٥.
(٣) بدائع الفوائد ١/ ١٧.
[ ٣٣ ]
المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة؟
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة في المسألة.
من الأمور المتقرِّرة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحُسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدلُّ على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمِّنٌ لصفة العزة وهو مشتقٌ منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منه، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلامٌ جامدةٌ لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصيرٌ بلا بصر، وعزيزٌ بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها.
فالرب تعالى يُشتقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماءٌ ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتقٌ من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
فأسماء الله الحُسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسمٍ يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر (^١).
وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران:
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ص ١٧٥.
[ ٣٤ ]
ـ اعتبارٌ من حيث الذات، واعتبارٌ من حيث الصفات.
فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذَّات، وأوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني.
وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد هو الله ﷿، فـ «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد هو الله ﷾.
قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠].
فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.
وهي بالاعتبار الثاني: متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا (^١).
قال ابن القيم ﵀: «أسماء الله الحسنى هي أعلمٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى» (^٢).
وقال ﵀: «أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢، القواعد المثلى ص ٨، جلاء الأفهام ص ١٣٨.
(٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢.
[ ٣٥ ]
الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوذِر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته …» (^١).
الأدلة على أن أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ.
دلالة القرآن والسنة على ذلك:
تنوعت دلالة القرآن والسنة في إثبات هذه المسألة، فمن ذلك:
أ - أن الله يخبر بمصادرها ويصفُ نفسه بها: والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة.
فمن القرآن:
• قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى ١٩]، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨]، وقال تعالى ﴿الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠].
فعُلم أنَّ «القويِّ» من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة.
وكذلك «العزيز» من أسمائه، ومعناه الموصوف بالعزة.
فالقوي من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسمَّ قويا ولا عزيزًا.
• وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف ٨]، وقال تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ [الرعد ٦]، وقال تعالى ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨].
فالغفور هو المتصف بالمغفرة، والرحيم هو المتصف بالرحمة.
_________________
(١) جلاء الأفهام ص ١٣٣، ١٣٤.
[ ٣٦ ]
• وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [الزخرف ٨٤]، وقال تعالى ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر ١٢]. فهو الحكيم الذي له الحكم.
• وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦]، وقال تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
وفي السنة:
ففي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسطَ ويرفعه، يرفعُ عملَ الليل قبل النهار، وعملَ النهار قبل الليل، حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^١).
فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه «البصير».
• وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: «الحمدُ لله الذي وَسعَ سمعه الأصوات» (^٢).
فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه «السميع».
• وفي الصحيح حديث الاستخارة «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» (^٣).
فهو قاردٌ بقدرة.
• وفي الصحيح عنه ﷺ: «يقول الله ﵎: العظمة
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٦٢.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٩٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. انظر: فتح الباري ٣/ ٤٨، ح ١١٦٢.
[ ٣٧ ]
إزاري، والكبرياء ردائي» (^١).
فهو العظيم الذي له الكبرياء.
• وقوله ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك» (^٢)، وقوله ﷺ: «أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت» (^٣).
فقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفًا، ولو لا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماؤه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعلٌ ولا صفةٌ فلا معنى للاسم المجرَّد وهو بمنزلة صوتٍ لا يفيد شيئًا، وهذا غاية الإلحاد (^٤).
فكلُّ ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه، فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه.
ب - أن الله يخبر عن الأسماء بأفعالها «أي حُكم تلك الصفة»
• قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١].
• وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
• وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل ١٩].
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر ١٣٦، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر ح ٤٠٩٠ - ٤/ ٣٥٠، ٣٥١، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع ٢/ ٤٢١ ح ٤٢٢٨، وأخرجه الإمام أحمد ٣/ ٢٧٦، ٤١٤، ٤٢٧، ٤٤٢.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٥٢.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ١٩٤، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٨٦.
(٤) شفاء العليل ٥٦٦، التفسير القيم ٣٠، ٣١.
[ ٣٨ ]
• وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥].
فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها؛ فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حُكْمها.
ج - أن الله يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه:
«فالله سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحًا،
• كقوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح ١٠].
• وقال تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦ - ٢٢٧]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفورٌ رحيم، يعود على عبدخ بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه بالمغفرة والرحمة.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فإن الطلاق لما كان لفظًا يسمع ومعنى يقصد عَقَّبَه باسم «السميع» للنطق به «العليم» بمضمونه.
• وقال أهل الجنة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
أي لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وفي هذا معنى التعليل: أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات.
[ ٣٩ ]
• وقال تعالى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء ١٤٧].
فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليمٌ بشكركم لا يخفى عليه من شكره ممَّن كفره» (^١).
د - الله يستدل على توحيده بأسمائه
فالله سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماءً لا معنى لها لم تدل على ذلك.
• كقول هارون لعبدةِ العجل ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه ٩٠].
• وقوله سبحانه في القصة ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه ٩٨].
• وقوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣].
• وقوله تعالى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٤].
فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له (^٢).
_________________
(١) جلاء الأفهام ص ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) جلاء الأفهام ص ١٤٧.
[ ٤٠ ]
هـ - أن الله يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما:
فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلامًا محضة لم يصح فيها ذلك.
• كقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١٦].
• وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٧].
• وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٦٣].
• وقوله تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
• وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١١٧].
• وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٩].
• وقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٩].
• وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧].
ونظائره كثيرة (^١).
و- وصف الله ﷿ أسماءه بأنها حسنى:
قال ابن القيم ﵀: «أسماءُ الرب ﵎ كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظًا مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها فقال ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠].
فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.
_________________
(١) جلاء الأفهام ص ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٤١ ]
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئًا يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] (والله غفور رحيم).
قال: ليس هذا كلام الله.
فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحم لما قطع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه، ولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة لا معنى لها لم يكن فرقٌ بين ختم الآية بهذا أو بهذا» (^١).
وقال أيضًا: «أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الله له الأسماء الحسنى دون السوءى، وإنما تميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي تدل على معنى لم
_________________
(١) جلاء الأفهام ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) الصواعق المرسلة ١٣٥ - ١٣٦ ..
[ ٤٢ ]
تنقسم إلى حسنى وسوءى» (^١).
دليل الإجماع:
أ - إجماع أهل اللغة:
«أجمع أهل اللغة على أنه لا يُقال: عليمٌ إلا لمن له علمٌ، ولا يقال سميع إلا لمن له سمعٌ، وهذا أمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى دليل» (^٢).
ب - إجماع المسلمين:
«أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه» (^٣).
ج. دليل العقل:
• «أنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور.
وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في منجاة ربه.
وإذا قال: اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسنًا في منجاته» (^٤).
• - إن من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له،
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٧.
(٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٥.
(٣) القواعد المثلى ص ٨.
(٤) مدارج السالكين ١/ ٢٨، ٢٩.
[ ٤٣ ]
وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطلٌ قطعًا فتعين الأول» (^١) لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف» (^٢).
القول الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم «النجارية، والضرارية، والرافضة الإمامية، والزيدية، وابن حزم وغيرهم».
فهؤلاء يقولون بأن الأسماء جامدة لا معاني لها وأنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة.
واستند هؤلاء في زعمهم بأمرين:
أولًا: في القاعدة النحوية التي وضعها النحاة لأنفسهم في التفريق بين الاسم والصفة، فالنحاة يفرقون بين الإسم والصفة، فحقيقة الاسم عندهم: هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتق، فإن كان مشتقًا فليس باسم وإنما هو صفة.
قال ابن حزم: «إننا لا نفهم من قولنا: قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلًا» (^٣).
الرد على ذلك: هذه القاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانونًا من الصناعة في التصريف والجمع والتصغير والحذف والزيادة والنسبة وغير كلك من الأبواب (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
(٢) مختصر الصواعق ٢/ ١٨٩.
(٣) الفصل (٢/ ١٢١، ١٢٩، ١٦٥) وقد سبق بيان ذلك في (ص ١٣).
(٤) أحكام القرآن لابن عربي ٢/ ٨٠٢، ٨٠٣.
[ ٤٤ ]
ولكن مسألة التفريق بين الوصفية والعلمية لا تنطبق على أسماء الله، «لأن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم» (^١) وذلك لسببين:
السبب الأول: أن أوصاف الخالق مختصة به، فلذلك لا تنافي بينها وبين العلمية المحضة. بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم فنافتها العلمية المحضة.
وشرح ذلك: أن الاسم وظيفته الاختصاص والتعيين ولذلك قالوا في تعريفه: هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا. وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق لأن صفات العباد مشتركة بينهم فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
ولذلك إذا سمى الإنسان بوصف من الأوصاف مثل كريم، وشجاع، وجميل فإن هذه الألفاظ تتجرد من خصائص الوصفية ويصبح لها خصائص العلمية.
السبب الثاني: لا تقاس أسماء الله بأسماء المخلوق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل قد تكون مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفًا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفًا لأسمائه.
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر، لأنك إذا قلت «الله» فهو «الله» وإذا قلت «الرحمن» فهو
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢.
[ ٤٥ ]
«الرحمن» وهو «الله» فإذا قلت «الرحيم» فهو كذلك، وإذا قلت «حكيم - عليم - حميد - مجيد - متكبر - قاهر - قادر» فهو كذلك هو «الله» سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسمًا، فهذا في حق الخالق.
وأما في حق المخلوق فقد يسمى الرجل حكيمًا وهو جاهل، وحكمًا وهو ظالم، وعزيزًا وهو حقير، وكريمًا وهو لئيم، وصالحًا وهو طالح، وسعيدًا وهو شقي، ومحمودًا وهو مذموم، وحبيبًا وهو بغيض، وأسدًا وحمارًا وكلبًا وجديًا وكليبًا وهرًا وحنظلة وعلقمة، وليس كذلك.
والله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه سواء، ولم يزل كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة (^١).
وبهذين السببين يتأكد التفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين وأن أسماء الله مشتقة من صفاته وليست أعلامًا جامدة لا تدل على معنى.
ثانيًا: نفيهم لقيام الصفات بالله تعالى لاعتقادهم أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (^٢).
ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة ومن وافقهم في الله: إنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان
_________________
(١) الرد على المريسي ص ٣٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧ - ١٤٨، ٣٥٩.
[ ٤٦ ]
معه غيره، ولكان جسمًا، إذ إن ثبوت الصفات تقتضي كثرة، وتعدادًا في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.
بالإضافة إلى زعمهم أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم -أيضًا- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين. كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية (^١).
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب،
_________________
(١) انظر: الملل للشهرستاني ١/ ٤٤ - ٤٦، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٤٥، منهاج السنة ٢/ ١٦٩.
[ ٤٧ ]
والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها (^١).
والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.
الرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:
أولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^٢)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة
_________________
(١) انظر: مختصر الصواعق ١/ ٢٥٤.
(٢) انظر: شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض تأسيس الجهمية ١/ ٥٠٤، ٥١١، وفي مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٨ - ٤٣٠.
[ ٤٨ ]
في نفي صفات البارئ ﷿، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء (^١).
ثانيًا: إن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٢).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٣).
ثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي
_________________
(١) انظر: كتاب: موقف ابن تيمية من قضية التأويل ص ٣٨١ - ٣٨٥.
(٢) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٧، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.
(٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.
[ ٤٩ ]
الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^١)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٢)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلًا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٣).
وأما قولهم: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء.
فهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ
_________________
(١) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٣.
(٢) انظر كتاب: رسالة أهل الثغر ص ١٦٤ - ١٧٢ تحقيق عبدالله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
(٣) مختصر الصواعق ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٨ - ٤٠.
[ ٥٠ ]
وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج ١٢ - ١٦].
وقال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥].
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته (^١).
فبهذا يعلمُ ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف ١٨٠].
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٨.
[ ٥١ ]
المطلب الثالث: هل اسم «الله» جامد أم مشتق.
القول الأول: القائلون بأن لفظ الجلالة جامد غير مشتق وحجتهم.
ذهب جماعة من أهل العلم هذا المذهب، على اختلاف معتقداتهم ومقصودهم، فقد نقل القول بعدم الاشتقاق في لفظ الجلالة عن بعض العلماء، وسأسرد ما تيسر لي جمعه من أسماء القائلين بعدم الاشتقاق في لفظ الجلالة مرتبًا أسماءهم حسب الوفيات وهم:
أبو حنيفة (^١)، والخليل بن أحمد الفراهيدي في رواية عنه (^٢)، وسيبويه (^٣)، والشافعي (^٤)، والمازني النحوي (^٥)، والزجاج (^٦) وابن الفضل الكوفي (^٧)، وابن كيسان النحوي (^٨)،
_________________
(١) لوامع البينات للرازي ص ٨٠.
(٢) انظر: كتاب العين ٤/ ٩١، زاد المسير لابن الجوزي ١/ ٨، لسان العرب لابن منظور ١٣/ ٤٦٧، تهذيب اللغة للأزهري ٦/ ٤٢٢.
(٣) انظر: الكتاب ١/ ٣٠٩، و٢/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٢٣، وتفسير القرطبي ١/ ١٢٠.
(٥) انظر: تفسير العلوم والمعاني للإقليشي ص ١٥٥.
(٦) تفسير أسماء الله الحسنى ص ٢٥.
(٧) انظر: تفسير العلوم والمعاني للإقليشي ص ١٥٥، ولوامع البينات للرازي ص ٨٠.
(٨) انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني ١/ ٣٢، وتفسير العلوم والمعاني للإقليشي ص ١٥٥.
[ ٥٢ ]
والخطّابي (^١)، والجويني (^٢)، وأبو حامد الغزالي (^٣)، والقفال الشاشي (^٤)، وأبو بكر العربي (^٥)، والسهيلي (^٦)، والفخر الرازي (^٧)، وابن جزي (^٨)، والخازن (^٩)، والسمين الحلبي (^١٠)، والفيروزآبادي (^١١)، والزبيدي (^١٢)، وأبو البقاء الكفوي (^١٣)،
فأما من ذهب إلى عدم اشتقاقه واحتج بأن الأصل في الأسماء الجمود ولا تلمح منها الدلالة على الوصفية إلا إذا ألمح أصلها وهو الوصف، فقد سبق الرد على هذه الشبهة في المطلب الأول.
حجتهم:
وأما بعضهم فقد احتج بأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها
_________________
(١) انظر: شأن الدعاء للخطابي ص ٣٠ - ٣٥، وتفسير ابن كثير ١/ ١٢٣، وتفسير القرطبي ١/ ١٢٠.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٢٣، وتفسير القرطبي ١/ ١٢٠، ولوامع البينات للإقليشي ص ١٥٥.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٢٣، وتفسير القرطبي ١/ ١٢٠، ولوامع البينات للإقليشي ص ١٥٥.
(٤) انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني ١/ ٣٣.
(٥) انظر: بدائع الفوائد ١/ ٢٢.
(٦) انظر: كتابه نتائج الفكر في النحو ص ٥١ - ٥٢، وبدائع الفوائد ١/ ٢٢.
(٧) انظر: تفسيره ١/ ١٥٦.
(٨) انظر كتابه: التسهيل ١/ ٣١.
(٩) انظر: تفسيره ١/ ١٥.
(١٠) انظر تفسير: الدر المصون ١/ ٢٤.
(١١) انظر: القاموس المحيط ص ١٦٠٣.
(١٢) انظر: تاج العروس ٩/ ٣٧٤.
(١٣) انظر كتابه: الكليات ص ١٧٢.
[ ٥٣ ]
واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له، فهو كسائر الأعلام المحضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها (^١)، والله سبق الأشياء التي زعم غيرهم أنه مشتق منها.
قال السهيلي: «ولا نقول: إن اللفظ قديم، ولكنه متقدم على كل لفظ وعبارة، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، فهذا نص في عدم المسمى، وتنبيه على عدم المادة المأخوذ منها الاسم» (^٢).
الرد عليهم:
قال الإمام ابن القيم ﵀: «زعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن العربي أن اسم الله غير مشتق، لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق، ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم، والقدير، والغفور، والسميع، والبصير،
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٤٦).
(٢) نتائج الفكر في النحو (٥١ - ٥٢)، والمعنى على ما ذكره السهيلي هل تعلم له ما يسمى به وجه الاستدلال بهذه الآية هو أنه لو كان لفظ الله مشتقًا لكان له مشتق منه، فيكون له سميٌ، لكن قال المفسرون معناها: هل تعلم له ولدًا أو نظيرًا أو مثلًا أو شبيهًا يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن. وروي عن ابن عباس قال: «هل تعلم أحدًا سمي الرحمن»، قال القرطبي: «وهو قول صحيح لا يقال الرحمن إلا الله» وقال قتادة والكلبي: «هل تعلم أحدًا يسمى الله تعالى غير الله أو له الله غير الله» وهل بمعنى لا، أي لا تعلم، والله تعالى أعلم. انظر: تفسير القرطبي (١١/ ١١٣).
[ ٥٤ ]
فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه الله ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة. وقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء هو بهذا الاعتبار لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاقا ماديا وإنما هو اشتقاق تلازم المتضمِن بالكسر مشتقا والمتضمن بالفتح مشتقا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى» (^١) (^٢)
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٢ - ٢٣).
(٢) أما قول السهيلي: «ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ وأنه نص في عدم المسمى وتنبيه على عدم المادة المأخوذ منها الاسم»، فليس بصحيح وهو غير لازم لأن الذي سمّى المشركون أصنامهم هو ما حكاه الله تعالى بقوله ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقال ﴿إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾، فأما اسم الله فلام التعريف اللازمة عوض عن الهمزة فلم يمى به غير الله ولم يستعمل قط منكرًا، وقوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي هل تعلم شيئًا يسمى الله غيره؟ أو هل تعلم له نظيرًا في الخلق أو وجوب الإلهية. انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي ص ١١٨ - ١١٩.
[ ٥٥ ]
القول الثاني: القائلون باشتقاقه وحجتهم.
أولًا: تعريف الاشتقاق
• الاشتقاق لغة: الأخذ في الكلام يمينا وشمالًا، واشتقاق الحرف أخذه منه، ويقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج (^١).
• واصطلاحًا: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبًا ومغاير في الصيغة (^٢).
• وأقسامه ثلاثة: صغير وكبير وأكبر وبعضهم يزيد قسما رابعًا ويجعلها: صغيرًا وكبيرًا وكُبَارًا وكُبّارًا (^٣).
• وأصل المشتقات المصدر الذي هو الصفة عند البصريين خلافًا للكوفيين الذين يرون أن أصل المشتقات الفعل (^٤).
• وجوده في اللغة
يقول ابن فارس: أجمع أهل اللغة إلا من شذ منهم أن للغة العرب قياسًا وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض (^٥).
ففي لغة العرب على سبيل المثال حرف الجيم والنون (ج ن) يدلان على الستر، تقول العرب للدِّرع: جنة، وأجنه الليل، وهذا جنين، أي هو في بطن أمه واسم الجن من الاجتنان (^٦).
_________________
(١) لسان العرب (١٠/ ١٨٤) شقق.
(٢) بحث في علم الاشتقاق لعبد الله أفندي أمين ضمن مجلة مجمع اللغة العربية بمصر (١/ ٣٨١) والتعريفات للجرجاني ص ٢٧.
(٣) بحث في علم الاشتقاق (١/ ٣٨١)، وانظر: المزهر (١/ ٣٤٥ - ٣٥٤).
(٤) بحث في علم الاشتقاق (١/ ٣٨٢).
(٥) المزهر في علوم اللغة (١/ ٣٤٥).
(٦) المزهر في علوم اللغة (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
[ ٥٦ ]
ثانيًا: مذهب القائلين بأن لفظ الجلالة مشتق وحجتهم:
• وإلى هذا ذهب ابن جرير (^١) ﵀ وهي رواية عن الخليل بن أحمد (^٢) وكذا ابن قيم الجوزية (^٣) وغيرهم، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا (^٤) ومحمد الطاهر بن عاشور (^٥)، وغيرهما.
• أدلتهم
الاشتقاق في أسماء الله الحسنى
إن صفاته معان قائمة بذاته والأسماء أعلام والأسماء تدل على الصفات وهي مشتقة منها وصفاته دلت على أسمائه (^٦). فتحصل من هذا أن هذه القاعدة تعالج موضوع الأسماء والصفات من ستة وجوه:
الأول: من جهة كونها معان دالةً على الكمال.
الثاني: من جهة قيام الصفات بالرب ﷿.
الثالث: من جهة دلالة الأسماء على العلمية.
الرابع: من جهة دلالة الأسماء على الصفات.
الخامس: من جهة اشتقاق الأسماء من الصفات.
السادس: من جهة الصفات على الأسماء.
فمعرفة أسماء الله وصفاته هي الوسيلة الكبرى لمعرفة ذاته
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١/ ١٢٢).
(٢) أشار إلى ذلك ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٨).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٢).
(٤) انظر: تفسير المنار (١/ ٤٤).
(٥) انظر: تفسير التحرير والتنوير (١/ ١٦٢).
(٦) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد لابن عيسى (٢/ ١٢٨).
[ ٥٧ ]
المفصحة عن طريق معاملته وعبادته وما يجب له من شكر نعمه والحمد على آلائه، لأن تكاثر صفات الموصوف أسماءه من أعظم الدلالات على كماله، ولذا فلا بد أن تكون هذه الصفات دالة على معان كمالية في الموصوف وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أن المراد بذكرها مدح الموصوف بها ولا مدح فيما لا يدل على معنى فيه ثناء على الممدوح (^١).
الوجه الثاني: أن صفاته لو كانت ألفاظًا مجردة لا دلالة فيها على المعاني الكمالية لكان في القرآن ما لا معنى له وهو باطل.
الوجه الثالث: أن الصفات ألفاظ عربية والعرب لا تضع كلمة إلا للدلالة على معنى تريده.
الوجه الرابع: أنها لو لم تدل على معان جمالية لما كان في إضافتها إلى الرب ﷿ فائدة فلا حاجة لمعرفتها فضلًا عن الحاجة للتكليف بالإيمان بها.
الوجه الخامس: أن موجب تسميتها صفة دلالتها على معنى في الموصوف.
الوجه السادس: أن ما لا دلالة له على معنى لا يشتق منه شيء والصفات اشتقت منها أسماء كالرحمن من الرحمة والحكيم من الحكمة ولو لم تدل على شيء لامتنع الاشتقاق إذ لابد من تناسب في المعنى بين المشتق والمشتق منه.
الوجه السابع: أنها لو لم تدل على معاني المدح والثناء لما صح الإخبار عنه بأفعالها كيسمع ويرى ويعلم ويقدر، فإن ثبوت
_________________
(١) الكواشف الجلية ص ١٦٤، والتنبيهات السنية ص ١٠٧.
[ ٥٨ ]
أحكام الصفة فرع ثبوتها (^١).
الوجه الثامن: أنها لو لم تدل على ما يمدح به الرب ﷿ لم يكن بينها فرق، والفرق بينها في الدلالة والتعبير مما لا ينكره عاقل.
الوجه التاسع: انعقاد الإجماع على أن من حلف بصفة من صفات الله كسمعه وبصره وقوته كانت يمينه منعقدة، فلو كانت لا كمال فيها فلا معنى للحلف بها إذ الحلف عن تعظيم واللفظ المجردة لا يعظم لأنه مقصود لغيره. فإن صاحبه شيء من التعظيم فلما يشتمل عليه من معنى كمالي.
الوجه العاشر: أنها لو لم تدل على حمد الرب والثناء عليه لما اختصت به إذ ما الفرق بين إطلاق السمع على الله وعلى العبد ما دام المراد إجراء اللفظ.
الوجه الحادي عشر: أنها لو لم تدل على الكمال والجمال لما كان لنفي التشبيه فيها بعد إثباتها معنى إذ نفي التشبيه يتوجه للمدلول الممدوح دون اللفظ المجرد عن المعاني وإذا تقرر بما سبق اشتمال الصفات على الدلالة على معاني الكمال والجمال والجلال، فلا بد وأن تكون قائمة بالرب ﷿ على معنى اتصافه بها على وجه الاختصاص به سبحانه لأن ثبوت الصفة لموصوفها يمنع من الشركة فيها ويوجب اختصاصه بها ولأن المعاني لا تقوم بنفسها بل بمن وصف بها إذ لا يوجد في الوجود الخارجي معنى مستقل بذاته عن الموصوف به ولأنه لو انفصل عنه لما كان صفة له إذ لا يقوم بالشيء معنى فارقه، ولما كانت أسماء لله دالة على الوصفية كان لابد وأن يكون منشأ الاشتقاق هو الوصف إذ
_________________
(١) التفسير القيم ص ٢٩، مدارج السالكين (١/ ٢٩).
[ ٥٩ ]
الأسماء في أصلها جامدة ولا تلمح الدلالة منها على الوصفية إلا إذا ألمح أصلها وهو الوصف ومما يوضح الأمر ويجليه أن الأسماء في اللغة لا تدل على الوصف لذاتها إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: منها كون الاسم مشتقًا كمحمود ونحوه.
الثاني: دخول أل الاسمية الدالة على لمح الأصل على العلم كالنعمان فدخول أل عليه يراد به لمح أصله وهو حمرة الدم.
الثالث: ما جاء السماع بجريان الوصف على وزنه كفَعَلْ وفَعِيل ومن أمثلته فرج وجميل.
ولما كانت أسماء الله تعالى دالة على الوصفية كان الوصف مصدرًا لها وهي مشتقة منه وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أنها لو لم تشتق من صفة لم تكن حسنى (^١) إذ إن نسبة الحسن إليها تدل على أنها مشتقة من معنى حسن.
الأمر الثاني: ولأنه لو سمي سميعًا ولا سمع له لكان الاسم كاذبًا وهذا ما لا يعقل في أسماء الله.
الأمر الثالث: أن الصفة إذا ثبتت للموصوف اشتق له اسم منها إذا كانت مما يشتق منها (^٢).
الأمر الرابع: دلالتها على الوصفية إذ لو لم تكن أسماؤه مشتقة من صفاته لما دلت عليها.
الأمر الخامس: المناسبة الظاهرة بين ألفاظ الأسماء والصفات ومعانيها.
_________________
(١) التنبيهات السنية ص ١٠٧، والكواشف الجلية ص ١٦٤.
(٢) التفسير القيم ص ٢٨، مدارج السالكين (١/ ٢٨).
[ ٦٠ ]
وينبني على اشتقاق الأسماء من الصفات دلالة الصفات على الأسماء لأن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه، فإذا وصف الرب ﷿ بالسمع فإن من لوازم ذلك تسميته بالسميع إذ لا يقوم السمع إلا بسميع ومن ليس كذلك فلا ينسب السمع له ودلالة الصفة على الاسم تابعة لطريقة استعمالها في الكتاب والسنة والصفات في الاستعمال الشرعي على ضربين (^١).
الضرب الأول: ما جاء في النصوص الوصف بلفظه مطلقًا واشتق لله منه اسم كالسمع والبصر فهي دالة على هذا الاسم دلالة لزومية إذ لا يعقل في الوجود صفة سمع بلا سميع ولا صفة بصر بلا بصير.
الضرب الثاني: ما جاء في النصوص الفعل منه وهو نوعان:
أحدهما: ما وصف الله به نفسه مطلقًا كصفة الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، فهي دالة على ما اشتق منها من أسماء كالخالق والرازق والمحيي والمميت دلالة لزوم كالضرب الأول إذ لا يصح في المعقول صفة خلق بلا خالق وصفة رزق بلا رازق وهكذا.
الثاني: أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة كصفة مخادعته للكافرين ومكره بهم ونسيانه إياهم ونحوها.
فهي دالة على ما يناسب معناها من الأسماء إلا أنها ليست من أسمائه الحسنى فلا تكون مما يقصد في هذا الأصل إذ هو يبحث في دلالة الصفات التي اشتقت منها أسماؤه الحسنى دون ما جرى من الأسماء في الإخبار بقيده.
_________________
(١) توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٢٩٤).
[ ٦١ ]
فتحرر بذلك أن باب دلالة الصفات على الأسماء أوسع من باب الاشتقاق منها فما من صفة إلا وهي تدل على اسم إلا أن الدلالة لا تلازم الاشتقاق لأن مرجع الدلالة لغوي ومصدر الاشتقاق شرعي فما دلت عليه اللغة أوسع مجالًا مما دل عليه الشرع لما في المعاني اللغوية من التسامح في الاستعمال دون المعاني الشرعية التي تبنى على ورود نصوص الشرع بها ولذا يسمى الله بما مصدره الشرع من الأسماء ولا يسمى بما كان موجبه اللغة فاشتملت دلالة الصفة شرعًا على أمرين:
الأول: دلالتها على الاسم بالتلازم وهو أمر عقلي.
الثاني: دلالتها على الاسم بمعنى اشتقاقه منها لفظًا ومعنى وهو أمر لغوي شرعي فبان أن ما يقرره الشرع لا يخالف اللغة مطلقًا، لأن من مباني الشرعيات أصولًا لغوية وأما اللغة فيتسامح فيها بما لا يتسامح فيه شرعًا.
وبالنظر فيما تقدم يتبين اشتمال هذه القاعدة على عدة نتائج:
النتيجة الأولى: أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف (^١) وأنه لا تنافي بين هذين الأمرين بالنسبة للرب ﷿.
النتيجة الثانية: أن ما لم يقم بذاته فليس بوصف له.
النتيجة الثالثة: أن أسماءه وصفاته كذاته في القدم والأزلية.
النتيجة الرابعة: أن مما بني على كون أسمائه حسنى عدم دلالتها على الذم مطلقًا سواء في باب الإخبار أو التسمية.
_________________
(١) انظر: الكواشف الجلية ص ١٦٤، الأسئلة والأجوبة الأصولية ص ١٦١، التنبيهات السنية ص ١٠٧، التفسير القيم ص ٢٨، ومدارج السالكين (١/ ٢٨).
[ ٦٢ ]
النتيجة الخامسة: أن التسمية ملازمة للوصفية وأما الوصفية فربما وصف الرب بصفة ولم يطلق عليه اسم منها، فباب الصفات أوسع من باب التسمية من جهة أن كل اسم له تعالى فلا بد وأنه مشتق من صفة وأما كل صفة فلا يجب أن يشتق له اسم منها.
النتيحة السادسة: أن دلالة الصفات على الأسماء دلالة لغوية واشتقاق الأسماء من الصفات أحكام شرعية، فباب دلالة الصفات أوسع من باب اشتقاق الأسماء.
النتيجة السابعة: أن أسماء الله تفارق المخلوقين في أن أفعاله تعالى مشتقة من أسمائه وأما المخلوقين فأسماؤهم مشتقة من أفعالهم (^١) فيستدل بأسمائه على ما يمكن أن يتصف به من الأفعال فيقال اسمه حكيم فأفعاله في غاية الحكمة، وأما المخلوقون فيستدل بأفعالهم على أسمائهم فيقال: بخل فهو بخيل، وأكرم فهو كريم ونحو ذلك.
النتيجة الثامنة: أن كل اسم من أسمائه مشتق من صفة مستقلة بمعناها فله كمال من كل اسم سمى به نفسه ومن كل صفة اشتق منها ذلك الاسم (^٢).
النتيجة التاسعة: أن تعدد الأسماء والصفات تكثير لأنواع الكمال وبيان لأصناف جمال الخالق وليس هو تعدادًا في الذوات.
النتيجة العاشرة: أن ما ثبت وصف الرب ﷿ به مطلقًا في
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١٧٩ - ١٨٠).
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٤١٧).
[ ٦٣ ]
الكتاب والسنة أخبر عنه بأفعالها، فيقال يسمع ويرى ويعلم ونحو ذلك (^١).
النتيجة الحادية عشر: أن ثبوت أحكام الصفات للموصوف مرتب على ثبوت الصفات له في نفس الأمر، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها (^٢).
النتيجة الثانية عشر: أن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة -عند من يقول بذلك من أهل السنة- لغلبة (^٣) الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبرًا لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم.
النتيجة الثالثة عشر: أن ثبوت الصفة للموصوف يدل على ثبوت المشتق منها له وتوضيح ذلك أنه لما اتصف سبحانه بالعلم اشتق له منها اسم العليم ولما اتصف سبحانه بالرحمة اشتق له منها اسم الرحمن (^٤).
والصحيح في الأقوال التي ذكرت أن الله أصله الإله وهو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، كما نص على ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ (^٥)، وقد سبق بيان ذلك فيما إذا ترددت كلمة بين أصلين أو أكثر وأنه يطلب الترجيح وله وجوه.
_________________
(١) انظر: التفسير القيم ص ٢٩، ومدارج السالكين (١/ ٢٩).
(٢) التفسير القيم ص ٢٩، مدارج السالكين (١/ ٢٩).
(٣) ويرى بعض اللغويين أنه ليس من قبيل العلم بالغلبة بل من قبيل العلم بالانحصار مثل الشمس والقمر، التحرير والتنوير (١/ ١٦٣).
(٤) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد (٢/ ١٢٨)، وانظر القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف للدكتور إبراهيم البريكان (٢٥١ - ٢٥٨).
(٥) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٣).
[ ٦٤ ]
• الترجيح: وبعد عرض ما سبق، يترجح لنا أن قول من قال إن لفظ الجلالة مشتق (^١) وإنه هو الصحيح، كما هو قول المحققين من أهل العلم، وأما قول القائلين بعدم اشتقاقه فمذهبهم مرجوح.
وعليه فإن أسماء الله مشتقة من صفاته أو أفعاله، فالاسم إذا أطلق جاز أن يؤخذ منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا؛ نحو (السميع والقدير) يطلق عليه منه السمع والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، هذا إن كان الفعل متعديًا.
أما إن كان الفعل لازما، فإنه يطلق عليه منه الاسم والصفة دون الفعل، نحو الحي فإنه يثبت لله اسم الحي وصفة الحياة أما الإخبار بالفعل فلا يقال حيي (^٢)، ولا يحق لأحد أن يشتق من الفعل أو من الصفة إسمًا إلا ما ورد الشرع به لأن الأسماء توقيفية فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ
فإذا ثبت الاسم بالنص علمنا أنه مشتق من الصفة والفعل أو من الصفة فقط (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) قال العلامة الكافيجي: «إن اشتقاق لفظ الله من أله أو من وله من الاشتقاق الكبير لما بين الحروف من التناسب ويصلح أن يكون صغيرًا» انتهى. انظر: أنوار السعادة (ق ٤)، والمزهر للسيوطي (١/ ٣٤٥).
(٢) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٧، ١٦٢)، وشفاء العليل (ص ٥٦٦) ومدارج السالكين (١/ ٢٨).
(٣) وانظر: اختلاف الناس في اشتقاق أسماء الله في معنى كتاب معنى لا إله إلا الله للزركشي ص ١٤١ - ١٤٥، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٢٦).
[ ٦٥ ]
المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم الله.
ثم اختلفوا في أصل اشتقاقه على أقوال:
• فقيل هو مأخوذ من إله (^١)، وتقديرها فعلانية بالضم، تقول إله بين الإلهية والأُلهانية، وأصله من أَلِهَ يَاْلَهُ إذا تحير (^٢)، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف همه إليها، أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد.
قال أبو الهيثم: فالله أصله إله (^٣)، قال الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا. وحتى يكون لعابده خالقا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبد ظلمًا بل هو مخلوق ومُتعبد. قال: وأصل إله وِلَاهٌ (^٤)
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط (١٦٠٣) والصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧)، والعين (٤/ ٩٠)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٢)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، والمحكم (٤/ ٢٥٩).
(٢) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، وقال ابن فارس: فأما قولهم في التحير أَلِه يَأْلَهُ فليس من الباب لأن الهمزة واو. (١/ ١٢٧). (وانظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢٤)، والقاموس المحيط (١٦٠٣).
(٣) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٣).
(٤) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
[ ٦٦ ]
فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح إجاح، ومعنى وِلاه أن الخلق يَولَهون إليه في حوائجهم ويضرعون إليه فيما يصيبهم ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يَوله كل طفل إلى أمه (^١).
وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة (^٢).
وقد ضعف الزجاج هذا القول وهو أن أصل إله وِلَاه (^٣).
وقال ابن سيدَه (^٤): والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وقرأ ابن عباس «ويذرك وإلاهتك» بكسر الهمزة (^٥) أي وعبادتك، وهذه الأخيرة عند ثعلب كأنها هي المختارة. قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد فهو على هذا ذو إلاهية لا ذو آلهة والقراءة الأولى أكثر والقراء عليها.
قال ابن برِّي: يقوي ما ذهب إليه ابن عباس في قراءته: «ويذرك وإلاهتك» قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
(٢) انظر: القاموس المحيط (ص ١٦٠٣) والصحاح (٦/ ٢٢٢٤)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧)، والمحكم (٤/ ٢٥٩). (قلت وفي ذلك يقول ابن مالك في مثلثه. (والشمس سمّاها صدوق النبأة إلهة واضممه للإضراب. (فيقال الإلاهة والألاهة وألاهة وانظر المحكم لابن سيده (٤/ ٢٥٩).
(٣) انظر: اشتقاق أسماء الله ص ٢٧.
(٤) انظر: المحكم (٤/ ٢٥٩).
(٥) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨).
(٦) انظر لسان العرب (١٣/ ٤٦٨) وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
[ ٦٧ ]
وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة (^١).
قال الله ﷿: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي أصنام عبدها قوم فرعون معه والله أصله إلاه على فِعَال بمعنى مفعول لأنه مَأْلوه أي معبود كقولنا إمام فِعَال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام (^٢).
والمقرر في باب الاشتقاق أنه إذا ترددت الكلمة بين أصلين أو أكثر طلب الترجيح وله وجوه منها كون أحد الأصلين أشرف لأنه أحق بالوضع له والنفوس أذكر له وأقبل وقد مثلوا له بلفظ الجلالة فقالوا كدوران لفظ الجلالة الله فيمن اشتقها بين الاشتقاق من أله أو وله فيقال من أله أشرف وأقرب (^٣).
وثمة مذاهب أخر أعرضت عن ذكرها حتى لا يطول البحث، فإن من العلماء من أعرض عن تفسير لفظ الجلالة كما فعل ابن دريد فقال:
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٩).
(٢) وإسنادها ضعيف، والقراءة الصحيحة المعروفة ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وأما هذه القراءة ﴿وإلاهتك﴾ فقد نقلها صاحب إتحاف البشر (ص ٢٢٩) عن ابن محيصن والحسن. ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة (٤٥) عن علي وابن مسعود وابن عباس وذكرها أبو حيان في البحر (٤/ ٣٦٧) عن هؤلاء الثلاثة وأنس وجماعة غيرهم. وذكر ابن الجوزي في «زاد المسير» (٣/ ٢٤٤) أن من قرأ بهذه القراءة كذلك سعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية. انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٦٠).
(٣) المزهر في علوم اللغة (١/ ٣٤٩)، والعلم الخفاق من علم الاشتقاق لمحمد صديق حسن خان (ص ١٠٤).
[ ٦٨ ]
«فأما اشتقاق اسم الله ﷿ فقد أقدم قوم على تفسيره ولا أحب أن أقول فيه شيئًا» (^١).
وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه اسم موضوع هكذا لله وليس أصله إله ولا ولاه ولا لاه.
قال: والدليل على ذلك أني أرى لقولي الله فضل مزية على إله وأني أعقل به مالا أعقل بقوله إله.
وذكر قطرب وغيره من أصحاب العربية أن هذا الإسم لكثرة دوره في الكلام واستعماله قد كثرت فيه اللغات فمن العرب من يقول والله لا أفعل ومنهم من يقول لَاهِ لا أفعل ومنهم من يقول واللهْ بإسكان الهاء وترك تفخيم اللام ومنهم من يقول واه لا أفعل ذلك (^٢)، إلى غير ذلك من الأقوال وقد أوصلها بعضهم إلى ثلاثين قولا (^٣). وهو من الغرائب بل ومن المصائب التي وقعت في هذه الأمة، وإلى ذلك أشار العلَامة ابن قيم الجوزية بقوله:
ومن المصائب قول قائلهم بأنّ … الله أظْهَرُ لفظةٍ بلسانِ
وخلافهم فيه كثير ظاهر … عربي وضع ذاك أم سرياني (^٤)
وكذا اختلافهم أمشتقًا يُرَى … أم جامدا قولان مشهوران
والأصل ماذا فيه خلف ثابت … عند النحاة وذاك ذو ألوان
هذا ولفظ الله أظهر لفظة … نطق اللسان بها مدى الأزمان
_________________
(١) الاشتقاق لابن دريد (ص ١١).
(٢) انظر: شرح أسماء الله للزجاجي (ص ٢٨).
(٣) أشار إلى ذلك الزبيدي في «تاج العروس» (٩/ ٣٧٤).
(٤) وممن قال ذلك أبو زيد البلخي حيث قال: قولنا الله ليس من الألفاظ العربية. انظر: لوامع البينات للرازي (ص ٧٩).
[ ٦٩ ]
فانظر بحق الله ماذا في الذي … قالوه من لبس ومن بهتان
هل خالف العقلاء أن الله ربُّ … العالمين مدبِّرُ الأكوان
ما فيه إجمال ولا هو موهم … نقلَ المجاز ولاله وضعان
والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا … في وضعه لم يختلف رجلان
وإذا همُ اختلفوا بلفظةِ مَكَّةٍ … فيه لهم قولان معروفان
أفبينهم خُلْفٌ بأن مرادهم … حَرَمُ الإله وقبلة البلدان
وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمدٍ … فيه لهم قولان مذكوران
أفبينهم خلف بأن مرادهم … منه رسول الله ذو البرهان
ونظير هذا ليس يُحْصَرُ كثرةً … يا قوم فاستحيوا من الرحمن (^١)
إن أصحاب هذا القانون قالوا: أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف، هل هو مشتق أم لا؟ وهل هو من مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه إذا احتجب (^٢)، وكذلك اسم الصلاة (^٣) وفيه من الاختلاف ما فيه، هل هو مشتق من الدعاء أو
_________________
(١) الكافية الشافية (ص ١٩٩)، وانظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد لابن عيسى (٢/ ١٠٩).
(٢) قلتُ جمعها الناظم وهو محمد سيدِ بن أبتِ اليعقوبي الشنقيطي بقوله: الله مشتق وقيل مرتجل وهو أعرف المعرفات جل أَلَهَ أي عبد أو من الأَلَه وهو اعتماد الخلق أو من الوله أو المحجَّب عن العيان من لاهت العروس في البنيان أو أَلِه الحيران من قول العرب أو من أَلِهْتُ أي سكنت للأرب
(٣) قال في مطالع المسرات: الصلاة أصلها الإنحناء والانعطاف مأخوذة من الصّلوين وهما عرقان في الظهر، ينحنيان في الركوع والسجود. قال النووي: «قيل في اشتقاقها أقوال كثيرة، أكثرها باطل». انتهى وذكر عياض في الشبهات أقوالًا وحاصلها ما قاله الناظم لها في قوله: من الصّلا الصّلاة والتصليةُ أو المصلي والصّلا والصلةُ انظر: مشتهى الخارف الجاني للشيخ محمد الخضر الجكني ص ٣٨٠.
[ ٧٠ ]
من الاتباع أو من تحريك الصلوين وهما عرقان يمتدان من الظفر يكتنفان عجب الذنب، فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره.
فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض علمائهم وجهلائهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن الله اسم لرب العالمين خالق السموات والأرض الذي يحي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به المسمّى وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمّى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وليس هذا نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا اللفظ لا يخرج اللفظ عن إفادته السامع اليقين بمسماه (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٧٩).
[ ٧١ ]