مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
المراسلات
الحمد لله مولي النعم ودافع النقم.
والصلاة والسلام على المصطفى سيد الأمم وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فقد كانت ولا تزال المراسلات عنوان اللقاء في الحاضر والغابر وبلسم الشفاء ووسيلة من وسائل الدعوة والإخاء وهي من هدي المصطفى ﷺ فقد كتب لهرقل عظيم الروم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم أسلم تسلم وبهذه الصيغة وعلى هذا المنوال جرت المكاتبات بين الخاصة والعامة بلفظ من فلان إلى فلان وتأسيا بالنبي ﷺ سار علماء الدعوة السلفية. ففي القرن الثاني عشر الهجري أخذت المراسلات مأخذها لتجديد النصح والمشاورات والإجابة على الاستفتاءات فقد دونت لنا دواوين علماء الدعوة السلفية في الجزيرة العربية الشيء الكثير من ذلك. ولما لتلك المراسلات من فوائد جمة وحل لمشاكل الأمة فقد وقع الاختيار على ما كتبه العالم النحرير والبدر المنير المجدد الثاني والعالم الرباني الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام من مراسلات لتكون في كتاب واحد عسى أن يكون للقراء فاتحة خير وقرة عين والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وآله وسلم.
إسماعيل بن سعد بن عتيق
١٧/٦/١٤٠٨هـ.
[ ١٥١ ]
الرسالة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
"١"
م عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الإمام المكرم فيصل بن تركي ألهمه اله رشده ووقاه شر نفسه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد تعلم أن نصيحتي لك نصيحة لله نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم لأن بصلاحك يقوم الدين ويصلح أكثر الناس وفي الحديث "الدين النصيحة" قالها ثلاثا قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وقد جعل الله لأهل الإيمان نورا يمشون به في الناس وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد من فتنة خالد والعسكر وقبله إبراهيم باشا ميز الله بها أهل نجد طيبهم وخبيثهم وتفاوتت مراتبهم في الشر والزيغ والفساد وكثرة السفاهة والقسوة ولا تخفى حالهم إلا على من لا بصيرة له كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا أمر مشاهد لمن جعل الله في قلبه نورا. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم وجعل الله أهل الإيمان
[ ١٥٢ ]
شهداء على الناس قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .
فيجب على من ولاه الله أمر الدين والدنيا أن لا يتهم من اقامهم الله شهداء على الناس وهو يعلم منهم محبة الإسلام أهله وبعض الباطل وأهله فكيف لا تقبل شهادة من أقامهم الرب شهداء في أرضه على أعمال خلقه؟ وقد قال في المؤمنين المهاجرين والأنصار ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ .
ومن الفساد الكبير على ما ذكر من العلماء ضعف الإيمان وقوة الباطل وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعة الكافرين والمنافقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليما بما يصلح عباده حكيما في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ولما كان التحذير من أولئك من أهم مقامات الدين قال الله لنبيه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ وفي الأثر "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضاء الله بسخطهم. وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
فالمساواة بين أهل الأهواء والزيغ وبين أهل الإيمان والمعاصي وجعلهم في رتبة أهل الإيمان أو فوقهم خلاف ما أحبه الله وأمر به عباده وهو في نفسه فساد وذلك سبب سخط الله وحلول عذابه فعليك بمن إذا قربتهم قربك الله وأحبك وإذا نصرتهم نصرك الله وأيدك واحذر أهل الباطل الذين إذا قربتهم
[ ١٥٣ ]
أبعدك الله وأوجب لك سخطه قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ وفي الحديث "من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا"
وقد رأينا عجبا: أن من التفت إلى أحد دون الله خذله الله به وسلطه عليه قال العلماء ﵏ قضى الله قضاءا لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئا دون الله عذب به ومن خاف شيئا دون الله سلط عليه. وأنت تجد وترى كثيرا من الناس قدمهم ولاة الأمر في شيء من أمورهم فتعززوا على الناس وتجاسروا على الأهواء ومخالفة الشرع في أقوالهم وأعمالهم فخافهم أهل الدين "فنهم" من ذل لهم واعتذر بعدم القدرة "ومنهم" من استصلح دنياه خوفا من كيدهم وأنت تجد هؤلاء إذا ظهرت حالهم كابروا العقول بزخرف من القول والكذب واستعانوا على إفكهم بأمثالهم محافظة على العلو والفساد.
فلو وفق الإمام بالاهتمام بالدين واختار من كل جنس إتقانهم وأحبهم وأقربهم إلى الخير لقام بهم الدين والعدل. فإذا أشكل كلام الناس رجع إلى قوله: ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما يريبك" فإذا ارتاب من رجل هل كان يحب ما يحبه الله نظر في أولئك القوم وسأل أهل الدين من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين وأولاهم بولاية الدين والدنيا؟ فإذا أرشدوه إلى ما كان يصلح لذلك قدمه فيهم ويتعين عليه أن يسأل عنهم من لا تخفى عنه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها فلو حصل ذلك لثبت الدين وبثباته يثبت الملك وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك ويضعف الدين ويسود القبيلة شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك. فالسعيد من وعظ بغيره وبما جرى له وعليه. وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها فإذا قلعت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم ﵀: ولكن رواسيها وأوتادها هم فأنت إذا فعلت ما قلت لك قام بك الدين والعدل وصارت سنة حسنة في هذا الزمان ونلت أجر من أقام السنة كما في الحديث: "من سن في
[ ١٥٤ ]
الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
فإن انعكس الأمر كما هو الواقع كانت سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
ومن المعلوم أن النفس تميل إلى الراحة وطلب رضى الخلق. وفي النظر فيما يرضى الله مخالفة للخلق أو بغضهم ولكن طريق الجنة حزن بربوة واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ .
فإذا عرفت أن العبد لا يأتيه ما يكره إلا من شرور نفسه وسيئات أعماله وأن نواصي الخلق في قبضة الرب ﵎ وأن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه أفادك القيام بدينه وأخذت في أسباب ذلك والحب فيه والبغض فيه والتقريب له والإبعاد لأجله وجعلت أفعالك تطابق أمره الشرعي الديني وتتحرى مرضاته في كل قول وفعل وتقديم أو تأخير أو غير ذلك فلو صلح تدبير الإمام فيما ولاه الله من الحاضرة أصلح الله البوادي وغيرهم فإن الأعمال حجة لك أو عليك وأنت سالم والسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وأله وصحبه وسلم.١
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١١/٣٢.
[ ١٥٥ ]
الرسالة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى عثمان بن منصور.
وبعد أشرفت على خطك وهو كلام من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ولكن نبين لك أنك جئت من الزبير والبصرة هاك الجية وجرى عليك من آل فايز الذي أنت خابر لأجل طول إقامتك في أماكن يعبد فيها غير الله وأراد الله
[ ١٥٥ ]
﷾ أن كبارنا يقدمونك في سدير لأجل اسم العلم والذي بان لهم أنك عرفت صحة هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إلى توحيد الألوهية وإنكار الشرك والبراءة منه الذي ما يصير الإنسان مسلما إلا به والذي يدخل هذا قلبه ويتقدم بالناس ويصير له مشاركة في العلوم يدعو الناس إليه ويحثهم عليه ويبين لهم معنى لا إله إلا الله وما دلت عليه من إخلاص العبادة ونفي الشرك وما تقتضيه من المعاداة والمولاة والحب والبغض كذلك حقوق لا إله إلا الله ولا حصل منك شيء من هذا أبدا ولا حصل منك إلا ضد هذا إذا جاء عندك مشرك أو إنسان ما ينكر الشرك من أهل هذه الأمكنة استأنست معه وقدرته وأكرمته.
فإذا كان يريد أن يتزوج زوجتموه ولا حصل منك إلا إذا أهل سدير يتنازعون في أموالهم أو يستفتونك في مسألة فرعية والذي هذا حاله ما يجوز أن يلين معه الجانب أو يرد له رأس فلو أن لك معرفة في التوحيد أو قبولا له لكنت تكثر ذكره كما قيل: من أحب شيئا أكثر من ذكره بل الذي يذاكر في التوحيد ويلهج به وينكر الشرك ويبغض أهله ويعاديهم ما يجوز عندكم إلا كما يجوز رأس الحمار ولولا هذا كان ما يجهلك أن طلبة العلم هم ربعي وهم إخواني وهم خاصتي ولكن أنت ما لقيت فيك حيلة إذا فتشنا عن كلامك في شرحك وفي غيره وجدنا معتقدك في توحيد في توحيد الألوهية معتقد عبد الله المويس حظه منها اللفظ مع إنكار المعنى وتضليل من عمل بمعناها وقام بمقتضاها والجهال ما يدرون الحقيقة والذي هذه حالته يجب التحذير عنه نصحا لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ويا ليتك ثم ويا ليتك قمت بهذا الدين وأحببت أهله ودعوت إليه وأنكرت ضده لكن القلوب بيد الباري يقلبها كيف شاء وأسأل الله أن يقلب قلبك إلى الإسلام ويدخل فيه الإيمان فإن وفقك الله للتوبة فلا علينا منك ولا علينا منا ولو ما صادقناك ورافقناك ما يضر.
ومن الأمور الظاهرة البينة أنك دأبك تكتب في الخوارج وتذكر كلام شيخ الإسلام فيهم الواقع في كثير من الأمة أعظم من مقاله الخوارج عبادة الأوثان
[ ١٥٦ ]
وتزيين عبادتها وإنكار التوحيد ولو أن في قلبك من التو حيد شيئا فعلت فعل عبد الله أبا بطين ما صبر يوم أن كان داود وأمثاله يشبهون على الناس رد عليهم من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وأقوال العلماء والأئمة ودحض حججهم بالوحي.
والخوارج ما عندنا أحد منهم حتى في الأمصار ما هنا طائفة تقول بقول الخوارج إلا الإباضية في أقص عمان ووقعوا فيما هو أكبر من رأي الخوارج وهي عبادة الأوثان ولا وجدنا خطك في الخوارج إلا أن أهل هذه الدعوة الإسلامية التي هي دعوة الرسل إذا كفروا من أنكرها قلت يكفرون المسلمين لأنهم يقولون "لا إله إلا الله".
والله أعلم آخر ما وجدت من هذه الرسالة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١
_________________
(١) ١ الدرر السنية ٩/٢٣٠.
[ ١٥٧ ]
الرسالة الثالة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب عبيد بن رشيد سلمه الله تعالى وهداه ووفقه لما يحبه ويرضاه آمين.
سلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد وصل الخط وسرنا طيبكم وسلامتكم ونحمد إليكم الله تعالى على ما أسداه من الإنعام وما من به من معرفة دين الإسلام نسأل الله المزيد من ذلك والثبات عليه والاستقامة والمحافظة عليه وذلك فضله وإحسانه تعالى لمن وفقه له وهداه له وما ذكرت من أن بعض الناس يوجب صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظرة غيم أو قتر ويستدل بقوله: في الحديث "فإن غم عليكم فاقدروا له" ويقول إن القدر التضييق مثل قوله تعالى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه وصامه بعض الصحابة:
[ ١٥٧ ]
فالجواب أن هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثلاثة وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستحبابه قال في الإنصاف وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه وعنه لا يجب قال الشيخ هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه ولا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحد من الصحابة انتهى كلام شيخ الإسلام.
قلت ذكر ابن عبد البر وغيره أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه صامه إلا عبد الله بن عمر صامه احتياطا قاله ابن القيم وذكر أن ابن عباس ﵁ أنكر صيامه قال الحافظ محمد بن عبد الهادي ﵀: وقد روي من غير وجه مرفوعا النهي من صوم يوم الشك منهم وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس ونص الإمام أحمد ﵀: في رواية المروذي أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك وهذا القول صحيح بلا ريب قال الحافظ وليس في هذا الحديث الذي استدل به المتأخرون دليل على وجوب الصوم بل هو حجة على عدم الوجوب فإن معنى "اقدورا له" احسبوا له قدره وذلك بثلاثين يوما فهو من قدر الشيء وهو مبلغ ليس من التضييق في شيء والدليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر "فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" أي فأكملوا العدة ثلاثين وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به وصرح في هذه الأحاديث بمعناه وهو إكمال شعبان ثلاثين واستدل الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار وهو رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار بن ياسر وأتي بشاه مصلية فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال عمار: من صام اليوم الذي فيه الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
قلت وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع وقد جاء صريحا في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله ﷺ قال: أو
[ ١٥٨ ]
قال أبو القاسم ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". قال الحافظ: وهذا الحديث لا يقبل التأويل وذكر أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عائشة رصي الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم من رمضان لرؤيته فإن غم عليه أتم ثلاثين يوما ثم صام ليلته وهذا صريح في أنه ﷺ لم يشرع لأمة صيام الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال ليلته فبهذا وغيره من الأحاديث يظهر أن الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غم الهلال ليلته وأن السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال وهو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀: تعالى:
وأما مسألة الفطر للمسافر في رمضان أو الصيام فالذي دلت عليه الأحاديث أن المسافر إذا كان سفره مباحا أنه يخير بين الفطر والصيام فلا ينكر على من صام ولا على من أفطر روى الترمذي عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر وكان يسرد الصوم فقال رسول الله ﷺ "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" قال أبو عيس في حديث عائشة ﵂ هذا حديث حسن صحيح وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره وفيه أحاديث غير هذين الحديثين:
وأما إتمام الصلاة في السفر ففعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين ﵄ وعند الحنابلة أنه إن أتم في سفر جاز ولم يكره وعلى هذا فلا ينكر على من أتم الصلاة والقصر أفضل
لكن قد يحصل مع الغزاة تردد في قصد الولاة بالغزو ولأنه ربما غلب عليهم إرادة الملك والعلو وإرادة الدنيا والثناء والعز فيكون جهاده عليه لا له كما في الحديث أن النبي ﷺ سأله رجل فقال يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة
[ ١٥٩ ]
ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي في سيبل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سيبل الله" وفي حديث أبي هريرة ﵁ في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم جهنم: يقال للمجاهد إنما قاتلت ليقال هوً جريء فقد قيل فيؤمر به إلى النار فليكن منك على بال قال قتادة رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ قال هذا والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر.
وأما إحياء العشر الأواخر من رمضان فهو السنة لما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت كان رسول الله صلى الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله وجد وشد المئزر وفي الحديث الآخر "من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمان واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه" وصح أن النبي ﷺ قام الليل كله حتى السحر إذا عرفت ذلك فلا ينك قيام العشر الأواخر إلا جاهل السنة.
وأما من يوصي بثلث ماله ذرية ضعفاء فقراء فإن كانت الوصية على أعمال البر جاز لمتوليها أن يدفع إليهم من الوصية ما يستعينون به في حاجاتهم وإن كانت الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى لهم به فإن كان على حج غير حجة الإسلام فتصرف على المحتاج من ذريته وكذلك ما كان على أضحية صرفت على فقراء ذريته لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا إليها فلا بد من تنفيذ الوصية ابتداء ثم يكون النظر للمتولي عليها انتهى١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والمسائل ١/٣٢٧.
[ ١٦٠ ]
الرسالة الرابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل العلم والفهم سلمهم الله تعالى سلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد تفهمون حب الدنيا ومضرتها على الدين وقع من الذين لهم مع:
[ ١٦٠ ]
الكدادة١ معاملة بدين السلم وأنا قد أشرفت على شيء من إنسان مظنة للخير ولكن إذا وجد له شبهه طار بها فرحا لما فيها من بعض الراحة من التعب ولو يلتزم المشروع هان عليه العمل به ووجد له راحة أعظم وفي الأحاديث المتفق عليها كحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي لفظ "حتى يقبضه" وعن ابن عباس مثله وهذه الأحاديث صريحة في النهي عن بيعه قبل القبض والاستيفاء فلا يصدق على القبض والاستيفاء إلا حصوله كله مقبوضا.
وأما إذا أخذ دراهم البدوي مثلا وتمالأ هو وإياه على السعر روح٢ وكيله أو هو بنفسه وأمر الكداد أن يصرم لهما ويزن للبدوي بدراهمه وصار يكيل للبدوي كل زبيل يعلقه مرتين فهذه حيلة رديئة لأنه قد باع الكل قبل قبضه الذي دلت عليه الأحاديث فيكون قد باع ما لم يقبض ولم يدخل في ضمانه وإنما هو مال صاحب النخل باعه له غريمه فإذا قبضه والحالة هذه صار الكل مالا للمدين فيقع الغريم في خطر عظيم. وتصرفه في هذه الدراهم تصرف في مال الغير فإن أنفق على نفسه وأهله منه صار ينفق عليهم من مال غيره فإن بقيت هذه الدراهم وعامل بها مرة ثانية أو أكثر وهو يعامله بماله وتصير تجارة لغيره وليس له إلا الدين الأول في ذمة الغريم ويكون جزءا بالنسبة إلى ما أخذ من المال ثمن المال ثمن أو غيره ولا دخل في ضمانه وإنما ضمانه على صاحب الثمر لو أتلفه أو تلف فهذا مما يترتب على مخالفة المشروع مع تحمل الآثام المخالفة فإن قال قائل هذا أخذ الدراهم في ذمته قلنا هذا سلم، ولا يجوز بالإتفاق والواقع يمنع صحة هذه الدعوى لأنه ما قام بنفسه إلا أنه يكيل له من نخيل هذا المدين بخصوصه فهذه من الحيل التي لا حقيقة لها ولا للإنسان مخرج إلا في
_________________
(١) ١ المزارعون. ٢ أرسل.
[ ١٦١ ]
العمل بما شرعه الله ورسوله وترك الحيل رأسا فهو الذي إن باع باع حلالا وإن أكل أكل حلالا وإن عامل فبالحلال هذا وأنتم سالمون والسلام١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والمسائل ١/٣٤٢.
[ ١٦٢ ]
الرسالة الخامسة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥"
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ راشد بن مطر سلمه الله وهداه وأعانه على طاعته وتقواه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد الخط وصل وسرنا وأفهم من معرفتكم للإسلام وقبوله زادكم الله من ذلك وبصركم آياته وبيناته وكره إليكم كل مفتون وضلالاته وتذكر أنه في جهتكم أناس من الجهمية والرافضة والمعتزلة فلا ريب أن هذه الفرق الثلاث هي أصل ضلال من ضل من الأمة فأصل الرافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقذفهم فيها وهم الذين أحدثوا الشرك في صدر هذه الأمة بنوا على القبور وعمت بهم البلوى ولهم عقائد سوء يطول ذكرها.
وأما المعتزلة فأولهم نفاة القدر جحدوا أصلا من أصول الإيمان التي في سؤال جبرائيل للنبي ﷺ قال: فاخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" وانكر الصحابة ﵃ عليهم ما احدثوا من هذه البدعة ولهم عقائد سوء يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار ونفوا صفات الرب تعالى ووافقوا الجهمية فخرج
[ ١٦٢ ]
أولهم في عصر التابعين. وأولهم الجعد بن درهم أنكر الصفات وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير واسط يوم الأضحى وظهر بعده جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الجهمية وهذا المذهب وهذا المذهب الخبيث: انتشرت مقالته في خلافة المأمون بن الرشيد فعطلوا الصفات ونفوا الحكمة وقالوا بالجبر.
فهذه الطوائف الثلاث هم أصل الشر في هذه الأمة وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشارا ودخل فيها من يدعي أنه على السنة وليس كذلك فخالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وأئمتها وعم ضررهم فجحدوا الصفات وتوحيد الألوهية الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهم خصوم أهل التوحيد والسنة إلى اليوم فإياكم أن تغتروا بمن هذه حاله- ولو كان له صورة ودعوى في العلم- ممن امتلأ قلبه من فرث التعطيل وحال بينه وبين فهم الأدلة الصحيحة الصريحة شبهات التأويل.
قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس. فصنف المتأخرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنفات: كالأرجوزة التي يسمونها جوهرة التوحيد وفيها إلحاد وتعطيل لا يجوز النظر إليها ولم مصنفات أخرى نفوا فيها علو الرب تعالى والكتاب والسنة يردان بدعتهم ويبطلان مقالتهم فإن الله تعالى أثبت استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ إلى غير ذلك من أدلة الصفات الصريحة في الكتاب والسنة ولا تتسع هذه الرسالة لذكرها.
وهذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا رب العالمين بصفات المعدوم والجماه فلقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحق من
[ ١٦٣ ]
السلف والأئمة وأتباعهم وخالفوا من ينتسبون إليه فإن أبا الحسن الأشعري صرح في كتابيه الإبانة والمقالات بإثبات الصفات الطائفة المنحرفة عن الحق قد تجردت شياطينهم لصد الناس عن سيبل فجحدوا توحيد الله في الإلهية وأجازوا الشرك الذي لا يغفره فجوزوا أن يعبد غيره من دونه وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل فالأئمة من أهل السنة وأتباعهم لهم المصنفات المعروفة في الرد على هذه الطائفة الكافرة المعاندة كشفوا فيها كل شبهة لهم وبينوا فيها الحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وما عليه سلف الأمة وأئمتها من كل إمام رواية ومن له نهمة في طلب الأدلة على الحق ففي كتاب الله وسنة رسوله ما يكفي ويشفي وهما سلاح كل موحد ومثبت لكن كتب أهل السنة تزيد الراغب وتعنيه على الفهم وعندكم من مصنفات شيخنا ﵀: ما يكفي مع التأمل فيجب عليكم هجر أهل البدع والإنكار عليهم.
وأما رفع الأيدي بالدعاء بعد المكتوبة فليس من السنة.
أما الأفغانية الذين جاؤنا ووصلوا إلى جهتكم فهم أهل تشديد وغلو مع جهل وزيف أشبهوا الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ﷺ وقد أخبر النبي ﷺ بمروقهم وأمر أصحابه بقتلهم ولهم عبادة وزهد لكنهم أخطأوا في فهم الكتاب والسنة واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا العلم من أصحاب رسول الله ﷺ كما قال العلامة ابن القيم ﵀: "ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التقصير في العرفان.
وقد ناظر ابن عباس ﵁ أهل النهر وان فرجع بعضهم إلى الحق واستمر بعضهم على الباطل حتى قتلهم علي ﵁ بالنهر وان ففيهم المخدج الذي أخبر به النبي ﷺ فإذا كانت هذه الطائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الراشدين فلا بد أن يكون لهم أشباه في هذه الأمة فحذروهم وتأمل قوله تعالى في حق سادات الأمة أصحاب رسول الله ﷺ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ
[ ١٦٤ ]
رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فليس العجب ممن هلك كيف إنما العجب ممن نجا كيف نجا والله أعلم.
وصلى الله على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسلما كثيرا١
_________________
(١) ١ الرسائل والمسائل ١/٣٤٤.
[ ١٦٥ ]
الرسالة السادسة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٦"
من عبد الرحمن بن الحسن إلى الإخوان علي بن حمد الجريوي وإخوانه رزقنا الله وإياهم قبول الإسلام وهدانا وإياهم سبل السلام.
سلام عليكم ورحمة الله وبركات.
وبعد وصل الخط وصلكم الله إلى ما يرضيه وتذكرون أمر الهتيمي الذي معه الحيات ويبيع سقوة على الناس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدعي أن الحية ما تلدغه ولا أنكر عليه في سدير ألا عبد العزيز بن عبد الجبار جزه الله خيرا وتذكرون أن عثمان بن منصور تابعه وقبل منه سقوته هذا تحققان منكم ومن سبيع الذين جاءونا من جهتكم ويذكرون أنهم توقفوا عنه في مبدأ أمره وأهل القرى كذلك حتى واجه ابن منصور وقبل منه وخط معه خطا وبعد هذا تزاحم عليه البدو والحضر منهم الذي سقوته بدراهم والذي بتمر والذي بعيش والذي بغنم والذي بسمن والذي حصل منهم باعه في تمير وبعد هذا طب المجمعة وطردوه وخط عبد العزيز بن عبد الجبار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على من فعل هذا وأخذا لحيات وأن هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشياطين إذا تقرب إليهم
[ ١٦٥ ]
بالشرك بالله وهذا ما يوجد إلا في أجهل الناس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز جزاه الله خيرا أدى الذي عليه.
وأما ابن منصور فالله أعلم أنه معاقب فلا ندري هذا كله جهل أوله مقصد شر وإلا فالذي على فطرة أو له عقل ينكر هذا بفطرته وعقله وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في كتاب الفرقان من الأحوال الشيطانية أمورا من هذه تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب فهذا من جنس أحوال الكهان مع الشياطين والكهانة أنواع هذا منها وفي الحديث "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر يما أنزل على محمد ﷺ" وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشياطين والاستكثار منهم محاها الله سبحانه بما أطلع في نجد من الدعوة إلى توحيد الله وامتدت إلى كثير من الجزائر كما محا الله من قبل ببعثة رسول الله ﷺ فسد ﷺ أبواب الشرك وأحوال الجاهلية وحمى الإسلام فمن ذلك ما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا إن الرقى والتمائم والتولة شرك "فلم يبح من الرقى إلا ما خصه الدليل من الآيات القرآنية والأذكار النبوية والدعوات المعروفة بالألفاظ العربية.
وأما كان بأسماء الشياطين أو ربما لا يعرف معناه فينهى عنه لهذا الحديث وحكمه التحريم فإذا كان هذا حال الرقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه فكيف بما هو ظاهر انه من أعمال الشياطين مع من تولاهم مثل هذا الهتيمي وأمثاله ممن شاهدناهم بمصر؟!! لا شك أنه من أعمال الشياطين ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبود هم الذي يعبدونه من دون الله وأكثر هذه الطرائق محشوة بالشرك والبدع وقوله: في الحديث التولة شرك العلماء أنها تشبه السحر وما يشبه السحر فهو شرك وكذلك التمائم شرك للتعلق بها والاعتماد عليها من دون الله وفي بعضها أسماء الشياطين وما لا يعرف معناه فكل هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصحيح بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التوكيل على غيره ونحو ذلك وقد وقع في نفوس كثير من الجهال الذين
[ ١٦٦ ]
اخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه وقبول ما جاءهم به من هذه الضلالة وهذه فتنة وقانا الله شرها وبسط القول في ذلك وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر أن شاء الله تعالى وبلغ سلامنا الأخوان وخواص والشيخ علي والشيخ عبد اللطيف ينهون السلام وأنتم سالمون والسلام١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل ١/٣٤٧.
[ ١٦٧ ]
الرسالة السابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٧"
من عبد الرحمن بن حسن إلى ألابن صالح بن محمد الشثري سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا طيبك وعافيتك والحمد لله على ذلك وما ذكرت من عبارة الفقهاء في الحج فأما قولهم: أركان الحج الوقوف وطواف الزيارة بلا نزاع فيها فإن ترك طواف الزيارة رجع معتمرا لأنه على بقية إحرامه فهذا في حق من تركه قال في الإنصاف: وأما المحصر أتى بطوافه وتم حجه وذبح هديا في موضع حصره وهذا المذهب واختار ابن القيم ﵀: في الهدي أنه لا يلزم المحصر هدي، وأما من أحصر لمرضى أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل حتى يقدر على المبيت فإن فاته الحج تحلل بعمرة ويحتمل أنه يجوز له التحلل كمن حصره عدو وهو رواية عن أحمد قال الزركشي ولعلها أظهر واختارها الشيخ تقي الدين قال ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة أو لعجزها عنه ولو ذهب الرفقة: وقال في الفروع وكذا من ضل الطريق ذكره في المستوعب هذا حاصل ما ذكره في الإنصاف في حكم من فاته طواف الزيارة لهذه الأسباب وأما إذا أحصر عن فعل واجب فإنه يتحلل على الصحيح من المذهب وعليه دم له وحجه صحيح وقال: القاضي أنه يتوجه فيمن حصر بعد تحلله الثاني: يتحلل.
[ ١٦٧ ]
قلت ولعل مراده أنه لم يبق عليه من المناسك شيء إلا أن يكون طواف الوداع أو رمي الجمار والمبيت بمنى وهذه الأفعال يأتي بها الحاج بعد التحلل وأما إذا بقى عليه شيء من المناسك التي محلها قبل التحلل الثاني فإنه يبقى محرما ليأتي بها كما يأتي بها من لم يحصر عن واجب كالمبيت بمزدلفة ورمى جمرة العقبة فلا يجوز أن يأتي بذلك إلا وهو محرم فتدبر.
وسلم لنا على الشيخ وإخوانه وحمولتنا وخواص الإخوان بخير وينهون السلام.١
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل ١/٣٥٤.
[ ١٦٨ ]
الرسالة الثامنة
بسم الله الرحمن الحيم
"٨"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن ألبسه الله حلل الإيمان. سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا حيث أشعرنا بطيبك وصحة حالك والمحب بحمد الله بخير وعافية.
وما ذكرت من المسألة التي وقعت عندكم صورتها: أن امرأة دفعت حليها إلى بنتها تتجمل به لزوجها وهم في بيت واحد فكانت تستعمله في حياة أمها فلما ماتت ادعت البنت استحقاقها لذلك.
فالجواب أن الذي يظهر لنا: أن البنت لما لم تدع الهبة لا تملكه بمجرد الأذن في الاستعمال والظاهر أن ذلك إعارة لا تمليك ومفهوم كلام الأصحاب ﵏ الذي أشرتم إليه يدل على هذا لأن الأم لم تجهزها به إلا بيت زوجها فلم يوجد ما هو تمليك وأما الصورة التي سئل عنها الشيخ سليمان بن علي ﵀: اشترته وألبسته البنت أنه ليس للبنت. والظاهر أن ما كان عليها فهو لها بحكم اليد وليس لهذا أصل يعارض هذا الظاهر.
[ ١٦٨ ]
وأما مسألتنا فالأصل فيها قوي ولم يوجد ما ينقل عن ذلك الأصل القوي فيبقى حكم الأصل هذا ما ظهر لي في حكم المسألة والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٣٥.
[ ١٦٩ ]
الرسالة التاسعة
بسم الله الرحمن الرحيم
"٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ الشيخ جمعان بن ناصر سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا ما ذكرت من السكون واستقامة الحال والأحوال من فضل الله على ما تحب وجاءك منا خط مع فالح من رجال الأمير عائض وما ذكرت من عبارة الإقناع: أن الطلاق يقع في النكاح الفاسد – وهو المختلف فيه- كالنكاح بولاية فاسق أو شهادة فاسقين ونكاح الأخت في عدة أختها ثم قال ولا يقع في النكاح الباطل إجماعا.
الجواب- وبالله التوفيق- وله استدلال على ما ذهب إليه فإذا قال الإمام أحمد ﵀: أن النكاح لا يصح لحديث كذا وقال به أصحابه ومن تبعهم لقوة دليله عندهم ورأينا غيره يقول بالصحبة ويقدح في إسناد حديثه مثلا فإنا لا نحكم والحالة هذه بأن النكاح لم ينعقد فنقول هو فاسد ولا يخرج من ذلك إلا بالطلاق خروجا من خلاف العلماء.
وأما الباطل فهو ما أجمع على بطلانه لظهور دليله وعدم المعارض فيكون غير منعقد من أصله فلا يحتاج إلى طلاق مالم ينعقد بيقين.
وأما طلاق الثلاث: فإنه يقع عند الجمهور مفرقا أو مجموعا وهو الذي عليه العمل سلفا وخلفا من خلافة عمر ومن بعده وهو كذالك عند الأئمة الأربعة
[ ١٦٩ ]
وهو الأصح في مذاهبهم عند أصحابهم وإن كان الخلاف فيه إنما اشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة إبن القيم رحمهما الله تعالى أخذا بما كان الأمر عليه رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر والجمهور أخذوا بالآخر من اجتهاد عمر ولهم أجوبة عما استدل به شيخ الإسلام معروفة وعمدتهم فيما ذهبوا إليه من إيقاع الثلاث مطلقا ظاهر القرآن فإن الله تعالى لم يجعل له إلا ثلاث تطليقات قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وبذلك أفتى ابن عباس وغيره وهو حبر الأمة فالاستدلال بفتيا ابن والصحابة أحق ولاستدلال بقول شيخنا أولى من الاستدلال بقول الشوكاني لأنه رجل من أهل صنعاء يخطى كثيرا وإن كان يصيب في بعض فليس هو حجة على أحد ولا بحتج بقول ولو لم يكن إلا أنه مجهول الحال في العلم والدين لكفى وإن كان ينظر في الكتب فالذي بضاعته ما يأخذه عن الشوكاني مزجي البضاعة وافي الغباوة والوضاعة ١ وبلغ عبد الرحمن وصالح وإبراهيم وإخوانهم السلام ومن لدينا الحاضر من آل الشيخ وإخوانهم ينهون السلام وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم٢.
_________________
(١) ١ وهذا المقال من الشيخ عبد الرحمن في الشوكاني كان قبل أن يشتهر كلامه في توحيد العبادة وفي شرح المنتقى فلما اشتهر وعرف أثنى عليه علماء نجد وقد وصفه الشيخ عبد الرحمن في موضع آخر بقوله الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء اليمن. ٢ المجموعة ١/٣٥٨.
[ ١٧٠ ]
الرسالة العاشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٠"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ حمد بن عبد الله بن عمران سلمه الله تعالى وتولاه واستعمله فيما يحبه ويرضاه وأعانه على القيام يشكره فيما أعطاه من نعمه واولاه التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان جعلنا الله وإياه ممن عرف النعمة فقبلها وأحبها وعمل بها أنه ولى ذلك والقادر عليه يهدي من يشاء برحمته وفضله ويضل من يشاء بحكمته وعدله لا إله غيره ولا رب سواه.
[ ١٧٠ ]
الخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه وثبتنا على الإخلاص الذي هو سبب الخلاص وعلى الإسلام الذي هو مركب السلامة وعلى الإيمان الذي هو تمام الأمان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وتسأل عن أناس يسافرون من نجد لأخذ ما أوصي به الموصون بأن يحج به عنهم بالنيابة فلا يخفاك أن الذين يأتون إليكم ما يطلعوننا على ما قصدوه وأرادوه لكثرة السفار إلى الأقطار وقد أشرت لطلبة العلم ولمن سألني من عوام المسلمين أنه لا تصح النيابة في الحج إذا أخذ ما أوصى به الموصي إلا إذا أخذه ليحج فيكون القصد أن يتوصل بما يأخذه إلى بيت الله رغبة في رؤية البيت والطواف به وكثرة ثواب العمل به كما قال الخليل عليه وسلم: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ وبعض الناس مولع بزيارة هذا البيت فيطلب ما يتوصل به إليه فلا يصح حجه وإن سماه بعض الفقهاء جعلا فهو استئجار بلا ريب وقد نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على عمل يكون قربة يتقرب به إلى الله كالأذان والصلاة وأذن أن أكثر من يسافر لأخذ الوصايا بالحج إنما قصدوا هذا الثاني والله أعلم بما تنطوي عليه الضمائر من الإرادات والنيات والمقاصد فهذا الذي ذكرت لك هو الذي نأخذ به ونفتي به المستفتين ونبينه للجاهلين بحسب القدرة والطاقة هذا وبلغ سلامنا الإخوان وفاطمة بنت قضيب وأمثالك من الإخوان الكرام العارفين قدر ما أنعم الله به من نعمة الإسلام التي ضل عنها من ضل وزل عنها وعن معرفة حقيقتها من زل ومن لدينا الإمام وأولاده وابني عبد اللطيف وإخوانه وأولاده وأولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخواص إخواننا من المسلمين بخير وعافية وأنت والسلام١.
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٦٤.
[ ١٧١ ]
الرسالة الحادية عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١١"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ في الله الشيخ رجب سلمه الله.
[ ١٧١ ]
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى رضاه وجعلنا وإياك ممن الجنة مسكنه ومأواه آمين. وبعد فمما ذكرت من المسائل.
المسألة الأولى: إذا كان أحد أولاد الرجل ضعيفا وأعطاه لضعفه فهل يجوز أن يخصه بذلك أم لا؟.
"الجواب" أن الولد الضعيف يلزم أباه الغني أن ينفق عليه فيكون من باب الواجب الذي سبب وجوبه حاجة الابن فإن كان من الأولاد من هو مثله وجب له مثل ما يجب لأخيه الماضي.
المسألة الثانية: قال ﷺ: "لا تستحلفوا الناس على صدقاتهم" وتابعه عمر ﵁ فمعنى الحديث والله أعلم إذا كان العامل يظن له مالا فلا يحلفه على مجرد ظنه وأما إذا عرف له مال وجحد أو ادعاه لغيره مثلا ممن هو غائب فالتهمة قائمة فيجتهد العامل إلا أن يكون موثوقا به يعرف منه الصدق والديانة فلا يحلف فالمسألة لها صور ثلاث ولها صورة رابعة وهي ما إذا عرف أن هذ الذي في يده من المال ليس لغيره فتؤخذ منه الزكاة على كل حال.
المسألة الثالثة: إذا كان لرجل أرض فوهبها لابنه الصغير فإن أقبضها له وأشهد أو جعلها في يد رجل آخر وجعله وكيلا في قبضها منه لابنه لزمه ذلك لوفاء شرطه وإن لم يقبض فلا لزوم وعلى كل حال للوالد أن يرجع في هبته للولد وأما إذا مات وصح القبض فلا رجوع على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء.
المسألة الرابعة: فيمن ماله مائة وخمسون وقد أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بعشرة فإذا لم يجز الورثة ما زاد على الثلث فيجعل الثلث وهو خمسون ستة أسهم لصاحب الثلث خمسة أسهم كل سهم ثمانية وثلث ولصاحب العشرة واحد من ثمانية وثلث، وأما الحديث فلم أقف عليه ومعناه صحيح والله أعلم١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٦٤.
[ ١٧٢ ]
الرسالة الثانية عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الشيخ عبد بن حمد سلمه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا حيث أشعر بطيبك وصحت ذاتك والأخ يحمد إليك الله على ما أنعم جعلنا الله وإياكم من الشاكرين وإخوانكم في الحال التي تسركم وما ذكرت من حالكم سرنا جعلها الله حالا مرضية ومن نزعات الشيطان محمية وما ذكرت من عبارة الإنصاف نقلا عن الفروع فهذه المسئلة خالف فيها شيخ الإسلام الأئمة وأكثر العلماء فجوز إجارة الشجر مفردا بآصع معلومة مثلا لمن يقوم عليها بالسقي وتكون الثمرة له أي للعامل وليس لصاحب الشجر إلا ما وقع عليه العقد من الأجرة سواء كانت الأجرة من جنس ما يحمل به ذلك الشجر أو غيره كما تجوز إجارة الزرع بجامع أن لا كلا منهما إنما قصد مغله بخلاف بيع السنتين وهو بيع ما أثمر هذا البستان من الثمر مثلا سنة أو سنتين فأكثر من غير أن يقوم عليه وإنما اشترى ثمار سنين معدومة فهذا لا يجوز بالإجماع لأن الثمرة لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها ولو كانت موجودة فكيف إذا كانت معدومة؟ وهذا هو الذي دلت السنة على المنع منه.
وأما إجارة الشجر لمن يعمل عليه لأجل الثمرة فليس بيعا للثمرة قبل وجودها وإنما وقع العقد على الشجر كالأرض تستأجر للزرع لكن لما ورد على طريقة الشيخ أن هذا شجر قد لا يحمل وقد تنقص ثمرة عن العادة فيكون الضرر على المستأجر.
أجاب عن ذلك بأن الثمرة لو لم توجد أو وجدت ثم تلف قبل أوان جذاذها فلا أجرة ويرجع بها المؤجر إن كان قد قبضها منه لعدم حصول المقصود بعقد الإجارة وإن نقصت ثمرة الشجرة عن العادة فله الفسخ ويرجع بالأجرة وقدر عمله أو أرش النقص كما إذا كانت العادة أ، ها تثمر بالف مثلا فلم
[ ١٧٣ ]
يحصل منها هذا العام إلا نصفه مثلا رجع بنصف الأجرة أو ثلاثة أرباعه فكذلك وهذا كالجائحة أي كما توضع الجوائح عن مستأجر الأرض أوالحوانيت ونحوها إذا أصاب الزرع جائحة من الآفات فإنه يوضع من الأجرة عن المستأجر بقدر مانقص المغل بالجائحة نصفا كان أو أقل أو أكثر هذا وبلغ الإخوان من الطلبة والأولاد والأمراء وإبراهيم الشتري وصالح وحمد ومن يعز عليك السلام ومن لدينا الإمام والشيخ علي وآل الشيخ والشيخ إبراهيم بنسيف وخواص الإخوان والطلبة بخير ينهون إليكم والسلام.١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٦٨.
[ ١٧٤ ]
الرسالة الثالثة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ فائز بن علي وإخوانه من طلبة العلم سلمهم الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد وصل خطك أوصلك الله إلى ما يرضيه والذي أوصيكم به جميعا ونفسي تقوىالله تعالى والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوزوا بالأجر العظيم وليحذر كل عاقل أن يطلب العلم للمماراة والمباهات فإن في ذلك خطرا عظيما ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدنيا والجاه والترؤس بين أهلها وطلب المحمدة وذلك هو الخسران المبين ولو لم يكن في الزجر عن ذلك إلا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي حديث أنس مرفوعا "من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار" وهذا القدر كاف في النصيحة وفقنا الله وإياكم لحسن القول.
وقد بلغني أنكم اختلفتم في مسائل اختلافا أدى إلى النزاع والجدال وليس هذا شأن طلاب الآخرة فاتقوا الله وتأدبوا بآداب العلم واطلبوا ثواب الله في تعلمه وتعليمه وأتبعوا العلم بالعمل فإن ثمرته والسبب في حصوله كما في
[ ١٧٤ ]
الأثر "من عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم" وكونوا متعاونين على البر والتقوى ومن علامات إخلاص طالب العلم أن يكون صموتاعما لا يعنيه متذللا لربه متواضعا لعباده متورعا متأدبا لا يبالي ظهر الحق على لسانه أو علي لسان غيره لا ينتصر ولا يفتخر ولا يحقد ولا يحسد ولا يميل به الهوى ولا يركن إلى زينة الدنيا.
"وأما المسألة الأولى" وهي هل يصح من الحائض إذا قدمت مكة أن تسعى قبل الطواف أم لا؟
"الجواب" لا يصح السعي إلا بعد طواف صحيح لنسك من الأنساك أما المفرد والقارن فسعيهما بعد طواف القدوم مجزىء لحجتهما كما يجزىء القارن لعمرته وأما المتمتع فيسعى بعد طواف العمرة لها ولا يجزئه للحج إلا أن يسعى بعد الإفاضة بعد طواف قال بعضهم يطوف للقدوم ويسعى بعده والمختار أنه لا يطوف للقدوم وليس عليه إلا طواف الزيارة وعليه أن يسعى بعده للحج فإن سعى قلبه لم يجزه قالوا ويجب أن يكون السعي بعد طواف واجب أو مستحب هذا كلام الحنابلة لا خلاف بينهم في ذلك وقال الشافعي لو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئا من الطواف لم يصح سعيه فيلزمه أن يأتي ببقية الطواف فإذا أتي ببقيته أعاد السعي نص عليه الشافعي وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة ومما يستدل به لذلك حديث عائشة رصي الله عنها وفيه فلما كنا في بعض الطريق حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكى فقال: "ما يبكيك؟ " قلت وددت أني لم أكن خرجت العام فقال: "ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج" ومعنى ارفضي العمرة ارفضي أعمالها فلو صح سعي قبل الطواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك والله أعلم.
وأما السؤال عن قوله: صلى الله عليه في شأن الرجل الذي صلى بالتيمم ولم يعد لما وصل إلى الماء "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد " لك الأجر مرتين" فلا شك أن الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشرعي بدليل قوله: ﷺ
[ ١٧٥ ]
"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" وأما الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل فإنه يثاب على الصلاة الأولى والثانية وهو كونه صلى الثانية كما أثيب على الصلاة الأولى ومن العلوم أن الفريضة أفضل من التطوع من جنسه وغير جنسه إلا في أربعة أشيئا ليس هذا محل ذكرها.
وأما السؤال الثالث فيمن نوى جمع تأخير حيث يجوز الجمع فدخل وقت الثانية قبل أن يصلوا إلى الماء فالأفضل في حقهم أن يؤخروا الصلاة إلى الماء ما لم يدخل وقت الضرورة فإن صلوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصلاة بالتيمم ولا إعادة عليهم.
وقول السائل وهل يكون وقت الاختيار للثانية وقت للأولى أم لا؟
"الجواب" يكون وقتا لها في حق من يجوز له الجمع إذا نواه فتنبه والله أعلم يقول كاتبه إبراهيم بن راشد إنه لما قال ممليه ليس هذا محل ذكرها طلبت منه أن يذكرها فأملى على نظما بيتين للسيوطي والأخير لمحمد الخلوتي:
الفرض أفضل من تطوع عابد حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا التوضؤ قبل وقت وابتداء بالسلام كذلك وإبراء معسر
وكذا ختان كان قبل بلوغه أنعم به نظم الإمام المكثر ١
_________________
(١) ١ المجموعة ١\٣٧٠
[ ١٧٦ ]
الرسالة الرابعة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى سليمان بن عبد الله سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وما أشرت إليه من أن بعض
[ ١٧٦ ]
الناس يوقف عقاره وشجرة على ذريته الذكور ما تناسلوا والأنثى حياتها فهذا وقف الإثم والجنف فيه من الحيلة على حرمان أولاد البنات مما جعل الله لهم في العاقبة وهذا الوقف على هذا الوجه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وغايته تغيير فرائض الله بحيلة الوقف وقد صنف فيه شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀: وأبطل شبه المعارضين ولا يجيزه إلا مرتاب في هذا الدعوة الإسلامية وقصده مخالفة أمام المسلمين أو جاهل لا يعرف السنة من البدعة والهدى من الضلال جاهلا بأصول الشرع ومقاصد الشريعة ونعوذ بالله من الإفتاء في دين الله وشريعته بلا علم والسلام.
"المسئلة الثانية" فيمن غرس أرضا مستأجرة للغراس ومضت مدة الإجارة إلى آخره.
"فالجواب" وبالله التوفيق في الكافي لأبي محمد عبد الله بن أحمد ابن قد امة وان استأجرها للغراس جاز وله الغرس فيها فان غرس وانقضت المدة وكان مشروطا عليه القلع عند انقضائها أخذ بشرطه ولا يلزمه تسوية الحفر فإن لم يكن شرط القلع لم يجب القلع وللمستأجر قلع غرسه لأنه ملكه ولزمه تسوية الحفر فإن لم بفعل فللمؤجر دفع قيمته ليملكه وإن أراد قلعه وكان لا ينقص بالقلع أو ينقص لكن يضمن ارش النقص فله ذلك وان اختار أقراره بإجرة مثله فله ذلك ولصاحب الشجر بيعه للمالك ولغيره فيكون بمنزلته والبناء كالغرس في جميع ما ذكرنا انتهى ملخصا فتأمله فإنه كاف في الجواب عما في السؤال والله أعلم ١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٧٤
[ ١٧٧ ]
الرسالة الخامسة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٥"
من عبد الرحمن بن حسن إلى سليمان بن عبد الرحمن بن عثمان سلمه الله تعالى وعافاه آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد وصل الخط وصلك إلى يرضيه وما ذكرت كان معلوما وتسأل
[ ١٧٧ ]
عما إذا غم مطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان هل يصام يومها أم لا؟ ولا يخفي أن صيامها من مفردات مذهب الإمام أحمد وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀: نفى أن يكون الإمام أحمد أوجبه وقال: ليس في كلام أحمد ما يدل على وجوبه وقال: يحتمل الاتحباب والإباحة وللإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي مصنف ذكر فيه ما ورد فيه من النهي عن صيامه وذكر في بعض روايات حديث بن عمر "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان" وذكره عن غير ابن عمر أيضا مرفوعا وهذا يدل على المنع من صيامه والأحاديث صحيحة مقطوع بصحتها والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ومن أخذ عنه وينهون عن ذلك لوجوه أربعة "الأول" أن تلك الليلة من شعبان بحسب الأصل ولا تكون من رمضان ألا بيقين "الوجه الثاني" النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين فمن صيامه فقد تقدم رمضان "الوجه الثالث" الأحاديث التي فيها التصريح بالنهي عن صيامه وذلك قوله: "فاكملوا العدة ثلاثين" وفي بعضها تخصيص شعبان "الوجه الرابع" حديث عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ وهو يوم الشك بيقين هذا حاصل الجواب وسلم لنا على أحمد وإخوانه ومن لدينا إسماعيل وإخوانه بخير وينهون السلام وأنت سالم والسلام١.
_________________
(١) ١ الرسائل والمسائل ١/٣٧٥.
[ ١٧٨ ]
الرسالة السادسة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٦"
من عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب إلى أخيه حمد ابن مانع حفظه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وأنا أحمد الله الذي لا إله إلا هو ونحن بخير وعافية أتمها الله علينا في الدنيا والآخرة وكل من تسأل عنه طيب والأمور على ما تحب والإسلام يزيد ظهورا والشرك يزداد وهنا نسأل الله تمام نعمته وسر الخاطر ما ذكرت من جهة جماعتكم عسى الله أن يهدينا وإياكم
[ ١٧٨ ]
الصراط المستقيم صراط الذين الذين أنعم عليهم.
وأما المسائل التي ذكرت فاعلم أولا أن الحق إذا لاح واتضح لم يضره كثرة المخالف ولا قلة الموافق وقد عرفت غربة التوحيد الذي هو أوضح من الصلاة والصوم ولم يضره ذلك فإذا فهمت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وتحققت أن هذا حتم على المؤمنين كلهم فاعلم أن مسألة الأوقاف النزاع فيها معروف في كتب المختصرات وفي شرح الإقناع في أول الوقف أنهم اتفقوا على صحة الوقف في المساجد والقناطر يعني بقعها لا الوقف عليهما واختلفوا فيما سوى ذلك.
إذا تبين ذلك فأنت تعلم أن الرسول صلى الله قال: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وتقطع أن رسول الله ﷺ لم يأمر بهذا ولو أمر به لكان الصحابة أسبق الناس إليه وأحرصهم عليه وتقطع أيضا أن رسول الله ﷺ أتى بسد الزرائع وهو من اعظم الأشياء ذريعة إلى تغيير حدود الله.
هذا على تقدير أن العالم المنسوب إليه هذا يصحح مثل أوقافنا وأنى ذلك وحاشا وكلا بل إنهم يبطلون الوقف الذي يقصد به وجه الله على أمر مباح ويقولون لا بد منه على أمر قربة وأما كونه جعل ماله بعد الورثة على بر فهذا لا يكون إلا بعد انقراضهم وعادتنا نفتي ببطلان مثل هذا ولا نلتفت إلى هذا المصرف الثاني. وذكر بطلان مثل هذا في الشرح الكبير وغيره.
"المسألة الثانية" وهي وقف المرأة على ولدها وليس لها زوج إلى آخره فكذلك تعرف أن الوقف على الورثة ليس من دين الرسول ﷺ ولو شرعه لكان أصحابه أسرع الناس إليه سواء شرط على قسم الله أم لا وهذا في الحقيقة يريد أمرين "الأول" تحريم ما أحل الله لهم من بيعه وهديته والتصرف فيه "والثاني" حرمان زوجات الذكور وأزواج الإناث فيشابه مشابهة جيدة ما ذكر الله عن المشركين في سورة الأنعام ولكن كون الرسول ﷺ لم يأمر به كاف في فساده صلحت نية صاحبه أم فسدت.
[ ١٧٩ ]
"المسألة الثالثة" إذا لم يعلم هل هذا وقف على من يرث أم لا ولكن الإفاضة على ا، هـ على من يرث فأنا لا أدري شيئا عن هذه المسألة لكن أرى لك التوقف عها ولا ينزع عن يد من يأكله إلا ببينة.
"المسألة الرابعة" وهي الوقف على المحتاج من ذريته فهو صحيح ذكره البخاري عن ابن عمر أنه وقف نصيبه من دار عمر على المحتاج من ذريته من آل عبد الله.
"المسألة الخامسة" وهي مسألة الجمعة فهي باطلة لكونها وقفا على الورثة وأيضا يحرم بعضهم وأيضا لم يشرع. وأما بيع الإنسان نصيبه من هذه الصبرة على صاحب وغيره فلا يجوز بل الصبرة باطلة من أصلها فإن كان هذا الجواب أزال عنك الاشكال وإلا فلو أردت التطويل طولت لك وذكرت لك العبارات والأدلة والسلام.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٧٧.
[ ١٨٠ ]
الرسالة السابعة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٧"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم على بن فواز سلمه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فهذا جواب المسائل أما خروج النساء من البيوت بالزينة فيحرم مخافة الفتنة بالنساء فإنهن فتنة لكل مفتون وأما الدف فيحصل الإعلان بضربه في النهار قبل الدخول في وقت من النهار وأما ضربه في الليل ففيه من المفاسد ما لا يخفي ومن أقرهم على ذلك ممن له قدرة على منعهم فقد ظلم نفسه وأما الاحتكار فإذا اشتراه أحد من الأسواق ينتظر الغلاء فهو احتكار وأما خلط البر بالشعير للبيع فلا يجوز لما ورد في ذلك من الآثار التي رواها ابن أبي شيبة في مسنده٢.
وأما تلقي الركبان للشراء منهم ما جلبوه فيلزم منعهم من ذلك وأما التزعفر فقد ورد ما يدل على جوازه فلا ينكر والحالة هذه.
_________________
(١) ٢ لعلها مصنفة لأنه يورد به الآثار على المسائل المترجم لها.
[ ١٨٠ ]
وأما مذهب الخوارج فإنهم يكفرون أهل الإيمان بارتكاب الذنوب ما كان منها دون الكفر والشرك وإنهم.
قد خرجوا في خلافة علي ابن طالب ﵁ وكفروا الصحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلوا على ذلك بآيات وأحاديث لكنهم أخطؤا في الاستدلال فإن ما دون الشرك والكفر من المعاصي لا يكفر فاعله لكنه ينهى عنه وإذا أصر على كبيرة ولم يتب منها يجب نهيه والقيام عليه وكل منكر يجب إنكاره من ترك واجب أو ارتكاب محرم لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرا دل الكتاب والسنة على أنه كفر وكذا ما انفق العلماء على أن فعله أو اعتقاده كفر كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدين بالضرورة أو استحل ما هو معروف بالضرورة أنه محرم فهذا مما أجمع العلماء على أنه كفر إذا جحد الوجوب إلا إذا ترك الصلاة تهاونا وكسلا فالمشهور في مذهب أحمد انه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا وأما الثلاثة فلا يكفرونه بالترك بل يعدونه من أهل الكبائر وكذلك إذا فعل كبيرة كما تقدم فلا يكفر عند أهل السنة والجماعة إلا إذا استحلها:
وأما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة فقد عمت به البلوى وهو نقص في دين من فعله لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب ولا ضرب ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه وإنكار فعله ولو لم يكن حاضرا والمعصية إذا وجدت أنكرت على من فعلها أو رضيها إذا اطلع عليها وأما المعاصي التي فيها الحد فلا يقيمها إلا الإمام أو نائبة وأما الحدود إذا بلغت السلطان فالمراد بالسلطان الأئمة والقضاة ومن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدهم وذكرت في جوابي الذي في خاطري مما يوجب اجتماع الكلمة والسلام وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم انتهى؟
[ ١٨١ ]
الرسالة الثامنة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٨"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الأخوان وفقنا الله وإياهم لسلوك منهج العلم والإيمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد فقد سألني بعض الأخوان عن قلب الدين على المدين إذا كان له عقار وعوامل ونواضح ونحوها فأجبت بأنه لا يخلو من ثلاثة أحوال "الحال الأول" أن يضيق المال عن الدين فهذا مفلس في عرف العلماء رحمهم الله تعالى إذا سأل غرماؤه الحاكم ولو بعضهم لزمه الحجر عليه في ماله وذهب جمع من المحققين إلى أنه يكون محجوزا عليه بدون حكم حاكم وهذا لا يجوز قلب الدين عليه بحال لعجزه عن وفاء ما عليه من الدين "الحال الثاني" أن يكون ماله أكثر من دينه لكنه لا يقدر على وفاء دينه إلا بالاستدانة في ذمته وهذا يشبه الأول لا يجوز قلب الدين عليه لأنه غير مليء ولا يخفي أن المليء عند العلماء هو الذي إذا طولب بما عليه بذله من غير مشقة عليه وهو الواجد للوفاء "الحال الثالث" أن يكون عليه دين وفي يده مال يقدر على الوفاء من غير استدانة وهذا مليء ولكن منع بعض العلماء قلب الدين عليه حسما للمادة وسدا للذريعة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: عن المعاملات التي يتوصل بها إلى الربا: فمن ذلك أن يكون المدين معسرا فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة مال وما يلزم ولاة الأمر في هذا وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد؟ فأجاب: المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ولعن المحلل له وكان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فيقول له: أتقضي أم تربب؟ فإن وفاء إلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا المال فيتضاعف المال والأصل واحد وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين وأما إذا كان هذا هو المقصود ولكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه المتأخرون وأما الصحابة فلم يكن منهم نزاع في أن هذا محرم والآثار عنهم بذلك كثيرة والله تعالى حرم:
[ ١٨٢ ]
الربا لما فيه من الأضرار بالمحتاجين وأكل المال بالباطل وهو موجود في المعاملات الربوية فإذا حل الدين وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب عليه الدين بل يجب انظاره وان كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره والواجب على ولاة الأمر بعد تعزير المعاملين بالمعاملة الربوية أن يأمروا المدين بأن يؤدي رأس المال ويسقطوا الزيادة الربوية فإن كان معسرا وله مغلات يوفي دينه منها وفي دينه منها بحسب إلا مكان والله تعالى أعلم انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀: تعالى:
فتأملوا قوله: إن كان معسرا وله مغلات كيف سماء معسرا مع وجود عقار يستغله ومن صور قلب الدين انه إذا حل أجل مافي ذمة المدين من الدراهم وعلم صاحب الدين انه لايجد دراهم يدفعها إليه قال له: بعني
طعاما في ذمتك على كذا وكذا فيسلم إليه الدراهم بطعام في ذمته فإذا قبض منه رأس المال ردها إليه وفاء عن دينه الأول وحقيقة الأمر أن الذي في ذمة الأول قلبه طعاما فينموا المال في الذمة والأصل واحد وكذلك بيع دين السلم لا يجوز إلا بعد قبضه ولو على من هو في ذمته وهذا قول جمهور العلماء وهو إلا صح إن شاء الله:
وأيضا يذكر لنا أنكم تعاملون كراء الأرض بحب معلوم وتشترطون على الزراع جزءا من التبن. وهذه إجارة يشترط فيها أن تكون الأجرة معلومة وشرط التبن شرط شيئا من الحب معلوما وتتركوا اشتراط التبن والسلام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم١.
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٨١.
[ ١٨٣ ]
الرسالة التاسعة عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
"١٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ جمعان بن ناصر وفقه الله وهداه لما يحبه ويرضاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٨٣ ]
"وبعد" فالخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه واعلم يا أخي أن أهم الأمور علينا وعليكم وأحق ما يهتم به معرفة التوحيد الذي هو أصل الإيمان وأساسه والتمسك بأوثق عراه والحب في الله والبغض في الله والمولاة فيه والمعادات فيه وتمييز الناس بما أسلف منهم وبما يبدو على صفحات الوجوه وفلتات الألسن فإن من أعظم الأمور خطرا أن يحب لهواه ويقرب لدنياه ويبغض لهواه لا طاعة مولاه فاجعل هذا منك على بال أعاذنا الله وإياكم من عبادة الرجال.
وأما ما سألت عنه من المسائل الأربع فالجواب عن مسألة زوجة المفقود إذا تعذر الإنفاق عليها من ماله فإن لها فسخ نكاحه بحكم حاكم الشرع فإذا جاز ذلك في حق الموجود جاز في حق المفقود أيضا ولا فرق بينهما وكونه مفقودا لا يمنع ثبوت الحكم بتعذر ما يجب لها عليه.
وأما مسألة المظاهر فاعلم أنه يجب على المفتي أن يعتبر شواهد أحواله فإذا عرف من شاهد الحال أنه يقدر على أن يصوم شهرين متتابعين فلا يجوز للمفتي أن يفتح له باب الرخصة في الإطعام بمجرد قوله: لا أستطيع الصيام وشاهد الحال يكذبه فلا ينتقل إلى الإطعام إلا بتحقق عجزه عن الصيام:
وأما مسئلة الشفعة فان شريك الأصل أحق بالا خذ بها من شريك المصالح ما لم يترك الطلب بها بغير خلاف نص عليه في المغني والشرح والأنصاف وغيرها وأما عيب الجرب فحكمه حكم سائر العيوب فإذا ادعى المشتري انتقال المبيع بذلك العيب ولا بينة حلف المشتري على ما ادعاه على إلا صح والله أعلم:
[ ١٨٤ ]
الرسالة العشرون
بسم الله الرحمن الرحيم:
"٢٠"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ جمعان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وسرنا ما ذكرت من طيبك وصحة حالك وأخبرك أني والله الحمد بخير وعافية كذلك الشيخ عبد الله:
[ ١٨٤ ]
وإبراهيم وأعمامي وعيالي وعيالهم وآل مقرن وما ذكرت من حرصك على الزيارة فأرجو أن الله يجمعنا وإياكم على خير وعافية ويستعملنا وإياكم في طاعته:
وما ذكرت من السؤال هل المرأة تعاقل الرجل حتى تبلغ ثلث ديته الخ
فالجواب أن المرأة كالرجل تساوي جراحها جراحه حتى تبلغ ثلث ديته على الصحيح من المذهب واستدل علماؤنا ﵏ في كتبهم بحديث عمرو بن شعيب الذي رواه النسائي وبكلام سعيد بن المسيب لربيعة وهو الظاهر في أن المراد الثلث من دية الرجل ولفظ الحديث الذي نقلته من شرح زاد المستنقع هو كما نقلت وهو كذلك في المنتقى والمحرر والجامع الصغير ولفظه: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي والدارقطني قال الحافظ بن عبد الهادي في محرره هو من رواية إسماعيل بن عياش وهو كثير الخطأ وعلى تقدير صحته واستدلال الفقهاء به يحتمل أن يكون الضمير للمضاف إليه المحذوف أي عقل جراح المرأة فهو راجع إلى راجع إلى الجراح لكونه مفهوما من الحديث لا إلى المرأة إذ لو كان كذلك لما صح الاستدلال على أن جراح المرأة مثل جراح الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته مع مخالفته لكلام سعيد. وقد استدل العلماء بهما معا على حكم واحد وذلك ينبئ عن الإنفاق في المعنى والله أعلم١
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل ١/٣٨٤.
[ ١٨٥ ]
تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ وإلى قوله: وان خفتم شقاق
فالذي عليه جمهور العلماء في معنى الآية أن الحاكم يبعث حكما ثقة من أهلها وثقة من قوم الرجل فإن حصل بينهما التوفيق وإلا صارا إلى التفريق وإذا اتفقا عليه ففرقا بطلقة أو طلقتين أو ثلاث على حسب ما يريان فهما حكمان من جهة الحاكم ووكيلان من جهة الزوجين إذا تراضيا على توكيلهما فلهما التفريق وعن الإمام أحمد أنهما حكمان يفعلان نصا ما يريانه من جمع وتفريق وغيره ولو لم يرضيا ولا وكلا وهذا مذهب جمهور العلماء ولم يذكر العلماء فيما وقفت عليه بذل العوض والله أعلم:
[ ١٨٦ ]
الرسالة الواحده العشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢١"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ سعيد بن عيد سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه والأحوال جميلة بحمد الله نجملها بالإيمان والتقوى وما ذكرت من حال المرأة الناشز فقد قال:
[ ١٨٥ ]
الرسالة الثانية والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوين المحبين صالح بن محمد وحمد ابن عتيق كان الله في عونهما٠
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد وصل الخط أوصلكما الله إلى ما يرضيه وما ذكرتما من توزيع الجمل على الجمل وإلا فراد على الجمل وإلا فراد على إلا فراد فهذه الكلية ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في المسح على الخفين وفي مسألتكما هذه وفي الوقف وأنا أصورها في مسألة السؤال وهي مد عجوة ومن صورها مد ودرهم بدرهمين فالجمهور من الفقهاء قالوا بعدم الجواز يناء على أن جملة المد والدرهم في مقابلة الدرهمين فلم يتميز ما يقابل الدرهم من جميع الدرهمين ولا يقابل المد وإنما الجملة مقابلة للجملة فلا تحصل المماثلة بين الجنس الذي هو لغة للجمل بما يقابل كل جنس من جنسه كذلك إذا وزعت إلا فراد على الجمل كما إذا اعتبر الدرهم الذي مع المد في مقابلة مجموع الجملة من الدرهمين والمد كذلك فلم يتميز ما يقابل الجنس من جنسه هل هو درهم أو أقل أو أكثر والجهل بالتساوي كالعلم
[ ١٨٦ ]
بالتفاضل وذهب شيخ الإسلام كأبي حنيفة إلى الجواز فوزع الأفراد على الأفراد فصار الدرهم يقابل درهما من غير زيادة والمد يقابل الدرهم الآخر فجعلت المماثلة والتساوي في الجنس وهو مشكل والله أعلم
[ ١٨٧ ]
الرسالة الثالثة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ جمعان منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها آمين:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد وصل إلينا كتابك فاستبان به مرامك وخطابك وسررنا به غاية السرور جعله الله تعالى من مكاسب إلا جور وقد سألت فيه أمدك الله عن اثنتي عشرة مسئلة٠
" أولها " قول العلماء ﵃ فيمن حرم زوجته الخ
" فالجواب" وبالله التوفيق ومنه استمد العون والتحقيق تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاق أو يمينا نص عليه إما منا ﵀: في رواية الجماعة وهو المذهب ونقل عنه ما يدل على أنه يمين وفاقا للثلاثة رحمهم الله تعالى وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات والفتاوى المصرية في باب الظهار بالأول لكن قال ابن القيم ﵀: في الإعلام إنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق وإن حلف به كان يمينا مكفرة وهذا اختيار شيخ الإسلام وعليه يدل النص والقياس فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من القول وزورا وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو التزم الإعتاق والحج وهذا محض القياس والفقه انتهى.
قلت: قوله: وإذا حلف كان يمينا إلى آخره بناء على ما ذهب إليه من أن المعلق للطلاق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام فإن يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث وإن أراد الإيقاع عند وجوب المعلق عليه طلقت وصرح به الشيخ رحمه الله تعالى: في باب تعليق الطلاق بالشروط قال: كذا
[ ١٨٧ ]
الحلف بعتق وظهار وتحريم.
"المسئلة الثانية" إذا أحال إنسان على آخر ولم يعلم بذلك حتى قضاء دينه أو قضاء من أحاله عليه ثانيا الخ.
"فالجواب" قد برئت ذمه المدين من الدين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى من أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطلب فورا ولا تلزم المدين غرم ما قضاه من الدين لان الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم فلا تبعة عليه فيما لم يعلم وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقدس روحه هذه القاعدة وقرر أدلتها فعلى هذا يرجع من أحيل أولا بدينه على المحيل كما قبل الحوالة والله أعلم.
"المسئلة الثالثة" إذا رهن إنسان زرعه أو نخله ونحوه فاحتاج الراهن لما يصلح الرهن فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرهن لمن يداينه لا صلاحه فامتنع وعلى الراهن ضرر.
"فالجواب" أن الصحيح من أقوال العلماء أن القبض والاستدامة شرط للزوم الرهن قال في الشرح ولا يلزم الرهن إلا بالقبض ويكون قبل قبضه رهنا جائزا يجوز للرهن فسخه وبهذا قال: أبو حنيفة والشافعي وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أنه يلزم بمجرد العقد ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وفي رواية الميموني وهو مذهب مالك ﵀: ووجه الأول قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا أو رهنه ثانيا بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره زال لزومه وبقي العقد كأنه لم يوجد فيه قبض انتهى.
قال في الأنصاف هذا المذهب وعليه الأصحاب وعنه أن استدامته في المعين ليس بشرط واختاره في الفائق انتهى ملخصا فقد عرفت إلا صح من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء رحمهم الله تعالى فعليه لا ضرر على الراهن:
[ ١٨٨ ]
لبطلان الرهن بالتصرف إذا لم يكن في قبضة المرتهن وقد ذكر العلماء أيضا أن المرتهن لا يختص بثمن الرهن إلا إذا كان لازما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ويترتب على الفتوى به من المفاسد مالا يتسع لذكره هذا الجواب وليس مع من أفتى إلا محض التقلد وأن العامة تعار فوه فيما بينهم ورأوه لازما وأنت خبير بأن هذا بحجة شرعية وإنما الحجة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع وهو اتفاق مجتهدي العصر على حكم ولا بد للإجماع من مستند والدليل الرابع القياس الصحيح وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلا الله كم غلب على أحكام الشرع في هذه الأزمنة من التساهل في الترجيح وعدم التعويل على ما اعتمد المحققون من القول الصحيح وقد ادعى بعضهم أن شيخنا الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: كان يفتي بلزوم الرهن وإن لم يقبض فاستعبدت ذلك على شيخنا رحمه الله تعالى: ولو فرضنا وقوع ذلك فنحن بحمد الله متمسكون بأصل عظيم وهو أنه لا يجوز لنا العدول عن قول موافق لظاهر الكتاب والسنة القول أحد كائنا من كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد كما قال الإمام مالك ﵀: تعالى: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله ﷺ ثم بعد زعم هذا الزاعم من الله علي بالوقف على جواب شيخنا الإمام رحمه الله تعالى: فإذا هو جار على إلا صح الذي عليه أكثر العلماء.
وصورة جوابه أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء ﵏ أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وقبض كل شيء هو المتعارف فقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الراهن عنه هذا هو القبض بالإجماع ومن زعم أن قوله: مقبوض يصيره مقبوضا فقد خرق الإجماع مع كونه زورا مخالفا للحس.
إذا ثبت هذا فنحن إنما أفتينا بلزوم هذا الرهن لضرورة وحاجة فإذا أراد صاحبه أن يأكل أموال الناس ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة
[ ١٨٩ ]
رسول الله ﷺ في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعا وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء رحمهم الله تعالى فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن وكونه في يد المرتهن انتهى المقصود.
فذكر رحمه الله تعالى: في هذه الفتيا أن الراجع الذي عليه أكثر العلماء أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وأنه إنما أفتى بخلاف لضرورة وحاجة وأنه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتب على خلافه من الخروج من العدل ومن الخيانة وهذا الذي أشار إليه ﵀: من الخروج عن العدل وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة في الأمانة قد رأيناه عيانا وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة وقد قرر رحمه الله تعالى: في هذه الفتيا أن قول الجمهور أقرب إلى العدل فلا يجوز أن ينسب إليه غير هذه القول المقرر هنا والله أعلم.
"المسألة الرابع" إذا ستأجر إنسان أرضا للزرع ونحوها ثم رهنه فقصرت الثمرة عن الدين والأجرة وعن الحداد والخراز إلى آخره.
فالجواب إذا انتفى لزوم الرهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثمرة وغيرها على قدر الذي لهم لان محل ذلك ذمة المدين وتقديم أحدهم على غيره ترجيح من غير مرحح وما اشتهر بين الناس من تقديم العامل في الزرع ونحوه بأجرته فلم نقف له على أصل يوجب المصير إليه والله أعلم.
"المسألة الخامسة" إذا دفع إنسان إلى آخر عروض مضاربة وجعل قيمتها رأس مال المضاربة هل يجوز هذا أم لا؟
"الجواب" يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النقدين أو أحدهما وهو المذهب وعنه رواية أخرى أنها تصح بالعروض اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم قال في الأنصاف قلت وهو الصواب فعلى هذه الرواية يرجع عند المفارقة العروض عند العقد كما جعلنا نصابها قيمتها وسواء كانت مثلية أو غير مثلية والله أعلم:
"المسألة السادس" إذا إنسان مالا مضاربة وعمل فيه المضارب ثم.
[ ١٩٠ ]
تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها ثم فسخ المضارب هل عليه أن يعمل فيه حتى يكمل رأس المال أم لا "الجواب" ذكر في القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله انه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى ينض رأس المال ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطيل ماله عن الربح وأما المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال الربح ولا يسقط به حق العامل قال: وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع ولهذا قلنا إن ضارب الآخر من علم الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول انتهى أقول مراده بقوله: حتى ينض رأس المال يعني به إذا لم ينقص أما إذا نقص فليس على المضارب إلا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال لان المضاربة عقد جائز ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعد منه ولا تفريط والله أعلم.
"المسألة السابعة" هل يلزم صاحب الأصل إذا أكرى أرضه أو شجرة عند من يجوز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سد حائط أو أجراء نهر ونحوه أم لا.
"فالجواب" لم أقف في هذه المسئلة للعلماء رحمهم الله تعالى على نص والله أعلم.
"المسألة الثامنة" ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم اشتراه بعض التجار من آخذة ثم باعه على آخر الخ.
"فالجواب" ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون فذكر القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى: إنهم يملكونه بالقهر وهو المذهب عنده.
وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكون يعنى ولو حازوه إلى دراهم قال في الإنصاف وهي رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمد الجوزي وجزم به ابن عبدوس في تذكر ته قال في النظم لا يملكونها في الأظهر وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين:
[ ١٩١ ]
وصحح فيها عدم الملك وصححه في نهاية ابن رزين ونظمها انتهى.
قال في الشرح وهو قول الشافعي وابن المنذر لحديث ناقة رسول الله ﷺ ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولأن من لا يملك رقبة غيره لا يملك ماله به أي بالقهر كالمسلم مع المسلم ووجه الأول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دراهم وهو قول مالك. وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي عن أحمد في ذلك روايتان قال ابن رجب ونص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دراهم فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه لأن دار الإسلام ليست لهم دارا وإن دخلوها لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أحمد لم ينص على الملك ولا على عدمه وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه انتهى.
قلت قد صرح في كتاب الصارم والفتاوى المصرية وغيرها أن القيد المشار إليه هو إسلام أخذها ونصه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه كان له ملكا ولم يرده إلى الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد ﵏ وهو قول جماهير أصحاب أحمد بناء على أن الإسلام والعهد أقرا ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحقها قال في الاختيارات: قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام قال ومن العلماء من قال يرده على مالكه المسلم كالغضب ولأنه لو أخذه منهم المسلم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يسرقه فإنه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النبي ﷺ وهو مما اتفق الناس عليه فيما نعلمه،
[ ١٩٢ ]
ولو كان قد ملكوه لملكه الغاتم منهم ولم يرد إلى ملكه انتهى واختار أن الكافر بملكه بالإسلام عليه.
أقول تأمل ما ذكره شيخ الإسلام من حجة الشافعي وموافقيه على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو بالحيازة إلى داره لم يرد النبي على ابن عمر عبده وفرسه التي كان أخذها العدو لما ظهر عليهم المسلمون فلو لم يكن باقيا على ملك ابن عمر لم يرد إليه وليس لتخصيصه بذلك دون شائر الغانمين معنى غير ذلك وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده والأحاديث في ذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها قال البخاري ﵀: في صحيحه "باب إذا غنم المسلمون مال مسلم ثم وجده المسلم" قال ابن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ذهب فرس له فأخذه بالروم فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ثم ساقه بسنده متصلا. وما استدل به القائلون بأنهم يملكونها بالقهر من أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم فهذا قياس مع الفارق لا يصح دليلا لو لم يكن في مقابلة الأحاديث فكيف والأحاديث تمنعه؟ ولو لم يكن مع الشافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صححه من الروايتين ومن وافقهم كابن المنذر إلا حديث مسلم: إن قوما أغاروا على سرح النبي ﷺ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة النبي ﷺ فأخذها فقلت يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها فقال: "بئس ما جازيتها لا نذر في معصية الله" وفي رواية "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم. وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن من العلماء من قال يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه وعزاه إلى الشافعي
[ ١٩٣ ]
وأبي الخطاب وذكر ما يدل لهذا القول وأنا اذكر ما يدل لذلك أيضا وإن لم يذكره شيخ الإسلام وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر قال كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما أن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية وهو امرؤ القيس بن عباس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان قال "بينتك؟ " قال ليس لي بينة قال: "يمينه" قال إذا يذهب بها؟ قال: "ليس لك إلا ذلك" الحديث.
وأما حكم ما أخذه المسلمون منهم مما قد أخذوه من مال المسلم فالجمهور من العلماء يقولون إذا علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء قال في الشرح في قول عامة أهل العلم منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وحجتهم ما تقدم من قصة ابن عمر قال في الشرح: وكذلك إذا علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسم وجب رده وصاحبه أحق به بغير شيء لأن قسمته كانت باطلة من أصلها فهو كما لو لم يقسم فأما إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان "إحداهما" يكون صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه وكذلك إن بيع ثم قسم بثمنه فهو أحق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك لئلا يفضي على حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثمن على المشتري يعني من الغنيمة وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في غير ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع "والرواية الثانية" أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث وقال الشافعي وابن المنذر يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحقه بغير شيء كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقه من الغنيمة وجعل من سهم المصالح لأن هذا منها فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به بغير شيء. وقال أبو حنيفة لا يأخذه إلا بالقيمة وهو محجوج بحديث
[ ١٩٤ ]
ناقة النبي ﷺ المتقدم ولأنه لم يحصل في يده بعوض فصار صاحبه أحق به بغير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة.
فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه وهذا كله إنما هو في الكافر الأصلي.
وأما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء ولا يعلم أحد قال به وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها فما رأيت خلافا في أنه لا يملكه وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة أو لحق بدار حرب والمذهب أنه يضمن ما تلف في يده مطلقا فافهم ذلك فالمسلم يأخذ ماله من المرتد أو ممن انتقل إليه بعوض أو غيره بغير شيء.
وما تلف في يد المرتد من مال المسلم أو تلف عند من انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم أعلم أنه قد يغلط من لا تمييز عنده في معنى التلف وإلا تلاف فيظن أنه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يعد إتلافا وليس كذلك بل هذا تصرف وانتفاع.
وقد فرق العلماء ﵏ بين هذا وبين الإتلاف. ومن صور الإتلاف والتلف أن يضيعه أو يضيع أو يسرق أو يحرق أو يقتل ونحو ذلك فإن كان بفعله فهو إتلاف وإن كان بغير فعله فهو بالنسبة إليه تلف يترتب عليه أحكام ما تلف بيده وبالنسبة إلى الفاعل إتلاف.
وضابطه فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرف.
إذا عرفت أن حكم المرتد يفارق حكم الكافر الأصلي.
فاعلم أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فيمن اشترى مال مسلم من التتر لما دخلوا الشام أن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطى مشتريه ما اشتراه به لأنه لم يصر له إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك انتهى من الإنصاف.
وسئل أيضا عمن اشترى فرسا ثم ولدت عنده حصانا وأخذ السلطان الفرس وأهدى الحصان لرجل فأعطاه عوضه ثم ظهرت الفرس أنها كانت مكسوبة نهبا من قوم فهل يحرم ثمن الحصان.
فأجاب إن كان صاحب الحصان معروفا ردت إليه فرسه ورجع المشتري
[ ١٩٥ ]
بالثمن على بائعه ويرجع عليه بقيمة الحصان أو قيمة نصفه الذي يستحقه صاحبه لكونه غره وإن كانت مكسوبة من التتر أو العرب الذين يغير بعضهم على بعض فيأخذ هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء ولم يعرف صاحبهما لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته والله أعلم.
وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأن هذا المنهوب يرد إلى صاحبه أو قيمته إن تصرف فيه ويرجع المشتري بالثمن على البائع وإنه إن لم يعرف صاحب ما أخذ من التتر والعرب لم يحرم عليه عوضه. فمفهومه أنه إن عرف صاحبه فعوضه حرام على من اعتاص عنه لكونه ظهر مستحقا لمسلم معصوم وهذا أيضا يفيده ما تقدم من قوله: فيمن اشترى مال مسلم من التتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن المعلوم أن التتر من أعظم الناس كفروا لما جمعوه من المكفرات في الاعتقادات والأعمال ومع ذلك قال شيخ الإسلام ويرد ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئا كما يفيده الجواب الثاني ولم يقل فيه إنه لا يحرم على من اعتاض عن الحصان شيئا إلا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها ولذلك قال في المكوس إذا اقطعها الإمام الجند هي حلال لهم إذا جهل مستحقها. وبذا يظهر الجواب عن المسألة "التاسعة" وهو أن ما وقع في هذه السنين من النهب والظلم يرد ما وجد منه إلى مالكه من غير أخذ ثمن ولا قيمة. وحكم يد المشتري منهم حكم إلا يدي المترتبة على يد الغاصب لما تقرر من أن الخلاف إنما جرى في الحق الكافر الأصلي وأما المرتد ونحوه فالقول بأنه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في الفتاوى المصرية مايفهم به الفرق بين الكافر الحربي والمرتد فقال: وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه بخلاف الخارجين عن الشريعة كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر ﵁ والتتر وامتثال هؤلاء الطوائف ممن نطق بالشهادة ولا يلتزم شعائر الإسلام. وأما الحربي فإذا نطق بها كف عنه
[ ١٩٦ ]
وقال أيضا ويجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم باتفاق المسلمين ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله انتهى. فيعلم مما تقرر أن الأموال المنهوبة في هذه السنن غصوب يجري فيها حكم الغصب وما يترتب عليه.
وبهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد الله ابن شيخنا الإمام محمد ﵏. وافتى به الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء اليمن وما ظننت أن أحدا له أدنى ممارسة في العلم يخالف ذلك والله أعلم.
"المسئلة العاشرة" قال السائل وجدت نقلا عن الاقناع وشرحه إذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميا حل لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب انتهى قال السائل وهل هذا إلا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه الخ.
"الجواب" لا معارضة إذا ترك رسول الله ﷺ وأصحابه إلا كل منها لا يدل على إنها ميتة من وجوه "منها" إنها ليست ملكا لهم ولا لمن ذبحها فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها ولا من أذن له مالكها في إلا كل منها ويتحمل أنه ترك الأكل منها تنزها ويدل على حلها بهذه الذكاة قوله: "أطعميه الأسارى" وهو لا يطعمهم ميتة وقوله: كالمغصوب راجع لقوله: حل لا لقوله: ميتة شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل لا في الحرمة والله أعلم
"المسئلة الحادية عشرة" إذا كان لإنسان على آخر دين من طعام أو نحوه فأشفق في الوفاء فطلب غريمه أن يعطيه الثمرة عن ماله في ذمته فهل يجوز ذلك أم لا؟.
"فالجواب وبالله التوفيق" قال البخاري ﵀: في صحيحه "باب إذا قاص أو جازفه في الدين فهو جائز" زاد رواية كريمة تمرا بتمر أو غيره وساق حديث جابر ﵁ أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى الحديث وبه.
[ ١٩٧ ]
استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء ﵏ على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في الذمة إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين وإحسانا إليه وسماحة بأخذ الحق ناقصا وترجم البخاري ﵀: بهذا الشرط فقال "إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز" ساق حديث جابر ﵁ أيضا فاما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو مثله أو فوقه فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا لا سيما إذا كان دين سلم لما روى البخاري وغيره عن ابن عمرو ﵄ أن رسول ﷺ قال "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" ومضمون هذا الحديث عام وبه اخذ الجمهور وقد يقال أن قضية جابر قضية عين لا عموم لها ويترجح المنع سدا للذريعة لا سيما في هذه إلا وقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنى شبهة والله أعلم.
"المسألة الثانية عشرة" ما حكم الباطل والفاسد عند أهل الأصول الخ.
"الجواب" هما مترادفان عند الأصوليين والفقهاء من الحنابلة والشافعية وقال: أبو حنيفة أنهما متباينان "فالباطل" عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح "الفاسد" ما شرع اصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا وعند الجمهور كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو وصفه ففاسد وباطل لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع عليه فعبروا عن الأول بالباطل وعن الثاني بالفاسد ليتميز هذا من هذا لكون الثاني تترتب عليه أحكام الصحيح غالبا أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير لأن من عادة الفقهاء من أهل المذاهب رحمهم الله تعالى مراعاة الخروج من الخلاف وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه مراعيا للأصل ولعل من فرق بينهما في التعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلا فلا اختلاف ومثل ذلك خلافهم في الفرض والواجب قال في القواعد الأصوليه إنها مترادفان شرعا في اصح الروايتين عن أحمد اختارها جماعة منهم ابن عقيل وقاله الشافعية وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة.
[ ١٩٨ ]
وقاله الحنفية فعلى هذه الرواية الفرض ما ثبت مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد وقيل مالا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وفائدة الخلاف أنه يثاب على أحدهما اكثر وان طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون ذكره القاضي وذكرهما ابن عقيل على الأول قال غير وأحد والنزاع لفظي وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١.
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٣٨٦.
[ ١٩٩ ]
الرسالة الرابعة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى المكرم عثمان بن عيسى سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" وصل خطك وصلك الله إلى خير والمحب بخير وعافية ويحمد إليك الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه وخواص إخوانك بخير وعافية جعلنا الله وإياكم ممن عرف النعمة وقدرها وشكر الله تعالى عليها بالاعتراف بها والذل والخضوع والعبودية لمسديها آمين.
وتسال عمن نفر من الحج ولم يطف طواف الزيارة والسعي ثم أراد السفر لقضاء ما تركه فهل له إذا وصل إلى المقيات أن يحرم بعمرة مفردة ثم يأتي بما بقي عليه وهل يجوز أن كان الوقت لم يتسع أن يحرم بالحج فإذا فرغ من أعماله أتى ببقية أعمال حجه الأول هذا ملخص السؤال.
"الجواب" قال في شرح المنتهى: فلو تركه أي طواف الزيارة وأتى بغيره من فرائض الحج وبعد عن مكة مسافة القصر رجع إلى مكة معتمرا فأتى بافعال العمرة ثم يطوف للزيارة انتهى، وهذه مسئلة السائل أحد جزيئياتها فيحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طواف وسعي أما إذا ضاق الوقت بان لم يمكنه قدوم مكة قبل الوقوف فيحرم قارنا أو مفردا فإذا
[ ١٩٩ ]
رمي جمرة العقبة وأفاض إلى مكة وطاف الزيارة وسعى بعده رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أول من طواف وسعى. فإن قدم الطواف والسعي الذي تركه على طواف حجه الذي هو في اعماله جاز ذلك لان وقت طواف الزيارة والسعي موسع فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا وأصوله والله أعلم سلم لنا على حمد بن فارس وحمد بن عبد الجبار وابن ناجم وخواص الإخوان ومن عندنا خواص الأخوان وفيصل وآل الشيخ وإبراهيم وابنه وكاتبه ناصر العريني يسلم وأنت في أمان الله والسلام١
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٤٠٣.
[ ٢٠٠ ]
الرسالة الخامسة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٥"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ عثمان بن باشر سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"وبعد" وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا طيبك وصحة حالك عافانا الله وإياكم من كل سوء وأعاذنا وإياكم من ولاة السوء.
والإمام وأل الشيخ وخواص الاخوان تسرك حالهم كذلك طلبة العلم نبشرك أنهم كثيرون ويا أخي المؤمن مرآة أخيه جعلنا الله وإياكم من المؤمنين وخطك سرني من وجه وسائني من وجه وهو السج والمجازفة في المدح فيا أخي لسنا مستحقين لشيء من ذلك فلا تعاملنا بمثل ذلك دعوة صالحة خير.
كلمة اشتهرت على الآلسنة من غير قصد وهو قول الكثير في المكتبات إذا سأل الله شيئا قال وهو القادر على ما يشاء وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرا وكل مافي القرآن ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وليس في الكتاب والسنة ما يخالف ذلك أصلا لأن القدرة شاملة كاملة وهي العلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات وإنما قصد أهل البدع بقولهم وهو القادر على ما يشاء أي إن القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقت المشيئة به.
[ ٢٠٠ ]
وأما الرجل الذي ذكرت لي عنه فالذي ذكرت عنه من طرف الشيخ ﵀: والثناء عليه ودعوته التي أنعش الله بها الخلق الكثير والجم الغفير في آخر هذا الزمان والمشار إليه ما نظن فيه إلا بحسن الرأي في ذلك بقي أن هنا أمورا فالسالم منه قليل نادر نسأل الله التوفيق لحسن المتاب وأما ما يقول الناس من الكذب والافتراء لاجل أغراضهم الدنيوية فهذا طبعهم خصوصا في هذه الأوقات والذي يصدق الناس فيما نقلوه من الأوهام والاكاذيب يتعب ويأتم وبلغ إخوانك السلام ومن لدينا الإمام ومن ذكرنا وكاتبه عبد العزيز بن موسى ينهون السلام وأنت السلام١.
_________________
(١) ١ المجموعة ١/٤٠٤.
[ ٢٠١ ]
الرسالة السادسة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٦"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام الاكرم فيصل بن تركي سلمه الله وهداه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فالواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله والتذكير بنعم الله وأيامه فإن ذلك من المصالح الخاصة والعامة ما لا يحيط به إلا الله وفي الحديث "مانزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة" ولله حق وعبودية على خلقه بحسب وسعهم وقدرتهم ولذلك كان على ولاة الامور ورؤساء الناس المطاعين فيهم ما ليس عامتهم وسوقتهم وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاؤا به وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاؤا به وكل شر في الدنيا والآخرة إنما حدث ووقع بمعصية الله ورسله والخروج عما جاءوا به من النور والهدى. وهذه الجملة شرحها يطول وتفاصيلها لا يعلمها إلا الله الذي ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والسير والاعتبار والاستقراء والقصص والأمثال والشواهد النقلية والعقلية تدل على هذا وترشد إليه وبعض الأذكياء يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته قال بعضهم: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق أهلي
[ ٢٠١ ]
ودابتي واللبيب يدرك من الأمور الجزئية والكليية ما لايدركه الغبي الجاهل ويكفي المؤمن قوله تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ فهذه الآية يدخل فيها كل نعيم باطنا وظاهرا في الدنيا والآخرة وفي البرزخ وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. ويدخل في هذا كل شيء من المصائب والجزاء حتى الشوك والهم والحزن لكن المؤمن يثاب على ذلك ويكفر عنه بإيمانه كما دل على ذلك الحديث.
إذا عرف هذا فكثير من الناس يعرف أن المصائب والابتلاء حصل بسبب الذنوب ويقصد الخروج منها والتوبة ولا يوفق- نعوذ بالله من ذلك – وذلك لأسباب منها جهله بالذنوب ومراتبها وحالها عند الله ومنها جهله بالطريق التي تخلصه منها وتنقذه من شؤمها وشرها وتبعتها.
ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك وما يخلص منه إلا من جهة الرسول ﷺ ومعرفة ما جاء به من الهدى ودين الحق إجمالا وتفصيلا فإنه الواسطة بين العباد وبين ربهم في إبلاغ ما يحبه الرب ويرضاه ويريده من عباده ويوجب السعادة والنعيم والفلاح في الدنيا والآخرة وفي إبلاغ ما يضرهم ويسخط ربهم ويوجب الشقاوة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فكل طريق غير طريقه مسدود على سالكيه وكل عمل ليس عليه رسمه وتقريره فهو رد على عامليه.
وقد عرفتم أرشدكم الله تعالى أن الله بعث محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الضلالة عربيهم وعجميهم إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب.
فأول دعوته ﷺ ورسالته وقاعدة قوله: رد الخلق إلى الله وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة والبراءة منهم وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص وهو أودعوة الرسل وأول الواجبات والفرائض.
ومكث ﵊ مدة من الدهر نحو العشر بعد النبوة يدعو إلى هذا ويأمر به وينهى عن الشرك وينذر عنه وفرض الفرائض وبقية يدعوا إلى هذا ويأمر به وينهى عن الشرك وينذر عنه وفرض الفرائض وبقية
[ ٢٠٢ ]
الأركان بعد ذلك منجما.
إن هذا هو أهم الأمور وأوجبها على الخلق كما في الحديث "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" وكان من هديه ﷺ أن يبعث عماله ويرسل رسائله إلى أهل الأرض ويدعوهم إلى هذا يبدأ به قبل كل شيء ولا يأمر بشيء من الأركان إلا بعد التزامه ومعرفته كما دل عليه حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وغيره من الأحاديث.
وفي أوقاتنا بعد العهد بآثار النبوة وطال الزمن وكاد يشبه زمن الفترة لغلبة الجهل وشدة الغربة. وقد من الله على هذه الأقطار بشيخ الإسلام ﵀: فقام بتجديد الدين وتمهيد قواعد الملة أتم قيام حتى ظهر بحمد الله منار التوحيد والإسلام ووازره على ذلك من أسلافكم وأعمالكم من وازره رحمة الله عليهم أجمعين وبعدهم حصل من الناس ما لا يخفى من الأعراض والإهمال وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده وفرضه على سائر عبيده وقل الداعي إلى ذلك والمذكر به والمعلم له في القري والبوادي والتساهل في هذه الأمور العظام التي هي آكد مباني الإسلام يوجب للرعية أن يشب صغيرهم ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية لا يعرف فيها الأصول الإيمانية والقواعد الإسلامية والله سائلنا وسائلك عن ذلك كل بحسب قدرته وطاقته والجهل والظلم غالب على النفوس ولها وللشيطان حظ كبير في ذلك والنفوس الجاهلية المعرضة عن العلم النبوي يسرع إليها الشرك والتنديد أسرع من السيل إلى منحدره.
والواجب مراعاة هذا الأصل والقيام فيه وبعث الدعاة إليه وجعل أموال الله التي بأيديكم آلة له ووقاية وحماية وإعانه فإن هذا من أفرض الفرائض والزمها ولم تشرع الإمامة والإمارة إلا لأجل ذلك والقيام به.
وبقاء الإسلام والإيمان في استقامة الولاة الأئمة على ذلك وزوال الإسلام والإيمان وانقضاؤه بانحرافهم عن ذلك وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره مقصودا بها سواه من العلو والرياسة والشهوات ولذلك وقع في آخر بني العباس ما وقع من
[ ٢٠٣ ]
الخلل والزلل واشتدت غربة الإسلام وظهرت البدع العظام واظهر الكفر أعلامه وشعاره وبنيت المساجد على القبور وأسرجت عليها السرج وأرخيت عليها الستور وهتف أكثر الناس في الشدة بسكان القبور وذبحوا لها القرابين ونذرت لها النذور وبنيت الهياكل للنجوم وخاطبها بالحوائج كل مشرك ظلوم وسرى هذا في الناس حتى فعله من يظن أنه من الأخيار والأكياس وكثير منهم يظن أن هذا هو الإسلام وإنه مما جاء به سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وهل وقع ذلك وصار على تطاول الدهر والاعصار إلا بسبب إهمال الرؤساء والملوك الذين استكبروا في الأرض ولم يرفعوا رأسا بما جاءت به الأنبياء وقنعوا بمجرد الإسم والانتساب من غير حقيقة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ الآية.
فأهم المهمات وآكد الأصول والواجبات التفكر في هذا وتفقد الرعية الخاصة والعامة البادية والحاضرة لأنك مسؤول عنهم والسؤال يقع أولا عن الدين قبل الدنيا وفي الحديث "كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته" وفي الحديث الصحيح " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون" قالوا فما تأمرنا قال: "أوفو بيعة الأول أعطوهم حقهم فإن الله ﷿ سائلهم عما استرعاهم عليه ففتش عقائدهم وانظر في توحيدهم وإسلامهم خصوصا مثل أهل الإحساء والقطيف اشتهر عنهم ما لا يخفاك من الغلو في أهل البيت ومسبة أصحاب رسول الله ﷺ وعدم التزام كثير من أصول الدين وفروعه وكونهم يسرون ذلك ويخفونه مما لا يسقط عنك وجوب الدعوة والتعليم والنصح لله بظهور دينه وإلزامهم به وتعليم صغارهم وكبارهم فإنك مسؤول عن ذلك والحمل ثقيل والحساب شديد.
وفي الطبراني أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوزان فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك أما لنا عليك سمع طاعة؟
قال: بلى ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول "من ولي شيئا من أمر المسلمين
[ ٢٠٤ ]
أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فان كان محسنا نجا وان كان مسيئا إنخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا" فرجع عمر كئيبا حزينا جعلك الله من الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.
ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه من البادية أو غيرهم وكثير من بادية نجد يكفي فيهم المعلم وأما من يليهم من المشركين مثل الضفير وأمثالهم فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله. وقد أفلح من كان لله محياه ومماته وخاف الله في الناس ولم يخف الناس في الله. وفي الحديث "مثل المجاهد في سسبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثله الصائم القائم وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع اجر وغنيمة" ١
وكذاب يجب على ولي الأمر أن لا يقدم من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم مثل من ينهى عن تكفير المشركين ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدعون الإسلام ويتكلمون بالشهادتين.
وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبهة المشبهين وزيغ الزائغين بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لم يستضيؤا بنور العلم ولم يلجؤا إلى ركن وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر لكم إن شاء الله الإهتمام والقيام بهذا الأصل العظيم فينظر بعد هذا في أحوال الناس في الصلوات الخمس المفروضات فإنها من آكد الفروض والواجبات وفي الحديث "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وأخر ما تفقدون الصلاة" وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية فيلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة في المساجد في
_________________
(١) ١ هذا لفظ البخاري وفي مسلم وغيره زيادة عليه.
[ ٢٠٥ ]
أوقاتها ويؤدبون من عرف منه كسل أو ترك أو إهمال أدبا يردع أمثاله وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها وما يجب فيها من الأعمال والأقوال.
وبعد هذا يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات الشرعية وجبايتها علىالوجه الشرعي من الأنعام والثمار والنقود والعروض ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية والأحكام الزكوية ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة وتم نصابه وحال حوله وكثير من العمال يخرص جميع الثمار وإن لم تنصب وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله فيه ظلم بين وتعد ظاهر حمانا الله وإياكم منه.
وكذلك ما يتبع الزكاة من النائبة قد أغنى الله عنها وجعل فيما أحل غناء عما منع وحرم ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه إن حصل تسديد ومن الله بتوفيق من عنده.
وكذلك ما يؤخذ من المسلين في ثغر القطيف من الأعشاب لا يليق ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين ويلزم ولي الأمر أيده الله أن يلزم التجار الزكوات الشرعية قهرا ويدع مالا يحل.
ومن الواجب تتميز الأموال الداخلة على ولي الأمر فإن الله ميزها في كتابه وقسمها فلا يحل تعدي ذلك وخلطها بحيث لا يمكن تمييز الزكاة من الفيء والغنائم فإن لهذا مصرفا ولهذا مصرفا ويجب على ولي الأمر صرف كل شيء في محله وإعطاء كل ذي حق حقه أهل الزكاة من الزكاة وأهل الفيء من الفيء ويعين ذلك في الأوامر التي تصدر من الإمام لوكيل بيت المال.
ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى في الفيء والغنيمة فإن هذا من أكد الحقوق والزمها لمكانهم من رسول الله ﷺ والمراد بهم من عرف التوحيد والتزمه وأهل الإسلام ما صالحوا من عاداهم إلا بسيف النبوة وسلطانها خصوصا دولتكم فإنها ما قامت إلا بهذا وهذا أمر يعرفه كل عالم وفي الحديث "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه بورك له فيه
[ ٢٠٦ ]
ورب متخوض في مال الله بغير حق ليس له يوم القيامة إلا النار" عفانا الله وإياكم من النار وأعمال أهل النار.
وكل من أخذ مالا يستحقه من الولاة والأمراء والعمال فهو غال كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول وعظمه وعظم أمره حتى قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها يعار فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رغبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله فأقول: لا ملك لك من الله شيئا قد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول: لا املك شيئا وقد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا املك لك شيئا قد بلغتك" وأخبر النبي ﷺ أن هدايا العمال غلول فقال: "هدايا العمال غلول" فينبغي التفطن لهذه الأمور لئلا يقع فيها وهو لا يدري.
وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج والقيام على من تركه وهو يستطيعه وهو ركن من أركان الإسلام ويذكر عن عمر أنه قال لقد هممت أن أضع الجزية على من ترك الحج. وبعض السلف يكفر من تركه. وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يسع أحدا تركه.
وكذلك القيام على الناس ومنعهم عن التعدي في الدماء والأموال وقطع السبيل فهذا من الفساد في الأرض والمحاربة لله ورسوله فإن لم ينتهوا إلا بغزوهم لزم الإمام أن يبعث السرايا لحربهم. ولما تعرض الفجاء السلمي للناس يأخذ ويقتل من مسلم وكافر بعث أبوبكر ﵁ جيشا فظفروا به فأحرقه بالنار. ويذكر عن حسان أنه قال.
[ ٢٠٧ ]
وما الدين إلا أن تقام شريعة وتأمن سبل بيننا وشعاب
وكذلك ما حدث من الدفنان للبادية إذا أخذوا المسلمين وقتلوا لما فيه من ترك حقوق المسلمين في الدماء والأموال مع القدرة على استيفائها والقيام بالعدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ الآية.
فتأمل هذه الموعظة وما ختمها به من هذين الوصفين العظيمين وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
فالواجب على من نصح نفسه أن لا يحكم إلا بحكم الله ورسوله فإن لم يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء وإلا هواء على شرع الله ورسوله قال العلامة ابن القيم ﵀.
والله ما خو في الذنوب فإنها لعلى طريق العفو والغفران
لكنني أخشى انسلاخ القلب من تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها لا كان ذاك بمنة الرحمن
ومما يجب على ولي الأمر تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها وكذلك بخس الكيل والميزان والربا فيجعل في ذلك من يقوم به من له غيرة لدين الله وأمانة.
وكذلك مخالطة الرجال للنساء وكف النساء عن الخروج إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها من زوج أو قريب أو نحو ذلك وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم وغير ذلك مثل أهل النخيل النائية لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدري عنه وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه وفي الحديث "ماتركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" وفي الحديث أيضا "ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا ابتلوا بالطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" نعوذ بالله من عقوبات المعاصي ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
[ ٢٠٨ ]
وكذلك التوسع في لبس الحرير وما زاد على المباح وهو ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله ﷺ ونص على تحريمه ولا يجوز تتبع الرخص.
ومن الأصول التي تدور عليها الأحكام حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وحديث "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه" فكل أمر ينبغي لذوي العقول أن يتركوا ما تشابه منه قد يقع فيه خلاف من بعض العلماء فلا ينبغي أن يرخص لنفسه في أمر قد ظهرت فيه أدلة التحريم فاجتنابه من تقوى الله وخوفه وتركه مخافة الله من الأعمال الصالحة التي تكتب له الحسنات.
ومما يجب النهي عنه الاسبال كما نهى عنه رسول الله ﷺ كما في حديث الصحيح "ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار" وفي الحديث "بينما رجل يجر إزاره خيلاء أمر الله الأرض أن تأخذه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب وقد أمر النبي ﷺ بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس فقال: ﷺ "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا اليهود" والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضى لنفسه أن يخالف ما أمر الله به ورسوله ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين.
وكل ما أمر الله به ورسوله فينبغي للعبد أن يتمثل ويسمع ويطيع لما في ذلك من المنافع الكثيرة وما في خلافه من الإثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبِينًا﴾ فعلى الإمام أن يأمر النواب من رأوه تاركا للأمر أن يقوموا عليه ويلزموه لطاعة حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين
[ ٢٠٩ ]
ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين من اهل الجفاء والغلظة والغفلة والإعراض.
نسأل الله العفو والعافية فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان وعدم الرغبة فيه.
وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغيب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلب لقلة العلم وكثرة الجهل وإن كان قد قام ببعض الواجب فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر لفضيلة العلم وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه فإن أكثر من يطلب العلم فقراء ويحتاجون إلى الإعانة على فقرهم لما يكون لهم فيه سعة وطلب العلم اليوم من الفرائض كما لا يخفى على الإمام وغيره وفي الحديث الصحيح "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم" وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام وتأليفه للطالب فإذا كثر العلم وقل الجهل بسببه حصل له من الخير والحسنات مالا يحصيه إلا الله إن قبله الله وبالغفلة عن طلبة العلم تضعف هممهم ويقل طلبهم وفي مناقب عمر بن عبد العزيز ﵀: إنه إذا أراد أن يحي سنة أخرج من العطاء مالا كثيرا فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا فلله دره ﵀: ما أحسن نظره لنفسه ولمن ولاه الله عليهم.
وهذا الذي ذكرنا من الأمور البينة التي ينبغي التنبيه عليها بخصوصها وأما الأمور التي بين الله وبين العبد التي فيها صلاح القلوب ومغفرة الذنوب منإتعاب النفس فيما يحبه الله ويرضاه مما يقع له عليه فهذا باب واسع ولا يدرك هذا إلا من جعل الله له رغبة في تدبر كتابه ومعرفة صفة أهل الإيمان والتقوى الذين أعد الله لهم الجنة ويجاهد نفسه على ذلك فعلا وتركا.
وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر الذنوب التي هي من أعظم الذنوب ولا يأمن مكر الله وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره وليكن معظما للأمر والنهي مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه متدبرا لكتابه محبة لربه ورغبة في ثوابه وخوفا من غضبه وعقابه ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله ويبغض في الله ويعادي في الله ويوالي في الله ويحب في أولياء الله أهل طاعته
[ ٢١٠ ]
ويعادي أعداه أهل معصيته وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والوسائل ٢/٢.
[ ٢١١ ]
الرسالة السابعة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٧"
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أن محمدا عبده ورسول ﷺ وعلى آله وصحبه.
من عبد الرحمن بن حسن إلي الأخ عبد اللطيف ابن حامد وفقه الله تعالى لتوحيده وجعله من صالحي عبيده
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فقد وصل إلينا خطك ومعه نسخة الأسئلة وسرنا ما كنت عليه مستقيما من دين الإسلام الذي إشتدت غربته بين جميع الأنام فأنا أذكر جواب ما سألت عنه على طريق الاختصار والإيجاز "السؤال الأول" عما في الصحيح عن النبي ﷺ إنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿"
فاعلم أن "لا إله إلا الله" هي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وهي العروة الوثقى وكلمة التقوى وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم الخليل ﵇ باقية في عقبه لعلهم يرجعون ومعناها نفي الشرك في الالهية عما سوى الله وإفراد الله تعالى بالإلهية. والإلهية هي تأله القلب بأنواع العبادة كالمحبة والخضوع والذل بالدعاء والاستعانة والرجاء والخوف والرغبة والرهبة وغير ذلك من أنواع العبادة التي ذكر الله في كتابه العزيز أمرا وترغيبا للعباد أن يعبدوا بها ربهم وحده وهي إسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة وكل نوع من أنواع العبادة لا يستحق أن يقصد به إلا الله وحده
[ ٢١١ ]
فمن صرفه لغير الله فقد أشركه في حق الله الذي لا يصلح لغيره وجعل له ندا وقد عمت البلوى بهذا الشرك الأكبر بأرباب القبور والأشجار والأحجار واتخذوا ذلك دينا زعموا أن الله تعالى يحب ذلك ويرضاه وهو الشرك الذي لا يغفره الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقال تعالى: في معنى هذا التوحيد ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ أي أمر ووصي وهذا معنى لا إله إلا الله فقوله: أن لا تعبدوا هو معنى لا إله في كلمة الإخلاص وقوله: إلا إياه هو معنى الاستثناء في لا إله إلا الله ونظائر هذه الآية في القرآن كثيرة كما سنذكر بعضه وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وهذا النهي عام يتناول كل مدعوا من ملك أو نبي أو غيرهما فإن أحدا نكرة في سياق النهي وهي تعم وأمثال هذه الآية كثير كقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ وفي حديث معاذ الذي في الصحيحين "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وفيهما أيضا "من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار".
وإخلاص العبادة لله تعالى هو التوحيد الذي جحده المشركون قديما وحديثا ولما قال رسول الله ﷺ لقومه وغيرهم من أحياء العرب "قولوا ل اإله إلا الله تفلحوا" قالوا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ*مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾ فعرفوا معنى لا إله إلا الله وإنه توحيد العبادة لكن جحدوه كما قال عن قوم هود ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: عن مشركي هذه الأمة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ عرفوا أن المراد من لا إله إلا الله ترك الشرك في العبادة وأن يتركوا عبادة ما سواه مما كانوا يعبدونه من ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو غير ذلك.
فإخلاص العبادة لله هو أصل دين الإسلام الذي بعث الله به رسله وأنزل
[ ٢١٢ ]
به كتبه وهو سر الخلق قال تعالى: لنبيه ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فإسلام الوجه هو إخلاص الأعمال الباطنة والظاهرة كلها لله وهذا هو توحيد الإلهية وتوحيد العبادة وتوحيد القصد والإرادة ومن كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى وهي لا إله إلا الله فإن مدلولها نفي الشرك وإنكاره والبراءة منه وإخلاص العبادة لله وحده وهو معنى قول الخليل ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا هو الإخلاص الذي هو دين الله الذي لم يرض لعباده دينا سواه كما قال تعالى: ﴿بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ والدين هو العبادة وقد فسره أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالدعاء وهو بعض أفراد العبادة كما في السنن من حديث أنس "الدعاء مخ العبادة" وحديث النعمان ابن بشير "الدعاء هو العبادة" أي معظمها وذلك أنه يجمع من أنواع العبادة أمورا سنذكرها إن شاء الله تعالى وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ والدعاء في هذه الآية هو الدعاء بنوعيه دعاء العبادة ودعاء المسألة وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ والحنيف هو الراغب عن الشرك المنكر له وقد فسره ابن القيم ﵀: بتفسير شامل لمدلول لاإله إلا الله فقال: الحنيف المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه وهذا التوحيد هو الذي أنكره أعداء الرسل من أولهم إلى آخرهم وقد بين تعالى ضلالهم بالشرك كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ ِلأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وهذا المذكور في هذه الآية هو توحيد الربوبية ومشركو العرب والأمم لم يجحدوه بل أقروا به لله فصار حجة عليهم فيما جحدوه من توحيد الالهية ولهذا قال بعد هذه الآية ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ
[ ٢١٣ ]
دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا بل القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا التوحيد مطابقة وتضمنا والتزاما وهو الدين الذي بعث به المرسلين من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الله تعالى إنما أدار من عباده أن يخلصوا له العبادة وهي أعمالهم ونهاهم أن يجعلوا له شريكا في عباداتهم وإرادتهم التي لا يستحقها غيره كما تقدم قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا ِلأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ والمراد تطهيره عن الشرك في العبادة ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وقد بين الله تعالى في مواضع من القرآن معنى كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" ولم يكل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه وهو صراطه المستقيم كما قال "وأن اعبدوني هذا صراط المستقيم" وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ*وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فعبر عن لا إله بقوله: "إنني براء مما تعبدون" وعبر عن معنى إلا الله بقوله: إلا الذي فطرني فتبين أن معني لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى كما تقدم وهذا واضح بين لمن جعل الله له بصيرة ولم تتغير فطرته فلا يخفى إلا على من عميت بصيرته بالعوائد الشركية وتقليد من خرج عن الصراط المستقيم من أهل الأهواء والبدع والضلال ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وقال تعالى: في بيان معناها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
[ ٢١٤ ]
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِ والمعنى أي بعض كان من نبي أو غيره كالمسيح ابن مريم ولعزير ونحوهما وفي قوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ معنى "لا إله" وقوله: إلا الله هو المستثنى في كلمة الإخلاص وهذا التوحيد هو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ أهل الكتاب وغيرهم من الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد قال تعالى: في معنى هذه الكلمة عن أصحاب الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ففي قولهم: وإذ اعتزلتموهم معنى لا إله وقولهم: إلا الله المستثني في كلمة الإخلاص وقال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ فتقرر بهذه أن الإلهية هي العبادة وأن من صرف منها شيئا من لغير الله قد جعله لله ندا والقرآن كله في تقرير معنى لا إله إلا الله وما تقتضيه وما تستلزمه وذكر ثواب أهل التوحيد وعقاب أهل الشرك ومع هذا البيان الذي ليس فوقه بيان كثر الغلط في المتأخرين من هذه الأمة في معنى هذه الكلمة وسببه تقليد المتكلمين الخائضين فظن بعضهم إن معنى لا إله إلا الله إثبات وجود الله تعالى ولهذا قدروا الخبر المحذوف في لا إله إلا الله إله موجود إلا الله ووجوده تعالى قد أقربه المشركون الجاحدون لمعنى هذه الكلمة وطائفة ظنوا أن معناها قدرته على الاختراع وهذا معلوم بالفطرة وما يشاهد من عظيم مخلوقات الله كخلق السموات والأرضى وما فيها من عجائب المخلوقات وبه إستدل الكليم موسى ﵊ على فرعون لما قال: "وما رب العالمين قال رب السموات والأضى وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب الأولين" وفي سورة بني إسرائيل "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرضى بصائر" ففرعون يعرف الله ولكن جحده مكابرة وعنادا وأما غير فرعون من أعداء الرسل من قومهم ومشركي العرب ونحوهم فاقروا بوجود الله تعالى وربوبيته كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلم يدخلهم ذلك في
[ ٢١٥ ]
الإسلام لما جحدوا ما دلت عليه لا إله إلا الله من إخلاص العبادة بجميع أفرادها وحده وفي الصحيح "من مات وهو يدعو الله ندا دخل النار" وتقدم فيما تقدم من قول قوم هود " أجئتنا لنعبد الله وحده " دليل على أنهم أقروا بوجوده وربوبيته وأنهم يعبدونه لكنهم أبوا إن يجردوا العبادة وحده دون آلهتهم التي كانوا يعبدونها معه فالخصومة بين الرسل وأممهم ليست في وجود الرب وقدرته على الاختراع فإن الفطر والعقول دلتهم على وجود الرب وأنه رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء والمتصرف في كل شيء وإنما كانت الخصوصة في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾
فالشرك في العبادة هو الذي عمت به البلوى في الناس قديما وحديثا كما قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تأخذ مأخذ القرون وقبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ولهذا أنكر كثير من أعداء الرسل في هذه الأزمنة وقبلها على من دعاهم إلى إخلاص العبادة الله وحده وجحدوا ما جحدته الأمم المكذبة من التوحيد واقتدوا بمن سلف من أعداء الرسل في مسبتهم من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله ونسبته إلى الخطأ والضلال كما رأينا ذلك في كلام كثير منهم كابن كمال المشهور بالشرك والضلال وقد كمل في جهله وضلاله وأتى في كلامه بأمحل المحال وقد إشتهر عنه بأخبار الثقات أنه يقول: عبد القادر في قبره يسمع ومع سمعه ينفع وما يشعره أنه في قبره الآن رفات كحال الأموات وهذا قول شنيع وشرك فظيع ألا ترى إن الحي الذي قد كملت قوته وصحت حاسة
[ ٢١٦ ]
سمعه وبصره لو ينادى من مسافة فرسخ أو فرسخين لم يمكنه سماع ناداه من ناداه فكيف يسمع ميت من مسافة شهر أو دون ذلك أو أكثر وقد ذهبت قوته وفارقته روحه وبطلت حواسه هذا من أعظم ما تحيله العقول وتنكره الفطر وفي كتاب الله ﷿ ما يبطله قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاخبر الخبير جل وعلا أن سماعهم ممتنع واستجابتهم لمن دعاهم ممتنعة فهؤلاء المشركون لما استغرقوا في الشرك ونشأوا عليه أتوا في أقولهم: بالمستحيل ولم يصدقوا الخبير في أخباره وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فذكر تعالى أنهم أموات دليل على بطلان دعوتهم وكذلك عدم شعورهم يبين تعالى بهذا جهل المشرك وضلاله فأحق ﷿ في كتابه الحق وأبطل الباطل ولو كره المشركون لكن هؤلاء لما عظم شركهم نزلوا الأموات في علم الغيب منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة إلا عين وما تخفي الصدور وشبهوهم برب العالمين سبحانه وتعالى عما يشركون قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النهي عن الشرك في العبادة إلا قولهم: قال أحمد بن حجر الهيشمي: قال: فلان وقال فلان: يجوز التوسل بالصالحين ونحو ذلك من العبارات الفاسدة.
فنقول: هذا أمثاله ليس بحجة تنفع عند الله وتخلصهم من عذابه بلى الحجة ما في كتاب الله وسنة رسول ﷺ الثابتة عنه وما أجمع عليه سلف الأمة أئمتها وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: أو كلما جاءنا أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله. إذا عرف ذلك فالتوسل يطلق على شيئين فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح في غيابه أو بعد وفاته فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه ولو جاز لما ترك
[ ٢١٧ ]
الصحابة ﵃ من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته كما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته إذا قحطوا وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج بالعباس ابن عبد المطلب عام الرمادة بمحضر من السابقين الأولين يستسقون فقال: عمر اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ثم قال إرفع يديك يا عباس فرفع يديه يسأل الله تعالى ولم يسأله بحاه النبي ﷺ ولا بغيره ولو كان هذا التوسل حقا كانوا إليه أسبق وعليه أحرص فإن كانوا أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به فهذا هو شرك المشركين بعينه والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدا فمن ذلك قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ*قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالذي له ملك السموات والأرض هو الذي يأذن في الشفاعة كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو لا يرضى إلا الإخلاص بالأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما صرح به النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره وأنكر تعالى على المشركين اتخاذ الشفعاء فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فبين تعالى في هذه الآية أن هذا هو شرك المشركين وأن الشفاعة ممتنعة في حقهم لما سألوها من غير وجهها وإن هذا شرك نزه نفسه عنه بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهل فوق هذا البيان بيان وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بطلبهم من غيره أن يقربوهم إليه وقد تقدم بعض الأدلة على النهي عن دعوة غير الله والتغليظ في ذلك وأنه في غاية الضلال وأنه شرك بالله وكفر به كما قال ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فمن أراد النجاة
[ ٢١٨ ]
فعليه بالتمسك بالوحين الذين هما حبل الله وليدع عنه بنيات الطريق كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقد مثل النبي ﷺ الصراط المستقيم وخط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: "هذه هي السبل وعلى كل سبيل شيطان يدعوا إليه" والحديث في الصحيح وغيره عن عبد الله ابن مسعود وكل من زاغ عن الهدى وعارض أدلة الكتاب والسنة بزخرف أهل الأهواء فهو الشيطان.
فصل
والعاقل إذا تأمل ما عارض به أولئك الدعاة إلى الشرك بالله في عبادته كابن كمال وغيره دعاء الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فالعاقل يعلم أن معارضتهم له قد اشتملت على أمور كثيرة منها.
"الأمر الأول" أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل من توحيد العبادة وما نزلت فيه الكتب الإلهية من هذا التوحيد فهم في الحقيقة إنما عابوا الرسل والكتب المنزلة عليهم من عند الله.
"الأمر الثاني" تضمنت معارضتهم قبول الشرك الأكبر ونصرته وهو الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه وقد خالفوا جميع الرسل والكتب فهم في الحقيقة قد أنكروا على من دان بهذا التوحيد ودعا إليه من الأولين والآخرين.
"الأمر الثالث" وقد تضمنت معارضتهم أيضا مسبة من دعا إلى التوحيد وأنكر الشرك أسوة بأعداء الرسل كقوم نوح إذ قالوا ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ وقال قوم هود ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ وقول من قال من مشركي العرب للنبي محمد ﷺ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ فالظلم والزور في كلام هؤلاء المنكرين للتوحيد أمر ظاهر يعرفه كل عاقل منصف فقد تناولت مسبتهم كل من دعا إلى الإسلام وعمل به من الأولين والآخرين كما أن من كذب رسولا فيما جاء به من الحق فقد كذب
[ ٢١٩ ]
المرسلين كما ذكره الله تعالى في قصص الأنبياء فمن أنكر ما جاءت به الرسل فهو عدو لهم.
"الأمر الرابع" وتضمنت معارضتهم أيضا الكذب والإفك والبهتان وزخرف القول في ذلك أسوة أعداء الرسل الذين قال الله فيهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ فهذه حال كل داعية إلى الشرك بالله في عبادته من الأولين والآخرين فإذا تأمل اللبيب ما زخرفوه وأتوا به من الفشر والأكاذيب وجدها كما قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
"الأمر الخامس" معارضة أولئك للآيات المحكمات البينات التي هي في غاية البيان والبرهان وبيان ما ينافي التوحيد من الشرك والتنديد عارضوا بقول أناس من المتأخرين لا يجوز الاعتماد عليهم في أصول الدين فيقولون قال ابن حجر الهيثمي: قال البيضاوي: قال فلان: ولا ريب أن الزمخشري وأمثاله من المعطلة أعلم من هؤلاء وأدري في فنون العلم لكنهم أخطؤا كخطأ هؤلاء وفي تفسير الزمخشري من دسائس الاعتزال ما لا يخفى وليسوا بأعلم منه وعلى كل حال فليسوا بحجة يعارض بها نصوص الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها من الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم الخليل ﵇ ودين الرسل الذي قال الله تعالى: فيه ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ فأولئك المعارضون للحق بمن ذكرنا وأمثالهم فيهم شبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وهذا على تقدير أنهم أصابوا في النقل عنهم ولعلهم أخطئوا وكذبوا عليهم والله أعلم.
والأدلة بالإجماع ثلاثة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
[ ٢٢٠ ]
وأما القياس الصحيح فعند بعض العلماء حجة إذا لم يخالف كتابا ولا سنة فإن خالف نصا أو ظاهرا لم يكن حجة وهذا هو الذي أجمع عليه العلماء سلفا وخلفا وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه وأما قوله: ﷺ في الحديث الصحيح: "وكفر بما يعبد من دون الله" فهذا شرط عظيم لا يصح قول لا إله إلا الله معصوم الدم والمال لأن هذا هو معنى لا إله إلا الله فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دل عليه من ترك الشرك والبراءة منه وممن فعله فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله وتبرأ منه وعادى من فعل ذلك صار مسلما معصوم الدم والمال وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد قيدت لا إله إلا الله في الأحاديث الصحيحة بقيود ثقال لا بد من الإتيان بجميعها قولا واعتقادا وعملا فمن ذلك حديث عتبان الذي في الصحيح "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" وفي أحاديث أخر "صدقا من قلبه مستيقنا بها قلبه –غير شاك" فلا تنفع هذه الكلمة قائلها إلا بهذه القيود إذا اجتمعت له مع العلم بمعناها ومضمونها كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: لنبيه ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فمعناها يقبل الزيادة لقوة العلم وصلاح العمل فلا بد من العلم بحقيقة معنى هذه الكلمة علما ينافي الجهل بخلاف من يقوله: اوهو لا يعرف معناها ولا بد من اليقين المنافي للشك فيما دلت عليه من التوحيد ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك فإن كثيرا من الناس يقوله: اوهو يشرك في العبادة وينكر معناها ويعادي من اعتقده وعمل به ولا بد من الصدق المنافي للكذب بخلاف حال المنافق الذي يقوله: امن ير صدق كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ولا بد من القبول المنافي للرد بخلاف من يقوله: اولا يعمل بها ولا بد من المحبة لما دلت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك والفرح بذلك المنافي لخلاف هذين الأمرين ولا بد من الانقياد بالعمل بها وما دلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه وأنت
[ ٢٢١ ]
أيها الرجل ترى كثيرا ممن يدعي العلم والفهم قد عكس مدلول لا إله إلا الله كابن كمال ونحوه من الطواغيت فيثبتون ما نفته لا إله إلا الله من الشرك في العبادة ويعتقدون ذلك الشرك دينا وينكر ما دلت عليه من الإخلاص ويشتم أهله وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
وهذا النوع من الناس الذين قد فتنوا وافتتنوا يستجهلون أهل الإسلام ويستهزؤون بهم أسوة من سلف من أعداء الرسل وقد قال الله تعالى: في أمثال هؤلاء ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
وأما ما سألن عنه من حديث "خذ من القرآن ما شئت لما شئت" فهذا ليس بحديث ولا يصح أن ينسب إلى النبي ﷺ وأما حديث ويش الذي يغبأ يا رسول الله قال: الذي ما كان فلا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ هذا كيف وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فسماها غائبة مع وجودها في السماء والأرضى.
"وأما في المسئلة الربعة" فيمن يعرف التوحيد ويعتقده ويقرأ في التفسير كتفسير البغوي ونحوه فلا بأس أن يحدث بما سمعه وحفظه من العلم ولو لم يقرأ في النحو.
فمن المعلوم أن كثيرا من العلماء من المحدثين والفقهاء إنما كان دأبهم طلب ما هو الأهم والنحو إنما يراد لغيره فيأخذ الرجل منه ما يصلح لسانه فانشر ما علمت من العلم خصوصا علم التوحيد الذي هو الآيات المحكات كالشمس في نحر الظهيرة لمن رغب فيه وأحبه وأقبل عليه وقد عرفت أن كتمان العلم مذموم بالكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ
[ ٢٢٢ ]
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ﴾
وقد ارشد الله تعالى عباده إلى تدبر كتابه وذم من لم يتدبره وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأخبر عن جن نصيبين أنهم لما سمعوا قراءة النبي ﷺ للقرآن بوادي نخلة منصرف من الطائف ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا ادعى الله وآمنوا به " الآية وأخبر تعالى عنهم في سورة الجن أنهم أنكروا الشرك الذي كان يفعله الإنس مع الجن من الاستعاذة بهم إذا نزلوا واديا وأخبر تعالى عن هدهد سليمان أنه أنكر الشرك وهو طائر من جملة الطير قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ*إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ*أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية فحديث الهدهد سليمان ﵇ بما ورآهم يفعلونه من السجود ليغر الله والسجود نوع من أنواع العبادة فليت أكثر الناس عرفوا من الشرك ما عرفوا الهدهد فأنكروا وعرفوا الإخلاص فالتزموه بالله التوفيق فسبحانه من غرس التوحيد في قلب من شاء من خلقه وأضل من شاء عنه بعلمه وحكمته وعدله.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة فأما فرضه باليد واللسان فإنه من فروض الكفايات إذا قام به طائفة سقط عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا وأما القلب فلا يسقط عنه بحال قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال في حق من تركته: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وفي الحديث الصحيح "من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
[ ٢٢٣ ]
أضعف الإيمان" وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
وأما ما ذكرت بعد ذلك من الأسئلة في مخالطة المشركين وأهل البدع فإن كان لك قدرة على الهجرة عنهم وجبت عليك لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين والبعد عنهم وأما من كان من المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة عنهم وجبت عليك لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين والبعد عنهم وأما من كان من المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة فعليه أن يعتزلهم ما استطاع ويظهر دينه ويصبر على أذاهم فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية والله المستعان.
وأما السؤال عن قوله تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فالآية نزلت في شأن عمار بن ياسر لما عذبه مشركوا مكة وحبسوه في بئر ميمون وأكرهوه على كلمة كفر فقالها تخلصا من عذابهم فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "فإن عادوا فعد" وهذا قبل وجوب الهجرة فأنزل الله هذه الآية.
وأما حديث "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين لا تراءى ناراهما" فهذا في حق من له القدرة على البعد عنهم وأما من لا يمكنه البعد عنهم بحيث لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه فلا.
وأما حديث "من أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فاؤلئك هم الهالكون" فقد تقدم بيان ذلك في معنى حديث "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" فالانكار يجب مع الاستطاعة والكراهة هي أضعف الإيمان وأما الرضا بالمنكر والمتابعة عليه فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
والله أعلم ونسأل الله تعالى الثبات على الإيمان وأن لا يزيغ قلوبنا عنه بعد إذ هدانا إليه وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين آمين١
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والمسائل ٢/١٥.
[ ٢٢٤ ]
الرسالة الثامنه والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٨"
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام المكرم أكرمه الله بالتوحيد وحماه من شبه أهل الشرك والإلحاد والتنديد سلام عليك ورحمة الله وبركاته "وبعد" فاعلم أن لا إله إلا الله لها معنى عظيم تستضيء به قلوب أهل الإسلام والإيمان وهو الذي بعث الله به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وخلقهم لأجله والقرآن من أوله إلى آخره يبين معنى هذه الكلمة وتذكر بعض ما دل عليه القرآن من معناها وما ذكر العلماء من أئمة الإسلام فدونك كلام العماد بن كثير رحمه الله تعالى: في تفسير سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ذكر أن هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون وهي آمرة بالإخلاص وإن قريشا دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون إلهه سنة فأنزل الله هذه السورة وأمره فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده ولهذا كان كلمة الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله والمشركون يعبدون غير الله قلت: فأمر الله تعالى نبيه أن يتبرأ من أوثان المشركين وأصنامهم التي كانت موجودة في الخارج اللات والعزى ومناة وغيرها وقد أخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال: لأبيه وقومه ﴿مَا تَعْبُدُونَ*قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ - إلى قوله:- ﴿إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فصرح بعداوة أصنامهم بأعيانها وهي موجودة في الخارج واستثنى من معبوداتهم رب العالمين لأنهم كانوا يعبدون الله لكنهم يعبدون معه الأصنام فاستثنى المعبود الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له فأخبر تعالى عنه أنه قال لقومه ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ وأخبر عنه أنه قال لقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وجعلها كلمة
[ ٢٢٥ ]
باقية في عقبه وهي: لا إله إلا الله بإجماع أهل الحق فعبر عنها بالبراءة من معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الخارج فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُون﴾ َ وهو معنى النفي في قوله: ﴿لاَ إِلَهَ﴾ وقوله: إلا الذي فطرني هو معنى إلا الله وهذا كاف في البيان لمثلك الذي عرف معنى ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهذا المعنى في هذه الكلمة يعرفه حتى المشركون كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ*وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ عرفوا أن لا إله إلا الله تدل على ترك عبادة آلهتهم التي كانوا يعبدونها من أوثانهم وأصنامهم وكل الفرق يعرفون معناها حتى أعداء الرسل كما قالت عاد ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فعرفوا على شدة كفرهم أنه أراد منهم ترك عبادة ما كان يعبده آباؤهم.
فتبين بهذا أن لا إله إلا الله نفت كل ما كان يعبد من دون الله من صنم ومن وثن من حين حدث الشرك في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة وهذا المعنى أكثر أهل العلم يسلمونه ويعرفونه حتى الخوارج والرافضة والمعتزلة والمتكلمون من كل أشعري وكرامي وما تريدي وإنما اختلفوا في العمل بلا إله إلا الله فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا فخفي عليهم حقيقة الشرك وأما الفلاسفة وأهل الإتحاد فإنهم لا يقولون بهذا المعنى ولا يسلمونه بل يقولون أن المنفي بلا إله إلا الله كلي لا يوجد منه في الخارج الافرد وهو الله فهو المنفي وهو المثبت بناء على مذهبهم الذي صاروا به أشد الناس كفرا وهو قولهم: أن الله وحدة الوجود المطلق فلم يخرجوا من ذلك صنما ولا وثنا ويشبه قولهم: هذا أهل وحدة الوجود القائلين بأن الله تعالى هو الموجود بعينه فيقولون أن المنفي كلي والمثبت بقوله: إلا هو الوجود بعينه ولا فرق عند الطائفتين بين الخالق والمخلوق ولا بين العابد والمعبود كل شيء عندهم هو الله حتى الأصنام والأوثان وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء فخذ قولي وأقبله وفقك الله فلقد عرفت بحمد الله ما أرادوه من قولهم: أن المنفي كلي لا يوجد منه في لخارج إلا فرد ويدعى هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة أن تقدير خبر لا وجود وهذه
[ ٢٢٦ ]
الكلمة لم توضع لتقرير الوجود وإنما وضعت لنفي الشرك والبراءة منه وتجريد التوحيد كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم وتقدير خبر لا بموجود لا يجري إلا على مذهب الطائفتين لعنهم الله على قولهم: أن الله هو الموجود فلا موجود إلا الله فهذا معنى قوله: أنه كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد فغير المعنى إنما هو حقيقتها كما قال: المسيح ﵇ ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ولا ريب أن كل معبود سوى الله فهو باطل والمنفي بلا إله هي المعبودات الباطلة والمستثنى بإلا هو سبحانه ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الحج ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وقال في آخر السورة ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعونه من دونه هو الباطل﴾ وقال في سورة لقمان ﴿ذلك بإن الله هو الحق وأن ما يدعو من دونه الباطل﴾ فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق﴾ ُّ هو المستثنى بإلا الله وهو الحق وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ هو المنفي بلا إله وما بعد هذا إلا التلبيس على الجهال وإدخال الشك عليهم ف معنى كلمة الإخلاص فكابر المعقول والمنقول بدفعه ما جاء به كل رسول.
نسأل الله لنا ولكم علما نستضيء به من جهل الجاهلين وضلال المضلين وزيغ الزائغين وفي الحديث "رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني" وقد كان أبوبكر الصديق ﵁ يقرأ في الركعة الأخيرة بعد المغرب ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وهذا بحمد الله كاف في بيان الحق وبطلان الباطل وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين١ وسلم تسليما
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٩٣.
[ ٢٢٧ ]
الرسالة التاسعه والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٢٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان سلام عليكم ورحمة لله وبركاته "وبعد" تفهمون أن الجماعة فرض على من دان بالإسلام كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلب وذرفت منها العيوب فقلنا يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه ﷺ وذلك بسبب الجهاد وكذلك الخلفاء رد الله بهم إلى الجماعة من خرج عنها وأقاموا الجهاد في سبيل الله فأظهر الله بهم وفتح الله لهم الفتوح وجمع الله عليهم. وتفهمون أن الله ﷾ جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل ﵀: فالذي بايع بايع وهم الأكثرون والذي ما بايع بايعوا لهم كبار هم وإجتمعوا عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم وسمعوا وأطاعوا ولا اختلف عليه أحد منهم حتى سعود بن فيصل بايع أخاه وهو ما صار له مد خال أمر المسلمين لا في حياة والده ولا بعده ولا التفت له أحد من المسلمين ونقض البيعة وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا واختلاف المسلمين على إمامهم وسعى في نقض الإمام وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ*وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر نقض البيعة بنفسه وفارق الجماعة ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام فعلى هذا يجب قتاله وقتال من أعانه وفي الحديث من فارق الجماعة قيد بشر فمات فميتته جاهلية وفي.
[ ٢٢٨ ]
الحديث الآخر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله لما في الحديث إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
فظاهر الحديث أن المراد ما يجري بين القبائل إما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين أو طعنة فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم من غير خروج على الإمام ونقض لبيعة الإسلام ولا شق عصا المسلمين وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم ذكروا قتال العصبية وحكمه وقتال الباغي وحكمه فذكروا أنه يجب على الإمام في قتاله العصبية أن يحملهم على الشريعة وأما البغاة فحكمهم أنهم يقاتلون حتى يفيؤا أو يرجعوا ويدخلوا في جماعة المسلمين فالفرق ظاهر بين والله الحمد فاستعينوا بالله على قتال من بغي وطغى وسعى في البلاد بالفساد وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفي على من له عقل واحتسبوا جهادكم وأجركم على وأنتم سالمون والسلام. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعي١ن.
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٧.
[ ٢٢٩ ]
الرسالة الثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٠"
من عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ عبد الله بن محمد: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وما ذكرت أنا ننصركم فبلدكم بعيد لا يستطاع الوصول إليها وأما نصرتكم بالحجة والبيان فالله تعالى وقد قال في كتابه ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ والخصومة بينكم وبين الضد في عبادتهم غير الله تعالى من الأموات الذين لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقد كان جل عبادتهم لهم في الرغبات والرهبات بالدعاء والاستعانة وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وأجد نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله كالأنبياء ومن دونهم وقد أمر الله نبيه أن يعبد ربه وحده بالدعاء وغيره من أنواع
[ ٢٢٩ ]
العبادة قال الله تعالى: آمرا نبيه أن يدعوا أمته أن يخلصوا الدعاء لربهم وخالقهم فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ فبين تعالى أنه المستحق لدعوة الحق وإن الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء وأ، دعوة غيره ضلال والضلال ضد الهدي وكفرهم بذلك وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فكفر من يدعوا غيره في هاتين الآيتين وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ*وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فهذه الآيات تقصم ظهر المشرك الملحد فمن تمسك بها غلب خصمه المشرك كما قال شيخنا رحمه الله تعالى: والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هولاء الشياطين وما ذكرت من أنهم يأتون بفتاوى من علماء مكة فليس مع من عارض أدلة التوحيد إلا شبهات شياطين وقد كتبنا نسخة في هذا المعنى ردا على من زعم أن الاستمداد بالاموات جائز وفيها كفاية لأهل الحق.
وأما ما سئلت عنه فيمن أنكر الحكم برجحان العمل بالحديث الصحيح في مقابلة المذهب الملتزم.
فهذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية وهذا أصل عظيم من اصول الدين قال العلماء ﵏ "كل يؤخذ من قوله: ويترك إلا رسول الله ﷺ وهذا قول الإمام مالك ﵀".
[ ٢٣٠ ]
وهذا القول الذي يقوله: هؤلاء يفضي إلى هجران الكتاب والسنة وتبديل أحكام النصوص كما فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى والكتاب والسنة شفاء وهدى لمن أصغى إليهما.
ومن طلب الحق منهما ناله وفهمه وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ والأمر بتدبره والتذكر ليس مخصوصا بالعلماء المجتهدين بل عام لكل من له فهم يدرك به معنى الكلام والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة فيه شبه بمن قال اله فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وأهل الاجتهاد من العلماء وإن كانوا معذورين بإجتهادهم إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة وينهون عن تقليدهم فالأئمة ﵏ اجتهدوا ونصحوا قال الإمام الشافعي إذا جاء الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط فهو مذهبي وأما قولكم الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر كيسير الرياء والحلف بغير الله وقول الرجل أنا في حسبك ولولا الله وأنت وأن يجاهد بالمعروف لطلب رياسة أو مال أو وظيفة كمن يتعلم العلم لوظيفة المسجد أو يقرأ القرآن ليسئل الناس به أو يبيع الختمات أو يحج ليأخذ المال أو يتصدق ليكثر ماله أو نحو ذلك وهذا إنما يتبين بالتمثيل والحد لا بالعد وأما الشرك الأكبر فهو إتخاذ الأنداد من أرباب القبور والغائبين ومخاطبتهم بالحوائج والذبح لهم والنذر واعتقاد أنهم ينفعون ويدفعون وكاتخاذ الأشجار والأحجار والأصنام لجلب الخير ودفع الضر بها وغير ذلك وهو كثير جدا وهو أن يرغب إلى شيء أو يدعوه أو يخافه أو يرجوه أو يعكف عند القبر تعظيما له ونحو ذلك وأمور الشرك أكبره وأصغره لا تدرك بالعد لكن الشرك الأكبر يخرج من الملة ويحبط الأعمال لأنه أعظم ذنب عصي الله به وهو أظلم الظلم لأن المشرك أخذ حق الله ووضعه فيمن لا يستحقه وأما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر لقول النبي ﷺ لمن رأى في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه قال: من الواهنة فقال: "إنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي
[ ٢٣١ ]
عليك ما أفلحت أبدا" ولا يكفر الشرك أكبره وأصغره إلا بالتوبة منه قبل الممات والأصغر لا يكفره في الدار الآخرة ألا كثرة الحسنات لأن الأصغر لا يحبط إلا العمل الذي وقع فيه خاصة.
وأما قولكم في الذهاب إلى المقابر التي بنى عليها القباب وأوقد فيها المصباح.
فالجواب أن رسول الله ﷺ لعن اليهود والنصارى وقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وبناء القباب على القبور وإسراجها وسيلة إلى عبادتها والخضوع لها والتذلل والتعظيم وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن النبي ﷺ "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد إشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأما مسألة استغاثة الأحياء بالموتى في طلب الجاه وسعة الرزق والأولاد مثل أن يقال عند القبور نسألك أن تدعوا الله في رفع فقرنا وبسط رزقنا وكثرة أولادنا وشفاء مريضنا لأنكم سلف مستجابوا الدعوات عند الله.
فالجواب هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وهذا شرك في الربوبية والإلهية وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم بطلب الشفاعة والقربة به.
وأما طلب الرزق والأولاد وشفاء المرضى فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ فأقروا لله تعالى أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي يفعل ذلك فأقروا لله بذلك وصابر إقرارهم حجة عليهم في اتخاذهم الشفعاء. وقال قال تعالى: في فاتحة الكتاب
[ ٢٣٢ ]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك فهو المعبود وحده وهو المستعان وقد تقدم ما بين أن الدعاء مخ العبادة لأن الله تعالى نهى عن دعوة غيره وأخبر أن المدعو لا يستجيب لداعيه وأنه شرك وضلال وأنه كفر بالله وقد أوضحنا ذلك في الجواب في إبطال دعوة المدعي جواز الاستمداد بالا موات ومن قال: أن الميت يسمع ويستجيب فقد كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ فأخبر تعالى أن لا أضل ممن يدعو أحد من دون الله غير الله وأخبر أن المدعو لا يستجيب وأنه غافل عن ودعوته وأنه عدوه يوم القيامة.
فأهل التوحيد أعداء أهل الشرك في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ*فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ فأخبر تعالى أن آلهتهم تبرء منهم بين يدي الله ومن عبادتهم ويستشهدون الله على أنهم في حال دعوتهم لهم غافلون لا يسمعون ولا يستجيبون وهذا كتاب الله هو الحاكم بيننا وبين جميع من أشرك بالله من الأولين والأخيرين وليس فعل أحد من الناس ولو من يظن أنه عالم يكون حجة على كتاب الله بل القرآن هو الحجة على كل أحد فلا تغتروا بقول بعضهم قال فلان وفعل فلان.
وأما السؤال عن دلائل الخيرات فيكفي عن دراستها ما وردت به السنة عن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية الصلاة قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" الخ وقد قال: بعض العلماء لما قيل له إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب احرق دلائل الخيرات استحسن ذلك فقال.
وحرق عمدا للدلائل دفترا أصاب ففيها ما يجل عن العد
غلو نهى عنه الرسول وفرية بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
[ ٢٣٣ ]
أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا تساوي فليسا إن رجعت إلى النقد
وأما السؤال عن البردة للبوصيري والهمزية وأمثالها في المديح فالمنكر سواك فدعا غير الله ولاذ به من دون الله والدعاء مخ العبادة واللياذ نوع من أنواع العبادة كالعياذ وقد جاء النبي ﷺ بتغيير ما كان عليه أهل الجاهلية من الإستعاذة بالجن إذا هبطوا واديا يقولون نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي طغيانا فشرع النبي ﷺ لأمته قصر الاستعاذة على الله وأسمائه وصفاته فقال في حديث خولة بنت حكيم وهو في الصحيح من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك وكذلك قول صاحب البردة.
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يازلة القدم
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فكل هذا شرك محرم بالكتاب والسنة فما كان من جنس ذلك وجب إنكاره والنهي عنه وتغييره بطمسه وهذا يتبين بما تقدم من الآيات المحكمات في النهي عن دعوة غير الله والرغبة والتوكل عليه ورجاه.
وأما الإجماع فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فقال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا وأما البدعة المنهي عنها فكل ما حدث بعد النبي ﷺ وأصحابه ولا دل عليه قول من النبي ولا فعل وكذلك أصحابه الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير فكل ما حدث بعدهم في العبادات وغيرها من أمور الدين فهو بدعة لقول النبي ﷺ لأصحابه في خطبته: وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما لكن في أصول الأدلة ما يكفي المسافر إلى الله
[ ٢٣٤ ]
على صراط مستقيم وكل ما لم يفعله أصحاب الرسول ﷺ مما حدث بعدهم فالجواب أن يقال لو كان خيرا سبقونا إليه.
وأما السؤال عن السفر إلى قبر النبي ﷺ فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" فالنهي عن شد الرحال إلى غير الثلاثة لفظ عام يتناول المساجد وغيرها وفحوى الخطاب يدل عليه لأن غير المساجد من باب أولى ولكن إذا نوى الإنسان السفر إلى مسجده حصلت زيارة القبر الشريف تبعا فإنه إذا وصل إلى المسجد سلم على النبي ﷺ من قرب فيكون قد أخذ بعموم الحديث وحصلت له الزيارة من غير أن يخصها بشد الرحال المنهي عنه.
وأما السؤال عن الرسوم والعادات التي شاعت وذاعت في الأعاجم سيما في مشايخهم إذا مرض أحدهم يحفون ويحيطون به فيقرءون شيئا من الآيات بحساب وإعداد معلومات فإذا انتهى قالوا يا قاضي الحاجات ويا كاشف الكربات ثم يأتون بالاطعمة النفيسة فيأكلونها بأجمعهم.
فالجواب أن الذي وردت به السنة دعاء العائد له وحده من غير تكلف ولا اجتماع فإن شاء رقاه بما وردت به السنة كما قال: عبد الله بن مسعود ﵁ لامرأته لما نخستها عينها إنما يكفيك أن تقولي اذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما هذا جنس المشروع.
وأما على هذه الكيفية التي ذكرها السائل فبدعة تجري مجرى ما ذكره تعالى ردا على من ابتدع في دينه فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
وأما ما ذكره السائل من أنه إذا مات أحدهم يتصدق أقاربه وعشائره ويذبحون الذبائح ويطبخون الطعام ويفرشون الحرير ويدعون الناس كلهم الغني والفقير فليس هذا من دين الإسلام بل هو بدعة وضلالة ما أنزل الله بها
[ ٢٣٥ ]
من سلطان وهذا من جنس ما أحدثه اليهود والنصارى من التغيير والتبديل في شريعتهم خالفوا به ما جاءت به أنبياؤهم فيجب اجتناب ذلك المأتم وما في معناه.
وأما ماسألت عنه من شد الرحال إلى مكانات مشرفة للأنبياء والأولياء هل هو ممنوع ومحذور أم لا.
فالجواب لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ في الحديث الذي تقدم وهو قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" فإذا كان بترك للمحمل المزور فهو من الشرك لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ أو الولي لتعود بركته عليه بزعمهم وهذا حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومنات فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزيارتهم لها وإتيانهم إليها وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" فجعل التبرك بالأشجار مثل قول بني إسرائيل إجعل لنا إلها وهذا هو جنس عبادة الأشجار والأحجار.
وأما قول بعضهم أن أمور التعظيمات خصصه الله تعالى للذات وسماه بالعبادة كالسجود والركوع والقيام كقيام الصلاة والتصدق بالصدقات والصيام باسمه وقصد السفر إلى بيته من المكانات البعيدات فهذا من وحي الشيطان وزخرفته التي ألقاها على ألسن المشركين فجمع لهم الشرك وتعظيمه والغلو فيه والبدع والضلالات.
وكل هذا باطل ما أنزل الله به من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى.
وأما سؤاله عن رجل بنى في جوار قبر صالح لإفاضة الفيوضات عليه
[ ٢٣٦ ]
وإصابة البركات ورجل جلس مراقبة على قبر صالح
فالجواب من أخبر هذا المغرور أن هذا المدفون تفيض عليه وهذا من جنس ما قبله مما زين الشيطان وأجراه على السن المغرورين المفتونين الذين أعرضوا عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ولما قال رجل للنبي: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا قل ماشاء الله وحده وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقد صان الله قبر نبيه ﷺ بأن صار قبره في حجرته حذرا من هذه الأمور التي نهى عنها. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا وقال ﷺ: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" والضابط أن ما كان يفعل مع الميت من رفع الأصوات على جنازته والتبرك به وبتربته والنذر له وغير ذلك من الشرك كالذبائح والنذور التي يقصد بها الميت حرام وهي مما أهل به لغير الله كما صرح به القرآن قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
وقد تضمنت هذه الأفعال التي ذكرت الشرك والبدع والغلو في الدين وخالف أهلها وصادموا ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى وتوجيه الوجه والقلب إلى الله تعالى بجميع الإرادات الشرعية والأحوال الدينية وقد أبطل الله في كتابه التعلق على غيره كائنا من كان قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ*يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
[ ٢٣٧ ]
سَحِيقٍ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
إذا عرفت ذلك وما في معناه من الآيات المحكمات فهذه الشبهات التي أعتمدها كثير من جملة المشركين كلها باطلة تصادم كتاب الله وسنة رسوله وأول من زخرف هذه الشبهات وزين للجهال التعلق على الأموات زنادقة الفلاسفة الكفار الدعاة إلى الخلود في عذاب النار كابن سينا والفارابي فإنهم أدخلوا على كثير ممن ينتسب إلى العلم كثيرا من الفلسفة وزخرفوا هذه الشبهات التي صارت في أيدي المشركين وحاولوا بها إبطال ما في الكتاب والسنة من توحيد المرسلين وخالص حق رب العالمين فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا فمن التفت إلى الأموات يستمد منهم نفعا وتبركا بهم فقد اتخذهم أربابا من دون الله قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقد أخبر تعالى عن عيسى ابن مريم أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وهو دليل على أن من مات فلا اطلاع له على الأحياء ولا علم له بهم١ فكيف يدعو من لا يعلم ماله ولا يدري ما يفعله وما يقوله: وقد تقدم في الآيات المحكمات مايدل على ذلك وأن المدعو لا يسمع ولا يستجيب فما هذه التعلقات الشركية التي هي أضل الضلال وأمحل المحال الا من وحي الشيطان وزخرفة أعداء المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
_________________
(١) ١ إذا كان هذا قول عيسى وقد رفعه الله حيا فكيف بالأموات.
[ ٢٣٨ ]
يَفْتَرُونَ﴾ وكل هذه التعلقات على الأموات والغائبين هي أعمال الشرك من المشركين قديما وحديثا وهو شرك قوم نوح لما صوروا الأصنام على صور صالحيهم قال من بعدهم: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم فعبدوهم أي بطلب الشفاعة منهم واستمداد البركة بهم وهذا هو شرك العالم وهم في آخر هذه الأمة أشد وأعظم فاستمسك بأدلة القرآن وسبيل أهل الإيمان.
وقد عرفت أن عبادة الأشجار والقبور والأحجار بدعائهم لها باستمداد البركة منها في زعمهم أنه أبطل الباطل وأمحل المحال كما دل عليه الكتاب والسنة.
وهذا الجواب يكفيك عما تقدم من السؤالات فكل ما كان يفعل عند القبور من التعظيم لها ولأربابها وقصدها والتبرك بها والدعاء عندها أولها كل هذا شرك وضلال.
فتأمل قوله: عن خليله ﵇ ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ والحنيف هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه فهذه الأدلة التي ذكرنا تبطل كل ما تعلق به المشركون مما كانوا يفعلونه مع العزى ومناة ومن إدعى جواز شيء من ذلك أو أنه يحتمل الجواز فيطالب بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله على أن هذا جائز ولا يخفي أنه ينافي الإخلاص لما فيه من الإقبال على غير الله والرغبة إليه وجلب النفع والدفع منه وكل هذا مردود بالآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة كما ثبت عنه ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" وكل ما كان يفعل هؤلاء مع الأموات فليس فيه مستحب ولا مباح إلا زيارة القبور من غير شد رحل لتذكر الآخرة والاستعداد لما بعد الموت من الإخلاص والعمل المشروع من غير تحر لإجابة الدعاء عندها والصلاة إليها ولو كانت لله فهذا محرم سدا لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد.
[ ٢٣٩ ]
وأما قولهم: بعصمة الأنبياء فالذي عليه المحققون أنه قد تقع منهم الصغائر لكن لا يقرون عليها وأما الكبائر فلا تقع منهم وكل ما قال رسول الله ﷺ مما ثبت عنه فهو حق كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ كذلك تقريراته حق.
وأما قول أبي الوفا بن عقيل رحمه الله تعالى: فهو حق وأعظمه خطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يامولاي إفعل كذا وكذا وأخذ تربتها والتبرك بها فهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وقد كتبنا الأدلة على ذلك في الرد على الذي يقول بالامداد من الموتى فطالعه وفيه ما يكفي ويميز الحق من الباطل.
وأما ما ذكره ابن عقيل ﵀: من أفاضه الطيب على القبور وشد الرحال إليها فهو من إفراطهم وغلوهم في الآلهة التي يعبدونها من دون الله وكلامه عندنا ﵀: مسلم لأنه اشتمل على إنكار الشرك من التعلق بالأموات واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء الحاجات وتفريج الكربات ويخاطبونهم بذلك من قريب وبعيد لإعتقادهم أن لهم تصرفات وأنهم يعلمون الغيب وإن لهم قدرة على ما أرادوا والقرآن كله من أوله إلى آخره ينكر ذلك عليهم ويبين أنه شرك وكفر وضلال ودليله من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة وإجماع أهل السنة والجماعة مذكور على صاحب الرد في الإمداد.
وإما قول الأئمة الأربعة فذلك مذكور في مذاهبهم في باب حكم المرتد في كل مذهب وأما مسح الرقبة فقول أبو حنيفة وجمهور الفقهاء بخلافه لا يرون ذلك وفيه حديث ضعيف.
وأما دعاء القنوت فبعد الركوع ورفع اليدين فيه جائز والتكبير قبله محدث.
وأما الرسالة التي أرسلتموها إلينا فالجواب عليها يصل إليكم إن شاء الله ويظهر بطلانها بالتمسك بالآيات المحكمات والوقوف عندها ويكفي في ردها ما في سورة الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قصر العبادة
[ ٢٤٠ ]
والاستعانة على الله دون كل ما سواه فإن غالط فأدلة النهي عن دعوة غير الله وإنها شرك وكفر تكفي المتمسك بها وذكرنا من الأدلة ما فيه كفاية ولو تتبعنا ما في كتاب الله وسنة رسوله من دلائل التوحيد وكلام السلف والخلف من أهل السنة لاحتمل مجلدا ضخما ومجلدات.
وأما السؤال عن رجل لا يتكلم بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فالجواب ما ذكرتموه من قصة أبي بكر مع المرأة الأحمسية وقال لها إن هذا لا يحل فتكلمت.
وأما ما أحدثه المشايخ من المراقبات واللطائف فإن كانت مما جائت به السنة وفعله أصحاب رسول الله ﷺ فاقبلوه وما لم يفعلوه ولم يقم عليه دليل فدعوه فإن "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"
وأما قول أهل التأويل للصفات إن الله تعالى منزه عن الجهات فهذه شبهة أرادوا بها نفي علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه وقد ذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتاب الله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ في آية الكرسي وغيرها من القرآن فأثبت لنفسه العلو بأنواعه الثلاثة: علو القهر، علو القدر، علو الذات ومن نفى علو الذات فقد سلب الله وصفه وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وحديث المعراج الذي تواترت به السنة يدل على علو الله على خلقه وأنه على عرشه فوق سماواته.
وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبت لنفسه وما أثبته له رسول الله ﷺ من صفات كماله ونعوت جلاله على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل.
تعالى الله عما يقول المحرفون المخرفون عن الحق علوا كبيرا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين آمين١
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٣٣.
[ ٢٤١ ]
الرسالة الواحدة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣١"
من عبد الرحمن بن حسن وإبنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فقد بلغنا من نحو سنتين إشتغالكم ببردة البوصيري وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى من ذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك إلى آخر الأبيات التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله ﷺ النهي عن دعوة الأموات والغائبين بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يستثن أحدا والنبي صلي الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله وقال ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ﴾ فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله وخاطب به نبيه ﷺ ليكون أبلغ للتحذير فكيف يظن بالنبي ﷺ أن الله تعالى ينهاه عن ذلك ويذكر الوعيد عليه ويرضاه أن يفعل ذلك أحد معه أو مع غيره صلوات الله وسلامه عليه ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ودعوة غيره تنافي الإخلاص الذي هو دينه الذي لا يقبل الله دينا سواه وذكر تعالى إختصاصه بالدعاء بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية وأخبر أن دعوة الحق مختصة به وما ليس بحق فهو باطل ولا يحصل به نفع لمن فعله بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله تعالى يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة وكونه ﷺ أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهي الله عنه عباده عموما وخصوصا بل هو
[ ٢٤٢ ]
مأمور أن ينهى عنه ويتبرأ منه كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ وأما اللياذ فهو كالعياذ سواء فالعياذ لدفع الشر واللياذ لجلب الخير وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق.
وأما قوله: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى وقال غير ذلك في منظومته مما يستشبع من الشرك ومدح النبي ﷺ شعراء العرب الفصحاء ولم يقرب أحد منهم حول هذا الحمى الذي هو لله وحده بل مدحوه بالنبوة وما خصه الله به من الفضائل والأخلاق الحميدة مثل حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وأمثال هؤلاء فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق إلا بنظم للشيطان فيه حظ وافر قد أنكره الله ورسوله على من قاله أو فعله وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي وأبيه وأخيه فأقلعوا عنها وتابوا إلى الله منها وتجنبوا الشرك وتبرؤا إلى الله منه ومن أهله وجاهدوا أهله نثرا ونظما وقد نزلت المنزلة التي كانوا عليها في الجاهلية ثم تابوا منها فاصغ سمعك لكتاب الله فإنه يكفيك ويشفيك في كل خير ويعصمك من كل شر اهـ آخر ما وجد من الرسالة والحمد لله١
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٨٢.
[ ٢٤٣ ]
الرسالة الثانية والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٢"
من عبد الرحمن ابن حسن إلى الأخوين المكرمين محمد ابن عبد الله وعبد الله بن سالم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.،
وبعد فقد وصل الكتاب وفهمت ما تضمنه من الخطاب وما ذكرتماه عن
[ ٢٤٣ ]
نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الأولاد الثلاثة فالعادة أن مثل هذا يرجع فيه إلى الإمام لأن نصبه له في أمر خاص وهو فصل القضايا بين الناس.
وأما النظر فيما يصلح للإمامة والتدريس فيرد إلى الإمام وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى لأن كثيرا من الناس ما تخفانا حالهم وعقائدهم ونصب الإمام لقضاة نجد كذلك والشيخ أحمد بن مشرف يسامي الأكابر ومثلهم ما ينسب له والذي نعلم منه صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين الذي جهله أكثر الطوائف كذلك هو رجل سلفي يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم فهم أشاعرة والأشاعرة أخطأو في ثلاث من أصول الدين منها تأويل الصفات وهو صرفها عن حقيقتها التي تليق بالله.
وحاصل تأويلهم سلب صفات الكمال عن ذي الجلال أيضا أخذوا ببدعة عبد الله بن كلاب في كلام الرب تعالى وتقدس ورد العلماء عليهم في ذلك شهير مثل الإمام أحمد والشافعي وأصحابه والخلال في كتابه والسنة وإمام الأئمة محمد بن خزيمة واللالكائي وأبوعثمان الصابوني الشافعي وابن عبد البر وغيرهم من أتباع السلف كمحمد بن جرير الطبري وشيخ الإسلام الأنصاري١وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين كالشهرستاني شيخ أبي المعالي٢ وكذلك أبو المعالي والغزالي وكذلك الأشعري قبلهم في كتاب الإبانة والمقاولات ومع هذا وغيره فبقي هذا في المتأخرين المقلدين لا ناس من المتأخرين ليس لهم إطلاع على كلام العلماء وإن كانوا يعدون من العلماء.
وأخطأوا أيضا في التوحيد ولم يعرفوا من تفسير لا إله إلا الله إلا أن معناها القادر على الاختراع ودلالة لا إله إلا الله على هذا دلالة التزام لأن هذا من توحيد الربوبية الذي أقر به الأمم ومشركوا العرب كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ
_________________
(١) ١ هو إسماعيل الهروي الحنبلي صاحب "منازل السائرين". ٢ الطاهر أن في العبارة تحريف.
[ ٢٤٤ ]
الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآيات وهي كثيرة في القرآن يحتج تعالى عليهم بذلك على ما جحدوه من توحيد الألوهية الذي هو معنى لا إله إلا الله مطابقة وتضمنا وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة وفي سورة آل عمران والنساء وغيرهما ودعت إليه الرسل أن لا تعبدوا إلا الله وهو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ودعا إليه العرب قبلهم كما قال أبو سفيان لهر قل لما سأله عما يقول قال: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وكل السور المكية في تقرير معنى لا إله إلا الله وبيانه فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله في كثير من الأمصار ما يعرفون من لا إله إلا الله القادر على الاختراع وبعضهم يقول معناها الغني عما سواه المفتقر إليه ما عداه وعلماء الاحساء ما عادوا شيخنا ﵀: في مبدء دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهم لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن قال تعالى: عن خليله ﵇ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ*وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ فعبر عن هذه الكلمة بمعناها وهو نفي الشرك في العبادة وقصرها على الله وحده وقال عن أهل الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ فإذا كان هذا التوحيد الذي هو حق الله على العباد قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان الا بمعرفة هذا التوحيد وقبوله ومحبته والدعوة إليه وتطلب أدلته واستحضاره ذهنا وقولا وطلبا ورغبة فهذه نصيحة مني لكل إنسان دعاني إليها غربة الدين وقلة المعرفة فيه فينبغي أن تشاع وتذاع في مخاطر أهل العلم يقبلها من وفقه الله تعالى للخير فإنها خير مما كتبت فيه بأضعاف أضعاف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد وأله وسلم١
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٨٤.
[ ٢٤٥ ]
الرسالة الثالثة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإخوان الأمير محمد بن أحمد والشيخ عبد اللطيف بن مبارك وأعيان أهل الإحساء وعامتهم رزقنا الله وإياهم الاعتصام بالكتاب والسنة وجنبنا وإياهم سبل أهل البدع والأهواء ووفقنا وإياهم لمعرفة ما بعث الله به رسوله من النور والهدى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإن الباعث على هذا الكتاب هو النصيحة لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم "وأوصيكم" بما دلت عليه شهادة لا إله إلا الله وما تضمنته من نفي الإلهية عما سوى الله وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له والبراءة من كل دين يخالف ما بعث الله به رسله من التوحيد كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ*إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّه﴾ َ وهذه الآية وما في معناها تتضمن النهي عن الشرك في العبادة والبراءة منه ومن المشركين من الرافضة وغيرهم والقرآن من أوله إلى آخره يقرر هذه الأصل العظيم فلا غناء لأحد عن معرفته والعمل به باطنا وظاهرا قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الألون والآخرون ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ*وَأُمِرْتُ ِلأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا هو مضمون شهادة أن محمد رسول الله وجوب إتباعه والرضى به نبيا ورسولا ونفي للبدع والأهواء المخالفة لما جاء به ﷺ فلا غناء لأحد عن معرفة ذلك وقبوله ومحبته والإنقياد له قولا وعملا باطنا وظاهرا.
[ ٢٤٦ ]
الرسالة الرابعة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٤"
وبه نستعين وعليه نتوكل ونعتمد.
من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين
[ ٢٤٦ ]
في إقامة العدل والدين وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين فيصل بن تركي جعل الله في عدادهم متبعا لسيرهم وآثارهم آمين..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد أعلم أن الله أنعم علينا وعليكم وعلى كافة أهل نجد بدين الإسلام الذي رضيه لعباده دينا وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه دون الكثير من هذه الأمة الذين خفي عليهم ما خلقوا له من توحيد ربهم الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولإصلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بمعرفة هذا الدين وقبوله والعمل به ومحبته واستفراغ الوسع في ذلك علما وعملا والدعوة إليه والرغبة فيه وأن يكون أكبر هم الإنسان ومبلغ عمله ليحصل له النعيم المقيم الأبدي والسرور السرمدي.
وقد وقع أكثر من أنعم الله عليهم بهذه النعمة في التفريط في شكرها والتهاون بها وعدم الرغبة فيها والإشتغال بما يشغل عنها من الرغبة في الدنيا والإقبال عليها والتحدث بها والعمل بموجبها وقد وقع بالغفلة عن شكر هذه النعمة من التفريط فيها والإشتغال بما يشغل عنها من الرغبة في الدنيا والإقبال عليها مالا يخفى على ذوي البصائر وقد ذم الله تعالى في كتابه أهل الغفلة والإعراض أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبيلهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ فعلينا وعليكم أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد والاجتهاد بالنصيحة لجميع المسلمين بتذكيرهم ما أنعم الله به عليهم ببذل من الدين وتعليمهم ما يجب عليهم تعليمه مما فيه صلاحهم وفلاحهم ونجاحهم وسعادتهم ونجاتهم من شرور الدنيا والآخرة وقد قال تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فإذا كان هذا في أناس في عهد النبوة والقرآن ينزل فمن بعدهم أحرى بأن يكونوا كذلك.
[ ٢٤٧ ]
فيجب على من أقدره الله من المسلمين أن يقوم بنصيحة العباد بهذا الدين علما وعملا ودعوة إليه وتعلما وتعليما ولا يخفى أن العامة تتبع الخاصة فيما أحبوه وقالوه وعملوا به وقد حذر الله عباده من عقوبات الدنيا والآخرة وعن الإعراض عما خلقوا له كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وقال في حق نبيه ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وعلينا أن نحذر ونحذر عما حذرنا الله تعالى عنه من التفريط في طاعة الله وطاعة رسوله والقيام بدينه كما ينبقي.
وبسبب الغفلة عن هذه الأمور الواجبة وقع كثير من الناس في أشياء مما لا يحبه الله ولا يرضاه كما لايخفى على من ينظر بنور الله وقد قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والفساد المعاصي وآثارها في الأرض ولكن كما قيل إذا كثر الإمساس قل الإحساس نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وموجبة الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا صلاح للعباد في دينهم ودنياهم إلا بالقيام بحقه واليوم ما فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا على ضعف وفي يتركه الوعيد الشديد وفعله علامة الإيمان وهو من فروض الكفايات إذا قام بها البعض سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يحصل القيام بذلك أثموا كلهم قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال بعض العلماء فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين لأن فرض العين تخص عقوبته تاركه وفرض الكفاية تعم عقوبته كل من كان له قدرة.
فأوصيكم معشر الأخوان من الخاصة والعامة أن ترغبوا فيما رغبكم الله فيه وأن تهتموا به كاهتمامكم لدنياكم لتسعدوا وتسلموا وتغنموا والشأن كل
[ ٢٤٨ ]
الشأن في الإهتمام بما يرضي الله عنكم ويفع الله به عنكم عقوبات الدنيا والآخرة.
وعلى الإمام وفقه الله أن يبعث للدين عمالا كما يبعث للزكاة عمالا ليعلموهم دينهم ويأمروهم وينهوهم وهذا مما يجب على الإمام أعانه الله على ذلك ووفقه للقيام بوظائف الدين نصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين سنة الخلفاء الراشدين.
وأوصيكم بالتوبة إلى الله عما فرطتم فيه من العمل بدينه وتعليمه وتكميله فإن الله تعالى أكمله لكم وهو أعظم نعمة أنعم بها عليكم فالله الله في الأخذ بأسباب الفلاح والنجاة وعلى كل منكم أن يحاسب نفسه لربه قبل القدوم عليه والرجوع إليه. ولا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية وعلم فاشكروا الله تعالى على ما أعطاكم ومن به عليكم من دين الإسلام وما حصل به من النعم التي لا تحصى وقد خطب نبيكم ﷺ أصحابه وأنذرهم وحذرهم فقال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فأحذروا واحذروا فإن الأمر عظيم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ قال بعض العلماء في قوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ فيه وجوب القيام لله فيما شرعه وأمر به وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ فيه التنبيه على إخلاص العبد في قيامه لربه وطاعته فجمعت هذه الآية العمل بالتوحيد وحقوقه ولوازمه والقيام بذلك جدا واجتهادا،
ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ﴾ فجمع تعالى الدين كله في هاتين الكلمتين: نجب دعوتك: فيه التوحيد لانه الذي دعا إليه ودعت إليه رسله وفي قوله: ﴿وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ﴾ العمل بكتابة واتباع رسوله ﷺ لأن من اتبع كتابه ورسوله فقد اتبع الرسل جميعهم فمن عمل بهاتين الكلمتين فيما كان طاعة لله ولرسوله فقد فاز ونجا وحصل ما تمناه المفرطون يوم القيامة فالله
[ ٢٤٩ ]
الله في الاهتمام بهذا الشأن والقيام به حسب الإمكان وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ومما يدفع به العقوبات ويزيد به الحسنات: الصدقة على الفقراء والمساكين كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا ِلأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ورد "بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها" والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وفي الحديث "إتقوا النار ولو بشق تمرة" والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة وهي من الباقيات الصالحات وقد قال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية والعون على مرضاته فإنه ولي ذلك والقادر عليه ولا ملجأ منه إلا إليه بالتوبة النصوح والإيمان والعمل الصالح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد١
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١١/٢٨.
[ ٢٥٠ ]
الرسالة الخامسة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٥"
الحمد لله رب العالمين اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين سلما لأوليائك حربا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالف أمرك اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة اللهم هذا الجهد وعليك التكلان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب عبد الرحمن بن حسن إلى الأبن الإمام فيصل بن تركي الزمه الله كلمة التقوى ووفقه للقيام بما هو أقوم وأقوى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٥٠ ]
وبعد موجب الخط أبين لك ما أنت خابر من أمر دعوة الإسلام التي من الله بها في آخر هذا الزمان بموجب النصيحة للإمام المشوبة بالمحبة والشفقة والخوف وكنت والله يعلم صدقي بما قلته أني أحبك وأقدمك في المحبة على من مضى من حمولتك وحمولتي واليوم الذي اجتمع بك فيه عندي يوم سرور ولا عندي لك مكافات إلا بالدعاء والنصح باطنا وأكثر من يجتمع بالإمام ما يجي أمر النصيحة له على بال وبعضهم ما يحسن النصيحة ولا يعرف وجهها وبعضهم غرضه دنياه وهمته موقوفة عليها وقد قال الله تعالى:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: ﴿وَالْعَصْرِإِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولا يسلم من الخسران إلا أهل العلم ومعرفته وقبول الحق ومحبته والإنقياد في طاعته والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر على ذلك ومن نقص في ذلك فله الخسارة بحسب ذلك.
ولا يخفاك أن الله من عليكم بدين الإسلام في آخر هذا الزمان برجل واحد خالف فيه الأدنى والأقصى والقريب والبعيد لأنه قام في حال غربته لما اشتدت غربة الإسلام في جميع الأماكن والناس كلهم إلا من شاء الله لا يعرفون معنى لا إله إلا الله واشتد نكير الناس عليه العامة والمطاوعة وحذروا الملوك منه وشنعوا عليه في التوحيد الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وخلق الجن والإنس له وصار أقرب قريب له ابن معمر أمير بلاده لما عرف عداوة الناس له أرخص له عن البلد وصار رحمة ونعمة عظيمة لكم ياحمولة آل سعود وتلقاها جدك ﵀: وأهلك والخواص وأعانهم الله على عداوة أهل الأرض في هذا الدين ولا عندهم أموال يبذلونها لكن بذلوا نحورهم وأنفسهم وأرخصوها لله في طلب رضاه والفوز بالجنة والنجاة من النار ولا مقصدهم إلا أن الناس يتركونهم يوحدون الله ولا يعارضونهم عند التوحيد ولا حصل من الشيوخ بنجد وأتباعهم وضدهم في غاية القوة وهم في غاية الضعف والقلة فأيهم الله بدينه وكل
[ ٢٥١ ]
عدو يقصدهم يكسره الله وما زالوا كذلك حتى ملكهم الله جزيرة العرب بهذا الدين وهم في تلك السنين معافيهم الله في أبدانهم حتى إن الأمراض العامة لا تعرف فيهم ولهم سيرة أذكرها لك من غير مجازفة دائما في كل وقت يبعثون الدعاة إلى الله كل بلدة يجددون لهم دينهم ويسألونهم عن ثلاثة الأصول والقواعد وغير ذلك من كتب الأصول أعرف منهم نحو العشرة منهم عبد الله بن فاضل وعبد الرحمن بن ذهلان وراشد بن درعان وعثمان بن عبد الله بن عبيكان وحمد بن قاسم وأحمد الوهيبي وسليمان بن ماجد ومحمد بن سلطان وأولاده وحسن بن عيدان ومحمد بن سويلم وعبد العزيز بن سويلم وعثمان العود وعبد الرحمن بن نامي وعبد الرحمن بن خريف وأمثال هولاء ممن لهم فقه في التوحيد ورغبة فيه.
وكل واحد من هؤلاء يروح لجهة ومعه إثنان أو ثلاثة ويجلس في البلد قدر شهرين يسألهم ويعلمهم والذي ما يعرف دينه يؤدب الأدب البليغ ما يعارض فإذا أراد السفر استلحق أهل الدين من أهل البلد وقال سلموا على الكبار ويعرف الشيخ وعبد العزيز وإخوانهم بأحولهم ويقدمونهم في بلدهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبهذا صار للدين سلطان وعز وهذا يفعلونه دائما مع الرعايا وصار الذي له دين يقوم بالدين ويأمر وينهى والذي ما له دين بتزين عند أهل الدين.
وأما حالهم في بلدهم الدرعية فبنوا مجمعا حول مسجد البجيري محله معروف إلى اليوم يسع له قدر مائتي رجل وجعلوا فيه رفا للنساء فإذا صلوا الصبح أقبلوا لهذا المجمع وفيه معاميل وقهوة وما نابها مقيوم به من بيت المال تارة يجلس فيه حسين ابن الشيخ وتارة عبد الله وتارة علي ويقرأون في نسخ التوحيد فإذا فرغ هذا الدرس راحوا هم وغيرهم وجلسوا عند بيت الشيخ حتى يجيء عمك وجدك وسعود وعياله وآل عبد الله ويدخلون عند الشيخ ﵏ فإذا تقهور وذكر عمك ﵀: للشيخ ما عنده من خبر أو أمر يحتاج له
[ ٢٥٢ ]
الشيخ ذكره له وأخذ ما عنده من رأي ومن علم وأرخصوا للجماعة وقرأ ثلاثة عبد العزيز بن الشيخ يقرأ في تفسير ابن كثير وعلي وعبد الله يقرأون في البخاري وكل من عنده دراية وفهم إذا فاضوا في الباطن صاروا حلقا يتذاكرون درس الشيخ ﵀:
والأجنبي الذي يبغي يركب لديرته يصغي للمذاكرة عارف أن أهل ديرته يسألون: أيش أيش درس الشيخ فيه وقد ذكرت لك قصة إبراهيم بن زيد في تلك المدة وموسى بن حجيلان يمشي على المساجد يسألهم عن ثلاثة الأصول والقواعد ونحن يا حمولة لنا مجلس بين العشاءين في الباطن يجتمعون فيه أهل البلاد ونسأل اثنين والذي ما يعرف دينه يضرب فأول يجلس فيه حسين ثم علي ابن الشيخ وجلست فيه مدة نحو سنتين أو ثلاثة على هذا الترتيب ثم حمد بن حسين هذا بعض ما حضرناه من سيرتهم فلما توفي الله عمك حصل غفلة عن هذا الترتيب لما فتح الله الدنيا وكثرها على الناس ووقع الأعراض عن كثير مما ذكرنا لأكله بل باق بقايا وحدث ما أحدث من البلاوي بالعدو وهذا شيء أنت خابره ورد الله لكم الكرة أنت وولدك ﵀: وعادت البلوى الأولى وعافاك الله منها ومكنك غاية التمكين وتسببت في حفظ أموال الناس ورفع أيدي البوادي وهذا عمل صالح ومن الواجبات ولكنك أصبحت اليوم في جيل غفلوا عن دينهم إلا من شاء الله وهم الأقلون وأقبل الناس على دنياهم لها يوالون وعليها يعادون فهم وإن صلوا وصاموا فقد أعرضوا عن التوحيد تعلما وتعليما وصار أكثرهم خصوصا أهل المناصب والولايات وأتباعهم وأكثر الناس ليس له إخلاص ولا متابعة كل يحوم إلى ما يراه ويشتهيه.
وأنت اليوم جعل الله لك القدرة على تجديد هذا الدين تولي له وتغزل له وتغضب له وترضى له وتبعث الدعاة والسعاة لكل بلد وتقدم لله وتؤخر لله وتبعد لله لا يدخل عليك في هذا هوى أحد فيخل بالإخلاص والمتابعة وتفهم
[ ٢٥٣ ]
حديث عائشة ﵄ "من التمس بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله عليه وأسخط عليه الناس" وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ونظائرها في المائدة والكهف وطه والنجم وغيرها من القرآن.
جدد هذا الدين الذي أخلولق لما أقدرك الله على ذلك والتمس من أهل الخير عددا يدعون إلى هذا الدين ويذكرونه الناس ويعلمونه الجاهل والغافل وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيد المرسلين وأمام المتقين محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وأنت سالم والسلام.١
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١١/٣٠.
[ ٢٥٤ ]
الرسالة السادسة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٦"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم فيصل بن تركي سلمه الله تعالى آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد لا يخفاك أن حقك على كبير وأكبر منه حق الله تعالى علي وعليك ويجب علي النصح لك وللمسلمين باطنا وظاهرا وأنت بارك الله فيك أحسنت أحسن الله عليك ولا لك مكافأة إلا بالدعاء والنصح باطنا وظاهرا وأنت اليوم حاجتك إلى العلم ضرورة في خاصة نفسك وفيما ابتليت به من أمور الخلق والعلم بالنظر إلى أحوال الناس ما بقي معهم إلا رسمه كما قال عبد العزيز ابن الماجشون وهو من أكبر علماء القرن الثاني:
قد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف
[ ٢٥٤ ]
وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر فإذا كان هذا حال القرن الثاني فما ظنك بأهل هذه القرون الذين عاد المعروف فيهم منكرا والمنكر معروفا نشأ هذا الضغير وهرم عليه الكبير والبدع فشت فيمن يدعي العلم حتى اعتقدوا في ربهم وخالقهم ما يتقدس عنه ويتعالى سبحان الله عما يصفون وهذا في حق من عرفه إذا كان جازما ناصحا لنفسه استيقظ في طلب ما ينجيه ويسعده في دنياه وأخراه من العلم النافع والعمل الصالح ويكون مبني أقواله وأفعاله على الإخلاص والمتابعة على علم ومعرفة ويقين فمبنى العبادة على محبة المعبود غاية المحبة في غاية الذل والخضوع كما قال ابن القيم ﵀:
وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان
فالمحب لله قلبه يخشع وعينه تدمع يحاسب نفسه بالأخلاص والمتابعة للرسول ﷺ: بفعل ما أمر به وترك مانهى عنه وهذا هو دليل المحبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ وهذا هو الصراط المستقيم لا يعرفه السالك ولا يهتدي إليه إلا بالكتاب والسنة علما وعملا ومحبة وطلبا كما في حديث عبد الله بن عمر وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وهذا لا يدرك إلا بالعلم النافع والعلم النافع لا يدرك إلا بالدخول من باب التواضع والاعتراف بالجهل والتفريط وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يستعين على ماحمل من أمور الناس بقرب أهل العلم وتقريبهم إليه وكان يقرب ابن عباس على صغر سنه لعلمه بالتأويل وقد كان وقافا عند كتاب الله تعالى.
ومن سعادة العبد أن يتخذ له إخوان صدق ممن لهم علم ودين يذكرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر كما قال بعض السلف: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم: يعني بالعلم النافع والعمل الصالح فإنهم زينة في الرخاء عدة في
[ ٢٥٥ ]
البلاء يأنس بهم أصحابهم في هذه الدار وفي القبور ويوم البعث والنشور وهم الحجة بين يدي الله تعالى حال العرض على الله وهم الذين قرن الله توليهم بتوليه رسوله كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ*وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ وهذه أمور متلازمة لا يكون الله تعالى وليا لعبد حتى يكون الرسول له ويكون المؤمنون هم أولياءه دون كل من عداهم.
وقد وصى الله تعالى نبيه بالصبر معهم فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾
ولهذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان لما في الحديث الصحيح: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" وفي الحديث الآخر "من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك" وهم الذين وصى الله نبيه ﷺ بأن يقول لهم إذا جاءوه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بشرهم عن ربهم بالمغفرة من ذنوبهم إذا تابوا إليه وأنابوا ووصاه بهم ف يقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ وبه تتم مصالح الدنيا والدين وقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي العلم بما وصى الله به نبيه من ذلك صلاح أمر الدنيا والآخرة فارغب وفقك الله فيما رغب الله به نبيه ﷺ.
وأنت اليوم تستعين بكل صانع في صنعته التي يحسن وتدور الطيب من السلع والطيب من العلم والإيمان والدين وأنت له أحوج من جميع ما تحتاج إليه واختر لنفسك من تستعين به على طاعة الله وبراءة ذمتك بالعمل بالمشروع
[ ٢٥٦ ]
في الدقيق والجليل حتى تسلم وتغنم وقد رؤي عمر بن الخطاب ﵁ بعد موته فقال له الرائي: ما فعل الله بك؟ قال: كاد عرشي لينهد لولا أني لقيت غفورا رحيما فاحرص على العلم وأهل العلم واجعل بالك لهذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ فلا غلبة إلا بهذا السبب العظيم الذي من انتظمت له هذه الثلاثة توليه ربه بالإخلاص وخشيته وطاعته وتوليه رسوله بمحبته واتباعه وتوليه المؤمنين بمحبته لهم وقربه منهم ودنوهم منه وإكرامهم والتواضع لهم بخفض الجناح وغير ذلك مما يجب لهم من الحقوق التي تجب لهم دون غيرهم واطلبهم ولو في أطراف البلاد واطلب ما عندهم مما يعينك على هذا السفر فإن العبد في هذه الدنيا مسافر محتاج إلى أخذ الزاد والمزاد للمعاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد ١٢٨١هـ.
_________________
(١) الدرر ١/٣٤.
[ ٢٥٧ ]
الرسالة السابعة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٧"
من عبد الرحمن بن الحسن إلى من يراه من أئمة المسلمين وعامتهم سلمهم الله تعالى وهداهم آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فالواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله تعالى والتذكير بنعم الله وأيامه فإن في ذلك من المصالح الخاصة والعامة ما لا يحيط به إلا الله وفي الحديث "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاءوا به وكل شر في الدنيا والآخرة إنما حصل ووقع بمعصية الله ورسله والخروج عما جاءوا به وبعض الأذكياء يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته قال بعضهم: أني لا أعصي الله فاعرف ذلك في خلق أهلي ودابتي ويكفي المؤمن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم﴾
[ ٢٥٧ ]
وقد عرفتم أرشدكم الله تعالى: إن الله بعث محمد ﷺ على حين فترة من الرسل وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الضلالة عربهم وعجمهم إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب فأول دعوته ﷺ رد الخلق إلى الله وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص وهو أول دعوة الرسل وأول الواجبات والفرائض وهذا هو أهم الأمور وأوجبها على الخلق كما في الحديث "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" وكان من هديه ﷺ: أن يبعث عماله ويرسل رسائله إلى أهل الأرض ويدعوهم إلى هذا يبدأ به قبل كل شيء ولا يأمر من الأركان إلا بعد التزامه ومعرفته كما دل عليه حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وغيره من الأحاديث.
وقد حصل في الناس ما لا يخفى من الإعراض والإهمال وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده وفرضه على سائر عبيده وقل الداعي إلى ذلك والمذكر به والمعلم له في القرى والبوادي والتساهل في هذه الأمور العظام يوجب للرعية أن يشب صغيرهم ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية والله سائلنا وسائلكم الدعاة إليه وجعل أموال الله التي بأيديكم آلة ووقاية وحماية وإعانة وبقاء الإسلام والإيمان: في استقامة الولاة والأئمة على ذلك وزوال الإسلام والإيمان وانقضاؤه: بانحرافهم عن ذلك وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره مقصود بها سواه فأهم المهمات وآكد الأصول والواجبات التفكر في هذا وتفقد الخاصة والعامة البادية والحاضرة وفي الحديث "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه ومن البادية وغيرهم وقد أفلح من كان لله محياه ومماته وخاف الله في الناس ولم يخف الناس في الله.
وكذلك يجب على ولي الأمر أن لا يقوم من نسب عنه طعن أو قدح في شيء من دين الله ورسوله أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم
[ ٢٥٨ ]
مثل من ينهى عن تكفير المشركين ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدعون الإسلام ويتكلمون بالشهادتين وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين وزيغ الزائغين بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه كما قال فيهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁:
لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر لكم الاهتمام والقيام بهذا الأصل فينظر بعد هذا في أحوال الناس في الصلوات الخمس المفروضات فإنهم من آكد الفروض والواجبات وفي الحديث: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" وكل شيئ ذهب آخره لم يبق منه شيء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله من إقامة الصلاة في المساجد في أوقاتها ويؤدبون من عرف منه كسل أو ترك أو أهمل أدبا يردع أمثاله وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها وما يجب فيها من الأعمال والأقوال وبعد هذا يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات وجبايتها على الوجه الشرعي من الأنعام والثمار والنقود والعروض ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية والأحكام الزكوية ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة وتم نصابه وحال حوله وكثير من العمال يخرص جميع الثمار وإن لم تنصب وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله فيه ظلم بين وتعد ظاهر حمانا الله وإياكم منه ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله فينبغي التفطن لهذه الأمور لئلا يقع فيها وهو لا يدري.
وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج والقيام على من تركه وهو
[ ٢٥٩ ]
يستطيعه وهو ركن من أركان الإسلام وبعض السلف يكفر من تركه وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذلك القيام على الناس ومنعهم عن التعدي في الدماء والأموال وقطع السبل فهذا من الفساد في الأرض والمحاربة لله ورسوله فالواجب على من نصح نفسه ألا يحكم إلا بحكم الله ورسوله فإن لم يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء والأهواء على شرع الله ورسوله.
ومما يجب على ولي الأمر تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها وكذلك بخس الكيل والميزان والربا فيجعل في ذلك من يقوم به ممن له غيرة لدين الله وأمانته وكذلك مخالطة الرجال للنساء وكف النساء من الخروج إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها من زوج أو قريب ونحو ذلك.
وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم وغير ذلك مثل أهل النخيل النائية لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدري عنه وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه وفي الحديث: وما تركت فتنة على أمتي هي أضر على الرجال من النساء" وفي حديث آخر "ما ظهرت الفاحشة في قوم الا ابتلوا بالطواعين والأمراض التي لم تكن بأسلافهم الذين مضوا" نعوذ بالله من عقوبة المعاصي ونسأله العفو والعافية ومما يجب النهي عنه: الإسبال كما نهى عنه رسول الله ﷺ كما في الحديث "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" وفي حديث آخر "بينما رجل يجر إزاره خيلاء أمر الله الأرض أن تأخذه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب وقد أمر النبي ﷺ: بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس: فقال "حفوا الشوارب واعفوا اللحى خالفوا اليهود" والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضي لنفسه أن يخالف ما
[ ٢٦٠ ]
أمر الله به ورسوله ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين وعلى الإمام أن يأمر النواب من رأو تاركا للأمر أن يقوموا عليه ويلزموه الطاعة حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين من أهل الجفاء والغلظة والغفلة والإعراض نسأل الله العفو والعافية فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان وعدم الرغبة فيه.
وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلبة لقلة العلم وكثرة الجهل وإن كان قد قام ببعض الواجب فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر لفضيلة العلم وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه وطلب العلم اليوم من الفرائض كما لا يخفى على الإمام وغيره وفي الحديث "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم" وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام وتأليفه للطلبة فإذا كثر العلم وقل الجهل بسببه حصل له من الخير والحسنات ما لا يحصيه إلا الله إن قبله الله وبالغفلة عن طلبه العلم تضعفف هممهم ويقل طلبهم وفي مناقب عمر بن عبد العزيز ﵀: أنه إذا أراد أن يحي سنة أخرج من العطاء مالا كثيرا فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا فلله دره ما أحسن نظره لنفسه ولمن والاه الله عليهم وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر القلوب التي هي من أعظم الذنوب ولا يأمن مكر الله وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره وليكن معظما للأمر والنهي مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه متدبرا لكتابه محبة لربه ورغبة في ثوابه وخوفا من غضبه وعقابه.
ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله ويعادي في الله ويوالي في الله ويحب أولياء الله أهل طاعته ويعادي أعداءه أهل معصيته وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وصلى الله على محمد١
_________________
(١) ١ الدرر ١١/٣٦.
[ ٢٦١ ]
الرسالة الثامنه والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٨"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان
[ ٢٦١ ]
وفقنا الله وإياهم لإقامة شرائع الدين واستعملنا فيما استعمل فيه أهل الإيمان واليقين وجعلنا من الشاكرين لنعمة الإسلام المثنين بها عليه ونسأله أن يتقبلها منا ويتمها علينا رغبة فيما يوجب الفوز لديه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى في الغيب والشهادة قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية. قال طلق بن حبيب ﵀: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
ولا وصية أعظم ولا أنفع مما وصى الله به عباده المؤمنين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ *وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وينبغي أن نشير إلى بعض ما ورد عن السلف رحمهم الله تعالى في معنى هذه الوصية العظيمة المتضمنة لأصول الدين.
حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
وأصل الإسلام وأساسه أن ينقاد العبد لله تعالى بالقلب والأركان مذعنا له بالتوحيد مفردا له بالآلهية والربوبية دون كل ما سواه مقدما مراد ربه على كل ما تحبه نفسه وتهواه وهذا معنى قول النبي ﷺ: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكات وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" الحديث. وحبل الله دينه أمركم به وعهده إليكم في كتابه في الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله قال أبو جعفر
[ ٢٦٢ ]
ابن جرير رحمه الله تعالى: وهو جامع لكل ما ورد عن السلف في معناه كما روى عن ابن مسعود وقال: حبل الله الجماعة وعن أبي العالية اعتصموا بالإخلاص لله وحده وعن ابن زيد قال: حبل الله الإسلام وقيل هو القرآن لما روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه" ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وأن ما تكرهون في الطاعة والجماعة هو خير مما تحبون في الفرقة وأخرج محمد بن نصر المروزي وغيره من حديث عبد الله بن يحيى بن عامر أن معاوية ﵁ قام حين صلى الظهر بمكة فقال: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة" يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة والله يامعشر العرب إن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى الا يقوم به وعن ابن مسعود ﵁ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل بدعة ضلالة.
ثم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي أذكروا ما أنعم به عليكم من الألفة والإجتماع على الإسلام حيث كنتم أعداء على شرككم يقتل بعضكم بعضا عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله فألف الله بين قلوبكم تواصلوا بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه وذكر عن قتادة: كنتم تذابحون بأكل شديد كم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فألف به قلوبهم فو الله الذي لا إله إلا هو إن الإلفة رحمة وإن الفرقة عذاب وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ يقول تعالى وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه فأنقذكم الله بالإيمان الذي هداكم به وذكر عن قتادة في الآية: كان هذا الحي من العرب اذل الناس ذلا وأشقاه عيشا وأبينه ضلالة واعراه جلودا وأجوعه بطونا مكفوفين على رأس حجر بين إلا سد من فارس والروم لا والله ما في.
[ ٢٦٣ ]
بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه من عاش منهم عاش شقيا كانوا فيها أصغر حظا وادق شأنا منهم حتى الله بالإسلام فورثكم به الكتاب واحل به دار الجهاد ووضع لكم به الرزق وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس وبالإسلام اعطى الله ما رأيتم فاشكروا نعمه فان ربكم منعم يجب الشاكرين وان أهل الشكر في مزيد من الله فتعالى ربنا وتبارك وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي يعرفكم في كل ذلك مواقع وصنائعه فيكم ويبين لكم حججه في تنزيله على رسوله ﷺ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها فلا تضلوا عنها.
وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية قال ابن كثير في تفسيره: المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وفي المسند عن حذيفة أن النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم"
قلت وروى محمد بن نصر من حديث يزيد بن مرشد مرسلا قال قالرسول الله ﷺ: "كل رجل من المسلمين على ثغره من ثغر الإسلام الله الله يؤتى الإسلام من قبله" وروى بسنده عن الحسن بن حي: إنما المسلمون إخوة على الإسلام بمنزلة فإذا أحدث المسلم حدثا ثغر في الإسلام من قبله فإن أحدث المسلمون كلهم فأثبت أنت على الأمر الذي لو اجتمعوا عليه لقام الدين لله بالأمر الذي أراده من خلقه.
وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ
[ ٢٦٤ ]
وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس في الآية أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله قلت فتأمل كيف نهى الله سبحانه في هذه الآيات عن التفرق في موضعين وأخبر أنه من مواجبات العذاب العظيم وأرشد إلى أسباب الإجتماع على دينه وشرعه ومن أعظمها الاعتصام بكتابه ودينه علما وعملا وأداء شكره والقيام بما فرضه على عباده من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن هنا تعلم أن من أعظم الفساد: الإعراض عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم واتباع الأهواء والآراء المضلة نعوذ بالله من ذلك –فإذا وقع ذلك ترتب عليه من أنواع الفساد ما لايكاد يبلغه الوصف: فمن ذلك الاختلاف في الدين والتحاسد والتدابر والتقاطع فلا تكاد ترى إلا من هو معجب برأيه متنقص لغيره مخلد إلى الأرض عن تعلم العلم وتعليمه.
من النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وعلى الخاصة والعامة أن يعظموا كتاب ربهم ودينه وشرعه ويقبلوا بكليتهم على ما ينفعهم من تعلم دينهم وطاعة ربهم وترك معاصيه وأن يقوموا بما وجب عليهم مع ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على علم وبصيرة وأن يهتموا بما يصلح ذلك من الإخلاص لله تعالى في أمور دينهم.
وعلى من نصح نفسه أن يكون حذرا من الأسباب التي تضعف الإيمان وتجلب أسباب المآثم والعصيان من الهلع والطمع والرضا بالدنيا والاطمئنان بها وفي الحديث: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" وأخرج البخاري في صحيحه وغيره من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ: جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل يا رسول الله أفيأتي الخير بالشر فسكت النبي ﷺ: فقيل له ما شأنك تكلم النبي ﷺ: ولا يكلمك فرأينا أنه ينزل عليه قال: فمسح
[ ٢٦٥ ]
عنه الرحضاء فقال: أين السائل وكأنه حمده: فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر: وأن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلم إلا أكلة الخضر إذا أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فتطلت وبالت ورتعت وإن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" أو كما قال النبي ﷺ: "وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع فيكون شهيدا عليه يوم القيامة " انتهى فهذا مثل ضربه رسول الله ﷺ وبين فيه أن من جمع الدنيا أو طلبها وأخذها من حلها وأدى حق الله فيها ولم يشتغل بها عن طاعة مولاة فإنها تكون في حقه نعمة وعطية ولغيره نعمة وبلية.
هذا وقد أعطاكم الله من أصناف نعمة ما تحبون وصرف عنكم ما تكرهون ابتلاء وامتحانا لتعرفوا نعمه وتشكروها وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فانظروا رحمكم الله بماذا تقابلونها؟؟ أباستعمالها في طاعته ودينه ومراضيه؟ أم تجعلونها سلما إلى الاعراض عن دينه وارتكاب معاصيه من الظلم والبغي والأشر والبطر واللهو واللعب وقول الزور والسخرية ونحو ذلك مما لا يحبه الله ولا يرضاه؟ نسأل الله السلامة من أسباب التغيير قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
الله الله عباد الله قيدوا نعم الله بشكره واتباع ما يرضيه وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فإن الله خولكم نعمه لتطيعوه ولا تعصوه وتعلموا بدينه وشرعه وتعظموه لا لتشغلوا بها عن ذلك أو تمتهنوه اللهم أوزعنا شكر ما أنعمت به علينا من هذا النعم الظاهرة والباطنة واستعملنا فيما يرضيك عنا وعافنا عنا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٢٦٦ ]
الرسالة التاسعة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٣٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه الإخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فالذي نوصيكم به تقوى الله تعالى والتواصي بما يرضي الله سبحانه من طاعته وطاعة رسوله ﷺ والعدل والإنصاف واذكروا فناء الدنيا وزوالها والعرض على الله والحساب والميزان والجنة والنار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. والباعث على هذا أمور وقع فيها الخلل بسبب الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة.
فمنها: التهاون بالصلاة من كثير من السفهاء لا يبالون صلوها في جماعة أم لا وصلاة الجماعة فرض على الأعيان كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره وقال بعض العلماء هي شرط لا تصح الصلاة إلا بها ومر علينا في الدرس بحضرة إخوانكم وارتاعوا منها وأحبوا أنا ننبهكم عليها وهي أن المشهور في مذهب الإمام أحمد من ترك الصلاة تهاونا وكسلا: يكفر ويقتل كفرا إذا أدعى إليها فاصبر.
ومنها صلاة الجمعة نصوا على أن من تركها تهاونا وكسلا ولو مرة واحدة أنه يكفر ويوجد أناس في أطراف البلدان يتركونها مرارا وهذا أمر عظيم وخطره كبير قد يكون الإنسان كافرا مرتدا بترك فريضة وهو لا يشعر.
فاحذروا رحمكم الله التهاون بمثل هذه الأمور الخطيرة التي إذا وقعت من سفيه ضرت العامة.
إذا تركوه عليها وأعظم الناس خطرا في مثل هذه الأمور: الأمراء والنواب إذا تركوا القيام بما أوجب الله عليهم من القيام بأمر الله على الدنيا والقاصي والقريب والبعيد والعدو والصديق كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ الآية وهذا هو الواجب على ولاة الأمور فنسأل الله ولكم التوفيق.
[ ٢٦٧ ]
وهنا مسألة مما يتعلق بالعدل وحقوق الخلق وهي أن النواية التي يضعها الأمراء والنظراء ربما يقع فيها الجور وعدم المواساة فمن ذلك تنويب المعسر الذي لا يقدر على وفاء جميع ما عليه من الدين لكون جميع ماله لا يقابل دينه فهذا لا يجوز أخذ النائبة منه وقد بلغني أن الشيخ محمد ﵀: أفتى أناسا من أهل سدير وغيرهم: أن هذه النوائب توضع بالقسط على الناتج قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية. وصلى على محمد.
[ ٢٦٨ ]
الرسالة الأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٠"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام عبد الله بن فيصل سلمه الله تعالى وتولاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتفهم أن الدين النصيحة وأحق من انصح نفسي ثم أنت يا إمام المسلمين ورأيت الأمر ضاع وكثر الأعداء واستحكمت أمورهم وصعبت عليكم وهنا سبب فيه ذهاب الأعداء مع النية الصالحة وتهتوه بالفعل وأما القول فتذكرونه صباحا ومساءا وذلك لا يجدي شيئا وقد بان لك ما جرى على أولئك مع ما بينوه من هذا الدين ومعهم حسنة تعلد ما عمل به الخلائق فكيف بكم اليوم جعلتموها أمور ملك ورأيتم الخلل.
تفهم أن أول ما قام به جدك محمد وعبد الله وعمك عبد العزيز أنها خلافة نبوة يطلبون الحق ويعملون به ويقومون ويغضبون له ويرضون ويجاهدون وكفاهم الله أعداءهم على قوتهم إذا مشى العدو كسره الله قبل أن يصل لأنها خلافة نبوة ولا قاموا على الناس إلا بالقرآن والعمل به كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
وأخذ عمك في الإسلام حتى جاوز الثمانين في العمر والإسلام في عز وظهور وأهله يزيدون وحصل لهم مضمون قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ .
[ ٢٦٨ ]
وصار أهل الأمصار يخافونهم وأراد الله سبحانه أمارة سعود بعد أبيه يرحم الله الجميع وأراد الله أن يغير طريقة والده الذي قلبه وبغاها ملكا وبدأ الأمر ينقص أمر الدين والدينا تطغي يشرى البيت بستمائة ريال في الدرعية والنخلة الوحدة بستين ريالا مائة نخلة بستة آلاف ريال أنا الكاتب لمشتراها وصار العاقبة القصور التي بنيت بقناطير والمقاصير التي تنفذ فيها الأموال العظيمة التي تسوى ثلاثة آلاف ما تسوى اليوم إلا جديدة لما جرى ما جرى من تسليط الأعداء عليهم هذا وهم على التوحيد لكن ما أعطوه حقه إشتغلوا بالدين ونضارتها وما فتح الله عليهم واعرضوا عما أوجب الله عليهم القيام به في أنفسهم وعلى الناس فجرى ما جرى وصار الحمولة أكثر شر أئدهم الذين لقو آجالهم في مصر وهذا بسبب الغفلة عما أوجب الله لأن الله اختار لهم أمرا عظيما ومكنهم منه ومن الناس لكن حصل تفريط في هذه النعمة العظيمة.
والدرعية اليوم من تدبر حالها وحللها: عرف إن ما جاءهم إلا ذنوبهم فاعتبروا يا أولى الأبصار. وهذا حقك على وأرجو أن الله يمن عليك بتوحيده والقيام به على نفسك وعلى الناس قريبهم وبعيدهم ويعافيك من أهل التثبيط والحق منصور في كل زمان ومكان ومنصور من هو معه سواء كان حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا وابتلاكم الله وعرفتم العواقب والمؤمن ما يلدغ من حجر مرتين: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ووالله ثم والله إن لم تجعلها أمر دين وتدعوا الناس إلى ما أمرهم الله به إن تشفق سكون قرية من قرى نجد وأنت مطلوب لكن إن تسلط عليك أحد وأنت تأمر بما أمر الله به ورسوله فالله مع المتقين فإن كنت على هذه الحالة فلا حول ولا قوة إلا بالله وأنا لله وأنا إليه راجعون..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته١
_________________
(١) ١ الدرر١١/٤٦
[ ٢٦٩ ]
الرسالة الواحدة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤١"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان صالح بن محمد الشترى وزيد
[ ٢٦٩ ]
ابن محمد آل سليمان وإخوانهم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وموجب الخط إبلاغكم السلام والسؤال عن الحال جعلنا الله وإياكم ممن عرف الحق فاتبعه وقابل النعم بشرها.
وأوصيكم بتدبر أنوار الكتاب التي هي أظهر من الشمس في نحر الظهيرة ليس دونها قتر ولا سحاب لا سيما دلائل التوحيد والتفكر في مدلولاته ولوازمه وملزوماته ومكملاته ومقتضياته ثم التفطن فيما يناقضه وينافيه من نواقضه ومبطلاته فالخطر به شديد ولا يسلم منه إلا من وفق للصبر والتاييد والفعل الحميد والقول السديد وخالط قلبه آيات الوعيد وعرف الله بأسمائه التي تجلوا الريب والشك عن قلب كل مريد واعتصم بالله من كل شيطان مريد: ﴿إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ للآيات.. فقد عمت البلوى بالجهل المركب والبسيط ﴿والله من بما يعملون محيط﴾ فالله الله في التحفظ على القلب بكثرة الاستغفار من الذنوب جعلنا الله وإياكم ممن نجا من ظلمة الجهالة وأخلص لله أقواله وأعماله والسلام.
_________________
(١) ١ الدرر ١١/٤٧.
[ ٢٧٠ ]
الرسالة الثانية والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر آل سليم سلمه الله تعالى من كل آفة وأمنه من كل مخافة سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: وصل الخط وصلك الله ما يرضيه ونحمد إليك الله على ما أسبغ من نعمه الباطنة والظاهرة جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين ونعمة الله عليكم عظيمة حيث أقامكم في ناحية أهلها جهال بالتوحيد ما له عندهم قدر ولا قيمة وجعلكم تدعون إليه وتبينونه وتحملون الناس عليه وجعل لكم أصحابا قابلين هذه الدعوة ومحبينها ومعادين فيها وموالين فيها.
ويا أخي هذه النعمة علينا وعليكم عظيمة واحمدوا الله ﷾
[ ٢٧٠ ]
وتبرأوا من الحول والقوة وانسبوا النعمة إلى ربكم قال: ابن القيم ﵀: لما ذكر حياة القلب وصف القلب الحي بقوله: أن يكون مدر كالحق مريدا له مؤثرا له على غيره والسلام-١٢٨٤هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وحال الناس اليوم لا تخفاك وأهل نجد من الله عليهم بنعمة التوحيد لما يسر لهم من يدعوهم إليه ويجاهدهم عليه لكن أعرضوا في هذه الأوقات وآثروا الدنيا على الدين إلا من شاء الله لكن إذا حصل في البلدان طائفة حتى يقومون به ويدعون إليه ويستحسنون الحسن ويستقبحون القبيح فهذه نعمة عليهم وعلى أهل بلدهم.
فالذي أوصيكم به أصدقوا مع الله وتعلموا من العلم ما ينجيكم من شبهات أهل الشك والريب فبالعلم واليقين تدفع الشبهات ولله الحمد على بقاء طائفة الحق تدعوا منضل إلى الهدى وتصبر منهم على الأذى واللام.
[ ٢٧١ ]
الرسالة الثالثة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان من المسلمين الموحدين المجاهدين أمراء جعلان وفقنا الله وإياهم للإخلاص والصدق في الدين وجعلنا وإياهم من حزبه المفلحين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فاعلموا وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى من الأقوال والأفعال إن أشرف الوصايا وأجمعها وأكملها وانفعها ما وصى الله به عباده المؤمنين قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ وفسره العلماء: أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر ثم قال تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وأمرهم بالمحافظة على الإسلام الذي رضيه لنا دينا والثبات عليه والاستقامة عليه: علما وعملا وهذا إنما يحصل لأهل التقوى.
[ ٢٧١ ]
خاصة الذين اخلصوا العبادة لله وأنكروا الشرك وابغضوه وعرفوا الله وأطاعوه فاجتنبوا ما نهاهم الله عنه ومن شقي في هذا وتركه فاته من الاستقامة والمحافظة بحسب ما أضاعه من تقوى الله وملاك هذا كله وهو الأمر الثالث وهو قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا﴾ فلا تحصل التقوى إلا بمعرفة ما أمر دين الإسلام ليتبين ما نهى عنه ليكون العمل والتقوى على بصيرة وبالتمسك بكتاب الله يتبين ويعتقد حقيقة ما ينافيه من الشرك لينكر ويجتنب.
فهذه ثلاث وصايا لا يتم الدين إلا بها فالاعتصام بكتاب الله والتمسك به ينتظم به ما قبله من الثبات على الإسلام والاستقامة وكذلك تقوى الله حق تقاته لا تحصل بدون ذلك آخر ما وجد وصلى الله على محمد.
[ ٢٧٢ ]
الرسالة الرابعة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ عبد الرحمن بن علي بن عبيد وفقه الله وحفظ عليه دينه ودنياه سلام عليكم ورحمة الله بركاته.
وبعد فالخط وصل وصلك الله إلى خير وما ذكرت صار معلوما وهؤلاء الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فد فضحتهم أعمالهم وكل من له بصيرة لا تخفي عليه حالهم كما قيل:
وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؟.؟.
وأما من عميت بصيرته وفسدت سريريته واستعبده هواه وركن إلى دنياه ولعب بقلبه الرياسة والجاه وخدعته الدنيا بغرورها وختلته بامالها وصار لنفسه من سعيه حظ ولهواه نصيب وللشيطان منه نصيب ولا رباب منه نصيب ولمخدومه منه نصيب ولمطاعه من الخلق نصيب فإنها تتلاعب به أرادته من كل واد من أودية الهلاك وهو لا يشعر: فهذا كالا عمى يتبع قائده ولا يرى الأمر على هو عليه فكان عدم التصور وربما اعتقد.
[ ٢٧٢ ]
النافع ضارا وبالعكس نسأل الله العافية وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أفرأيت من إتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا– بل هم أضل سبيلا﴾ وقوله: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا-إن الله عليم بما يصنعون﴾ .
_________________
(١) ١ الدرر ١١/٤٩.
[ ٢٧٣ ]
الرسالة الخامسة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٥"
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا..
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر آل سليم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد طلبت مني الإجازة أن تروي عني ما رويته عن مشائخى من أهل نجد ومصر وقد أجزتك بما رويته عنهم بالا جازة كالكتب الستة والفقه في مذهب الإمام أحمد وغير ذلك ككتب التفسير ونحو ذلك وعليك في ذلك تقوى الله والتدبر والاجتهاد في معرفة المعنى وصورة المسألة والمطالعة على كل ما يرد عليك واجتهد في العدل فيما وليت عليه من أمور المسلمين في حق القريب والبعيد وفي حق من تحب وتكره فما ظهر لك معناه فقله وما لم يظهر فكله إلى عالمه واستعن بالله وتوكل عليه.
واجتهد في نشر التوحيد بادلته للخاصة والعامة فإن أكثر الناس قد رغبوا عن هذا العلم الذي هو شرط لصحة كل عمل يعلمه الإنسان من صلاة وصيام وحج فلا يصح شيء من ذلك إلا بمعرفة معنى الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله: على يقين وإخلاص وصدق ومحبة وقبول وانقياد وإن يحب في هذا التوحيد ويوالي فيه ويعادي وكل هذه القيود دل عليها الكتاب والسنة فاطلب أدلتها من مظانها تجدها وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ٩ بـ سنة ١٢٨٣هـ١.
[ ٢٧٣ ]
الرسالة السادسة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٦"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر الله دارهم بالإيمان والقرآن ووفقهم للإتباع داعي الإسلام والإيمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد وصل الخط وصلك الله ما يرضيه وسرنا طيبك وعافيتك جعلنا الله وإياكم من الطيبين المهتدين ومن جهة تصانيف بن منصور فلا يستنكر كما قيل: ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا ولا ضر إلا نفسه رد على الشيخ رحمه الله تعالى: في دعوته أناس متشبهين بالعلم فأبطل الله كيدهم وصار وبالا عليهم ولكن هذا الرجل فعل فعلا مافعله أحد قبله ممن كره هذا الدين والله أعلم بما وافي به الله من أصرار أو توبة نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من عرف الله حقه وجرد إخلاصه وصدقه وذلك فضله سبحانه ورحمته فلو أنت أرسلت الكتاب ما كرهنا الإشراف عليه١
_________________
(١) ١ الدرر ٩/٢٣١.
[ ٢٧٤ ]
الرسالة السابعة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٧"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر بن سليم سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ونحمد إليكم الله تعالى على ما أولاه من النعم وما صرف من النقم نسأل الله لنا ولكم معرفة الحق والعمل به والصبر والاستقامة والثبات على الإسلام وما ذكرت من الورقة التي رميت يقول صاحبها: إنكم جعلتم الناس بين مشرك ومبتدع وفاسق وجاهل وظالم ولا سبقكم أحد بهذا الاعتقاد فهذا ما ضر إلا نفسه وهذه الشبهة قد تلقاها الجهال في وقت ظهور شيخنا ﵀: وهذه من أفسد شبههم لأن الذي تدخل معه يدل على جهله وانحرافه عن دينه ومخالفته للكتاب والسنة لأن الله تعالى ذكر الكفار والمشركين من هذه الأمة وأمر بقتالهم وأباح دمائهم وأموالهم وكذلك أهل البدع هم الكثير وهم دول وأهل الفسوق كذلك وهذا الأمر ما يخفي على أبلد الناس ولكن ما حصل إلا مسبة مثل من أغار على فريق وأخذوه ولا
[ ٢٧٤ ]
ابقوا له شيئا وصار هذا باعثا على رد هذه الشبهة وإن كان شيخنا قد ردها في كشف الشبهات لكن كتبنا الرد عليها على سيبل الاختصار وإلا فردها يحتمل مجلدا وصار جوابا نافعا لكل موحد وأرسله الإمام للاحساء يقرأ في المدارس والمساجد والمجالس لان ربما دخل على بعض من ينتسب إلى العلم وهم جهال وما جرى منهم فهو خير بلا شر وهو في الحقيقة نعمة ووباله على من أبداه وليس هذا بأول قد حزمها ناس من الأشرار ولا ندري وصلى الله على محمد ١
_________________
(١) ١ الدرر ٩/٢٣١
[ ٢٧٥ ]
الرسالة الثامنة والأربعون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٨"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الابن صالح سلمه الله تعالى آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد بلغنا أن الباز أرسلوا لابن نبهان رسالة كتبها حمد بن عتيق متضمنة للاستدلال بالآيات المحكمات في تحريم طاعتهم والركون إليهم والإشارة إلى بعض الآيات الواردة في ذلك وهو أصل من أصول الدين لا بد من معرفته والبحث عنه وبيانه للجاهل لاسيما الواقع فيه تذكيرا وتحذيرا وهذا شرع محكم لو أجتمع على دفعه من باقطارها من عالم وجاهل لما قدروا على رده بحجة أصر وبلغنا أن أبن نبهان لما أشرف على النسخة كتب اعتراضات وأصل فيها أصول لا يدري هل سبقه إليها مبتدع أم لا؟ فلو قيل لهم من هذا مذهبه ومن قال به لم يجب عن ذلك بما يصلح أن يعد جوالا فمن ذلك فيما بلغنا عنه أنه يلزم بترك الجهاد من مخالفة دين الله وطاعته جائز بجواز ترك الجهاد فتكون الموالاة للمشركين والموافقة والطاعة جائزة واللازم باطل فبطل الملزوم فعكس الحكم الذي دل عليه القرآن العزيز من أنها لا يصلح إمامة إلا بالجهاد
والأصل الثاني بلغنا عنه أنه قال: لا حجة فيما قاله الصحابة ﵃ في معنى القرآن العزيز فإن لم يكن قول الصحابة حجة وهم الذين
[ ٢٧٥ ]
أخذوه عن نبيهم وحضروا نزوله وعرفوا أسبابه وهم أعلم الأمة وأعدلها الحجة في التفسير فليت شعري هل عرف من هذا مذهبه من المبتدعة إلى غير ذلك ممالا حاجة إلى أن نطيل بذكره والحاصل أن المطلوب منك أخذ ما كتبه وإرساله إلي لأ نظر فيه ليطالب في كل لفظة ببرهانها وليظهر تناقضه فإن المقام مقام لا يسع تركه فلو كان قد صدره من لا يدعى المعرفة لكان حقيقا بالأعراض عنه وأما من هو مثل الذي يدعى إنه يدري ولا يدري إنه لا يدري فلا بد من بيان فيه لئلا يعتر به جاهل فإذا تبين ما فيه من الغلط والتناقض دفع الشبهة عن ضعيف البصيرة إن شاء الله تعالى.
وهنا سؤال اسأله عنه واطلب جوابه منه سله عن كلمة الإسلام التي هي أصل دين الله عن معناها وعن مضمونها وعن مدلولها ومقتضاها وحقها وحقيقها ولوازمها فإن عرف ذلك تبين إنه قد عرف وأنكر فإن لم يعرف لا ينفع أحدا ولا يفيد فالزمه الجواب فهو حجة الله وعليه المرفق لبيان والاستقامة عليه والسلام ١
_________________
(١) ١ الدرر/٠٨١ ٢ بياض في الأصل
[ ٢٧٦ ]
الرسالة التاسعة والأربعين
بسم الله الرحمن الرحيم
"٤٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان والأعيان من أهل إلا حساء الشيخ "عبد اللطيف بن مبارك وابنيه وأولاده عبد الله الوهيبي وعبد الله بن عبد القادر وعبد الله بن عمير وإخوانهم من أهل الدرس والمساجد وفقنا الله وإياهم لتوحيده وأهلنا وإياهم لمعرفته ومحبته وتأييده" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فمن المعلوم لديكم إن شيخنا شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" رحمه الله تعالى: وعفى عنه تبين بدعوة الناس إلى خلاص العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يصرف شيء لأحد سواه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا
[ ٢٧٦ ]
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ*أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ثم ذكر دين المشركين وأنكره تعالى في أول هذه السورة وغيرها فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي*فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ِ والآيات في إخلاص العبادة وأفراد الرب تعالى بها في القرآن كثير تفيد الحصر لمن تدبرها.
ولا يخفاكم أن شيخنا ﵀: لما تبين بهذه الدعوة الإسلامية وجد العلماء في إلا حساء وغيرها لا يعرفون التوحيد من الشرك بل قد اتخذوا الشرك في العبادة دينا فأنكروا لجهلهم بالتوحيد ومعنى لا إله إلا الله فظنوا أن لا له هو القادر على الاختراع وهذا وغيره من التوحيد الربوبية حق لكنه لا يدخل في الإسلام بدون توحيد الآلهية وهي العبادة كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ* وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ*بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ والذي يبين لكم أن العلماء ما عرفوا التوحيد ولا عرفوا هذا الشرك كون أرباب القبور من الأموات تعبد وتصرف الرغبات والرهبات إليها ولا عالم من علماء إلا حساء أنكر هذا بل قد صار
إنكارهم لإخلاص العبدة لله وحده ومن دعي الإخلاص كفروه وبدعوه ولا نعلم أحدا من علماه إلا حساء صدع بهذا الدين وعرفه وعربه وهو دعوة الرسل كما قال بعض السلف كلمتان يسئل عنهما الأولون والآخرون "ماذا كنتم تعبدون" "وماذا أجبتم المرسلين" فالدين في هاتين الكلمتين والقرآن كله يقرر ذلك يعرفه من تدبره "فلما" إنه برق للشيخ حسين بن غنام ﵀: هذا الدين وإنه هو الحق الذي لا ريب فيه صنف في تقريره المصنفات وقال في بعض نظمه.
نفوس الورى إلا القليل ركونها إلى الغى لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر وليس له إلا القبور يدينها
فعرف ﵀: إن فعلهم عند القبور هو دين لأرباب القبور.
[ ٢٧٧ ]
المقصود إن الإمام فيصل بن تركي وفقه الله وتولاه القي الله في نفسه ما حصل من الفترة منكم وغيركم عن هذا الدين والرغبة فيه والترغيب فعزم على تجديد هذه الدعوة مخافة أن تندرس لأن الله فتح على كثير من الناس الدنيا وكثرتها والتنافس فيها هلاك لأن بها تحصل الغلة عن الدين والأعراض عن دين المرسلين وتكون المحبة لها والبغض عليها حتى إن بعض الناس يقرب الرافضى وأمثاله لمصلحة دنياه ولا نميز بين الخبيث والطيب لما أشرب من هواه الذي طبع على قلبه فأعماه وأصماه "فلن" حصل منكم وأمثالكم قيام في هذا الدين وسؤال العامة عن أصول الدين وقراءة منكم وتدريس في كتب التوحيد التي وجودها حجة عليكم فهذا هو الواجب كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ والذي هذه حاله ما يستحق إن يصير في مدرسة ومسجد يأكل وقفهما لأنه أوقع نفسه في الوعيد الشديد وغفل عن أوجب العلوم حولكم من الجهال إذا تركتم تعلم دينكم كما في كتاب النبي ﷺ لهر قل قال: "فإن توليت فإن عليك أثم الاربسبين" ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ففي هذه الآية بيان التوحيد في العبادة ونفي اشرك فيها وبيان إن هذا هو الإسلام وهذا الخط لكم فيه بشارة ونذاره والسلام ١
_________________
(١) ١ الدرر١ /١٥٩
[ ٢٧٨ ]
الرسالة الخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٠"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ القادم من بلاد الأفغان "عبد الله بن محمد"وفقه الله لحقيقة الإسلام والإيمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فالذي يجب علينا محبة الخير لمن أراده وقصده فلعل الله أن يجعله موثرا للحق على غيره لكن نبحث مع مثلك في شيئين "الأول" إن علم المنطق.
[ ٢٧٨ ]
قد حرمه كثير من المحققين وأجازه بعض العلماء لكن الصواب تحريمه لأمور"منها"إنه ليس من علوم الشريعة المحمدية بل هو من علوم اليونان وأول من أحدثه المأمون بن الرشد وأما في خلافة من قبله من أسلافه من بني العباس وقبلهم خلفاء بن
أمية فلا يعرف في عصرهم "الأمر الثاني" إن أئمة التابعين من الفقهاء
والمفسرين والمحدثين لا يعرفون هذا العلم وهم نقلة العلم والإسلام في وقتهم أظهر العلوم النافعة عندهم أكثر وقد توافرت دواعيهم على نقل العلم وكذلك من
أخذ عنهم من الأئمة الأربعة ومن في طبقتهم من المحدثين ومن الفقهاء والمفسرين
فلا تجد في كتبهم ولا من أخذ عنهم شيئا من هذا العلم "الأمر الثالث" إن هذا
العلم إنما أحدثه الجهمية لما ألحدوا في أسماء الله وصفاته استمالوا المأمون على
تعرف كتب اليونان فعظمت فتنة الجهمية وظهرت بدعتهم من أجل ذلك فصار
ضرره أكثر من نفعه "وذكر العلماء" إنما فيه من صحيح فهو موجود في كتب
أصول الفقه فيتعين تركه وعدم الالتفات إليه والمعول إنما هو على الكتاب
والسنة وما عليه السلف والأئمة وهذه كتبهم موجودة بحمد الله ليس فيها من
شبهات أهل المنطق شئ أصلا "فهذا" الذي ندين الله به "البحث الثاني" السؤال عن التوحيد وأنواعه وحقيقة كل نوع منه فإن كان عند القيام من ذلك تحقيق وإلا فيجب إرشاده إلى ذلك وتعليمه لأن العلم أقسام ثلاثة لا رابع لها فيجب عليك أيها الرجل القادم أن من تسعى لنفسك بمعرفة الحق فهو أخونا "والحمد لله على هداية من اهتدى" والذي يرى غير ذلك فلا تحن بإخوان له والسلام وصلى الله على محمد وأله وسلم١.
_________________
(١) ١ الدرر ١/١٦٥.
[ ٢٧٩ ]
الرسالة الواحده والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥١"
من عبد الرحمن بن حسن وعلي بن حسن وإبراهيم بن سيف إلى من
[ ٢٧٩ ]
يصل إليه هذا الكتاب من الأخوان رزقنا الله وإياهم الفقه في الدين والإيمان واليقين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد فأنا نوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة والسر والعلانية ونذكركم ما أنعم الله به علينا وعليكم من دين الإسلام الذي رضيه لكم دينا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ وليس الإسلام بمجرد الدعري والتلفظ بالقول وإنما معناه الإنقياد لله بالتوحيد والخضوع والإذعان له بالربوبية والآلهية دون كل ما سواه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية وقال ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الآية وهو الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول ٍإِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وإلاله الذي تألهه القلوب محبة ورجاء وتعظيما وتوكلا واستعانة ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة فالتوحيد هو إفراد الله بالإلهية كما تقدم بيان ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا كما ذكر الله تعالى ذلك عن إمام الحنفاء ﵇ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الآية وقوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ فتأمل كيف ابتدأهم بالبراءة من المشركين وهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله ومدلولها لا بمجرد قوله: باللسان من غير معرفة وإذعان تضمنته كلمة الإخلاص من نفي الشرك وإثبات التوحيد.
[ ٢٨٠ ]
والجاهلون من أشباه المنافقين يقولونها بألسنتهم من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها ولهذا تجد كثيرا ممن يقوله: اباللسان إذا قيل له لا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله أشمأز من هذا القول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال تعالى: لنبيه محمد ﷺ ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ*وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ والحنيف وهو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه وقد قال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي﴾
وتقديم المعمول يفيد الحصر كما في هذه الآية وأشباهها قال العماد بن كثير ﵀: في معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فيها الرد على المشركين المخالفين لملة إمام الحنفاء فإن جرد توحيد ربه فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه وخالف في ذلك وقومه كما تبرأ من أبيه كما ذكر الله ذلك عنه في قوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا*فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وكيف بادرهم بذكر اعتز لهم أو ثم عطف عليه بإعتزال معبوداتهم كما في سورة الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وهذا هو حقيقة التوحيد وقد ارشد الله نبيه محمد ﷺ والمؤمنين أن يأتموا بخليله في ذلك ويتأسوا به فقال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ولهذا الأصل العظيم الذي هو ملة إبراهيم شرع الله جهاد المشركين فقال ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وفي الحديث "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له" مع هذا حذر الله نبيه ﷺ وعباده المؤمنين من الركون إليهم فقال ﴿وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت َّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا*إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ الآية وأظلم الظلم الشرك بالله كما قال تعالى.
[ ٢٨١ ]
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية ومن المعلوم أن الذين نزلت هذه الآية في التحذير عن نوليهم ليسوا من اليهود ولا من النصارى ولا ريب أن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين البراءة من كل مشرك وإظهار العداوة لهم والبغضاء وحرم على المؤمنين موالتهم وشركهم إنما هو في التأله والعبادة كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ والآية الثانية وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ والآيات في بيان الشرك في العبادة وأنه دين المشركين وما تضمنه القرآن من الرد عليهم وبيان ضلالهم وضياع أعمالهم أكثر من أن تحصر ويكفي اللبيب الموفق لدينه بعض ما ذكرناه من الآيات المحكمات وأما من لم يعرف حقيقة الشرك لإعراضه عن فهم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة فكيف يعرف التوحيد ومن كان كذلك لم يكن من الإسلام في شيء وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم وأما من شرح الله صدره للإسلام وأصغى قلبه إلى ذكر الله من الآيات المحكمات في بيان التوحيد المتضمن لخلع الأنداد التي تعبد من دون الله والبراءة منها ومن عابديها عرف دين المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أومتبوع أو مطاع وكلما ازداد العبد تدبرا لما ذكره الله تعالى في كتابه من أنواع العبادة التي يحبها الله من عبده ويرضاها عرف أن من صرف شيئا منها لغير الله فقد أشرك كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية ويجمع أنواع العبادة تعريفها بأنها كلما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
[ ٢٨٢ ]
إذا فهمتم ذلك وعقلتموه علمتم أن من المصائب في الدين ما يقع اليوم من كثير ممن يدعي الإسلام مع هؤلاء الذين يأتونهم من أهل الشمال وهم يعلمون أن الأوثان التي تعبد وتقصد بأنواع العبادة موجودة في بلادهم وإن الشرك يقع عندهم من الأقوال والأعمال ولا يحصل منهم نفرة ولا كراهة له مثل هؤلاء الذين لا يعرف منهم أنهم عرفوا ما بعث الله به رسوله من توحيد ولا أنكروا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله بل الواقع منهم إكرامهم وإعظامهم بل زوجوهم نساءهم فأي موالاة أعظم من هذا وأي ركون أبين من هذا أين العداوة لهم والبغضاء؟ هل كان ذلك الذي شرع الله وأوجبه على عباده خاصا بأناس كانوا فبانوا والناس بعد أولئك القرون قد صلحوا أم كان الشرك١.٢..
_________________
(١) ١ آخر ما وجد. ٢ الدرر٢/١٢٦.
[ ٢٨٣ ]
الرسالة الثانية والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٢"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل القصيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "بعد" اعلموا وفقنا الله وإياكم لمعرفة العلم النافع والعمل به تفهمون أن الله سبحانه من على أهل نجد بتوحيده بالعبادة وترك عبادة ما سواه وهذه نعمة عظيمة خص الله أهل نجد بالقيام فيها من الخاصة على العامة لكن لمن عرف قدرها والغفلة ذمها الله في كتابه وذكر أنها صفة أهل النار تعوذ بالله من النار بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وذم أهل الإعراض بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ وهو القرآن ولا تعرفون العبادة التي خلقكم الله لها إلا من القرآن من أوله إلى آخره يبين لكم كلمة الإخلاص لا إله إلا الله ولا يصح إسلام إلا بمعرفة ما دلت عليه هذه الكلمة من نفي الشرك في العبادة والبراءة منه وممن فعله ومعاداته وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له والموالاة في ذلك فمن الآيات التي بين الله تعالى فيها هذه الكلمة قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
[ ٢٨٣ ]
ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ *وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وهي لا إله إلا الله وقد افتتح قوله: بالبراءة مما كان يعبده المشركون عموما ولم يستثن إلا الذي فطره وهو الله تعالى الذي لا يصلح شيء من العبادة إلا له ونوع تعالى البيان لمعنى هذه الكلمة في آيات كثيرة يتعذر حصرها كقوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ والكلمة هي لا إله إلا الله بالاجماع ففسرها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي نكون فيها سواء علما وعملا وقبولا وانقيادا فقال ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ فنفي ما نفته لا إله إلا الله بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ وأثبت ما أثبته لا إله إلا الله بقوله: ﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ وقال ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فهذا أعظم أمر أمر الله به عباده وخلقهم له ففي قوله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ نفي الشرك الذي نفته لا إله الا الله وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ﴾ فهذا هو الذي أمر به ﷺ ودعا الناس إليه وهو إخلاص العبادة وتخليصها من الشرك قولا وفعلا واعتقادا وقد فعل ﷺ ذلك ودعا الناس إليه وجاهدهم عليه حق الجهاد وهذا هو حقيقة دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ بين تعالى أن توحيد الألهية هو الإسلام والأعمال كلها لا يصلح منها شيء إلا بهذا التوحيد وهو أساس للملة ودعوة للمرسلين والدين كله من لوازم هذا الأصل وحقوقه وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ فمن تدبر القرآن وتذكر به عرف حقيقة دين الإسلام الذي أكمله الله لهذه الأمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ هذا ما ننصحكم به وندعوكم إليه وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.١
_________________
(١) ١ الدرر ٢/١٢٩.
[ ٢٨٤ ]
الرسالة الثالثة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان علي بن حمد وإخوانه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتذكرون أمر الهيتمي الذي معه الحيات ويبيع سقوة على الناس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدعي أن من سقاه من ريقه لا تلدغه الحية ولم ينكر عليه إلا عبد العزيز بن عبد الجبار جزاه الله خيرا وتذكرون أن عثمان بن منصور وكتب تابعه وقبل منه سقوته هذا تحققناه منكم ومن سيبيع الذين جاؤا من قبلكم ويذكرون إنهم توقفوا في مبدأ أمره وأهل القرايا كذلك حتى قيل منه ابن منصور وكتب معه خطابا وبعد هذا تزاحم عليه البدو والحضر الذي يشتري سقوته بدراهم والذي بعيش والذي بغنم والذي بسمن والذي حصل منهم باعه في تمير وبعد هذا قدم المجمعة وطردوه.
وخط عبد العزيز بن الجبار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على من فعل هذا وأخذ الحيات وإن هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشياطين إذا تقرب إليهم بالشرك بالله وهذا لا يوجد إلا في أجهل الناس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز جزاه الله خيرا أدى الذي عليه وأما ابن منصور فالله أعلم أنه معاقب ولا ندري هل هذا كله جهل أوله مقصد شر وإلا فالذي على فطرة أو له عقل ينكر هذا بفطرته وعقله وذكر شيخ الإسلام ﵀: في كتاب الفرقان من الأحوال الشيطانية أمورا من هذا تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب فهذا من جنس أحوال الكهان مع الشياطين والكهانة أنواع هذا منها وفي الحديث الصحيح من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد ﷺ وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشياطين والاستكثار منهم محاها الله بما أطلع في نجد من الدعوة إلى توحيد الله وأمتدت إلى كثير من الجزائر كما محى أحوال الكهان ببعثة رسول الله ﷺ فسد ﷺ أبواب الشرك وأحوال الجاهلية وحمى الإسلام فمن ذلك ما ثبت في حديث ابن مسعود مرفوعا أن الرقى والتمائم والتولة شرك فلم يبح من الرقى إلا ما خصه الدليل من.
[ ٢٨٥ ]
الآيات القرآنية والأذكار النبوية والدعوات المعروفة بالألفاظ العربية وأما ما كان بأسماء الشياطين أو بما لا يعرف معناه فينهي عنه لهذا الحديث وحكمه التحريم فإذا كان حال الرقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه فكيف بما هو ظاهر إنه من أعمال الشياطين مع من تولى هم مثل هذا الهيتمي وأمثاله ممن شاهدنا بمصر لا يشك أحد أنه من أعمال الشيطان ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدون من دون الله وأكثر هذه الطرائق محشوة بالشرك والبدع وقوله: في الحديث والتولة شرك ذكر العلماء أنها تشبه السحر وما يشبه السحر فهو شرك وكذلك المتائم شرك للتعلق بها والاعتماد عليها من دون الله وفي بعضها أسماء الشياطين وما لا يعرف معناه فكل هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصحيح بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التوكيل على غيره ونحو ذلك وقد وقع في نفوس كثير من الجهال الذين أخذوا عن هذا الهيتمي كثير من تصديقه ما جاءهم به من هذه الضلالة وهذه فتنة وقى الله شرها وبسط القول في ذلك وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر أن شاء الله تعالى والسلام. ١
_________________
(١) ١ الدرر ٢/٢٠٥
[ ٢٨٦ ]
الرسالة الرابعة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى جناب الأخ إبراهيم بن محمود سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركات "وبعد" فهذا جواب سؤال المسئلة الأول عن أناس يجتمعون ويصلون على النبي ﷺ.
"فالجواب" أن هذا مشروعا وإنما المشروع الصلاة وقراءة القرآن قبل دخول الإمام فإذا دخل الإمام وأخذ في الخطبة وجب الانصات للخطبة كما في الحديث "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" وأما تقدم الخطيب في المسجد يصلى ويقرأ قبل الخطبة والصلاة فلا بأس به لكن ينبغي أن يكون في ناحية يراه المأمومون إذا خرج ألبهم للخطبة.
[ ٢٨٦ ]
وأما صلاة الجمعة قبل الزوال فهو وقت لها عند الإمام أحمد ﵀: وخالفه بعض الأئمة وقال: وقتها بعد الزوال فتأخيرها إلى الزوال خروجا خلاف العلماء لكن هذا القول الثاني مجمع عليه.
كذلك الأمراض الحادثة وقع مثلها في وقت الصحابة ﵃ فلم بفتوا فيها ولو كان خيرا سبقونا إليه.
وأما جعل الذهب في الجنبية والسيف وفي خاتم رجل فلا يجوز إلا الفضة وأما الذهب فلا.
وأما صاحب السفينة وقوله: سلفني فلا يجعله من الأجرة ويقدمها عليه جاز.
وأما كفارة اليمين فيطعم عشرة مساكين قدرها العلماء لكل مسكين مد من البر والمد وزن ثلاثين ريالا فلكل مسكين مد من البر والمد وزن ثلاثين ريالا فإن كان شعيرا فمدان وكذلك التمر.
وأما قوله: إذا حلف وقال وعهد الله فهو كقوله: والله.
وأما الحج فمن أخذها ليحج صح وأما إذا حج ليأخذ فلا يصح١ كذلك ما يصح له أن يوكل غيره لا في بلد الميت ولا في غيرها فإن استأجر من يحج بدله من بلد هي أقرب إلى مكة من بلد الميت فهذا لا يصح أيضا. وقولك من يأخذ الحجة لا شتياقه إلى البيت ومشاعر الحج وللعمل الصالح لما فيه من زيادة الفضل فهذا هو الذي يصح نيابته كما تقدم فإن كان قصده التوصل إلى البيت فلواجب لقصده ذلك. وما فعله غير المناسك التي هي أركان الحج وواجبات وسنن فثوابه له وأما الأركان والواجبات والسنن فثواب ذلك يرجع للذي هو نائب عنه وفضل الله واسع.
وأما إذا أخذ مالا من عمان لصاحب له في نجد فلا يجوز لأن الواجب الحج للميت من بلده التي هي أبعد من مكة. وسلم لنا على إخوانك وعبد اللطيف وإخوانه والإمام وأولاده والأخوان بخير وينهون السلام. حرر سنة ١٢٩٢.
_________________
(١) ١ المجموعة ٤/٤٢٧.
[ ٢٨٧ ]
الرسالة الخامسة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٥"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم محمد آل عمر السليم سلمه الله تعالى من كل آفة وآمنه من كل مخافة سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد وصل الخط وصلك الله بما يرضيه ويحمد إليك الله تعالى على ما أسبغ من نعمه الباطنة والظاهرة جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين ونعمة الله عليكم عظيمة حيث أقامكم في ناحية أهلها جهال بالتوحيد ماله عندهم قدر ولا قيمة وجعلكم تدعون إليه وتبينونه وتحملون الناس عليه وجعل لكم أصحاب قابلين هذه الدعوة ومحبينها ومعادين فيها وموالين فيها ويا أخي هذه النعمة علينا وعليكم عظيمة واحمدوا الله ﷾ وتبرءوا من الحول والقوة وانسبوا النعمة إلى ربكم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: - لما ذكر القلب وصف القلب الحي بقوله: أن يكون مدركا للحق مربدا له مؤثرا له على غيره والكتاب وصل وشرعنا نقرأ فيه ووجدناه صحيحا ولله الحمد موافق ولو ثمنه غالي كل ثمن يساق فيه ليس بكثير.
وسلم لنا على الوالد ومحمد وجميع الأخوان بالتخصيص والتنصيص ومن لدينا الإمام وتركي ومحمد وعبد اللطيف وإسماعيل وجميع العيال بخير ويبلغون السلام وأنت سالم والسلام وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم خطه سنة ١٢٨٤ ونقلته من خطه وعليه ختمه. غرة ربيع أول سنة ١٣٤٥١
_________________
(١) ١ الدرر ٤/٤٢٨.
[ ٢٨٨ ]
الرسالة السادسة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٦"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن غمره الله بأنعمه وزاده من فواضل جوده وكرمه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٨٨ ]
وبعد: فالخط وصل به الإنس والسرور حصل حيث أنبأ عن حال الأخ جعلها الله حالا مرضية وبالتوفيق مرعية وحيث سألت عني فأحمد الله إليك وأنا بخير وعافية جعلنا الله وإياكم من الشاكرين والأحوال من فضل الله جميلة نسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا ويغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا وأن يمن على الجميع بالهدى والسداد والفوز بالرضوان يوم المعاد إنه هو الكريم الجواد اللطيف بالعباد.
ويا أخي مر علينا في شرح الزاد في معنى قوله: في الاستفتاح "ولا إله غيرك" أي لا يستحق أن يعبد غيرك وهو يؤيد ما قد قلته لك من ان المقدر في كلمة الاخلاص إذا قال الموحد لا إله إلا الله أي لا إله حق إلا الله والعامل في هذا المقدر "لا" على أنه خبرها في قول الأخفش: وعلى قول سيبويه لم تعمل فيه "لا" وإنما عمل فيه المبتدأ هو "لا" مع اسمها فإن "لا" مع اسمها في محل رفع على الابتداء.
والمقصود أن المقدر "حق" ليطابق ما في الآيتين في سورة الحج ولقمان.
وأبلغ محمد بن مانع ومن بحضرتك من الطلبة والأخوان والجماعة السلام.
ومن لدينا العيال وخواص إخوانكم بخير وينهون السلام وأنت سالم والسلام.
[ ٢٨٩ ]
الرسالة السابعة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
"٥٧"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يراه من الأخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" طلبنا أخوكم سعد بن كسران الفائدة في اصل الدين فأجبناه فأحسن ما نجد في بيان أصل الدين الآيات المحكمات. فتدبر ما قص الله
[ ٢٨٩ ]
تعالى عن رسله وما دعوا إليه من بعثوا إليهم يتبين لك أصل الدين وما ينافيه من الشرك.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في كتاب التوحيد على اختصاره كثيرا من الأدلة المعرفة بأصل الدين كذلك كتاب كشف الشبهات وأربع القواعد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله. فأوصيك بالاشتغال والمطالعة في كتبه وتأمل ما فيها من الأدلة.
وأما المحرمة التي أخضرها حرير فلا شك في أنها حرام فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة" وقال "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وفي الصحيح أنه أخذ حريرا فجعله في يمينه وذهبا في يساره ثم قال: "إن هذا حرام على ذكور أمتي".
وفي حديث عمر نهى عن الحرير ألا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى فما زاد على الأربع إلأصابع حرام سواء كان مفرقا أو مجتمعا كما عليه جماهير العلماء وهو ظاهر الأحاديث وفيها يدل على المنع منه وإن لم يكن مجموعا فاجتنب هذه المحرمة فإنها محرمة فإن كان عندك شيء منها تبعها على مسلم بعها في غير بلاد المسلمين.
هذا وبلغ سلامنا الأخوان وكاتبه وخواص الأخوان يسلمون عليكم وانتم سالمون والسلام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٩٠ ]
الرسالة الثامنة والخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
"٥٨"
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن أحبه ووده.
[ ٢٩٠ ]
من عبد الرحمن بن حسن إلى أخيه راشد بن مطر سلمه الله تعالى وزاده علما وإيمانا وتوفيقا وإذعانا. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
"وبعد" فقد وصل إلى خطك وسرنا ما أشعر به من حسن الحال من معرفة الإسلام ومحبته وقبوله فتلك النعمة التي لا أشرف منها ولا أنفع ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فرحمته الإسلام والإيمان وقيل القرآن وهما متلازمان ورحمته أن جعلكم من أهله كما فسر الصحابي ﵁ الآية بهذا.
وما ذكرت من قيام الجهمية والرافضة والمعتزلة عليكم فلا يخفاك أن هذه الفرق الثلاث قد ابتلى بهم أهل السنة والجماعة قديما وحديثا وتشعبت هذه الأهواء شعبا وكل من أقامه الله بدينه والدعوة إليه ناله منهم عناء ومشقة فهم أعداء أهل الحق في كل زمان ومكان حكمة بالغة ليمتحن حزبه بحربه كما جرى للرسل من أعدائهم في الدين قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليتميز الصادق بصدقه وصبره على دينه وليتخلف من ليس كذلك ممن ليس له قدم راسخ في الإيمان ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .
وبعد الإبتلاء واللامتحان يحصل النصر والتمكين للمؤمنين الصادقين الصابرين كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ الآية، فمن قامت عليه الحجة فلم يقبل وجادل بالباطل وجبت عداوته والبراءة منه ومفارقته بالقلب والبدن.
وأما قول الأشاعرة في نفي علو الله تعالى على عرشه فهو كقول الجهمية سواء بسواء. وذلك يرده ويبطله نصوص الكتاب والسنة كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع كقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج إنما هو من أسفل إلى فوق وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
[ ٢٩١ ]
﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآيتين. وكل هذه الآيات نصوص في علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه على ما يليق بجلاله بلا تكييف.
وقو هؤلاء الأشاعرة: إنه من الجهات الست خالي قد وصفوه بما يوصف به المعدوم وهو قد وصف نفسه بصفات الموجود القائم على كل نفس بما كسبت.
وفي الأحاديث من أدلة العلو ما لا يكاد يحصر إلا بكلفة كقوله: في حديث الرقية "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك" الحديث.
وجوهرة السنوسي ذكر فيها مذهب الأشاعرة وأكثره مذهب الجهمية المعطلة لكنهم تصرفوا فيه تصرفا لم يخرجهم عن كونهم جهنمية ومذهبهم أن القرآن عبارة عن كلام الله لا أنه كلامه الذي تكلم به وخالفوا الكتاب والسنة وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ والأدلة على هذا كثيرة جدا.
والأشعري له كتب في إثبات الصفات وهذا المذهب الذي نسبه إليه هؤلاء تبرأ منه في كتابيه "الإبانة. والمقالات" وغيرهما وكثير من أهل العلم يكفرون نفاة الصفات لتركهم ما دل عليه الكتاب والسنة وعدم إيمانهم بآيات الصفات.
وأما من جحد توحيد الآلهة ودعا غير الله لا شك في كفره وقد كفره القرآن والسنوسي وأمثاله من المتأخرين ليس من السلف ولا من الخلف المعروفين بالنظر والبحث بل هو من جهلة المتأخرين المقلدين لأهل البدع وهؤلاء ليسوا من أهل العلم والخلف فيهم من أنحرف عن السنة إلى البدع. وفيهم
[ ٢٩٢ ]
من تمسك بالسنة فلا يسب منهم إلا من ظهرت منه البدعة.
وأما ابن حجر ألهيتني فهو من متأخري الشافعية وعقيدته عقيدة الأشاعرة النفاة للصفات ففي كلامه حق وباطل.
وأما الدعاء بعد المكتوبة ورفع الأيدي فليس من السنة وقد أنكره شيخ الإسلام لعدم وروده على هذا الوجه.
وأما أهل البدع فيجب هجرهم والإنكار عليهم إذا ابتليتم بهم وتأملوا مصنفات الشيخ وتأملوا كلامه رحمه الله تعالى: تجدوا فيه البيان والفرقان.
وحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي التي تمسكت بما كان عليه رسول الله ﷺ واصحابه.
وأما الأفغانيون الذين جاؤا فبلغنا أنهم يرون رأي الخوارج معهم غلو وقد شدد النبي ﷺ في الغلو وأخبر عن الخوارج "أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" وأمر بقتلهم.
وسبب غلوهم الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة فأداهم جهلهم وقصورهم في الفهم إلى أن كفروا أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين فإذا كان قد جرى في عهد النبوة من يطعن على رسول الله ﷺ ويكفر أصحاب فلا يبعد أن يجيء في آخر هذه الأمة من يقول بقولهم ويرى رأيهم وهؤلاء الناس الذين هاجروا إلينا وبايعونا ما ندري عن حقيقة أمرهم.
وعلى كل حال إذا عملتم بالتوحيد وأنكرتم الشرك والضلال وفارقتم أهل البدع فلا يلزمكم هجرة عن الوطن والمال بل يجب عليكم الدعوة إلى الله وطلب أدلة التوحيد في كتاب الله وتأمل كلام الشيخ في مصنفاته فإنه رحمه الله تعالى: بين وحق وأنتم سالمون والسلام١
_________________
(١) ١ المجموعة ٤/٣٦٩
[ ٢٩٣ ]