بعد هذا التجوال في ربوع مناظرات شيخ الإسلام، وما حوته من المسائل العقدية المهمة، نقف في ختام هذا البحث مع أهم النتائج والتوصيات التي توصل لها الباحث في بحثه، وتتمثل فيما يلي:
أولًا: أهم النتائج:
١. كثرة الفرق والطوائف المخالفة التي ناظرها شيخ الإسلام ورد عليها، مما يُظْهِر شدة الغربة التي كانت في عصره ﵀، ومدى انتشار الباطل وكثرة أهله.
٢. أن مناظرات شيخ الإسلام قد حوت كثيرًا من مهمات المسائل في شتى الجوانب، وأهمها الاعتقاد والأصول.
٣. يتضح للقارئ مدى ما بذله شيخ الإسلام من جهود عظيمة لنصرة الدين وإظهار الحق، ونشره بين الخلق، ومدى ما وهب الله هذا الإمام من علم وشجاعة وذكاء وقوة حجة.
٤. أن المناظرة في اللغة مشتقة من مادة (نظر) ومادة نظر تدور على معنين اثنين وهما: حس البصر ورؤيته، ونظر البصيرة وهو التفكر والتأمل، والأمران يجتمعان في معنى المناظرة، وأما المناظرة اصطلاحًا فهي: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين في قضية ما إظهارًا للحق والصواب.
٥. أن للمناظرة ثلاثة أركان لا تقوم إلا بها وهي: موضوع تجري حوله المناظرة، وطرفان متناظران يسمى أحدهما: (مانعًا أو مستدلًا) ويسمى الآخر (معللًا أو سائلًا).
[ ٧٠٤ ]
٦. أن المناظرات قسمان: محمود ومذموم، فما جاء من النصوص في ذم المناظرة فإنه يحمل على القسم المذموم، وما جاء من حث أو أمر بها فيحمل على المناظرات المحمودة، وضابط ما يُذم من المناظرات ما كان فيه مفسدة راجحة، أو لم تكن فيه مصلحة راجحة، أو كان المُناظِر لا يقوم بواجبها وليس أهلًا لها.
٧. أن شخصية شيخ الإسلام كانت شخصية علمية عظيمة القدر والمنزلة والمكانة، فقد تحلى من الصفات بأعلاها وأرفعها، ومن الأخلاق بأجودها وأكرمها، كإخلاصه وسعة علمه وقوة حفظه وجلده في العلم والتعليم وقوة حجته وزهده وكرمه وحلمه وعفوه وصفحه وصبره ويقينه وشجاعته وتواضعه، وقد شهد له بهذا أئمة عصره وعلماء وقته، وقد نقلت في ثنايا البحث شهادة أكثر من ثلاثين رجلًا ما بين عالم ومصنف ووزير ومؤرخ وموافق ومخالف أنهم لم يروا مثل شيخ الإسلام، فهو فريد عصره وإمام وقته -﵀-.
٨. امتاز منهج شيخ الإسلام في مناظراته بأمور عديدة منها: وحدة منهجه وطريقته ومسلكه، والتزامه بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة، وثقته بالله تعالى وبما رزقه من علم وبصيرة وحق، وقوة حجته وحضورها، وتمام العلم والدراية بمذاهب الخصوم، والدقة في النقل، والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين، والأمانة العلمية في الطرح، وحرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها، وشجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله، وفطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده، وعدله مع الخصم المخالف وإنزاله منزلته التي يستحقها، واعتنائه في الرد والتقرير بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات، وضرب الأمثلة والتطبيقات لما يذكره من قواعد وتقريرات، وتدرجه مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق، وابتدائه في مناظراته بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح، وتنزله مع الخصم ليكون أدعى لقبول الحق، وحرصه على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة في الحوار معه، وتنوع أساليبه وطرقه
[ ٧٠٥ ]
في إبطال مقالة الخصم، واحتجاجه في إبطال مقالة خصومه بما جاء في كتبهم وبأقوال شيوخهم الذين يعظمونهم، وقلبه لدليل الخصم دليلًا عليه، وعدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات، والرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته، ومراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل)، وعدم رده الباطل بباطل، ومراعاته عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما -، واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه، واستخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك، وبيانه لشيء من صفاته ومحامده عند الحاجة لذلك، واستعمال المصطلحات الحادثة للحاجة، هذا كله مع حسن القصد والتخلص من حظوظ النفس.
٩. تبين في مناظراته مع النصارى بطلان الشبه التي احتجوا بها على عقيدة الاتحاد وتأليه المسيح ﵇، وقرر شيخ الإسلام أن كل ما يذكرونه في الاستدلال على ألوهية المسيح إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من الخلق وإما أن يكون ممتنعًا في حق كل أحد، وأظهر كثيرًا مما عندهم من الشرك والغلو وتعظيم القبور والتماثيل والعكوف عندها وعبادتها من دون الله، ومخالفة هذا لدين إبراهيم الخليل وعيسى المسيح وجميع الأنبياء -﵈-.
١٠. واتضح في مناظرته مع التتار عدم وجود تأويل سائغ لهم فيما يفعلونه من قتل وإفساد في بلاد الإسلام، وأن العبرة في التفاضل بين الناس هي الإيمان والتقوى وليست الأحساب والأنساب.
١١. وفي مناظرته مع المنجمين كشف شيخ الإسلام فساد صناعتهم بالأدلة العقلية والنقلية والتجارب الحسية، وأنها مبنية على الكذب والأوهام والتناقضات، وما هي في الواقع إلا تخرصات وتكهنات تصيب مرة وتخطئ مرات.
١٢. وتبين في مناظرته مع الفلاسفة بطلان تعريفهم للتوحيد وفساده لغة وعقلًا وشرعًا، وأن مرجع توحيدهم إلى تعطيل الله ﷿، وجحد أسمائه وصفاته وتعطيله
[ ٧٠٦ ]
عن نعوته وكماله، وأنهم من أشد الناس وأعظمهم شركًا.
١٣. وظهر في مناظراته مع الاتحادية مدى انتشار مذهبهم الباطل في عصر شيخ الإسلام -﵀- وتنوعهم في ذلك فمنهم من يعتقد الاتحاد المطلق (وحدة الوجود) ومنهم من يعتقد الاتحاد الخاص بالحلاج أو ابن هود أو غيرهم، واتضح عظم ما وصل له القوم من كفر وإلحاد وأنهم قد جمعوا في قولهم بين تعطيل الجهمية وشطحات الصوفية وزندقة وإلحاد الفلاسفة، وظهر مدى ما كان عليه شيخ الإسلام من علم وفقه بمذاهبهم ومعرفة بعقائدهم وضلالتهم، مع وعورة مسلكهم وغموض مصطلحاتهم.
١٤. واتضح في مناظراته مع الصوفية وعباد القبور بطلان ما يدعونه من مخاريق وكرامات، وأنها إما أن تكون أحوالًا شيطانية، وإما أن تكون خدعًا بهتانية يغالطون بها الناس، وأن ما وقعوا فيه من دعاء لغير الله واستغاثة بالمخلوقات وإحسان الظن بالأحجار والتبرك بها والاستشفاء بالقبور إنما هو من باب الشرك بالله، وكل ما استندوا إليه وتعلقوا به من شبه لتجويز مثل هذه الأمور فهي لا تخلو إما أن تكون أدلة باطلة، أو دلالات غير صحيحة، وكثيرٌ منها تلبيسات شيطانية.
١٥. وتبين في مناظراته مع الرافضة، بطلان عقيدتهم في المهدي الغائب، وفساد أصولهم التي بنوا عليها مذهبهم البدعي، وتناقضهم فيما معتقداتهم، وأعظمها ذلك الإمامة والعصمة.
١٦. تبين في مناظرة الواسطية صحة ما دونه شيخ الإسلام فيها من اعتقاد، حيث لم يجد مخالفوه أي مأخذ عقدي عليها، وظهرت صحة دعوى شيخ الإسلام أن كل ما أورده في المتن مستند إما إلى آية محكمة أو سنة ثابتة أو إجماع سلفي، حتى أقر الجميع بصحة هذه العقيدة بعد أن عجزوا عن إثبات أي مخالفة فيها، وتبين في بقية مناظراته مع المتكلمين أصولهم الفاسدة التي بنوا عليها مذهبهم، وقدموها على نصوص الكتاب ونصوص السنة المطهرة.
[ ٧٠٧ ]
١٧. واتضح في مناظرته مع الجبرية ما وقعوا فيه من خلل في مفهوم المحبة والإرادة مما أدى إلى ضلالهم في باب القضاء والقدر، وقولهم بالجبر وإسقاط الأمر والنهي، وإبطال الوعد والوعيد.
١٨. وفي مناظرته مع ابن الوكيل ظهر فساد ما نسبه ابن الوكيل لعقيدة أهل السنة من أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد فحسب، وأن قوله لم يبن عن علم وتحقيق، فإن هذه المقالة ما هي إلا مقالة المرجئة.
١٩. ظهر أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج مناظراته، فقد كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصًا من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، وهذا ظاهر في نتائج أبرز المناظرات:
أ. ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (^١).
ب. وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (^٢).
ت. وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك «حتى إن قسيسًا كان حاضرًا في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون» (^٣).
ث. وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/ ٣٢٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٧٠ - ١٧١)، انظر: الجامع لسيرته (ص:٨٩ - ٩٠)، (ص: ١٤٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦١).
[ ٧٠٨ ]
الإسلام من كذبهم وتخرصهم «فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (^١).
ج. وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه (^٢).
ح. وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم «حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله!» (^٣).
خ. وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم (^٤).
د. وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما (^٥).
ذ. وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس» (^٦).
ر. وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢)، الفتاوى الكبرى (١/ ٦٢).
(٢) الصفدية (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٣) جامع المسائل (٤/ ٣٩٤).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (١١/ ٤٧٤، ٤٧٥).
(٦) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (٣٧١).
[ ٧٠٩ ]
البدعة والضلالة (^١).
ز. وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة (^٢).
س. وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق» (^٣).
ش. وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (^٤).
فهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي ينتج أفضل العواقب وأنفعها، وخير الثمار وأينعها.
ثانيًا: أهم التوصيات:
مع كثرة ما كتب حول شيخ الإسلام -﵀- إلا أن هناك جوانب في تراثه لا زالت تستحق مزيدًا من العناية وتستحق الإفراد بالدراسة، ومن ذلك ما يلي:
-إفراد منهج شيخ الإسلام في المناظرات بدراسة مستقلة.
-جمع تعريفات شيخ الإسلام للمصطلحات العقدية واللغوية والفقهية والحديثية والأصولية في بحث مستقل.
-إفراد كلام شيخ الإسلام في الملوك والأمراء والوزراء والدول والممالك المتعاقبة في بحث مستقل، فله كلام كثير نفيس في عقائدها وأحوالها وسياستها،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٠).
(٢) انظر: العقود الدرية (ص:٢١٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٢).
(٤) درء التعارض (٦/ ٣٤٤).
[ ٧١٠ ]
يستحق أن يفرد بمصنف.
-لو أفردت القصائد التي قيلت في مدح شيخ الإسلام والثناء عليه لكانت -لكثرتها وعذوبة ألفاظها وجزالة معانيها- ديوانًا مليحًا.
وبهذا تم المقصود من هذا البحث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٧١١ ]