في ختام هذا البحث؛ أحمد الله تعالى على نعمه الجزيلة وآلائه العظيمة، التي من جملتها ما مَنَّ به مِنْ ختام هذا البحث في باب القدر، حيث اشتمل على مباحثَ جليلةٍ، ومسائلَ مفيدةٍ في هذا الباب العظيم، والأصل الأصيل من أصول الدين.
ويمكن إبراز أهمِّ النتائج التي توصَّل إليها البحث في النقاط التالية:
١) القضاء والقدر بينهما تلازمٌ، ويدخل أحدهما في معنَى الآخر في بعض مواطن ورودهما في النصوص وكلام العلماء، وهما كلمتان إِنِ اجْتَمَعَتَا في الذكر افْتَرَقَتَا في المعنَى، وإِنِ افْتَرَقَتَا في الذكر اجتمعتا في المعنَى.
٢) القدر سابقٌ للقضاء على الصحيح من أقوال العلماء، وهو الذي عليه المحقِّقون من أهل العلم.
٣) الإيمان بالقدر ركنٌ عظيمٌ من أركان الإيمان، لا يصحُّ إيمان العبد إلا بتحقيقه، وهو نظام التوحيد؛ فَمَنْ حقَّقه كَمل توحيده، ومَنْ كذَّب به نقض توحيده.
٤) تضافرت الأدلَّة من الكتاب والسنَّة على إثبات القدر، وعلى ذلك انعقد إجماع الصحابة وأهل الحلِّ والعقد من السلف والخلف.
٥) أصل الخلاف في القدر يرجع إلى مقالتين مخالفتين للكتاب والسنَّة وما عليه سلف الأمَّة، وهما:
أ- مقالة القدريَّة: وهي القول بقدرة العبد على فعله قدرة تامة، وإنكار مراتب القدر كلها كما هو قول أوائلهم وغلاتهم، أوإنكار المشيئة والخلق كما هو قول متأخريهم.
[ ٢٤١ ]
وأوَّل ظهور مقالة القدرية في أواخر عصر الصحابة ﵃، في خلافة عبد الملك بن مروان، وأوَّل مَنْ تكلَّم في القدر: رجلٌ من أهل العراق يُقال له: سنسويه، وكان نصرانيًّا فأسلم، ثم تنصَّر، فأخذ عنه معبد الجهنيُّ، وأخذ غيلان عن معبدٍ.
ب- مقالة الجبريَّة: وهي القول بجبر العبد على فعله، ودعوى أن الفاعل الحقيقيَّ هو الله، وإنما يُضاف الفعل للعبد مجازًا.
وأوَّل مَنْ أظهر القول بالجبر: الجهم بن صفوان، وقد أخذ جهمٌ من الجعد بن درهمٍ، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ.
٦) أهل السنَّة متَّفقون على الإيمان بالقدر، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها، ومتَّفقون على إثبات أمره ونهيه ووعده ووعيده، وأنه لا حجَّة لأحدٍ في ترك مأمورٍ ولا فعل محظورٍ، وهم متَّفقون على أن الله حكيمٌ، وأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.
٧) استفاضت الآثار عن السلف بتقرير القدر وأهمَّيَّة الإيمان به، والتشديد على المخالفين فيه.
٨) أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ:
(أ) مجوسيَّةٌ: وهم الذين كذَّبوا بقدر الله، وآمنوا بأمره ونهيه.
(ب) مشركيَّةٌ: وهم الذين أقرُّوا بالقدر، وأنكروا الأمر والنهي.
(ج) إبليسيَّةٌ: وهم الذين أقرُّوا بالأمرين، لكنهم جعلوا هذا متعارضًا متناقضًا، وطعنوا في حكمة الربِّ وعدله.
[ ٢٤٢ ]
٩) للإيمان بالقدر أربع مراتب، لا يصحُّ الإيمان بالقدر إلا بتحقيقها، وهي:
(أ) العلم.
(ب) الكتابة.
(ج) المشيئة.
(د) الخلق.
وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة من الكتاب والسنَّة.
١٠) أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: اضطراريَّةٍ؛ كحركة المرتعش، والعروق النابضة. واختياريَّةٍ؛ مثل: أعمال البرِّ والمعاصي.
١١) اختلف الناس في الأفعال الاختياريَّة على أربعة أقوالٍ:
القول الأول: قول أهل السنَّة -وهو الحقُّ-. قالوا: إن العباد فاعلون حقيقةً، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، والمصلِّي والصائم، وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم فيها إرادةٌ، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم.
القول الثاني: قول القدريَّة، وبه قالت المعتزلة. قالوا: إن العبد قادرٌ على فعل نفسه، وله فيه المشيئة الكاملة والقدرة التامَّة، والعباد خالقون لأفعالهم، وليست مخلوقةً لله.
القول الثالث: قول الجبريَّة، وبه قالت الجهميَّة. قالوا: إن العبد لا قدرة له على عمله، ولا إرادة ولا اختيار له فيه، والعباد مجبورون على أفعالهم، وأفعالهم إنما تُنسَب إليهم على سبيل المجاز.
القول الرابع: قول الأشاعرة ومَن وافقهم. قالوا: إن أفعال العباد مخلوقةٌ لله ﷻ، وهي مع كونها خلق الله فهي كسبٌ للعبد، وله عليها قدرةٌ غير مؤثِّرةٍ.
[ ٢٤٣ ]
١٢) يعتقد أهل السنة أن الهداية والإضلال من الله تعالى، يهدي مَنْ يشاء برحمته، ويضلُّ مَنْ يشاء بعدله. وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
١٣) للهداية أربع مراتب دلت عليها الأدلة:
المرتبة الأولى: الهداية العامَّة، وهي هداية كلِّ نفسٍ إلى مصالح معاشها وما يقيمها. وهذه المرتبة أعمُّ المراتب.
المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمكلَّفين. وهذه المرتبة أخصُّ من المرتبة السابقة، وقد أثبت الله هذه الهداية لرسوله ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام. وهذه المرتبة أخصُّ من المرتبة السابقة، وهي التي نفاها الله عن رسوله ﷺ في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنَّة والنار يوم القيامة، هداية المؤمنين إلى الجنَّة، وهداية الكافرين إلى النار.
١٤) المخالفون لأهل السنَّة في مسألة الهداية والإضلال طائفتان:
الطائفة الأولى: (القدريَّة).
أثبتوا هداية الإرشاد فقط، وأنكروا هداية التوفيق، والإضلال. وقالوا: إن العبد يهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه، والله لا يهدي أحدًا ولا يُضِلُّ أحدًا.
وتأوَّلوا الهداية المضافة لله في النصوص بهداية الإرشاد، أو تسميته المهتدي مهتديًا، وتأوَّلوا الإضلال بتسميته الضالَّ ضالًّا.
[ ٢٤٤ ]
الطائفة الثانية: (الجبريَّة).
قالوا: إن الله أكره العباد وأجبرهم على أعمالهم، فليس لهم فعلٌ، ولا إرادةٌ، ولا اختيارٌ، ولا كسبٌ ألبتَّة، وحال بينهم وبين الهدى ابتداءً من غير ذنبٍ ولا سببٍ من العبد يقتضي ذلك، فلم يُيَسِّر إليه سبيلًا ولا أعطاه عليه قدرةً.
١٥) يعتقد أهل السنَّة أن الإرادة التي يتَّصف بها الله ﵎ تنقسم إلى قسمَين:
(١) إرادةٌ كونيَّةٌ قدريَّةٌ، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، والمتعلِّقة بما قدَّره الله وقضاه، وهي مستلزمةٌ للوقوع.
(٢) إرادةٌ دينيَّةٌ شرعيَّةٌ، وهي متعلِّقةٌ بالأمر الذي أراد الله من عباده فعله شرعًا، وهي غير مستلزمةٍ للوقوع إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة. وقد دلَّت الأدلَّة على هاتين الإرادتين، وإثباتهما جميعًا هو عقيدة أهل السنَّة.
١٦) قد تجتمع هاتان الإرادتان وقد تفترقان، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولذلك أربع صورٍ:
الصورة الأولى: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ كإيمان أبي بكرٍ وسائر المؤمنين، وحصول الطاعات منهم.
الصورة الثانية: ما تعلَّقت به الإرادة الدِّينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ؛ كإيمان أبي جهلٍ وسائر الكافرين، وما أراده الله من طاعتهم.
الصورة الثالثة: ما تعلَّقت به الإرادة الكونيَّة فقط، وهو ما قدَّره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي الواقعة في الناس، ولولا إرادته لها كونًا لما وقعت.
[ ٢٤٥ ]
الصورة الرابعة: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي؛ فإن الله لم يأمر بها ولم يردها شرعًا، كما أنه لم يردها كونًا؛ فلم تقع، ومثالها: كفر المؤمن والمعاصي التي عصمه الله منها فلم تقع منه.
١٧) بين الإرادتين فروقٌ تُميِّز إحداهما عن الأخرى، منها:
١) ما أراده الله كونا لا بدَّ من وقوعه، وما أراده شرعًا لا يلزم وقوعه؛ فقد يقع وقد لا يقع، إلا أن تتعلَّق به الإرادة الكونيَّة.
٢) ما أراده الله كونا قد يحبُّه الله ويرضاه، وقد لا يحبُّه ولا يرضاه، فالله أراد المعصية كونًا ولا يرضاها شرعًا، وما أراده الله شرعا لا بدَّ أن يحبَّه ويرضاه.
٣) الإرادة الكونيَّة لا تستلزم الأمر إلا إذا اجتمعت مع الإرادة الشرعيَّة، والإرادة الشرعيَّة تستلزم الأمر؛ فكلُّ ما أراده الله شرعًا أمر به.
٤) الإرادة الكونيَّة قد تكون مقصودةً لغيرها، كإرادة خلق إبليس وسائر الشرور؛ لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار، وغير ذلك من المحابِّ، والإرادة الشرعيَّة مقصودةٌ لذاتها؛ فالله أراد الطاعة لنفسها ورضيها وأحبَّها.
١٨) خالف في تقسيم الإرادتين طائفتان:
الطائفة الأولى: القدريَّة.
أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن كفر الكافر ومعصية العاصي لا تدخل تحت إرادة الله ولا تقديره.
الطائفة الثانية: الجبريَّة.
أثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية، وقالوا: إن الكفر والمعاصي مرادة لله تعالى ومحبوبة له، وقد جبرهم عليها لا خيار لهم في تركها.
[ ٢٤٦ ]
١٩) اختلف المسلمون في مفهوم الحكمة والتعليل في أفعال الله بعد اتِّفاقهم على أن الله موصوفٌ بالحكمة. ومجمل أقوال الناس في ذلك ترجع إلى ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة وجمهور المسلمين). يقولون: إن الله تعالى يخلق لحكمةٍ، ويأمر لحكمةٍ، والحكمة صفة له قائمة به وهو حكيمٌ في خلقه، وأمره، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحةٍ وحكمةٍ، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ لأجلها فَعَلَ، كما هي ناشئةٌ عن أسبابٍ بها فَعَلَ.
القول الثاني: (قول الأشعريِّ وبعض الفقهاء وكثيرٍ من الظاهريَّة كابن حزمٍ وأمثاله). قالوا: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده. وإن أطلقوا لفظها فلا يعنون به معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة.
القول الثالث: (قول المعتزلة وأتباعهم من الشيعة). قالوا: إنه يخلق ويأمر لحكمةٍ مخلوقةٍ منفصلةٍ عنه، من غير أن يعود إليه من ذلك حكمٌ ولا قام به فعلٌ ولا نعتٌ. وهذه الحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك.
٢٠) اختلف الناس في مسألة الصلاح والأصلح على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنة). يقولون: إن الخلق لا يوجبون على الله شيئًا، لا فعل الصلاح ولا الأصلح، فالخلق خلقه والأمر أمره، لا يُسأل عما يفعل، ولا معقِّب لحكمه. ويقولون مع ذلك: إن الله له الحكمة البالغة فيما يخلق ويقدِّر، وفيما يأمر ويشرِّع. ويقولون: إن الله أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم.
[ ٢٤٧ ]
القول الثاني: (قول المعتزلة ومَن وافقهم من الشيعة). اتَّفقوا على أنه يجب على الله فعل الصلاح والخير لكلِّ عبدٍ معيَّنٍ في دينه، وسمَّوه عدلًا. قالوا: وتركه سفهٌ يجب تنزيه الله عنه.
واختلفوا في مسألتين متفرِّعتين عن هذه المسألة -على قولين-:
المسألة الأولى: هل يجب على الله فعل الصلاح لعباده في الدين والدنيا، أم في الدين فقط؟
المسألة الثانية: هل يجب على الله فعل الأصلح؟
القول الثالث: (قول الجهميَّة والأشاعرة). قالوا: لا يجب على الله فعل الصلاح ولا الأصلح، وأن ذلك ليس بواجبٍ عليه، وليس بلازمٍ وقوعه منه. بل قالوا: إنه لا يفعل لمصلحةٍ ولا لجلب منفعةٍ لعباده أو دفع مضرَّةٍ. ولا يثبتون له حكمةً ولا رحمةً في أفعاله، بل عندهم يفعل بمشيئةٍ محضةٍ.
٢١) اختلف الناس في مسألة التكليف بما لا يُطاق على أربعة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنة). منعوا من إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق، واجمعوا على إنكار ذلك وذم من يطلقه.
وقالوا: إن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام. فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير.
وأما الاستطاعة والطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فهذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين. وجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار.
[ ٢٤٨ ]
القول الثاني: (قول الجهميَّة). قالوا بجواز التكليف بما لا يُطاق مطلقًا، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزَمِن أن يسير إلى مكَّة.
القول الثالث: (قول المعتزلة). قالوا بعدم جواز التكليف بما لا يُطاق؛ لأنه قبيحٌ، والله تعالى منزَّهٌ عن فعل القبيح.
القول الرابع: (قول الأشاعرة). قالوا: إن التكليف بما لا يُطاق جائزٌ. وهذا بناءً على قولهم: إن العبد لا يكون قادرًا إلا حين الفعل، وإن القدرة لا تكون إلا مع الفعل. فعلى هذا؛ كلُّ مكلَّفٍ حين التكليف قد كُلِّف بما لا يطيقه حينئذٍ، وإن كان قد يطيقه حين الفعل بقدرةٍ يخلقها الله له وقت الفعل.
٢٢) اختلف الناس في حقيقة الشرِّ المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: إن الشرَّ على نوعين:
النوع الأوَّل: (الشرُّ المطلق أو الكلِّيُّ)، وهو الشرُّ المحض الذي لا خير فيه بوجهٍ من الوجوه. فهذا لا يدخل في الوجود، بل هو معدومٌ لا يخلقه الله. فهذا ليس إليه، ولا يُضاف إليه تعالى.
النوع الثاني: (الشرُّ النسبيُّ أو الجزئيُّ)، وهو الشرُّ الإضافيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ، وشرٌّ باعتبارٍ آخر. فالله تعالى يخلق هذا النوع باعتبار الخير الراجح الذي فيه، لا باعتبار الشرِّ المرجوح الذي فيه.
القول الثاني: (قول القدرية). قالوا: لا يجوز أن يُقال: إن الله سبحانه مريدٌ للشرِّ أو فاعلٌ له، والشرُّ ليس بفعلٍ له، فلا يكون مفعولًا له، فيستحيل أن يريد الشرَّ، فالشرُّ ليس بإرادته ولا بفعله.
القول الثالث: (قول الجبريَّة). قالوا: الربُّ سبحانه يريد الشرَّ ويفعله؛ لأن الشرَّ موجودٌ، فلا بدَّ له من خالقٍ، ولا خالق إلا الله، والشرُّ مخلوقٌ له ومفعولٌ.
[ ٢٤٩ ]
٢٣) اختلف المسلمون في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها. فهو متنزِّهٌ عنه، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل الذي هو وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها. وهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا، وهو مستحقٌّ للحمد والثناء على تفضُّله وتنزُّهه.
القول الثاني: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشاعرة ومَن وافقهم من الظاهريَّة). قالوا: الظلم هو التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حقِّ الله تعالى. وقالوا: إن الظلم ممتنعٌ عليه، وهو مستحيلٌ في حقِّه سبحانه، كالجمع بين النقيضين، وليس هو داخلًا في اختياره ومشيئته.
القول الثالث: (قول المعتزلة). عرَّفوا الظلم بأنه: إضرار غير مستحقٍّ. وقالوا: الظلم الذي يتنزَّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ. فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، ثم زعموا أن خلقه لأفعال العباد وإرادته لأعمالهم وتعذيبه للعاصي ظلمٌ منه يتنزَّه عنه، وسمَّوا أنفسهم العدليَّة.
٢٤) اختلف الناس في مسألة الرضى بالقدر على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة). قالوا: الرضى بالقضاء فيه تفصيلٌ باعتبار متعلَّقه؛ فإن القضاء إما أن يتعلَّق (بالطاعات والمعاصي)، أو (بالمسرَّات والمصائب).
وحكم الرضى به على وجهين:
الوجه الأوَّل: ما يُرضى به من القضاء. وهو على قسمين:
[ ٢٥٠ ]
القسم الأوَّل: ما يُقدَّر للعبد من الطاعات. فهذا يجب الرضى به.
القسم الثاني: ما يُقدَّر على العبد من النعم والمسرَّات، أو النقم والمصائب مما لا يدخل في اختياره. فهذا يُشرَع الرضى به.
الوجه الثاني: ما يُقدَّر على العبد من الكفر والبدع والمعاصي. فهذا النوع فيه تفصيلٌ؛ فإن ما يقدِّره الله منها له وجهان:
الأوَّل: من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ فهي مكروهةٌ مسخوطةٌ، فلا يُشرَع الرضى بها، بل يُشرَع بغضها وسخطها.
الثاني: من جهة كونها مخلوقةً للربِّ؛ فهي محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها وقدَّرها لحكمةٍ، فيُشرَع الرضى بقضائه وقدره.
القول الثاني: (قول الجهميَّة وغلاة الجبريَّة). قالوا: الرضى بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، فنحن نرضى به ولا نسخطه. فنرضى بكلِّ ما قدَّره الله من المسرَّات والخيرات، وكلِّ ما جرت به المقادير من إيمانٍ وكفرٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ وخيرٍ وشرٍّ.
القول الثاني: (قول المعتزلة القدرية). قالوا: الرضى بالقضاء مأمورٌ به، فنحن نرضى به. ولكن الكفر والذنوب ليست مقضيَّةً ولا مقدَّرةً من الله، وليست محبوبةً ولا مرضيَّةً له، فلا نرضى بها ولا نحبُّها، بل نسخطها ونبغضها.
٢٥) تنازع الناس في استطاعة العبد على أربعة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنَّة).
قالوا: إن الاستطاعة نوعان:
الأولى: (استطاعةٌ متقدِّمةٌ على الفعل)، ومرجعها إلى الصحَّة وسلامة الجوارح. وهي المصحِّحة للفعل المجوِّزة له، وهي صالحةٌ للضدَّين الفعل والترك.
[ ٢٥١ ]
الثانية: (استطاعةٌ مقارنةٌ للفعل)، ومرجعها إلى التوفيق وإعانة الله للعبد على الفعل. وهي الموجِبة للفعل المحقِّقة له، وهي لا تصلح لغيره.
القول الثاني: (قول الجهميَّة وطائفةٍ من الأزارقة).
قالوا: إنه ليس للعبد استطاعةٌ، لا قبل الفعل ولا معه.
القول الثالث: (قول المعتزلة والشيعة، وهو الغالب على نفاة القدر).
قالوا: للعبد استطاعةٌ تكون قبل الفعل، ولا تكون معه البتَّة. وهي صالحةٌ للضدَّين. ويستطيع بها العبد أن يفعل الخير والشرَّ، والطاعة والمعصية.
القول الرابع: (قول الأشاعرة وهو الغالب على مثبتة القدر).
قالوا: للعبد استطاعةٌ مع الفعل، لا تكون قبله. وهي لا تصلح للضدَّين. وإنما تصلح لفعلٍ واحدٍ؛ إذ هي مقارنةٌ له لا تنفكَّ عنه
٢٦) أن الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وأجمع عليه سلف الأمَّة.
وقد خالف أهل البدع في هذه المسألة على قولين:
القول الأوَّل: (قول الجبريَّة ومَن وافقهم). آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعيَّة والأعمال الصالحة بناءً على قولهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة.
القول الثاني: (قول القدريَّة). آمنوا بالشرع وعظموا الأمر والنهي وبالغوا في قدرة العبد متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وقصروا في التوكل على الله والاستعانة به في تحقيق مطالب الدين والدنيا.
٢٧) لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، بل الحجَّة قائمةٌ على العباد بما جعل الله لهم من الإرادة والاختيار في أعمالهم من خيرٍ وشرٍّ. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وصرَّح به الأئمَّة في تقرير معتقد أهل السنَّة.
[ ٢٥٢ ]
والاحتجاج بالقدر إنما يكون على المصائب لا على المعايب، كما دلَّت على ذلك النصوص الصحيحة. وعلى هذا تُحمَل محاجَّة آدم وموسى؛ فهذه المحاجَّة بين آدم وموسى كانت على المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولم تكن على ذنب آدم وخطيئته.
٢٨) دلَّت الأدلة على النهي عن الخوض في القدر، وأن ذلك من جملة الإيمان بالقدر.
ولا بدَّ من معرفة الحدِّ الفاصل بين الكلام في القدر بحقٍّ -الذي هو داخل في العلم المرغب في طلبه وتحصيله-، وبين الخوض في القدر بالباطل -الواجب اجتنابه والتحذير منه-.
وحدُّ ذلك يكون بمراعاة الفوارق بين الكلام في القدر بعلمٍ، وبين الخوض المحرَّم من عدَّة اعتباراتٍ: باعتبار النيَّة والقصد من الكلام، وباعتبار المتكلِّم، وباعتبار المتكلَّم فيه، وباعتبار طريقة الكلام.
٢٩) اختلف الناس في مسألة الأسباب والمسبَّبات على أربعة أقوالٍ:
القول الأول: (قول أهل السنَّة).
يثبتون الأسباب، ويقولون: إن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها، وليس لها تأثير الخلق والإبداع، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ تصحِّحها وأخرى تمانعها، والمُسَبَّبُ لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه جميع أضداده المعارضة له، والله هو المتفرِّد بخلقها وإيجادها أو إعدامها.
[ ٢٥٣ ]
القول الثاني: (قول الجهميَّة والأشاعرة وطائفةٍ من الفقهاء والصوفيَّة).
أنكروا الأسباب، وزعموا أنه ليس للأسباب تأثيرٌ على المسبَّبات. وبالغوا في ذلك حتى أنكروا الأسباب المحسوسة، فقالوا: ليس للنار أثرٌ في الإحراق، ولا للخبز أثرٌ في الإشباع. وقالوا: إن الله يفعل عندها لا بها.
القول الثالث: (قول الفلاسفة).
غلوا في عامة الأسباب والقوى والطبائع وجعلوها مؤثرة بنفسها وقد اتخذوها أربابا وآلهة يتوجهون إليها بالدعاء والطلب وقضاء الحاجات.
القول الرابع: (قول المعتزلة).
غلوا في الأسباب من أفعال الحيوان، وقالوا: إن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره، كالشبع والري وزهوق الروح ونحو ذلك، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد، ولم يقولوا بذلك في سائر القوى والطبائع، بل يقرون بخلق الله لها وإيجادها خلافًا للفلاسفة.
٣٠) اختلف الناس في مسألة التحسين والتقبيح -باعتبار المدح والذم والثواب والعقاب- على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأول (قول أهل السنة). قالوا بالتفصيل، فقالوا: إن العقل يُدرِك الحسن والقبح في بعض الأمور دون بعضٍ، وأن التحسين والتقبيح في الأفعال عقليَّان وشرعيَّان؛ فمن الأفعال ما هي متَّصفةٌ بصفات الحسن والقبح وتقتضي الحمد والذمَّ قبل ورود الشرع، كإدراك العقول لحسن العدل ومدح فاعله، وإدراكها لقبح الظلم وذمِّ فاعله. ومنها ما لا يُدرَك حسنه وقبحه إلا بورود الشرع، كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، وقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربعٍ.
[ ٢٥٤ ]
وأما الثواب والعقاب؛ فهما شرعيَّان يتوقَّفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان بالعقل. والله ﵎ لا يعاقب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة.
القول الثاني: (قول المعتزلة). غلوا في التحسين والتقبيح العقليَّين، فزعموا أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح صفتان ذاتيَّتان للفعل، وأن الأمر لا يكون إلا بحسنٍ، والنهي لا يكون إلا عن سيِّئٍ، وأن الشرع إنما هو كاشفٌ عن حسن الفعل الثابت في نفسه لا مثبِت لحسن الفعل. وقالوا: إن العقل يدرك الثواب المترتِّب على حسن الأفعال والعقاب المترتِّب على سيِّئها في الآخرة. وأن الله يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولًا.
القول الثالث: (قول الأشاعرة ومَن وافقهم كابن حزمٍ). قالوا: لا قبح ولا حسن ولا شرَّ ولا خير يُدرَك بالعقل فيما خوطب به الناس من الشرع، والشارع إذا أمر بشيءٍ صار حسنًا، وإذا نهى عن شيءٍ صار قبيحًا؛ فالقبيح ما قيل فيه: «لا تفعل»؛ والحسن ما قيل فيه: «افعل»، أو ما أُذِن في فعله. وقد اكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
وقالوا: إن الأمر والنهي والثواب والعقاب كلَّها شرعيَّةٌ، وهي لا ترجع لحكمةٍ، بل لمحض الإرادة.
٣١) الصواب في جواب مَنْ سأل: هل الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟ يكون بالعدول عن الألفاظ المجملة إلى الألفاظ الشرعيَّة؛ فيُجاب بأن للعبد مشيئةً وإرادةً على أفعاله، ولكن مشيئته ليست نافذةً إلا بمشيئة الله تعالى.
٣٢) ورد في بعض كتب التراجم وكتب الجرح والتعديل نسبة بعض الأئمَّة من التابعين ومَن بعدهم إلى القدر. ومن أشهر مَنْ رُمِي بالقدر من التابعين:
[ ٢٥٥ ]
الأئمَّة: الحسن البصريُّ، ومكحولٌ، وقتادة، ومن أتباع التابعين: الإمام ابن أبي ذئبٍ.
وقد ثبت من خلال البحث براءة هؤلاء الأئمَّة من القول بالقدر، وأن نسبتهم للقول بالقدر ترجع لعدَّة أسبابٍ: منها ما هو عامٌّ، كنسبة عددٍ من الأئمَّة للقول بالقدر لإنكارهم الذنوب على أهل المعاصي. ومنها أسبابٌ خاصَّةٌ، على ما سبق بيانه وتفصيله. هذا، والله تعالى أعلم.
كتبه
إبراهيم بن عامر الرحيلي
١٠/ ٩/ ١٤٣٩ هـ
[ ٢٥٦ ]