يتردد كثيرًا إطلاق هذا السؤال في المقابلات، ويتفاوت الناس في الإجابة عنه حسب مشاربهم؛ ما بين من يذكر محمدًا -ﷺ- مثلًا له، وهم الموفقون، وبين من يذكر اسم لاعب كرة أو مطرب ماجن، وهم الخاسرون.
وجواب هذا السؤال لا يصدق إلا على نبينا محمد -ﷺ-؛ لأنه القدوة لكل
البشر بعده.
وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز -﵀- "يرد سؤال يتكرر دائمًا في
_________________
(١) التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية (ص ٦٣).
(٢) سورة يس، الآية (٨٢).
(٣) أخطاء شائعة (ص ١٢ بتصرف يسير). وانظر: (المناهي اللفظية) للشيخ ابن عثيمين -﵀- (ص ٢٥ - ٢٦)، وقال عن استعمالها للتعبير عن ظن القائل أنه ما ظن أن الله يفعل هذا الأمر؛ لأنه يستبعد وقوعه: "لا بأس بذلك".
[ ١٨٥ ]
المقابلات الصحفية وخلافها وهو: من هو مثلك الأعلى؟ وتختلف الإجابة باختلاف الأشخاص؛ هناك من يقول: محمد رسول الله -ﷺ-، وهناك من يقول: والدي وهكذا. ما رأي سماحتكم حفظكم الله في هذا السؤال؟ وما علاقته بآية سورة النحل رقم (٦٠)؛ وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وكذا آية الروم رقم (٢٧)؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أفيدونا أثابكم الله؟
فأجاب ﵀: المعنى يختلف فيما أشرت إليه: فإذا أريد بيان من هو الأحق بالوصف الأعلى فالجواب هو الله وحده؛ لأنه سبحانه هو الذي له المثل الأعلى في كل شيء، ومعناه الوصف الأعلى، وهو سبحانه الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ لا شبيه له ولا كفو له ولا ند له، وهذا المعنى هو المراد في الآيتين الكريمتين المذكورتين في سؤالك، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^١). وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢).
أما إن أريد من هو المثل الأعلى في المنهج والسيرة فإنه يفسر بالرسول -ﷺ-؛
_________________
(١) سورة الإخلاص.
(٢) سورة الشورى آية ١١.
[ ١٨٦ ]
فإنه أكمل الناس هديًا وسيرة وقولًا وعملًا، وهو المثل الأعلى للمؤمنين في سيرتهم وأعمالهم وجهادهم وصبرهم وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة، كما قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^١). وقال ﷿ في وصف نبيه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢).
قالت عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) والمعنى أنه كان ﵊ يعمل بأوامر القرآن، وينتهي عن نواهيه، ويتخلق بالأخلاق التي أثنى القرآن على أهلها، ويبتعد عن الأخلاق التي ذم القرآن أهلها، والله ولي التوفيق" (^٣).
فسماحة الشيخ -﵀- لا يجيز إطلاق هذا اللفظ وصفًا للنبي -ﷺ- إلا مع التقييد "بالمثل الأعلى في المنهج والسيرة"، وإلا فإنه لا يجوز إطلاقه وصفًا دون تقييد إلا لله؛ لأنه "هو الأحق بالوصف الأعلى".
ولكن أحد المعاصرين لم يرتض هذا الجواب من شيخنا -﵀- زاعمًا أن هذا الوصف مما يختص به الله وحده سبحانه، لا يجوز إطلاقه حتى على النبي -ﷺ-. وصنف كتيبًا من (١٩ صفحة) سماه: (بيان أن المثل الأعلى خاص لربنا وحده ﵎، وهو رد على من قال: إن محمدًا -ﷺ- في السيرة والمنهج المثل الأعلى).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية ٢١.
(٢) سورة القلم آية ٤.
(٣) مجلة البحوث الإسلامية (٢٧/ ٨٥ - ٨٦)، وفتاوى الشيخ، إصدار مجلة الدعوة، (٤/ ١٤ - ١٥).
[ ١٨٧ ]
وليته إذ فعل هذا صان كتيبه عن الألفاظ الشنيعة في حق سماحة الشيخ -﵀- كقوله بأن الشيخ: "إنما أتى به -أي هذا القول- من قبل رأيه وعقله حتى ورط نفسه بهذا الخطأ الفاحش"! (ص ٨) زاعمًا أن الشيخ -﵀- "لم يأت فيه -أي تفسيره المثل الأعلى- بدليل نقلي أو عقلي"! (ص ٨) وقد سبق أن الشيخ قد استدل على قوله بآيات من القرآن الكريم (^١)!