قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد:
فقد تكررت الأسئلة عمن يقول بأن الله سبحانه حالٌّ بين خلقه ومختلط بهم، وأن ذلك هو معنى المعية العامة، وشبهوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (^١) الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (^٢). ومعنى ذلك أن الرسول -ﷺ- لم يكن عندهم، وإنما كان الله تعالى بذاته معهم؛ لأنه في كل مكان، على حد قولهم.
ولما كان القائل بهذا القول قد أساء الفهم، وارتكب خطأ فاحشًا، مخالفًا للعقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن والسنة، واعتقدها سلف هذه الأمة، رأيت بيان الحق، وإيضاح ما خفي على هذا القائل في هذا الأمر العظيم الذي يتعلق بأسماء الله وصفاته، فالله ﷾ يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله محمد -ﷺ-، على ما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣)، وأن مما ثبت في القرآن والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، أن الله سبحانه فوق خلقه، بائن منهم، مستو على عرشه، استواء يليق
_________________
(١) سورة القصص، الآية (٤٤).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٤٤).
(٣) سورة الشورى، الآية (١١).
[ ٣٧٧ ]
بجلاله، لا يشابه خلقه في استوائهم، وهو سبحانه معهم بعلمه، لا تخفى عليه منهم خافية، وهذا هو ما يدل عليه القرآن، بأبلغ العبارات وأوضحها، وما تدل عليه السنة بالأحاديث الصحيحة الصريحة، ومن الأدلة القرآنية على أن الله سبحانه في السماء فوق خلقه، مستو على عرشه: قوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١)، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (^٢) ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (^٣) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (^٤) ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (^٥) وقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٦) ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (^٧). الآيات
وأما الأدلة من السنة فقد ورد في الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة؛ مثل قصة معراج الرسول -ﷺ- إلى ربه، وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك
_________________
(١) سورة فاطر، الآية (١٠).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٥٥).
(٣) سورة المعارج، الآية (٤).
(٤) سورة الفرقان، الآية (٥٩).
(٥) سورة الملك، الآيتان (١٦، ١٧).
(٦) سورة طه، الآية (٥).
(٧) سورة غافر، الآيتان (٣٦، ٣٧).
[ ٣٧٨ ]
في السماء والأرض" الحديث (^١)، وقوله في حديث الأوعال: "والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه" (^٢) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله في الحديث الصحيح للجارية: "اين الله؟ " قالت: في السماء قال "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" أخرجه مسلم في صحيحه (^٣) .. إلى أمثال ذلك من الأحاديث الثابتة عن رسول الله -ﷺ- والمفيدة علمًا يقينًا أن الرسول -ﷺ- بلّغ أن الله سبحانه على عرشه، وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم؛ عربها وعجمها، في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا، ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله -ﷺ- ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف، حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبيﷺ- لما خطب خطبته العظيمة في يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره الرسول -ﷺ-، جعل يقول: "ألا هل بلغت؟ " فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الطب، باب كيف الرقي، رقم (٣٨٩٢).
(٢) رواه بنحوه أبو داود في السنة، رقم (٤٧٢٣)، والترمذي في تفسير القرآن، رقم (٣٣٢٠).
(٣) رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، رقم (٥٣٧).
[ ٣٧٩ ]
ويقول: "اللهم اشهد". غير مرة (^١)، وأمثال ذلك كثير.
كما أوضح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم (^٢)، والمقصود أن هذا المعتقد الفاسد، الذي تعتقده الجهمية المعطلة، ومن سار على سبيلهم من أهل البدع، من أفسد المعتقدات وأخبثها، وأعظمها بلاء وتنقصًا للخالق جل وعلا، نعوذ بالله من زيغ القلوب. والأدلة على بطلان هذا المذهب الضال كثيرة؛ فإن العقل الصحيح، والفطرة السليمة، ينكران ذلك، فضلًا عن الأدلة الشرعية الثابتة، أما استدلال بعضهم بالآيات المذكورة آنفًا، فإنه من أبطل الباطل؛ حيث زعموا أنه يؤخذ من الآيات أن الله موجود بذاته في الأرض، بجانب الطور، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقد خفي على هذا القائل أن المعية نوعان: عامة وخاصة؛ فالخاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^٣)، وقوله سبحانه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^٤)، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^٥)، وأشباهها من الآيات؛ فهو سبحانه مع أنبيائه وعباده المؤمنين المتقين بالنصر والتأييد، والإعانة والتوفيق والتسديد، والكفاية والرعاية والهداية؛ كما قال ﷿ فيما رواه عنه نبيه -ﷺ- إذ يقول: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع
_________________
(١) رواه مسلم بنحوه رقم (١٢١٨).
(٢) انظر الفتاوي ج ٥ ص ١٤.
(٣) سورة النحل، الآية (١٢٨).
(٤) سورة التوبة، الآية (٤٠).
(٥) سورة طه، الآية (٤٦).
[ ٣٨٠ ]
به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي به" (^١).
وليس معنى ذلك أن يكون الله سبحانه جوارح للعبد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، إنما المراد تسديده وتوفيقه في جوارح العبد كلها، كما تفسر ذلك الرواية الأخرى؛ حيث قال سبحانه: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" (^٢)، فوضح بهذا سبحانه أن المراد من قوله: "كنت سمعه" … الخ توفيقه وتسديده وحفظه له من الوقوع فيما يغضبه.
وأما المعية العامة فمعناها: الإحاطة التامة والعلم، وهذه المعية هي المذكورة في آيات كثيرة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (^٦)، إلى غير ذلك من الآيات؛ فهو جل وعلا مستو على عرشه، على الكيفية اللائقة
_________________
(١) رواه البخاري في الرقاق برقم (٦٥٠٢).
(٢) أوردها الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (١٤/ ٦٧٧)، ط. دار طيبة، نقلًا عن الطوفي، وهي في كتابه: التعيين في شرح الأربعين، تحقيق أحمد حاج محمد عثمان، ص ٣١٠. مؤسسة الريان.
(٣) سورة المجادلة، الآية (٧).
(٤) سورة الحديد، الآية (٤).
(٥) سورة الأعراف، الآية (٧).
(٦) سورة يونس، الآية (٦١).
[ ٣٨١ ]
بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه علمًا، وشهيد عليهم أينما كانوا، وحيث كانوا، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت والقفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه؛ فيسمع كلامهم، ويرى مكانهم، ويعلم سرهم ونجواهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٣)، فلا إله غيره، ولا رب سواه، وقد بدأ سبحانه آيات المعية العامة بالعلم، وختمها بالعلم، ليعلم عباده أن المراد بذلك علمه سبحانه بأحوالهم، وسائر شؤونهم، لا أنه سبحانه مختلط بهم في بيوتهم، وحماماتهم وغير ذلك من أماكنهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، والقول بأن معنى المعية هو اختلاطه بالخلق بذاته، هو ما يقول به أهل الحلول، الذين يزعمون أن معبودهم في كل مكان بذاته، وينزهونه عن استوائه على عرشه، وعلوه على خلقه، ولم يصونوه عن أقبح الأماكن وأقذرها، قبّحهم الله وأخزاهم، وقد تصدى للرد عليهم أئمة السلف
_________________
(١) سورة هود، الآية (٥).
(٢) سورة الرعد، الآية (١٠).
(٣) سورة الطلاق، الآية (١٢).
[ ٣٨٢ ]
الصالح؛ كأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وأبي حنيفة النعمان، وغيرهم، ومن بعدهم من أئمة الهدى؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والحافظ بن كثير وغيرهم.
وإذا تبين هذا فإنه لا يؤخذ من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ -وما جاء في معناها من الآيات- أنه مختلط وممتزج بالمخلوقات، لا ظاهرًا ولا حقيقة، ولا يدل لفظ (مع) على هذا بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه المصاحبة والموافقة، والمقارنة في أمر من الأمور، وهذا الاقتران في كل موضع بحسبه، قال أبو عمر الطلمنكي -﵀-: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١)، ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه، كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه فوق سماواته. وقال أبو نصر السجزي: أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (^٢) الآية: هو على
_________________
(١) سورة الحديد، الآية (٤).
(٢) سورة المجادلة، الآية (٧).
[ ٣٨٣ ]
العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
وقال الحافظ بن كثير -﵀- على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^١) أي رقيب شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم، من بر أو بحر في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم،؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (^٣)، فلا إله غيره ولا رب سواه. وقال في تفسير آية سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾. أي من سر ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^٤)؛ أي مطلع عليهم، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به، وسمعه له؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا
_________________
(١) سورة الحديد، الآية (٤).
(٢) سورة هود، الآية (٥).
(٣) سورة الرعد، الآية (١٠).
(٤) سورة المجادلة، الآية (٧).
(٥) سورة التوبة، الآية (٧٨).
[ ٣٨٤ ]
نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (^١)، ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم؛ فهو ﷾ مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء.
وكلام السلف في هذا المقام أكثر من أن يحصر، والمقصود بيان أن هذا المعتقد، وهو القول بأن الله بذاته في كل مكان، وأن معنى قوله: أنه معهم بذاته، وأنه لا تجوز الإشارة إليه: قول في غاية السقوط والبطلان، كما هو جلي من الأدلة الكثيرة الصريحة التي سبق ذكر بعضها، وواضح بطلانه من إجماع أهل العلم الذي نقله عنهم من سبق ذكره من الأئمة.
وبهذا يتضح أن القائلين بالحلول -أعني حلول الله سبحانه بين خلقه بذاته ومن قال بقولهم- قد جانبوا الصواب وأبعدوا النجعة، وقالوا على الله خلاف الحق، وتأولوا الآيات الواردة في المعية على غير تأويلها الذي قاله أهل العلم، نعوذ بالله من الخذلان، ومن القول على الله بلا علم، ونسأله الثبات على الحق والهداية إلى سبيل الرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه" (^٢).