" من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ: ع.
_________________
(١) في ظلال القرآن (٢/ ٩١٢).
(٢) دعوة التقريب بين الأديان، (٤/ ١٥٢٥ - ١٥٢٨).
(٣) فقه الاحتساب على غير المسلمين، (ص ٤٤).
[ ٣٠٥ ]
س. ح. سلمه الله وتولاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: كتابكم الكريم المؤرخ في ٢٣/ ٣ / ١٣٨٦ هـ وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال عما قاله بعض الخطباء في خطبة الجُمُعَة من الحث على الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه: هل لها محمل؟ وهل سبق أن قالها أحد؟ … الخ. كان معلومًا.
والجواب: هذا التعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح؛ وهو الحث على التخلق بمقتضي صفات الله وأسمائه وموجبها، وذلك بالنظر إلى الصَّفات الَّتي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات المختصة بالله؛ كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك؛ فإنَّ هذا شيء لا يمكن أن يتصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدَّعيه، وهكذا ما أشبه هذه الأسماء، وإنَّما المقصود: الصَّفات الَّتي يحب الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها؛ كالعلم والقوة والرحمة والحلم والكرم والجود والعفو … وأشباه ذلك، فهو سبحانه عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، عفو تحب العفو .. الخ، لكن الَّذي لله سبحانه من هذه الصَّفات وغيرها أكمل وأعظم من الَّذي للمخلوق، بل لا مقاربة بينهما؛ لأنَّه سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله، كما أنَّه لا مثل له في ذاته، وإنَّما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات يليق به ويناسبه على الحدّ الشرعي، فلو تجاوز في الكرم الحدّ صار مسرفًا، ولو تجاوز في الرحمة الحدّ عطل الحدود والتعزيرات
[ ٣٠٦ ]
الشرعية، وهكذا لو زاد في العفو على الحدّ الشرعي وضعه في غير موضعه، وهذه الأمثلة تدل على سواها، وقد نص العلّامة ابن القيِّم ﵀ على هذا المعنى في كتابيه: (عِدَّة الصابرين) و(الوابل الصيب)، ولعله نص على ذلك في غيرهما كالمدارج وزاد المعاد وغيرهما، وإليك نص كلامه في العدة والوابل، قال في العدة صفحة ٣١٠: (ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أنَّ أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب، والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو تحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو ممَّا يضادها وينافيها" ا هـ.
وقال في الوابل الصيب (ص ٥٤٣) من مجموعة الحديث: (والجود من صفات الرب ﷻ؛ فإنَّه يعطي ولا يأخذ، ويُطعِم ولا يُطعَم، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته،؛ فإنَّه كريم يحب الكرماء من عباده، وعالم يحب العلماء، وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال) انتهى.
وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية، وحصول للفائدة، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعًا للفقه في دينه والقيام بحقه إنَّه سميع قريب، والسلام
[ ٣٠٧ ]
عليكم ورحمة الله وبركاته" (^١).