قال الشيخ عبد الرَّحمن الدوسري -﵀-: "هذا قول منشؤه الثقافة الفاجرة الكافرة المغرضة، وهو متناقض تناقضًا لا يخفى على ذي لبّ غير متأثر بها؛ كشأن الباطل دائمًا ينادي على نفسه بالبطلان؛ وذلك أن كل إنسان لا يحصل له تأمين الحياة والعيشة الراضية إلَّا إذا سعى سعيًا صحيًا لتأمين ما بعدها بمراقبة رب العالمين حقًا، والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه، دون غش ولا مراوغة، بل بما رسمه الله على لسان رسوله
_________________
(١) "الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة" (ص ٩٢ - ٩٣).
[ ٢٨٣ ]
إذ قال: "عامل النَّاس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلمًا وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمنا" (^١).
وقال: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" (^٢).
وقال: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^٣).
وقال: "الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (^٤)، "إن الله حرّم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمّا فلا تظالموا" (^٥). إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية.
_________________
(١) ورد بلفظ "كن ورعًا تكن أعبد النَّاس، وكن قنعًا تكن أشكر النَّاس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلمًا، وأقل الضحك؛ فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب" أخرجه الإِمام أحمد في المسند (٢/ ٣١٠) والتِّرْمِذِيّ في كتاب الزُّهْد باب الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من النَّاس برقم (٢٣٠٥)، وابن ماجه في كتاب الزُّهْد باب الورع والتقوى برقم (٤٢١٧)، كلُّهم من حديث أبي هريرة ﵁، وقد أسهب الشيخ الألباني -﵀- في تحسين الحديث في السلسلة الصحيحة برقم ٩٣٠.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣).
(٣) رواه ابن أبي عاصم في السُّنَّة (١/ ١٢)، والتبريزي في مشكاة المصابيح برقم ١٦٧، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٢١٣). وقد أشار إلى علل الحديث مفصلةً الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم ص ٥٧٤، وقد بين في النهاية صحة معناه مستدلًا لذلك بعدد من الآيات والأحاديث، منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة القصص، الآية (٥٠)].
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٦٠)، وأبو داود في الأدب، باب في الرحمة برقم ٤٩٤١، والتِّرْمِذِيّ في البَرِّ والصلة، باب في رحمة النَّاس برقم ١٩٢٤، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذَّهَبِيّ (٤/ ١٩٥).
(٥) لفظ الحديث "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا" أخرجه مسلم في البَرِّ والصلة باب تحريم الظلم برقم ٢٥٧٧.
[ ٢٨٤ ]
وأمَّا في القرآن من قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (^٤) وغيرها من الآيات الكثيرة.
فبلزوم النَّاس هذه الطريقة الدينية الصحيحة يحصل لهم الأمن والتعايش السُّلَمي في الحياة أولًا، ثمَّ بعدها ثانيًا، وما أذهب على النَّاس أمنهم إلَّا افتياتهم على دين الله وخروجهم عن تعاليمه النافعة في الحياة وبعدها طبعًا.
فهذا الأفاك الأثيم صاحب هذه المقالة، هل يطمع بالأمن في الحياة والتعايش السُّلَمي إذا نبذ النَّاس دين الله، وتعلقوا بالمادة والأنانية وحب الشهوات وطلب الرئاسة والعلو في الأرض؟ ألم يحصل بذلك الشر المستطير؟
ألا يرى العالم مهددًا في كل وقت وحين بحروب طاحنة قد خلت من قبلها الحروب؟
ألا يرى الدول المادية منهمكة في صنع ما يدمر المدنية ويفتك بالحياة؟
حقًا إن تأمين الحياة لا يحصل إلَّا بالعمل الصالح الخالص المقصود به تأمين ما بعدها؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه، وذلك لا يتحقق إلَّا بالإيمان بالغيب
_________________
(١) سورة البقرة الآية (١٩٥).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٩٠).
(٣) سورة الأعراف، الآية (٨٥).
(٤) سورة النِّساء، الآية (١٣٥).
[ ٢٨٥ ]
الَّذي هو مصدر الخير ومنبع الفضيلة والجمال كما أسلفنا. ولذا حصر الله الهداية والمنفعة بالتذكرة عليه؛ فقال في فواتح القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (^١)، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (^٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحكام الَّتي انطبع بها أسلافنا؛ كانوا أصلح الخلق وأنصح الخلق للخلق، وأرحم الخلق بالخلق، ممتثلين ما قدمناه من الآيات والأحاديث وأضعافها ممَّا فهموه وطبقوه.
ولما حُرمت (اوروبا) من الإِيمان بالغيب وثمرته الطيبة كانت على العكس من ذلك: أفسد الخلق، وأغش الخلق للخلق، وأفتك الخلق بالخلق، وكان على سيرتهم كل من تقبَّل ثقافتهم وسار على منهاجهم" (^٣).