أولًا: هو شَطر باب الإيمان بالله تعالى:
فلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، فهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.
وملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دَعت الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم-من أولهم إلى آخرهم.
_________________
(١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٥١٦)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والإمام أحمد في المسند وَمِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ (٢٦٦٩)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الثالث، صفحة (١٤٥٩): صحيح.
(٢) انظر مسند الإمام أحمد مِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ برقم (٢٨٠٣)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في الجزء الخامس صفحة (١٩): حديث صحيح.
[ ١ / ٢٧ ]
وأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه- سبحانه- ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده …»، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته- سبحانه- وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو- في ذاته- ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
والنوع الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.
وقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.
وسورة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب القراءة بهاتين السورتين (^٢)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦)، دار الكتب العلمية-بيروت.
(٢) قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾». وأخرج الترمذي (٤٦٢) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر: ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿؟؟؟﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في ركعة ركعة»، وأخرجه الدارمي بنحوه (١٦٣٠)، وصححه الألباني في «صلاة التراويح» (ص ١٠٨). وأخرج النسائي (٩٢٢) عن ابن عمر ﵁ قال: «رَمَقتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشرين مَرَّةً يقرأ في الرَّكعَتَينِ بعد المغرب، وفي الرَّكعَتَين قبل الفجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٣٨٥): «إسناده جيد»، وصححه الشيخ أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٨/ ٨٩)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٢٨).
[ ١ / ٢٨ ]
توحيدًا (^١).
فالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.
ثانيًا: توحيد الأسماء والصِّفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:
إنَّ شرف العلم تابع لشرف معلومه؛ لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه، ولشدة الحاجة إلى معرفته وعِظم النفع بها.
ولا ريب أن أَجَلَّ مَعلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.
فلا ريب أن العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات (^٢).
فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أنَّ الغاية أشرف من الوسيلة؛ فكيف تُفضل الوسائل على غاياتها؟
قيل: كل مِنْ العلم والعمل ينقسم إلى قسمين؛ منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإنَّ العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه، مراد لذاته؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فقد أخبر- سبحانه- أنه خلق السموات والأرض، ونَزَّل الأمر بينهن؛ ليَعلم عباده أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير؛ فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل
_________________
(١) انظر «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية» لابن القيم (ص ٣٥، ٣٦).
(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
[ ١ / ٢٩ ]
لابد معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.
الأمر الأول: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والأمر الثاني: أن يُعبد بمُوجبها ومُقتضاها.
فكما أنَّ عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضًا، فإنَّ العلم من أفضل العبادات (^١).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية:
كما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عرف الله عَرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أنَّ مَنْ نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده؛ لأنَّه خرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، فغفل عن ذكر ربه؛ فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مُشتت القلب مُضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.
فالعِلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مُستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته (^٢).
رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:
معرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي يَنبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يَعبد المسلم ربَّه، ويتقرب إليه.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٧٨).
(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
[ ١ / ٣٠ ]
ولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:
١ - العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.
وحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.
وعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.
(٢) انظر: «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢)، مؤسسة الحلبي.
[ ١ / ٣١ ]
تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.
وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.
أمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ٥ على لسان رسوله ﷺ.
فالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.
فلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ﷿، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، وطبعًا العلم بهذا الباب- كما ذكر العلماء مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ﷿، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة؛ فبالتالي لا بد من الاعتناء به، ولا بد من الاهتمام به، ولا بد من تعلُّمِه، وكما أشار المصنف: لا بد منه لأهميته وعِظمه ومنزلته، وكذلك لوقوع الاختلاف والافتراق في هذا الباب بين الفِرَق والطوائف لا بد من مزيد جهد وعناية بفهمه وتوضيحه ودراسته وتعلمه وتطبيقه.
والله تعالى ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ
[ ١ / ٣٢ ]
بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فالله تعالى تَعَرَّف إليك! فضلًا منه ومِنَّة عليك عَرَّفك بأسمائه وصفاته، عَرَّفك بأنه العليم، وأنه السميع، وأنه البصير، وأنه القدير، وأنه الغفور، وأنه الرحيم، وأنه الجبَّار، وأنه المتكبر .. إلى غير ذلك مِنْ أسماء الله ٥ وصفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة؛ فمِنَّةٌ عُظمى فتحها الله عليك! بالله عليك كيف تُغلقها على نفسِك؟! بل إن الله رَغَّبك في هذه المعرفة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .. إلى غير ذلك من المواطن التي ذُكرت فيها أسماء الله ﷿؛ إمَّا جملة وإما تفصيلًا.
فافتح بابَ معرفة الله تعالى! لا تُغلقه على نفسك! لا تحرم هذا القلب من أن يَعرف ربَّه، ويَعرف معبودَه!
خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد باب معرفة الله:
إنَّ محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حُبًّا له، فكل من عرف الله أحبه، والعلم يَفتح هذا الباب العظيم الذي هو سِرُّ الخَلق والأمر (^١)؛ فمن أعظم أصول الدين: المحبة، بل هي قاعدة العبادة، فكيف يكون حبٌّ في قلب العبد المؤمن وهو لم يعرف الله ٥؛ فالله تعالى فتح لنا باب معرفته من هذا الطريق، فإن شئت فادخل وتعَرَّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وإلا فإنك محروم مِنْ ضِمن مَنْ حُرم مِنْ هذا الخير العظيم؛ فطمأنينة القلب وحياته هي في هذا الأمر العظيم: في معرفة الله ﷿، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تَستقر للعبد قَدَم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة؛ فالعلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد هذا البابَ العظيمَ، فالله ﷿ لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحدٌ مِنكم ربَّه ﷿ حتى يَموت» (^٢).
وكذلك فإنَّ من المحال أن تَستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١ / ٣٣ ]
التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المُغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهذه الآية تُبين محدودية علم الإنسان.
وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بَعث الرسل به مُعَرِّفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:
١ - تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».
٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.
سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:
على أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها؛ فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها؛ لسلامة قلبه، وصلاح معتقده، واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله تُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يَليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.
وذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى، وما تعَرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نَزَّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.
والجدير ذِكره أن معرفة الله نوعان:
النوع الأول: المعرفة الإجمالية:
وهي التي تَلزم العبد المؤمن؛ لينعقد بها أصلُ الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المُخرجين من الإيمان، وتُخرجه من حدِّ الجهل بربه وما يجب له.
[ ١ / ٣٤ ]
وهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرها من الآيات، ومعرفة معانيها.
ولكن هذه المعرفة لا تُوجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.
النوع الثاني: المعرفة التفصيلية:
وهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب، وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضياتها وأحكامها.
وهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربِّه وتَعلقه به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تُحَصِّنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:
أحدهما: العلم به نفسه، أي: بما هو متصف به مِنْ نُعوت الجلال والإكرام، وما دَلَّت عليه أسماؤه الحسنى.
وهذا العلم إذا رَسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.
والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام.
ولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:
١ - عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.
٢ - عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.
٣ - عالم بالله وبأمر الله.
فالعالم بالله: الذي يخشى الله. والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام» (^١).
سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:
يجب أن نعلم أنَّ معرفة الله تعالى هي حياة قلوبنا؛ فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٣) بتصرف بسير.
[ ١ / ٣٥ ]
سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تَعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ويكون أحب إليها مما سواه، ولا يمكن أن تنجو وأن تَسعد في الآخرة إلَّا بهذه المعرفة والمحبة.
والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربِّه لا يكون إلا شقيًّا مُعذَّبًا كما هو حال الكافرين.
فالله-﵎-خلق هذا الإنسان ورَكَّبه من الجسد والروح، وشاء أن يكون قَوَام هذا الجسد من هذه الأرض؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وجعل حياة هذا الجسد من التراب؛ فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها.
وجعل في هذا الجسد الروح؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
أمَّا أصل هذه الروح ومادتها فهذا لا علم لنا به: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فأمرٌ استأثر الله تعالى به في علم الغيب عنده.
لكن الله ﷿ شاء أن يكون قِوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته؛ قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبَّة فاطره وبارئه، ودوام ذِكره، والسعي في مرضاته، لذلك فإنَّ مَنْ في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التَّبَصُّر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأُرسلت الرسل، وقامت السموات والأرض، ووُجدت الجنة والنار، ولأجله شُرعت الشرائع، وأُسِّست الملة، ونُصبت القِبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.
وهو بحقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه (^١).
_________________
(١) انظر: «الفتوى الحموية الكبرى» (ص ٢٨، ٢٩).
[ ١ / ٣٦ ]
وإذا تأملت أعمال القلوب وجدت-مثلًا-أن كل حبٍّ هو تَبَعٌ لحبِّ الله ﷿؛ وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، والرغبة، والرهبة .. إلى غير ذلك.
فلا يمكن أن تتحرك أعمال القلوب في القلب ولا أن تقوم بواجبها ما لم تكن على معرفة بالله ﷿!
إذًا، كيف تتحقق في القلب أعمال القلوب؟
فمثلًا إذا علمت أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المُميت، وهو النَّافع، وهو الضَّار، وهو القابض، وهو الباسط.
إذا علمت هذا أَثْمَر في قلبك توكلًا على الله ﷿. هذه المعرفة تُوَلِّدُ التوكل. ممن تخاف ومَن ترجو والرزق بيد الواحد الأحد ﷿؟! يرزق من يشاء بغير حساب. وكيف ترجو ما في يد الناس؟ أو حتى كيف تحسد فلانًا من الناس: أن أعطاه الله تعالى من فضله؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فالخير بيد الله ﷿، والله يختص برحمته مَنْ يشاء؛ فكيف لقلبٍ أن يحسد لو كان على إيمان؟! ويحسد مَن؟! كأنما يعترض على حكم الله ﷿: أن أعطى فلانًا ومنع فلانًا!
فصلاح قلوبنا وحمايتها من تلك الأمراض التي تضرها، وتفسد على الإنسان حياته مِنْ غِلٍّ وحسد وحقد وغِيبة ونميمة .. إلى غير ذلك من أمراض سببها هو: أن الإنسان ما عرف الله تعالى حقَّ المعرفة، ومثلًا الله ﷿ أخبرك بأنه عليم، وأنَّه سميع، وأنه بصير؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومُطَّلِع على عملك وعلى فعلك؛ أفَلَا يحملُك هذا على الحياء منه؟!
فيجب أن يحمل هذا العبدَ على خوف الله تعالى، على مراقبته، على خشيته؛ فلو أن النفوس استحضرت هذه المعاني لَمَا أَقْدَمَت على فِعل معصية، ولذلك يقول النبي ﷺ: «لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمن، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشرب وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرق السارق حين يَسرق وهو مؤمن …»، الحديث (^١)؛ لأنه لو قام الإيمان كما يجب-وكما ينبغي-في نفسِه في تلك اللحظات لَمَا أقدم على فَعلته.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٧ ]
أنت لو لَمَحت أحدًا من الناس وأنت على معصية لربما استحييت منه، ولربما خِفت أن يُفشي سِرَّك! فكيف وأنت أمام عالم الغيب والشَّهادة، المُطَّلِع على جميع أحوالك وعلى جميع أمورك وعلى جميع سكناتك وعلى جميع حركاتك؛ ألا تستحي مِنْ الله ﷿؟! وكما يذكرون أنَّ رجلًا لقي أعرابية فأرادها على نفسها فأَبَت وقالت: أي ثكلتك أمك، أَمَا لك زاجر من كرم؟ أما لك ناهٍ مِنْ دين؟ قال: قلت: واللهِ إنَّه لا يَرانا إلا الكواكب، قالت: ها بأبي أنت، وأين مُكوكبها» (^١)؛ فأراد أن يُطمأنها أنَّه لا يراهم أحد إلا هذه الكواكب! فقالت له: «وأين مُكوكبُها؟!»؛ فذكَّرَته بالله ﷿ في تلك اللحظة؛ فقام عنها، وكان ذلك سببًا في هدايته.
فنحن لو استحضرنا معاني أسماء الله وصفاته لكان هذا سببًا في حياة قلوبنا، ولكنَّ قلوبَنا مُلئت بالغفلة عن الله ﷿ والإعراض عن معرفة أسمائه وصفاته؛ فأصابها ما أصابها من أمراض أثقلت كواهلنا، وأفسدت علينا أمر ديننا، وأفسدت علينا أمر دنيانا، بل إن الواحد منا يقف في الصلاة ويسمع آيات الله سبحانه تُتلى عليه، ومع ذلك قلبه قاسٍ، وأصبح قلبًا متحجرًا مهما ذُكِّر بآية عذاب أو وعيد لا يهتز لها، ولا يتحرك لها شعور في قلبه من ذِكر شيء من آيات الله ﷿؛ فأصابنا ما أصابنا من أمراض في قلوبنا وفي نفوسنا بسبب أننا غفلنا عن معرفة الله ﷿.
فليتنا نعودُ إلى أسماء الله وصفاته! ليتنا نتدبر ما جاء فيها من معانٍ، وما تُثمره من ثمرات! أنت إذا أثمرت هذه المعرفة في قلبك التوكل حصلت عِزَّة للمؤمن، وحصلت طمأنينة للنفس، وكذلك إذا حصل حياء وإذا حصل خوف وإذا حصلت خشية منعك هذا مِنْ أن تقترف معصية؛ لا في السر ولا في العلن. إذا حصلت هذه المعرفة قامت بك محبةٌ لله تعالى وتعظيم وإجلال.
هذه المعرفة وهذه المحبة وهذا التعظيم وهذا الإجلال يحملك على أن تُراقب الله ﷿ في جميع أحوالك، وأن يكون اللهُ تعالى أحبَّ إليك مِنْ كل شيء وأعظم وأكبر وأجَل من كل شيء، لكن للأسف حَرمنا قلوبنا من ذلك، فلربما استحقت وعيدَ الله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ فقست القلوب، والقلوب تقسو، بل وتمرض وتموت، والله تعالى قد قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]؛ فالران: هو الصدأ؛ يعلو على هذه القلوب حتى تصبح هذه القلوب صَدِأَة، هذه القلوب قاسية مُبتعدة عن ذكر الله ﷿.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٦٥) عن العتبي.
[ ١ / ٣٨ ]
فأين النفس المطمئنة التي ستنادى كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]؟!
فمعرفةُ الله ﷿ حياةٌ لقلوبنا، وستثمر لنا من أنواع الإيمان وأنواع العمل ما يكون-بإذن الله تعالى-سببًا في صلاحنا وصلاح أحوالنا وصلاح مَعاشنا وصلاح معادنا؛ لو أننا عرفنا ذلك وعملنا به!
ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:
مما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تُثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تَجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.
فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشيةَ الله لا محالة؛ فلكلِّ اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ فالأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنَّه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبِرِّه وإحسانه ورحمته تُوجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العُلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.
[ ١ / ٣٩ ]
فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (^١).
وبهذا يتبين أنَّ معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله ﷿ به في كتابه وسنة رسوله ﷺ تُوجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر؛ إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تَعَبُّد مُختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا.
(علمًا ومعرفة): أي: إنَّ مَنْ عَلِم أنَّ الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة، ثم اعتقد ذلك، فهذه عبادة.
و(حالًا) أي: إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.
وهذه الطريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
والدعاء بها يتناول: دعاء المسألة. ودعاء الثناء. ودعاء التعبد.
وهو-سبحانه-يدعو عباده إلى أن يَعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها (^٢).
تاسعًا: ضرورة تجنُّب الباطل، وعدم مخالفة طريق الحق في هذا الباب:
قد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.
فباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.
فمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه،
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٠).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ٤٠ ]
والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
فمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.
ومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة-بل ولا في الإيمان-حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.
فينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.
ومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم- الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته- بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته ﷿، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله ﷿؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.
والمعلوم هنا: هو الله ﷿ وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك
[ ١ / ٤١ ]
ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).
وتأمل هذا وخذه من قول الله ﷿ حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ ﷺ في وصيته لابن عباس: «يا غلام- أو- يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (^٢)، ونحن نعلم أنَّ حفظ الله ﷿ بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله ﷿ فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.
فنسيان العبد لربه عقوبته أن الله ﷿ يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (^٣)، وهذا تجده- كذلك- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (^٤).
فإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله ﷿ ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.
_________________
(١) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٦٩) من حديث ابن عباس ﵄، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).
(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (ص ٢٥)، وقال الإمام ابن كثير: «﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه» «تفسير ابن كثير» (٥/ ١٥٤).
[ ١ / ٤٢ ]
وتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله ﷿، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله ﷿، وغفلت قلوبهم عن ذِكر الله ﷿، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات- والعياذ بالله- يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (^١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة- مثلًا- حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم- ويجزم- أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له- والعياذ بالله- بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه- دورة الخلاء- أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين- وهو العلم بأسماء الله وصفاته- فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (^٢)، والعياذ بالله.
فخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.
وهذا الباب-بحمد الله-أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله وكلام رسوله ﷺ سيكون هذا-بإذن الله تعالى- سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.
_________________
(١) وهي: (الدِّين والنَّفْس والعقل والعِرض والمال)، وقد جاء الإسلام بحفظها؛ قال الإمام الشاطبي ﵀: «اتفقت الأمة -بل سائر الملل -على أنَّ الشريعة وُضِعَت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس …، وعِلْمُها عند الأُمَّة كالضَّروري». «الموافقات» (١/ ٣١).
(٢) تَقَدَّم كلامه قريبًا.
[ ١ / ٤٣ ]
معلوم أن دعوة الرسل تقوم على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعريف الناس بربهم، لأن النبي ﷺ لما جاء إلى كفار قريش كانوا لا يعرفون الله حق المعرفة وكانوا يشركون ويعبدون الأصنام بل وعبدوا الشياطين وفعلوا ما فعلوا كل هذا لجهلهم بربهم، فأول أمور الرسالة تعريف الناس بربهم، وأن يوحدوا الله، أن يفردوا الله ﷾.
ثانيًا: تعريفهم بما يجب عليهم لربهم ألا وهو عبادته، يعني الأحكام والشرائع هذا حلالٌ وهذا حرام.
ثالثًا: تعريفهم الغاية التي سيصلون إليها وهي الجنة والنار، لذلك أنت لو قرأت النصوص تجدها كلها تدور حول هذه الثلاثة، تعريف الله بربهم، تعريفهم بالطريق الذي يوصلهم إلى الله وهو عبادة الله تعالى والذي يقربهم إلى رضوانه ويبعدهم عن سخطه وعن عقابه وعن عذابه ألا وهو الشرائع والأحكام، ثم تذكيرهم بالمآل والمرجع والمصير الذي هو يوم القيامة يوم الآخرة.
فعندما يقرأ العبد القرآن أو يقرأ نصوص السنة يجد أن النصوص كلها تدور حول هذه الأمور الثلاثة ولذلك يأخذ العبد درسًا في الدعوة، بأنه إذا دعا الناس فعليه بهذا المنهج أن يبدأ في تُعليم الناس التوحيد، ومن ثم أن يُعلمهم الشرائع والأحكام وأن يُذكرهم بالجنة والنار.
فإذا تم الاعتناء بهذه الثلاثة فقد عرف الداعية حقيقة دعوة الرسل لذلك هنا قال المصنف:
"الذي معرفته" هذا الأمر الأول.
"وعبادته" هذا الأمر الثاني.
"والوصول إليه" هذا الأمر الثالث.
وكل هذه الثلاثة ترتكز على معرفة أسماء الله وصفاته، كيف لا، وكل من أراد أن يُعلم الناس توحيد الله تعالى فإن طريقه إلى هذا أن يشرح للناس ويبين لهم أسماء الله وصفاته.
فيقول: إن الله قوي، وإن الله أحد، وإن الله صمد، وإن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإن الله سميع وإن الله بصير وإن الله قدير وإن الله عزيز وكل هذا يأتي من معرفة أسماء الله وصفاته.
فإذًا ليس للناس من طريقٍ إلى معرفة الله تعالى إلا بمعرفة أسمائه وصفاته
[ ١ / ٤٤ ]
وأفعاله، ثم إذا أراد الداعية أن يحيي في النفوس عبادة الله تعالى والتفرد إليه فإنه سيقول لهم توبوا إلى الله لأن الله تواب، وادعوا الله لأن الله سميع وقريب يسمع الدعاء، واستغفروا الله لأن الله غفور، ثم بعد ذلك يُذكرهم باليوم الآخر ويبين لهم أن الله غفور رحيم ولكنه شديد العقاب، فكل هذا يرتكز على معرفة أسماء الله وصفاته.
وعلى هذا فإن هذا الباب هو أهم أبواب الدين فيستحيل استحالة تامة أن يكون النبي ﷺ قد قصر في بيان هذا الباب، أو ترك هذا الباب مجهولًا، بل كما يقول العلماء عند حديث: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» فقالوا: قل هو الله أحد في الأسماء والصفات، ولذلك ثلث النصوص في الأسماء والصفات.
وقول المصنف: "فإذًا كيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، "
أي أن النبي ﷺ بين وأحكم هذا الباب، فعلى كل مؤمن به أن يزيل من ذهنه أن هذا الباب لا وجود له في الكتاب والسنة بل نصوص الكتاب والسنة مليئة به والأحاديث مستفيضة.
[ ١ / ٤٥ ]
(٧) "إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن [يكون] خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين و[غير] قائلين في هذا الباب بالحق المبين،"
أي إذا كان النبي ﷺ قد بين ووضح وأحكم وأتقن هذا الباب، فأيضًا هل تتوقع من خير الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أن يكونوا قد فرطوا في هذا الباب هل هذا أمر يتوقع منهم؟ والله يستحيل.
وقد يشكك مشكك فيقول: قد يكون الصحابة والتابعون كانوا مشغولين بالجهاد، وهذا أمر أشغلهم عن العلم، وهذا ليس بصحيح أبدًا فما أشغلهم الجهاد عن العلم، وما أشغلهم حتى عن العبادة والطاعة، بل كانوا رهبانًا وعُبَّادا في الليل وفرسانًا في النهار، وكانوا على حلق العلم هكذا علمهم وعودهم النبي ﷺ فكانوا أعلم هذه الأمة.
وهم أتقى الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم أفضلها، فهذه الخيرية ثابتة لهم من كل وجه، فهم أعلمنا، وهم أفضلنا، وهم أتقانا، ولذلك النبي ﷺ يقول: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (^١)، وأحد جبل في المدينة معروف بكبر حجمه، فلو كان عندك مثل أحد ذهبًا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه.
ويؤكد المصنف ﵀ أنه يستحيل أن يقع التقصير في هذا الباب أو الإهمال من
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب أصحاب النبي ﷺ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا»، برقم (٣٦٧٣)، ومسلم كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١١٠٧٩).
[ ١ / ٤٦ ]
خير قرون هذه الأمة وأعظمها منزلة ومكانة وعلمًا وشرفًا، ويريد المصنف أن يوضح أن المخالفين في هذا الباب قد تركوا كتاب الله تعالى وتركوا كلام رسوله ﷺ وتركوا كلام السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأخذوا يتكلمون بكلامٍ لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا حتى في كلام سلف الأمة، فالسؤال الذي يطرح نفسه مادام هذا الذي جاء به هؤلاء شيء وما كان عليه السلف شيء أخر فالأمر لا يخرج عن أحد أمرين:
إما أن يكون النبي قصر وحاشاه ﷺ.
أو يكون الصحابة والتابعون والقرون المفضلة قصروا وأيضًا حاشاهم.
أو يكون هؤلاء على غير الحق.
ورحم الله الإمام أبا العباس المقريزي القائل: " أصلُ كلّ بدعةٍ في الدين: البعدُ عن كلام السلف، والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول (^١) "
ومن سمات أهل البدع تنقصهم للصحابة والطعن فيهم فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٢):
أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين:
الأمر الأول: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم.
الأمر الثاني: وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم.
فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق، ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٣).
وأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه.
_________________
(١) كتابه المواعظ والاعتبار (٤/ ١٩٨)
(٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها
(٣) فضل الإجماع ص ١٤٠
[ ١ / ٤٧ ]
ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية (^١). (^٢)
وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.
أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا بعض آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية، والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.
والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، ويلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: "ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض" (^٣). (^٤)
_________________
(١) قال ابن تيمية: "وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: "حَشْوِيَّةٌ" فَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ مُسَمًّى مَعْرُوفٌ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ؛ وَلَكِنْ يُذْكَرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَشْوِيًّا. وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَالَتْ قَوْلًا تُخَالِفُ بِهِ الْجُمْهُورَ وَالْعَامَّةَ يُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ قَوْلُ الْحَشْوِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ حَشْوٌ فِي النَّاسِ لَيْسُوا مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ عِنْدَهُمْ؛ فَالْمُعْتَزِلَةُ تُسَمِّي مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ حَشْوِيًّا وَالْجَهْمِيَّة يُسَمُّونَ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ حَشْوِيَّةً وَالْقَرَامِطَةُ -كَأَتْبَاعِ الْحَاكِمِ -يُسَمُّونَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ حَشْوِيًّا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ يُسَمُّونَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّي ذَلِكَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ "فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَاصَّةَ لَا تَقُولُهُ؛ وَإِنَّمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَالْجُمْهُورُ فَأَضَافَهُ إلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةً. وَالطَّائِفَةُ تُضَافُ تَارَةً إلَى الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَقَالَتِهَا كَمَا يُقَالُ: الْجَهْمِيَّة والإباضية والأزارقة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة وَيُقَالُ فِي أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ: مَالِكِيَّةٌ وَحَنَفِيَّةٌ وَشَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ. وَتَارَةً تُضَافُ إلَى قَوْلِهَا وَعَمَلِهَا كَمَا يُقَالُ: الرَّوَافِضُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَفْظَةُ الْحَشْوِيَّةِ لَا يَنْبَنِي لَا عَنْ هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا. " مجموع الفتاوى ١٢/ ١٧٦
(٢) انظر الفرق بين الفرق ص/ ١٢١، التبصير في الدين ص ٦٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٩. ميزان الاعتدال ٣/ ٢٧٥ عقيدة أهل السنة في الصحابة الجزء: ٢/ ٨٢٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧
(٤) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية
[ ١ / ٤٨ ]
(٨) "لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع.
أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر.
وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم. هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟!
وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم. "
أورد المصنف احتمالين وأجاب عنهما في مسألة دعوى عدم تكلم القرون المفضلة في هذا الباب فقال: إن خلاف ذلك أحد أمرين:
الأمر الأول: إما أنهم لا علم لهم وبالتالي إذا كان لا علم لهم لم يتكلموا في هذا الباب.
الأمر الثاني: أو أنهم كانوا على خلاف الحق.
ثم شرع في الرد على هذين الاحتمالين فقال:
أي إنسان له رغبة في العلم ورغبة في العبادة لابد أن يجعل هذا الباب أعظم مطلوب لديه.
"وهذا أمرٌ معلوم بالفطرة فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عن مقتضاه" أي ما دامت النفوس تشتاق إلى معرفة
[ ١ / ٤٩ ]
هذا النوع من العلم فكيف يتخلف عن ذلك علمهم ومعرفتهم بهذا الباب، وهذا مع خير الأمة وأفضل الأمة وأعلم الأمة وأتقى الأمة.
فإذًا هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق فكيف تتصور أن يقع من خير الأمة وأفضل الأمة؟ فقال: "هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟! "
الأمر الثاني: "وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم"، أي لا يعتقد إنسان أن خير القرون كانوا ضلالًا في هذا الباب حاشا وكلا، بل هم هداة مهتدون، فإذًا كل هذا يقرره المصنف لكي يصل إلى نتيجة المقصود منها أن المخالفون في هذا الباب قد تركوا هذه النصوص، تركوا الكتاب والسنة وتركوا كلام سلف الأمة واستبدلوا بذلك بضاعة أخرى.
"فَالسُّنَّةُ هِيَ مَا تَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ التَّابِعُونَ ثُمَّ تَابِعُوهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِهَا أَعْلَمَ وَعَلَيْهَا أَصْبَرَ. " (^١)
قال ابن تيمية: "الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ" (^٢)
مع الاعتقاد الجازم بأن "أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكَمَالِ مُتَنَاهِيَةٌ إلَى غَايَةِ التَّمَامِ لَا يَلْحَقُ شَيْئًا مِنْهَا نَقْصٌ بِحَالِ" (^٣)
فالناظر في هذا الباب يجد نفسه بين بضاعتين: إما أن يرتضي هذه البضاعة، أو يرتضي تلك البضاعة والله تعالى يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقد قال مزكيًا نبيه ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٨
(٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠
(٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٧٧
[ ١ / ٥٠ ]
فمراد شيخ الإسلام بهذه المقدمة أن يقرر هذه المسألة التأصيلية؛ لأنها مفترق الطرق، فإما أن يسلك المتعلم طريق الكتاب والسنة أو طريق الفلسفة والمنطق، فلا شك أن الناشئ عندما يدرس في أي علمٍ لابد أن يكون هناك أصول يرجع إليها.
فكل إنسان يتعلم أي علم لابد أن يكون لذلك العلم مصادر وأصول يرجع إليها، فعليه أن يختار لنفسه إلى أي أصلٍ يرجع؟ فإما أن يكون أصله ومأخذه في هذا الأمر قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ وقال الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وقال أئمة الإسلام، أو يقول كما قال هؤلاء: قال الفضلاء قال العقلاء كما يسمونهم؟
فيريد المصنف بهذه المقدمة أن يكون في ذهن السائل أحد طريقين:
إما أن يكون الأصل والمرجع في هذه المسائل إلى أصول السلف الصالح وهي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين.
وإما أن يكون أمرًا مركبًا على الفلسفة والمنطق كما ركبه هؤلاء.
ولذلك يلاحظ أن هؤلاء الذين خالفوا منهج السلف في هذا الباب إذا أرادوا أن يُدرِّسوا أو يَدْرسوا مسائل التوحيد على طريقتهم في مدارسهم، فإنهم يحتاجون إلى الفلسفة والمنطق إذا أرادوا التوسع في هذه المسائل والتعمق فيها ولا يرجعون في ذلك إلى الكتاب والسنة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فهذه مقدمة سطرها شيخ الإسلام ليرسم فيها أصلًا وأساسًا وقاعدة يضعها القارئ أو المستمع لكلامه في ذهنه، فيقول مخاطبًا له أي الطريقين تختار وأي السبيلين تسلك؟، فإما أن ترضى بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وخير هذه الأمة وإما أن تحيد عن ذلك وتسلك ما سلكه القوم في هذا الباب.
[ ١ / ٥١ ]
(٩) "ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه،
أي أن الكلام عن منزلة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومكانتهم في الدين وأنهم أعلم الأمة وأفهمها وأعرفها بدين الله استفاضت به كتب أهل السنة والجماعة، بل إن علمهم وفقههم وكتبهم مبنية عليه، وقد أجمع علماء الحديث على عدالة الصحابة ﵃، ولا شك في صحة جميع ما يروونه. كما اعتبر علماء الأصول قول الصحابي مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي.
وما من عالم من علماء الأمة إلا وهو يثني عليهم ويعرف لهم منزلتهم ومكانتهم وفضلهم وشرفهم، ولا يخالف في ذلك إلا من كان صاحب بدعة ولله در الإمام مالك إمام دار الهجرة "فقد روي أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ] حتى بلغ [لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ]، فقال مالك: من أصبح من الناس وفي قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.
قال الإمام القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين". (^١)
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ١٦/ ٢٨٣
[ ١ / ٥٢ ]
(١٠) "ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضّلون طريقة الخلف على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنًى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٥٣ ]
من المعلوم أن أهل الباطل حاولوا بشتى الطرق والأساليب نصر باطلهم، وبما أن قولهم يقوم في أساسه على محاربة النصوص الشرعية وفهم السلف الصالح لها باعتبارها المنطلق الأساس لدى أهل السنة والجماعة تأصيلًا وتقريرًا، فإن من جملة ما زعموه مقولتهم المشهورة «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
وقد شرع المصنف في الرد على هذه المقولة من عدة أوجه منها:
أولًا: أن هذا القول لا يصدر إلا "ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها"
ثانيًا: أن هؤلاء المعطلة إنما قالوا ما قالوا إلا لزعمهم الفاسد أن السلف لا يعرفون معاني القرآن والسنة، وأنهم مجرد أناس يؤمنون بألفاظ لا يعرفون معانيها، فقال المصنف: "إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك".
ثالثًا: أن هذه المقولة تجمع بين الجهل بطريقة السلف بالكذب على السلف، والجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف "فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف. "
رابعًا: أن هذه المقولة مبنية على فساد في العقل وكفر بالسمع أما فساد العقل فهو جعلهم العقل أساسًا في هذا الباب، وجعلوا ما ركبوه من شبه عقلية هي الأساس الذي يعتمد عليه في تأصيل وتقرير مسائل هذا الباب العظيم الذي هو باب الإلهيات، وبما أن النصوص الشرعية تخالف ما جاؤا به فقد عمدوا لتحريفها، وهذا ما عناه المصنف بقوله: "فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه. "
خامسًا: أن سبب هذه المقولة الباطلة هو معتقد هؤلاء في باب الأسماء والصفات، حيث نفوا قيام الصفات بالله تعالى بناء على مشاركتهم لأهل الباطل من الفلاسفة على اختلاف مشاربهم، الذين أنكروا أن يوصف الله بصفات قائمة به حقيقة وغاية أمرهم أنهم جعلوا وجود الله وجودًا ذهنيًا لا حقيقة له في الخارج، فربط المصنف بين معتقد هؤلاء ومن سبقهم فقال: "وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، "
[ ١ / ٥٤ ]
سادسًا: أن مقولة هؤلاء إنما هي نتيجة لما ركبوه من باطل بنوا عليه معتقدهم في هذا الباب، وكما هو الحال في ترتيب الأمور المنطقية أن الكلام يتركب من مقدمات ونتائج فإن هذه المقولة ركبت من مقدمتين ونتيجة وهذه النتيجة مؤداها كما ذكر المصنف: "فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. "
وهذه المقولة ردها غير واحد من العلماء:
فهذا الحافظ ابن حجر يقول: عن بعض أهل العلم: (قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.
فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (^١)
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلامًا لا يعلم معناه جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم]: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧ وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" (^٢)
قال الإمام الشوكاني ﵀: "فهم - أي أهل الكلام - متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا: هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي حاصلها أن يهنئ من ظفر بها للجاهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم، ويمشي على طريقهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٣٥٢
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٤
[ ١ / ٥٥ ]
الأعلمية التي طلبوها: الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه: أن الجهل خير منه، وينتهي عند البلوغ إلى غايته، والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به، عاطلا عنه، ففي هذا عبرة للمعتدين وآية بينة للناظرين .. " (^١)
قال ابن تيمية: "قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول ﷺ في الأقوال والأعمال باطنا أو ظاهرا.
ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول ﷺ، ومن كان موافقًا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته، مذموم من جهة مخالفته.
وهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام، " (^٢)
وقال ابن تيمية: "ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأئمة وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيأ فلا بد أن يسلك بنيات الطرق، وإن كان ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدًا فيه مخطئًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون ذنبًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون كفرًا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). " (^٣)
_________________
(١) التحف في مذاهب السلف للشوكاني ص ١٦ ط: الصحابة
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٩
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠
[ ١ / ٥٦ ]
(١١) "ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم. حيث يقول:
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها .. وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ
وأقروا على نفوسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم؛ كقول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا.
[لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. أقرأُ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأُ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي].
ويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٥٧ ]
شرع المصنف في إيراد نماذج من نهايات تجارب بعض كبار أئمة المتكلمين الذين بلغوا نهاية المطاف ووصلوا إلى نتيجة مفادها الحيرة والاضطراب وقد حكى بعضهم تلك الحال التي وصلوا إليها فهذا وهذا الشهرستاني يصف حال المتكلمين في قوله:
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها … وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ (^١)
وقد عارض الإمام الصنعاني هذه الأبيات بقوله:
لعلك أهملت الطواف بمعهدِ الرَّ … سول ومن لاقاه من كل عالمِ
فما حار من يهدي بهدي محمدٍ … ولستَ تراه قارعا سن نادم (^٢)
ووُجِدَ بخطِ الشيخِ سُليمانِ بن عبدِ اللهِ ابن شيخِ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله لهم المآب وأجزل لهم الثواب في هامش الحموية على بيتي الشهرستاني ما صورته:
قد قلتُ أبياتًا جوابا على البيتين الَذين أنشدهما الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام":
أظُنُكَ أهملتَ الطوافَ بمعهدٍ … لخيرِ الهداةِ المرسَلِينَ الأكارمِ
وطوَّفتَ في عَمْياءَ بادٍ ضَلالهُا … بناها ذوو الإشراكِ مِنْ كلِ ظالمِ
فلاسفةٌ لا يعرفونَ إلاهَهم … ومعبودَهم، فاعجب لهذِي العظائم
فلو كُنْتَ أكثرتَ الطوافَ بمعهدِ … الرَسُولِ ومَنْ لاقاهُ مِنْ كلِ عالمِ
لما كُنْتَ حيرانًا كمَنْ تَبِعَ الخطَا … مع الجهلِ بالتنزيلِ مثلَ البهائمِ
فَما ضَلَّ مَنْ يَمشي على إثْرِ أحمد … ولستَ تراهُ قارعًا سِنَّ نادمِ
وهذا الفخر الرازي (^٣) يقول:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وهذا نص ما ذكره الرازي في خاتمة كتابه أقسام اللذات أورده هنا بتمامه ردًا
_________________
(١) نهاية الإقدام (٣) والأبيات فيها اختلاف في بعض العبارات في الشطر الأول من البيت الأول عما أورده المصنف هنا: حيث ورد في الكتاب (لقد طفت في تلك المعاهد كلها)
(٢) نقلها الشيخ محمد رشاد سالم في تحقيقه لكتاب درء التعارض ١/ ١٥٩
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٠
[ ١ / ٥٨ ]
على من يشكك في صحة نسبة هذا الكلام إليه حيث يقول: "فلهذه الأسباب نقول: ليتنا بقينا على العدم الأول! وليتنا ما شاهدنا هذا العالم! وليت النفس لم تتعلّق بهذا البدن! وفي هذا المعنى قلت:
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
كم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
واعلم أني بعد التوغل في هذه المضائق، والتعمّق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل،
فاقرأ في التنزيه:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
واقرأ في الإثبات:
قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وأقرأ في أن الكل من الله:
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].
وفي تنزيهه عما لا ينبغي:
قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] الآية، وعلى هذا القانون فقس.
وأقول من صميم القلب، ومن داخل الروح: إني مقرُّ بأن كل ما كان هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما فيه عيبُ أو نقص فأنت منزه عنه.
ومقر بأنّ عقلي وقهمي قاصرٌ عن الوصول إلى كنه حقيقة ذرة من ذرات
[ ١ / ٥٩ ]
مخلوقاتك، ومقر بأني ما مدحتك بما يليق بك؛ لأن المدائح محصورة في نوعين:
إمّا في شرح صفات الجلال، وهو تنزيه الله عمّا لا ينبغي.
وإما في شرح صفات الإكرام، وهو وصف الله بكونه خالقا لهذا العالم.
أما الأوّل، ففيه سوء أدب من بعض الوجوه؛ لأن الرجل إذا قال للسلطان: "أنت لست بأعمى، ولست بأصم ولا أبرص"، فإنه يستوجب الزجر والحجر.
وأما الثاني، ففيه سوء أدب؛ لأن جميع كمالات المخلوقات بالنسبة إلى كمال الخالق نقائص؛ فشرح كمال الخالق بنسب إضافية إلى المخلوق سوء أدب.
فيا رب العزة! إني مقر بأني لا أقدر على مدحك إلا من أحد هذين الطريقين. ومقر بأن كل واحد منهما لا يليق بجلالك وبعزتك. ولكني كالمعذور؛ حيث لا أعرف شيئا سواه، ولا أهتدي إلى ما هو أعلى منه. " (^١) انتهى كلامه.
فالرازي يقر هنا فيقول: " رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب: طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم".
فليت هذه الرسالة من الرازي يتعظ بها من يطلع عليها من هو مصر على اتباع علم الكلام، والرازي معروف مكانته ومنزلته لدى أهل الكلام فهو منظر الأشعرية المتأخرة حيث لم يأتي على الأشاعرة المتأخرين مثله، ومن بعده هم عيال عليه حتى يومنا هذا.
قال ابن القيم معقبًا على كلام الرازي بعد أن نقله: "فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد المخض، فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب، وأنها لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب.
١ - فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ماهيته نفس وجوده الواجب، ومات ولم تنحل له عقدتها.
٢ - وشاك في صفاته هل هي أمور وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها.
_________________
(١) أقسام اللذات للرازي ص ٢٦٢ - ٢٦٣
[ ١ / ٦٠ ]
٣ - وشاك في أفعاله هل هي مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات لم تنحل له عقدتها.
فننظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين، وفي كتبه الفلسفية قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء" (^١)
وأما توبة الجويني فقال عنها المصنف: "ويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» (^٢)
وهذا أبو حامد الغزالي يقول كما ذكر المصنف: "ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».
قال ابن تيمية في معرض حديثه عن تجربة الغزالي وما حكاه عن نفسه وأنه طالع كتب أهل الكلام، ثم الفلاسفة، ثم الباطنية، ثم المتصوفة: "ولهذا تبين له في آخر عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور ممّا أنكره الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: " (^٣)
وقال أيضًا: "وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك كتاب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، وبما وجده في كتب
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٦
(٢) ذكر ابن الجوزي: أن الحافظ أبا جعفر قال: سمعت أبا المعالي يقول: "ركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، وإلا فالويل لابن الجويني". راجع: المنتظم ٩/ ١٩. وقد ذكر هذا الخبر: الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٠ - ٤٧١، والسبكي في طبقاته ٥/ ١٨٥، وابن تيمية في التسعينية ١/ ١٩٨
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٧٤
[ ١ / ٦١ ]
أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء. " (^١)
والمصنف يريد هنا الإشارة إلى أن أهل الكلام الذين سلكوا هذا الباب حالهم دائر بين ثلاثة أحوال:
الحال الأول: حال التوبة والندم والرجوع إلى مذهب أهل السنة والجماعة.
والحال الثاني: حال الشك والارتياب، ومن ذلك ما نقله عن الغزالي، وقد ذكر المصنف نماذج لحال هؤلاء ومن ذلك قوله: "وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: "أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا" (^٢)
وقال ابن تيمية ﵀: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء" (^٣)
وقال آخر: "بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته" (^٤)
قال ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر (^٥) "
وقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين … " (^٦)
والحال الثالث: هو التردد والانتقال من قول إلى قول ويصف المصنف حال هؤلاء بقوله: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف -
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٢
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣
(٥) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٦
(٦) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٥
[ ١ / ٦٢ ]
عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل" (^١)
أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة.
ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث، ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.
وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة. " (^٢)
وقال ابن القيم يصف حالهم: "وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية، وأهل الكلام والفلسفة أشد اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على نفسه أعظم، كما قال بعض العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام:
وقال أفضل المتأخرين من هؤلاء لتلاميذه عند الموت: "أشهدكم أني أموت وما عرفت مسألة واحدة إلا مسألة افتقار الممكن إلى واجب، ثم قال والافتقار أمر عدمي فها أنا ذا أموت وما عرفت شيئا".
وقال ابن الجويني عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على عقيدة أمي". وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام لعمري:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر … على ذقن أو قارعا سن نادم" (^٣)
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١١٦
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠
(٣) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٣
[ ١ / ٦٣ ]
قال ابن القيم بعد أن أورد جملة من تجارب أهل الكلام وما وصلوا إليه من حيرة واضطراب: "فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين ومن الحيرة والشك، فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية هذه الشكاية، ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ورسله وخير خلقه، قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] فهذا أكمل الخلق عقلا يخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه؛ وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا تفيد يقينا ولا علمًا ولا هدى وهذا موضع المثل المشهور (رمتني بدائها وانسلت). " (^١)
وأصحاب الكلام وصفهم المصنف في هذا المتن بقوله:
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٩
[ ١ / ٦٤ ]
(١٢) "ثم [هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف] إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون: أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، [فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم]، وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة، أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!
وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوّك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ﷺ من البيّنات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، ولشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحدًا، وإنما أصف نوع هؤلاء، ونوع هؤلاء. "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٦٥ ]
ولا يزال المصنف-رحمه الله تعالى-يبين في هذه المقدمة أن حقيقة الكلام والصراع القائم في هذه المسألة، أي مسألة الأسماء والصفات، إنما هو صراعٌ بين فريقين، فريقٌ اعتمد العقل علمًا وأصلًا، وبعد ذلك بعقله الفاسد أخذ يطعن في الشرع، ويترك نصوص الكتاب والسنة، ويترك ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم في هذا الباب، واعتمد على ظلمات مركبة من المنطق والفلسفة، وعقد عليها أمورًا في هذا الباب أوجبت عند هؤلاء رد كثير من نصوص الصفات، وسبق وأن بينَّا أن هذا الفريق لم يعملوا بنصوص الكتاب والسنة، وأن من يقرأ في كتب القوم، يجد أن هذه الكتب اعتمدت على مقدمات منطقية فلسفية أخذوها من فلاسفة اليونان وفلاسفة الهند وغيرهم، وبنوا عليها معتقدهم في هذا الباب، وبالتالي فإن الصراع قائم بين نصوص الكتاب والسنة وبين فلسفة اليونان وفلسفة الهند وغيرها من الفلسفات التي تأثر بها هؤلاء وأدخلوها على المسلمين على صورة مضيئة توهم أن هذا هو الحق؟
قال ابن تيمية: "ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما -قيل فيها:] إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [] الذاريات: ٨ [
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور
ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " (^١).
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة] فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١٩٣
[ ١ / ٦٦ ]
ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا" (^١)
قال ابن رجب الحنبلي: "وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين. وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق الأولى. كالثوري والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وطبقتهم. وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا.
فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمة قلوبًا. وأعمقها علومًا. وأقلها تكلفًا. وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا.
وقال ابن مسعودًا أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه، وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم. " (^٢)
وهذه المسألة تقودنا إلى أن هناك في الواقع في فكر السلمين هناك ثلاثة مناهج:
المنهج الأول: منهجٌ اعتمد الكتاب والسنة وكلام القرون الأولى من الصحابة والتابعين، وعادوا في عامة جميع أمور الدين سواءٌ كانت أمورًا تتعلق بالاعتقاد أو تتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، أو تتعلق بغير ذلك من أحكام الإسلام كل هذا عادوا فيه إلى منهج الكتاب والسنة، وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه من تمسك بمنهج سلف الأمة وتمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكلام الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - ومن صار على نهجهم، وهذا المنهج قائم يدعو الناس جميعًا أن يأخذوا أمر دينهم من كلام ربهم ﷿ ومن سنة نبيهم ﷺ، وكلام السلف الصالح والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين رضوان الله تعالى عيهم أجمعين، فالله ﷾ وأخبر في كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ١١٩
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٦٧ ]
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وفي هذه الآية جمع الله ﷾ بين الكتاب والسنة، فقال سبحانه عن كتابه العزيز: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ فسماه الله روحًا، وقال عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فمن تمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وعاد في كل أمرٍ من أمور الدين، سواء كان هذا الأمر يتعلق بجانب بالاعتقاد أو بجانب العبادة، أو بجانب المعاملات والآداب وسائر أمور الدين رجع إلى تلك النصوص وأخذها واعتمد عليها، وكذلك استقرء ما جاء فيها من أحكام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
المنهج الثاني: ما يُسمى المنهج الفلسفي أو المنهج العقلي أو المنهج الكلامي، والمقصود به قول الفلاسفة أو قول أهل الكلام أو العقلانيين.
فهؤلاء قوم جاؤا إلى ميراث أولئك الملاحدة والفلاسفة وأخذوا به، وركبوا تلك القواعد المنطقية الفلسفية، وبعد ذلك جعلوا من هذه القواعد حقائق لا تقبل الشك أو الجدل وجعلوها أمورًا غير قابلة للرد.
ولذلك على هذا الأساس أخذوا يطعنون الكتاب والسنة، فطعنوا في المتواتر، وطعنوا في الآحاد، أما المتواتر فقالوا إنه ظني، والدليل العقلي قطعي، أي تلك القواعد المنطقية الفلسفية التي ركبوها وكانت من صنعهم، هي في ظنهم واعتقادهم أنها قطعية ثابتة لا تقبل النزاع ولا الأخذ ولا الرد.
أما نصوص الكتاب والسنة، وإن كانت قد ثبتت بالتواتر، فإنها في اعتبارهم ظنية أي ظنية من جهة دلالتها وبذلك لا يمكن أن تعارض الأمور الظنية الأمور القطعية، والظنية في نظرهم المتواتر من نصوص الكتاب والسنة. وإذا لم تكن النصوص متواترة وكانت أخبار آحاد فإن القاعدة عندهم تقول إن أخبار الآحاد لا تقبل في باب الاعتقاد بمعنى أنها مرفوضة تمامًا ولا تقبل، وهذا الكلام يقرره هؤلاء في كتبهم، فكتبهم تنص على هذا فيما يسمونه قانون التأويل، فأخذوا يطعنون في نصوص الكتاب والسنة إن استطاعوا أن يطعنوا في ثبوتها طعنوا، وليتهم طعنوا في ثبوتها على قواعد المحدثين لكان الأمر على الرأس والعين، فإذا لم يثبت الحديث ولم تصح الرواية ولم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن فلا بأس أن نردها، ولكن وإن جاء في البخاري ومسلم واتفقا عليهما فإنه عند هؤلاء لا يقبل في
[ ١ / ٦٨ ]
باب العقائد على حد قولهم، وهذا المنهج العقلاني ليس مقتصرًا على باب العقائد بل تجده أيضًا في علوم التفسير وتجده كذلك في أبواب الفقه وتجده في كثير من فنون العلم وخذ مثلًا مدراس التفسير فمدارس التفسير ثلاثة هي:
التفسير بالمأثور وهذا منهج أهل الحديث وأهل السنة من الاعتماد على الكتاب والسنة وكلام السلف وجعله أساسًا في تفسير كتاب الله العزيز.
وهناك التفسير بالرأي وهذا هو المنهج العقلاني الذي يقول به هؤلاء وهو التفسير بالرأي وبما تراه العقول دون الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهناك من فسر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى كما فسرت المعتزلة والخوارج والإباضية والرافضة والأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة فهؤلاء مذمومون، لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه.
أما من فسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمل لدي المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد جمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط.
المنهج الثالث: هو المنهج الباطني، فبعد أن ذكرنا كلًا من المنهج السلفي والمنهج العقلاني بقي المنهج الباطني.
وهناك التفسير الباطني الإشاري أو التفسير بالرمز الذي يوجد عند غلاة المتصوفة والرافضة إذ جعلوا لهم رموزًا تخصهم يفسرون على أساسها نصوص الكتاب العزيز، فإنهم يقولون إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة
والمنهج الباطني إما رافضي أو صوفي، والمنهج الصوفي يقوم على الوجد والذوق والكشف والمنامات والرؤى، فهؤلاء إذا بدى لهم أن يشرعوا أمرًا فإن قائلهم يقول رأيت النبي ﷺ في المنام والتقيت به وقال لي كذا وكذا، وبعد ذلك خرج للناس بطريقة صوفية جديدة أو بتشريع أمر من الأمور.
والناس يدورون بين أحد هذه المناهج أو يكون عند بعضهم خليط بين منهج ومنهج فأحيانا تجد الشخص يجمع بين المنهج الصوفي والمنهج العقلاني.
ولذلك يجد الإنسان نفسه أمام قضية مصيرية، فإما أن نكون عند طلب هذا العلم أن نرتضي لأنفسنا طريقًا ومنهجا يقوم على قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ، وقال ابن عباس ﵄، وقال ابن جبير، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، وقال
[ ١ / ٦٩ ]
الإمام أحمد، وقال ابن قتيبة، فإما أن نكون على هذا المنهج في تعلمنا لهذا الدين.
وإما أن نطوي هذه الصفحة ونستبعدها ونأتي مع من يقول قال الفضلاء قال العقلاء قال الحكماء ونؤسس على ذلك قواعد منطقية وفلسفية نبنيها ونرتبها ثم بعد ذلك نهجر كتاب الله ﷿ ونهجر كلام رسوله ﷺ ونعرض عن كلام السلف الصالح وأئمة هذا الدين.
وإما أن نأخذ بالمنهج الثالث الذي يقول بأن هذه الأمور تؤخذ عن طريق أنواع من السلوك والطرق ثم بعد ذلك يقول أصحابها حدثني قلبي عن ربي، ورأيت ربي، ورأيت النبي ﷺ في المنام، أو كشف لي الحجاب، وهكذا بالذوق والمنامات وغير ذلك.
فالناس اليوم لا يخرجون في تلقيهم عن هذه المناهج الثلاثة أو جمعوا بين منهج الصوفي ومنهج الفلسفي وهذا كثير عند طوائف من الناس، وسبب خلطهم بين هذين المنهجين لأن المهج الفلسفي منهج فكري نظري يفتقر للنواحي السلوكية العملية والمنهج الصوفي منهج عملي سلوكي يفتقر للنواحي العلمية.
فالمنهج الصوفي يركز على الناحية السلوكية والتربية العملية، ولكن طرق سلوكية أحدثها هؤلاء من عند أنفسهم وجعلوها من دين الله تعالى وهي لم ترد في دين الله تعالى وصدق المصطفى ﷺ إذ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١).
فعلى طالب العلم أن يتصور هذه المناهج وهذه المدارس ولا تغب عنه طالما هو في سبيل العلم وطريق العلم، فطالب العلم وهو يدرس فنون العلم من عقيدة وتفسير وفقه وأصول يجد هذه المدارس ماثلة أمامه.
فهؤلاء الذين يتكلم عنهم شيخ الإسلام في هذه المقدمة صاروا على منهج فلسفي، وجاؤوا بقواعد منطقية وفلسفية، ولذلك لا تجد هذا العلم يُدرَّس في مدارس أولئك من أهل الكلام كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، إلا وبجانبه يقومون بتدريس المنطق، فهذا العلم له لغته الخاصة فلا يستطيع الدارس لديهم أن يفهم الكلام المذكور في أمهات كتبهم إلا من خلال علم المنطق والفلسفة قال ابن تيمية: "فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، برقم (٢٦٩٧)، ومسلم كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، والإمام أحمد في المسند الْمُلْحَقُ الْمُسْتَدْرَكُ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِ بَقِيَّةُ خَامِسَ عَشَرَ الْأَنْصَارِ (٢٦٠٣٣).
[ ١ / ٧٠ ]
ينتفع به البليد" (^١).
ولا شك أن طالب العلم عندما يكون على منهج النبوة فإنه ليس بحاجة لتعلم تلك العلوم وجعلها أساسًا لصياغة علم العقيدة ففرق بين المنهجين.
فكل بدعة تقوم في مقابلها تموت السنة، فهؤلاء لما أحيوا بدعة المنطق والفلسفة، كان مقابل هذا أن أماتوا علم مصطلح الحديث، وبالتالي لا تجد عند عامة هؤلاء علم أو معرفة بالصحيح من السقيم، لا عند أهل الفلسفة والكلام ولا عند أهل التصوف.
ولذلك تجد أن كتب هؤلاء مملوءة بأحاديث موضوعة أحيانًا وأحاديث مكذوبة، والواحد منهم لا يدري ولا يفرق هل هذا ثبتت صحته أو لم تثبت صحته، بينما هو يجيد علم المنطق إجادة تامة، فهنا نتذكر قول ابن عباس ﵄-إذ يقول: " مَا أَتَى عَلَى النَّاسِ عَامٌ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَى الْبِدَعُ، وَتَمُوتَ السُّنَنُ " (^٢).
ففي مقابل إحياء البدع تموت السنة، ولذلك انظر لهؤلاء في علم العقيدة مثلًا تجد أن أهل الفلسفة والكلام نبذوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم، وكما يقول شيخ الإسلام: وكما هو واقعٌ منهم أنهم استجهلوا أعلام هذه الأمة وأفضل هذه الأمة علمًا وخيرًا واعتقادًا وسلوكًا أصحاب المصطفى ﷺ ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين الذين إذا قرأ الإنسان في سيرهم احتقر نفسه لما كانوا عليه من العلم والفضل، حتى أن أحدهم ليحفظ ألوف المسائل.
قال ابن رجب الحنبلي": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. " (^٣)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه
_________________
(١) الرد على المنطقيين ١/ ٢
(٢) انظر المعجم الكبير للطبراني برقم (١٠٦١٠).
(٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢
[ ١ / ٧١ ]
بالمخلوقين كقول المعتزلة: "لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة" وقولهم: "لو كان له كلام يسمع لكان جسما"، ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^١). "
وكل هذا الاعتقاد حملهم على أن تنبذ النصوص عندهم، وشكَّكُوا وطعنوا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، واستعاضوه واستبدلوا به بدلًا من هذا بقواعد المنطق والفلسفة، وركبوا التوحيد على هذا الأساس.
ومن عاد إلى كتبهم وقرأ سيجد علمًا لا أساس له من الكتاب والسنة ومركبٌ وفق قواعد المنهج الفلسفي.
فإذًا لما أدخل هؤلاء الفلسفة والمنطق في هذا العلم وفي غيره، كان هذا على حساب الكتاب والسنة، وهكذا فعل المتصوفة لما أحدثوا ما أحدثوا من البدع، كان هذا على حساب إتباع السنة.
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه، فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه.
وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون "هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا". " (^٢)
فإذًا لا يغب عن بال من يطلب العلم، أنه أمام أحد مناهج ثلاثة، فالمنهج
_________________
(١) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٧٢ ]
الفلسفي ركز على الجانب العلمي، والقضايا العلمية كقضايا التوحيد، والمنهج الصوفي ركز على القضايا العملية، لذلك من كان له احتكاك بأمثال هؤلاء سيرى ويلمس أن هؤلاء يعتنون بالجانب العلمي، أي الأشاعرة وغيرهم، لذلك لا تجد في كتب الأشاعرة إلا ناحية علمية فكرية، وإذا جاء إلى المتصوفة جاء إلى نواحي عملية سلوكية.
ولذلك كل واحد من هؤلاء ضيع أمران، فالمنهج الفلسفي منهج علمي فكري، أهمل جانب العمل، ولذلك ما تراه اليوم في المناهج المتفرعة عن هذه المناهج العقلانية، تجد أن هؤلاء فقط يعتنون بالناحية الفكرية دون ناحية تطبيقية.
هذه المناهج التي نراها اليوم في الفكر الإسلامي وفي ساحة التفكير الإسلامي لما نبعت من هذه المناهج العقلانية، تجدها نواحي نظرية، فإذا رأيت الواحد منهم في التطبيق، تجده على خلاف ما يسِرُّ، قد يكون في فكره ونظره مثلًا يتكلم عن الإخوة الإسلامية ويتكلم عن اعتصام المسلمين ويتكلم عن هذه القضايا بكلامٍ جيد وجميل، لكن انظر إليه من ناحية التطبيق تجده صفر اليدين.
فإن كان يدعو إلى الوحدة، فهو في بيته غير ملتزم، وفي نفسه غير ملتزم، كل هذا نابع عن أساس هذا المنهج العقلاني الذي يأتي للقضايا فيقررها دون ثمرة ودون تطبيق.
والمنهج الصوفي يعتني بالناحية السلوكية دون الناحية العلمية، لذلك تلمس من هؤلاء أنه إذا تعمق في تصوفه ألحد، حتى أنه يصل إلى مرحلة أنه يزعم عن نفسه أنه هو الله، لأن علمه قليل وإن كان في التطبيق يُجْهِدُ نفسه، يُجْهِدُ نفسه في الذكر، يُجْهِدُ نفسه في البعد عن الناس والتجرد والزهد إلى غير ذلك.
فالسبب في هذا الخلل الواقع، هو البعد عن الكتاب والسنة، لأن منهج الكتاب والسنة منهجٌ علمي عمليّ.
ولذلك تجد أن منهج السلف الصالح ومنهج أهل السُنَّة والجماعة يعتني بكلا الجانبين - بالجانب العلمي وبالجانب العملي -، ولكن في ذات الوقت يبني الأمرين على نصوص الكتاب والسُنَّة.
ولذلك يقول علماء هذا المنهج: لا يمكن أن نصل إلى علمٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، ولا يمكن أن نأتي بعملٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، فلا بد من العلم والعمل معًا، ولا بد أن يكون كلٌ من العلم والعمل مبنيَّان على الكتاب والسُنَّة.
وهذه المسائل مسائل أساسية، وعلى أساسها يتم التمييز بين الصواب والخطأ،
[ ١ / ٧٣ ]
وبين الحق والباطل، فلا "لا تَكُنْ إِمَّعَةً إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتَ، وَإِنْ أَسَاءَ النَّاسُ أَسَأْتَ" (^١)، فينبغي أن يكون للإنسان نهجٌ يسير عليه من بداية طريقه في العلم، إلى أن يمنَّ الله عليك بالعمل وبالدعوة لهذا الدين.
فلا بد أن يختار نقطة البداية لنفسه، فالمنهج السلفي يقوم على ركيزتين:
على العلم والعمل، وهذا الكلام لم يأت من فراغ، فلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فهاتان الشهادتان التي يطالب بهما كل إنسان من بداية الأمر، وكما قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢) فلا إله إلا الله لها جانب علمي وهو أن تعرف الله، وجانب عملي وهو أن تعبد الله، ومحمدٌ رسول الله لها جانب علمي وهو أن تصدقه فيما أخبر، وجانب عملي وهو أن تطيعه فيما أمر وتجتنب ما نهى عنه وزجر.
فلا بد أن يكون علم الإنسان من بداية الطريق مبنيًا على علمٍ صحيح وعلى عملٍ صحيح.
كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] هذه الناحية العملية.
﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وهذه الناحية الاعتقادية العلمية؛ ولذلك الله ﷾ ركَّب في الإنسان:
- قوةً في التفكير والعلم والنظر.
- وقوةً في الإرادة والعمل.
ومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:
قول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وقول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٣)،
_________________
(١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٠٠٧)، قال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء الخامس صفحة (٥): ضعيف.
(٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسل م كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).
(٣) انظر سنن الترمذي برقم (٣٤٨٣)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في رياض الصالحين صفحة (٥٠٦): ضعيف وحسَّنه الترمذي. وأصح منه قوله ﷺ: «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي» عند ابن حبان في صحيحه، برقم: (٨٩٨).
[ ١ / ٧٤ ]
وقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^١).
وضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٢)، «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٣).
ستجد إرشادًا ودليلًا على أن في الإنسان قُوَّتين: قوةً في العلم، فإذًا هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العمل، وإذا هو كذلك هُدِي لطريق الحق، وعرف طريق الحق وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العلم.
فإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.
ولذلك قال النبي ﷺ في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٤)، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فادعوا بهذا الدعاء «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٥).
لأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.
فلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.
فقوة التفكير والعلم يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.
(٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٣).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (. . .).
[ ١ / ٧٥ ]
وقوة العمل والسلوك ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.
فينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.
واعلم أن البدع نوعان:
النوع الأول: بدعٌ قد يكون أهلها متمسِّكون ببعض النصوص، مثلًا: مَنْ يكون من المرجئة، أو مَنْ يكون من الخوارج والمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة، هؤلاء يتمسكون بنصوص وهؤلاء يتمسكون بنصوص، نصوص جاءت بالوعيد لأهل الكبائر مثلًا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣].
هذا نص، وذاك يتمسَّك بنصٍ في الإرجاء، فهذه البدعة قد يكون لبعض لأهلها متمسك لشيء من النصوص دون الشيء الآخر.
النوع الثاني: بدع ليس لها متمسك من النصوص. ومن ذلك الخلاف في مسألة الصفات فهو ليس خلافًا في فهم النصوص، إنما هذه البدعة ليس لهم فيها أصل من الكتاب والسُنَّة، وحتى هم يعترفون بهذا أن ليس لهم دليل من الكتاب والسُنَّة على ما يقولون.
[ ١ / ٧٦ ]
(١٣) "وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وعليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، "
بعد أن انتهى المصنف ﵀ من ذكر ما يتعلق بالجوانب التأصيلية، وبيان أن الأساس في هذا الباب وغيره من مسائل الدين هو الرجوع إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ، شرع المصنف ﵀ في تقرير مسألة العلو والتي ذكرها السائل في رسالته لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال السائل: " ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات. "
فبين المصنف هنا المنهجية التي سيسير عليها في تقرير إثبات صفة العلو حيث سيورد أمثلة من:
أولًا: القرآن الكريم.
ثانيًا: السنة النبوية.
ثالثًا: أقوال الصحابة والتابعين.
رابعًا: أقوال أئمة الإسلام.
فبين شيخ الإسلام ﵀ هنا أن إثبات هذه الصفة ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم وكلام أئمة الإسلام فهذه النصوص من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-تدل دلالةً واضحةً صريحةً على إثبات صفة العلوِّ لله ﷾.
وشرع في سرد تلك الأدلة بحسب هذا التقسيم الذي أورده:
[ ١ / ٧٧ ]
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله ﷿.
(١٤) مثل:
• قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ [فاطر: ١٠]،
• ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]
• ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًاِ﴾ [الملك: ١٦١٧]،
• ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]،
• ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]،
• ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]،
• ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]،
• ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، في ستة مواضع،
• ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]،
• ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦٣٧]،
• ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]،
• ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة.
وفي شرح كلام المصنف هناك وقفات:
الوقفة الأولى: كثرة أدلة إثبات صفة العلو.
ليس غرض المصنف هنا حصر أدلة القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله تعالى وإنما ذكر أمثلة من تلك الأدلة فالأدلة أكثر من تحصر.
[ ١ / ٧٨ ]
قال ابن تيمية: "قَدْ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْفَوْقِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فِي الْقُرْآنِ أَلْفُ دَلِيلٍ أَوْ أَزْيَدُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالٍ عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ دَلِيلٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ" (^١)
وقال ﵀: "دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ وَهِيَ دَلَائِلُ جَلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ مَفْهُومَةٌ: مِنْ الْقُرْآنِ مَعْقُولَةٌ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. " (^٢)
الوقفة الثانية: تنوع عبارات القرآن في إثبات صفة العلو.
فالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك:
١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتًا، وقدرًا، وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٢٦
(٢) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٤
[ ١ / ٧٩ ]
﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين:
الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.
الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.
٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.
٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:
إما أن تكون «في» بمعنى «على».
وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.
١٠ التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.
١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).
وفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.
وكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).
[ ١ / ٨٠ ]
ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.
الوقفة الثالثة: المواقف من صفة العلو وموقفهم من النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَقَدْ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ " أَرْبَعُ فِرَقٍ " (^١).
القول الأول:
القائل: الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ
قولهم: يَقُولُونَ: لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ الْعَالَمِ وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ لَا يَقُولُونَ بِعُلُوِّهِ وَلَا بِفَوْقِيَّتِهِ.
موقفهم من النصوص: لَمْ يَتَّبِعْوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ؛ بَلْ خَالَفَوهَا كُلَّهَا فليس لهم متمسك في النصوص بَلْ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ مُتَأَوِّلٌ أَوْ مُفَوِّضٌ. وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ يَتَمَسَّكُونَ بِنُصُوصِ: كَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مَعَهُمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُوَافِقُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ النَّفْيِ؛ "
القول الثاني:
القائل: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.
قولهم: هم على قسمين:
١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
موقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ " الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ "؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ " الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.
القول الثالث:
القائل: هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^٢)، وزهير
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٦ - ٢٣١ بتصرف
(٢) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٨١ ]
الأثري (^١)، وأصحابهما (^٢)، وهو موجود في كلام السالمية (^٣) كأبي طالب المكي (^٤) وأتباعه كأبي الحكم برجان (^٥) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٦)
قولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٧).
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
ويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
_________________
(١) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).
(٢) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).
(٣) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية. انظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).
(٤) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ). انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).
(٥) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش. "انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).
(٦) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩)
(٧) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).
[ ١ / ٨٢ ]
موقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ "لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ " الصُّوفِيَّةِ " حَتَّى صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ " الْجُنَيْد " عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ "فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة "المعراج وصعود الملائكة
[ ١ / ٨٣ ]
ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات "أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).
القول الرابع:
القائل: سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ
قولهم: أَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
موقفهم من نصوص الصفات: يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ
فإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٥). وأخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٢٩). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، انظر مجموع الفتوى (٥/ ٣٩)، وصحح إسناده. وقال: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك". وأخرجه الذهبي في السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٨/ ٤٠٢). وأورده في تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وفي الأربعين (ص ٤٢، برقم ١٣). وفي العلو (ص ١٠٢)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات. وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣١، ١٣٥) وصحح إسناده، وقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٢٣ ورواته أئمة ثقات. وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦)
[ ١ / ٨٤ ]
وقال أبو نصر السجزي: "فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش" (^١).
وقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: "وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه" (^٢).
وكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد "نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (^٣)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وكذلك الذهبي في كتابيه "العلو" و"العرش".
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل": (٦/ ٢٥٠).
(٢) درء تعارض العقل والنقل": (٦/ ٢٥٠).
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى": (٥/ ٦).
[ ١ / ٨٥ ]
(١٥) "وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى مثل:
• قصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه (^١)،
• ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه،
• وقول الملائكة الذين يتعاقبون [فيكم] بالليل والنهار، فيخرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم (^٢).
• وفي الصحيح في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً» (^٣)،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يشير المصنف إلى الحديث الوارد عن أنس، وغيره، في حديث الإسراء برسول الله ﷺ إلى ربه ﷿، فذكر الحديث، وقال فيه: "فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح فإذا فيها آدم ثم صعد حتى أتى السماء الثانية" إلى أن قال: "ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فإذا إبراهيم، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى". ولفظ البخاري: "ثم دنا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى" كما في القرآن. قال: "ففرض عليّ الصلاة خمسين، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: إن أمتك ٤ لا تطيق ذلك، ورجعت ٥ إلى ربي، فوضع عني عشرًا" أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٠٨، ٢١٠). والبخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج (ص ٧٩٤ - ٧٩٦، ح ٣٨٨٧)، وكتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ص ٦٥٦ - ٦٥٧، ح ٣٢٠٧). ط: دار السلام. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٥ - ١٤٧).
(٢) يشير المصنف ﵀ إلى حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، والفجر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". متفق على صحته أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، (ح ٥٥٥ ص ١١٤) ط: دار السلام. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٣٩) كتاب المساجد.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي (٥/ ٣٢٦) وأخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٧٤٢) كتاب الزكاة.
[ ١ / ٨٦ ]
• وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع». قال ﷺ: «إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء …» (^١) وذكره.
• وقوله في حديث الأوعال (^٢): «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» (^٣). رواه أبو داود.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٢١). وأبو داود في سننه، كتاب الطب (٤/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ١٨). والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٨). وابن حبان في الضعفاء (١/ ١٠٨). وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤). والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وصححه. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٨٩). وأبو يعلى في إبطال التأويلات (ق ١٥٣/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٧، ح ٨٩٢). وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٤٨، برقم ١٨). وأخرجه قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٠٥، برقم ٥٩)، و(٢/ ١١١ - ١١٢، برقم ٦٥). وأورده الذهبي في العلو (ص ٢٧)، وقال: "وزيادة لين الحديث". ورد الذهبي تصحيح الحاكم له بقوله: "زيادة، قال البخاري وغيره منكر الحديث"، وذكر في ترجمته في الميزان (٢/ ٩٨) أنه انفرد بهذا الحديث فالإسناد ضعيف. "
(٢) الأوعال: جمع وعل بكسر العين، وهو تيس الجبل. النهاية (٥/ ٢٠٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠٧). وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٣، برقم ٤٧٢٣). وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٩). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥، برقم ٣٣٢٠). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣). وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ح ١٤٤). والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠، ح ٦٦٥). وابن منده في التوحيد (١/ ١١٧). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٠). والذهبي في العلو (ص ٤٩). ومدار الحديث من جميع طرقه على "عبد الله بن عميرة" وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (١/ ٢٥٤): "إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس". انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (١/ ٧٩) بصحة الحديث. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٩٢) حيث قال: "إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته". انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (٧/ ٩٢ - ٩٣). "
[ ١ / ٨٧ ]
[وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عنه موصولًا إلى النبي ﷺ.
• وقوله في الحديث الصحيح للجارية: «أين الله؟» (^١) قالت: في السماء. قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) " من المعلوم أن مذهب عامة أهل السنة، وسلف الأمة، وأئمتها أنهم يرون إثبات السؤال عن الله تعالى (بأين)، ولا ينفون ذلك عنه مطلقًا، وذلك لثبوت النصوص الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ في ذلك سؤالًا وجوابًا. والسلف يقولون: إن من نفى السؤال بأين، لا بد له من دليل يستدل به على انتفاء ذلك، ولا دليل لهم، ذلك لأنها مسألة إثبات الشرع، فمن أنكرها فإنما ينكر المصطفى". وقد خالف السلف في قولهم هذا الجهمية، والمعتزلة، ومتأخرة الأشاعرة، الذين يزعمون أنه لا يجوز السؤال عن الله تعالى بأين؛ لأن في ذلك سؤالًا عن المكان، وهم يزعمون أن الله ليس في مكان، لأن المكان لا يكون إلا للجسم، والله ليس بجسم، لأن الجسم لا يكون إلا محدثًا ممكنًا ويظهر توضيح هذا الرأي في قول ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٠٤) "ولا بد في قوله "أين كان ربنا؟ " من تقدير مضاف محذوف، كما حدث في قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ ونحوه فيكون التقدير: أين كان عرش ربنا؟ يدل عليه قوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ ". فقول ابن الأثير "أنه لا بد من تقدير مضاف محذوف" الذي دفعه إليه هو اعتقاده بأنه لا يجوز السؤال عن الله تعالى بأين، لأنه يترتب على ذلك إثبات الجهة والمكان لله تعالى، وهي منفية عنه كما هو مذهب الأشاعرة المتأخرين الذين يعد ابن "الأثير واحدًا منهم. ومما يجدر ذكره أن ما هرب إليه ابن الأثير من تقدير المضاف لا ينجيه مما هرب منه، لأنه إذا أثبت الجهة لعرشه ﷾ ثبتت له أيضًا لكونه مستويًا عليه". انظر الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٢٦ - ١٢٧). وقال الذهبي في العلو (ص ٢٦) بعد ذكر حديث الجارية: "وهكذا رأينا في كل من يُسأل أين الله، يبادر بفطرته ويقول في السماء. في الخبر مسألتان إحداهما: شرعية قول المسلم (أين الله)؟ وثانيهما: قول المسؤول (في السماء) فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ" ا. هـ. " وقال القاضي أبو يعلى الفراء في كتاب "إبطال التأويل": قال بعد أن ذكر حديث الجارية: "اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء"٧. وذكر أشياء، إلى أن قال: "وقد أطلق أحمد بذلك فيما أخرجه في "الرد على الجهمية" فقال: فقد أخبرنا بأنه في السماء فقال ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾، وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وقال ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقد أخبر الله ﷿ أنه في السماء وهو على عرشه". وذكر كلامًا طويلًا ليس هذا موضعه" "انظر إبطال التأويلات (١/ ٢٣٣). "
[ ١ / ٨٨ ]
«من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (^١).
• وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» (^٢).
• وقوله في حديث قبض الروح: «حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله» (^٣) إسناده على شرط الصحيحين. "
ثانيًا: الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو.
السنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله-﷾-واستوائه على عرشه، وقد تكلم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٢).
(٢) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧ - ٤٠) وقال بعد أن ساقه بعدة أسانيد: "هذه الأسانيد التي ذكرتها كلها صحيحة على شرط الشيخين"، والحديث أخرجه كذلك عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (ص ٢٥٤ - ٢٥٧، ٢٦١). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ح ١٨). والآجري في الشريعة (٣/ ١٣٥٤، ح ٩٢٣). والبيهقي في إثبات عذاب القبر (ص ٣٥). وابن قدامة في العلو (ص ٥٤ - ٥٥، برقم ٢٤). وقال أبو نعيم فيما نقله عنه شيخ الإسلام في شرح "حديث النزول (ص ٨٧): "هذا حديث متفق على عدالة ناقليه"، وعنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣٦) "صحيح صححه جماعة من الحفاظ". وأورده الذهبي في العلو وعزاه للإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وقال: "هو على شرط البخاري ومسلم، ورواه أئمة عن ابن أبي ذئب" العلو (ص ٢٢). وقال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٥٠): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". "
[ ١ / ٨٩ ]
المصنف على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).
أولًا: أما السُّنَّة القولية فمنها:
١ حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».
٢ حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض».
ثانيًا: وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها:
١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا …»، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^١).
قال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (^٢).
٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (^٣). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.
ثالثًا: ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها:
ما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة».
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٢) «إعلام المُوقعين» (٢/ ٣١٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٥).
[ ١ / ٩٠ ]
وقد تقدم ذكر موقف المعطلة عمومًا من نصوص السنة ورفضهم الاحتجاج بها بزعم أنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يحتج بها في باب الاعتقاد، مع وصفهم لها بأنها أحاديث التشبيه كقول الغزالي: " وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (^١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، والحديث كلام المصطفى ﷺ-كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.
فشتان بين من يعظم السنة ويوقرها يحتج بها ويصدرها ويستدل بها، وبين من لا يقيم لها وزنًا أو اعتبارًا، بل ويتهكم بنصوصها وينفر منها بألقاب وأسماء تجعل السامع ينفر منها، بل ويقدم عليها زبالة الأفكار وأقوال من لم يعرف الله ﷿ حق المعرفة.
_________________
(١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).
[ ١ / ٩١ ]
(١٦) "
• وقول عبد الله بن رواحة ﵁ الذي أنشده النبيَّ ﷺ وأقره عليه:
شهدتُ بأن وعدَ الله حق … وأنَّ النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا (^١)
• وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي (^٢) الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبنا الأعلى الذي سبق الناس … وسوى فوق السماء سريرا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جاء في الاستيعاب (١/ ٢٩٦) بهامش الإصابة وقال: "روينا من وجوه صحاح. " عن عبد الله بن رواحة أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته فلامته، فجحدها، فقالت: له إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال: (شعر) شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن، فأخبر النبي ﷺ بذلك فضحك وقال: "غفر لك كذبك بتمجيدك ربك". وأسنده ابن عساكر في تاريخه (٩/ ١٠٩/ ب)، (جزء عبد الله بن جابر -عبد الله بن زيد). وأورده ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٩٩ برقم ٦٧)، وعزاه لابن عبد البر. وأورده الذهبي في العلو (ص ٤١، ٤٢)، وعزاه لابن عبد البر وقال: "قلت: روي من وجوه مرسلة منها يحيى بن أيوب المصري، حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد ابن إبراهيم الحاطبي فذكره، فهو منقطع"، وفي السير (١/ ٢٣٨). وأورده السبكي في طبقات الشافعية (١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عمن حدثه عن عبد الله بن رواحة، وإسناده ضعيف لجهالة من حدثه ولإعضاله لأن عبد العزيز من أتباع التابعين. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٦٣): (إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع) (ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (٨٢) من طريق آخر، وفيه يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، وقدامة بن إبراهيم مقبول كما في التقريب يعني حيث يتابع وإلا فلين، وفيه انقطاع بين قدامة وابن رواحة). "
(٢) أمية بن عبد الله، أبي الصلت، بن ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، أدرك الإسلام ولم يسلم، مات سنة خمس من الهجرة. انظر: تهذيب ابن عساكر (٣/ ١١٨ - ١٣١). "
[ ١ / ٩٢ ]
شرجعًا (^١) ما يناله بصر العين … يرى دونه الملائكة صورا (^٢) " (^٣)
ثالثًا: أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
وهكذا ما أوثر عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فأوثر عن عبد الله بن رواحة أنه قال في أبيات شعرٍ له:
شهدت بأن وعد الله … حقٌ وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا
فإذًا هذا واضح في إثبات صفة العلوِّ والاستواء لله ﷾.
وهكذا في شعر أمية بن أبي الصلت وقد سمعه النبي ﷺ-ولم يرده، فمن شعره أنه قال:
مجِّدوا اللَهَ فَهوَ لِلمَجدِ أَهلٌ … رَبُّنا في السَماءِ أَمسى كَبيرا
بالبناء الأَعلى الَذي سَبَقَ الناسَ … وَسَوَّى فَوقَ السَماءِ سَريرا
فإذًا هذا مما يدل على أن هذا الأمر لو كان فيه ما يخالف العقيدة لما قَبِلَه النبي ﷺ، ولما قَبِلَ أن يسمعه، ولما قَبِلَ أن يقبله، ولما قَبِلَه العلماء، ولما علقوا عليه فيما أوردوه من كتبهم.
_________________
(١) قوله: "شرجعًا": أي طويلًا. العرش للذهبي ٢/ ٧٤
(٢) و"صورًا": جمع أصور، وهو المائل العنق. العرش للذهبي ٢/ ٧٤
(٣) أورده ابن قتيبة في الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة (ص ٢٤٠). وأبو يعلى في إبطال التأويلات (ق ١٥٤/ أ). وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٠ - ١٠١، برقم ٦٩). والذهبي في العلو (ص ٤٢ - ٤٣)، قال: إسناده منقطع. وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣١٠). وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٥٧ بشرح الفيض) إلى أبي بكر الأنباري في المصاحف، والخطيب في تاريخه وابن عساكر. وذكر المناوي في الفيض (١/ ٥٩) إسناد الأنباري وقال: "فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك الحديث كما في التقريب لابن حجر، ثم ذكر إخراج الخطيب وابن عساكر وقال: "بإسناد ضعيف وعزا الحديث ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٧٦) إلى الفاكهي بإسناد فيه الكلبي، وهو متهم بالكذب، ورمي بالرفض".
[ ١ / ٩٣ ]
(١٧) "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ-المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوِّين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء".
فهذه نصوص كما يقول: "إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ﵎"، وإن شئت الاستزادة في هذا فارجع إلى كتابي "العلو" و"العرش" للذهبي، فالذهبي جمع في كتابيه الكثير من النصوص والآيات والأحاديث والمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وقد قام الشيخ الألباني باختصار هذا الكتاب فيما سماه مختصر العلو، فإن شئت ارجع إلى مثل هذا الكتاب تجد أن المؤلف جمع فيه العشرات من النصوص.
وكذلك ارجع إلى كتاب ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية"، فابن القيم في هذا الكتاب جمع كذلك العشرات من النصوص في هذه المسألة، فالرجوع إلى هذين الكتابين يؤكد ويبين أن كتاب الله تعالى جاء بإثبات صفة العلو، وسنة المصطفى ﷺ-جاءت بإثبات صفة العلو، وكذا أن هناك العشرات بل المئات من النصوص عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومَن جاء بعدهم من الأئمة تؤكد على إثبات هذه الصفة، وعلى أن اعتقادهم فيها هو إثبات صفة العلو لله ﷾.
وفي المقابل لو جئت إلى القوم فقلت لهم: أين دليلكم من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله ﷺ-أو من المأثور عن الصحابة والتابعين أو تابعي التابعين؟، أعطونا دليلًا واحدًا يؤكد على صحة ما تزعمون، وما تقولون؟
وذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ.
فأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، وهذا
[ ١ / ٩٤ ]
لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ﷾؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب.
وكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله ﷺ باعتبار أن مصدر الاثنين واحد.
وبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله ﷿ أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة كما تقدم ذكره.
[ ١ / ٩٥ ]
(١٨) "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية الإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته".
رابعًا: دليل الفطرة.
ثم انتقل المصنف إلى دليل الفطرة: فدليل الفطرة أمرٌ الله ﷾-جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة.
فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.
وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (^٢).
فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو
_________________
(١) «التوحيد» (١/ ٢٥٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥).
[ ١ / ٩٦ ]
جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (^١).
فالله ﷾ فطر هذه القلوب على إثبات علوه ﷿ فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله ﷾ فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^٢).
فإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم.
بل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله ﷾-مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ﷾، ويطلب الله ﷾.
فإذًا كما يقول المصنف: "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم"، فجميع الأمم بلا استثناء مفطورةٌ على الإيمان بأن الله تعالى في السماء، وأنه عالٍ على خلقه، سواءٌ كانوا عَرَبًا أو عَجَمًا في الجاهلية أو الإسلام، "إلا مَنْ اجتالته الشياطين عن فطرته" (^٣) يعني: إنسان غُيِّرت فطرته، إذ لُقِّن أن الله في كل مكان، هذا إنسانٌ آخر، إنسانٌ تغيرت فطرته بمغيرٍ خارجي.
وكما قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (^٤)؛ معنى ذلك أن الفطرة قد تتغير إذا لُقِّن هذا الإنسان أمرًا مخالفًا
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وقد تقدَّم قريبًا.
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ، برقم (١٣٥٩)، ومسلم كتاب الْقَدَرِ، بَابُ مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧١٨١).
[ ١ / ٩٧ ]
للفطرة، بأن لُقِّن وقيل له: إن الله في كل مكان، بعد ذلك أصبحت مثل هذه الأمور عقيدة في نفسه، ليست أمرًا فطريًا، ولكنه أمرٌ خارجٌ عن الفطرة، ومؤثرٌ ومغيرٌ خارجي عن الفطرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك" (^١).
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.
[ ١ / ٩٨ ]
(١٩) (ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا)
خامسًا: أقوال السلف.
مقصود المصنف ﵀ أن هناك مئات أو ألوف النصوص التي تؤكد أن عقيدة السلف في هذه المسألة هي هذه، وأنت لو رجعت إلى قدماء الأشاعرة، كالبيهقي مثلًا وهو من قدماء الأشاعرة، والأشاعرة يجعلونه من أوائلهم، أو ارجع إلى ابن فورك، أو ارجع إلى الباقلاني، فهذه كتبهم موجودة وهم من قدماء الأشاعرة، ومع ذلك لم ينكروا العلو، بل أثبتوا صفة العلو.
فلو تجاهلنا علماء السلف، فعلى أقل الأمور أن يرجع الإنسان إلى كتب قدماء الأشاعرة، فإن كتب قدماء الأشاعرة لا تنكر صفة العلو بل تثبتها، وهذا كتاب التمهيد للباقلاني مثلًا، أو كتب البيهقي، مثل كتاب الأسماء والصفات مثلًا.
فكتب قدماء الأشاعرة تؤكد أن عقيدة القدماء منهم، هي إثبات صفة العلو؛ لأن الأشاعرة المتأخرين إنما تأثروا بهذا الفكر وحملوه من المعتزلة وليس عن قدمائهم؛ لأنه لم يكن عند القدماء من خلل إلا في إنكار ذلك النوع من الصفات، فالقدماء أخذوا عقيدتهم من الكلابية، والكلابية كان إنكارهم والخلل عندهم إنكارهم صفات الأفعال الاختيارية، لكن الجويني إمام الحرمين، ثم مَنْ جاء من بعده كالغزالي إلى الرازي إلى غيرهم، هؤلاء هم الذين أنكروا مثل هذه الصفات وهي مما أخذوه من المعتزلة.
وكذلك تأثر المعتزلة بهذا الفكر من الجهمية، فهذا الفكر لم يكن موجودًا عند واصل بن عطاء، ولكن تلاميذ المعتزلة هم الذين أخذوا فكر إنكار الصفات، أما واصل فكان خلله في مسائل محدودة، منها مرتكب الكبيرة، ومنها مسألة القدر، ولم يكن عند واصل بن عطاء ولا من في طبقته إنكارٌ للصفات، وإنما جاء هذا عند تلاميذ المعتزلة.
[ ١ / ٩٩ ]
وكما يقول شيخ الإسلام: "إذا كان الغلط في الأوائل شبرًا صار من بعده ذراعًا، ثم باعًا، ثم إلى ما شاء الله" (^١)، فالبعد عن الكتاب والسُنَّة لا شك أنه طريق هلاك.
فإذًا أقوال السلف موجودة، وإن شئت ارجع إلى شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وإن شئت ارجع إلى كتاب الشريعة للآجري، وإن شئت ارجع إلى كتاب السُنَّة للإمام أحمد، والسُنَّة لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتب السلف الحمد لله مطبوعة ومخدومة في هذا الزمان.
ولذلك مَنْ كان على عقيدة أهل السُنَّة عليه أن يعتني بجمع المأثور، وينظر في المأثور عن علماء السلف في صفات الله تعالى، وهو محفوظٌ وبأسانيده بفضل الله تعالى، فهو العلم كما قال الإمام الشافعي:
العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين
فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يكون على بصيرةٍ وعلى بينة، وأراد أن يؤصِّل لنفسه، فعليه أن يعتني بالمأثور، فما جعل الكثير من طلبة العلم في حيرةٍ واضطراب، وفي شكٍ وارتياب إلا أنهم لم يجعلوا لعلمهم الذي يعتنون بجمعه أصلًا وأساسًا يعتمدون عليه، بل غاية الكثير منهم إذا استحسن كلامًا من فلان، قال به وحمله في فكره وفي رأسه، ثم يأتي آخر بكلامٍ يناقضه ويضادُّه فيحمله، فيكون في حيرةٍ واضطراب، وتستمر هذه الحيرة معه، لأنه لا يعلم مع مَنْ يعلم مع مَنْ يتلقى وممن يأخذ، فتجده اليوم على فكرٍ معين ثم غدًا على فكرٍ آخر، وكل هذا سببه السطحية التي هو عليها، وإذا أردت أن تؤسِّس علمًا واعتقادًا في نفسك فاجعله على هذه الثوابت.
فانظر إلى ما في كتاب الله تعالى واعرفه واحفظه، وانظر إلى ما في سنة المصطفى ﷺ-واعرفها واحفظها، وانظر فيما هو من المأثور من كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم واعرفه واحفظه، ثم بعد ذلك يكون قد وسعك ما وسعهم ولك في ذلك غنية، فهم أئمة وأعلام هدى، والعلم يؤخذ منهم وعنهم وكما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٢).
ولا شك أن كل واحدٍ يعرف لهؤلاء ما لهم من قدر، وما لهم من منزلة، سواء
_________________
(١) انظر كتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية صفحة (٤٥١).
(٢) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
كانوا أصحاب محمدٍ ﷺ-فهم خير هذه الأمة، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه.
ولذلك ابن مسعود، وهو صحابي جليل يحث على هذا المنهج فيقول: " مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فإنَّ الْحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ "، يقول هذا وهو في وقته.
وبعد ذلك يقول: " أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ الله لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُم منْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ " (^١).
هذه كلمات قالها ابن مسعود ﵁-ومشهورٌ عن ابن مسعود ﵁-أنه من أشدِّ الصحابة محاربةً للبدع، فانظر إلى هذه الكلمات وتمعنها فهي تضع منهجا وترسم طريقا، "أولئك أصحاب محمد"، لماذا الإعراض عن هؤلاء؟ وعن كلامهم؟
أليسوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا؟
أليسوا أعمقها علمًا؟
أليسوا أقلَّها تكلفًا وبُعدًا عن البدع والأهواء؟
أليسوا قومًا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﵌ وإقامة دينه؟ فلماذا نعرض عن كلامهم وعن المأثور عنهم اعتقادًا وعملًا؟
فينبغي للإنسان أن يسير على هذا النهج، ثم إذا وجدت كتابًا يسير على هذا النهج فافرح به، واسعَ لحفظه، ولا تكن ممن قال عنهم علي ﵁: "همج رعاع أتباع كل ناعق" (^٢)، فليس كل مَنْ تكلم أو تفوَّه بكلمة واستطاع أن يقنعك بها، ليس هو على الحق، وإلا سيتعدد الحق، ويضطرب الناس، ويضطرب الفكر. قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ".
ولكن عليك أن تعتمد هذا الأصل وهذه القاعدة، وتؤسِّس علمك عليها، فإنه
_________________
(١) انظر شرح السنة للبغوي برقم (١٠٥)، ومشكاة المصابيح (١٩٣)، قال الشيخ الالباني ضعيف.
(٢) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الجزء الثاني، صفحة (٩٨٤) برقم (١٨٧٧)، وقال وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ.
[ ١ / ١٠١ ]
والله إن سرت على هذا، بإذن الله تسلم وتنجو من كثيرٍ من الفتن وكثيرٍ من الأهواء التي يومًا ما ستنقشع وتنجلي، ثم بعد ذلك يظهر ما فيها من الفساد والانحراف.
فهذه وصية السلف يتناقلونها ويتواصون بها قديمًا وحديثًا، ونحن حملناها من مشايخنا، فأذكر أن الشيخ حماد الأنصاري ﵀-عندما كان يدرِّسنا كان يوصينا بمثل هذا، وكان يسرد علينا كتب السلف المأثورة حتى وإن كانت مخطوطات، ويرشدنا إلى مواضعها، ويعطينا من أخبارها.
فبحمد الله هذا كان حافظًا للإنسان وهو في طور التأسيس عندما يقتني ويقرأ، كان حافظًا بفضل الله تعالى لنا من أن نزيغ عن هذا المنهج، فهذه وصية أشعر والله أنني بنفسي استفدت منها من هذا الشيخ، وأحفظها له إلى هذا اليوم، أنه أوصانا بكتب المأثور، وأوصانا باقتنائها، وأوصانا بمدارستها ودراستها؛ لأن فيها العلم وفيها الخير.
فإن تركنا هذا العلم وهذا الخير، فلا شك أن بعد ذلك قد استبدلنا هذا العلم بالأهواء والبدع، وبأقوالٍ لا ندريٍ ألها أساسٌ وسلطان من الحق أو ليس لها أساسٌ من الحق؟، فلا يغيب عنك أن كلام السلف له قيمته، بل له قيمةٌ من أعظم ما تكون؛ لأنه يؤكد ويبين صحة هذا المنهج، وأن هذا المنهج ليس منهجًا شاذًّا أو منفردًا، أو قد انفرد به فلان من الناس.
بل هو كلام الأئمة السابقين الذين لا شك أن علمهم محفوظٌ وموروث، وبحمد الله طبع الكثير منه، وهو إلى يومنا هذا لا يزال تحت عناية الدارسين، فلا تتجاهل هذا العلم، ولا تتجاهل هذه النصوص، واعتنِ بها جمعًا وقراءة وعلمًا وتعلُّمًا وتعليمًا.
[ ١ / ١٠٢ ]
(٢٠) "ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا".
بدأ المصنف ﵀ بعد أن انتهى من تأسيس أصول أهل السنة في هذه الباب، بالانتقال للخصم وإلى ما معه، وكأن لسان مقاله يقول: يا تُرى هذه بضاعتنا قال الله وقال الرسول، وقال السلف الصالح، فما بضاعة القوم؟ هل لهم فيما زعموا وفيما ادَّعوا دليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟
فليس عند القوم الذين خالفوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، دليل من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله ﷺ، ولا من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو من أئمة الدين المشهورين المعروفين كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى.
فهذا يوضح أن هؤلاء ليس لهم في هذا الميراث من نصيب، وليس لهم حظٌّ، بل ساحتهم خالية من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، لأنهم لا يرون لهذا قيمة، فلا تجد في باب الإلهيات ولا في باب النبوات؛ لأنهم يقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:
باب الإلهيات.
باب النبوات.
باب السمعيات.
فالإلهيات: أي إثبات وجود الله كما يقولون وهذا منتهى التوحيد عندهم.
والنبوات: أي الإيمان بنبوة النبي.
والسمعيات: أي ما يتعلق بالبعث والنشور واليوم الآخر.
ولن تجد في البابين الأُولَيَيْن، باب الإلهيات وباب النبوات، قال الله وقال الرسول، بخلاف ما قد تجد في باب السمعيات؛ وهم أسموها سمعيات لأنها -كما
[ ١ / ١٠٣ ]
يقولون-مصدرها الكتاب والسُنَّة، لكن في باب التوحيد وفي باب النبوات لن تجد قال الله وقال الرسول، إنما ستجد قال القدماء، قال الحكماء، قال العقلاء، ويعنون بذلك أهل المنطق والفلسفة.
ومما يؤكد ذلك أيضًا أنك لا تستطيع فهم عقيدة الأشاعرة حتى تدرس المنطق، فهو سُلَّمٌ لفهم عقيدتهم، مما يدل ويؤكد أن هؤلاء ليس لهم حظٌ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، ولا في المأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌ وكلام هؤلاء لا يحتاج إلى فلسفةٍ ومنطق.
ومَن ذا الذي يقول: إن القرآن يحتاج إلى علم المنطق لكي يُفهم؟، أو أن كلام الرسول ﷺ-يحتاج إلى المنطق والفلسفة لكي يُفهم؟، أو أن كلام السلف الصالح يحتاج إلى هذا لكي يفهم؟
فإذًا، هذا تنبيهٌ وإشارة من شيخ الإسلام أن هذه أصول أهل السُنَّة، وهذا معتقدهم، فإن شئت فاعتمد وقل بما قالوا، أما القوم فلا حظ لهم ولا نصيب في هذه الأصول.
[ ١ / ١٠٤ ]
(٢١) "ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه [بذاته] في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع، ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها [إليهم] ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله، ثم على رسوله ﷺ ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها"
أي ليعطينا أي إنسان من هؤلاء أنه ورد عن الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين أو عن الأئمة الأربعة أنهم قالوا إن الله في كل مكان.
بل إن الإمام أبو حنيفة يقول: "مَنْ أنكر إن الله ﷾-في السماء فقد كفر" (^١)، فحكم عليه بالكفر، وللشافعي ﵀-كلام في هؤلاء سنأتي إليه في نهاية هذه الفتوى بإذن الله تعالى.
فهذه أقوال المبتدعة تدور حول هذه العبارات، فمن منكرٍ لعلوِّ الله تعالى، ومن منكرٍ لاستوائه، ومن منكرٍ وقائلٍ بأن الله تعالى بذاته في كل مكان، ومن قائلٍ بأن الله
_________________
(١) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (١٣٥).
[ ١ / ١٠٥ ]
لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلٌ ولا منفصل، ومن قائلٍ إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، مع أن النبي ﷺ-في حجة الوداع كان يرفع إصبعه السبابة هكذا وينكبها إلى أصحابه كما قال ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ-لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمعٍ حضره الرسول ﷺ-جعل يقول: «اللَّهُمَّ قَدْ بَلَّغْتُ». قَالُوا: نَعَمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (^١).
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).
[ ١ / ١٠٦ ]
(٢٢) "فلئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين. "
لو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئًا، وهم يقولون شيئًا آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة كما يرشدك شيخ الإسلام، اجمع النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟
فإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة.
فإذًا كما يقول المصنف: كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهرًا وباطنًا؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة.
فلا شك أن هذا الشرع واحد، وأن ظاهره وباطنه سواء، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا مَنْ انحرفت عقيدته من المتصوفة والباطنية، فهؤلاء الذين إذا جئت تخاطبهم فقالوا: اذهبوا عنا أنتم علماء الشريعة ونحن علماء الحقيقة، وأنتم علماء الظاهر ونحن علماء الباطن، فالشريعة ظاهرها وباطنها سواء والأمر واحد ولا يختلف، فيطرح المصنف مثل هذا الاستفهام وكيف يكون هذا الحق ثم لا يعتقدونه.
[ ١ / ١٠٧ ]
(٢٣) "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ -سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ -وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ. ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ -وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ -وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ؛ وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ -عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ -فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ. أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(٢٤) وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه، ومضمونه أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس، وبعض الصابئين. وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أُمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه هؤلاء المتكلفين بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٠٨ ]
فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية.
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣]
(٢٥) ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدًى للناس، ولا بيانًا ولا شفاء [لما في الصدور] ولا نورًا، ولا مردًّا عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النجعة وهو إما مُلْغِز، أو مُدَلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين.
(٢٦) ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مَرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالًا.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يومًا من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.
(٢٧) ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٠٩ ]
ورُوي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.
لا يزال المُصَنِّف رحمه الله تعالى يبين من خلال هذه العبارات ومن خلال ما يعقده من موازنة بين منهج أهل الحق ومناهج أهل الباطل، يبين حقيقة الأمر وحقيقة الخلاف في أصله، وكما تعلمون أن الخلاف هنا خلافٌ بين منهجين؛ إما منهج أهل الحق المبني على الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، كما أسلف المُصَنِّف وبين وقدم، وإما المنهج العقلي الفلسفي المبني على منطق اليونان وفلاسفة الهند وأشكالهم وأمثالهم.
ففي بداية هذا الكلام قال المُصَنِّف: "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنِ انْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِا"، فهنا يبين أن هؤلاء قد طرحوا منهج الحق ونَحَّوْهُ جانبًا وأقصوه وأبعدوه، وكما ذكرنا سالفًا أنك لا تجد عند هؤلاء استدلالًا بالنصوص في باب الإلهيات ولا في باب النبوات، وهذان البابان كما ذكرنا هما أصلا هذا الدين؛ لأن هذا الدين قام على أصلين هما: التوحيد والاتباع؛ أي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وكما قال المصطفى ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وهذا جانب التوحيد، «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^١)، وهذا جانب الإيمان بالنبي ﷺ واتباع النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).
[ ١ / ١١٠ ]
فهؤلاء القوم في هذين الأصلين أقصوا منهج الحق وأبعدوا نصوص الكتاب والسنة، وأبعدوا كذلك منهج السلف الصالح، وبالتالي لن تجد في كتبهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، وإنما الذي ستجده: قال بعض الفضلاء، وقال بعض الحكماء، وقال بعض العقلاء.
وبالتالي يريد أن يشير المُصَنِّف في هذه العبارات، إلى أن هؤلاء اعتمدوا منهجًا وهو الاعتماد على العقل كما زعموا، وسبق أن أسلفنا أن هذا الأمر إنما هو أصل المنهج الفلسفي، وأن المنهج الفلسفي قام على أصلين:
الأصل الأول: أن العلم فقط في المحسوس المشاهد، فهذا الذي يسلِّمون به ويقولون به.
والأصل الثاني: أن الأصل في العلم هو الإنسان؛ أي عقل الإنسان، وأنه لا إيمان بغيبٍ ولا بوحي.
فعلى هذين الأصلين يقوم قطب الرحى عند أصحاب المناهج العقلية؛ أي أن الإيمان ينحصر في المحسوس المشاهد، وأن الأصل في العلم هو الإنسان، وبالتالي ينبني على هذا أنه لا عبرة ولا إيمان بالغيب، وينبني على هذا أنه لا اعتبار ولا قيمة للوحي، فكل أصلٍ من هذين الأصلين لديهم يهدم أصلًا من أصول الدين.
فإذا كان هناك - على حد زعمهم - لا غيب، فمعنى هذا أنه لا توحيد ولا إيمان بالله ﷿، ولذلك لن تجد عند هؤلاء في باب التوحيد إيمانًا بوجود الله تعالى إلا بقدر ما قد يكون الأمر في الخيال والذهن لا في الحقيقة والواقع.
فلو جئت إلى أشعريٍّ فقلت له: أين الله؟ فإما أن يقول لك: في كل مكان، أو أن يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، فلا يستطيع أن يثبت لله وجودًا حقيقًا يمكن للإنسان أن يقتنع به.
ثم في أصلهم الثاني هدمٌ للوحي، الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ، فإذًا هم استبدلوا منهج الحق بمنهجٍ فلسفي عقلي يقول: إن المرجع في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل إلى عقل الإنسان، فما أجازه عقل هؤلاء، وما أجازه منطقهم فهو المعتمد وهو المقبول والمسَلَّم، وما عداه فهو دائرٌ بين حالين: إما أن يُنفي وإما أن يتوقف الإنسان فيه.
ويحكي المصنف قولهم: "وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ"، فعندهم لا اعتبار
[ ١ / ١١١ ]
للوحي، فإنك إذا نظرت في عباراتهم ستجدها عبارات قد يكون بعضها ليس له أصلٌ في الكتاب ولا في السنة، كتسميته تعالى «واجب الوجود»، فمثلًا، ابن سينا عندما يتحدث عن وجود الله تعالى يقول: «واجب الوجود واحد في ذاته بسيط لا تَكَثُّرَ فيه بوجهٍ من الوجوه ولا قسمة له لا في الكم ولا في الكيف ولا في المعقول ولا في اللا معقول ولا في المتناهي ولا في اللا متناهي» (^١) إلى نحو هذه العبارات المنطقية الفلسفية التي لا تجد لها أصلًا في الكتاب ولا في السنة.
فتسميته «واجب الوجود» هذا أمرٌ لم يرد به نصٌ من الكتاب أو السنة، ولو جئت تسأل عن «واجب الوجود» في معاجم الفلسفة ستجد أن المراد به: الوجود الذهني الخيالى الذي ليس له حقيقة ولا واقع.
فإذًا هم على هذا بنوا أصل هذه المسألة على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلًا من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا.
ولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (^٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلًا يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (^٣).
المقصود ب «النقيضين» أو ب «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول: «لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (^٤) أي أن نترك العقل والنقل.
وقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (^٥) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».
_________________
(١) انظر كتاب العرش وما روى فيه صفحة (١٢٣).
(٢) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) انظر المصدر السابق.
(٥) انظر كتاء درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الأول صفحة (٤).
[ ١ / ١١٢ ]
انظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (^١) لأن النقل فرع والعقل أصل، فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي ﷺ، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.
فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل - أي عن العقل - فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، افهم هذه المسألة، إثبات ما جاء به النبي - الذي هو الوحي - متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.
فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.
فعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي ﷺ هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي ﷺ فإنك بذلك أبطلت الأصل.
«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^٢)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، وهذا لا تنسى - كما ذكرنا - يعود على أنهم يقولون: «إن الأصل في العلم هو الإنسان» (^٣)، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.
ما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتًا ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، فبعد ذلك حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ.
ولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال:
هذا القانون مبني على ثلاث مقدمات:
١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة.
٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء السابع صفحة (١٣٠).
[ ١ / ١١٣ ]
وهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه.
الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظرًا لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.
الوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول ﷺ حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحًا في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.
الوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهامًا كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلًا عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.
[ ١ / ١١٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول ﷺ وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول ﷺ إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.
وقال ابن القيِّم ﵀: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها» إه.
وقد يقال: إن المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين ما أخبر به الرسول ﷺ.
والجواب: أن هذا الكلام يغير صورة المسألة، فتصير هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي، وهذا كلام لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل، وقد قدمنا في التمهيد أن كلام المبلغ الأمين يستحيل أن يكون ظاهرًا في غير المراد ويتركه من غير بيان، فإن أمانة التبليغ تنافي ذلك.
الوجه الرابع: أنه لو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:
١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.
٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.
٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟
٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم
[ ١ / ١١٥ ]
يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.
الوجه الخامس: أن العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.
فلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.
وهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.
الوجه السادس: أن تقديم العقل على الشرع يتضمَّن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة إذا قورنت بجبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادة العقل، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، قال العلامة ابن الوزير اليماني: «فإن قيل: تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض، لأن السمع علم بالعقل فهو أصل، ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معًا، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضًا معًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (^١).
_________________
(١) "إيثار الحق" ص ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.
[ ١ / ١١٦ ]
الوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئًا ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء - مثلًا - يعلمون أن كون العالم عالمًا بلا علم وحيًّا بلا حياة، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًّا وارتيابًا وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول:
عقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئًا واحدًا بيِّنًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه، وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سور النساء: ٥٩]، فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا وشكًّا وارتيابًا» اه.
وممّا يوكِّد عدم انضباط نتائج العقول خاصة في البحوث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته ذلك التعارض العجيب الذي نجده عند أهل المدرسة الواحدة من مدارس الكلام، انظر إلى قول الرازي - وهو ينتقض الغزالي _: «من الأصحاب من قال: السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفًا به لزم أن يكون
[ ١ / ١١٧ ]
الواحد أكمل من الله تعالى» (١) اه.
وبهذا يتبيّن خطورة الاعتماد على العقل المجرد في إثبات الصفات، حيث يفتح بابًا للإلزامات واسعًا. بينما الواقف مع النص لا يمكن إلزامه بشيء من ذلك ولله الحمد والمنَّة.
الوجه الثامن: إن منهج تقديم العقل على الوحي مخالف لمنهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في كل زمانٍ ومكان، بل هو مخالف لمناهج جميع الفرق الإسلامية إلا فرقة المتكلمين، ومنهجٌ هذا سبيله أولى بالسقوط والبطلان، يقول شيخ الإسلام: «فأما معارضة القرآن بمعقولٍ أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحدٌ من السلف، وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة، ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم على ما سموه معقولًا، وردُّوا القرآن إليه، وقالوا: إذا تعارض العقل والشرع إما أن يفوض أو يتأول فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطانٍ أتاهم». ويقول ابن القيِّم: «وأنت إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدَّتها متفقة على تقديم الوحي على العقل، ولم يؤسِّسوا مقالاتهم على ما أسَّسها عليه هؤلاء - يعني المتكلمين - من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي، فإن هذا أساس طريقة أعداء الرسل فهم متفقون على هذا الأصل».
ويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).
الوجه التاسع: إن من نتائج هذا القانون أن لا يُستفاد من الرسول شيئًا؛ لأن اعتقاد بطلان ظاهر خبر من أخبار الرسول ﷺ بلا قرينة واضحة شرعية يوجب أن لا يوثق بشيءٍ من أخباره، «ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢
[ ١ / ١١٨ ]
يستفيدون من الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أقسام: نوع يجب رده وتكذيبه، ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته، ونوع يقر (^١)».
وعلى هذا يكون لازم قولهم بوجوب رجوع كل عاقل إلى ما يراه عقله صحيحًا أن لا تكون هناك طاعة لله ولرسوله بل للعقول، فتكون وظيفة الرسل والكتب ضربًا من العبث.
الوجه العاشر: أنه لا إيمان إلا بالتسليم للوحي: قال تعالى: ﴿فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلِّموا تسليمًا﴾ [النساء/ ٦٥] فأقسم ﷾ أنه لا إيمان إلا بتحكيم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمة ولا يبقى فيها حرج، ونسلِّم لحكمه تسليمًا مطلقًا، فلا نعارضه برأيٍ ولا عقلٍ ولا هوىً ولا غيره، وقال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله﴾ [الشورى/ ١٠]، قال ابن القيِّم: «وهذا نصٌّ صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردودٌ إلى الله وحده، وهو الحاكم فيه على لسان رسوله ﷺ، فلو قُدِّم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه».
وعلى هذا يلزم العقلانيِّين الذين يرون تقديم العقل على النقل أن يسلِّموا بالقوانين الوضعيَّة التي وضعها البشر بعقولهم، وهي لا ريب تعارض الشريعة الإسلامية في الغالب فإن فعلوا ذلك لحقوا بالعلمانيِّين الفسقة، وإلا تناقضوا أقبح التناقض وخالفوا قوانينهم، معترفين بفعلهم ببطلانه وتهافته.
الوجه الحادي عشر: إن كلَّ نصٍّ خالف العقل الصريح فهو مكذوب، فلم يجئ في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل الصريح، ويمكن التمثيل للنصوص المخالفة للعقل الصريح بحديث: «إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلًا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق وهذا حديث موضوع باطل سندًا ومتنًا والمتهم بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع هذا مسلم، وإنه لمن أركِّ الموضوعات وأبردها، إذ هو مستحيل لأن الخالق لا يخلق نفسه» ثم قال: «فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع» (^٢) إه.
وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك مجال للقول بتقديم العقل عند تعارضه مع
_________________
(١) (محصل أفكار المتقدمين) ص ١٢٤.
(٢) الموضوعات (١/ ١٠٥).
[ ١ / ١١٩ ]
النصوص؛ إذ لا يتعارض مع النصوص الثابتة الصريحة، فالتعارض نتيجة خللٍ إما في العقل أو في الرواية.
الوجه الثاني عشر: أن أصحاب هذا المنهج العقلاني هم أبعد الناس عن معرفة الحق في التوحيد والصفات والقدر، وأكثر الناس شكًّا وحيرةً واضطرابًا، قال ابن القيِّم: «وحدثني شيخ الإسلام قال: حكى لي بعض الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي أنه قال له الشيخ: أضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجَّح عندي شيء، ولهذا ذهب طائفة من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة، ومعناه: أنها قد تكافأت وتعارضت فلم يعرف الحق من الباطل، وصدقوا وكذبوا» اه.
يعني صدقوا في قولهم: أنهم لم يعرفوا الحق، وكذبوا في قولهم بتكافؤ الأدلة، ويؤكد هذا اعترافات كبار المتكلمين، وتوبة بعضهم وتحسرهم من الأعمار التي ضاعت في طلب الكلام، ومن ذلك: قول الغزالي: «فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأن فيه صنعة جدلٍ يعجز عنه العامي، لا لكونه حقًّا في نفسه، وربما يكون ذلك سببًا لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين، ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال - أو من بدعة - إلى غيره ومن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس … بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًّا مشرف على الزوال بكل شبهة» (١) إه.
هذا اعتراف صريح من أحد فحول الكلام بأن المنهج العقلي لا يؤدي إلى معرفة الله المعرفة الحقّة، رغم أن الغزالي اعترف بأن بضاعته في الحديث مزجاة أي قليلة (^١)
قال شيخ الإسلام: «فإن تلك العقيدة الفطرية التي للعجائز خير من هذه الأباطيل التي هي من شعب الكفر والنفاق، وهم يجعلونها من باب التحقيق والتدقيق» (^٢).
«ومات الغزالي وهو مشتغل بالبخاري ومسلم، والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة».
_________________
(١) انظر "قانون التأويل" للغزالي ص ٢٤٦.
(٢) «الرد على المنطقيين» ص ٣٢٧.
[ ١ / ١٢٠ ]
فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يبتعد عن الكلام والخوض في كل ما لا يعود عليه بالنفع في آخرته وأن يجتهد في تصحيح عقيدته بأن لا يأخذها إلا من الكتاب العزيز والسنة المطهرة على فهم السلف الصالح، وأن يسلك منهجهم في العبادة والسلوك، في كل صغيرة وكبيرة من تصرفاته، وأي مخالفة لهذا الخط المستقيم فإن مصير صاحبها إلى الندم، والشاهد ما ذكرنا، والله تعالى المستعان. اه
الوجه الثالث عشر: إن الذين ركبوا عقولهم فزعموا أن العقل يجب تقديمه على النقل عند التعارض حتى في باب الأسماء والصفات إنما أتوا من جهلهم وعدم تفريقهم بين ما يحيله العقل وما لا يدركه، لأن للعقل مجاله الذي إذا اشتغل في إطاره أفاد وأنتج الخير لصاحبه، ومتى وقع الخروج به عند ذلك الإطار أخفق وكان وبالًا على صاحبه، قال العلامة ابن خلدون: «واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود (^١)».
الوجه الرابع عشر: قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام …﴾ [الفرقان/ ٥٩] وقال تعالى: ﴿ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى﴾ [الروم/ ٨] وقال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم أن خلق السموات والأرض …﴾ [التوبة/ ٣٦].
في هذه الآيات وأمثالها بيان واضح لا خفاء فيه أن هذا الكون - بسماواته وأراضيه وكل ما فيه من أجرام سماوية أو أرضية - مخلوق خلقه الله تعالى في الوقت الذي شاءه أن يخلقه فيه، وقال تعالى: ﴿لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه﴾
_________________
(١) انظر «الصواعق» ٤٥٩.
[ ١ / ١٢١ ]
[القصص/ ٨٨] وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى بأن هذا الكون بكل ما فيه آيل إلى الزوال، أي أن للكون بداية ونهاية، وأن الله الذي خلقه هو الذي ينهيه بمشيئته وقدرته ﷾.
وإذا نظرنا من جانب آخر ألفينا جماهير الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين يقولون بقدم العالم، وأنه لم يزل موجودًا مع الله تعالى، مستدلين بمقدمات عقلية وضعوها وقرروها، فقالوا: لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلًا. ويقولون كذلك بأبدية العالم، قال الغزالي: «فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده، ولا فناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضًا كذلك.
فهنا ندعو أصحاب القانون العقلي للتأمل والإجابة فنقول لهم: هذه نصوص القرآن الكريم، وهذه مقررات عقول هؤلاء والفحول الكبار من العقلانيين الذين لا يشك في سعة عقولهم إلا المخبول متعارضة متناقضة غاية التناقض، فما موقفكم منها، فإن طبقتم قانونكم القاضي بتقديم العقل على النقل انكشف أمركم ولحقتم بهؤلاء الدهريين، وخرجتم من دائرة الإسلام، وإن قدمتم النقل على العقل رجعتم عن قانونكم واعترفتم بفشله وتهافته، وإن قلتم إن عقولكم تخالف عقول هؤلاء الفلاسفة وتتفق هنا مع ما تقرر في السمع، كان كذلك اعترافًا منكم بعدم انضباط العقول كما قررناه في الوجه السابع، وليس لكم وراء هذه الخيارات الثلاثة إلا السكوت الذي يلجأ إليه كل عاجز جاهل مفحم: ﴿فقطع دابر القوم الذي ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [الأنعام/ ٤٥].
وكما أسلفنا، ليس المقياس في الثبوت أو عدم الثبوت الذي هو ميزان المحدثين، وإلا لو كان الأمر كذلك فعلى الرأس والعين، لو كان الخبر ضعيفًا غير صحيح فلا شك أنه مع ذلك لا يثبت ولا يمكن أن نعتمد إلا ما ثبت عن النبي ﷺ وثبتت صحته.
لكن المقياس عندهم ليس هذا، فكما ذكرنا لو ورد هذا الخبر من أخبار الآحاد في البخاري ومسلم فإنه لا حجة فيه في باب الاعتقاد عندهم، فليس الميزان ميزان أهل الحديث، ولكن الميزان أن كل خبر آحاد هو عند هؤلاء باطل مردود ولا يمكن أن تقوم به حجة.
وهذا ما يقوله الغزالي في المستصفى، فهو يقول هذا، يقول: «وظواهر أحاديث التشبيه لا يعتد بها»، فأحاديث التشبيه، أي أحاديث الصفات، كلام المصطفى ﷺ
[ ١ / ١٢٢ ]
الذي لا ينطق عن الهوي ينبذ ويوصف بهذا الوصف القبيح؛ «أحاديث التشبيه»، حتى ينفر السامع من كلام النبي ﷺ حتى وإن جاء في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم مثلًا، وهذا أمر لاشك أنه متفق على ثبوته ومتفق على قبوله عند أهل السُنَّة كافة.
إذًا لتفهم أن هؤلاء بنوا أصل دينهم على العقل، وبالتالي لو قلت لأشعري مثلًا: لماذا تثبت السمع والبصر وتنفي العلوَّ والنزول والاستواء؟ مع أن هذا جاء به نص وهذا جاء به نصٌّ، فلو كان مستند الأشعري في الإثبات إلى قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، فإن هذا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
لكن لو جئت إلى تعليلاته ستجد أنه يقول: إن هذه الصفات السبع ثبتت بالعقل، وبالتالي أنا أعتمدها، وما عداها لم يثبت فهذا لا يمكن اعتمادها ولا يمكن قبولها.
ولذلك إذا قرأت لشيخ الإسلام في التدمرية، فإنه يناقش هؤلاء بمثل هذا فيقول: «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن قلتم إن لله سمعًا وبصرًا فإن لله يدًا وإن لله علوًّا وإن لله استواءً» (^١)، لكن يريد شيخ الإسلام هنا أن ينبه ويبين أن هؤلاء تركوا هذا المنهج من أصله ومن أساسه، واعتمدوا على عقولهم إثباتًا ونفيًا.
فإذًا هم يصفون الله تعالى بما أجازته عقولهم وما أثبتته عقولهم بغض النظر عن وروده في الكتاب والسنة.
"وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ"، فبالتالي هم ينفون الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ولو جئت تسألهم لماذا؟ لقالوا: إن العقل لا يجيز ذلك.
ثم هم ها هنا فريقان، أكثرهم يقولون: "ما لم تثبته عقولكم فانفوه"، أي الذي لا تثبته العقول يُنفي ولا يثبت، ومنهم من يقول: "بل توقفوا فيه"، وهذا يدور على طريقين عند المعَطِّلة: طريق التفويض وطريق التأويل.
فطريق التأويل: هو طريق النفي.
وطريق التفويض: وهو طريق التوقف.
فتارة تراهم ينفون الاستواء ويؤلون معناه بالاستيلاء، وتارة يتوقفون عن تأويل
_________________
(١) انظر كتاب التدميرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع صفحة (٣١).
[ ١ / ١٢٣ ]
المعنى مع اتفاقهم في كلا الحالين على نفي وجود صفة الاستواء لله على الحقيقة، وكما يقول قائلهم
وكل نص أوهم التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها
«وكل نص أوهم التشبيها» (^١) أي كل نصٍ لا تشهد له عقولكم وعلى حد زعمهم يطلقون عليه عبارة «أوهم التشبيها»، فأنتم بين خيارين؛ «أَوِّلْهُ» أي غيِّر وبدِّل معناه، يقولوا: «استوى» بمعنى: استولى، ويقولون: «اليد» بمعنى: النعمة والقدرة … وهكذا.
أو «فَوِّضْه» أي توقف في تحديد المعنى المراد، والنتيجة بعد ذلك فإنك تقصد بذلك تنزيه الله ﷾ عن هذا إثبات هذه الصفة له.
فإذًا هم بين مسلكين في هذا، إما مسلك التأويل وإما مسلك التفويض،
"وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ".
أي ارجعوا عند التنازع لعقولكم، ولاشك أن هذا هدمٌ للأصل الثاني من أصلي هذا الدين وهو الاتباع، من الرجوع إلى الوحي الذي جاء به النبي ﷺ وهو الكتاب والسنة.
فحقيقة مذهب القوم، نبذ الكتاب والسنة والإعراض عن كلام الله تعالى ورسوله ﷺ، فضلًا عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، والرجوع بالمسألة إلى شُبَهٍ وأوهام عقلية لا أصل لها ولا أساس لها في الدين، فلذلك يقول: "فإنه الحق الذي تعبدتكم به"، يعني كأن هؤلاء شرعوا دينًا جديدًا.
ولذلك هذه المسألة من أهم مسائل الاعتقاد، وتبين عمق وحقيقة الخلاف بين أهل السُنَّة وبين غيرهم، ولا بظن ظان أن الخلاف بين أهل السُنَّة وبين هؤلاء خلافٌ سطحي أو خلافٌ فرعي، لا، إنما هو في أصليّ الدين، ولذلك تجد برهان هذا الخلاف واضحًا في مسألة التوحيد ومسألة الاتباع.
ولذلك خذ هذا مقياسًا لنفسك ومقياسًا على الآخرين، إذا أردت أن تقيِّم نفسك وتقيِّم الآخرين، فانظر إلى موقفك من أصليّ الدين؛ من التوحيد ومن الاتباع، فعلى هذا احكم على نفسك واحكم على غيرك.
_________________
(١) انظر كتاب جوهرة التوحيد البيت رقم (٤٠).
[ ١ / ١٢٤ ]
فالبعض قد ينظر نظرة أخرى في هذا الصراع القائم بين المناهج، والذي تظهر فيه اختلافات كثيرة، فيبدأ بعقد مقارنة في الحسنات والسيئات، ويتناسى أن يعقد مقارنة في أصليّ الدين، فالمقارنة ينبغي أن تخرج من هنا؛ من التوحيد والاتباع، فما موقف كل فريقٍ من التوحيد والاتباع؟ وانظر بعد ذلك أثر ذلك في ظهور الشرك وظهور البدعة.
فالبعض قد يقول: هذا منهجٌ يدعو إلى وحدة المسلمين، ووحدة المسلمين مطلب وهدف، فلماذا يُحارَب؟ أو لماذا يردُّ على هذا المنهج؟ ولماذا لا نتفق على هذه المسألة؟ وبعد ذلك ننظر في المسائل الأخرى، فيقال له: قف، هناك ما هو أهم من وحدة الأشخاص ووحدة الناس، فالأهم أن تخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد والإيمان، وأن تلزم الناس باتباع الدين واتباع الوحي.
مع أن هذا لا يمنع أن يكون لكل أحد حسناته وسيئاته كما قال ابن تيمية ﵀: "ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم". (^١)
فلئن كان هؤلاء صادقين، فإن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^٢)، وإلا فإن أهل مكة جاءوا للنبي ﷺ وعرضوا عليه اجتماع الكلمة، ولو كان الأمر اجتماع الكلمة، لعقد النبي ﷺ صلحًا مع كفار قريش، وأصبح الأمر والغاية والمقصد هو توحيد الكلمة واجتماعها.
فما قيمة اجتماع الكلمة إذا كان هناك تلاعبٌ بأصليّ الدين وإهمالٌ للتوحيد وإهمال للاتباع والسنة، فافهم حقيقة الأمر.
أُعيد وأقول: إذا أردت أن تقيِّم نفسك وأن تقيِّم مواقف الآخرين، فانظر إليهم وانظر إلى نفسك في أصليّ الدين. هل أنت مؤمن بالله تعالى؟ عارف بالله تعالى؟ عابدٌ لله ﷾؟ متَّبعٌ لشرع الله تعالى؟ فأنت لا شك على الخير في هذا، وإن كان هؤلاء يسيرون على هذا النهج وعلى هذا الطريق؟ فلا شك أنهم على الخير والهدى، ولذلك سيؤكد المُصَنِّف هذا من خلال ذكر الافتراق بعد أسطر.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣
(٢) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (. . . .).
[ ١ / ١٢٥ ]
ومن شبه أهل الكلام أنهم لو قيل لهم: لماذا تركتم كلام النبي ﷺ وتركتم الوحيَ وأخذتم بضدهما فهذه النصوص جاءت بإثبات هذا وأنتم تنفونه، لزعموا وادَّعوا وقالوا: إن النبي ﷺ ترك مثل هذه القضايا امتحانًا لعقول الناس.
فمنهج الكلام يقوم على الطعن في هذين الأصلين؛ ألا وهما التوحيد والاتباع، ولذلك ترى الخلل واضحًا عندهم في مثل هذه المسائل، ولذلك لا ترى مجتمعًا من مجتمعات أهل الكلام إلا وقد ضعف فيه التوحيد والاتباع، وتجد بدلًا من ذلك الشرك والبدع، حتى أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سنة، ولو جاءهم شخص بسنة لرفضوه ولحاربوه.
وليس هذا أمر مبني على الجهل وحده، بل هو عقيدة مترسخة في نفوسهم، ولو كان الجهل وحده لكان الأمر يكتفي فيه أن تُتلَى عليهم الآيات والنصوص ويسمعون كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فيعودوا إلى رشدهم، ولكن الأمر أخطر من ذلك بكثير، ولا يقتصر على الجهل وحده.
فهؤلاء يقفون من الوحي موقفا تختلف درجته بحسب درجة ذلك المنهج الفلسفي أو الكلامي، فعند الفلاسفة بنوعيهم؛ أهل الفلسفة البحتة أو الفلسفة الباطنية يقولون: «إن الرسول ليس إلا مجرد شخصٍ عبقري استطاع أن يخيِّل للناس ويوهم الناس بأن هناك وجودًا لله حقيقة وأن هناك جنَّةً حقيقة وأن هناك نارًا حقيقة وأن هناك شرعًا حقيقة، وكل هذا لا أصل له ولا وجود له ولا حقيقة»، فبالتالي ينظرون إلى الرسول بشخصه المصْلِح.
فمثلًا: قد يكتب البعض «عظماء العالم»، ويجعل في كتابه مائة عظيم، ويجعل محمدًا ﷺ في أول القائمة، فالبعض يفرح بهذا فيقول: جعل النبي ﷺ في رأس القائمة.
لكن افهم واعلم أن النبي الذي تنظر إليه ليس النبي الذي ينظر إليه هذا، النظرة غير النظرة، فهو ينظر إلى شخص النبي ﷺ بأنه عبقري وذكي، استطاع أن يوهم الناس بمثل هذه الأمور، فعند أهل الفلسفة أن هذا نابع من كونه وهم وخيال وكذب لأجل المصلحة.
لكن أهل الكلام دون ذلك؛ يقولون: «نعم هذا الأمر على خلاف الحقيقة، ولكن النبي ﷺ ترك الحقيقة امتحانًا لعقول الناس»، بهذا يبرِّرون.
فهذا قول المُصَنِّف: "فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ
[ ١ / ١٢٦ ]
لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ"، فهم يقولون: نعم إن النبي ﷺ أخبر بخلاف الحقيقة، وأن الأمر ليس على ظاهره، فلا علو ولا استواء، ولا نزول ولا يد، بل إن بعضهم يبالغ حيث يقول: «لا عرش ولا كرسي» (^١).
فبعضهم إذا جاء يفسر «العرش» قال: «العرش أي: الملك» (^٢)، وينكر حتى وجود ذي العرش على الحقيقة.
فعندهم أن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، وإذا سألتهم لماذا والنبي قال كذا وكذا؟ قالوا: «النبي ﷺ أخبر بهذه الأمور وتركها لاجتهاد العقول»، وهذا الزعم يفتح بابًا من الشر، فقد يأتي من يقول: ليس هناك صلاة على الحقيقة، ويأتي آخر ويقول: ليس هناك صيام على الحقيقة، وليس هناك حج على الحقيقة، وليس هناك جهاد على الحقيقة … ويمشي الأمر على هذا المنوال.
فهم بالتالي أسَّسوا أصولًا باطلة، وأصدروا أحكامًا على الكتاب والسنة باطلة، وبعد ذلك خلت لهم الساحة، ولذلك إذا جاءهم شخص يدعو إلى الكتاب والسنة اجتهدوا في عدائه ومحاربته؛ لعلمهم أن ما في الكتاب والسنة يشهد بخلاف ما يقولون ويزعمون، ولذلك تجد حتى إن مناهجهم تحارِب الكتاب والسنة بطريق غير مباشر، فيحاربون المأثور ويسعون إلى تجهيل الناس بمصطلح الحديث، وإذا درسوا كتب السُنَّة مثلا درسوها للتبرك والبركة لا للعلم والاستفادة، وقصروا الكتاب والسنة على ما يتعلق بالأحكام والعبادات والمعاملات، وأخرجوا الكتاب والسنة من أبواب العقائد.
ولذلك لو سألتهم: لماذا أنتم في باب الأحكام وباب العبادات وأبواب المعاملات تأخذون بالكتاب والسنة وتوردون الدليل، وتتركون هذا في أبواب العقائد؟ ولماذا أنتم مثلًا شافعية أو مالكية، ولماذا لستم في العقيدة على قول الشافعي أو مالك؟
ولماذا لا تحتجون بكلام الشافعي أو بكلام الإمام مالك في بعض الاعتقادات، فكل هذا يؤكد هذه الحقيقة التي يجب على الإنسان أن يعرفها إذا كان جاهلا بها، وإذا لم يقتنع بما يقوله شيخ الإسلام، فما عليه إلا أن يرجع إلى كتاب من كتب هؤلاء، من أمهات كتبهم في الاعتقاد، وينظر وستجد ما يقول، لن تجد إلا: «قال
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الثاني صفحة (٣٣٦).
(٢) انظر كتاب تاج العروس الجزء (١٧) صفحة (٢٥٣).
[ ١ / ١٢٧ ]
بعض الفضلاء»، «قال بعض الحكماء»، «قال بعض العقلاء» (^١)، وهذا ما أشار إليه المُصَنِّف بقوله: «قال فُلَانٌ وقال فُلَانٌ».
فإذًا هم بعد نبذهم للنصوص سلكوا أحد مسلكين إما التأويل وإما التفويض، والتأويل هو الذي أشار إليه المُصَنِّف بقوله:
"لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ". وهذا منهج التأويل "أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ" أي منهج التفويض؛ لأن مسالك التعطيل في أصلها مسلكان:
١ مسلك الوهم والتخييل وهذا عند الفلاسفة،
٢ مسلك التبديل، وهذا عند أهل الكلام.
ومسلك التبديل نوعان:
إما مسلك التأويل أي: التحريف.
أو مسلك التفويض.
فالفلاسفة من بداية الأمر قالوا: هذه الأمور تبقى على أساس أنها وهم وخيال، فالمتفلسف ليس بحاجة إلى أن يبدِّل وليس بحاجة إلى أن يأوِّل، إنما بعبارة واحدة يقول: «هذه الأمور تبقى في حد الوهم وفي حيز الوهم والخيال ولا وجود لها في الحقيقة» (^٢)، فهذا مسلك الوهم والتخييل، وهو مسلك الفلاسفة، لأنهم يقولون: «إن النُبُوَّة أمر مكتسب» (^٣) أي صناعة كأي صناعة، فالإنسان يمهر مثلًا في النجارة، أو يمهر في الحدادة، فكذلك لا مانع أنه يمهر في النبوة، ويكتسب هذه الأمور بعقله وخبرته، فهذا قول الفلاسفة.
أما مسلك التبديل فهذا مسلك أهل الكلام، وهم في ذلك فريقان إما أهل تحريف وتأويل أو مسلك تفويض وتجهيل، والمصنف في هذه الفتوى يركز على عقيدة هؤلاء وعلى قولهم.
والمصنف ﵀ يتكلم هنا عن مسلك التبديل الذي ينقسم إلى قسمين:
_________________
(١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (١٦).
(٢) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٢٣)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (١٢٨).
(٣) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٣٠)، والرد على المنطقيين لابن تيمية صفحة (٢٧٧).
[ ١ / ١٢٨ ]
إما التحريف والتأويل: وهو كما ضربنا له مثالًا بقولهم: «استوى أي: استولى».
أو مسلك التجهيل: وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١).
فهذه حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين، فحقيقة رأيهم يدور بين التأويل وبين التفويض، أي بين التحريف أو التجهيل، فالتفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، وهذا أمرٌ لو طبق في الواقع فلا يمكن أن يطبق، فهل يعقل أنه لا يمكن التفريق بين «استوى» و«نزل»؟ هل نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فلا نفهم المراد من هذه الآية وتقرأ مثلًا قول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) فلا نفهم مراده.
هل يعقل أن يتكلم الله ﷿ أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام لا يعرف ولا يعلم معناه؟ فهل عندما نقرأ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، هل يعني هذا أننا ما تفهم معنى هذا الكلام؟
فما من إنسان يعرف لغة العرب وإلا ويعرف معنى «اليد» وما جاءت به من معاني في لغة العرب وأن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منها، وإن كانت كيفية هذه اليد الله أعلم بها، وكذلك نعلم معنى الوجه، ونعلم معنى العين، ونعلم ونفرق بين هذه الألفاظ؛ لأن كل لفظ له في لغة العرب معنى.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).
(٢) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ١ / ١٢٩ ]
(٢٨) "وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْته صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَمَضْمُونُهُ: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يَهْتَدِي بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الرَّسُولَ مَعْزُولٌ عَنْ التَّعْلِيمِ وَالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِ مَنْ أَرْسَلَهُ"
قول المصنف: "وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْتُه صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ" أي يقولون هذا الكلام صراحة، "وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ"، فمنهج القوم لا يخرج عن هذا المنهج وهذا الطريق، فكلهم سائرون عليه، فما أجازته عقولهم قالوا به، فالعقول أجازت سبع صفات إذًا سبع صفات، ما عداها بين خيارين: إما التحريف الذي يسمونه التأويل، أو التجهيل الذي يسمونه التفويض، ومضمونه أن كتاب الله تعالى لا يبتدأ به في معرفة الله، فمضمون كلامهم نبذ الكتاب والسنة، "وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله"، وإلا لماذا يحيدون عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟ إلا أن هذا هو مضمون كلامهم، وإلا لما فعلوا ما فعلوا من البعد عن الكتاب والسنة، بل ومحاربة من يدعو للكتاب والسنة.
[ ١ / ١٣٠ ]
(٢٩) "وَأَنَّ النَّاسَ عِنْدَ التَّنَازُعِ لَا يَرُدُّونَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ إلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى مِثْلِ مَا يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ كالبراهمة وَالْفَلَاسِفَةِ -وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ-وَالْمَجُوسُ وَبَعْضُ الصَّابِئِينَ. وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ لَا يَزِيدُ الْأَمْرَ إلَّا شِدَّةً وَلَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ فَرِيقٍ طَوَاغِيتُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْهِمْ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ. وَمَا أَشْبَهَ حَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١: ٦٣]. "
لو قلت لواحدٍ منهم: تعال للكتاب والسنة لصدَّ وأعرض، ولو قيل لهم: لماذا لا تتحاكمون في هذه المسائل للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة؟ وكل هذا ثابتٌ مدون، لوجدت منهم صدودًا وإعراضًا ورغبة في التمسك بهذه المناهج العقيمة الفاسدة التي إنما أُخذت - كما سيذكر شيخ الإسلام - من كلام الفلاسفة وأشباههم.
[ ١ / ١٣١ ]
(٣٠) "فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ-أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. "
قول المصنف: "فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ"، أي أن هؤلاء المخالفون إذا عرض عليهم الرجوع إلى الكتاب والسنة وقيل لهم: تعالوا للكتاب والسنة واتركوا ما تسمونه بالمعقولات، وعليكم أن تحاجُّونا بقال الله وقال الرسول، وترجعوا الأمر إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، لن تجد منهم قبولًا ولن تجد منهم إلا الصدود والإعراض.
قال المصنف: "أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ" فتحت دعوى التوفيق بين المعقول والمنقول، حكموا ببطلان المنقول وقدَّسوا المعقول حتى جعلوه في أعلى الدرجات، قطعًا، فجعلوه قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.
فهذا هو ردهم، وأنهم أرادوا الإحسان وأنهم أرادوا التوفيق بين المنقول والمعقول، وبعد ذلك يوردون الشُبَه أو الأعذار من هذا القبيل، فقد يقول قائلهم: الكافر كيف يقبل قال الله وقال الرسول، وكيف تطلبون منا أن نقيم توحيدًا على الكتاب والسنة ونترك ونتجاهل العقل؟ ومن أمثال هذا الكلام.
فيقال لهم: لو سلم لك هذا الكلام جدلًا، فأنت الآن أولًا لماذا لا تخاطب المسلم بقال الله وقال الرسول؟ فأطفال المسلمين وأبناء المسلمين الذين بين أيديكم لماذا لا تنشؤوهم على منهج الكتاب والسنة؟ ثم لكل حادثٍ حديث، إن كان الكلام مع من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فهذا أمر آخر، وإن كان بحمد الله في الكتاب
[ ١ / ١٣٢ ]
والسنة خطابٌ لمن هو كافر ولمن هو مشرك ولمن هو زنديق، كل هؤلاء جاء في القرآن ما تقوم به الحجة عليهم جميعًا.
فالقرآن خطاب للمؤمن ولغير المؤمن، وبيانٌ لحال أهل الإيمان وبيان لحال أهل الكفر جميعًا على تنوع كفرهم، فهذه بعض أعذارهم في مثل ما ذهبوا إليه من منهج وطريقة،
[ ١ / ١٣٣ ]
(٣١) "ثُمَّ عَامَّةُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا دَلَائِلَ: إنَّمَا تَقَلَّدُوا أَكْثَرَهَا عَنْ طَاغُوتٍ مِنْ طَوَاغِيتِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الصَّابِئِينَ أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِمْ الَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ مِثْلُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ؛ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣] "
أي أن عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل، إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل فلان وفلان.
ولذلك لن تجد في كلامهم إلا قال الفضلاء، قال الحكماء، قال العقلاء، من هم الفضلاء ومن هم الحكماء ومن هم العقلاء؟ أمثال أرسطو وأفلاطون وإرسطاليس وفيثاغورس، وغيرهم فهؤلاء عندهم هم الفضلاء والعقلاء والحكماء، فلان وفلان من الفلاسفة الذين جعلوهم هم أهل الحكمة.
«أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ، أي الذين ساروا على نهجهم كالفارابي وابن سينا وغيرهم، هؤلاء يأخذون عنهم مثل هذه القواعد والمسالك الفلسفية.
"قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء: ٦٥]، فإذًا الإيمان بحق أن يكون التحاكم إلى الوحي، وأن يكون هناك تسليم بهذا.
ولذلك ينبغي على الإنسان أن يضع هذه المسألة نصب عينيه، وأن لا تغيب عنه، فإذا رأى هذا الاختلاف القائم، فلا يكن عنده نوع حيرة أو اضطراب أو عدم فهم للمسألة في عمومها فيحتار ويضطرب، فلا مجال للحيرة أو للاضطراب؛ فهو إما أن يسلك هذا المنهج أو يسلك ذاك المنهج، فإما أن يكون في صف الكتاب
[ ١ / ١٣٤ ]
والسنة أو يكون في الصف المقابل، فبالتالي لا مجال إلى أن يحتار أو أن يضطرب في هذا الباب وهو يجد الصراع بين الحق والباطل، صراعًا واضحًا جليًا.
فليس للقوم مستمسك بأية من كلام الله، أو بحديثٍ من كلام النبي ﷺ تشهد بما يزعمون وبما يقولون، ولئن كان البعض يجد البيئة التي يعيش فيها بيئة تعتقد مثل هذا وتسير على هذا، ولئن كان البعض قد تربَّى على أفراد أو على مشايخ أو على أساتذة درسوا مثل هذا، فلا تحمله العصبية ولا تحمله كثرة الباطل أو كثرة الشر على أن تنتصر للباطل، لأنه بهذا يجابه ويعاند ويُشاقّ حكم الله تعالى، فمن كان من أهل الإيمان فالله ﷾ جعل للإيمان علامة وهي أن ترجع في حال الاختلاف إلى ميزان القسط العدل وهو الكتاب والسنة، فتزن الأمور بهذا ولا تزنها بالهوى ولا بالعصبية. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، أي لا ينبغي أن يكون في صدره ضيق أو حرج من هذا الأمر الذي جاءت به النصوص، وإنما يجب عليه أن يرجع ويعود ويسلِّم ويستسلم للحق إن كان من أهل الإيمان، فتلك علامة الإيمان في قلب العبد المؤمن، وإلا فإن في إيمانه خلل أو فيه ما فيه من الزيغ والفساد.
[ ١ / ١٣٥ ]
(٣٢) "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَلَا نُورًا وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ التَّنَازُعِ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفُونَ: إنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ: لَمْ يَدُلْ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا. "
عاد المصنف إلى قولهم، فقال: "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ"، ألم يقل ﷾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]؟ ألم يقل ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: ٩]؟ فبالتالي لماذا ينظر في هذه المسائل؟
فلا زال المُصَنِّف يؤكد على هذه القضية، ولا ينبغي أن يسأم الإنسان من سماعها أو تكرارها؛ لأنها هي منشأ الخلاف، وإن كُرِّرت أو تردَّدت على أسماعه كثيرًا، ولا ينبغي أن تغيب لحظة عنه عند دراسة هذه المسائل.
لأنه أحيانًا قد تأتي شُبَهٌ يلقيها هؤلاء، فهذه الشُبَهُ كما قيل، «الشبهة» في أصلها هي اشتباه الحق بالباطل، فالإنسان عند شبهة معينة قد يقع لديه اضطراب وعدم وضوح وعدم معرفة للرد على هذه الشبهة، فلابد هنا أن يلجأ إلى الأصل وهو أن يعود إلى أن الخلاف إنما هو في أصل هذا الدين وليس في مسألة فرعية، وهو في أصلٍ كبير ألا وهو تقديم الكتاب والسنة أو تقديم العقل؟
فقد يلقون من الشُبه ما يلقون، فمثلًا يقول بعضهم: «إن لو أثبتنا الاستواء للزم من ذلك من التحيز» (^١)، ولزم أن الله سبحانه محصور في مكان أو غير ذلك من هذه العبارات، فهذه شبه قد لا يعرف البعض جوابها، فلا يعني هذا أنك تسقط من أول وهلة أو تضطرب قدماك في هذه الأمور وتبدأ تشك في الحق.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (٢٨٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
فدائمًا أهل الباطل يسلطون شبههم، حتى الملاحدة لهم شبه، وحتى أهل الشرك لهم شبه، كل فريق له شبهه.
فلابد هنا من تمسكٍ بالأصل، ولا بأس بعد ذلك أن يعرف الإنسان جواب بعض الشبه، وكيفية الرد عليها، لكن عليه أن لا يغيب عن ذهنه أن للمسألة أصلًا وهو إما منهج الحق وإما منهج الباطل.
بعد ذلك تشويه الحقائق وقلب الحقائق، هذا أمرٌ هو من عادة أهل الباطل، فمن عادتهم كما ذكر الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، فلابد من محاولة لطمس الحق، يسعون في هذا جاهدين، لكن ينبغي أن يكون للحق رجال، ينافحون عنه ويذودون عنه ويردُّون على أهل الباطل باطلهم.
وهذا ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكَّكت فيه من متشابه القرآن، فأورد شبههم وردَّ عليها، وذكر في مقدمته أنه لابد أن يكون لأهل الحق من يذوذون عنه، وينفون عنه تحريف المبطلين.
[ ١ / ١٣٧ ]
(٣٣) "لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. "
أي وإنما غاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
دائمًا تجد مثل هذه الآيات يوردها هؤلاء من باب التلبيس على الناس، يُلبِّسون على الناس، في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، و﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
فإذا جاءوا إلى إنكار صفة قالوا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن إثبات «الاستواء» يلزم منه التشبيه، وبالتالي الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يثبت له الاستواء، فيأتي بهذه الكلمة وهي كلمة حق أريد بها باطل، كم من كلمة حقٍ أريد بها باطل؟
وهنا تسأل: لماذا لا يقول هذا عند إثباته للسمع أو للبصر، فلماذا لا يقول: ليس كمثله شيءٍ فإذًا لا يثبت له سمعًا؛ لأن للمخلوق سمعًا، أو لأن للمخلوق بصرًا، أو لأن للمخلوق كلامًا، ونحو هذا.
فإذًا مثل هذه - كما يقول شيخ الإسلام - "غَايَةُ الْمُتَحَذْلِقِ أَنْ يَسْتَنْتِجَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ "، وهؤلاء يوردون هذا الكلام ليس اعتمادًا؛ لأنهم دائمًا يتحرزون من اعتماد النص أصلًا في هذا الباب؛ لأنهم لا يقبلون في هذين البابين - كما ذكرنا - قال الله تعالى وقال الرسول ﵌، ولكن من باب إيراد الشُبَه التي يدخلونها على الناس.
[ ١ / ١٣٨ ]
(٣٤) "وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَهُوَ إمَّا مُلْغِزٌ وَإِمَّا مُدَلِّسٌ لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِلِسَانِ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. "
قول المصنف: «وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ»، والمقصود ب «النَّجْعَةَ» يعني المكان الذي يطلب فيه الكلأ، فيقال: «فلان أبعد النَّجْعَةَ»، أي أبعد المكان الذي يطلب فيه الكلأ والعشب.
فمن يستدل بهذه النصوص على نفي الاستواء، كيف يكون هذا دليلًا له؟ كأن يأتي بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فيستدل به على نفي الاستواء؟، ويا ترى لماذا لا يستدل به على نفي السمع والبصر، أو العلم أو الحياة؟، وهو إما مُلْغِز من باب اللغز والإلغاز (ألغز الشَّخصُ في الكلام: أخفى مراده منه، جعل ظاهره خلاف باطنه، لم يُبَيِّنْ مرادَه، لم يُظْهر معناه) أو مدلِّس ولم يخاطبهم بلسان عربي ماذا؟ مبين، فلا يمكن أن يستدل بمثل هذه النصوص على نفي هذه الصفات، فليس فيها دليل على مثل هذا.
[ ١ / ١٣٩ ]
(٣٥) "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا رِسَالَةٍ: خَيْرًا لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ. لِأَنَّ مَرَدَّهُمْ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ؛ وَإِنَّمَا الرِّسَالَةُ زَادَتْهُمْ عَمًى وَضَلَالَةً. "
أي أن لازم مقالة التعطيل ومقالة أهل الكلام، أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد وهو العقل، مادام وجود الوحي وعدمه سواء عندهم، فإذًا لا قيمة ولا وزن للرسالة، مادام الأمر لا يمكن اعتماد النص فيه، فإذًا ما الداعي إلى النبوة والوحي والرسالة؟
فهل القرآن نزل فقط لتزيين الأصوات في المسابقات، والقراءة على الأموات كما يفعل بعض هؤلاء؟ أو أنه نزل ليحكم بين الناس، وليعلِّم الناس ويهديهم ويبين لهم ويشفي صدورهم، فإذًا هذا من لازم هذه المقالة.
والسؤال الذي يطرح نقسه لهؤلاء؛ أن يقال لهم: إذا كنتم ترون أن الأصل في هذا الباب هو المعقول، إذًا ما الداعي وما الحاجة إلى الرسالة والنُبُوَّة مع أن هذه الرسالة والنُبُوَّة جاءت بضد ما تقولون؟ فيبقى أن عدمها خيرٌ من وجودها، وهذا أمر لو اعتقده إنسان لكفر.
[ ١ / ١٤٠ ]
(٣٦) "يَا سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوْ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوِ انْفُوهُ؟ "
مراد المصنف أنه يقال للمخالفين: هل بالله ورد عن الرسول ﷺ شيءٌ من قولكم هذا؟ كقولكم: استوى: بمعنى استولى، أو اليد: بمعنى النعمة والقدرة، أو هل حرَّف أو فوَّض أحدٌ من سلف هذه الأمة.
فإذًا «لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنِ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوِ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا، فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوْ انْفُوهُ؟» ما ورد هذا عن النبي ﷺ ولم يقله، وهذا يؤكد فساد دعواهم وفساد زعمهم.
[ ١ / ١٤١ ]
(٣٧) "ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ» (^١). وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢). "
أي أن الرسول ﷺ أخبر كما ورد في الأحاديث الثابتة عنه بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وأرشدهم كما ثبت في النص إلى التمسك بالكتاب والسنة، ولم يحلهم إلى عقولهم، وإنما أحالهم إلى كتاب الله تعالى وسنته.
وروي عنه ﷺ أنه قال في وصف الفرقة الناجية: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٣)، فانظروا على ماذا كان النبي ﷺ؟ وعلى ماذا كان أصحاب النبي ﷺ؟ وذلك كما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٤).
_________________
(١) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ برقم (١١٥٦١)، قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء الرابع صفحة (٣٥٧): إسناده حسن في الشواهد.
(٢) انظر سنن الترمذي برقم (٢٦٤١) وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء السادس، صفحة (١٤١): حسن.
(٣) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٤).
(٤) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).
[ ١ / ١٤٢ ]
(٣٨) "فَهَلَّا قَالَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ أَوْ بِمَفْهُومِ الْقُرْآنِ أَوْ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ: فَهُوَ ضَالٌّ؟ وَإِنَّمَا الْهُدَى رُجُوعُكُمْ إلَى مَقَايِيسِ عُقُولِكُمْ وَمَا يُحْدِثُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْكُمْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ -فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ. "
تعد مقالة التعطيل من أكثر المقالات خطورة نظرًا لأبعادها الخطيرة التي تشكلها على الإسلام وأهله:
فالبعد الأول: الذي يدلل على خطورة هذه المقالة كونها تمس أعظم جوانب هذا الدين وأكبر مسائله ألا وهو الإيمان بالله ﷿ الذي هو أول أركان الإيمان وأعظم مبانيه.
فأصحاب هذه المقالة الأوائل سعوا في صد الناس عن هذا الدين من طريق الوقوف على بابه الذي يدخل منه، ذلك لأن من عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل. فأرادوا بتعطيلهم لأسماء الله وصفاته قطع الطريق من أوله.
فبدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية فقد روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان بن طرخان التيمي (^١) قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿ (^٢)
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له «شمعلة» على المهدي فقال: دلني على
_________________
(١) شيخ الاسلام أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسي البصري مولاهم، لم يكن تيميا بل نزل فيهم، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣ هـ (التقريب ١/ ٣٢٦).
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٤، ١٠٥ رقم (٨).
[ ١ / ١٤٣ ]
أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية، الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه. (^١)
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) (^٢) وقد مضى عصر الصحابة (^٣) وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة. إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم) (^٤)
وأما البعد الثاني: في خطورة هذه المقالة فهو كونها أول مقالة تعارض الوحي بالعقل، فلم تكن المقالات السابقة لهذه المقالة تطعن في الدين من هذا الجانب، فالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة عند ظهورهم لم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، فكانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص، فأصحاب مقالة التعطيل هم الذين فتحوا هذا الباب العظيم من أبواب الشر إذ طعنوا في نصوص الوحي وقدموا شبههم العقلية عليها. (^٥)
وأما البعد الثالث: لهذه المقالة فهو ما أفرزته هذه المقالة من الفرق والآراء المنحرفة، فقد تولد عن هذه المقالة أنماط مختلفة وطروحات غريبة عن جوهر الإسلام وصفائه.
وضربت هذه المقالة أطنابها في الفكر الإسلامي، ولا يتصور مدى الضرر الذي الحقته بحياة المسلمين وعقيدتهم.
_________________
(١) كتاب خلق أفعال العباد ص ١١، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/ ٤٨.
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٩ رقم (١٧).
(٣) كان آخر الصحابة موتًا الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁، وصحح الذهبي أنه مات سنة عشر ومائة. انظر تدريب الراوي ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٤) -الفتوى الحموية ص ٤٧.
(٥) -انظر درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
فالتيار الفلسفي والكلامي بتفرعاته ومدارسه وطوائفه إنما هو نتاج هذه المقالة الخبيثة التي تولى كبر إظهارها شيخ المعطلة النفاة الجعد بن درهم، وتبعه في ذلك تلميذه الجهم بن صفوان ثم توالت طوائف الباطل تذكى نار هذه المقالة وتنفث من خلالها سمومها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه. "
هذا يبين ويؤكد فساد الأصول التي بنى عليها المعطلة اعتقادهم في هذا الباب وفي غيره. فكل هذا تأكيد لما ذكرناه أولًا من أن الصراع قائم بين منهجين؛ منهج يعتمد الوحيَ ومنهج يعتمد العقل على حد زعمهم، وإن كان الأمر كما يقول شيخ الإسلام في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» أنه ليس هناك تعارض بين العقل والنقل، وبالله كيف للعقل أن يتدخل في أمرٍ هو غيب؟
فلو قيل لأحد من وراء هذا الجدار؟ أو ماذا يحدث خلف هذا الجدار؟ ما استطاع أن يجيب، لأنه شيءٌ غيبه الله ﷿ عنه، والله يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فنفى الإحاطة - إحاطة علم الإنسان بالله تعالى، وقال عن محدودية علم الإنسان: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال هذا في مقامٍ هو عند ذكر الروح، فليس إلى ذلك من سبيل.
فأنى للإنسان أن يخوض في هذه المسائل بعقله فيحدد ما يستحقه الله وما لا يستحقه الله تعالى، ويحاد ويعارض الوحيَ الذي أخبر فيه الله تعالى عن أسمائه وصفاته وأفعاله، فيقول: «استوى» وأنت تقول: لا؟ ويقول «نزل» وتقول أنت: لا؟ فكيف لعاقل أن يقبل مثل هذا الرد ومثل هذا الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟
وهذا حقيقة الصراع، وبعد هذا يبدأ من هنا يتربى الإنسان وينشأ، فإما أن يربي ويُنشأ على هذه المناهج وعلى قواعدها وعلى منطقها، وبالتالي هنا هؤلاء يجعلون دراسة المنطق أمرًا لابد منه وأمرًا حتميًا لمن يدرس باب الاعتقاد، وإما أن تجعل الأصل هو الكتاب والسنة وتُنَشَّأ وتُربى على مثل هذا، فأنت بين هذين الطريقين.
والسؤال الذي يوجه لكل من سيتولى تعليم جيل من الأمة، على أي المذهبين تسلك؟ وعلى أي الطريقين تسير؟ هل يا ترى ستجعلهم على منهج الوحي يتربون وينشؤون ويتعلمون ويدينون لله تعالى بما أخبر وبما أمر ﷾؟ أم أنك ستحيد عن هذا وتختار تلك المناهج الباطلة الفاسدة وتربيهم على مثل ذلك؟ وبالتالي النتيجة
[ ١ / ١٤٥ ]
الحتمية لهذا: الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ والإعراض عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
وبالتالي لاشك أن الله تعالى سيسألك عما عملت، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وقال ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا» أي من أحيا سُنَّة حسنة فله أجرها «وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً» أي من أحيا سُنَّة سيئة من مثل هذه السنن سنن الضلال فلاشك أن «كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيء» (^١).
فإما أن تُحْيِيَ السُنَّة وتحارب البدعة وإما أن تكون على النقيض من ذلك، ولا يُوهِنُ من عزمك إذا عرفت الحق! كثرة الباطل أو صولة الباطل، فكن مع الحق ولا تبالي، فهنا شيخ الإسلام أسس وعقد مثل هذه المقدمة ليقرر في النفوس أن الصراع ليس فقط في فهم بعض النصوص كما قد يتخيل البعض، وإنما الصراع بين منهج يرفض النصوص رفضًا تامًا ويشكك فيها وبين منهج يعتمد النصوص.
وذكرنا سابقًا أن أهل البدع نوعان: بدعٌ قد يكون لبعض أهلها متمسك في الكتاب والسنة، بمعنى أن لهم أدلة وإن كان ما يستدلون به يعني لا يشهد بما يقولون من وجه آخر، فمثلًا لو جئت إلى أهل الوعيد وهم الخوارج مثلًا تجد أن لهم متمسكًا في النصوص، فيستدلون بأحاديث ونصوص الوعيد، وإن كانوا قد يتجاهلون نصوص الوعد، وقد تجد كذلك للمرجئة متمسك في النصوص؛ لأنهم أخذوا بنصوص الوعد وإن كانوا قد تركوا نصوص الوعيد.
فتجد أن الخلاف في هذه المسائل قد يكون مبني على أدلة في النصوص، لكن الخلاف في مسائل الأسماء والصفات من نوع البدع التي ليس لأهلها متمسك في النصوص، بل إنهم هم بأنفسهم لا يعتمدون النص أصلًا في عقيدتهم.
فإذًا هذا لا يغيب عن ذهنك، وافهمه في صراع المناهج وفي اختلاف الأمة؛ هذا الصراع القائم والحاصل قديمًا وحديثًا مرجعه إلى هذا الأمر، والله تعالى من
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَاب الزَّكَاةِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ، برقم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣)، والنسائي (٢٥٥٤)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩١٥٦)، والدارمي (٥٢٩).
[ ١ / ١٤٦ ]
حين إنزال آدم بين له هذا، فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
هذا حقيقة صراع المناهج، حقيقته إما فريقٌ يعتمد الوحيَ أصلًا ودينًا له، أو فريق يحيد عن الوحي أصلًا ودينًا، ولا تكون في حيرة واضطراب في أمرك، وصدق النبي ﷺ لما بيَّن فقال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي؛ كِتَابَ الله، ﷿» (^١)، وقال في وصف الفرقة الناجية: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).
(٢) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).
[ ١ / ١٤٧ ]
(٣٩) "ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ - إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ - أَعْنِي أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَنَحْوَ ذَلِكَ - هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ؛ وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الْجَهْمِيَّة إلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ بْنِ أُخْتِ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ: الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.
(٤٠) وَكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ- مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ - ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. "
المُصَنِّف ﵀ أراد أن يتحدث عن عدد من المسائل هي:
المسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة.
المسألة الثانية: أول من قال بها.
المسألة الثالثة: وأول من أظهرها.
المسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها.
المسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة.
المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.
وإليك تفصيل ذلك:
المسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة.
الحديث عن هذه المسألة يمكن ترتيبه من حيث:
[ ١ / ١٤٨ ]
١ الجانب التاريخي.
٢ الجانب المقالي.
أما الجانب الأول: الجانب التاريخي.
فأولُ ظهورٍ لهذه المقالة - كما قال المصنف: "وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ"، ففي عهد هشام بن عبد الملك أظهر الجعد بن دِرْهَم مقالةَ نفي الصفات وأظهر القولَ بنفي الصفات، فهو أول من عُرِفَ عنه القول بنفي الصفات وإِظهارِ هذه المقالة.
وقال ابن تيمية: "ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة «الجهمية» في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. " (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر «الجعد بن درهم» وصاحبه «الجهم بن صفوان» ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) (^٢).
والجدير ذكره أن الأوائل من خلفاء بني أمية كانوا شديدين على المبتدعة لا يترددون في قمعهم فمن مواقفهم في ذلك:
١ - موقف عبد الملك بن مروان مع معبد الجهني الذي كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، فصلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ثم قتله. (^٣)
٢ - موقف عمر بن عبد العزيز الذي كان مقيمًا للسنة حربًا على البدع وأهلها ومواقفه في ذلك مشهورة مشكورة، ومن ذلك إحضاره لغيلان بن مسلم الدمشقي الذي تنسب إليه فرقة "الغيلانية" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان. فأحضره عمر بن عبد العزيز فاستتابه فتاب، فتركه. (^٤)
_________________
(١) -منهاج السنة ١/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/ ١٨٣، الاعلام ٧/ ٢٦٣.
(٤) الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٦٣، الأعلام ٥/ ١٢٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٣، وانظر خبر ذلك في كتاب الشريعة للآجري ص ٢٢٨ - ٢٢٩، والتنبيه والرد للملطي ص ١٧٨، السنة لعبد الله بن احمد ٢/ ٤٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٧٨٨، الإبانة لابن بطة، كتاب القدر الثاني ص ٢٣١، الفتاوى ٧/ ١٤. "
[ ١ / ١٤٩ ]
٣ - موقف هشام بن عبد الملك وقد تقدم خبره مع غيلان والجعد والجهم.
وكل من يتأمل في التاريخ يجد أن لبني أمية الأوائل أياد بيضاء في هذا الجانب، وإن كان لبعضهم هنات وزلات في جوانب أخرى، والتاريخ يشهد لهم أن راية السنة وعلماء السنة هم السادة في ذلك العصر، ولكل زمان دولة ورجال.
أما أواخر خلفاء بني أمية فقد كان بعضهم مواليًا لأهل البدع بل يقول بقولهم ومن أولئك:
١ - يزيد بن الوليد -يزيد الثاني-والذي يلقب بيزيد الناقص وقد تولى الخلافة سنة ١٢٦ هـ وكان قدريًا حتى أنه ولى على العراق منصور بن جمهور وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية (^١)
قال ابن الأثير: (ولم يكن منصور من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية.) (^٢)
وقال الشافعي: (لما ولى يزيد بن الوليد، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان) (^٣) لكن خلافة يزيد لم تزد على ستة أشهر.
٢ - مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار، وكان آخر خلفاء بني أمية وتولى الخلافة من سنة ١٢٧ هـ إلى ١٣٢ هـ وقد تقدم أنه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. وكان يسمى بمروان الجعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها) (^٤)
وقال أيضًا: (وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم.) (^٥)
(ولذلك كان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة). (^٦)
_________________
(١) البداية ١٠/ ١٤، شذرات الذهب ١/ ١٦٧، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٠٩، ١١٢.
(٢) الكامل ٥/ ٢٩٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ١١٧٨.
[ ١ / ١٥٠ ]
وهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مؤيد لأهل البدع ومدافع عن السنة. فمثلًا: هارون الرشيد ومن قبله، كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي إلى أن جاء المأمون؛ فالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم، إلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، والتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.
وأما الجانب المقالي:
يقول ابن القيم عن تاريخ التسلسل المقالي لهذه المقالة مع ما سبقها من مقالات: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة" (^١)
فهذه المقالة سبقها مقالات، مثل: مقالة الخوارج ومقالة التشيع وكذلك مقالة
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٦٩، ١٠٧١.
[ ١ / ١٥١ ]
مرتكب الكبيرة وكذلك مقالة القَدَر، فهذه المقالات أسبق ظهورًا من مقالةِ نفي الصفات، ومقالة نفي الصفات إِنَّما جاءت بعد هذه. (^١)
مقالة الخوارج
تأخر زمن ظهور مقالة التعطيل مقارنة بغيرها من المقالات المتقدمة، فلم يكن لمقالة التعطيل وجود في عصر الصحابة وكبار التابعين، وإنما تأخر ظهورها إلى أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. فمقالة تعطيل الصفات ليست بأول المقالات ظهورًا في المجتمع المسلم، فقد سبقها عدة مقالات لعل أولها مقالتا الخوارج والشيعة الذين ظهروا في آخر خلافة علي ﵁. (^٢)
ولقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. (^٣) إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥ هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧ هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له: "حروراء" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: "تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". (^٤)
_________________
(١) الناس في ترتيب أهل الأهواء على «أقسام»:
(٢) منهم من يرتبهم على زمن حدوثهم، فيبدأ بالخوارج.
(٣) ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغِلَظِهِ فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد ﵀، كعبد الله ابنه ونحوه، وكالخلال، وأبي عبد الله بن بطة، وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسي، وكلا الطائفتين تختم بالجهمية؛ لأنهم أغلظ البدع، وكالبخاري في صحيحه فإنه بدأ ب «كتاب الإيمان والرد على المرجئة» وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات، فيكون الكلام أولًا مع الجهمية) انظر مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٩، ٥٠.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤، مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.
(٥) منهاج السنة ١/ ٣٠٦.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١١٣ ط ١، دار المعرفة
[ ١ / ١٥٢ ]
وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
"الأولى": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
"الثانية": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك. (^١)
وبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم. (^٢) وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.
مقالة الشيعة
وحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.
الطائفة الأولى:
"الغلاة" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا/ أججت ناري ودعوت قنبرًا
والطائفة الثانية:
"السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).
والطائفة الثالثة:
"المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١، ٣٢.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.
وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)
قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.
قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو "كانوا طيرًا لكانوا رخمًا". (^٢)
فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.
ولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم. (^٣)
ومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٤) والمجوس (^٥) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧
(٢) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.
(٣) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤، ٣٠٥ «بتصرف»
(٤) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.
(٥) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.
[ ١ / ١٥٤ ]
الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و"الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^١)
ومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.
وقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.
ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٢)
فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة، (^٣) بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة. (^٤)
مقالة القدرية
ثم حدثت بعد ذلك بدعة "القدرية" في آخر عصر الصحابة (^٥) وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤ - ٧٣ هـ) بعد موت معاوية. (^٦)
ولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع. (^٧) ﵃.
وابن عباس مات (٦٨ هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤ هـ).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
(٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٤) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٣
(٥) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٦) الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٧) منهاج السنة ص ١٠٣.
[ ١ / ١٥٥ ]
وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. (^١)
وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^٢)
قال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له "معبد بن خالد، ويقال معبد ابن عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب. (^٣) مات قبل التسعين (^٤) قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين. (^٥)
وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني (^٦)
قال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة (^٧) زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦ هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله (^٨) فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر. (^٩)
(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي
_________________
(١) الحسنة السيئة ص ١٠٣.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.
(٣) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٦) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٧) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٨) الشريعة للآجري ص ٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨.
(٩) ذم الكلام ص ٣٠٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) (^١).
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^٢)
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:
١ - "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
٢ - "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^٣)
مقالة المعتزلة
ثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^٤)
وكانت "الخوارج" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: "إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^٥) وخاض في ذلك المعتزلة
_________________
(١) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٢) ذم الكلام ص ٣٠٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.
(٤) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.
[ ١ / ١٥٧ ]
بعد موت الحسن البصري (١١٠ هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^١)
فقال عمرو عبيد (١٤٣ هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٢) والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. (^٣)
مقالة المرجئة
وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان. (^٤)
وأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣ هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة).
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف "ذر" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)
وقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء. (^٥)
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) هو أول من قال بالإرجاء) (^٦)
وكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه
_________________
(١) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.
(٣) شرح الأصفهانية ص ٦٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.
(٥) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٢٩ رقم ٦٧٧).
(٦) تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، (^١) إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي. (^٢)
وصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.
وقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:
١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.
٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.
القسم الثاني: الذين قالوا: "هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به".
وهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.
القسم الثالث: الذين يقولون: "الإيمان هو القول فقط".
فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.
وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧، ٣١١) (٥/ ٥٠٧).
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨.
[ ١ / ١٥٩ ]
كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١)
المسألة الثانية: أول من قال بها
ذكر المصنف رحمه الله تعالى: أن الجعد هو أول من قال هذه المقالة، فكما قال المصنف: "فإن أول من حُفِظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله ﷾ ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك، هو الجعد بن درهم" فالجعد بن درهم هو أول تلقف مقالة نفي الصفات وقال بها، وتلقف كذلك مقالة نفي القدر من غيلان، وقد كان لدى الجعد بدعتان يدعو إليهما: بدعة نفي القدر، وبدعة نفي الصفات، فما كان من هشام بن عبد الملك إلا أن أمر بقتله.
فالجعد بن درهم هو أول من عرف عنه أنه أظهر في الإسلام مقالة التعطيل. (^٢)
قال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري -وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم-: (ليس الجعد من أمة محمد ﷺ. (^٣)
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة.
فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضَحِيَّةً، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨ - ٥٥، ٥٦.
(٢) -منهاج السنة ١/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.
(٣) -ذم الكلام ص ٣٠٤.
[ ١ / ١٦٠ ]
عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا) (^١).
والحديث عن الجعد بن درهم يمكن إجماله في الأمور الآتية:
• اسمه ونسبه:
لم تذكر المصادر والمراجع التي وقفت عليها إلا اسمه واسم أبيه فقط فهو "الجعد بن درهم"
وأشارت المصادر إلى أنه من الموالي (^٢) وليس من العرب ولعل في كونه من الموالي ما يبرر اقتصار نسبه على اسمه واسم أبيه، فالعجم في الغالب لم تكن لهم عناية بحفظ أنسابهم بخلاف ما كان عليه الحال عند العرب.
وقد اختلف في ولائه لأي قبائل العرب:
فقال السمعاني (^٣) والزبيدي (^٤) وابن الأثير (^٥): "الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة"
وقال ابن كثير "ويقال إنه من موالي بني مروان" (^٦) وكذا قال الثعالبي (^٧)
نسبه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أحد خلفاء بني أمية. وقال ابن نباتة: "هو مولى بني الحكم" نسبة إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي.
وهذه الأقوال متضاربة فالسمعاني والزبيدي وابن الأثير جزموا بولائه لسويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي. والجعفي: بطن من سعد العشيرة، من القحطانية وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن كثير ولم يجزم به والثعالبي حيث قالا: "ويقال إنه من بني مروان" وكذا قول ابن نباتة إنه مولى بني الحكم.
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧٢
(٢) الموالي: هم المنسوبون إلى القبائل مطلقًا، وهم ثلاثة أقسام:
(٣) ولاء عتق: وهو الغالب بحيث ينسب إلى من أعتقه.
(٤) ولاء إسلام: وذلك بأن يسلم الأعجمي على يد عربي.
(٥) ولاء الحلف: وذلك بأن يكون الشخص حليفًا لقبيلة فينسب إليها. انظر المنهل الراوي من تقريب النواوي ص ١٩٩ - ٢٠٠.
(٦) الأنساب ٣/ ٢٦٥.
(٧) تاج العروس ٢/ ٣٢١.
(٨) اللباب ١/ ٢٣٠.
(٩) البداية ٩/ ٣٥٠.
(١٠) لطائف المعارف ص ٤٣.
[ ١ / ١٦١ ]
ولعل الصواب الذي يترجح عندي ما ذكره السمعاني والزبيدي وابن الأثير، فهم أدرى بهذا الجانب وعنايتهم به أكبر وقد جزموا بنسبته إلى سويد بن غفلة.
ويساورني الشك أن هناك تصحيفًا في كلام ابن كثير في البداية، عند قوله: (بني مروان) فلعل الصواب (بني مران) بدون واو، ولو كان الأمر كذلك فإن الأقوال تجتمع (فبنوا مران) بطن من جعفي، من سعد العشيرة والله أعلم بالصواب. " (^١)
• أصول الجعد
هناك معلومة ذكرها ابن نباتة إن صحت فإن فيها إشارة إلى أصول الجعد العرقية التي يرجع إليها.
قال ابن نباتة: "ويروى أن أم مروان كانت أمة، وكان الجعد أخاها" (^٢) فهذه المعلومة إن ثبتت فإنها تفيد أن الجعد يرجع في نسبه إلى أصول كردية. لأن أم مروان بن محمد كانت أم ولد كردية كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين.
قال الطبري وابن الأثير في ترجمة مروان بن محمد: "وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم ابن الأشتر أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان" (^٣) (^٤)
وقال ابن كثير: (وأمه أمة كردية يقال لها لبابة، وكانت لإبراهيم ابن الأشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله، فاستولدها مروان هذا، ويقال إنها كانت لمصعب بن الزبير) (^٥)
وقال البلاذري: (وأمه كردية أخذها أبوه من عسكر ابن الأشتر، فيقال إنه أخذها وبها حَبَل فولدت مروان على فراشه) (^٦)
وقال القلقشندي: (وأمه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر وكانت كردية) (^٧)
ولكن ابن كثير يرى أن الجعد بن درهم يرجع إلى أصول فارسية حيث قال: "وأصله من خراسان" (^٨) دون أن يذكر اسم المدينة التي ينتسب إليها.
_________________
(١) انظر كتاب مقالة التعطيل والجعد بن درهم ص ١٣٦
(٢) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص ١٩٣
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٤٤٢٤٤٣
(٤) الكامل ٥/ ٤٢٨
(٥) البداية ١٠/ ٤٦ وانظر مروج الذهب ٣/ ٢٤٧
(٦) أنساب الأشراف ٥/ ١٨٦
(٧) مآثر الإنافة في معالم الخلافة ١/ ١٦٢ ط الكويت
(٨) البداية ٩/ ٣٥٠
[ ١ / ١٦٢ ]
ويدعم هذا الرأي حادثة وقعت للجعد انتصر فيها لفارسيته.
قال ابن الأثير: "وقيل إن الجعد كان زنديقًا وعظه ميمون بن مهران (١١٧ هـ). فقال: "لشاة قباذ" أحب إلى مما تدين له" (^١) فكلمة "شاة قباذ" (^٢) كلمة فارسية ف"شاة": معناها "ملك" و"قُباذ": ملك من ملوك الفرس وهو قباذ بن فيروز والد كسرى أنوشروان. "
وعلى كل حال فإن الرجل ثبتت أعجميته، وعلى القول بأن أصول الجعد فارسية، فإن ذلك يدعم مقولة ابن حزم التي يقول فيها: (الأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم؛ فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله ﷾ الحق فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام …) (^٣) وبلا شك أن الإسلام وأهله كانوا في تلك العصور في عزة ومنعة وتمكين، ولم يكن يجترئ كافر ولا منافق متعوذ بالإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق أن يظهر ما في نفسه من الكفر وإنكار النبوة، فرقًا من السيف، وتخوفًا من الافتضاح. بل كانوا يتقلبون مع المسلمين بغم ويعيشون فيهم على رغم. (^٤)
• مولده:
لم تسعفنا كتب التاريخ والتراجم والمقالات بشيء عن تاريخ ولادته، وليس ذلك بمستغرب، فالرجل ضال مبتدع، ولولا ما ابتدعه ما اشتهر وما عرف، إضافة إلى أن العناية بهذا الجانب تعد ضعيفة إلى حد كبير في تراجم السابقين، والجعد لم يعط عناية بتاريخ قتله فضلًا عن أن يعطى عناية بتاريخ مولده.
_________________
(١) الكامل ٥/ ٤٢٩
(٢) "قال الجواليقي في المُعْرَب (٢٦٥): و"قباذ" ملك من ملوك الفرس، أعجمي، وقد تكلمت به العرب قديمًا. قال عدي بن زيد يذكر من هلك سَلَبْنَ قُبَاذ رَبَّ فارِسَ مُلْكَهُ وحَشَّتْ بِكَفَّيْهَا بَوَارِقُ آمِدِ"
(٣) الفصل ٢/ ١١٥ - ١١٦
(٤) الرد على الجهمية للدارمي ص ٦ - ٧ بتصرف
[ ١ / ١٦٣ ]
• موطنه:
إن مما لا شك فيه أن للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثرها البالغ في حياته سلبًا وإيجابًا، فالإنسان مدني بطبعه يتأثر بمن حوله، ويؤثر على من حوله، فإذا وجد الإنسان البيئة الصحيحة السليمة ساعد ذلك في تنشئته التنشئة السليمة، وإعداده الإعداد الجيد، وبنائه البناء السليم.
وإذا كان الأمر على العكس من ذلك، بحيث ينشأ المرء في بيئة منحرفة متلوثة بالأفكار الفاسدة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الشخص الذي ينشأ في هذه البيئة، فقد يتشرب تلك الأفكار ويعتقدها ويكون من حملة لوائها.
والجعد بن درهم من هذا الصنف الثاني، فبيئته التي نشأ فيها ساعدت على حمله لأفكار الضلال وتشربه لها. وسأحرر لك القول في موطنه وبلدته التي نشأ فيها ومن ثم أوضح لك مدى تأثير بيئة الجعد على ما حمله من أفكار. فأقول وبالله التوفيق:
أما من حيث المنطقة فهو ينسب إلى الجزيرة الفراتية وفي ذلك يقول الهروي: (فأما الجعد فكان جزري الأصل) (^١) وهذه النسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين دجلة والفرات وإنما قيل لها جزيرة لهذا وفيها عدة بلاد منها الموصل، وحران، والرقة، وغيرها. (^٢)
أما عن موطنه وبلده:
فالجعد بن درهم فيما قيل من أهل "حران" (^٣) كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران) (^٤)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران) (^٥)
_________________
(١) ذم الكلام للهروي ١/ ق ١٤٣ النسخة الظاهرية حيث ٣٣٧
(٢) الأنساب ٣/ ٢٤٨
(٣) "حَرّان": بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة بين الشام والعراق، وهي مدينة قديمة "بين الرها والرقة، وقيل إن هاران عم ابراهيم الخليل ﵇ عمرها، فسميت باسمه وقيل "هاران" ثم إنها عربت فقيل "حران" (معجم البلدان ٢/ ٢٣٥، معجم ما استعجم ١/ ٤٣٥، الأنساب ٤/ ٩٦. "
(٤) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣
(٥) منهاج السنة ٢/ ١٩٢
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران) (^١)
وقال الذهبي: (وأصله من حران) (^٢)
وحران مدينة تقع بالجزيرة الفراتية من أرض العراق ولا يتعارض هذا القول مع ما ذكره ابن كثير في تاريخه حيث قال: (قال غير واحد من الأئمة كان الجعد بن درهم من أهل الشام) (^٣)
فالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلمًا ومؤدبًا لمروان بن محمد لما كان واليًا على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك (^٤) ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها (^٥) ثم هرب من دمشق إلى الكوفة (^٦) كما سنفصله عن قريب.
وإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فإن حران كانت دار الصابئة المشركين (^٧)، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل (^٨) وكان بها هيكل "العلة الأولى" هيكل "العقل الأول" هيكل "النفس الكلية" هيكل "زحل" هيكل "المشترى" هيكل "المريخ" هيكل "الشمس" وكذلك "الزهرة" و"عطارد" و"القمر".
وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة. (^٩)
فيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما. (^١٠)
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠
(٢) تاريخ الإسلام وفيات (١٠١ - ١٢٠) (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٣) البداية ١٠/ ١٩
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ تاج العروس ٢/ ٣٢١
(٥) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠
(٧) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧
(٨) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٨ - ٤٩
(٩) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧ - ٢٨٨
(١٠) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٩
[ ١ / ١٦٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب) (^١)
• بدء ظهور مقالة الجعد
تشير بعض المصادر إلى أن الجعد كان في بدء أمره يسكن الجزيرة الفراتية (^٢) من أرض العراق وفيها بدء نشر فكره الضال المنحرف.
قال السمعاني: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد) (^٣)
وقال ابن الأثير: (مذهب الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة، صار إلى الجزيرة، وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي حينئذ مروان بن محمد الحمار وإليه ينسب مروان فيقال الجعدي) (^٤)
وقال الزبيدي: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة صاحب رأي أخذ به جماعة بالجزيرة) (^٥)
ومن أشهر من تأثر بفكر الجعد في هذه الفترة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولهذا يقال له مروان الجعدي، فنسب إليه إذ أن الجعد هو شيخه وأستاذه (^٦) فالجعد كان مؤدبًا لمروان بن محمد في الفترة التي كان فيها مروان واليًا لهشام بن عبد الملك على الجزيرة من أرض العراق فتعلم مروان من الجعد مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك، وكان الناس يذمون مروان لنسبته إليه (^٧) وقيل: إنه كان مؤدبا له في صغره (^٨) فقد كان مولد مروان بالجزيرة في سنة اثنتين وسبعين للهجرة (^٩) وذكر أنه كان مؤدبًا له ولولده. (^١٠)
وبسبب مروان بن محمد انتشر فكر الجعد في الجزيرة الفراتية قال ابن القيم:
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣
(٢) الأعلام ٢/ ١٢٠
(٣) الأنساب للسمعاني ٣/ ٢٦٥
(٤) اللباب ١/ ٢٣٠
(٥) تاج العروس ٢/ ٣٢١
(٦) البداية ٩/ ٣٥٠ و١٠/ ١٩ ومختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠
(٧) الكامل ٥/ ١٦٠. تاج العروس ٢/ ٣٢١
(٨) الأعلام ٢/ ١٢٠
(٩) سير أعلام النبلاء ٦/ ٧٤
(١٠) الفهرست ص ٤٠١
[ ١ / ١٦٦ ]
(وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا يسمى مروان الجعدي). (^١)
وانتقل الجعد بعد ذلك من الجزيرة إلى دمشق، وسكنها وهي يوم ذلك عاصمة الخلافة، وحاضرة العلم والعلماء، ولعل المبرر في انتقاله إليها: محاولته لبث فكره المنحرف الضال على نطاق أوسع، لما تمثله دمشق في ذلك الوقت من كونها دار الخلافة ومركز الحضارة والعلم، وملتقى العلماء وطلاب العلم.
ويظهر هذا القصد جليًا في إظهار الجعد لبدعته، ومحاولته لطرحها في مجالس العلماء، ومجادلتهم في ذلك، كما هي حال أمثاله من المبتدعة الزنادقة الذين يستخدمون مثل هذه الأساليب في نشر فكرهم المنحرف.
قال ابن كثير: (سكن الجعد دمشق، وكانت له بها دار بالقرب من القلاسيين إلى جانب الكنيسة) (^٢)
وقال ابن عساكر: (كان يسكن دمشق، وله بها دار) (^٣)
وقال ابن كثير: (وذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك) (^٤)
وقال عبد الصمد بن معقل: قال الجعد بن درهم: ما كلمت عالمًا قط إلا غضب وحل حبوته غير وهب. (^٥)
وقد كان لمناظرات الجعد ومجادلاته مع العلماء أثرها العكسي عليه، فلم تحقق ما يصبو إليه من أهداف كزرع الشبه وزعزعة المعتقد وإحداث البلبلة في فكر المسلمين. بل على العكس من ذلك فقد ساعدت تلك المناظرات على كشفه وفضح مقاصده وبيان فساد معتقده ورفع أمره إلى ولي الأمر وخليفة المسلمين هشام بن عبد الملك المعروف بمواقفه من المبتدعة.
_________________
(١) مختصر الصواعق ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧
(٢) البداية ٩/ ٣٥٠
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠
(٤) البداية ٩/ ٣٥٠
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٤٧ وتاريخ دمشق ١٧/ ٤٧٧
[ ١ / ١٦٧ ]
ويروي لنا ابن الأثير سبب اكتشاف أمر الجعد وسبب طلب هشام له والقبض عليه فيقول: (وقيل إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به.
فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون وطلبه هشام وسيره إلى خالد القسري فقتله) (^١) فهذا النص التاريخي يوضح أن الفضل في كشف أمر الجعد ورفع أمره يعود لميمون بن مهران الذي وعظ الجعد في بداية الأمر فلما رأى أن الموعظة لا تنفع شهد عليه؛ فطلبه هشام بن عبد الملك، وقد اختلفت الروايات التاريخية في طريقة إخراج الجعد من دمشق:
فقال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله …) (^٢)
ويروي ابن عساكر وابن كثير رواية تختلف عن رواية ابن الأثير فيقول ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق وسكن الكوفة، ومنه تعلم الجهم بن صفوان بالكوفة خلق القرآن) (^٣)
وقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه) (^٤)
ويروى أبو محمد اليمني رواية ثالثة في قصة إخراج الجعد من دمشق فيقول: (فبان له [أي هشام بن عبد الملك] بعض زندقته فنفاه إلى البصرة وكان عليها إذ ذاك خالد بن عبد الله القسري فرفع إليه خبره في يوم الأضحى …) (^٥) وذكر قصة ذبحه. والروايات التاريخية تذكر أن للجعد نشاطًا بالبصرة وبالكوفة، فممن أشار إلى نشر الجعد لبدعته بالبصرة الدارمي حيث قال: (كان أول من أظهر شيئًا منه [أي التكذيب بكلام الله] بعد كفار قريش الجعد بن درهم بالبصرة، وجهم بخراسان
_________________
(١) الكامل ٥/ ٤٢٩
(٢) الكامل ٥/ ٢٦٣
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠
(٤) البداية ٩/ ٣٥٠
(٥) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧
[ ١ / ١٦٨ ]
إقتداءًا بكفار قريش، فقتل الله جهمًا شر قتلة. وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^١) فالشاهد قوله إنه "أظهره بالبصرة".
وأما عن نشاطه في الكوفة فقد تقدم قول ابن كثير: (فهرب من دمشق وسكن الكوفة ومنه تعلم الجهم بالكوفة خلق القرآن.)
فالذي يستنتج من تلك الروايات أن الجعد كان يتردد بين الكوفة والبصرة، لكن تبقى مسألة نفيه محل النظر فمثل هذه المسألة لا يكون حلها بالنفي، إلا أن يكون المقصود بالنفي السجن، وبالتالي إذا كان هذا هو المراد فإن هذه الرواية تتفق مع رواية ابن الأثير.
ويستنتج من الأخبار السابقة الأمور التالية:
١ - أن بدعة الجعد ظهرت بوادرها في الجزيرة الفراتية من أرض العراق، ثم أظهرها الجعد بدمشق لما انتقل إليها وسكن فيها، فطلبه بنو أمية لما علموا بأمره، فهرب منها إلى الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه.
٢ - أن زمن ظهور بدعة الجعد كان في أيام خلافة هشام بن عبد الملك الذي تولى الخلافة في الفترة ما بين ١٠٥ - ١٢٥ هـ.
٣ - أن الفضل في الإنكار على الجعد والأمر بقتله يعود في المقام الأول إلى هشام بن عبد الملك، وليس لخالد بن عبد الله القسري فهشام هو الذي طلب الجعد لما أظهر بدعته بدمشق، ولكن الجعد هرب إلى الكوفة، فأرسل هشام في طلبه كما في خبر ابن كثير، وابن عساكر. أو أن هشاما نفاه إلى البصرة كما في خبر اليماني. أو أن هشامًا قبض عليه، وأرسله إلى عامله بالعراق خالد القسري، وأمره بقتله، لكن خالد اكتفى بحبسه ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله. كما أشار إلى ذلك ابن الأثير.
والذي يترجح عندي أن خبر ابن كثير وابن عساكر أقرب للصواب لأن الجعد عندما كان في الكوفة أخذ منه الجهم بن صفوان مقالته. وعمومًا فإن جميع الروايات توضح أن الفضل يعود في الدرجة الأولى لهشام ابن عبد الملك، وإن كان الفضل يرجع لخالد
_________________
(١) الرد على الجهمية ص ٧
[ ١ / ١٦٩ ]
القسري في طريقة إعلانه لهذا الأمر في مجمع الناس بعيد الأضحى، ففي ذلك ترهيب لكل مبتدع. ولقد كان هشام شديدًا على أهل البدع، وليست هذه هي المنقبة الوحيدة له. فقد كان من مناقبه في حرب أهل البدع والأهواء قتله لغيلان الدمشقي الذي أظهر القول بنفي القدر في أيام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر، واستتابه، فتاب. ثم عاد للكلام فيه أيام هشام، فأحضره من ناصرة ثم أحضر له الأوزاعي لمناظرته، فأفتى الأوزاعي بقتله، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم أمر به فصلب. (^١)
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟
قال: يُكذَب عليَّ يا أمير المؤمنين، ويُقالُ عليَّ ما لم أقل.
قال: ما تقول في العلم؟
قال: قد نفذ العلم.
قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت، ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر.
ثم قال: تقرأ ياسين؟
قال: نعم.
فقال: اقرأ ﴿يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾
فقرأ: ﴿يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾
فقال: قف، كيف ترى؟
قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين.
قال: زد. فقرأ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾
قال: قال عمر ﵀: قل ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: كيف ترى؟
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٦٣ الأعلام ٥/ ١٢٤
[ ١ / ١٧٠ ]
قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدًا.
قال: اذهب، فلما ولى. قال: اللهم إن كان كاذبًا فيما قال فأذقه حر السلاح.
قال: فلم يتكلم زمن عمر ﵀، فلما كان زمن يزيد بن عبد الملك جاء رجل لا يهتم لهذا ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام أرسل إليه فقال: أليس عاهدت الله ﷿ لعمر أن لا تتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا؟
قال: أقلني فوالله لا أعود.
قال: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب؟
قال: نعم.
قال: فاقرأ.
فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قال: قف، علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به، أو على أمر في يدك أو بيدك؟ اذهبوا فاقطعوا يديه ورجليه واضربوا عنقه واصلبوه.) (^١)
وأخرج الآجري بسنده وكذا ابن حبان عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: "كنت عند عبادة بن نُسَيٍّ، فأتاه رجل. فأخبره أن أمير المؤمنين هشامًا قطع يد غيلان ولسانه وصلبه، فقال له: حقًا ما تقول؟
قال: نعم.
قال: أصاب والله السنة والقضية، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلأحسنن له ما صنع" (^٢)
ومن مناقب هشام كذلك إصداره أمرًا لواليه بخراسان نصر بن سيار بقتل الجهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق صالح بن الإمام أحمد بن حنبل قال: قرأت في دواوين هشام ابن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان: أما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله) (^٣) ولكن هشام توفي قبل ذلك فقد كانت وفاته سنة (١٢٦ هـ) والجهم قتل سنة (١٢٨ هـ).
_________________
(١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠ رقم ٩٤٨ والشريعة للآجري ص ٢٢٨ وانظر التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨
(٢) الشريعة للآجري ص ٢٢٩ والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢٠٠
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنمة والجماعة للالكائي ٣/ ٣٨١ رقم ٦٣٧ وفتح الباري ١٣/ ٣٤٦
[ ١ / ١٧١ ]
فهذه ثلاث مناقب لهشام تظهر شدته على أهل البدع.
• مقتل الجعد
قتل الجعد بن درهم بالعراق في مدينة واسط في أوائل المائة الثانية على عهد علماء التابعين مثل الحسن البصري (ت ١١٠ هـ) وغيره. (^١)
• "سبب قتله"
ويروى ابن الأثير سبب قتله فيقول: (وقيل: إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران. فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله) (^٢)
فهذه الرواية التاريخية تظهر أن ميمون بن مهران (ت ١١٧ هـ) -وهو أحد الأربعة الذين كانوا هم علماء الناس في زمن هشام بن عبد الملك (^٣) وهم مكحول والحسن والزهري وميمون بن مهران (^٤) -هو الذي رفع أمر الجعد لهشام وأعد الشهود الذين شهدوا على الجعد بالكفر. (^٥)
وفي هذا رد على زعم من زعم أن قتل الجعد كان بدافع سياسي من أمثال "شارل بلاذا" في كتابه "الجاحظ" حيث قال: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد) (^٦)
وعلي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي) (^٧)
وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.
• تاريخ قتل الجعد
حددت المصادر التاريخية وغيرها الساعة واليوم والشهر والبلد والمكان الذي قتل فيه الجعد والطريقة والأداة والذابح الذي ذبح الجعد.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠
(٢) الكامل لابن الأثير ٥/ ٤٢٩
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩١
(٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٩
(٥) أنساب الأشراف للبلاذري ٨/ ٢٤١
(٦) الجاحظ ص ٣٠٨ نقلًا عن كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص ٥٣
(٧) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٣٣١
[ ١ / ١٧٢ ]
فالساعة: هي صباح يوم عيد الأضحى بعد انتهاء الخطبة.
واليوم: هو اليوم العاشر.
والشهر: شهر ذي الحجة.
والبلد: هي واسط.
والمكان: أسفل المنبر.
والطريقة والأداة والذابح: ذبح بالسكين ذبحًا بيد خالد بن عبد الله القسري.
ولكن مع كل هذه المعلومات التفصيلية الدقيقة، يبقى أن العام الذي قتل فيه الجعد لم يعرف بالتحديد، ولم أقف على من حدد وقت قتله إلا الهروي في ذم الكلام حيث قال: (فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد ابن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وماله يومئذ نكير ذلك سنة نيف وعشرين ومائة) (^١)
ولكن هذه المعلومة غير صحيحة لأن عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمارة العراق كان سنة عشرين ومائة. فكيف يكون قتل الجعد بعد العشرين ومائة؟ فخالد بن عبد الله القسري تولى إمارة العراق سنة ست ومائة وعزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة (^٢)
والذهبي ذكر قتل الجعد في حوادث سنة عشرين ومائة (^٣) ولكن هذا لا يتفق مع عزل خالد الذي كان في شهر جمادى الأولى من هذه السنة والقتل وقع في شهر ذي الحجة، ولكن ربما يحمل قول الذهبي على جبر الكسر، وعلى هذا فإن قتل الجعد يكون قد وقع قبل سنة عشرين ومائة، فالقتل وقع في أوائل المائة الثانية فيما بين سنة ست ومائة وسنة تسع عشرة ومائة. وهي مدة إمارة خالد القسري على العراق.
ولكن يمكن أن نستشف من عبارة شيخ الإسلام التي قال فيها: (فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك) (^٤) أن قتله كان قبل سنة (١١٠ هـ) فالحسن البصري مات سنة (١١٠ هـ) فإذا اعتمدنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية فإن الحادثة تكون قد وقعت ما بين
_________________
(١) ذم الكلام ص ٣٠٥
(٢) الكامل ٥/ ٢٢٤ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٦
(٣) تاريخ الإسلام "حوادث ووفيات (١٠١ - ١٢٠) (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠
[ ١ / ١٧٣ ]
(١٠٦ هـ) و(١١٠ هـ). ولكن يبقى التحديد الدقيق لسنة قتل الجعد غير معروف.
• سبب قتل الجعد
وقد ضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره، الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك. (^١)
قال الدارمي: (أظهر الجعد بن درهم بعض رأيه في زمن خالد القسري، فزعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليما، فذبحه بواسط يوم الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا لما ظهر هذا القول في أوائل الإسلام قُتل من أظهره، وهو الجعد بن درهم يوم الأضحى، فقتله خالد بن عبد الله القسري برضا علماء الإسلام) (^٣)
وقال النديم في الفهرست: "وقَتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد، وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر بأمر هشام". (^٤)
وقال ابن القيم: "فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: "أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠
(٢) الرد على الجهمية ص ١١٠ ط المكتب الإسلامي.
(٣) منهاج السنة ص ١٦٥
(٤) الفهرست ص ٤٠١ ط طهران
[ ١ / ١٧٤ ]
ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد) (^١)
وقال ابن العماد الحنبلي: (خطب خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وكان ممن حضره الجعد بن درهم. فقال خالد في خطبته الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. فقال الجعد وهو بجانب المنبر لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا ولا موسى كليمًا ولكن من وراء وراء فلما أكمل خالد خطبته قال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا موسى كليمًا في كلام طويل ثم نزل فذبحه في أسفل المنبر. فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية) (^٢)
وقال ابن عساكر: (وأما الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وكان خالد واليًا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحى اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا؛ ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين) (^٣)
وقد أخرج البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، وغيره، قال: حدثنا قتيبة حدثني القاسم بن محمد ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم. زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه) (^٤)
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧٣.
(٢) شذرات الذهب ١/ ١٦٩
(٣) مختصر تاريخ ابن عساكر ٦/ ٥٠
(٤) "انظر خلق أفعال العباد للبخاري ص ٧، والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ١/ ٦٤، ١/ ٢/ ١٥٨ ت ١٤٣ - ٥٤٢) وعزاها ابن كثير في البداية (١٠/ ٢١) لابن أبي حاتم في السنة، والسنة للخلال (٥/ ٨٧، ٨٨، رقم ١٦٩٠) والرد على الجهمية للدارمي (ص ٧)، والرد على بشر المريسي (١١٨)، والشريعة للآجري (٩٧، ٣٢٨)، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد (٥٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/ ٣١٩ رقم ٥١٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٢٠٥) والأسماء والصفات للبيهقي (٣٢٥) وابن بطة في الإبانة، الكتاب الثالث الرد على الجهمية (٢/ ١٢٠ رقم ٣٨٦) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/ ٤٢٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٨/ ١١٨)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥/ ٤٨٧)، واللباب لابن الأثير ٣/ ٣٩٢، ومنهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦، الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧١، شذرات الذهب ١/ ١٦٩. "
[ ١ / ١٧٥ ]
قال ابن عساكر: (ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين) (^١)
وقال الذهبي في العلو للعلي الغفار: (قرأت في كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب التصانيف حدثنا عيسى ابن أبي عمران الرملي حدثنا أيوب بن سويد عن السري بن يحي قال: خطبنا خالد القسري وقال: انصرفوا إلى ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد، وذكر القصة) (^٢)
والقصة مشهورة كما قال عنها الذهبي (^٣) وقد تناقلها جمع من علماء السنة منهم البخاري، والدارمي، وابن أبي حاتم واللالكائي، والآجري، وابن كثير، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم.
وقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري (^٤).
قال ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ … ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال ابراهيم ليس خليله … كلا ولا موسى الكليم الداني
شكرا لضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان (^٥)
وقال أبو محمد اليمني: (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) (^٦).
وقال الدارمي: (وأما الجعد، فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط في يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن. بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^٧).
وقال الذهبي بعد ذكره قصة قتل خالد القسري للجعد (هذه من حسناته هي وقتله مغيرة (^٨)
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠
(٢) العلو للعلي الغفار ص ١٠٠
(٣) ميزان الاعتدال ١/ ١٣٩٩ ت ١٤٨٢ وتاريخ الإسلام ٧/ ٣٣٨
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠ و١٣/ ١٧٧
(٥) شرح القصيدة النونية للهراس ١/ ٢٥
(٦) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧
(٧) الرد على الجهمية للدارمي ٧، ١١٠
(٨) المغيرة بن سعيد البجلي، كان رافضيًا خبيثًا كذابًا ساحرًا ادعى النبوة، وفضل عليًا على الأنبياء، وكان مجسمًا" تاريخ الطبري (٧/ ١٢٨، ١٢٩)، سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٦)، ميزان الاعتدال (٤/ ١٦٠، ١٦١).
[ ١ / ١٧٦ ]
الكذاب) (^١). وكذلك من حسناته قتله لبيان بن سمعان النهدي. (^٢)
• ردود على بعض الشبه
وإن مما يؤسف له أن بعض الكتاب المعاصرين حاول الطعن في ثبوت قصة قتل الجعد من جهة إسنادها، وتحامل في الوقت نفسه على خلفاء بني أمية وكذا على خالد القسري، وطعن بطعون، لم يكن هو السابق إليها وإنما هو مقلد لغيره فيها. ومجارٍ لبعض من سبقه من الكتاب. وسأتعرض لهذه الطعون وأرد عليها بما يفتح الله علي في ذلك.
قال صاحب كتاب قصص لا تثبت «مشهور بن حسن» في الجزء الثالث، الباب الخامس: «من قصص الأمراء والسلاطين» القصة «التاسعة والعشرون» «ذبح خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم» ٣/ ٢٥١ - ٢٥٦. قال تحت عنوان «تنبيهات هامة»
«ومما يضعف هذه القصة أمور منها»:
أولًا: هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد.
ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/ ٤٣٢) عقب القصة: "قلت: هذه من حسناته"
ثالثًا: لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.
رابعًا: الذي يهمنا هنا تقرير وتأكيد أن هذه الحادثة مع تعليل القتل الذي فيها لم يرد إلينا بإسناد نظيف، والله الهادي.) (^٣)
قلت: جانب المؤلف الصواب في هذه التنبيهات وسأعلل للقارئ الكريم وطلاب العلم ذلك من خلال الرد على كل فقرة من الفقرات التي ذكرها.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٢.
(٢) بيان بن سمعان من الغلاة القائلين بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، فقتله خالد القسري على ذلك.) الملل والنحل ١/ ١٥١، ١٥٢. "
(٣) -قصص لا تثبت ٣/ ٢٥٦، الناشر: دار الصميعي.
[ ١ / ١٧٧ ]
الشبهة الأولى
ذكر المؤلف في الفقرة الأولى: «أن هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد».
والجواب على ذلك:
هذه أولى الشبه حيث سوى بين علم الحديث وعلم التاريخ في منهج النقد وأراد أن يطبق منهج المحدثين تطبيقًا حرفيًا في نقد الروايات التاريخية، وهذا خطأ جسيم وأمر لا يسلم به لا علماء الحديث ولا التاريخ، وأعطى للقارئ الكريم نقلًا واحدًا يدل على فساد زعم المؤلف أن هذه القصة غير ثابتة على معايير أهل النقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد «ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير» وفي لفظ «ليس لها أسانيد» ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره.) (^١) انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
قلت: هذه معايير أهل النقد يبينها ابن تيمية:
١ - أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.
٢ - تعدد طرقه.
والقصة التي معنا اجتمع فيها الشرطان:
١ - شهرتها عند أهل الفن: وقد شهد بذلك الذهبي حيث قال: وهذه قصة مشهورة رواها قتيبة بن سعيد والحسن بن الصباح وعثمان بن سعيد الدارمي عن ابن أبي سفيان المعمري (^٢). وقال في ميزان الاعتدال (والقصة مشهورة) (^٣)
وقال ابن كثير بعد أن ذكر القصة: (وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي وعبد الله بن أحمد وذكره ابن عساكر في التاريخ) (^٤) وقال في موضع آخر ذكر فيه القصة: (وقد روى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، وابن أبي حاتم في السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة ..) (^٥) وذكر القصة.
_________________
(١) -تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.
(٢) -تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١ - ١٢٠، ٧/ ٣٣٧، ٣٣٨ ت ٣٤٣.
(٣) -١/ ٣٩٩.
(٤) -البداية ٩/ ٣٥٠.
(٥) -البداية ١٠/ ١٩.
[ ١ / ١٧٨ ]
فهذه شهادة من عالمين من علماء هذا الفن، وقد نقل المؤلف هذه الشهادات، ووضعها تحت عنوان: «شهرة القصة» ولكن -والله أعلم-يبدو أنه لم يتنبه لمعنى هذه العبارة ودلالتها في معايير أهل النقد، ولذلك فإني أقول إن المؤلف جازف بقوله: (فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد) فيجب عليه الرجوع إلى معايير نقد الروايات التاريخية، ويفرق بينها وبين معايير المحدثين قبل أن يخوض في المسألة بمثل هذا الخوض المجانب للصواب.
٢ - وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو «تعدد الطرق» وقصة قتل الجعد جاءت من طريقين سبق ذكرهما وقد ذكرهما الذهبي في العلو للعلي الغفار وذكرها المؤلف في كتابه.
وبما أن القصة قد تحقق فيها شرط الشهرة وشرط تعدد الطرق. فهي كما ذكر شيخ الإسلام تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت المؤلف المذكور أمعن النظر في تعليق الألباني على العلو للذهبي، حيث قال معلقًا على صنيع ابن أبي حاتم في رواية هذه القصة عن عيسى بن أبي عمران مع قوله في الجرح والتعديل: (كتبت عنه بالرملة، فنظر أبي في حديثه، فقال: يدل حديثه أنه غير صدوق، فتركت الرواية عنه) (^١) فقال الألباني: (قلت: ولعل روايته عنه هذه القصة، لأنها ليست حديثًا مرفوعًا، والله أعلم) (^٢) انتهى كلام الألباني، وكلامه يدل على التفريق بين الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.
قال ابن تيمية ﵀: (فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها.) (^٣) بل حتى في فن الحديث يفرق بين الأحاديث المتعلقة بالعقائد والأحكام والحلال والحرام والسنن والأحاديث المتعلقة بفضائل الأعمال والترغيب والترهيب والدعوات، فيتساهل في أسانيد هذه ويتشدد في أسانيد تلك.
_________________
(١) -٦/ ٢٨٦.
(٢) -مختصر العلو ص ١٣٤.
(٣) الرد على البكري ص ٢٠.
[ ١ / ١٧٩ ]
قال شيخنا الشيخ حماد بن محمد الأنصاري: (إن الحديث إذا لم يتضمن عقيدة ولا حلالًا ولا حرامًا جاز العمل به في الفضائل، لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد إذا كان لهذه الفضيلة أصل في الشرع. (^١)
قال الحاكم قال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحث والدعوات تساهلنا في الأسانيد) (^٢)
وقال الإمام أحمد: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. (^٣)
وقد ذكر البيهقي أقسام الخبر وقال: وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ويكون مجهولًا لم يتثبت من عدالته وشرائط قبوله ما يوجب القبول، فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم) (^٤)
فإذا كان يُفرق بمثل هذا التفريق داخل فن الحديث، فما بال المؤلف المذكور يخلط مثل هذا الخلط ويصدر حكمه الجائر فيقول: «غير ثابتة على معايير أهل النقد» فيا ليته على أقل أحواله رضي بحكم الألباني حيث قال: «لكنه يتقوى بالذي بعده فإن إسناده خير منه، ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة ..» وهذا كلام رصين متين فالألباني يعترف بجزم العلماء بهذه القصة، وأنت أيها التلميذ تجزم بعدم ثبوتها!!!
ثم إنه لمن الغريب حقًا أنه لم يسبق لأحد من العلماء الذين ذكروا هذه القصة على كثرتهم وشهرتهم وإمامتهم، أن تعقب هذه القصة بمثل ما ذكره هذا المؤلف، فكيف مضت مئات السنين ولا نجد من ينتقد هذه القصة ويطعن في ثبوتها، مع مرورها على أساطين المحدثين والمؤرخين، وهم الأعلم والأدرى بمعايير النقد وموازينه؟
_________________
(١) رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة ص ٣٦.
(٢) المستدرك كتاب الدعاء ١/ ٤٩٠.
(٣) المدخل إلى الصحيحين للحاكم.
(٤) مختصر العلو ص ١٣٣.
[ ١ / ١٨٠ ]
وإن من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل وامتلأت به الكتب، وشاع بين الخاص والعام. وحري بهذا المؤلف وأمثاله أن لا يخوضوا في هذه المسائل وهم يعلمون أن الأئمة الكبار قد تلقوا ذلك بالقبول ولم يرد منهم اعتراض يذكر لا من قريب أو بعيد.
الشبهة الثانية:
قال المؤلف ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في "السير" (٥/ ٤٣٢) عقب القصة: "قلت: هذه من حسناته"!. انتهى كلامه.
قلت: المؤلف متناقض في مواقفه ويكيل بمكيالين ويزن بميزانين، فهو في قصة قتل الجعد يريد تطبيق شروط المحدثين في ثبوت الحديث المرفوع على قصة تاريخية. وهنا في سيرة خالد القسري أصدر حكمًا بأنها مظلمة دون أن يحقق في أسانيد سيرته أو أن يُفصل شيئا من ذلك وهذا الغمز في هذه القصة من هذا الوجه لم يكن المؤلف أول من طعن في ذلك بل هو مجارٍ لغيره فيه.
فمن قبله جمال القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة (^١) الذي نقل خليطًا من الروايات في الطعن في خالد بن عبد الله القسري بأنه جعل الولاية للنصارى والمجوس على المسلمين، وأنه كان ناصبيًا يبغض عليًا ﵁، وأن الإسلام كان في عهده ذليلًا، وأحال من أراد استيفاء أحواله وأخباره إلى كتاب الأغاني للأصفهاني الشيعي (^٢)
ولنا مع كلام المؤلف وكلام القاسمي وقفات:
الوقفة الأولى: زعْمُ المؤلف بأن ترجمة القسري مظلمة وكذا التهم التي ذكرها القاسمي، على فرض صحتها، لا تطعن في صحة القصة، فلو قرأ المؤلف ومن قبله القاسمي التاريخ بتأمل لعلموا أن صاحب القرار في إعدام وقتل الجعد هو هشام بن عبد الملك، فالفضل يعود إليه في المقام الأول فلو اعتمدنا رواية ابن الأثير للقصة، لعلمنا أن هشامًا هو الذي قبض على الجعد وأرسله إلى خالد القسري وأن خالدًا القسري اكتفى بحبسه ولم ينفذ أمر القتل وأن هشامًا أرسل إلى خالد يلومه ويعزم عليه بقتله. قال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام
_________________
(١) -تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ٣٨ - ٤٢.
(٢) -انظر كتاب السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني لوليد الأعظمي.
[ ١ / ١٨١ ]
هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله) (^١)
ولو اعتمدنا رواية ابن عساكر وابن كثير لوجدنا كذلك هشام بن عبد الملك هو الذي طلب القبض على الجعد في بداية الأمر عندما كان في دمشق لكن الجعد هرب إلى الكوفة.
قال ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق إلى الكوفة) (^٢)
وقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة ..) (^٣)
والنديم في الفهرست ينص على أن هشامًا هو الذي أمر بقتل الجعد حيث قال: (وقتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد؟! وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر، بأمر هشام ..) (^٤) فالروايات التاريخية السابق ذكرها تؤكد أن هشام بن عبد الملك هو صاحب القرار في ذلك.
الوقفة الثانية: لا يسلم للمؤلف زعمه بأن ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، وليس الأمر كما زعم فالرجل له وعليه، وهناك صفحات مشرقة في تاريخه، وبعض ما نسب إليه لا يصح عنه. فهذا الذهبي ينصفه ويقول في ترجمته: (الأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد ين أسد بن كرز البجلي القسري الدمشقي أمير العراقين لهشام، وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان وكان جوادًا ممدحًا معظمًا عالي الرتبة من نبلاء الرجال، لكنه فيه نصب معروف …) وقد اعتذر له بعد أن ذكر شيئًا مما له وعليه فقال: (وكان خالد على هناته يرجع إلى الإسلام.) (^٥)
_________________
(١) الكامل ٥/ ٢٦٣.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠.
(٣) البداية ٩/ ٣٥٠.
(٤) الفهرست ص ٤٠١.
(٥) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٥ - ٤٣٢.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقد أشاد الذهبي بقتله للجعد بن درهم وقال: هذه من حسناته هي وقتله مغيرة الكذاب.
وقد دافع عنه ابن كثير في البداية بعد أن أورد بعضًا من تلك المثالب التي نسبت إليه وقال: (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد (^١) وقد نسب إليه صاحب العقد (^٢) أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة لأهل البيت) (^٣)
وحال صاحب كتاب الأغاني الذي اعتمد عليه القاسمي في ترجمة القسري ليس ببعيد عن صاحب العقد الفريد فقد قال عنه ابن كثير: (وكان فيه تشيع، قال ابن الجوزي: ومثله لا يوثق به، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح ومنكر) (^٤) والأصفهاني قد روى الكثير من أخبار كتابه عن طائفة من الرواة الكذابين. (^٥)
وأما عن اتهامه بالنصب وشتم علي ﵁ فأجاب عنه ابن الأثير فقال: (قيل كان يفعل ذلك نفيا للتهمة وتقربًا إلى القوم) (^٦) وقال: وكان خالد يصل الهاشميين ويبرهم. (^٧)
وفي العموم فإن خالدًا القسري ليست ترجمته مظلمة بالصورة التي حاول المؤلف والقاسمي رسمها عنه في ذهن القارئ وأترك الحكم للقارئ الكريم ليقارن بين كلام الذهبي وابن كثير من جهة -وهما إمامان من أئمة أهل السنة في المعتقد والتاريخ-وبين كلام صاحب العقد الفريد وصاحب الأغاني-الشيعيين الحاقدين على أعلام أهل السنة. فأي الفريقين خير مقامًا.
الوقفة الثالثة: أساء المؤلف استخدام عبارة الذهبي في السير (٥/ ٤٣٢) حيث قال الذهبي بعد إيراده لقصة قتل الجعد (قلت: هذا من حسناته هي وقتله مغيرة
_________________
(١) يقصد قتله للمغيرة الكذاب، وبيان بن سمعان.
(٢) صاحب العقد الفريد ابن عبدربه.
(٣) البداية ١٠/ ٢١.
(٤) البداية ١١/ ٢٦٣.
(٥) مقالات في المذاهب والفرق ص ٧٣، جمع عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف.
(٦) الكامل ٥/ ٢٢٤.
(٧) الكامل ٥/ ٢٢٤.
[ ١ / ١٨٣ ]
الكذاب) فقد أراد المؤلف إفهام القارئ أن الذهبي يذم خالد بن عبد الله القسري، والأمر في حقيقته على العكس من ذلك، فلقد أنصف الذهبي خالدًا القسري، ولم يقصد بتلك العبارة انتقاصه أو التقليل من حسناته، ومن يقرأ سير أعلام النبلاء، يدرك صواب ما أقول.
وقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري. (^١)
وقال ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ … ـقسري يوم ذبائح القربان
إذ قال ابراهيم ليس خليله … كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان (^٢)
وقال أبو محمد اليمني (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) (^٣)
وقال الدارمي: (وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^٤)
الشبهة الثالثة
قال المؤلف: (ثالثا: لم يكن من همِّ أمثال القسري-آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا ممن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.) انتهى كلامه (^٥)
قلت: لي مع هذه الشبهة وقفات:
الوقفة الأولى: قول المؤلف: (لم يكن من همِّ أمثال القسري-آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة)
هذا الطعن في القسري يخالفه قول ابن كثير (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧، ١٢/ ٣٥٠.
(٢) شرح القصيدة النونية للهراس ١/ ٢٥.
(٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧.
(٤) الرد على الجهمية للدارمي (٧ - ١١٠) ط: المكتب الإسلامي.
(٥) قصص لا تثبت ٣/ ٢٥٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد) (^١) وليست أدرى ما موقف المؤلف من كلام هذا الإمام العلم الحافظ ابن كثير؟
الوقفة الثانية: قول المؤلف: (وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه).
الرد عليه: هذه العبارة ليست من كلام المؤلف وإنما نقلها عن شعيب الأرنؤوط في تعليقه على السير وعزاها الأرنؤوط إلى بعض الباحثين. (^٢)
والمؤلف هنا أورد هذه العبارة بطريقة توهم أنها من كلامه وهي عبارة خطيرة لأنها لم تستثنِ أحدًا من خلفاء بني أمية ولا حتى الصحابي الجليل معاوية ﵁، أول خلفاء بني أمية، وكذلك لم تستثنِ عمر ابن عبد العزيز وهو أحد خلفاء بني أمية وعلم من أعلام أهل السنة، والمؤلف ينقل عبارات وينسبها لنفسه وهو لا يدرك مدى خطورتها وفسادها، فمثل هذه العبارة لا تصدر من شخص يحمل عقيدة أهل السنة.
وقد سبق أن تحدثت عن جهود بني أمية الأوائل في الدفاع عن السنة وإطفاء نار أهل الضلال والبدع، والحق يقال إنَّ راية السنة وكلمة علماء السنة كانت هي العليا في تلك الفترة، ولم يكن أهل البدع يتجرؤون على إظهار بدعهم فضلا عن أن يدعوا إليها.
الوقفة الثالثة: قال المؤلف (ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة) وأشار في الحاشية إلى سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣).
والجواب عن ذلك: نقل المؤلف هذا الكلام عن شعيب الأرنؤوط من تعليقه على كتاب سير أعلام النبلاء، فقد قال بعد أن نقل كلام ابن كثير عن الجعد وأنه أخذ مقالته عن اليهود، قلت-القائل الأرنؤوط-لم يذكر ابن كثير سنده في هذا الخبر حتى ننظر فيه، ويغلب على الظن أنه افتعله أعداء الجعد. ولم يحكموه لأن أفكاره التي طرحها في العقيدة مناقضة كل المناقضة لما عليه اليهود، فهو ينكر بعض الصفات القديمة القائمة بذات الله ويؤولها لينزه الله تعالى عن سمات الحدوث، ويقول بخلق القرآن وأن الله لم يكلم موسى بكلام قديم بل بكلام حادث، بينما
_________________
(١) البداية ١٠/ ٢١.
(٢) انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٣.
[ ١ / ١٨٥ ]
اليهود المعروف عنهم الإغراق في التجسيم والتشبيه، ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن قتل الجعد كان لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة، ويعلل ذلك بأن خلفاء بني أمية وولاتهم كانوا أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل تمت إلى العقيدة) انتهى كلام الأرنؤوط وهو كلام مشحون بالطعن والغمز والافتراء، ولست هنا بصدد الرد على جميع ما ورد في هذا النقل من عبارات باطلة، لكن المقصود الرد على زعم من قال بأن الدافع لقتل الجعد كان سياسيًا. وقد شارك على سامي النشار الأرنؤوط في هذا الزعم والتسويغ لضلالات الجعد وانحرافاته حيث يقول: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله-أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه سبب سياسي) (^١)
ولكن لم يوضح صاحب الأرنؤوط ولا النشار ما هو الدافع السياسي وراء قتل الجعد، فبقيت دعواهم مجرد استنتاج لا دليل عليه ولا برهان، وهو استنتاج لا يقوم على أساس من الواقع، ويحق لنا أن نسأل ما هو الدافع السياسي المزعوم، وأي ثقل كان الجعد يشكله في الساحة السياسية آنذاك، خاصة إذا علمنا أنه من الموالي والعمل السياسي آنذاك بيد العرب فهم الولاة وهم القادة وهم أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، ولذلك كان يحسب لهم حسابهم في كل تحرك سياسي على عهد الأمويين، ولم يكن للموالي دور سياسي إلا في عهد العباسيين ولذلك فإن هذه الدعوى أوهن من بيت العنكبوت. والحقيقة أن قتل الجعد كان لزندقته وإلحاده (^٢) وفي هذا يقول ابن تيمية: «فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته: مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل، وشكروا ذلك.» (^٣)
وما كنت لأسطر هذه الكلمات إلا إحقاقًا للحق ودفاعًا عنه، والله أسأل أن ينفع بما كتبت.
• أقوال العلماء فيه
قال اللالكائي: عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: (أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم) (^٤)
_________________
(١) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٣٣١.
(٢) مقالات في المذاهب والفرق ص ٧٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٣٨٢ رقم ٦٤١.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال ابن عساكر في ترجمة الجعد: (أول من قال بخلق القرآن) (^١)
وقال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم: ليس الجعد من أمة محمد ﷺ (^٢)
وقال ابن الأثير: (وكان مروان يلقب بالحمار والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك، وقيل إن الجعد كان زنديقًا) (^٣)
وقال ابن كثير في ترجمة الجعد: (هو أول من قال بخلق القرآن) (^٤)
وقال الذهبي: (وكان الجعد أول من تفوه بأن الله لا يتكلم) (^٥)
وقال السيوطي في الأوائل: (أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد الجعد بن درهم) (^٦)
وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتل على ذلك يوم النحر والقصة مشهورة) (^٧)
وقال البيهقي بعد أن ساق بأسانيده أقوال أئمة السلف في أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق: (ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، وأول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم فأنكر عليه خالد بن عبد الله القسري وقتله) (^٨)
وقال الطبري: (إن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم) (^٩)
قال ابن العماد الحنبلي: (والجعد هذا من أول من نفى الصفات وعنه انتشرت مقالة الجهمية إذ ممن حذا حذوه في ذلك الجهم بن صفوان عاملهما الله تعالى بعدله.) (^١٠).
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠، وانظر الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي ص ١١٦.
(٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤.
(٣) الكامل في التاريخ ٥/ ٤٢٩.
(٤) البداية ٩/ ٣٥٠.
(٥) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١٠١٢٠، ٧/ ٣٣٧، ٣٣٨ ت ٣٤٣).
(٦) لوامع الأنوار البهية ١/ ٢٣.
(٧) ميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩، ت ١٤٨٢)
(٨) الأسماء والصفات ص ٣٢٥.
(٩) صريح السنة
(١٠) شذرات الذهب ١/ ١٦٩.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال الذهبي في ديوان الضعفاء: (الجعد بن درهم، الضال، ذبحه خالد القسري، أنكر أن إبراهيم ﵇ خليل الله.) (^١)
وقال عنه أبو الحسن علي بن محمد المدائني الأخباري: (كان زنديقًا وقد قال له وهب من منبه إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله أن له يدًا، وأن له عينًا ما قلنا ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب) (^٢)
وقال ابن كثير: (وذكر أنه -أي الجعد-كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب ثم قتل ذكره ابن عساكر) (^٣)
وقال ابن حجر: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهوامًا فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: فليقل كم هو، وكم الذكران منه والإناث إن كان، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع) (^٤)
وقال ابن نباتة: (دخل على الجعد يومًا بُهْلول، فقال أحسن الله عزاءك في ﴿قل هو الله أحد﴾ فإنها ماتت!
قال: وكيف تموت؟
قال: لأنك تقول: إنها مخلوقة، وكل مخلوق يموت) (^٥)
وقال ابن عساكر: (وأخذ الجعد بن درهم من أبان بن سمعان وأخذ أبان من طالوت وأخذ طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ، وكان لبيد يقرأ القرآن وكان يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان طالوت زنديقًا وأفشى الزندقة، ثم أظهره جعد بن درهم) (^٦)
_________________
(١) ديوان الضعفاء ص ٦٣ ت ٧٤٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٣.
(٣) البداية ٩/ ٣٥٠، تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١، ١٢٠) ٧/ ٣٣٨.
(٤) لسان الميزان ٢/ ١٠٥.
(٥) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص ٢٩٤.
(٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠.
[ ١ / ١٨٨ ]
وقال ابن كثير: (وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول ﷺ، وأخذها لبيد عن يهودي باليمن) (^١)
وقال النديم في الفهرست: (كان الجعد بن درهم الذي ينسب إليه مروان بن محمد، فيقال مروان الجعدي، وكان مؤدبًا له ولولده، فأدخله في الزندقة.) (^٢)
وقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة) (^٣)
وقال القلقشندي في ترجمة مروان: (ويعرف بالجعدي لأنه أخذ عن الجعد ابن درهم مذهبه في الكلام في القول بخلق القرآن والقدر) (^٤)
قال المطهر بن طاهر المقدسي: (وقيل له الجعدي لأن الجعد بن درهم الزنديق كان غلب عليه وفيه يقول الشاعر:
أتاك قومُ برجالٍ جُرْد … مخالفًا ينصُرُ دِينَ الجعد
مكذبًا بجحد يومَ الوَعْد (^٥)
• بدعه ومقالته
وبعد فهذه جملة من الأفكار المنحرفة ذكر العلماء أن الجعد كان ينادي بها ويظهرها ويدعو إليها. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
١ - إنكاره لصفات الخالق، ولا شك أن جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته (^٦)
فأراد الجعد بذلك هدم الأصل الأول من أصلي الدين الذي هو "الإيمان بالله"
فالجعد وأمثاله لا يؤمنون بوجود حقيقي لله تعالى، ويجعلون وجود الله أمرًا مقدرًا في الذهن والخيال لا حقيقة له في الخارج، فلذلك هم لا يصفونه بصفة ثبوتية،
_________________
(١) البداية ٩/ ٣٥٠.
(٢) الفهرست ص ٤٠١.
(٣) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠، ١٠٧١.
(٤) مآثر الإنافة في معالم الخلافة ١/ ١٦٢، ط: الكويت.
(٥) -البدء والتاريخ ٦/ ٥٤، ٥٥.
(٦) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١.
[ ١ / ١٨٩ ]
ويقتصرون على وصفه بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة منهما.
والجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام، وقد كان أسبق من الجهم ابن صفوان، ولكن الجهم كان له في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه ولذلك اشتهر نسبة هذه المقالة إليه (^١)
فقيل مقالة الجهمية، ولم يقل مقالة الجعدية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهاتان الصفتان -أي كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته-هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية، لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، إذ لا محبة له ولا رضا؛ ولم يكلم موسى تكليما) (^٢)
٢ - إنكاره أن الله يتكلم حقيقة، وهذا إنكار لحقيقة الرسالة. (^٣)
فالصابئة المتفلسفة شيوخ الجعد لا يثبتون وجود الله على الحقيقة فضلًا أن يثبتوا له صفة الكلام، ولذلك هم يقولون: (إن الله ليس له كلام في الحقيقة، وإن كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبي من "العقل الفعال" أو غيره. و"ملائكة الله" اسم لما يتشكل في نفسه من الصور النورانية ولهذا يقول هؤلاء إن خاصية النبي التخييل (^٤)، وإن ما جاء به النبي ليس كلامًا لله على الحقيقة، وإنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق (^٥).
فأراد الجعد بذلك هدم الأصل الثاني من أصلي الدين الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ ورسالته. وذلك من خلال إنكاره لكلام الله المستلزم لإنكار حقيقة الرسالة، وقد تجلت بدعته هذه في قوله بخلق القرآن فهو أول من تكلم به.
قال الهروي: (وأما الذين قالوا بإنكار الكلام لله ﷿، فأرادوا إبطال الكل، فإن الله على زعمهم الكاذب إذا لم يكن متكلمًا، بطل الوحي، وارتفع الأمر والنهي وذهبت الملة، فلا يكون جبريل ﵇ سمع ما بلغ، ولا الرسول ﷺ أخذ ما أنفذ. فبطُلَ التسليم والسمع والتقليد، ويبقى المعقول الذي به قاموا.) (^٦)
٣ - إنكاره محبة الله لأحد من عباده، وبالتالي أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهو يريد بذلك الطعن في نبي الله إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ولا غرابة في
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/ ١٦٣، ١٦٤ "بتصرف"
(٢) الاستقامة ١/ ٢١٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١، ٣٥٢.
(٥) ذم الكلام ص ٣٠٦.
(٦) ذم الكلام ص ٣٠٦.
[ ١ / ١٩٠ ]
ذلك فأئمة الجعد هم الصابئة المشركون عباد الكواكب، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل ﵇ إمام الحنفاء، وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلًا. (^١) بل إن هؤلاء يقولون إن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، فلا يحب الرب عبده، ولا يحب العبد ربه.
وهدفهم هو التعطيل والجحود، لأن إنكار محبة العبد ربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودًا.
كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربًا خالقًا.
فصار إنكار المحبة مستلزمًا لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود (^٢) ولذا أطلق إمام المعطلة الجعد بن درهم القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا. (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇-فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (^٤)
وقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، لم يكن للخلة عنده معنى. (^٥)
٤ - من بدع الجعد معارضته للنصوص بالعقليات، وهو أول من أحدث هذه البدعة، وفتح بابًا من أبواب الشر على المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٧، ٦٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٣، منهاج السنة ٥/ ٣٢٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧١.
(٤) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٥، ١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦.
(٥) منهاج السنة ٥/ ٣٢١، ٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/ ٩٢.
[ ١ / ١٩١ ]
فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، وأولهم الجعد بن درهم) (^١)
فأول ما ظهر علم الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى، من جهة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله. (^٢)
فالجعد هو مشعل نار هذه الفتنة، وعلم الكلام جر على المسلمين الكثير من البلايا والمحن والفتن التي لا نزال إلى يومنا هذا نعاني منها.
وقال ابن القيم: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة) (^٣)
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.
(٢) منهاج السنة ٨/ ٥.
(٣) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٦٩، ١٠٧١.
[ ١ / ١٩٢ ]
٥ - من بدع الجعد إنكاره للقدر.
فقد ذكره البغدادي في عداد القدرية حيث قال: (ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم.) (^١)
وذكر أن الحمارية من القدرية قد تأثروا ببعض أفكار الجعد في هذه المسألة فقال: (وأخذوا من جعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري قوله بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلًا لا فاعل لها.) (^٢)
وقد زعم هؤلاء الحمارية أن الخمر ليست من فعل الله، وإنما هي من فعل الخمار، لأن الله تعالى لا يفعل ما يكون سبب المعصية وزعموا أن الإنسان قد يخلق أنواعًا من الحيوانات، كاللحم إذا دفنه الإنسان أو يضعه في الشمس فيدود، وزعموا أن تلك الديدان من خلق الإنسان، وكذلك العقارب التي تظهر من التبن تحت الآجُرّ زعموا أنها من اختراع من جمع بين الآجُرّ والتبن. (^٣)
وهذا الزعم كان الجعد أسبق من الحمارية إليه فقد ذكر ابن حجر في اللسان أن الجعد كان يقول بذلك حيث قال: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهواما فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه) (^٤)
ولذلك فإني لا استبعد أن تكون الحمارية نسبة إلى مروان الحمار الذي تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك كما أشار إلى ذلك ابن الأثير (^٥) وغيره. (^٦) وبهذا يعلم أن أفكار الجعد كانت تدور حول تعطيل ذي الجلال والإكرام وإنكار صفاته، وتكذيب رسله، وإبطال وحيه.). (^٧)
المسألة الثالثة: وأول من أظهرها.
قال المصنف: "وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها"؛ فهذه المقالة نسبت إلى الجهم واشتهرت عنه أكثر من اشتهارها عن الجعد، والسبب في ذلك يرجع إلى
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص ١٨ - ١٩.
(٢) الفرق بين الفرق ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) الفرق بين الفرق ص ٢٧٩.
(٤) لسان الميزان ٢/ ١٠٥.
(٥) الكامل ٥/ ٤٢٩.
(٦) انظر مأثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ١/ ١٦٢.
(٧) الرد على الجهمية للدارمي (ص ٧) ط: المكتب الإسلامي.
[ ١ / ١٩٣ ]
قوة السلطان وموقفه من أهل البدع، بحيث لم يتمكن الجعد من بثِّ هذه المقالة ونشرها إلا على نطاق ضيق محدود.
ولهذا السبب ما اشتهرت نسبة هذه المقالة للجعد، وإنما اشتهرت نسبتها إلى الجهم، لأن الجهم بعد ذلك فرَّ إلى خرسان واستطاع أن يكون له مهلة من الوقت، إذ أنه وجد هناك من هو خارج على بني أمية، وهو الحارث بن سريج الذي خرج على بني أمية، ولحق به الجهم بن صفوان فوجده خارجًا، وتحالف معه، وكان الحارث قد عيَّن الجهم في وظيفة، ما يسمى الداعي، أي الناطق الرسمي باسم الحارث، فكان الجهم هو الذي يذهب إلى مجامع الناس وإلى مساجدهم، وينشر الدعوة إلى الخروج على بني أمية وعلى هشام بالذات، والدعوة إلى بدعته التي هو عليها، فوجد مرتعًا خصبًا في ذلك.
فالجهم اشتهرت عنه هذه المقالة؛ لأنه هو الذي تمكن من إظهارها بسبب خروجه إلى خرسان، وكون الأمر في ذلك الحين، يعني في تلك المناطق غير مستتب لبني أمية، مع أن هشام أرسل جيشًا بقيادة سلمة بن أحوز إلى خرسان لأجل أن يستتب الأمر هناك، وفعلًا استطاع هذا الجيش بعد وفاة هشام أن يقتل الحارث، واستطاع أن يقبض على الجهم بن صفوان، ويقتله، وقال قائد الجيش: "والله لو كنت في بطن أمي لشققته لكي أخرجك وأقتلك" (^١). فلم يكن قائد هذا الجيش بالمتهاون أو المتساهل مع الجهم بن صفوان بل أمر بقتله، وكان شديدًا على الخارجين على بني أمية في ذلك الحين.
والجهم هو الذي نشر ذلك المذهب وتكلم عليه فبسطه وطراه ودعا إليه، وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، نظرًا لما كان عليه من سلاطة في اللسان، وكثرة الجدل والمراء.
فهو صاحب ذلك المذهب الخبيث الذي اشتهر بنسبته إليه والذي صار به مذهبًا، فلم يزل هو يدعو إليه الرجال، وامرأته «زهرة» تدعو إليه النساء، حتى استهويا به خلقًا من خلق الله كثيرًا.
وكانت فتنته بالمشرق، فهناك بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر كلامًا
_________________
(١) انظر كتاب البداية والنهاية الجزء العاشر صفحة (٢٩).
(٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم.) (^١)
وقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب (^٢) سنة (١٢٨ هـ).
اسمه وكنيته ونسبه (^٣)
اتفق جميع من ذكره على اسمه واسم أبيه، وأنه (جهم بن صفوان) (^٤)، إلا أن بعضهم أضافوا (ال) قبل اسمه، فجعلوه «الجهم بن صفوان» (^٥). والأمر في هذا واسع، حيث إن بعض الأسماء العربية تجوز فيها إضافة (ال) قبلها، مثل (حسن) و(الحسن)، و(حسين) و(الحسين).
ولم يذكر نسبه بعد أبيه، ولعل السبب في ذلك أن الجهم كان من العجم، ومن المعروف عنهم -إلى يومنا هذا-أنهم لا يهتمون بحفظ أنسابهم كما هو موجود عند العرب.
إلا أن يوسف بن موسي (^٦)، ذكر أن الجعد بن درهم هو أبو الجهم أو جده، حيث قال: «أتعرف الجعد؟ هو أبو الجهم أو جده (شك الراوي) الذي شك في الله أربعين صباحًا») (^٧)، ولا شك أن هذا ليس بصحيح، فهو قول شاذ يخالف أقوال جميع العلماء الآخرين، حيث
اتفقوا على أن الجعد شيخ الجهم، وليس أبا له. ويمكن أن تحمل كلمة (الأبوة) على غير معناها الحقيقي، فلعله قصد أن الجهم أخذ عن الجعد ولازمه ملازمة الابن لأبيه، والله أعلم.
كما اتفق جميع من ذكر كنيته على أنها «أبو محرز (^٨). ويظهر أنه كان مشهورًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.
(٣) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية
(٤) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٣٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٢٦).
(٥) مثل الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص ٦٥).
(٦) هو: يوسف بن موسي بن راشد القطان، أبو يعقوب الكوفي، من شيوخ البخاري والترمذي. وثقه غير واحد من أهل العلم. توفي سنة ٢٠٣ هـ. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٤٦٢).
(٧) السنة للخلال (٥/ ٨٨)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ١٢١).
(٨) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم (٤/ ٢٩٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٩٩).
[ ١ / ١٩٥ ]
بهذه الكنية، لأنه لما قتل صاح الناس: «قتل أبو محرز» (^١).
بلده ونسبته (^٢)
كان الجهم بن صفوان من الموالي، حيث ذكرت بعض المصادر أنه مولي لبني راسب، ولا يوجد خلاف في هذا (^٣). والأغلب في الولاء أنه ولاء عتق، وقد يكون ولاء إسلام
والراسبي: «بفتح الراء وسكون الألف وكسر السين المهملة وفي آخرها باء موحدة» (^٤)، إما نسبة إلى بني راسب، «وهي قبيلة نزلت البصرة … وراسب هو ابن ميدغان بن مالك بن نصر بن الأزد، بطن من الأزد» (^٥)، أو إلى راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ربان، رجل جاهلي، بنوه بطن من جرم من القحطانية. وهذا الثاني هو الذي رجحه ابن الأثير حيث قال: «ينسب إليه جهم بن صفوان رأس الجهمية» (^٦).
واختلف العلماء في بلده، فنسبه ابن حزم، والذهبي، وابن حجر وجماعة (^٧) إلى (سمرقند) (^٨).
وقال مقاتل بن سليمان، وأبو إسماعيل الهروي، وعبد القادر الجيلاني وفخر الدين الرازي، والمقريزي وغيرهم (^٩) أنه من (أهل ترمذ) (^١٠). كما نقل اللالكائي
_________________
(١) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).
(٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٠ - ٧٤
(٣) انظر: تاريخ الطبري، (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم، (٤/ ٢٩٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص. ٦٥)، والبداية والنهاية لابن كثير، (٩/ ٤٣٩)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٥٠)
(٤) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٥) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٦) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).
(٧) انظر: الفصل، لابن حزم (٤/ ٢٩٦)، وميزان الاعتدال، للذهبي (١/ ٤٢٦)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٤٩).
(٨) سمرقند: بلد معروف في بلاد ما رواء النهر، وتقع شمال مدينة (ترمذ). انظر: معجم البلدان، للحموي (٣/ ٦٦). ومدينة سمرقند تقع حالية في أوزبكستان.
(٩) الإبانة لابن بطة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، وذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠)، والغنية للجيلاني (ص ١١٨)، واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ١٠٣)، والخطط للمقريزي (٢/ ٣٤٦).
(١٠) ترمذ: بكسر التاء على المشهور، وقيل بفتحها، وقيل بضمها، مدينة مشهورة راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. انظر: معجم البلدان، اللحموي (١/ ٤٤٠). وتقع حالية بين حدود أوزبكستان وأفغانستان.
[ ١ / ١٩٦ ]
من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ (^١)، وذكر الصفدي أن بدعته ظهرت في ترمذ (^٢)
وهذا الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا حيث قال: «ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق، من ترمذ» (^٣).
وتردد ابن كثير في نسبته، فقال إنه (الخزري) (^٤)، وقيل: الترمذي (^٥). ولم أقف على من نسبه إلى (الخزر) غير ابن كثير (^٦).
ونسبه السمعاني (^٧) إلى مدينة بلخ (^٨)، كما نسب إلى الكوفة (^٩)، وإلى مرو (^١٠).
ونقل الخلال بسند فيه مجاهيل عن الإمام أحمد أنه قال: سمعت بعض ولد ساسان يقول: سمعت جهما يقول: «أنا من حران من قدار» (^١١).
ويلاحظ أن أكثر هذه المدن متقاربة بعضها من بعض، مثل: ترمذ، وسمرقند، وبلخ، فكلها في شمال شرقي خراسان.
يقول الباحث ياسر قاضي: "والذي يظهر أنه ولد في سمرقند، ثم انتقل إلى ترمذ، وذلك أن بعض المصادر ذكرت أنه نفي إلى ترمذ (^١٢)، والعادة أن الرجل لا ينفى إلى بلده، ثم إن أكثر المصادر نسبته إلى سمرقند.
_________________
(١) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).
(٢) الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٣٠١).
(٤) الخزر: هو بلاد الترك خلف باب الأبواب، المعروف بالدربند، وهو اسم إقليم أيضا، كما هو اسم مملكة. انظر: معجم البلدان للحموي (٢/ ٢٣١). وهو يقع حاليا في وسط روسيا.
(٥) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).
(٦) قال الدكتور ياسر قاضي: ربما وقع هنا خطأ مطبعي، وأراد أن يقول إنه (جزري) الأصل، فإذا كان هذا، فلعله التبس عليه أمر الجعد، فهو الذي كان جزري الأصل. انظر: ذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠).
(٧) انظر: الأنساب للسمعاني (١/ ٤٧٨).
(٨) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان، بينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٧٨). وتقع حالية في أفغانستان.
(٩) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٤).
(١٠) انظر: الغنية للجيلاني (ص. ١١٨).
(١١) السنة للخلال (٥/ ٨٣).
(١٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).
[ ١ / ١٩٧ ]
فالجمع بين النسبين أن يقال: إنه من سمرقند، ولكن نشأ في ترمذ، لذلك ظهرت بدعته فيها كما صرح بذلك غير واحد من أهل العلم. " (^١)
نشأته (^٢):
لم تذكر كتب التاريخ معلومات عن نشأته، ولا عن أبويه أو طفولته ولكن بالاستقراء بعض المدن التي زارها.
فمما سبق علمنا أن له علاقة بمدينتي سمرقند وترمذ، بل ظهر أول أمره في ترمذ (^٣)، ونفي إليها (^٤).
وذكر عنه أنه أقام ببلخ مدة من الزمن، يصلي في مسجد مقاتل بن سليمان ويتناظر معه (^٥)، وأنه زار الكوفة ولقي شيخه الجعد أول ما لقيه هناك (^٦). كما نعلم من سيرته مع الحارث بن سريج أنه ذهب إلى مرو (^٧)، حيث قتل هناك.
ولم أجد من نص على تاريخ بدء دعوته، ولكن ذكر شيخ الإسلام أن «ظهور جهم (كان) بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك» (^٨)، يعني بين سنة ١٠٥ - ١٢٠
علمه (^٩)
عاش الجهم بن صفوان في وقت مبكر في تاريخ الإسلام، حيث كان التابعون والعلماء متوافرين، ولكنه أعرض عن العلم تماما، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الكتاب والسنة.
وقد شهد غير واحد من أهل العلم على جهله، وعلى أنه لم يجالس العلماء قط، فقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «إن كلام جهم صفة بلا معني، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم. ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة. فخالف كتاب الله بجهله، وقال سبحانه: (ثم طلقتموهن من
_________________
(١) مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢.
(٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٩١ - ١٩٠).
(٤) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).
(٥) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).
(٦) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).
(٧) مرو: وتعرف بمرو الشاهجان، أشهر مدن خراسان وقصبتها، يتخللها أنهار كثيرة. انظر: معجم البلدان للحموي (٤/ ٢٠٣). وتقع حاليا في تركمنستان.
(٨) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٣٠٢).
(٩) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٩٥
[ ١ / ١٩٨ ]
قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ٤ [الأحزاب: ٤٩]. (^١)
وقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٢).
وقال مقاتل بن سليمان: «إن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطى لساناُ» (^٣).
وقال الذهبي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: «وما علمته روي شيئًا» (^٤).
ولم يكن الجهم معرضا عن علم الوحي فحسب، بل كان مقبلا على علم الكلام، ناظرًا فيه، داعية إليه. ذكر ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة الأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين …» (^٥).
وقال الإمام أحمد عنه: «وكان صاحب خصومات وكلام» (^٦).
ويكفي للدلالة على موقفه من العلم موقفه من كتاب الله ﷿، فقد قال أبو نعيم البلخي: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكان خاصًا به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يومًا آية كذا وكذا نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدًا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها. ثم قرأ سورة طه فلما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها. ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكر ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه».
وفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره هاهنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).
(٢) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).
(٣) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٦١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر. (٦٠/ ١٢٠).
(٤) ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، و: لسان الميزان (٢/ ٣٤٩).
(٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
(٦) الرد على الجهمية (ص ١٠٢).
[ ١ / ١٩٩ ]
وفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر عليه، ودفعه برجله» (^١).
ولأجل هذه الأفعال القبيحة وغيرها، نسبه أهل العلم إلى الكفر والزندقة.
ومع هذا الجهل المركب، كتب جهم كتابا في بيان عقيدته والرد على مقاتل بن سليمان، فذكر ابن عساكر أن مقاتل بن سليمان كان يقص في جامع مرو، فقدم عليه جهم وجلس إليه، ثم وقعت العصبية بينهما، فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابا ينقض على صاحبه (^٢).
كما ذكرت بعض المصادر أنه ألف كتابا في نفي الصفات -ولعله هو الكتاب نفسه في الرد على مقاتل، أو كتاب آخر (^٣).
كما ذكر عبد الله بن أحمد أثرا فيه إشارة إلى أن الجهم كان يؤلف في خراسان ويرسل كتاباته إلى الآخرين يدعو إلى مقالاته (^٤).
وقد كتب بعض أتباعه كلامه كذلك، فقال الإمام أحمد: «كتب إلي ذاك المغازلي بكتاب فيه كلام جهم (^٥).
وذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أنه كان قدرية جهمية، وأنه أعطى نعيم بن حماد كتابا فيه رأي جهم، فدفع إليه كتاب جهم، فمزقه نعيم وطرحه (^٦).
وكان الجهم يقف في المساجد ويدعو الناس إلى قوله في التعطيل، فروي عن مكي بن إبراهيم أنه قال: «رأيته في مسجد بلخ، يقول بتعطيل الله عن عرشه وأن العرش منه خال» (^٧).
وقيل: إن واصل بن عطاء أرسل حفص بن سالم إلى ترمذ لمناظرة جهم بن صفوان، فناظره «فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق يقصد المعتزلة، فلما عاد
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرواية الثانية في الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢) وسنده صحيح.
(٢) تاريخ دمشق (٦٠/ ١٢٠)، ويغلب على الظن أن كتابه هذا كان في الصفات، حيث خالفه مقاتل في هذه المسألة.
(٣) الغنية للجيلاني (ص ١١٨).
(٤) انظر: كتاب السنة (١/ ١٨٣).
(٥) السنة للخلال (٥/ ١٤٥).
(٦) انظر: الكامل لابن عدي (١/ ٢٢١)، وفي التهذيب لابن حجر أن إبراهيم هذا توفي سنة ١٨٤ هـ (تهذيب التهذيب، ١/ ٨٤).
(٧) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
حفص إلى البصرة، رجع جهم إلى قول الباطل» (^١).
وقد ثبت أن الجهم خالف أهل السنة في مسائل كثيرة، أوصلها الإمام أحمد إلى سبعين مسألة. نقل الخلال عن إسحاق بن عيسى البار أنه قال: «قدم علينا رجل من صور، معرف بالصوري، متكلم، حسن الهيئة كأنه راهب، فأعجبنا أمره، ثم إنما لقي سائل فجعل يقول لنا: الإيمان مخلوق، والزكاة مخلوق، والحج مخلوق، والجهاد مخلوق. فجعلنا لا ندري ما نرد عليه، فأتينا عبد الواهب الوراق، فقصصنا عليه أمره، فقال: ما أدري ما هذا؟ ائتوا أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فإنه جهبذ هذا الأمر.
قال: فأتينا أبا عبد الله، فأخبرناه بما أخبرنا عبد الوهاب من المسائل التي ألقاها علينا. فقال لنا أبو عبد الله: «هذه مسائل الجهم بن صفوان، وهي سبعون مسألة، اذهبوا فاطردوا هذا من عندكم (^٢).
إذا ثبت أن الجهم ابتدع أقوالا كثيرة، ولكن الذي وصلنا منه أقل من هذا بكثير، ولله تعالى حكم بالغة في ذلك، والله أعلى وأعلم.
ومما نعرف عنه أنه كان رجلا فصيحًا، فعن مقاتل أنه قال في الجهم: إنما كان رجلا أعطي لسانا (^٣).
ونقل اللالكائي عن كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان» (^٤).
وقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٥).
ووصفه غير واحد من أهل العلم بأنه كان ذا أدب ونظر وذكاء وفكر وجدال ومراء (^٦).
_________________
(١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ص ١٩٣)، والمنية والأمل لابن المرتضى (ص ١٩).
(٢) انظر: السنة (٥/ ٩٣)
(٣) الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد لأبي دواد (ص ٢٦٩).
(٤) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).
(٥) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).
(٦) الوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٦).
[ ١ / ٢٠١ ]
وهذا النوع من دعاة الضلال وصفهم شيخ الإسلام في هذه الفتوى بقوله: " أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦].
هذا، وقد ذكرت بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^١).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم - وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها - فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٢).
وعن الأصمعي أنه قال: «قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود». فقال الأصمعي: «هي كافرة بهذه المقالة» (^٣).
وكان لابنه محمد منصب عند الخليفة العباسي المأمون، فذكر الكناني: «وكان الناس في ذلك الزمان في أمر عظيم، ومنع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والدعاؤون من القعود في الجامعين ببغداد، وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشرًا المريسي، ومحمد بن الجهم بن صفوان (وفي نسخة زيادة: الذي به تعرف الجهمية)، ومن كان موافقة لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون ويجتمع الناس إليهم، فيعلمونهم الكفر والضلال» (^٤) وكان محمد هذا يحضر مجالس المأمون ويدعو إلى بدعته، ويناظر من حضر مجالس المأمون من علماء أهل السنة؟ (^٥)
وقد ذكر هذا الرجل في بعض المصادر الأخرى (^٦).
_________________
(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).
(٢) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).
(٣) مختصر العلو للذهبي، اختصار الألباني (ص ١٧٠، أثر ١٨٩).
(٤) كتاب الحيدة (ص ٤).
(٥) انظر: نفس المصدر (ص ٥، و٣٦، و١٢٣).
(٦) انطر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٤٥، وص ٥٠)، حيث قال عنه: «ثم نصير إلى محمد بن الجهم البرمكي، فنجد مصحفه كتب أرستطاطاليس، في الكون والفساد والكيان، وحدود المنطق بها، يقطع دهره ولا يصوم شهر رمضان لأنه -فيما ذكر-لا يقدر على الصوم …».
[ ١ / ٢٠٢ ]
وكان أتباعه في حياته محدودين، فقد ذكر ابن كلاب في كتابه الصفات أنه لم يكن للجهم سوى خمسين أتباعه، وقيل: بل رجلان فقط) (^١).
شيخه وسلسلة إسناد مقالاته (^٢)
اشتهر بين العلماء أن الجهم كان تلميذا للجعد بن درهم، ومن خاصته بحيث لم يشتهر بين تلاميذ الجعد سواه.
قال البخاري: «قال قتيبة بن سعيد: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم» (^٣)، فالجعد إذا هو الشيخ الأساسي للجهم بن صفوان.
وذكر بعض المؤرخين أن الجهم لقي الجعد في الكوفة، بعد ما هرب الجعد من بني أمية، حيث نص ابن كثير أن الجعد «أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فطلبته بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه» (^٤).
يقول شيخ الإسلام: «فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك» (^٥).
وبين شيخ الإسلام أن «… أصل قولهم هذا مأخوذ من المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا» (^٦).
وذكر في موضع آخر أن إسناد جهم في مقالاته متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة (^٧).
_________________
(١) نقله من كتاب ابن فورك شيخ الإسلام في درء التعارض (٦/ ١٩٤)، بينما في مجموع الفتاوي (٥/ ٣٢٠) قيل إنهما رجلان فقط.
(٢) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢
(٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٨)، وذكره كذلك السمعاني في الأنساب (١/ ٤٦٨).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).
(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/ ١١٩).
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٩٧).
(٧) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
مقتله (^١)
تاريخ قتله: قتل الجهم بن صفوان، يوم الثلاثاء، التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة. ويؤخذ يوم وتاريخ قتله من الأحداث التي صاحبت القتال الذي حصل بين الحارث بن سريج ونصر ابن سيار، فنعلم أن القتال بدأ يوم الاثنين، ٢٨ جمادى الآخرة، ١٢٨ هـ (^٢)، واستمر القتال إلى اليوم الثاني، حيث انهزم فريق الحارث، ودخل سلم معسكره، وأسر الجهم وقتله في ذلك اليوم.
مكان قتله: قتل بخراسان، خارج سور مدينة مرو، على شط نهر بلخ. لأن معسكر الحارث كان خارج سور مدينة مرو، ولما انهزم الحارث، دخل سلم معسكره وأسر فيه الجهم بن صفوان، ثم قتله سلم على شط النهر (^٣).
من قتله وتفاصيل القتل: فالذي قتله هو عبد ربه بن سيسن، غلام سلم بن أحوز، والي الشرطة لنصر بن سيار، بأمر من سلم، بعد أن رفض قبول الأمان الذي أخذه الجهم من ابنه. والقتل كان بضرب عنق الجهم بالسيف.
فقد فذكر الطبري أنه لما أسر الجهم بن صفوان، قال جهم لسلم: «إن لي ولثا (^٤) من ابنك حارث»، فقال له سلم: «ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأبرأك إلي عيسي بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، وأمر غلامه عبد ربه بن سيسن فقتله (^٥).
ولا ينافي هذا أن كثيرا من العلماء ذكروا أن سلم هو الذي قتله (^٦)» وذلك لأن سلم أمر بقتله، وقتله غلامه، فجاز نسبة الفعل إليه.
_________________
(١) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان (١/ ١٠٩ - ١١٥)
(٢) ذكر هذا التاريخ الطبري في تاريخه (٧/ ٣٣٣)، وابن الأثير في الكامل. (٤/ ٣٤٨).
(٣) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٥)، وكذلك نقل الزركلي من كتاب (الحور العين) أن الجهم قتل في مرو على شط نهر بلخ (انظر: الأعلام، ٢/ ١٤١). وذكر المكان أيضا اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٣٤٤)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣).
(٤) الولث: العهد بين القوم، يقع من غير قصد، ويكون غير مؤكد، أو: الوعد الضعيف. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ١٠٥٥).
(٥) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).
(٦) منهم: البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٢٢)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، ويزيد بن هارون، كما في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٩٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢١)، والبغدادي في الفرق بين الفرق (ص. ١٩٥)، وابن حزم في الفصل (٤/ ٢٩٦)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣)، وابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٣١٧) والذهبي في السير (٦/ ٢٧).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ووصف لنا بكير بن معروف ما حصل للجهم حين قتل، فقال: «رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق الجهم فاسود وجهه -أي وجه جهم (^١)، وهذا الأثر يبين طريقة قتله.
سبب قتله:
أكد العلماء (^٢) بأنه قتل من أجل مقالاته وأفعاله الدينية المنحرفة. وهناك بعض الآثار تؤيد هذا القول، فعن يزيد بن هارون أنه قال: «لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرًا جاحدًا ترك الصلاة أربعين يوما يزعم أنه يرتاد دينا، وذلك أنه شك في الإسلام. قال يزيد: قتله سلم بن أحوز على هذا القول (^٣).
ونقل ابن حجر من كتاب ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولي بني هاشم قال: «قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».
ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٤).
وروى أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم أنه قال: «ذهبت إلى محمد بن سوقة، فقال: ههنا رجل قد بلغني أنه لم يصل، فمررت معه إليه، فقال: يا جهم، ما هذا؟ بلغني أنك لا تصلي. قال: نعم. قال: مذ كم؟ قال: من تسعة وثلاثين يوما، واليوم أربعين. قال: فلم لا تصلي؟ قال: حتى يتبين لي لمن أصلي. قال: فجهد به ابن
_________________
(١) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
(٢) مال إلى هذا القول الذهبي، حيث قال: قيل إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسي، (السير ٦/ ٢٧)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم …» (مجموع الفتاوي ٣٥/ ٤١٤).
(٣) كتاب السنة للخلال (ص ١٦٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي. (٣/ ٤٢١).
(٤) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.
[ ١ / ٢٠٥ ]
سوقة أن يرجع، أو أن يتوب، أو يقلع، فلم يفعل. فذهب إلى الوالي، فأخذه فضرب عنقه وصلبه» (^١).
وقد جاء من المتأخرين من رأى أن قتله كان لأسباب سياسية فحسب (^٢)، ونص كثير منهم على قول سلم له حين قتله: «لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، ويرون أن هذا صريح في أن سبب قتله أمر سياسي. حيث ورد هذا السبب في عدد من الروايات قال الحافظ ابن حجر: «وكان قتل جهم بن صفوان سنة ثمان وعشرين، وسببه أنه كان يقص في عسكر الحارث بن سريج، الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، فقال له: استبقني. فقال: لو ملأت هذا الملأ كواكب، وأنزلت إلي عيسي ابن مريم، ما نجوتك. والله لوكنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، ولا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت، وأمر بقتله (^٣).
والذي يترجح أن التعبير بمقولة أسباب سياسة هي مقولة محدثة نقلها بعض المتأخرين من كلام بعض المستشرقين فمما وقفت عليه أن المستشرق "شارل بلاذا" في كتابه "الجاحظ" حيث قال عن مقتل الجعد بن درهم: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد) وكذلك علي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي) وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.
وجمال الدين القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة حيث قال: " ومن تأمل ما قص يعلم أن قتل جهم إنما كان الأمر سياسي لا ديني، وقد صرح بذلك سلم (رئيس شرطة نصر) قاتله بقوله: والله لا يقوم علينا من اليمانية أكثر مما قمت فتفطن
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤ خ هـ، ص ٦٧).
(٢) منهم الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀-في كتابه (تاريخ الجهمية والمعتزلة، ص ١٦). وينبه أن الشيخ، مع جلالته وعلمه، وقع في أخطاء فاحشة في هذا الكتاب، حيث وصف جهما بأنه كان «داعية للكتاب والسنة، ناقمًا على من انحرف عنهما، مجتهدًا في أبواب من مسائل الصفات … (ص ١٨)»، وعلى كل حال، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا محمد ﷺ، ولعله كان يرى هذا الرأي في المرحلة الأولى من حياته حيث كان -كما صرح بنفسه -أشعري المعتقد، ثم انتسب إلى أهل السنة.
(٣) لسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٠٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
ولا تكن أسير التقليد" (^١).
ولا شك أن هذا لا يمكن اعتباره مستندًا فاصلًا في هذه المسألة، لأن من كان على جهاز الشرطة قد يكون كلامه نابعًا مما يعيشه من صورة الأمر فقد يعبر عن الأسباب من عدة جوانب، ولو أنصف القاسمي لأورد الروايات الأخرى التي تؤكد أنه ورد في سياق حواره أنه قتله لمقالته في التعطيل فقد قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».
ومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٢).
وعلى هذا فقتل الجهم اجتمعت فيه عدة عوامل، ذلك لأن الجهم خرج على جماعة المسلمين، وقاتل ولاة الأمر، فارتكب جريمة تستحق القتال، علاوة على أن الجهم لم يكن مجهولا لدى بني أمية. فكان قد طلبه بنو أمية قبل قتله بسنوات الأجل مقالاته.
فقد نقل اللالكائي عن عبيد بن هاشم أنه قال: «أول من قال القرآن مخلوق: جهم، فأرسلت إليه بنو أمية، فطلبته -يعني قتلته-فطفي الأمر … (^٣). وثقل أيضا عن هارون بن معروف أنه قال: «كتب هشام بن عبد الملك -أو بعض ملوك بني أمية -إلى سلم بن أحوز أن يقتل جهما حيثما لقيه، فقتله سلم بن أحوز وكان والي مرو (^٤).
ونقل عن صالح بن أبي عبد الله أنه قال: «قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد، فقد نجم (^٥) قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان. فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه» (^٦).
وقال أبو إسماعيل الهروي: «وأما الجعد بن درهم، فضحي به خالد بن عبد الله
_________________
(١) تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ١٦ - ١٧.
(٢) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.
(٣) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٢).
(٤) نفس المصدر (٣/ ٤٢٤).
(٥) نجم: طلع وظهر. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٠٤).
(٦) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
[ ١ / ٢٠٧ ]
القسري على رؤوس الخلائق، وما له يومئذ نكير، وذلك سنة نيف وعشرين ومئة. وأما الجهم، فكان بمرو، فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على خراسان نصر بن سيار يأمره بقتله، فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو، فضرب عنقه بين نظارة أهل العلم وهم يحمدون ذلك (^١).
وقد قال بعض الباحثين المعاصرين بالجمع بين السببين، قال د. يوسف الوابل: «لا يمنع أن يكون قتله لأمر سياسي، وإن كان قد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بقتله قبل ذلك الأمر ديني، وهو اشتهر عنه من شكهـ وتركه الصلاة أربعين يوما … فكان ذلك سببًا قويًا في أن يأمر الخليفة هشام بن عبد الملك عامله على خراسان نصر بن سيار أن يقتله، ولكنه لم يظفر به إلا حينما خرج مع الحارث بن سريج، فعند ذلك أمر بقتله» (^٢) وبناء على ما سبق، يرى فريق أنه نستطيع أن نجمع بين السبين، حيث لا منافاة بينهما، ونقول: إن بني أمية أمروا نصر بن سيار بقتله، فكتب نصر إلى والي شرطه سلم بن أحوز بذلك، ولكنه لم يستطع العثور عليه إلا بعد هزيمة الحارث بن سريج، فقتل من أجل مقالاته ومن أجل خروجه مع الحارث بن سريج. ومما يقوي هذا الأمر أنه لم يذكر أن سلمة قتل أسيرًا غيره، حيث نص المؤرخون على أن سلمة أسر أناسًا كثيرين من جيش الحارث، وقتل جهم. فربما قصده من بين سائر الأسارى لأجل الحكم السابق من خلفاء بني أمية.
هذا، وقد قيل إن جهما تاب قبل موته، فروى أبوداود وغيره عن أحمد بن حفص بن عبد الله، قال حدثني أبي، قال إبراهيم بن طهمان: حدثنا من لا يتهم-غير واحد-أن جهما رجع عن قوله ونزع عنه، وتاب إلى الله منه، فما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه! ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم!» (^٣).
وهذا الإسناد صحيح إلى إبراهيم بن طهمان، ولكنه منقطع لأنه توفي سنة ١٦٨ هـ (^٤)، ولم يسم لنا شيوخه، ثم هو مخالف لجميع ما وصل إلينا من الأخبار عنه، فالله أعلم.
_________________
(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٢).
(٢) انظر: مقدمته الكتاب الإبانة، الرد على الجهمية لابن بطة (١/ ٦٩).
(٣) مسائل أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، والرد على الجهمية لابن بطة. (٢/ ٩١).
(٤) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٧٨)، وقد ذكر بعض الروايات الأخرى في تاريخ وفاته كلها متقاربة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
بدع الجهم
إن جهم بن صفوان -كغيره من أهل البدع -لم يعط الكتاب والسنة حقهما، بل استدل بآيات متشابهات، وأول القرآن على غير تأويله (^١)، وحرفه عن مواضعه.
ولا غرو في ذلك، فإنه كان يزعم أن القرآن مخلوق، وهو قول يتوصل به إلى إنكار الوحي، والحط من علو مرتبة القرآن وهيبته في النفس".
لذا بني مقالته في الصفات على آيات ثلاث فقط، وأهمل الآلاف من الآيات المحكمات، وأول هذه الآيات المتشابهات على غير تأويلها. يقول الإمام أحمد عنه أنه «وجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه، قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري: ١١]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)» [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، … وتأول كتاب الله على غير تأويله» (^٢).
ويكفي للدلالة على موقفه من الكتاب العزيز ما رواه غير واحد من علماء السلف بأسانيدهم عن أبي نعيم البلخي أنه قال: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكأن خاض به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟
فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يوما آية كذا وكذا -نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها.
ثم قرأ سورة طه فلما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها.
ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكرها ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه.
وفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».
وفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر
_________________
(١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في رده على الجهمية (ص ١٠٨).
(٢) الرد على الجهمية (ص ١٠٢ - ١٠٨)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.
[ ١ / ٢٠٩ ]
عليه، ودفعه برجله» (^١).
بل تجاسر على القول بأن القرآن غير محفوظ.
فعن زر بن صالح السدوسي أنه قال: «لقيت جهما فقلت: هل نطق الرب؟
قال: لا.
قلت: فينطق؟
قال: لا.
فقلت: فمن يقول (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، ومن يرد عليه و(لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؟
فقال: لا أدري، زادوا في هذا القرآن ونقصوا» (^٢).
فالقرآن عنده كلام مخلوق مبدل محرف، فما عسى يكون قيمته عنده حينئذ؟
وإذا كان هذا موقفه من كلام رب البرية، هل يحتاج بعد ذلك لبيان موقفه من كلام أصدق البشرية ورسول رب الأرض والسموات؟
ولقد نص الإمام أحمد على أن الجهم … كذب بأحاديث رسول الله ﷺ (^٣). ولما بلغ الإمام أحمد قول أحدهم: «لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني التي في الرؤية»، قال أحمد: «كأنه نزع إلى رأي جهم (^٤)، وفيه إشارة إلى أن الجهم كان ينكر الأحاديث.
ولم يعرف عنه استشهاد واحد منه بحديث رسول الله -صحيح أو ضعيف أو موضوع -للمقالات التي ذهب إليها.
ويدل على جهله المركب شهادة علماء الحديث فيه، فقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة (^٥)، وهذا جهل واضح بكتاب الله تعالى إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: ٤٩].
_________________
(١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٩٧). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢): وسنده صحيح، وقد سبق ذكره.
(٢) ذم الكلام وأهله، للهروي (٥/ ١٢٧، أثر ١٤٥٣)، وذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤١).
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ١٠٤).
(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٤٥٥).
(٥) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).
[ ١ / ٢١٠ ]
وشهد عليه علماء الحديث أنه لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح (^١)، وعرف عنه أنه لم يجالس العلماء، ولا روي شيئا من الأحاديث (^٢).
والذي يعرض عن المصدرين الأساسين سيقع حتما في مخالفة السلف الصالح وإجماع المسلمين، كما نص غير واحد من علماء الإسلام على ذلك. وقد بين كثير من العلماء مخالفة جهم لإجماع المسلمين (^٣)، بل ومخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين (^٤).
فهذه الأمور -أعني الإعراض عن الكتاب والسنة وسلف الأمة-يجتمع فيها جميع أهل البدع على خلاف بينهم في درجة ومستوى مخالفتهم لهذه الأصول (^٥).
غير أن الذي ابتدعه جهم بن صفوان وأختص به من بين سائر الفرق قبله هو معارضة النصوص بما يزعم أنه عقل. فقد بين ابن القيم أن الجهمية هم أول من عارض السمعيات بالعقليات من بين الطوائف.
فالشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، مع أنهم ابتعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، إلا أنهم لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص، «فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي … وأولهم شيخهم الجعد بن درهم»، إلى أن قال: «… وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل، قدمنا العقل. قالوا: نحن أنصار العقل، الداعون إليه، المخاصمون له، المتحاكمون إليه … إلخ (^٦).
وقال ابن تيمية: «ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٩٠).
(٢) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٩٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٩١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ١٢٠).
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي، (١/ ٤٣٦)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٤٩).
(٤) انظر مثلا: رد الدارمي على بشر المريسي (ص ٢٢٣)، والشريعة للآجري (١/ ٢٣٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٥).
(٥) انظر: درء التعارض لابن تيمية (٣/ ٥١).
(٦) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧ - ١٠٩).
[ ١ / ٢١١ ]
والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم الجعد بن درهم …» (^١)
كما ذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم، وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^٢).
ويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٣).
كما يدل على منهجه هذا: مقالاته الكثيرة التي ليس عليها أدني دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل كلها مبنية على ما يزعمه أصول عقلية، وهي في الحقيقة أصول يونانية جاهلية.
فمثلا قوله في الإيمان وأنه مجرد المعرفة، وأخذه بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، إنكاره ما ورد من الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، وإنكاره الشفاعة، وعذاب القبر، والصراط، وإنكاره للملائكة، وغير ذلك من عقائده، يدل
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).
(٣) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١). وهذه الجملة تحتمل معاني عدة: الأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة. الثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام. الثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه. الرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٢ ]
دلالة واضحة بأنه لم يكن يهتم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعطي لهما وزنة، بل جميع هذه الأقوال مبنية على أصول فاسدة وأقوال مستوردة.
فشأن جهم كشأن من بعده من أرباب الكلام المتبعين له، «ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.
وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^١).
فخلاصة القول إن الجهم كان يدعو لأمور منها:
١ - إنكار الأسماء والصفات.
فالجهم بن صفوان أنكر الأسماء والصفات.
٢ - قوله بأن الإيمان هو المعرفة.
فقد كان في مسائل الإيمان على الإرجاء يقول: "إن الإيمان هو مجرد المعرفة" (^٢).
٣ - القول بفناء الجنة والنار.
كذلك كان يدعو للقول بفناء الجنة والنار معًا.
٤ - القول بالجبر في باب القدر.
فقد كان كذلك جبريًا في باب القدر، يقول: "إن العبد مجبور" (^٣).
والمعتزلة كانوا في الصفِّ المقابل إذ ذاك لأنهم يقولون بمقالة القدرية، أي إنكار قدرة الله ﷾، وأما الجهم فهو ينكر قدرة العبد ويقول: إن العبد مجبور على فعله، والناس في القدر ثلاثة: إما أن يكونوا قدرية، أو جبرية، أو أهل السنة والجماعة.
فالجبرية الذين ينكرون قدرة العبد ويقولون: إن العبد مجبور على فعله وهذا قول الجهمية، أتباع جهم.
والقدرية الذين يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما
_________________
(١) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).
(٢) انظر كتاب سير اعلام النبلاء الجزء السادس، صفحة (٢٧).
(٣) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول، صفحة (٨٥).
[ ١ / ٢١٣ ]
العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد، فهم في مقابل الجهمية إذ ذاك.
فهذه أشهر ما عند الجهم من المقالات، ومقالات الجهم كان لها أتباعها، وكان أتباعها في المشرق جهة خرسان.
لذلك كان أئمة السنة في المشرق أقوالهم وآثارهم أكثر في مسائل الجهمية من العلماء في الشام، أو العلماء في الحجاز، أو علماء السنة كذلك في مصر وغيرها؛ لأن ظهور المقالة كان في جهة المشرق جهة خرسان. ولذلك كان تأثر الأحناف بهذه المقالة أكثر من تأثر غيرهم في ذلك الحين، حتى أن بشر المريسي كان من الحنفية ولذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة عنَّف بشرًا وحاكمه على مقولته هذه.
فكان تأثر الأحناف بهذه المقالة باعتبار أن ظهورها كان في المشرق، وكان لمذهب أبي حنيفة قبولًا في ذلك الاتجاه أي في خرسان. فالمعتزلة في ذلك الحين لم يكونوا بعد قد تأثروا بمقالة الجهمية في نفي الصفات، ولذلك فإن العلماء إذا نسبوا هذه المقالة قالوا: مقالة الجهمية.
المسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها.
تحدث المصنف عن أصول وجذور هذه المقالة وذكر أنها تعود في أصلها إلى ثلاثة مشارب.
المشرب الأول: المشرب اليهودي.
المشرب الثاني المشرب الصابئ.
المشرب الثالث: المشرب الوثني.
أما المشرب الأول: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: "وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان" (^١)، فأراد هنا أن يبين المشرب اليهودي في هذه المقالة، فهناك مشرب يهودي وهذه تسمى سلسلة الخشب كما يقول عنها علماء السلف، فهناك سلسلة الذهب، وهناك سلسلة الخشب، فاعلم أن هذه سلسلة الخشب، وأما سلسلة الذهب فهي مالك عن نافع عن ابن عمر.
فإليك سلسلة الخشب: الجهم عن الجعد بن درهم عن أبان بن سمعان، وأبان تارة يقال عنه: أبان، وتارة يقال عنه بيان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن
_________________
(١) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية الجزء الأول، صفحة (٢٣٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي، واليهود معروف عنهم موقفهم من الله تعالى في أسمائه وصفاته، فهم في جانب الصفات تنقَّصوا الله ﷿ ووصفوه بالبخل، ووصفوه بالتعب، ووصفوه بصفات نزَّه الله تعالى نفسه عنها في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
فإذًا هذا موقف اليهود من الصفات، اليهود يسمُّون الإله يهوى، يقولون عنه: يهوى، وأصل هذه الكلمة استفهام، تعني، ما هو، لأنهم لا يثبتون لله اسما، فمن مقالاتهم إنكار الأسماء لله ﷾.
فحاول اليهود بثُّ هذا الفكر الذي عندهم، لأن من اليهود من لا يثبت اسمًا لله تعالى إلا على سبيل الاستفهام، يعني ما هو. فهذا مأخذ كلمة يهوى عندهم، فيهوى يعني الإله، فهي أصلها استفهام، ما هو؟
فما يجعلون له اسما، فبالتالي ظهرت هذه المقالة من هذا الأمر الذي هو موجود عند اليهود، ومعروف في عقائدهم وتاريخهم، ومن يقرأ في عقائد اليهود في هذه الجوانب يعرف أن لهم صلة وعلاقة وثيقة بظهور هذه المقالة، وقد أشار هنا إلى شيء من أصولها. فلبيد ابن الأعصم اختُلِف، هل هو من اليهود أو حليفٌ لليهود؟ والخلاف في هذا مبثوث في كتب أهل العلم، فالشاهد أن هذا هو أصل المقالة من جهة المشرب اليهودي. فهنا قال المصنف: "إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود".
وأما المشرب الثاني: وهو المشرب الصابئ: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: "وكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ-مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ" فقيل إنه من أهل حران، وقيل: أنه دخل حران، وحران بلد الصابئة، بقايا دين النمرود، فما زال في حران إلى ذلك الوقت كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين، ونعرف أن إبراهيم ﵇ دعا النمرود ودعا قومه إلى الإسلام، وكانوا -أي هؤلاء-يبنون الهياكل، ويعبدون الكواكب.
فكان لهؤلاء يعني خطَّان: خط فلسفي، وخط وثني يتخذ من الهياكل أماكن للعبادة، فهناك هيكل للقمر، وهيكل للشمس، وهيكل للزهرة، وهيكل … هكذا للكواكب، كانوا يعبدون تلك الكواكب. فقال المصنف: "بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ" ولعله يشير إلى ما نسب إلى الرازي من تصنيفه كتابًا في ذلك، وهو كتاب مشهور ومعروف إلى يومنا هذا،
[ ١ / ٢١٥ ]
يذكر أنه منسوب إلى الرازي وهو: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم.
فصنفه مصنفه على مذهب هؤلاء المشركين عباد الهياكل والكواكب.
وقال المصنف: "ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. " ذكر المصنف هنا أن النمرود إنما هو اسم جنس لا اسم علم، كما يقال لملك المصريين (فرعون)، وكما يقال لملك الحبشة (النجاشي)، وكما يقال يعني (قيصر) ملك الروم، وهكذا فهو اسم جنس لا اسم علم، هذا استطراد من المصنف في بيان معنى النمرود.
[ ١ / ٢١٦ ]
(٤١) "فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ- إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا؛ بَلْ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ".
فهؤلاء الصابئة بقايا دين النمرود كان لهم خطَّان، خط فلسفي، وخط وثني. فالخط الفلسفي عند علمائهم، والخط الوثني عند عبادهم وعوامهم، فقال المصنف هنا: "فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ-إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ، وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ" إذًا كان عندهم بقايا فلسفة، وبعد هذا بين شيخ الإسلام، أن لفظ الصابئة جاء في القرآن في موضعين: في موضع ذم، وفي موضع مدح؛ لأن أوائل الفلاسفة كانوا يقرُّون بوجود الله تعالى، وإنما عُرِف القول بقدم العالم وإنكار وجود الله من عهد أرسطو، بدأ أرسطو هو الذي ينكر وجود الله ﷾.
فالصابئة الذين أثني الله عليهم في القرآن، كانوا أناسًا يعبدون الله تعالى على غير شريعة، أي على غير اتباع نبيٍّ بعينه، فهذا قسْمٌ من هؤلاء، وقد ذكرهم الله ﷾
[ ١ / ٢١٧ ]
فيمن ذكر من الأصناف الأخرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فكانوا يتعبَّدون لله تعالى على غير شريعة بعينها، وهذا الذي قيل في هذا الصنف من الصابئة: قوم يعبدون الله تعالى على غير شريعة بعينها، فهؤلاء صنف قد دخلوا في هذا الحال الذي هو حال مدح.
وذمُّوا في مواضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، هذه ستة أصناف كما يقول عنها ابن عباس: "الأديان ستة خمسة للشيطان، وواحد للرحمن" (^١)، فهذا مقام ذمِّ لهؤلاء.
فإذًا لفظ الصابئة يطلق أحيانًا ويراد به، الصنف منهم الذين عبدوا الله تعالى على غير شريعة بعينها، وصنف مذموم وهم الذين كانوا على دين النمرود.
"لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ"
ذكر المصنف أن قليلًا منهم كان يشملهم هذا الحال، أما أكثرهم فهم على الشرك، كما أن اليهود فيهم كذلك من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وكذلك النصارى فيهم من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وسائر الأصناف على هذا الحال.
لذلك تجد أن هناك آيات تثني أحيانًا على أهل الكتاب، وآيات تذمُّهم، وآيات تثني عليهم وتمدحهم. فالمدح يكون لأهل الخير منهم، والذمُّ يكون على الذين بدَّلوا وحرَّفوا دينهم، فالثناء يكون لمن تقدم منهم ولم يغيِّر، ولم يبدِّل، ولم يحرِّف، أو لمن أدرك الإسلام فكان له الفضل بحيث كان له سبق في الحق، وكان له أيضًا فضل اتباع النبي ﷺ، وهكذا تجد هذا كثيرًا في القرآن، تجده كثيرًا في القرآن.
"فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. " ومقصود المصنف أنه انتهى صنف الصابئة الذين كانوا يتعبَّدون الله على غير شريعة، فلا يكون ولا يعقل أن يكون لهؤلاء وجود أو أمر يُمدحون عليه بعد بعثت النبي ﷺ، إذ إن نبوءة النبي ﷺ كانت عامة لكل الخلق، ولا يسع أحد أن يخرج عنها. فإذًا عندما دخل الجعد حران كانت حران إذ ذاك فيها من
_________________
(١) انظر كتاب الدر المنثور للسيوطي الجزء السادس، صفحة (١٦).
[ ١ / ٢١٨ ]
كان على الشرك، وعبادة الكواكب، وبناء الهياكل، "فأولئك الصابئون" يقصد بهم الذين دخل عليهم الجعد كانوا إذ ذاك كفارًا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.
"وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. " ومذهب النفاة من هؤلاء الذين هم فلاسفتهم: أنه ليس له إلاَّ صفات سلبية أو إضافية أو مركَّبة منهما، ويقصد بهؤلاء الذين تلقَّى عنهم الجعد وأخذ منهم الجعد، فقد كانوا أصحاب فلسفة صابئة، وفلاسفة الصابئة كان قولهم في هذه المسائل: عدم إثبات صفات الله تعالى، إذ أنه كما أسلفنا الفلاسفة عمومًا لا يرون أن هناك وجودًا لله تعالى على الحقيقة.
وبالتالي يدور كلامهم بين صفات سلبية أو إضافية.
فالسلبية مثل قولهم: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين، ولا، ولا … وتأتي اللاأت اللامتناهية، هذا جانب.
والإضافية مثل قولهم عنه: واجب الوجود، هي عبارات في حقيقتها لا تدل على أنه له صفة ثابتة، وهي عبارات يثبتونها، المقصد منها أنه ليس لله ﷿ صفات والإضافات عندهم هي أمر لا يتعلق بالذات، لأنهم في حقيقتهم لا يريدون إثبات ذاته، بل أمر خارج عن الذات كما يقولون: واجب الوجود.
فإذا قلت لهم: ما واجب الوجود؟ قال قائلهم: "واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، ولا قسمة له لا في الكَمِّ، ولا في الكيف، ولا في المعقول، ولا في اللامعقول، ولا في الهيلولي، ولا في الصورة، ولا، ولا، ولا … " عبارات منتهاها أنه في الذهن دون الخارج، أنه موجود وجودًا ذهنيًا في الخيال لا حقيقة له، فهذا كلامهم يقول لك: "واحد بسيط"، وهذه عبارات فلسفية، لابد لفهمها أن تنظر إلى تفسير معنى الواحد عندهم، فهم لا يقصدون بالواحد الوحدانية، وهكذا معنى البسيط عندهم؟
إذًا قولهم "واحد بسيط" معناه: أن وجوده وجودًا مطلقًا أي وجود ذهني، فلو فسرت هذا في عباراتهم لوجدت أن معنى الواحد عندهم: هو الوجود المطلق الذي هو في الخيال لا في الحقيقة.
وهذا هو السِتَار الذي استطاع به هؤلاء أن ينشروا كتبهم، ويبثوا مقالاتهم لأن كل
[ ١ / ٢١٩ ]
حرف، وكل كلمة تحتاج إلى قاموس لا يستطيع فهمه إلا من تربى على أيديهم، فلا يمكن أن يأتيك الواحد منهم ويقول لك مباشرة: إن وجود الله تعالى وجود ذهني لا حقيقة له في الخارج، هذه المسألة لا يمكن أن يقولها صراحة لكن يغلِّفها بغلاف فلسفي وعبارات فلسفية، حتى إذا قرأتها لم تفهم منها حرفًا، فمعنى "واحد بسيط لا تكثر فيه"؟! وما معنى "الوجود"؟! وما معنى "لا قسمة له لا في الكَمِّ ولا في الكيف؟! ولا في المعقول ولا في اللامعقول؟! ولا في المتناهي ولا في اللامتناهي؟! ولا في الهيلولي ولا في الصورة"؟!
كل هذا الكلام بحاجة إلى قاموس يوضح معنى كل عبارة وماذا تعني.
فإذًا هذا هو أصل كلام هؤلاء، ومن يدرس طريقة الفلسفة، وحبذا لو يقرأ كتاب ابن تيمية [الرد على المنطقيين] فقد أشار إلى شيء من تاريخ الفلاسفة، ومن أقوالهم، ومقالاتهم، ومن ضمنهم هؤلاء فلاسفة حران، وحران في بلاد الشام. وعلى التقسيم السياسي الآن تقع قرب الحدود التركية.
قال المصنف: "وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ"
المصنف أراد هنا أن ما دامت المسألة تتعلق بحران، أراد أن يشير إشارة إلى الفارابي، لأن الفارابي هو أول من ترجم كتب أرسطو، وأرسطو هو أول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقد أخذ الفارابي كتب أرسطو وترجمها إلى العربية، وحاول أن يصبغها بصبغة الإسلام. فالفارابي معروف تاريخه أنه من الفلاسفة الزنادقة، وكان يشتهر بالموسيقى، حتى أنهم ينسبون إليه أنه هو أول من اخترع آلة القانون، هذا من آلات الموسيقى هذا تاريخه هذا يعني مجده الذي يرجع إليه، وكما يقول يعني ابن كثير: "إن كان مات على ما كان عليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فهو أول من ترجم كتب أرسطو، وابن سينا عيال على الفارابي في هذه المسألة، فأول من ترجم كتب هذا الملحد، يعني بشاعة هذا كمن يأخذ يعني مبادئ ستالين أو لينين ويأخذها ويترجمها إلى العربية، فكيف تأخذ كلام ملحد من ملاحدة اليونان ينكر وجود الله تعالى؟، وهو أول من قال بقدم العالم، ثم تُتَرْجِم هذا وتنقله إلى المسلمين، وتصبغه بصبغة إسلامية كالذي صبغ الشيوعية بصبغة إسلامية وسماها اشتراكية في الإسلام، فأراد أن يخضع الإسلام للاشتراكية، وأراد هذا أن يخضع الإسلام للفلسفة، فهذا في بشاعة هذا بل إن ذاك أبشع منه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فالفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وهذا يشير إلى استمرار هذه المدرسة حتى إلى عهد الفارابي، فالفارابي كان متأخرا، ومع ذلك ما زال في حران من يدعو إلى تلك الفلسفات.
قال ابن تيمية: "قيل إن أرسطو هذا بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله تعالى وبدلوا كتاب الله والله ﷾ خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره" (^١)
وهذا من حيث الأصل الصابئي.
وأما المشرب الثالث: وهو المشرب الوثني فقال عنه المصنف:
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية
[ ١ / ٢٢١ ]
تعريف السمنية
(٤٢) "وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا -فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ -لَمَّا نَاظَرَ «السُمْنِيَّة» بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ -وَهُمْ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنْ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ-فَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَهْمٍ تَرْجِعُ إلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةُ الضَّالُّونَ هُمْ إمَّا مِنْ الصَّابِئِينَ وَإِمَّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. "
أراد المصنف أن يشير إلى مشرب ثالث لهذه المقالة وهو المشرب الوثني، فبعد أن انتهى من ذكر الأصل والمشرب اليهودي والمشرب الصابئي، بقي أن يعرف بالمشرب الشركي الوثني.
تعريف السمنية: قبل ذكر القصة التي وقعت بين الجهم والسمنية، يستحسن أن نقدم عرضا موجزًا عن هذه الطائفة (^١).
أصل الكلمة:
١ السمنية السَمَنيّة أو الشُّمَنية لفظ مشتق من اللغة البالية سَمَنَه، والتي بدورها مشتقة من السنسكريتية … وتلفظ شرَمَنَه.
_________________
(١) انظر: أصول الدين، للبغدادي (ص ١٠ - ١١، وص ١٧٩، وص ٣١٩ - ٣٢٠)، ولسان العرب لابن منظور، (١٣/ ٢٢٠)، والإبانة لابن بطة، كتاب الإيمان (١/ ٣٨١)، وكتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة للبيروني (ص ٩٣، ١٢٢، ٢٠٩، ٢٧٧، ٤٧٨)، والتسعينية لابن تيمية (١٤٦/ ١ - ١٤٩). قال الباحث ياسر قاضي: "ومن الجدير بالذكر أنني بحثت عن معلومات حول هذه الفرقة في كثير من المصادر الإنجليزية، فلم أجد لها ذكر أصلا (إلا ما وجدت عن ديانة (الشمن) الذي سأذكره بعد قليل)، مما يدل على أن المسلمين اهتموا غاية الاهتمام بذكر عقائد وتاريخ الملل الأخرى، ولهم قدم سبق في هذا العلم، فلولا كتب المسلمين في علم الملل والنحل، لضاع الكثير من المعلومات عن الأديان والملل القديمة" كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٨٣.
[ ١ / ٢٢٢ ]
٢ وقيل: إن السمنية (وقيل: الشمنية) بضم السين وفتح الميم كلمة معربة (^١)، وكانت تلفظ بالشرَمَنَة أو الشمَنية، حسب اللغة البالية التي اشتُقت منها، لوصف هذه الجماعة.
٣ ونسب بعضهم تسميتها بالسمنية إلى بلدة سومنات الواقعة في بالهند، حيث كانت نشأتهم.
معناها:
قيل: تعني الباحث أو المتصوف.
وقيل: الكلمة مشتقة من (ش ر م) بمعنى اجتهد في التنسك. حقيقتها:
ذكرت عدة أقوال بشأن أصولها منها:
١ أنها فئة مستقلة عن البوذية والهندوسية، وأنها أسبق، وأنها حركات صوفية ظهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد في الهند، وقامت على مبادئها البوذية والجاينية وبعض الفرق الصوفية الهندوسية، وأنها مبنية على عقائد مشتركة كالتناسخ والكارما ولكنها سلكت منهجًا حرًا في التعبد والتنسك لا يلتزم بطقوس ولا نصوص (^٢).
٢ القول بأن السمنية هي البوذية.
فقد ذكر أبو الريحان البيروني السمنية بلفظ الشُّمَنية في كتابه: "تحقيق ما للهند من مقولة"، قائلًا بأنهم "أصحاب البُدّ" أي البوذيون وبأن خراسان وفارس والعراق والموصل إلى حدود الشام كانت قديمًا على دين هؤلاء حتى ظهور زرادشت الذي دعا إلى المجوسية، فلما انتشرت المجوسية على أيدي الملوك بعده في فارس والعراق انجلت السمنية إلى مشارق بلخ وبقي المجوس بأرض الهند (^٣)
موطنها:
كانت هذه الفرقة منتشرة في خراسان وفارس والعراق وبلاد ما وراء النهر قبل دخول (زردشت) لهذه البلاد، ثم انتشرت المجوسية في تلك البلاد، وبقي القليل منهم شرقي بلخ (^٤).
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢٢٠).
(٢) James G.Lochtefeld، The Illustrated Encyclopedia of Hinduism (The Rosen Publishing Group، ٢٠٠٢)، vol.II، p. ٦٣٩
(٣) أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة، بيروت: عالم الكتب، ٢٠١١ م، ص:
(٤) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ١٥).
[ ١ / ٢٢٣ ]
يقول ابن النديم، في كتابه "الفهرست": إن أكثر سكان ما وراء نهر الفرات كانوا يتبعون هذا المذهب، قبل الإسلام.
ويعرفهم البيروني في كتاب "الهند" بأنهم أصحاب البد، أي البوذيون، حيث كانت الديانة السائدة من حدود بلاد الشام في الموصل مرورًا بالعراق إلى دولة فارس حتى خراسان، وذلك قبل ظهور دعوة "زرادشت" إلى المجوسية التي انتشرت في تلك المنطقة وتراجعت السمنية إلى الشرق، حتى انتشار الإسلام في تلك البلاد في آسيا الصغرى، إلا أن البعض يرى أن السمنيّة مذهبٌ، سبق البوذية وكان مقدمة لها.
ويرى الباحث عبد الله نومسوك في كتابه البوذية أنها كانت منتشرة في فترة زمنية من التاريخ فيقول: " انتشرت البوذية في فارس وخراسان وما جاورها قبل الفتح الإسلامي: فقد ثبت بالأدلة التاريخية أن الدعوة البوذية كانت نشطة في زمن قبل الإسلام في شرق البلاد الفارسية، وفي خراسان، وغيرها من بلاد آسيا الوسطى وقد أشار إلى ذلك ابن النديم (^١)، وكذلك البيروني، الذي تنبه إلى أن الفرقة المعروفة بالسمنية وهي البوذية كانت مزدهرة في خراسان، وفارس، والعراق، والموصل، إلى حدود الشام (^٢).
وما زالت البوذية مزدهرة في هذه المناطق حتى في صدر الإسلام، بدليل ما ذكره «هيون سانغ، الرحالة الصيني المعروف في مذكراته أنه عندما دخل «بلخ» إحدى مدن خراسان (^٣) وجد الأديرة البوذية منتشرة فيها، وأنه عاش فترة طويلة مع الرهبان البوذيين في بلخ وغيرها من مدن خراسان، ونشر معهم تعاليم البوذية (^٤). (^٥)
عقائدها: ذكر من عقائدهم:
١ - قولهم بقدم العالم، كالدهرية.
_________________
(١) الفهرست (٤٨٤).
(٢) انظر: كتاب البيروني في تحقيق ما للهند (١٥).
(٣) كان إقليم خراسان أيام الخلافة الإسلامية ينقسم إلى أربعة أرباع، نسب كل ربع إلى إحدى المدن الأربعة الكبرى التي كانت في أوقات مختلفة عواصم للإقليم بصورة منفردة أو مجتمعة، وهذه المدن هي نيسابور، ومرو، وهراة، وبلخ. انظر: «بلدان الخلافة الشرقية: (٢١، ٤٢٤، ٤٦٢) وما بعدها.
(٤) Buddhism in Middle Asia P. ٥٦، ٥٧» وقد كانت رحلته كانت في فترة (٦٢٩ - ٦٤٥ م) وهي فترة صدر الإسلام، لأن الرسول ﷺ عاش في فترة (٥٧٠. ٦٣٢ م).
(٥) البوذية لعبد الله نومسوك ص ٣٩٦ - ٣٩٧
[ ١ / ٢٢٤ ]
٢ - وزادوا عليهم القول بتكافؤ الأدلة وإبطال النظر والاستدلال (^١).
٣ - وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنه لا موجود إلا ما وقعت عليه الحواس (^٢). فهم يؤمنون بما تدركه الحواس الخمس فحسب، ولا يؤمنون بالغيبيات مهما كانت، والحواس بالنسبة إليهم تعطي الحقائق التي يمكن إدراكها ومعرفتها،
٤ - وأنكروا وقوع العلم من الأخبار المتواترة (^٣).
٥ - كما أنكروا الأعراض (^٤).
٦ - وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت،
٧ - ومنهم جماعة تؤمن بتناسخ الأرواح (^٥)، وأخرى تنكر ذلك. فقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة فأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان. ويقولون إن الأرض لا تزال تهوي سفلًا بمن عليها. (^٦)
٨ - وكان فريق منهم يعبد الصنم (بوذا) (^٧)، وكتابهم المقدس (جورامين) (^٨). ولا تلتزم هذه الفرقة بطقوس تعبّد محددة، ولا يوجد لديها نصوص تستند إليها،
٩ - ولا يدفنون موتاهم، بل يطرحون جثثهم في الماء الجاري، لظنهم أن البوذا أمرهم بذلك (^٩). ولقد شبههم بعض علماء السنة بالمجوس (^١٠).
_________________
(١) ومعنى ذلك: أنه لا يمكن عندهم نصر مذهب على مذهب، ولا تغليب مقالة على مقالة، بل دلائل كل مقالة مكافئة لدلائل سائر المقالات. انظر: الفصل الابن حزم (٥/ ٢٥٣)
(٢) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).
(٣) انظر: أصول الدين، للبغدادي (ص ٣١٩ - ٣٢٠).
(٤) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).
(٥) الكارما، في اللغة السنسكريتية تعني العمل، والهندوس يرون أن جميع أعمال البشر خيرًا كانت أو شرًا لابد من أن يجازي عليها بالثواب أو بالعقاب، ويكون الجزاء في هذه الحياة. أما التناسخ فهو القول بأن الروح بعد مفارقتها الجسد ترجع إلى العالم الأرضي، حيث تتقمص جسدا آخر لتثاب في الأرض أو تعاقب حسب ما قدمت من عمل في دورتها السابقة.
(٦) انظر: كتاب التوحيد للماتريدي (ص ١٥٢).
(٧) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ٩٣)
(٨) نفس المصدر (ص ١٢٢).
(٩) نفس المصدر (ص ٤٧٩).
(١٠) انظر ما نقله شيخ الإسلام عن الإمام محمد بن سلام البيكندي في التسعينية (١/ ٢٤٠). ولعل وجه الشبه بالمجوس أنهم ينكرون البعث والمعاد، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٥ ]
١٠ - وذكر أن لأتباع مذهب السمنية "نبي" اسمه بوداسف، ولكنه ليس محصورًا بشخص محدد، وإنما هو اسم مشتق من "بوديساتوا"، أي "الكائن المستنير" كما يصفه البوذيون، وهو الذي يتمتع بدرجة عالية من "الرقي الروحي"، ولكنه لم ينفصل عن الناس، بل بقي قريبًا وملاصقًا لهم، يعمل على تحريرهم من معاناتهم.
قال أيوب بن أبي تميمة: «ما أعلم أحدًا من أهل الضلال أكذب على كتاب الله من السمنية»، ثم علق على هذا الكلام محمد بن سلام البيكندي قائلا: «وهو عندنا كما قال. لا أعلم أحدًا أجهل، ولا أحمق قولًا منهم. لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض: من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار» (^١).
هذا أهم ما يعرف عن هذه الفرقة. (^٢)
تأثره بالسمنية:
إذا كان الجهم هو الذي أظهر مقالة التعطيل، فلا شك أنه تأثر كذلك بالسمنية،
_________________
(١) أخرج هذا الأثر وعلق عليه الإمام أبو عبد الله محمد بن سلام في كتابه: السنة والجماعة، وكتابه مفقود، وقد ذكر هذا الأثر والتعليق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في: التسعينية (١/ ٢٣٩).
(٢) يقول الباحث ياسر قاضي: وهم معروفون بال (شمن) (Shamanism)، ويظهر من دراسة عقائدهم أنهم تحولوا كثيرًا عبر العصور عن عقائدهم القديمة، حيث اهتمامهم الرئيس هو علاج الأمراض الطبية والنفسية بتعليم الحيوانات، ذلك لأنهم يعتقدون أن الحيوانات قادرة على الكلام، فيتكلمون معهم بطرق سحرية. وأظن أن الذي أداهم إلى هذا قول قدمائهم بتناسخ الأرواح، فيظنون أن روح الإنسان داخلة في هذا الحيوان الذي يخاطبونه. وعددهم قليل جدا، وهم موجودون في قبائل المغول، والهنود الحمر في أمريكا. والكتابات عنهم نادرة، ولكن أكاد أجزم بحسب ما اطلعت عليه أن هذه الديانة هي ما تبقى من (السمنية) القديمة، وذلك لأمور، منها: ١) تشابه الاسمين (علما بأن بعض المصادر الإسلامية لقبتهم ب: الشمنية). ٢) ولأن (الشمن) المعاصرين لا يؤمنون بوجود إله خالق الكون أصلا، وهذا أمر نادر جدا عند الديانات القديمة. ٣) كما أن (الشمن) يذكرون أن أصولهم من بلاد آسيا، وهذا يتطابق مع أصل (السمنية)، إذ كانوا قوما من الهند. ٤) ثم عاداتهم في تعليم الحيوانات فيها إشارة إلى عقائد (السمنية) كما أسلفت. والله تعالى أعلم. انظر عن (الشمن) المعاصرين: (الإنترنت). http:// deoxy.org/ shaover.htm
[ ١ / ٢٢٦ ]
وهم ينتمون إلى الأديان الوثنية فقال المصنف: "وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا -فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ -لَمَّا نَاظَرَ "السمنية" بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ-" فهذا المشرب الثالث إنما جاء من طريق الجهم لما ناظر السمنية، فقد ذكر كثير من أهل العلم أن الجهم بن صفوان تناظر مع (السمنية)، وكان لهذه المناظرة أثر بالغ في انحرافه، فمن أجلها ترك الصلاة أربعين يوما، وشكك في وجود الله، ثم بعد ذلك أنكر العلو، والرؤية، وادعى أن الله في كل مكان.
مناظرة الجهم بن صفوان للسمنية (^١)
حفظت لنا كتب العقائد تفاصيل هذه المناظرة، وأثرها على الجهم، حيث نقلها كثير من علماء السلف. وفيما يلي بعض ما نقل عنهم حول هذه المناظرة.
قال ضمرة عن ابن شوذب: «ترك الجهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية، فشك فأقام أربعين يوما لا يصلي»، ثم قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب (^٢). وقال مروان بن معاوية الفزاري: «جهم مكث أربعين يوما لا يعرف ربه» (^٣)، وفي رواية عنه: «قبح الله جهما، حدثني ابن عم لي من أهل خراسان أن جهما شك في الله أربعين صباحا» (^٤). وعن يزيد بن هارون قال: «لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرًا جاحدًا ترك الصلاة أربعين يوما يزعم أنه يرتاد دينًا، وذلك أنه شك في الإسلام». ثم قال يزيد: «قتله سلم بن أحوز على هذا القول» (^٥). وقال أبو حاتم الرازي: «افترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة … منهم الجهمية، وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف. وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية، وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا شككوه في دينه وفي ربه، حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يصلي،
_________________
(١) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٨٦ - ٩٤.
(٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١)، والسنة للخلال (٥/ ٨٣)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد، لأبي داود (ص ٢٩٩) وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٥/ ٩٢١).
(٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠).
(٤) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٧٤ و٢٧٦)، والسنة للخلال (٥/ ٨٧)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٣).
(٥) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٦٧)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٤)، والكتاب اللطيف لابن شاهين (ص ٨٨).
[ ١ / ٢٢٧ ]
فقال: لا أصلي لمن لا أعرف، ثم اشتق هذا الكلام» (^١).
وروى أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم أنه قال: «ذهبت إلى محمد بن سوقة، فقال: ههنا رجل قد بلغني أنه لم يصل، فمررت معه إليه، فقال: يا جهم، ما هذا؟ بلغني أنك لا تصلي.
قال: نعم. قال: مذ كم؟ قال: من تسعة وثلاثين يوما، واليوم أربعين. قال: فلم لا تصلي؟ قال: حتى يتبين لي لمن أصلي. قال: فجهد به ابن سوقة أن يرجع، أو أن يتوب، أو يقلع، فلم يفعل. فذهب إلى الوالي، فأخذه فضرب عنقه وصلبه» (^٢).
وقال الملطي: «وإنما سموا جهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية -صنف من العجم بناحية خراسان. وكانوا شككوه في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، وقال: لا أصلي لمن لا أعرفه، ثم اشتق هذا الكلام، وبنى عليه من بعده» (^٣). وقال الصفدي: «ترك الصلاة أربعين يوما فأنكر عليه الوالي فقال: إذا ثبت عندي من أعبده صليت له، فضرب عنقه» (^٤).
ونقل اللالكائي من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلًا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين، وكلمه السمنية، فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده. فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا (وفي رواية: قال لهم: أجلوني، فأجلوه) ثم خرج عليهم بعد أيام، فقال: هو هذا الهواء، مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء. ثم قال: أبو معاذ: كذب عدو الله، إن الله في السماء على عرشه وكما وصف نفسه» (^٥). وقال محمد بن سلام البيكندي في كتابه السنة والجماعة: «وكان جهم -فيما بلغنا-لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانًا منكرًا، فكان يجادل ويقول برأيه. يجادل السمنية، وهم شبه المجوس، يعتقدون الأصنام، فكلمهم، فأحرجوه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، لا يعرف ربه. وكلامهم يدعو إلى الزندقة، وكلامهم وصفناه لغير واحد من أهل الفقه والبصر، فمالوا آخر أمرهم إلى الزندقة، والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة
_________________
(١) كتاب الإبانة لابن بطة كتاب الإيمان (١/ ٣٨١).
(٢) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٩١ هـ، ص ٦٧).
(٣) التنبيه والرد (ص ٩٦).
(٤) الوافي بالوفيات (١١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).
[ ١ / ٢٢٨ ]
واتبع الشهوات (^١).
وقد ذكر الإمام أحمد وغيره تفاصيل هذه المناظرة، حيث قال: «وكان مما علمنا من أمر عدو الله جهم أنه كان من أهل خرسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى. فلقي ناسًا من المشركين يقال لهم السمنية، فعرفوا الجهم، فقالوا له: «نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك».
فكان مما كلموا به جهما أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال جهم: نعم.
فقالوا له: هل رأيت إلهك؟
قال: لا.
قالوا: فهل سمعت كلامه؟
قال: لا.
قالوا: فشممت له رائحة؟
قال: لا.
قالوا: فوجدت له حسًا؟
قال: لا.
قالوا: فوجدت له مجسًا؟
قال: لا.
قالوا: فما يدريك أنه إله؟
قال: فتحير جهم، فلم يدر من يعبد أربعين يوما، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى تزعم أن الروح التي في عيسى ﵇ هي روح الله من ذاته، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، فدخل في جسد عيسي، فتكلم على لسان عيسي، وهو روح غائب عن الأبصار.
فاستدرك جهم من هذه الحجة، فقال للسمنية: ألستم تزعمون أن في أجسادكم أرواحًا؟
قالوا: نعم.
قال: هل رأيتم أرواحكم؟
_________________
(١) ذكر هذا الكلام شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قالوا: لا.
قال: أفسمعتم كلامها؟
قالوا: لا.
قال: فوجدتم لها حسًا؟
قالوا: لا.
قال جهم: فكذلك الله ﷿، لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهو في كل مكان.
وفي رواية أخرى: لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار) ولا يكون في مكان دون مكان.
ووجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ، وتأول كتاب الله على تأويله، فاتبعه من أهل البصرة من أصحاب عمرو بن عبيد، وأناس من أصحاب أبي حنيفة فأضل بكلامه خلقًا كثيرًا» انتهى كلامه ﵀ (^١).
وقيل: إن جهما تحير في إجابة السمنية، فأرسل إلى واصل بن عطاء يستنجده، فأجابه واصل بحجج عقلية، إلا أن تفاصيل هذه القصة مخالفة تماما مع ما في جميع المصادر الأخرى، والظاهر أنه من مخترعات المعتزلة (^٢).
_________________
(١) الرد على الجهمية للإمام أحمد، (ص ١٠٢ - ١٠٤)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.
(٢) ذكر القاضي عبد الجبار هذه القصة بتفاصيلها، فقال: "وذكر أبو الحسن بن فرذويه أن قوما من السمنية أتوا جهم بن صفوان فقالوا له: هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا. قالوا: فحدثنا عن معبودك الذي تعبده أشيء وجدته في هذه المشاعر؟ قال: لا. قالوا: فإذا كان المعروف لا يخرج عن ذلك، وليس معبودك منها، فقد دخل في المجهول. قال: فسكت جهم، وكتب إلى واصل، فكتب إليه واصل: قد كان يجب أن تشترط وجهة سادسة، وهو الدليل، فتقول: إن المعروف لا يخرج عن المشاعر الخمسة وعن الدليل، فلما لم تشترط ذلك، شككت وكفرت …» إلخ القصة، وفيه أن السمنية قصدوا واصلا وناظروا معه، ثم أسلموا. راجع: «فضل الاعتزال» و«طبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار (ص ١٦٥ و٢٤٠)، و«المنية والأمل» لابن المرتضى (ص ١٩).
[ ١ / ٢٣٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه المناظرة: «فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته فإنه لما ناظر من ناظره من المشركين السمنية من الهند، وجحدوا الإله، لكون الجهم لم يدركهـ شيء من حواسه، لا ببصره، ولا بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا يقر به، فأجابهم الجهم: أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه بشيء من هذه الحواس، وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا الذي قاله هو قول الصابئة الفلاسفة المشائين (^١).
وقال أيضا: «فكان حق الجهم أن يقول لهم: إن أردتم أني لا بد أن أحس بإلهي فلا يجب عندكم أن ينكر الإنسان ما لم يحسه هو. وإن أردتم أنه لا بد أن يمكن أن يحس به فإلهي يمكن أن يرى وأن يسمع كلامه. وإن أردتم أنه لا بد أن يكون قد عرفه بالحس بعض الآدميين، فهذا -مع أنه غير واجب -فقد سمع كلامه من سمعه من الرسل، وهو أحد الحواس، وقد رآه بعضهم أيضا عند كثير من أهل الإثبات قالوا: وكان يقول لهم: أتريدون أنه لا بد أن يحسه هذا الحس الظاهر، أم يكفي إحساس الباطن إياه وشهوده إياه؟ الأول منقوض بأحوالنا الباطنية، الجسمانية والنفسية، وأما الثاني فمسلم، وقد شهدته بعض القلوب. فعدل عن ذلك، وادعي وجود موجود لا يمكن إحساسه، وهو الروح، وهذا هو قول المتفلسفة المشائين … إلخ. (^٢)
وهذه الشبهة تقوم على النظرة الفلسفية، وهي أن الإيمان فقط ينحصر في المحسوس المشاهد، وأنه لا قيمة لشيء بعد ذلك، وأنه لا يمكن أن نؤمن بشيء خارج هذه الحواس. فالمبدأ الفلسفي يقوم على ركيزتين
الأولى: أن مصدر العلم هو عقل الإنسان،
والثانية: وأن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد.
ورد هذه الشبهة بسيط، فالإيمان لا يتوقف على المحسوسات، فالإنسان يؤمن بكثير من الأشياء وهو لا يحسها ولا يشاهدها، فالإيمان لا يتوقف على المحسوس والمشاهد. لكن الجهم لما قال له هؤلاء هذه الشبه تأثر بها حتى إنه بقي أربعين يومًا لا يصلي.
_________________
(١) التسعينية (١/ ٢٤٧).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢٠)، بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٣١ ]
فبعد ذلك خرج يدعو إلى نفي الصفات، وجعل وجود الله تعالى وجودًا ذهنيًا، فاكتسب هذا من السمنية، واقرأ هذا في كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية.
فعرَّف المصنف السمنية بأنهم: "وَهُمْ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنْ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ" وهذا مبدأ مشترك بين فلاسفة الهند، وفلاسفة اليونان، وفلاسفة الدنيا كلها إلى يومنا هذا، وسياسيات التعليم والتربية في يومنا هذا تعتمد على هذه المبادئ، ومن أجل ذلك جعلوا العلوم محصورة في العلوم الطبيعية، والعلوم الرياضية دون العلوم الدينية التي تعتمد على الغيب، وعلى الوحي، وعلى النصوص.
[ ١ / ٢٣٢ ]
(٤٣) "فَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَهْمٍ تَرْجِعُ إلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةُ الضَّالُّونَ هُمْ إمَّا مِنْ الصَّابِئِينَ وَإِمَّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ"
أي أن أسانيدهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة وهي إما أن ترجع إلى فلسفة تعود في جذورها إلى الفلسفة اليونانية، وهذه فلسفة بعد أرسطو هي فلسفة إلحادية لا تؤمن بإله، ولا تؤمن برب ولا بمعبود.
وإما فلسفة هندية تعود إلى أصول وثنية، وإلى يومنا هذا تعرف عند الهنود، وعند البوذيين هذه الفلسفات، وأيضًا لا يزال مسمى السمنية عندهم إلى يومنا هذا معروف عند تلك الديانات الوثنية، كالهندوسية، والبوذية، والكمفوشية، وغيرها وإذا سألتم الهنادكة وغيرهم تجدون عندهم هذا الفكر، وهم يعرفون السمنية، فهذا من حيث المشرب في أوله.
وقال ابن تيمية: " وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن مبدأ التجهم في هذه الأمة كان أصله من المشركين ومبدلة الصابئين من الهند واليونان وكان من مبدلة أهل الكتاب من اليهود وأن الجعد بن دهم ثم الجهم بن صفوان ومن اتبعهما أخذوا ذلك عنهم" (^١)
وهذا الذي قرره المصنف ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات حيث قال: "وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات
الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله ﷿ التي يوصف بها لنفسه، وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية
[ ١ / ٢٣٣ ]
صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما "كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة" (^١)
وقال في الإبانة عن أصول الديانة (^٢) "فصل
وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، والبصر. "
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٦ - ١٧٧
(٢) / ١٤٣
[ ١ / ٢٣٤ ]
المسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة.
(٤٤) "ثم لَمَّا عُرّبت الكتب الرومية في حدود المائة الثالثة زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.
ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته،
وبعد مقتل الجهم بن صفوان على يد سلم بن أحوز، قام لهذه المقالة أحمد بن أبي داؤد (٢٤٠ هـ) وبشر المريسي (٢١٨ هـ) فملآ الدنيا محنة والقلوب فتنة دهرًا طويلًا.
(فما إن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون (١٩٨ هـ -٢١٨ هـ)، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل. فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (^١)
قال ابن تيمية: (الجهمية لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوى أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه. ثم لما تولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه، فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٢.
[ ١ / ٢٣٥ ]
منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه؛ وكان هذا سنة ثماني عشر ومائتين.) (^١)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن تلك الحقبة الزمنية وما قبلها وما بعدها: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ) والرشيد (١٧٠ - ١٩٤ هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.
وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: «الفتنة ها هنا»؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيضًا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفرس، والصابئين الروم، والمشركين الهنود، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجودًا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.
وفي دولة «أبي العباس المأمون» ظهر «الخرمية» ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوى ما قوى من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلًا وعدلًا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى، مما يطول وصفه) (^٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين فظهرت
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٠، ٢١.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه" (^١)
قال ابن تيمية: "وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه، ظهر في ذلك الزمان الخرمية، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين، وبعض دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا يميلون كثيرا إلى طريقة الصابئة المبدلين، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها، قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر، وظهر بذلك تصديق ما أخبر به النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى" قال فمن"، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع" فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال: "فمن الناس إلا أولئك" ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى.
والنبوة كل ما ظهر نورها انطفت البدع، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية، ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم.
وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية
[ ١ / ٢٣٧ ]
الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا، كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه" (^١).
وقال: "وهؤلاء الصابئة المبدلون ومن بدل دينه من اليهود والنصارى وسائر المشركين هم (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) هم من الذين اختلفوا من بعد ما كانوا أمة واحدة كما قال تعالى (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) ولهذا يوجد في هؤلاء الصابئة المتفلسفة وغيرهم من الاختلاف والافتراق في أصول الدين أعظم مما يوجد بين اليهود والنصارى لأن أهل الكتاب أقرب إلى الهدى من الصابئين فمبتدعتهم دون مبتدعة الصابئين والتفرق والاختلاف في الصابئين أكثر ولهذا فيهم من عبادة الأصنام والكواكب والشرك مالا يوجد منه في أهل الكتابين وإن كان قد وجد فيهم من الشرك ما وجد فهو في أولئك أعظم وهؤلاء وأمثالهم هم الذين بدلوا وغيروا ما فطر الله تعالى عليه عباده وأرسل به رسله وصار فيهم من الاستكبار وطلب العلو ودعوى التحقيق في العلوم والمعارف وعلو الهمة في الأعمال ما هم في الحقيقة متصفون عنده كما قال تعالى فيهم (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) وقال تعالى وتقدس (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وقال تعالى (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) وبالجملة فهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسائر الملل وخطاب القرآن لهم كثير جدا فإنهم أئمة لأتباعهم وهم من السادة والكبراء الذين قال الله تعالى في أتباعهم (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) وكان فرعون موسى من أكابر
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٨.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ملوك هؤلاء وقد ذكر الله تعالى في قصته في القرآن ما فيه عبرة وكذلك مشركو قريش الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا كان فيهم الشبه بهؤلاء أن يكونوا أئمة من كفر بعدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم تبع لكافرهم" وكان في أئمة الكفر الوحيد الذي قال الله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) إلى قوله تعالى (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر) فاستعمل نظر أهل المنطق من التفكير الذي يطلب به الحد الأوسط ثم التقدير الذي هو القياس الذي ينتقل فيه من الحد الأوسط إلى المطلوب وكذب بكون القرآن كلام الله تعالى وجعله كلام البشر وهذا في الحقيقة قول هؤلاء المتفلسفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب" (^١)
قال الذهبي: (لما تولى المأمون الخلافة على رأس المائتين، نجم التشيع وأبدى صفحته. (وكان المأمون شيعيًا) (^٢)
وبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، وقد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويُعْزَلَ منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (^٣)
فالمأمون أول من أعلن بدعة القول بخلق القرآن من السلاطين ودعا إليها بقوة السلطان، (وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت) (^٤) (ولكنه لم يرجع عن قوله وصمم على امتحان العلماء في سنة ثمان عشرة وشدد عليهم فأخذه الله.) (^٥)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يقابله
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٩٤٨٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٨.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨٣، فوات الوفيات ٢/ ٢٣٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها) (^١)
قال السيوطي: (أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملة الإسلام وأحضرها من جزيرة قبرص المأمون.) (^٢)
قال ابن تيمية: "فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثَّانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة المشهورة" (^٣)
وفي هذه المرحلة قويت شوكت التعطيل واتسعت دائرته ونشط دعاته وكثرت طوائفه. فبعد أن كان خصوم أهل السنة هم الجهمية فقط، ظهر المعتزلة الذين حملوا راية التعطيل ووجهوا دفته، ودخلوا فيه بقوة هيأها لهم المأمون ومن بعده المعتصم ثم الواثق. وشايعهم على ذلك العديد من الفرق الضالة، فجمعت المعتزلة من ذلك الوقت بين بليتين «بلية نفي الصفات» و«بلية نفي القدر». وفي هذه المرحلة ظهر القرامطة، وبدؤوا يظهرون قولهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت «محنة الإمام أحمد» سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.) (^٤)
وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت «الصفاتية» وهم وإن كانوا من أقرب المتكلمين إلى السنة إلا أنهم خالفوا قول أهل السنة بنفيهم للصفات الاختيارية، وعلى رأس أولئك عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢٣٤ هـ) والحارث بن أسد المحاسبي (ت ٢٣٤) وأبو العباس القلانسي وغيرهم، ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة التعطيل وعظم خطره وكثر خصوم السنة.
وهكذا الشأن إذا مكن لأهل البدع وكان لهم الدولة والسلطة، فإذا مُكِّن لهم بدولة وسلطة رأيت العجب العجاب. وهكذا الرافضة لم يكن لهم دولة حتى كان لهم من الجانب الإسماعيلي،
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ١/ ٩.
(٢) الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص ١١٨.
(٣) التسعينية ١/ ٢٩٥
(٤) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٥٨.
[ ١ / ٢٤٠ ]
دولة الفاطميين فبدأت لهم دولة، ومن الجانب الاثنا عشري الجعفري الإمامي ظهرت الدولة البويهية فكان لها دور، ثم الدور الأظهر للدولة الصفوية، وكذلك حتى الأشاعرة أصبح لهم دولة لما قام ابن تومرت (^١) وأسَّس دولة الموحدين، فبدأ يُنْشَاأُ لهم دولة، فهكذا الفكر إذا وجد له دولة أصبح له شر وخطر عظيم، إذا كان فكرًا منحرفًا عن الحق، فلما ظهر لهم دولة أصبحت لهم شوكة، وأصبحوا بعد ذلك يُكرِهون الناس كَرْهًا على أقوالهم ومقالاتهم.
ومن هنا نعرف مكانة أهل السنة وكيف أنهم أعرف الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، فما ألزموا الناس إلزامًا بهذه القوة والإكراه مع أنهم يجتهدون في دعوة الناس وقيام الحق لهم، ولكن ليس بالقوة التي فعلها هؤلاء بحيث يأخذون من السلطان أمرًا، بأن من لم يقل بهذه المقالة كما فعل هؤلاء في عهد المأمون يعزل من منصبه، وبعد ذلك يطرد كما فعل وامتحن القضاة، وامتحن العلماء، وامتحن الأئمة في هذا امتحانًا عظيمًا، وهو ما يعرف بمحنة الإمام أحمد ابن حنبل أو فتنة القول بخلق القرآن، واقرأ هذا تعرف كيف أن هؤلاء المعتزلة والجهمية لما مكن لهم فعلوا الأفاعيل، وفتنة القول بخلق القرآن ليست فقط عند المعتزلة، وإنما تبناها كذلك الجهمية، وتبناها كذلك المرجئة، فهناك مشارب مختلفة اجتمعت على هذا، وامتحنت أهل السنة في ذلك.
فبدأ بعد ذلك شيخ الإسلام يريد أن يبين زمن انتشار المقالة، لأن لها زمن ظهور، وزمن انتشار، فزمن الظهور بدأ مع الجهم، وزمن الانتشار بدأ في عهد المأمون، وفي هذه المرحلة أخذت هذه المقالة أبعادًا متعددة تمثلت في الأمور التالية:
_________________
(١) المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة. فكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ٢٤١ ]
الأمر الأول: تدخل بعض خلفاء الدولة العباسية فيها بانتصارهم لخصوم أهل السنة والجماعة من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
قال ابن تيمية: "فَلَمَّا ظَهَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة أَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مَقَالَتَهُمْ وَرَدُّوهَا وَقَابَلُوهَا بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ الْإِنْكَارِ الشَّرْعِيِّ وَكَانَتْ خَفِيَّةً إلَى أَنْ ظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْجَهْمِيَّة فِي أَوَاخِرِ " الْمِائَةِ الْأُولَى " وَأَوَائِلِ " الثَّانِيَةِ " فِي دَوْلَةِ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ "فَامْتَحَنُوا النَّاسَ الْمِحْنَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي دَعَوْا النَّاسَ فِيهَا إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ: مِثْلَ إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْرَاضِ؛ فَلَوْ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَقَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ فَيَلْزَمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ. " (^١)
الأمر الثاني: تشعب وتوسع رقعة الخلاف في هذه المسائل حيث أصبح هناك ثلاثة أقوال رئيسة في هذه المسألة:
القول الأول: أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: المشبهة.
القول الثالث: المعطلة.
قال ابن تيمية واصفًا توسع رقعة الخلاف في هذه المسائل: "وَحَدَثَ مَعَ الْجَهْمِيَّة قَوْمٌ شَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ فَجَعَلُوا صِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَأَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ وَعَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْمُمَثِّلَةِ" (^٢)
وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين
الفريق الأول المعتزلة ومن وافقهم.
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥
[ ١ / ٢٤٢ ]
الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (^١)
ويلاحظ أن كلا الفريقين استعمل لفظ (الجسم) إما إثباتًا وإما نفيًا، هناك فرق بين التشبيه والتجسيم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.
فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦
[ ١ / ٢٤٣ ]
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على
[ ١ / ٢٤٤ ]
أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
وقال: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
وصنف ثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
وصنف رابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).
وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:
الفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (^١)
وعليه فإن الخلاف مع المعطلة لم يكن مع صنف واحد وإنما هو مع أصناف وطوائف ولكل واحد من هؤلاء قوله الذي يتميز به مع أن السلف في ذلك الحين يطلقون عليهم اسم "الجهمية" والمقام هنا يستدعي أن نعطي نبذة سريعة عن الجهمية فنقول:
كلمة الجهم أو مصطلح الجهمية: يطلق عند العلماء ويراد به أحد الأمرين:
الأمر الأول: الإطلاق الخاص فالمقصود به: الجهمية الفرقة بعينها أي أتباع الجهم بن صفوان.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦
[ ١ / ٢٤٦ ]
الأمر الثاني: أو الإطلاق العام والمقصود به: الجهمية المقالة ويشمل ذلك مع الجهمية غيرهم من الفرق الذين شاركوا الجهمية في مقالة تعطيل الصفات كالمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.
قال ابن تيمية: "الجهمية على ثلاث درجات:
فشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية:
قال: فعند ذلك تبيّن للناس أنهم لا يثبتون شيئًا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.
فقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق، هو مجهول لا يعرف بصفة؟
قالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.
قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة والجوارح عن الله منتفية، وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنَّما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة" باب الرد على الزنادقة الجهمية، في نفيهم علم الله وقدرته، قال الله ﷿: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال ﷾: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وذكر تعالى القوة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.
وزعمت الجهمية والقدرية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهار نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم ولا قدرة لله، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم.
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال: وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنَّ الزنادقة قال كثير منهم: ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فاتت بمعناه، وقالت: إن الله ﷿ عالم قادر حي سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن تثبت له علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا.
وكذلك قال في كتاب "المقالات": الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا: إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه-لا صفات له، وإنه لا علم له، ولا قدرة له، ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عزة له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه.
"قال": وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل، ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير، وعبروا عنه بأنَّ قالوا نقول: عين لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه فنفوا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
"قال": وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي، كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة.
وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة.
والدرجة الثَّانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم -أيضًا-لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
وأمَّا الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من
[ ١ / ٢٤٨ ]
أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.
وأمَّا "المتأخرون" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. " (^١)
وعليه يعلم أن لفظ الجهمية يطلق أحيانًا على وجه أخصّ، وأحيانًا يطلق على وجه أعمّ، فمثلًا ابن كثير يكتب في الرد على الجهمية، وهو لا يعني الفرقة بعينها أتباع الجهم، وإنما يريد كذلك المعتزلة، ويريد كذلك الكلابية، وأحيانًا يريد معهم الأشاعرة، والماتريدية.
فإذًا مصطلح الجهمية أحيانًا يراد به الغالية منهم وهم أتباع الجهم، وأحيانًا يدخل فيه المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فالجهم تلميذ للجعد كما تقدم، أخذ عنه المقالة ولما عرف مصير الجهم فرَّ وهرب، والتحق بخرسان عند الحارث بن سريح لأنه كان خارجًا على بني أمية، وجعله الحارث هو الناطق بدعوته الذي كان يأتي لمجالس الناس ومساجدهم ويدعو إلى الخروج.
واستطاع بذلك أن ينشئ له فرقة، وتمكَّن بذلك أن تكون له مهلة من الوقت استطاع بها أن يكون له أتباع، مع أن هشام بن عبد الملك أصدر أمرًا بقتله، لكن تأخر هذا الأمر إلى قرب نهاية دولة بني أمية، وذلك عام مائة وثمانية وعشرين من الهجرة حتى نُفِّذ هذا الأمر بعد القضاء على فتنة الحارث بن سريح. فانتهى الجهم، وكان آخر أمره القتل، لكن مقالته بعد ذلك استمرت بتلاميذه.
والمعتزلة كانوا في ذلك معاصرين للجهم، لكن ما كان المعتزلة كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد يقولون بمقالة نفي الصفات فمقالة نفي الصفات دخلت على
_________________
(١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩
[ ١ / ٢٤٩ ]
المعتزلة بعد ذلك، أما واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فهؤلاء رؤوس المعتزلة الذين أسَّسوا الاعتزال، فهؤلاء كانوا يعرفون بمقالة القدر، القدرية وكانوا يعرفون كذلك بمسألة مرتكب الكبيرة، وكان لهم أقوال في شأن الصحابة مثل قول واصل بن عطاء: "لو أن الفريقين علي ومعاوية جاءوا يشهدون عندي على حزمة بقل لرددت شهادة الاثنين" (^١) فكان ينظر إليهم هذه النظرة، وموقفهم من الصحابة مذكور ومحفوظ.
فالاعتزال بعد ذلك تطوَّر، فأصبح له عدة مشارب يأخذ منها، فأخذ من القدرية وأخذ من الخوارج، وأخذ من الرافضة، وأخذ من الجهمية، وأصبح يجمع أفكارًا متعددة كما ترى اليوم في بعض الجماعات، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، فتجد في المعتزلة أقوال الخوارج، وتجد فيهم أقوال الروافض، وتجد فيهم أقوال القدرية، وتجد فيهم أقوال الجهمية.
مع أنه لم يكن أوائل المعتزلة يعرفون هذه المقالة أو يقولون بها، وإنما الأمر دخل بعد ذلك بواسطة تلاميذ هؤلاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية أن أوائل المعتزلة "أوائل المعتزلة لم يكونوا يقولون بنفي الصفات".
فالجهمية هم أول من تبنى هذه المقالة إلى أن تلقَّفها عنهم المعتزلة، فكان هذا الأمر موجودًا حتى بعد مقتل الجهم، فمثلًا بشر بن غياث المريسي الذي يرد عليه الدارمي وغيره، ما كان معتزليًا، وإنما كان جهميًا، لأنه في مسائل الإيمان ليس مع المعتزلة وإنما هو مع المرجئة، فبالتالي الذين كانوا في فتنة القول بخلق القرآن ليس هم المعتزلة وحدهم، وإنما هو جمعٌ من أهل البدع، منهم المعتزلة، ومنهم النجارية، ومنهم الجهمية، ومنهم المرجئة، كل هؤلاء تألُّبوا على أهل السنة، ومنهم حتى الخوارج، لأن الخوارج إلى يومنا هذا يحمِلون شيئًا من هذه الأفكار كالإباضية.
فالإباضية أفكارهم المذهبية هي نفس وعين أفكار المعتزلة، يتفقون معهم في قضايا نفي الصفات، فاتفقوا في ذلك جميعًا على أهل السنة، فالمسألة ليست مقتصرة على المعتزلة. والشاهد أن الجهمية لهم وجود حتى بعد مقتل الجهم، ولهم كيان، ولم يكن أوائل المعتزلة في ذلك العهد وذلك الحين قد تلقَّفوا أقوال الجهم
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وإن كان كما هو معروف أن في تاريخ المقالات، أنَّ المقالة قد تتبناها فرقة بعينها، ثم بسبب ذلك تتلاشى الفرقة الأولى التي أحدثتها ثم بعد ذلك تنشأ فرقة أخرى تتبنى تلك المقالة، كما في مقالة القدرية.
فالقدرية الأوائل لم يكونوا معتزلة، إلى أن جاء المعتزلة وتبنُّوا فكرة القدر وحملوها، بعد ذلك تلاشى ما يسمى بالقدرية، واشتهر بعد ذلك أن القدرية هم المعتزلة، هذا معروف لمن درس في تاريخ المقالات والفرق، ولهذا الجانب أهميته ولابد أن يعتني به لأنه يعطي الصورة العامة لوقائع الأمور، فالانشغال بجزئيات المسائل لا يغني عن أخذ تصوُّر عام عن المسألة وعن نشأتها وعن تاريخها ونشأتها وتطورها، ولماذا جاء الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كل هذا لابد أن يفهم تاريخياًّ كما يفهم في جانب الاعتقاد، فجانب تاريخ الفرق ونشأت المقالات أمر لا يستهان به؛ لأنه يضع في الذهن التصور العام عن مجمل القضية، وإن كان لا يغني عن معرفة تفاصيل المسائل، فلابد من معرفة تاريخ المعتزلة، وتاريخ الكلابية، وتاريخ الأشاعرة، وتاريخ الماتريدية، فكل هذه المسائل ينبغي أن يتم الوقوف عندها لأنها مهمة، وتعطي تصوُّرًا يعين على فهم سير الأمور كيف سارت، وكيف إلى اليوم لا يزال لذلك الفكر وجود، ولا يزال لتلك المقالات أنصار وأعوان على تغير البعض أو تلاشي البعض من تلك الفرق، وظهور مسميات أخرى.
وعلى سبيل المثال لابد وأنت تدرس هذا الباب أن تفهم ما علاقة الإباضية بنفي الصفات، فالإباضية اليوم لهم وجود، ويتبنون ويحملون فكر نفي الصفات، فمن أين جاء هذا؟
والرافضة، الإمامية أيضًا يتبنون هذا الأمر، ولو اجتمعت بأحد منهم سيعرض عليك نفس شُبَه المعتزلة، فما هي العلاقة الوثيقة التي جعلت الرافضة يتبنون الفكر الاعتزالي، كل هذا لابد أن يفهمه الدارس لهذا الباب حتى يتصور المسألة تصوُّرًا عامًا، فالقاعدة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره، فالتصوَّر لمجمل المسألة، ومجمل الخلاف فيها، ومجمل سيرها تاريخًا، هذا يعينك على الفصل بين المسائل لأن الكثير عندما تسأله ما قول المعتزلة في المسألة؟
تجده لا يفرق بين قولهم وقول الأشاعرة، فليس عنده تصوُّر ولا تمييز بين هؤلاء، والبعض أيضًا قد لا يتصور أن لهذا الكلام وجود إلا في المعتزلة الأوائل
[ ١ / ٢٥١ ]
وأن الاعتزال قد تلاشى وانتهى، مع أنه لم يتلاشى ولم ينتهي. فهو أمر لابد من فهمه لأنه له علاقة بنشأة المقالات وتاريخ الفرق.
ومن هنا ينبغي أن يتنبَّه أن لهذه اللفظة (الجهمية) معنىً عاماًّ، ومعنىً خاصاَّ. فتارة يراد بالجهمية كل من تلقَّف مقالة التعطيل، فيشمل ذلك أتباع جهم، ويشمل المعتزلة، ويشمل ما يسمُّون بالصفاتية وهم: الكلابية، والأشعرة، والماتريدية، فلفظ الجهمية يشمل هؤلاء؛ لأن خصوم أهل السنة في ذلك الحين ليسوا فقط المعتزلة.
فمثلًا بشر المريسي لم يكن معتزليًا؛ لأن للمعتزلة شرط في الانتساب إليهم وهو: أن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:
١. العدل.
٢. والتوحيد.
٣. والمنزلة بين المنزلتين.
٤. والوعد والوعيد.
٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالتوحيد عندهم: نفي الصفات.
والعدل: هو القول بالقدر.
والوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.
والمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.
فلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.
فمثلًا بشر المريسي لم يكن يوافق هؤلاء في مسألة الإيمان، لأنه كان على الإرجاء كما هو مذهب الجهم، فلو جئت في مسائل الإيمان تجد أن الناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المرجئة.
القسم الثاني: الخوارج، والمعتزلة.
القسم الثالث: أهل السنة.
فالمرجئة: هم من قالوا بمقالة الإرجاء: وهي تأخير العمل عن مسمَّى الإيمان، فالمرجئة ليسوا صنفًا واحدًا، وإنما هم أصناف خمسة وهي: الجهمية، والكرامية،
[ ١ / ٢٥٢ ]
والأشاعرة، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء، فهم خمسة أصناف، ومقالة الإرجاء تشمل كل هؤلاء.
وكذلك مقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
إذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.
فعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الغالية أتباع الجهم.
القسم الثاني: المعتزلة.
القسم الثالث: الصفاتية.
أو يقسمونهم إلى ثلاثة درجات:
الدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: "إن الله لا يسمَّى بشيء" (^١)، وهناك قول آخر يقول فيه: "إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر" (^٢)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.
فهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.
والدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٧٨).
(٢) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٨٢).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.
القسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.
ولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.
فهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.
والجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.
وأما المعتزلة فأول ما تأسَّست على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وكانت البصرة مركزًا للمعتزلة، وكانت كما يقولون: البصرة عشَّ القدرية، والكوفة عشَّ التشيُّع، فكانت مقالة القدرية أظهر في البصرة.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وواصل بن عطاء له قصة في مسألة مرتكب الكبيرة عندما جاء السائل يسأل الحسن البصري، وكان هو في مجلس الحسن البصري ومن أحد تلاميذه، وجاء السائل يسأل عن هذه المسألة، فسارع واصل بالإجابة وقال: أنه في منزلة بين المنزلتين، فجاء بمسألة مرتكب الكبيرة بقول أحدثه في هذا، إذ لم يكن هناك في ذلك الحين إلا قول الخوارج، وحكمهم على مرتكب الكبيرة، وقول أهل السنة، وقول المرجئة. فجاء واصل بقول يوافق فيه الخوارج من حيث النتيجة؛ لأن الفرق بين مقالة الخوارج ومقالة المعتزلة في هذه المسألة هو أنهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا، وإنما في المآل أي في الآخرة هم على قول واحد، إذ أن كلًّا من الخوارج والمعتزلة يقول: إنه خالد مخلد في النار، لكن المعتزلة يجعلونه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، ويقولون في منزلة بين المنزلتين.
فأظهر واصل بن عطاء هذه المقالة واعتزل مجلس الحسن البصري، ومن هنا من بعد ذلك سمي أتباعه المعتزلة. فنشأ الاعتزال في البصرة، وكانت في ذلك الوقت مرتع للبدع فكان فيها الخوارج والقدرية والمرجئة، وكذلك كان فيها شيء من التشيُّع.
فمن هنا كان الاعتزال مركبًا من عدة مقالات، فأخذ شيئًا من القدرية، وأخذ شيئًا من الخوارج، وأخذ كذلك شيئًا من الجهمية وإن كان هذا بعد ذلك. فمثلًا تأثرهم بالخوارج لأن واصل بن عطاء كان يقول في مسألة أهل صفين، ومسألة التحكيم كان يقول: إن أحد الطائفتين يعني فاسق لا بعينه، فيفسق ولكن بدون تحديث أو تعيين أي الطائفتين كذلك. وكان يقال عنه: "لو جاء علي وأصحابه ومعاوية أصحابه يشهدون عندي على حزمة بقل، لرددت شهادة الاثنين" (^١).
فبالتالي هذا يظهر مدى العلاقة بين الخوارج وبين المعتزلة فيما بعد، لأنه لا يزال إلى اليوم فكر الاعتزال موجودًا عند بقية الخوارج وهم الإباضية، والإباضية اليوم في مسائل الصفات وفي بعض المسائل على عقيدة الاعتزال، يدعون إليها بنفس الكلام الذي يقوله المعتزلة. وللاعتزال كذلك صلة بالتشيُّع لأن المعتزلة لو درسْت في تاريخهم، يزعمون أن واصل بن عطاء تتلمذ على الحسن والحسين ابني عليٍّ ﵃، فيزعمون ويدَّعون ذلك.
وبالتالي بعد هذا كان هناك تقارب بين المعتزلة والروافض، ولذلك الروافض اليوم الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية في مسائل الأسماء والصفات يحملون فكر
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).
[ ١ / ٢٥٥ ]
الاعتزال، فلو جئت إلى الزيدية، ولو جئت إلى الروافض تناقشهم في مسائل الصفات تجد أن ما عندهم هو ما عند المعتزلة.
وكان من أشهر مقالات واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين، ومقالة القدرية، وكذلك ميله في مسائل الإيمان إلى قول الخوارج في ذلك لأنهم يقولون: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص" (^١).
فالناس في الإيمان ثلاثة: المرجئة، وأهل السنة والجماعة، والخوارج والمعتزلة، لأن هؤلاء يقولون: إن الإيمان لا يتفاضل ولا يتبعَّض، ويقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل لكنه لا يزيد ولا ينقص. فالفرق بينهم وبين أهل السنة الزيادة والنقصان، وأهل السنة يقولون: إنه يتفاضل، ويتبعضُّ، ويزيد، وينقص، أما هؤلاء يقولون: أنه شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله.
فإذًا هذه بعض أفكار المعتزلة في ذلك الحين:
- مقالة القدر، فقد تلقَّف المعتزلة مقالة القدرية حتى بعد ذلك أصبح إذا قيل: القدرية، فإن الذي يعنى بذلك هم المعتزلة في ذلك الحين، هذه واحدة، مقالة القدر.
- المقالة الثانية في مسألة الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص.
- المقالة الثالثة في مسألة مرتكب الكبيرة.
- والرابعة قولهم في مسألة التحكيم وأهل صفين.
ولم يكن عندهم في ذلك الحين مقالة التجهم، إنما هي دخلت عليهم بعد ذلك، فتلاميذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هم الذين تلقَّفوا مقالة الجهمية وأضافوها إلى مقالاتهم، وهذا أمر ليس بمستبعد لأن هؤلاء مقولاتهم مركَّبة من عدد من الطوائف، فأخذوا من الخوارج شيئًا، وأخذوا من القدرية شيئًا، وأخذوا من التشيع شيئًا، فلا مانع بعد ذلك أن يأخذوا من التجهم شيئًا.
وأوائل المعتزلة لم يكونوا على مقالة الجهم، وإنما دخل فيهم التجهم بعد هذا. وكان المعتزلة بعد ذلك هم رؤوس الفتنة في مقالة الصفات، والقول بخلق القرآن فقد تزعموا هذه المسألة في زمن المأمون.
والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة.
لكن بعض مقالات المعتزلة احتضنها الأشاعرة، فالأشاعرة تأثروا تأثرًا وليس
_________________
(١) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، صفحة (٤٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
احتضانًا، وكذلك الإباضية والخوارج فلو نظرت لمقالاتهم ترى اليوم مقالات المعتزلة.
وهكذا الرافضة الإمامية، فإنهم كانوا في بداية أمرهم يقولون بقول المشبهة، لكنهم تبنوا بعد ذلك قول المعتزلة في باب الصفات.
وكذلك فإن مقالة المعتزلة موجودة عند الزيدية، وإن كان الزيدية أقدم تأثرا بالاعتزال من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية؛ لأن الرافضة في أوائلهم مشبِّهة، كانوا على التشبيه، ولكن بعد ذلك تأثروا بالمعتزلة.
فإذًا لم تمت مقالات الاعتزال وإنما هي موجودة إلى يومنا هذا بين الإباضية والزيدية والإمامية الاثنا عشرية ومتأخري الأشاعرة كما سيأتي تفصيله.
مع أن تأثر متأخري الأشاعرة بالمعتزلة كان كبيرًا وقويًا، فإن بعض أقوال المعتزلة بين الحين والآخر تظهر على أيدي بعض الأشاعرة.
وكذلك حاول المستشرقون أن يحيوا هذه الأفكار، وذلك بواسطة مدارسهم الموجودة اليوم في الغرب، فهم يتبنون الفكر الاعتزالي ويحيون تراثه، ويسعون في ذلك سعيًا حثيثًا.
والمدرسة العقلية والطعن في السنة وغير ذلك من الأمور، كل هذه أصولها عند المعتزلة، ويظهرها بين الحين والآخر أفراد يسعون إلى إظهار هذه المقالات التي هي في حقيقتها مقالات المعتزلة.
فمثلًا التشكيك في السنة، إنما بهو بعينه هو قول المعتزلة فالذي يظهر على أيدي هؤلاء العقلانيين هو في حقيقته تراث اعتزالي، فالذي يظهر في زمننا هذا ويشكك في أبي هريرة مثلًا ﵁-فإن هذا الكلام بعينه موجود عند المعتزلة يردِّدونه ويطعنون في كبار الصحابة وفي مسائل السنة، فهو ليس بجديد.
وكذلك تظهر اليوم فرق وأقوال وجماعات تُظهر شيئًا من الاعتزال، فهذا التفكير الذي أصبح له صولة وجولة ويتردد في كثير من شباب المسلمين هو فكر اعتزالي، يظهر في صور جماعات معينة وأسماء جديدة، لكن بعينها هي شُبَهُ المعتزلة نفسها تكررت وأعيدت فأحيت هذه المقالات.
فهذا يعني أن على الدارس لهذا الباب أن يعرف شيئًا من تاريخ هذه الفرق ويعرف شيئًا من مقالات هذه الفرق؛ لأنه لا يعني انتهاء فرقة بعينها كأشخاص أنه انتهت مقالاتهم، بل تظهر وتتجدد بصور ومسميات جديدة لكن هي بعينها المقالات القديمة التي توجد عند تلك الفرقة أو هذه.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فكما أن المعتزلة احتوت مقالات عدد من الفرق، وكما أن الروافض والزيدية والإباضية احتووا الاعتزال، لكن لا يعني هذا أنه بذهاب هذه الفرق قد تلاشت، بل تتبدل، فكانوا في الماضي قدرية معتزلة، ثم هم اليوم إباضية واثنا عشرية وزيدية، ثم هم في عصرنا الحاضر تجدهم في مسمَّيات جديدة، كمن يسمُّونهم التكفير والهجرة أو جماعة الجهاد، كذلك هي الأفكار التي عند هؤلاء ولكن بمسميات جديدة.
فهنا ينبغي أن يدرس تاريخ الفرق والمقالات، وأن المقالة لا يعني وجودها، ارتباطها بفئة معينة.
فبعض طلبة العلم يربط فكرة نفي الصفات بالمعتزلة، فلا يفهم مع ذلك أنه بهذا قد يتخيل ويتوهم أن فكرة نفي الصفات انتهت بانتهاء المعتزلة كوجود وكمدرسة، ولا يعلم أن الأفكار تنتقل ويتغير وتتبدل أصحابها.
وعلى سبيل المثال الماتريدية اليوم قد تظهر في صور مختلفة، فالماتريدية في القارة الهندية تسلك خطين:
الخط الأول: خط دعوي.
يتمثل في جماعة التبليغ، فهي في أصلها ماتريدية صوفية، تتبنى الخط الصوفي الموجود عند الماتريدية.
والخط الثاني: خط تعليمي.
يتمثل في الديوبندية، فمدارس الديوبندية هي مدارس ماتريدية، فالمسميات تتجدد، فيقال عنها المدارس الديوبندية، لكن ينبغي أن تفهم أن الديوبندية هي الماتريدية. وأهل الهند يعرفون هذا
فمن هنا ينبغي أن تعرف المقالات ما أصولها، ويعرف تاريخ الفرق، وأن يعرف أنه من طبيعة المقالات أنهم قد يتلقفها البعض ثم بعد ذلك يتلقفها آخرون، فلا يعني هذا أنه بانتهاء الأشخاص انتهت المقالة، بل قد يتواصل وجودها ويتجدد، وهذا لا يعني أن انتهاء المقالة ينتهي بانتهاء من قال بها.
فقد تظهر في مسميات وصور جديدة، ومثلُ هذا يدعونا إلى أن نبحث عن تاريخ هذه المقالة ونبسط الحديث فيها، حتى يتسع أفق طالب العلم ويعرف أنه لا يتحدث عن مقالات قد انتهت وانتهى عهدها، بل هي مقالات موجودة وإن كانت مسميات هؤلاء قد تغيرت.
فلا يعني تغير مسميات هؤلاء، أن تلك المقالات قد تلاشت وتبددت بل هي اليوم موجودة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.
(٤٥) "ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض، وبشر الحافي وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم".
الحديث هنا يبين موقف بني العباس من هذه المسألة، ولذلك هذا يقودنا إلى ما يقول عنه شيخ الإسلام: "زمن انتشار المقالات" فبعد أن تكلم المصنف عن مسألة أوَّل من حُفِظ عنه أنه قال بهذه المقالة وهو الجعد، ثم تكلم بعد ذلك عن أن زمن ظهور هذه المقالة كان على يد الجهم، ثم عن زمن اشتهارها، ثم تكلم عن زمن انتشار هذه المقالة بمعنى متى كان لهذه المقالة دولة؟ متى كان ذلك؟
فهذا ينقلنا إلى الحديث عن خلفاء بني العباس، وقد عرفنا سابقًا موقف بني أمية وذكرنا أن بني أمية كانوا منقسمين، فمنهم من كان محاربًا للبدع كعمر بن عبد العزيز وهشام، ومنهم من كان مع أهل البدع كيزيد بن الوليد، يزيد الثاني ومروان بن محمد، فيزيد كان قدريًا كما يذكر الذهبي والطبري يذكرون هذا عن يزيد أنه كان قدريًا، ومروان بن محمد كان يسمى مروان الجعدي لأنه تربى على يد الجعد وأخذ بمقولته، وهو كان آخر خلفاء بني أمية، وانتهت خلافة بني أمية في ذلك الحين.
نأتي إلى بني العباس فالذي يلاحظ أن مقتل الجهم في سنة ١٢٨، وانتهاء خلافة بني أمية في عام ١٣٢، بدأ بعد ذلك دور خلفاء بني العباس فإذا كانت مقالة الجهم في ذلك الحين، فبعد هذا كان لهذه الفرق وجود لكن السنة أظهر وأغلب، وأهل البدع مقموعين.
وهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مدافع عن السنة ومؤيد لأهل البدع.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ويمكن تقسيم موقف الخلفاء العباسيين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: زمن السفاح وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والهادي والمهدي.
فقد كان زمن السفاح وأبو جعفر المنصور زمن تأسيس فلم يظهر فيه شيء يذكر، وهكذا هارون الرشيد كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي.
القسم الثاني: زمن المأمون، والمعتصم، والواثق.
فالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم.
القسم الثالث: زمن المتوكل.
إلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، ونصر أهل السنة وقمع البدع.
والتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.
لكن أول تمكُّن لهؤلاء هو في زمن المأمون، فقد التقى بهم المأمون في المشرق، وهناك أقنعوه بمقالتهم، وكتب من المشرق من طرسوس إلى واليه وعامله في بغداد يأمره فيه أن يمتحن الناس بمسألة القول بخلق القرآن، فامتحنهم في ذلك وكان ما كان من فتنة القول بخلق القرآن، وعُذِّب في ذلك من عُذِّب، وأوذي من أوذي، وصبر من صبر في ذلك، وهي مسألة القول بخلق القرآن. واستمرت هذه المعاضدة بعد المأمون، إلى عصر المعتصم، والواثق إلى أن جاء المتوكل فوقف في وجه هؤلاء، وأعاد الحق إلى أهل السنة، وأعاد دولة السنة.
فكان قاضي القضاة في عهد المأمون، وفي عهد المعتصم والواثق أحمد بن أبي دؤاد، هذا كان كما يسمَّى اليوم منصب وزير العدل، أي قاضي القضاة، وبالتالي كان له منصب عال عند بني العباس، وعند المأمون، وعند الواثق، وعند المعتصم، عند هؤلاء الثلاثة، إلى أن جاء المتوكل فأبعده عن هذا المنصب وأعاد الحق إلى أهل السنة، وبعد ذلك ظهر قول أهل السنة ولكن بعد امتحان عصيب في هذه المسألة.
وانفسح المجال لأهل السنة أن يرفعوا صوتهم عاليًا بمعتقدهم، وتثبيت أركانه، وتشييد بنيانه، ومواجهة أهل البدع وأقوالهم بالنقض والرد، وكشف عوارهم، وبيان
[ ١ / ٢٦٠ ]
زيفهم، فألفوا المصنفات الكثيرة الحاوية للسنن والآثار، ونشطوا في ذلك نشاطا ملحوظا في تدوين السنة النبوية بجميع فروعها، ولا سيما في باب العقيدة، ومن أشهر آثارهم في هذه المرحلة وما بعدها:
- السنة لمحمد بن عمر الواقدي [ت ٢٠٧ هـ].
- السنة لابن أبي شيبة [ت ٢٣٥ هـ].
- السنة للإمام أحمد بن حنبل [ت ٢٤١ هـ].
- كتاب «خلق أفعال العباد» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ.
- كتاب «الرد على الجهمية» له أيضا.
- السنة للمزني [ت ٢٦٤ هـ].
- كتاب السنة، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم)، ت ٢٧٣ هـ.
- كتاب «السنة، لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن هلال، ت ٢٧٣ هـ.
- كتاب «السنة»، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني"). ت ٢٧٥ هـ.
- كتاب «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة» لعبد الله ابن مسلم بن قتيبة، ت ٢٧٦ هـ.
- «كتاب السنة» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن النبيل الشيباني البصري، ت ٢٨٧ هـ.
- كتاب «الرد على الجهمية»، لعثمان بن سعيد الدارمي)، ت ٢٨٠ هـ.
- كتاب «الرد على بشر المريسي» له أيضا.
- كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد)، ت ٢٩٠ هـ.
- كتاب «السنة لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي. ت ٢٩٢ هـ.
- كتاب «السنة، لمحمد بن نصر المروزي)، ت ٢٩٤ هـ.
- السنة للحكم بن معبد الخزاعي [ت ٢٩٥ هـ].
- كتاب «التوحيد، لأبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي)، ت ٣٠١ هـ.
- كتاب «السنة، لأحمد بن محمد بن هارون الخلال (٣)، ت ٣١١ هـ.
- كتاب «التوحيد، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة)، ت ٣١١ هـ.
- السنة لابن خزيمة [ت ٣١١ هـ]. وهو غير كتاب التوحيد له أيضًا.
- كتاب «الرد على الجهمية» لعبد الرحمن بن أبي حاتم، ت ٣٢٧ هـ.
[ ١ / ٢٦١ ]
- شرح السنة للبربهاري [ت ٣٢٩ هـ].
- كتاب «السنة»، لأبي أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال، ت ٣٤٩.
- كتاب «السنة» لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، ت ٣٦٠ هـ.
- كتاب «السنة» لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حبان، ت ٣٦٩ هـ.
- كتاب «الإبانة» لعبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، ت ٣٨٧ هـ.
- كتاب «التوحيد»، لمحمد بن إسحاق بن منده، ت ٣٩٥ هـ.
- كتاب «شرح السنة» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ت ٣٩٩ هـ.
- كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، لأبي القاسم هبة الله ابن الحسن اللالكائي، ت ٤١٨ هـ.
- كتاب «الأصول» لأبي عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي الأندلسي، ت ٤٢٩ هـ.
- كتاب «السنة» لأبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي، ت ٤٣٤ هـ.
فقول المصنف: "وَلَمَّا كَانَ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ: انْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهَا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّة" أي في عهد المأمون وذكر أن سبب انتشارها بسبب بشر بن غياث المريسي، فهذا زمن انتشار المقالة بحيث أصبح لهذه المقالة وبيدِّ دعاتها السلطة والقوة التي من خلالها امتحنوا الناس في هذه المسائل، وسعوا إلى نشرها وبثِّها بين الناس في ذلك الحين.
وبشر المريسي يعدُّ من منظري هذه المقالة؛ لأن أكثر التأويلات الموجودة عند المعتزلة، وعند الأشاعرة إلى يومنا هذه كما يقول العلماء هي تأويلات بشر، يشهد لذلك لو قرأت ردَّ الإمام الدارمي على بشر المريسي، تجد أن تأويلات بشر هي بعينها الموجودة بين يدي الأشاعرة والمعتزلة.
فبشر بن غياث وطبقته كأحمد بن دؤاد وغيرهم هؤلاء هم الذين كانوا قد مكَّنوا لهذه المقالة ونشروها، لكن إلى ذلك الحين لم يكن بعد وجود للأشاعرة والماتريدية، لأن أبي الحسن الأشعري ولد سنة ٢٦٠، وتوفي ٣٢٤، ووفاة الإمام
[ ١ / ٢٦٢ ]
أحمد كانت ٢٤١، فلم يكن بعد قد ولد أبو الحسن الأشعري. فالذي كان في الميدان والساحة في ذلك الحين كما ذكرنا الخوارج ولهم ضلع في هذه المسألة، وكذلك الجهمية والمعتزلة، هم خصوم أهل السنة في ذلك الحين.
هذا يقودنا إلى الكلابية، والكلابية أسبق من الأشاعرة والماتريدية، فأبو عبد الله محمد بن سعيد القطان، المشهور والمعروف "بابن كلاب" هذا هو مؤسس الكلابية، ففي البصرة كان الصراع في هذه المسائل بين طائفتين: المعتزلة، وأهل السنة وأهل الحديث كما كانوا يعرفون في ذلك الحين. فالصراع قائم بين هؤلاء وهؤلاء، فظهر ابن كلاب في خضم هذا الصراع وخطَّ خطًّا ثالثًا في المسألة، ذلك أنه أوَّل من قال بالكلام النفسي، ففي صفة الكلام المعتزلة يقولون: إن الله لا يتكلم، ينفون صفة الكلام، ويقولون: إن كلام الله مخلوق، وأهل السنة يثبتون صفة الكلام ويقولون: إن الله ﷾ يتكلم بحرف وصوت مسموع.
فجاء ابن كلاب ووضع قولًا ثالثًا، وكان ابن كلاب في ذلك الحين أقرب إلى أهل السنة لأنه يثبت لله كلامًا وإن كان يثبته على شكل غير صحيح. فلذلك كان يقال عنه: إنه من نظار أهل السنة، فكان أقرب إلى أهل السنة منه إلى المعتزلة، وإن كان قوله يخالف قول أهل السنة وبهذا ظهرت مقالة ابن كلاب في البصرة، ولبيان علاقة الكلابية بالأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري ولد في البصرة، وتربى في بيت اعتزالي، ولذلك الحديث عن الكلابية لابد أن يصحبه حديث عن الأشعرية لأن هناك علاقة بين الأشعرية والكلابية، بل إن قول الكلابية هو بعينه قول الأشاعرة في مسألة الصفات بما فيها صفة الكلام، ونقصد بذلك الأشاعرة القدماء.
فأبو الحسن الأشعري، علي بن إسماعيل الأشعري ولد في البصرة، وبعد وفاة أبيه تزوجت أمه بأبي علي الجبائي وهو من كبار المعتزلة في ذلك الوقت، وولادته كانت في عام ٢٦٠ من الهجرة، فنشأ وتربي في بيت معتزلي، استمر هذا إلى ٣٠٠ من الهجرة، لأنه من ٢٦٠ إلى ٣٠٠ هذه أربعين سنة وهو في بيت الاعتزال، نشأ وتربي في بيت شيخ المعتزلة أبو علي الجبائي.
إلى أن بلغ سن الأربعين، وكان من الذكاء بمكان بحيث إنه كان يشاغب شيخه ويعترض عليه في مسائل كثيرة في قضايا الاعتقاد. إلى أن خرج من الاعتزال، وكانت الساحة إذ ذاك: إما معتزلة، أو كلابية، أو أهل السنة وأهل الحديث، فالنزاع فيها بين هذه الأصناف الثلاثة.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وكانت الكلابية تناظر هؤلاء بطريقة كلامية، فأبو الحسن الأشعري لما زهد بالاعتزال وخرج منه، وجد أمامه مقالة الكلابية، باعتبار أنها كانت تقف في وجه المعتزلة، فهي مسلطة في المقام الأول في معاندة ومعارضة المعتزلة.
فأبو الحسن الأشعري تأثر بالكلابية، وأخذ بأقوالهم وهذا ظاهرٌ في كتبه التي ألَّفها عندما كان في هذا الطور ككتابه اللمع، فهذا الكتاب يشابه كثيرًا أقوال ابن كلاب ولا يختلف عنها إلا في مسائل محدودة.
ولو قرأت في كتابه مقالات الإسلاميين تجد أن أبا الحسن الأشعري من أمهر من كتب في الاعتزال، وفي مقالات المعتزلة، ومن أمهر من كتب في مقالات الكلابية لأنه مر بثلاثة أطوار:
الطور الأول: إلى سن الأربعين وهو يتغذى الاعتزال.
الطور الثاني: بعد الأربعين دخل في الكلابية.
الطور الثالث: وبعد ذلك كان بينه وبين أبي زكريا الساجي من علماء الحديث لقاء، وعرَّفه فيه بمعتقد أهل الحديث وأهل السنة، ونصحه بأن يترك البصرة وينتقل إلى بغداد باعتبار أن بغداد مركز لأهل الحديث، فقوة أهل الحديث كانت في بغداد أظهر، وكيف لا وهناك تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من علماء الحديث.
فنصحه أن ينتقل من البصرة إلى بغداد، وعندما ذهب إلى بغداد والتقى بعلماء الحديث، بعد ذلك خرج من الكلابية إلى أهل السنة، وألَّف في ذلك [الإبانة]، وألَّف في ذلك [رسائل إلى أهل الثغر]، وألَّف في ذلك مقالات الإسلاميين، هذه أشهر كتبه في المرحلة الثالثة فهو مر بثلاثة أطوار: معتزلي، ثم كلابي، ثم أهل السنة والجماعة.
فإذًا من هذا يتبين أن الكلابية هي أصل الأشعرية؛ لأن من نشأ على الأشعرية القديمة إنما هو في الحقيقة أخذ بكلام الكلابية.
فتلاميذ أبي الحسن الأشعري في الطور الثاني أخذوا هذه المقالات التي تنسب إلى الكلابية وتبنوها، ولذلك لم يعد بعد ذلك وجود للكلابية، إذ أن وجودهم قد احتواه الأشاعرة، فاحتووا الكلابية، فأصبح بعد ذلك هذه المقالات تعرف باسم الأشاعرة.
وأما الماتريدية، فأبو المنصور الماتريدي أسبق من أبي الحسن الأشعري، كان متقدمًا على أبي الحسن الأشعري.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ووفاته كذلك متأخرة على أبي الحسن الأشعري، وكان عمره أكبر من عمر أبي الحسن الأشعري لأن أبا الحسن الأشعري عمره أربعٌ وستون، أربعون قبل الثلاثمائة، وأربع وعشرون بعد الثلاثمائة، فهذا هو عمر أبي الحسن الأشعري. وكان الماتريدي معاصرًا له وإن كان أسبق منه ولادة، وامتد عمره بعد وفاة الأشعري، وتوفي من بعده لكن أبو منصور الماتريدي نشأ في المشرق بين الأحناف، وبالتالي تأثر بمقالات الكلابية، وتأثر بمقالات الجهمية، وكان على هذا لقاء بين الأشعرية والماتريدية، ولكن هذا اللقاء كان أقرب صورة له هي صورة الكلابية.
فكان الكلابية إذ ذاك هم أصل الأشعرية، وأصل الماتريدية وهذا يفسر لك مدى التقارب بين الأشاعرة والماتريدية، حتى إن الفُروق التي يعدونها بينهم هي فُروق قليلة، أحيانًا يحصرونها في ثلاثة عشر فرقًا، يقولون: سبعة منها لفظية، وست منها جوهرية.
فشيوخ وقدماء الأشاعرة والماتريدية هم الكلابية، فقد كان تأثر الفريقين بالكلابية واضحًا وهذا يفسر ما بين الأشاعرة والماتريدية من تقارب، إلا أن الأشاعرة تأثرهم بالمعتزلة بعد ذلك أقوى، والماتريدية تأثروا بالكلابية، وتأثروا بالجهمية، والمعتزلة في ذلك الحين.
فكان بينهما نوع قرب، لكن التقارب بعد ذلك أصبح أقرب، نظرًا لقرب الأشاعرة إلى المعتزلة، فمن الجويني، والغزالي، والرازي كان هناك تقارب بين الأشعرية والمعتزلة. ولذلك يقول العلماء: إن أوائل الأشاعرة كانوا أقرب إلى أهل السنة، وأما أواخر الأشاعرة فإنهم أقرب إلى المعتزلة. فهذا يعطيك فكرة تاريخية عن نشأة الأشعرية، والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة. لكن مقالة المعتزلة احتضنها الأشاعرة، طبعًا الأشاعرة تأثروا تأثرًا وليس احتضانًا.
وقد كان آخر أمر أبي الحسن الأشعري، رجوعه إلى أهل السنة، ولكنه كما يقال رجوع جملة، أي أنه لم يعرف أو لم يتوصل إلى معرفة أقوال أهل السنة على وجه التفصيل، ولذلك مثلًا في كتابه الإبانة أو مقالات الإسلاميين يخطئ في بعض المسائل في نسبتها إلى أهل الحديث أي إلى أهل السنة، فهذا يدل على أنه رجع رجوع جملة، وليس عنده معرفة بالتفصيل من أقوال أهل السنة لتأخر رجوعه إلى عقيدة أهل السنة، فأربعون سنة وهو في الاعتزال، ثم شطر كبير مما تبقَّى من عمره وهو على عقيدة ابن كلاب إلى أن نصحه أبو زكريا الساجي، وأبو زكريا الساجي توفي عام ثلاثمائة وسبعة أي بعد أن رجع أبو الحسن الأشعري وخرج عن الاعتزال بسبع سنين.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وألف في آخر عمره كتاب الإبانة، وفي جملته أي كتاب الإبانة ما عدا مسائل محدودة قوله فيها قول أهل السنة، كإثبات العلو والاستواء، فقد أثبت في هذا الكتاب علو الله-﷾-على خلقه واستوائه على عرشه.
فهذا ما كان من أبي الحسن الأشعري، ولكن كما ذكرنا رجوعه رجوع جملة، وليس فهمًا عميقًا لمنهج السلف لتأخر معرفته لمنهج السلف، ولذلك تلاميذه وكتبه التي انتشرت عندما كان على عقيدة ابن كلاب فهي التي بقيت بعد ذلك واشتهرت، وأخذها من بعده تلاميذه، وانتشرت الأشعرية في الشافعية والمالكية خاصة ولم تنتشر في الأحناف؛ لأن الماتريدية هي التي انتشرت في الأحناف، وبما أن أبو منصور الماتريدي كان معاصرًا لأبي الحسن الأشعري، لأن وفاة أبي منصور الماتريدي حدِّدت بعام ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين، وإن كان وجود الماتريدية في ذلك الوقت كان فيما وراء النهر، وهذا يبين ويوضح كيف أنه إلى زماننا هذا ما تزال عقائد الماتريدية منتشرة في الأحناف؛ لأن انتشار الحنفية كما هو معلوم يغلب على كثير من بلاد المشرق وبخاصة القارة الهندية وما يعرف بأفغانستان والجمهوريات المستقلة من الاتحاد السوفيتي السابق وتركيا والمسلمون الموجودون في جنوب أوربا، كل هؤلاء من الأحناف على عقائد الماتريدية.
فالماتريدية كان وجودها الأصلي بين الأحناف، ولذلك يقولون إنه لم يكن على الأشعرية من الأحناف إلا أبو جعفر السمناني، وكان يقال عنه مؤمن آل فرعون، لأنه كان الوحيد من الأحناف على عقائد الأشعرية.
أما انتشار الأشعرية فبدأ من القرن الرابع، أما كونهم لهم شوكة وصولة وجولة، فهذا بدأ من عهد السلاجقة، أي في القرن الخامس وتحديدًا في عام أربعمائة وخمسين للهجرة، ففي زمن نظام الملك الذي كان وزيرًا في دولة السلاجقة، وكان نظام الملك على الأشعرية وأسَّس ما يسمَّى بالمدارس النظامية، فهي منسوبة إليه.
وكان أول نفوذ للأشعرية في السلطة بدأ من وقته، فانتشرت المدارس النظامية في ذلك الحين في عهد السلاجقة، وجاء حكم السلاجقة بعد البويهيين، وبني بويه كانوا رافضة، إلى أن جاء السلاجقة وأزاحوا البويهيين نظرًا لأن البويهيين في آخر وقتهم خلعوا الخليفة العباسي في ذلك الوقت وبايعوا بالخلافة للعبيديين الفاطميين ولكن بعد ذلك تمكن السلاجقة من الاستيلاء على بغداد وأسَّسوا نظامهم الخاص بهم مع بقاء الخلافة في بني العباس، ومن ذلك الوقت بدأ للأشاعرة وجود تدعمهم سلطة
[ ١ / ٢٦٦ ]
وعلى إثرها أسست تلك المدارس وهي المدارس النظامية، وكانت هي البداية لانتشار الاعتقاد الأشعري.
وأما في بلاد الشام فإن انتشار الأشعرية كان على يد صلاح الدين، فصلاح الدين الأيوبي (^١) وقبله محمود زنكي؛ ألزموا المدارس في الشام وفي مصر بتدريس العقيدة الأشعرية، ومن ذلك الحين كان لها وجود في بلاد الشام وفي بلاد مصر.
وأما في بلاد المغرب فكان على يد ابن تومرت الذي أخذ بأقوال الأشاعرة وأسَّس على إثر ذلك دولة الموحدين في بلاد المغرب وجعل المعتقد الأشعري هو الذي يدرَّس في ذلك الزمن وفي ذلك المكان.
فمن هنا انتشر المعتقد الأشعري على هذا الأساس، ويزامنه في الوقت ذاته معتقد الماتريدية، وكما قلنا الماتريدية مستقلون في رأيهم وفكرهم وإن كان هناك تشابه كبير جدًا بين الأشاعرة والماتريدية ولكن نفوذهم وانتشارهم كان في الأحناف.
وكما هو معلوم أن بغداد وبلاد الشام ومصر هي أهم مناطق في العالم الإسلامي في ذلك الحين، لأن فيها مراكز النفوذ والحكم من جهة، وفيها كذلك مدارس العلم ومعاهد العلم من جهة، وهذا أوجب انتشار الأشعرية منذ ذلك الحين.
والأشعرية كانوا في الأساس منقسمون إلى أشاعرة بغداد وأشاعرة خراسان، وأما أشاعرة خراسان فكانوا أكثر إنكارًا للصفات من أشاعرة بغداد، ويمثل ذلك ابن فورك، ومن يقرأ لابن فورك يجد أن عنده ما ليس موجودًا حتى عند الأشعري ولا حتى عند الباقلاني مثلًا.
والجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية، وبعد ذلك جاء الجويني ومن بعده الغزالي ثم الرازي، وهؤلاء كانوا أكثر إنكارًا وتحريفًا
_________________
(١) صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك. وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا.
[ ١ / ٢٦٧ ]
للصفات من السابقين، فمنذ الجويني كثر الإنكار في الصفات عن معتقد السابقين، فلو عقدت مقارنةً بين أوائل الأشاعرة وبين متأخريهم لوجدت مثلًا أن الأوائل إنما كان خللهم في صفات الأفعال الاختيارية، أما الصفات الذاتية والصفات الخبرية فقد كانوا يثبتونها، فلو قرأت لمتقدمي الأشاعرة في الصفات الخبرية مثلًا إثبات صفة الوجه واليدين والأصابع وغير ذلك؛ فتجد أنه كان البيهقي وأبو الحسن الأشعري والمتقدمون من الأشاعرة يثبتون هذه الصفات، يثبتون الوجه ويثبتون اليدين ويثبتون الأصابع، يثبتون الصفات الخبرية، وكذلك يثبتون الصفات الذاتية، وإنما كان الخلل عندهم بالتحديد في صفات الأفعال الاختيارية كالغضب والرضا والسخط وغير ذلك، هذه التي كانوا أحيانًا يقع تحريفهم فيها على نوعين: إما أن يجعلوها مثل الصفات الذاتية أي أنها صفات قائمة أزلًا، أو أنهم يخلطون بين الفعل فيها والمفعول، وبالتالي يجعلونها هي المفعولات.
فمثلًا في الاستواء أو النزول يثبتون الاستواء ولكن يقولون: إن الاستواء هو فعل فعله الله في العرش (^١) وبالتالي الاستواء صفة للعرش وليس صفةً لله تعالى أو أن النزول صفة للسماء وليس صفةً لله تعالى، من هذا القبيل.
ولكن إذا جئت إلى الأشاعرة المتأخرين لا تجد عندهم من الإثبات إلا سبع صفات فقط، والبقية كلها تأوَّل وتحرف، فهم مثلًا ينفون صفة الوجه وينفون صفة اليدين وينفون سائر الصفات ما عدا السبع التي هي معلومة، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وإن كان في الكلام كلام، لأنهم لا يثبتون الكلام كما يثبته أهل السنة والجماعة.
فشاهدنا أن الأشاعرة كلما امتد بهم الزمان كلما ازدادوا قربًا للاعتزال، فالجويني تأثر كثيرًا بكتب المعتزلة، وهكذا الشأن مع الغزالي إلى أن وصل الأمر إلى الرازي، والرازي هو منظر الأشعرية المتأخرة، ومن جاء بعده إنما هو عيال عليه، وقد مال بها كثيرًا إلى الفلسفة والاعتزال.
وأما حقيقة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة والفوارق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الأشاعرة.
فأول هذه الفوارق وأعظمها وأكبرها هو الخلاف في مصدر التلقي في مسائل الاعتقاد، ومن أين نأخذ هذه المسائل؟ هل نأخذها من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة أم من العقل؟ فمنهج أهل السنة والجماعة يقوم على أساس أن كل مسائل الاعتقاد تؤخذ بحمد الله من الكتاب والسنة ففيهما الغنية والكفاية، وذلك وفق فهم
_________________
(١) انظر كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الخامس برقم (٤٣٧).
[ ١ / ٢٦٨ ]
سلف الأمة ففي ذلك توضيح وبيان لما يجب اعتقاده في جميع مسائل الاعتقاد سواء كانت في أصولها أو في فروعها حتى الدقيقة منها.
فهذا مجمل اعتقاد أهل السنة؛ لأن قواعد المنهج السلفي تقوم على أساسٍ، أنه لا بد من الاعتماد على كلام الله ﷿-وكلام رسوله ﷺ-ولا بد من التقيد في فهم ذلك بالمأثور عن سلف هذه الأمة.
وأما الأشاعرة فيقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب الإلهيات، المقصود به باب التوحيد.
الباب الثاني: باب النبوات، المقصود به إثبات نبوة بالنبي ﷺ.
الباب الثالث: باب السمعيات، يقصدون بها مسائل البعث والنشور، والشفاعة والصراط والميزان ودخول الجنة ودخول النار، كل هذه تسمى سمعيات، أي أنها تؤخذ من طريق الكتاب والسنة. فهذا تبوبيهم لمسائل الاعتقاد، يقوم على هذه الأبواب الثلاثة.
وهم في الباب الأول وفي الباب الثاني لا يعتمدون على السمع أي على الكتاب والسنة، وأما في الباب الثالث فنعم، ففي باب السمعيات الذي أسموه سمعيات يعتمدون فيه على الكتاب والسنة، فهم في مسائل اليوم الآخر والبعث والنشور وما يتعلق بها في هذه المسائل يأخذون بالكتاب والسنة، ولذلك الخلاف معهم ليس بالكبير؛ لأن المصدر واحد، فهم يثبتون هذه المسائل من خلال النصوص وأهل السنة يثبتونها من خلال النصوص وإن كان هناك خلاف يبقى الخلاف في مسائل معينة لكن في الجملة يعتمدون الكتاب والسنة.
لكن في باب الإلهيات وباب النبوات لا تجد عندهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ.
والسبب في ذلك أن المنهج الأشعري منهج كلامي فلسفي يعود إلى أصل الفلسفة، وهي اعتماد العقل وجعله أصلًا في الأمر.
فكما ذكر سابقًا أن المنهج الفلسفي يقوم على أمرين:
الأمر الأول: أن المصدر في العلم والأساس في العلم، هو الإنسان أي عقل الإنسان.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والأمر الثاني: أن المعلومات أو العلوم تنحصر في المحسوسات المشاهدة، أو كما يسمونها اليوم العلوم التطبيقية.
فبناءً على هذا المبدأ فإنهم يقدمون العقل على النقل ويطعنون في النقل، وانظر إلى مواقف هؤلاء تجدها في كتبهم منصوص عليها كما سبق بيانه.
وعلى هذا فإن الفرق بين أهل السنة وبين هؤلاء جوهري، فهؤلاء يقررون مسائل ويعرضون مسائل على منهج فلسفي منطقي عقلي ركَّبوه وصنعوه من عند أنفسهم، وبالتالي ما جوَّزته عقولهم قبلوه وما لم تجوِّزه عقولهم ردوه.
فهذه قضية خطيرة ومن أخطر القضايا في هذا الباب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فكيف يمكن أن نردَّ هذا النزاع الذي يحصل بين أهل السنة وبين الأشاعرة في مسائل التوحيد وفي مسائل النبوات؟، كيف يمكن أن نرد هذا النزاع إلى الكتاب والسنة والقوم لا يعتمدون الكتاب والسنة وإنما يشككون فيهما؟
وهذا التشكيك جاء من طريقين:
أولًا: إما من طريق الطعن في حجية النصوص.
ثانيًا: الطعن في دلالة النصوص.
فما استطاعوا أن يشكِّكوا في ثبوته شكَّكوا فيه، فقسموا النصوص إلى قسمين: متواترٍ وآحادٍ، وقالوا: إن أخبار الآحاد لا يحتجُّ بها في باب العقائد، بمعنى أنه ولو جاء في البخاري ومسلم حديث في هذا الباب في باب التوحيد يتعلق بمسألة من مسائل الاعتقاد فإنه مردود، وليت الردُّ كان على ميزان أهل الحديث واصطلاح أهل الحديث، فلا شك أن الحديث إذا كان إسناده غير صحيح فإنه لا تقوم به حجة، ولكن اعلم أن قول هؤلاء إن أخبار الآحاد لا يحتج بها في باب العقائد، ليس على ميزان الصحة والضعف ولكن هذا ردٌّ بإطلاق، رد بماذا؟ بإطلاق، واقرأ هذا في كلام هؤلاء.
وقد نص عليه الغزالي مثلًا في المستصفى، فقال: "وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (^١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، هذا كلام المصطفى ﷺ-كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا
_________________
(١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).
[ ١ / ٢٧٠ ]
أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.
ولذلك يقول بعض علماء السلف: لا بد من تمييز هذه المسألة، من هم أهل السنة. هذه مسألة لا بد على الإنسان أن يطرحها على المخالف فيحدِّد أولًا من هم أهل السنة؟ فأنت إذا جئت إلى أشعري وأخذت تتكلم معه في مثل هذه المسائل تجد أنه يحمر ويصفر؛ لأنك تخرجه من أهل السنة، وهذا كلام القوم شاهد عليهم، أنهم لا يعتبرون النصوص أصلًا في هذه المسائل، ويقرِّرون ويقعدون أن شبههم العقلية هي الأصل والأساس وأن السمع معروض عليها؛ وأن ما كان من أخبار الآحاد أي ما كان ثابتًا عن النبي ﷺ-ولم يصل إلى حد التواتر فإنه محكوم عليه عندهم بعدم الصحة، وبالتالي يردُّونه، وهذا ردٌّ لأكثر من تسعين بالمائة من النصوص.
فمن الذي يعظم كلام النبي ﷺ-ويردُّ أكثر من تسعين بالمائة ويطعن في الباقي؟ ويقول إذا كانت أخبار آحاد فهي غير صحيحة، وإذا كان متواترًا فإن هذا ظني وليس قطعيًّا، ويجب؟ لماذا؟ لأنه خالف عقولهم.
ثم انظر كيف يصف أحاديث النبي ﷺ-في الصفات فيقول: "وظواهر أحاديث التشبيه (^١). "يصفها بهذا الوصف وهي من كلام النبي ﷺ أيكون النبي ﷺ مشبِّهًا؟ حاشا وكلا.
ولا يقول قائل: هذا فقط قول الغزالي، فهذا عضد الدين الإيجي، في كتابه المواقف وكتب القوم كثيرة، إذا نظرت للإيجي في كتابه انظر هذه المسألة التي ذكرها ويقول فيها؟ "المقصد الثامن: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ " والمقصود بالدلائل النقلية أي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-سؤال يطرحه: هل تفيد اليقين؟ يقول: "قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة" أي لتوقف النقل على العلم بالوضع، أي بوضع اللغة ومراد من؟ مراد المتكلِّم، والأول، أي الوضع، "والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف وأصولها، " أي أصول هذه العلوم، أي نقل اللغة والنحو والصرف تثبت برواية الآحاد "وفروعها بالأقيسة وكلاهما ضنيان، والثاني"، أي الإرادة، "مراد المتكلِّم يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير؛ الكل، " أي كل هذه السبعة، "لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن" أي بعد العلم بالوضع والإرادة وكون
_________________
(١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).
[ ١ / ٢٧١ ]
هذين الأمرين ظنيين، "ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدِّم على الدليل النقلي قطعًا"، ما الرأي في هذا الكلام؟ إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعًا، فعلى هذا الزعم فالمسألة ليس فيها نقاش عندهم.
"إذ لا يمكن العمل بهما"، هذه الفرضية التي يفرضونها وذكرناها، إذ لا يمكن العمل بهما، كيف يعمل بعقلي ونقلي وهما متعارضان؟، "ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، " وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل وقد بينَّا كيف أنهم جعلوا العقل أصلًا في ثبوت وجود الله ثم في ثبوت النبوة ثم في إثبات ما جاء به النبي، فما جاء به النبي فرع عن الأصل الذي هو العقل.
قال: "وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال للفرع. " يعني إذا أبطلنا الأصل فإن بطلان الأصل يلزم منه إبطال الفرع، "وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا. " إلى أن قال هنا -يعني في نهاية هذا الكلام: "نعم في إفادته اليقين في العقليات نظر؛ لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي. " إلى آخر كلامه في هذه المسألة.
فهذه قواعد القوم التي يؤصلونها في كتبهم، ولذلك لو تصفَّحت أي كتاب أشعري في هذين البابين في الإلهيات والنبوات لن تجد قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ
وهذا نموذج من كتبهم التي تحتوي على كلام فلسفي منطقي يؤصِّلون عليه قواعدهم في باب الأسماء والصفات، ثم على أساس ذلك يقولون في صفات الله تعالى ما يشتهون وما يريدون ويردُّون كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ-وهذه المسائل عامة الناس لا يعرفونها وبحمد الله في نفوس عامة الناس من تقديسٍ واحترامٍ للكتاب والسنة ما يعلمه كلُّ واحد منَّا، لكن مثل هذه الأمور يخفونها عن عوامِّهم.
وهذا كلام الغزالي يبين لك أن هذه العقيدة تخفى عن العوامِّ وتعطى لمن لخواصِّهم، يقول: الدعوة الثامنة. هذا كلام الغزالي في الاقتصاد، "الدعوة الثامنة: ندعي أن الله تعالى منزَّه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش؛ فإن كل متمكن على جسم (^١) ومستقر عليه مقدر لا محالة، فإنه إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر. فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي. وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا. والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه. فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ. فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى. فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا. وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل. وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه. فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب. وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ. إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين. فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل. ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل. ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم. لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
[ ١ / ٢٧٢ ]
أو مساويًا له، وكل ذلك لا يخلو عن التقدير وأنه لو جاز أنه يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطًا به، والخصم لا يعتقد ذلك بحال وهو ولازم على مذهبه بالضرورة وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض. "
طبعًا هذه كلها شُبَه عقلية يوردونها على نفي خبرٍ الله تعالى أخبر به، إذ قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أخبر-﷿-بهذا، فيأتون بهذه الأمور وسنأتي إلى كلام شيخ الإسلام ويعرض فيها بعض هذه الشبه التي يقولونها.
"وعلى الجملة أعني لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض، وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوة بإقامة البرهان، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وما معنى قوله ﵇: يَنْزِلُ اللهُ ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (^١). قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل، ولكن نذكر منهجًا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه. يضع قاعدةً ومنهجًا يعني ما يأتي بعده يسير على هذا المنهج وعلى هذه القاعدة "وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان: عوام وعلماء، والذين نراه اللائق بعوام الخلق ألا يخاض بهم في هذه التأويلات. " ألا يخاض بهم في هذه التأويلات، "بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. "
"فإذا سألوا. " أي سأل العوام؛ "عن معاني هذه الآيات زجروا عنها وقيل: ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال، ويجاب ما أجاب به مالك بن أنس ﵁ وبعض السلف حيث سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. هذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات. " ويبررون لهذا بأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، "ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرض والاستعراض. " يعني لا تتسع للمنطق والفلسفة وهل يعقل مثل هذا التعليل لهذا الأمر.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ١ / ٢٧٤ ]
فهل النبي-ﷺ-قسم أصحابه إلى قسمين، فقال: تعال يا فلان وفلان، أنتم علماء أعطيكم هذا العلم، وأنت يا فلان وفلان أعرضوا عن هذه النصوص لأنكم لا تفهمونها لكونكم عوام سأعطيكم علمًا آخر؟ فهذا تعليلهم؛ "لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، " أي لا تتسع للمنطق والفلسفة.
"وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمهم، ولست أقول أن ذلك فرض عين، إذ لم يريد به تكليف وللتكليف التنزيه عن كل ما تشبه بغيره. " إلى آخر كلامه، فإذًا قسم الناس إلى عوام وعلماء، وعلل بأن العوام لا يخاض فيهم في هذه المسائل لأن عقولهم لا تتسع لقبول المعقولات.
فعلى هذا الزعم جعل الشريعة فيها خطاب للعوام وفيها خطاب للعلماء، وكأن هذه العقيدة الموجودة في القرآن والسنة هذه عقيدة العوام، وأما الأشعرية ومنهج الأشاعرة فهذا عقيدة العلماء، فالذي يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقول النبي ﷺ "يَنْزِلُ اللهُ ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " (^١) إنما هما خطاب للعوام، وذلك يعني أن من كان على الكتاب والسنة هم ما زالوا في عاميتهم وعقولهم لا تتسع لقبول المعقولات أي المنطق والفلسفة.
هذا ميزانهم، ولذلك لاحظ أنت اليوم على مدارس الأشاعرة كيف أنها تهمل مصطلح الحديث، فإهمالهم لعلم مصطلح الحديث وتركيزهم على علم المنطق هذا دليل على أنه لو نشؤا فيه الناشئة على هذا الميزان الذي هو عند أهل الحديث لانعكس الأمر وانقلب عليهم، ولذلك علم مصطلح الحديث يعدُّ شوكةً في حلوقهم، فلو وجد هذا العلم وانتشر لكان هذا فيه أكبر رد عليهم.
ولذلك ابن حجر يعارضهم في هذه المسألة، ويردُّ عليهم في هذه المسألة، وهي حجية خبر، خبر الواحد أو أخبار الآحاد وهل يحتج بها أو لا يحتج بها، واقرأ في هذا، مقدمة ابن حجر في فتح الباري تجد أنه يصارع الأشاعرة في هذه المسألة ويرد عليهم ويرد على المعتزلة.
فالخلاف في مصدر التلقي واضح، لذلك هذا الخلاف على أساسه تجد أنه ينعكس في مسائل الاعتقاد، فخذ مسألة التوحيد، وقارن بين مفهوم التوحيد الذي يقرره أهل السنة والتوحيد والذي يقرره الأشاعرة.
فالتوحيد الذي يقرره أهل السنة يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، الإقرار
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
بربوبيته وإفراده بالعبادة، فلا بد من هذه الأمور مجتمعة، فلا يتم توحيد العبد حتى يكون مؤمنًا بأسماء الله تعالى وصفاته، مؤمنًا بربوبيته ومفردًا له بالعبادة والألوهية.
أما التوحيد الذي عند الأشاعرة فهو فقط منحصر في مسألة واحدة وهي قضية الربوبية، طبعًا ويعرفون التوحيد بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له، وواحد في صفاته لا نظير له فقولهم: واحد في ذاته؛ فهذا إذا نظرت فيه وتأملت فيه تجد فيه إنكار لأن يكون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فهم يحشون هذا الجانب بمسائل إنكار الجهة وإنكار الحيز وإنكار المكان إلى غير ذلك من النفي الذي لو جئت تتأمل فيه تجد أنهم لا يثبتون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فإذا كان قائلهم يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباينًا له ولا محايدًا له (^١). إذًا هذا وصف المعدوم، فهذا قولهم "واحد في ذاته".
وأما قولهم "واحد في أفعاله" فهذا الذي يسلم لهم من التوحيد، وهذا القدر الموجود عندهم وهو الإقرار بربوبيته.
وأما واحد في صفاته فهو عند المتأخرين سبع صفات وإن أوصلوها إلى عشرين صفة وهو عدد زائف لا يخلص منه إلا هذه السبع التي ذكروها وإن كان في إثبات صفة الكلام مخالفة للحق.
أما توحيد الألوهية فلا ذكر له، ولذلك انظر إلى أي مجتمع أشعري أو ماتريدي تجد أن الشرك قد تفشى فيه.
إذًا أي توحيد هذا الذي يقرر ويعلم، الذي في الوقت ذاته وفي الوقت نفسه تجد معالم الشرك موجودة ومنتشرة، ولا تجد من يردع ذلك حتى بين علمائهم، ليس الأمر مقتصرًا على جهالهم، لو كان الأمر مقتصرًا على جهالهم لقلنا هذا لجهلهم، ولكن حتى علماؤهم يَدْعون إلى هذا الشرك ولا يرون فيه مخالفةً أو مناقضةً للتوحيد.
فإذًا فرقٌ بين توحيد أهل السنة وتوحيد الأشاعرة؛ فإن توحيد أهل السنة يعني إفراد الله بأسمائه وصفاته كلها وإفراد الله بربوبيته وإفراد الله بعبادته، وهذا هو التوحيد عند أهل السنة، ولا يتم توحيد العبد حتى يوحد الله في هذه الأمور المجتمعة، ولذلك تجد أن أهل السنة أبعد الناس عن الشرك ومظاهره حتى عند عوامِّهم، تجد أن العامِّي يعرف أن فعل هذه الأمور يؤدي إلى الشرك ولذلك تختفي معالم الشرك متى ما وجد اعتقاد أهل السنة.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الخامس صفحة (١٢٨).
[ ١ / ٢٧٦ ]
أيضًا من بين مخالفاتهم في التوحيد أنهم يقولون: إن أول واجب على المكلف النظر، والنظر عندهم يسبقه شك، فيقولون: يجب على المكلف أن يجرِّد ذهنه من أي اعتقاد سابق، ثم بعد ذلك يبدأ وينظر في الأدلة حتى يكون عنده إيمان من غير تقليد، ولذلك عندهم مسألة: هل إيمان المقلِّد يصح؟ فالبعض منهم يقول: لا يصح، والبعض منهم يقول: يصح ولكنه يكون عاصيًا بترك هذا الاستدلال.
وهي مسألة من أساسها فاسدة؛ لأنه ما من أحد يفعل مثل هذا فيكون عندما بلغ سن البلوغ والتكليف جرَّد ذهنه من كل اعتقاد وبدأ ينظر في وجود الله تعالى وفي الإيمان وفي التوحيد.
فهذه مسألةٌ، كثيرٌ من الأشاعرة يبدأ بها، فانظر مثلًا كتاب الإرشاد للجويني، أول مسألة في كتاب الإرشاد للجويني، مسألة باب أحكام النظر، فيقول: اعلم أن أول واجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ النظر أو القصد إلى النظر. (^١) أوجب شيئًا ما أوجبه الله تعالى؛ ولم يوجبه رسوله ﷺ.
ولذلك من المضحك أنهم يفرِّعون على هذه المسألة مسائل في الفقه؛ ويقولون: لو أن شخصًا تزوج بجارية قبل البلوغ، فما حكم العقد بعد البلوغ؟ فالبعض يفتي بوجوب تجديد العقد بعد البلوغ؛ لأن الإيمان السابق لا يعتد به وإنما الإيمان يبدأ بعد البلوغ.
ومسائل الصفات وهي محل مثل هذه الفتوى، نتحدث عنها -إن شاء الله-عندما ندخل في هذه المسائل في مسائل الصفات.
قال ابن تيمية: "ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكّا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت أن له ربّا يعبده، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة، " (^٢)
أما توحيد الألوهية فلا ذكر له؛ لأن المعتقد الأشعري معتقد يقوم على مسائل النظر دون مسائل العمل، ولذلك ما من أشعري إلا وهو بحاجة إلى الصوفية، فترى قائلهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة أو رفاعي الطريقة أو تيجاني
_________________
(١) انظر كتاب الإرشاد صفحة (٢٥).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٢
[ ١ / ٢٧٧ ]
الطريقة أو غير ذلك، والسبب في ذلك لأن مسائل هؤلاء هي مسائل نظرية علمية وليست مسائل عملية تطبيقية، وبالتالي لن تجد عندهم مسائل العمل، وأقرب شيء في هذا التوحيد، يحصرون التوحيد في معرفة الله دون عبادة الله، حتى في الإيمان بالنبي ﷺ وهذا باب النبوات، تجد أنهم عندما يعرفون الإيمان بالنبي ﷺ يحصرون هذا الإيمان في تصديقه ويهملون اتباع النبي ﷺ، ولذلك ما من مجتمع أشعري إلا وتتفشَّى فيه البدع، فلا ترى إيمانًا بالنبي ﷺ لا يقام فيه للسنة لواء، ولا يدعى فيه إلى السنة ولا تحارب فيه البدعة؟ وأي سنة أو ليست سنة النبي ﷺ؟ أو ليست البدعة هي ما أحدث في دين النبي ﷺ؟
فما من مجتمع أشعري أو ماتريدي إلا وتجد فيه البدعة متفشيةً والسنة تحارب، فهم لاعتقادهم هذا الذي يقوم على جوانب التصديق أهملوا جانب الاتباع.
فهذا الخلل موجود في أصلي الدين أي في التوحيد والاتباع، فلا إله إلا الله، يفسِّرونها لا خالق ولا رازق، فيفسِّرون الإله بالقادر على الاختراع، فيفهمون الناس ويعلمون صبيانهم أن التوحيد فقط الإقرار بوجوده، وأنت تأمَّل ما يقرَّره هؤلاء في مدارسهم، لا تجد ذكرًا لتوحيد الألوهية، وعندما يقررون محمدًا رسول الله يقررونها في نطاق معين وهو التصديق، دون الاتباع، وهذا قصور نتج عنه تفشِّي البدع، ولذلك لما يقوم أهل السنة بالدعوة إلى توحيد الألوهية والدعوة إلى السنة والاتباع؛ تجد هؤلاء يحاربون ويقاومون ذلك، وأكثر ذلك ناتج عن جهلهم؛ لأنهم ما علموا ولا عرفوا قيمة توحيد الألوهية، ولا علموا ولا عرفوا قيمة اتباع النبي ﷺ فترى الواحد منهم لا يفرق بين السنة والبدعة، ولا يفرق بين التوحيد والشرك، فهو إن كان يقوم ويصلي ويركع ويسجد لله تعالى ولكن لا مانع عنده أن يدعو غير الله تعالى، أو حتى أن يطوف بغير بيت الله تعالى، أو حتى أن يسجد ويركع لغير الله تعالى، فهذا واقع فعلي يشهد بأن هؤلاء عندهم خلل كبير في جانب التوحيد وجانب النبوة؛ لأنهم حصروا ذلك في قضايا نظرية تصديقية؛ لأن الأساس في المنهج الفلسفي أنه يعتمد هذه الأمور على أساس نظري دون أساس تطبيقي، فمن هنا حدث الخلل.
إذًا نبذٌ للكتاب والسنة في هذه المسائل شيء خطير لا يقبل به أي إنسان عرف الحق ودان لله بالحق.
وفي تلك المجتمعات خلل في التوحيد وخلل في الاتباع، نتج عنه ما نتج من
[ ١ / ٢٧٨ ]
مجتمع جاهل بالتوحيد جاهل بالسنة، حتى إن السنة لو فعلت لحوربت، فأميتت السنة وأحييت البدعة، وهذا هو الواقع، فإذا جئت تدعوهم إلى هذه الأمور حاربوك، وكما قيل: من جهل شيئًا عاداه.
فلا تتخيل أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة خلاف طفيف أو سطحي أو بسيط بل خلاف في العمق والأصل.
تعال إلى مسألة الإيمان، فما الإيمان عند الأشاعرة وما الإيمان عند أهل السنة؟ فالإيمان عند أهل السنة اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، وأما عند الأشاعرة فإن الإيمان هو التصديق، وهذه عودة للقضية الفلسفية، فهذا الإرجاء ناتج عن هذا الفكر.
والمرجئة هم الجهمية والأشاعرة والماتريدية والكرامية والكلابية، وكذلك يعدون مرجئة الفقهاء، فتجد أن الفرق التي ذكرنا وهي الخمس كلها تميل إلى الناحية الفلسفية، فهذا الفكر الفلسفي يحصر هذه القضايا في إطار محدود ضيق وهو الإطار النظري، وبالتالي عندما يعلم ويعرف أبناء هذه الأمة أن الإيمان هو التصديق ينشأ عن هذا إيمان قاصر ناقص في النفوس، فلذلك تلاحظ أن التطبيق ضعيف؛ وانظر هذا في واقع تلك المجتمعات، فإما أن يأخذ التطبيق من منهج صوفي مليء بالبدع والخرافات، أو ينشأ على أنه فقط عَرَف الله وصدَّق برسول الله ﷺ فهذا هو المطلوب على حد زعمه.
فتجد الواحد إذا أراد التديُّن وأراد العمل والتطبيق يلجأ إلى الصوفية، فلا يجد في الأشعرية ما يحفزه إلى العمل والتطبيق؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما إذا أراد التديُّن فإن في مخيلته أن التديُّن والعمل لا يأتي إلا من طريق الصوفية، فيقع في أحضان البدعة والخرافة أو يبقى تحت هذا الفكر وتحت سيطرته فيرى أن هذه المسائل والقضايا هي تصديقية وليست قضايا عملية، وهذا واقع أو ليس واقع؟ وبالتالي من يشكو ويندب حال تلك المجتمعات المسلمة وأنها مجتمعات لا تمتثل الإسلام امتثالًا صحيحًا، فلا تقيم شعائر الله ﷾
من أكثر العوامل التي أدت إلى ذلك هو تطبيق هذه المناهج، فترى الواحد منهم لا يعرف من العمل إلا ما يعرفه من خلال التصوُّف المنحرف الذي يجعله نابذًا للدنيا منسلخًا منها معتكفًا في زاويته أو في خلوته، ويعيش ويتكفف الناس ويسألهم رزقه وقوته في ذلك اليوم.
[ ١ / ٢٧٩ ]
فهذا هو الواقع الذي آل إليه المجتمع الإسلامي، وكل هذا تحت سيطرة فكر الإرجاء، فهل هناك التزام في أشخاصهم وفي ذواتهم؟ هل هناك التزام في أسرهم؟ هل هناك التزام في مجتمعاتهم؟ كل هذا ضعيف إلا ما قد يأتيهم عن طريق التصوف، أما كمنهج أشعري فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فبالتالي بناءً على هذا الفكر الإرجائي، وأن الإيمان ينحصر في المعرفة والتصديق، فإنه بذلك يكفيهم في التوحيد أن يعرفوا الله تعالى ويكفيهم في الإيمان بالنبي ﷺ-أن يصدقوا بنبوته.
لكن في التطبيق لا يوجد ذكر لهذا في كتبهم، واقرأ في ذلك ما يدرَّس حتى في المختصرات التي تدرَّس في مدارسهم، وبالتالي كيف تطلب من ناشئ ينشأ على هذا الفكر؛ كيف تطلب منه التوحيد على الوجه الصحيح؟ وكيف تطلب منه تطبيق السنة على الوجه الصحيح؟ وكيف يحيا على حبها وعلى التمسك بها؟ وكيف يحرص على تعلمها؟
ولذلك تجد أن كتب السنة مثلًا لا تدرس إلا للبركة، وكثير من هذه المدارس نعم قد تضع في ضمن مقرراتها صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلى غير ذلك، ولكن إنما هذه فقط للاطلاع والقراءة، ويبقى المنطق والفلسفة هي الأصل والمعتمد في الاعتقاد، إلا ما استثني من ذلك في قضايا البعث والنشور، وكذلك ما يتعلق بمسائل الفروض، بمسائل العبادات ومسائل العمل، مسائل العبادات والمعاملات؛ فإن هذه يأخذونها من الكتاب والسنة.
لكن مسائل الاعتقاد هي الأصل والأساس الذي على أساسه يستقيم العمل ويستقيم الفكر ويستقيم السلوك وتستقيم الأحوال كلها، وإن فسد الاعتقاد فإن هذا الفساد يظهر أثره سلبًا على أحوال الناس وعلى أفعالهم وعلى سلوكياتهم، وما ذكرناه وأشرنا إليه من ظهور الشرك وظهور البدع، وكذلك تفشي الإرجاء في كثير من الناس إنما سببه مثل هذه الأفكار.
فتأتي للواحد منهم فتقول له وتخوِّفه وتذكِّره بالجنة والنار، وتقول له: يا فلان، صلِّ الصلاة، فيقول لك: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أنتم أناس متشدِّدون؛ لأنه نشأ على هذا الفكر وعلى هذا الفهم حتى وصل التساهل إلى حدِّ الصلاة، التي هي عمود هذا الدين؛ والتي من تركها فقد كفر.
وتجد من مثقفيهم ومفكريهم أنه يتحدث عن الإسلام ويتحمس للإسلام ودعوة الإسلام، ولكنه في حاله وفي أسرته تجد أنه على عكس وعلى خلاف ما يقول، ولو
[ ١ / ٢٨٠ ]
نظرت إلى مظهره وإلى شكله لوجدت أن فعله يناقض قوله، وأن الإسلام في وادٍ وهو في وادٍ، فكيف مثل هذا يكون أهلًا لأن يدعو وأن يتحدث عن هذه المسائل، فهذا في ناحية الإرجاء.
ولو جئت إلى القدر فالأشاعرة جبرية؛ لأنهم يقولون بالكسب، وكسب الأشعري هذا من محالات العقول، يقولون: "محالات العقول ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال بني هاشم"، فمن ضمن محالات العقول كسب الأشعري الذي هو في حقيقته القول بأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، ولا شك أن هذا يؤثر في عقائد الأمة عندما تنشأ الأمة على مثل هذا.
فحقيقة قول الأشاعرة في مسائل القدر هو بعينه قول الجهمية في مسألة القدر، وهو أن العبد مجبور، ويمثلون لهذا فيقولون: كشخص راكب في سفينة لا يدري إلى أين تذهب به، فمثل هذا إذا نُشئ الإنسان عليه فكيف سيكون حاله مع العمل ومع العبادة ومع الترغيب والترهيب؟
فهذه من المسائل التي هي من مسائل الخلاف في الاعتقاد بين أهل السنة وبين الأشاعرة، والمسائل في هذا كثيرة، كثيرة مدونة في كتب الاعتقاد.
فحقيقة الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة أن الخلاف كبير في مسائل الاعتقاد وبالأخص في المسائل الكبار، وبالأخص مع متأخري الأشاعرة؛ لأنهم أكثر قربًا إلى المعتزلة، فكثير من أفكار المعتزلة موجودة عند هؤلاء بل إنهم لو عقدت مقارنةً بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لوجدت أن الأشاعرة أقرب إلى الجهمية في كثير من المسائل.
لو جئت في الإيمان، فالمعتزلي يقول: الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الجهمي مثل الأشعري، والأشعري مثل الجهمي، فالجهمي يقول: إيمان المعرفة، والأشعري يقول إيمان التصديق، وهو في حقيقته قول الجهمية.
لو جئت في القدر لوجدت أن المعتزلة قدرية والجهمية جبرية، والأشاعرة كذلك جبرية، فكثير من المسائل هؤلاء الأشاعرة أقرب إلى الجهمية.
وهناك مسائل مثل مسألة الرؤية، فالأشاعرة يثبتون رؤية الله ﷾-يوم القيامة ولكن يقولون: لا في جهة ولا في مكان، يرى لا في جهة.
في مسألة كلام الله ﷿-فهم يقولون بالكلام النفسي، فيثبتون الكلام لكنهم لا يثبتون الحرف والصوت، ويثبتون أصل الكلام لكنهم يقولون إنه كلام نفسي،
[ ١ / ٢٨١ ]
ويقولون مع ذلك هذا القرآن إما حكاية أو عبارة عن كلام الله ﷾، فيقولون: إما أن جبريل ﵇ حكى كلام الله ﷿ أو أن جبريل ﵇ عبر عن هذا الكلام، وهذا من بعض معتقدات القوم.
فبالتالي نعلم أنه لا يمكن أن يكون هناك التقاء في مثل هذه المسائل ما دام أن الأصل فيها مختلف، فلا بد من تصحيح ولا بد من تقويم لهذا الحال الذي عليه كثير من مجتمعات المسلمين؛ إذ تفشَّى فيها إما منهج الأشاعرة وإما منهج الماتريدية.
وهذا يكون على أيدي مَنْ عرف الحق وانتصر للحق، فالمسألة ليست تعصُّبًا إلى طائفة بعينها أو تعصُّبًا إلى أشخاص بأعيانهم، المسألة إما أن تكون مع القرآن والسنة ومع الحق، وإما أن تكون محاربًا ومعاديًا للكتاب والسنة.
فخصمك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ إن أنت قلت بخلافه وليس خصمك أحمد بن حنبل ولا ابن تيمية ولا ابن القيم ولا محمد بن عبد الوهاب، لا إنما خصمك هو الله ﷿، إنما خصمك كتاب الله ﷾ وسنة نبيه ﷺ فإما أن تحييها وإما أن تميتها، إما أن تدعو إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وتأخذ بهذا المنهج تأصيلًا وعلمًا وتعلمًا وتعليمًا ودعوةً وإما أن تترك هذا المنهج، فالمسألة ليست عملية تلفيق أو عملية توسُّط كما يزعم البعض؛ فيقول مثلًا: إن الأشاعرة توسَّطوا بين المعتزلة وأهل الحديث، فاختاروا منهجًا وسطًا، فأخذوا بالعقل في شيء وأخذوا بالنص في شيء، سبحان الله، فكيف تكون مسائل الدين منقسمة إلى ما يؤخذ من النص وما يترك للعقل، هل هذا يقبل؟ هل هذه القسمة تقبل في دين الله تعالى؟
ولذلك يقال لهذا الأشعري: لماذا تأخذ بصحيح البخاري ومسلم في مسائل العبادات والمعاملات ومسائل البعث والنشور والشفاعة والحوض والميزان والصراط وغير ذلك، وتترك هذا في أصلي الدين لا إله إلا الله محمد رسول الله، كيف يقبل مثل هذا؟
فهذه نبذة عن حقيقة الخلاف الدائر بين الأشاعرة وبين أهل السنة، فهل يقول قائل بعد ذلك بأن هذا الخلاف سطحي أو أنه خلاف بسيط؟ والحقيقة أنه خلاف في الجذور والأصول، فإما أن نغرس في النفوس التمسك بالكتاب والسنة، وأن تنهل من مناهل الكتاب والسنة وتعرف كلام الله تعالى وكلامه رسوله ﷺ-وتتمسك بفهم
[ ١ / ٢٨٢ ]
السلف الصالح رضوان الله عليهم، أو نضرب بهذا كله عرض الحائط ونأتي بمنطق وفلسفة مركَّبتين من عند هؤلاء ونبدأ نقرِّرهما ونعلِّمها.
فالمسألة مسألة مشارب، ومسألة تلقِّي، ومناهج في الأصل، فلا تخلو اليوم مدارس الناس ومنهاجهم كما ذكرت سالفًا من أحد ثلاثة مناهج، إما منهج يعتمد الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، أو منهج يعتمد الفلسفة وعلم الكلام، أو منهج يعتمد الباطنية إما في شكلها الرافضي أو في شكلها الصوفي، المدارس لا تخرج عن هذا.
فأي إنسان لا شك أنه يأتي فارغًا ويأتي ليتعلم وليملأ قلبه وعقله بعلوم، ولكن ما كل العلوم علوم، ولا كلها يوصل إلى الحق وإلى الهدى وإلى الصراط المستقيم، فأنت عندما تأتي لتتعلم، ولو كنت عالما لما جئت ولا ما حضرت، فتدرس هذه العلوم على هذا المنهج وعلى هذا الأساس، ولكن إن ذهبت إلى أماكن أخرى فإما أن تجد منهجًا فلسفيًّا؛ فأول ما تُعلَّم وتلقَّن مبادئ المنطق والفلسفة، أو تربَّى تربيةً صوفية تقوم على تقديس الأشخاص والأعيان، فأخرَجوا الناس من عبودية الأوثان إلى عبودية الإنسان وسخَّروه، سخَّروا أولئك المريدين لأهدافهم وأغراضهم، وغرسوا في نفوسهم تقديس أناس بأعيانهم وبأشخاصهم حتى شرعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله ﷿
فينبغي على الإنسان أن يتصور حجم الخلاف، فكما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فأنت تسمع بأهل السنة وتسمع بالأشاعرة وتسمع بالمتصوفة، فلا بد أن تعرف أن الخلاف عميق وكبير بين هذه المناهج الثلاث، وأن الحقَّ أحقُّ أن يتبَّع، وصدق الله ﷿ إذ قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]
فهذا شيء من حقيقة الخلاف الذي يدور في هذه المسائل وفي غيرها، وستجد هذا -إن شاء الله-تطبيقًا عندما نأتي للحديث عن مسائل الصفات، وكيف أن هؤلاء أخرجوها عن الكتاب والسنة وقالوا فيها بقول لا أصل له في الكتاب أو السنة، وقرَّروا فيها أمورًا لا أساس لها من الدين كما هو معلوم.
فينبغي أن يعرف عظم الخلاف القائم بين أهل السنة والأشاعرة، وأن هذا الخلاف في الصلب والصميم، فإما أن ينتصر الإنسان لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-ويعتمدهما أصلًا في دينه، ويرى فيهما أنهما هما الدين الذي يجب أن
[ ١ / ٢٨٣ ]
يدين لله ﷿-به وإما أن يتخذ منهج هؤلاء منهجًا يرتضيه لنفسه ولدينه وللناس أجمعين.
وللأسف إذا قيل للأشاعرة أو قيل للماتريدية هذا الكلام، فإن البعض يغضب لإخراجهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ويراهم أنهم من أهل السنة والجماعة، ونحن إذا تكلمنا في هذا نقصد المنهج، أما أعيان هؤلاء فهذه مسألة أخرى، بحسب ما يعتقد الإنسان في هذا الأمر.
أما من حيث المنهج، فإن المنهج الأشعري منهج لا يمتُّ إلى السنة بصلة في هذه الأبواب، بل هو يهدم السنة ويقف منها موقف العداء من هذه النصوص ويقدِّس تلك المعقولات التي جاءت به عقول هؤلاء التي هي رد لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ
ويكفي أنهم بأنفسهم يعترفون بذلك ويقولون: طريقة السلف وطريقة الخلف، فيعترفون أن ما عندهم من بضاعة ليست هي البضاعة التي جاء بها سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم، ويكفي أنهم يصفون هذه العقيدة لهذه الأمة بأنها عقيدة عوام، فمن أراد عقيدة الأشاعرة يجدها في كتبهم، التي تتصفح فيها عشرات الصفحات فيها فلا تجد فيها قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ-وتقرر فيها مسائل وأمور ليست من أمور الدين بل هي على ضدِّ ما جاء به الدين.
وعلى الإنسان أن يعرِّف طلبة العلم بحقيقة هذا المنهج، وبخطورة هذا المنهج وبضرره على منهج الكتاب والسنة، فإذا كان في الإنسان حبٌّ لله ﷿-وحبٌّ لرسوله ﷺ-فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]
فإذا كان في القلب حبٌّ حقيقي لله ﷿-فإن حبَّ الله تعالى برهانه ودليله: هو اتباع النبي ﷺ-والسير على هذا المنهج علمًا وعملًا ودعوةً.
[ ١ / ٢٨٤ ]
(٤٦) "وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي التي ذكرها في كتابه"
هذا تمهيد لما سيقوله المصنف؛ أن هؤلاء ذمهم هؤلاء الأئمة، ذمُّوا بشْرًا وذمُّوا من كان في طبقته، فقد كان خصم الشافعي في ذلك الوقت حفص الفرد، وكان يسمى حفص القرد.
وكان خصم أبي يوسف صاحب أبي حنيفة هو بشر المريسي، حتى أنه أحضره واستتاب وقال: ائتوني بشاهدين لكي أحكم بقتله (^١).
فشيخ الإسلام يريد أن يؤكد أن هذه التأويلات الموجودة اليوم عند الأشاعرة والماتريدية هي نفسها تأويلات بشر المريسي الذي قد قال فيه الأئمة ما قالوه.
فإذًا، كل من أخذ بتأويلات بشر فحكمه حكم بشر، وانظر هذا في ردِّ الدارمي على بشر المريسي، وهو كتاب مطبوع، فالدارمي ردَّ على بشر المريسي وذكر تأويلات بشر المريسي وتحريفاته، وهذه التحريفات هي بعينها الموجودة اليوم في كتب القوم.
فينبغي على الإنسان أن ينظر في هذه الكتب، فإن كنت شافعيًّا! فلماذا لا تقرأ أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، واللالكائي شافعي حتى لا يقول إنسان: هذه عقيدة الحنابلة، فهو ينقل نقولًا كثيرةً عن الشافعية وغيرهم في حكم هؤلاء، وفي حكم تأويلاتهم.
_________________
(١) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية صفحة (٣٤٣).
[ ١ / ٢٨٥ ]
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا هؤلاء الأشاعرة يأخذون أقوال الشافعي في الفروع ويقبلونه ويرتضون كلامه، ولا يرتضونه في الاعتقاد وفي مسائل أصول الدين، وهذا من العجيب؛ كيف يتعاملون معه في مسائل ويتركونه في مسائل؟! وهم لا يستطيعون أن يأتوا بحرف واحد عن الشافعي-﵀-يؤيد هذه التحريفات، وتدل على أنه قال بمثل تأويلاتهم وتحريفاتهم، بل إن الشافعي وقف خصمًا لهؤلاء كما وقف لحفص الفرد في هذه التأويلات، وكان يسميه حفص القرد.
فهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، أي الموجودة عند الأشاعرة والماتريدية، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها ابن فورك، وابن فورك له كتاب تأويل مشكل الحديث وهو كتاب مطبوع، فانظر إلى تأويلاته تجدها بضاعة بشر المريسي ومن سلك سبيلهم من الجهمية.
فقبل أن تُعرف الأشعرية، وقبل أن تُعرف الكلابية، كانت هذه التأويلات موجودة وهؤلاء أخذوها وتلقَّفوها منهم، حتى إن المتأخرين من الأشاعرة أيضًا وصلوا إلى درجة في النفي للصفات قاربوا فيها المعتزلة؛ لأن كلًّا من إمام الحرمين الجويني والغزالي والرازي تأثروا كثيرًا بالمعتزلة، بل ولم يكتفوا بذلك حتى تأثروا بالفلاسفة.
فهذا ابن العربي يقول عن شيخه أبي حامد الغزالي، يقول عنه: "أمرضه الشفا" (^١). والشفا لابن سينا، الشفا ليس شفا القاضي عياض.
ويقول: "شيخي أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع أن يخرج منهم" (^٢)، فتأثر بكلام هؤلاء أو بضاعة هؤلاء.
فهذه التأويلات مذكورة في كتاب مشكل الحديث لابن فورك، ومذكورة كذلك في تأسيس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب نقض تأسيس الجهمية، رد ابن تيمية ﵀-على الرازي في كتابه تأسيس التقديس، رد عليه بكتاب نقض تأسيس الجهمية، وذكر فيه كلام الرازي ورد عليه، وهو كتاب يقع في مجلدين.
وقول المصنف: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء". فبعد أن ذكر مثالًا للأشاعرة وهو ابن فورك وهو من المتقدمين، والرازي وهو من متأخري الأشاعرة، فقال المصنف: "مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» "
_________________
(١) انظر كتاب الرد على المنطقيين صفحة (٥١٠).
(٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الأول صفحة (٥).
[ ١ / ٢٨٦ ]
فبين تأثر الأشاعرة بالمعتزلة، فقال: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري" وهؤلاء جميعهم معتزلة.
ثم بعد ذلك ذكر تأثر بعض المتأخرين من الحنابلة بالأشاعرة المتأخرين فذكر تأثر ابن عقيل، وهو من الحنابلة الذين تأثروا بالأشاعرة في هذه المسائل، فهناك من الحنابلة من تأثر بالأشعرية الموجودة في بغداد فقال المصنف: "وأبي الوفاء بن عقيل، " ومن ثم أشار إلى الغزالي، والغزالي من الأشاعرة فقال المصنف: "وأبي حامد الغزالي وغيرهم"
[ ١ / ٢٨٧ ]
(٤٧) "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بيَّنت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي"
قول المصنف: "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا ولهم كلام حسن في أشياء. "
يعني يوافقونهم في أشياء، ويخالفونهم في أشياء، لأن الجهمية ينفون جميع الصفات، ومن الأشاعرة المتقدِّمين من ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر، والمتقدِّمون من الأشاعرة أفضل من المتأخرين من الأشاعرة؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة كان تأويلهم وتحريفهم في صفات الأفعال الاختيارية؛ لأن الصفات عندهم على ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات خبرية، وصفات فعلية.
الصفات الذاتية: مثل العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، والصفات الخبرية: كان المتقدِّمون من الأشاعرة يثبتونها كالوجه واليدين والعين وغير ذلك، فانظر إلى كتب الأشاعرة من المتقدمين تجدهم يثبتون هذا، يثبتون هذا ولكن كان تأويلهم في الصفات الفعلية.
وتأويل المتقدمين الذين يؤوِّلون الصفات الفعلية تأويلهم فيها على قسمين
القسم الأول: إما أن يرجعوها إلى صفات ذاتية ويعتبرونها صفات ذاتية.
والقسم الثاني: أو يجعلونها صفات للمفعولات وليس لله ﷾-مثل الاستواء يقولون: الاستواء صفة للعرش وليس صفة الله تعالى (^١).
لذلك لا تجد هناك تأويلات جلية، فتأويلهم خفي بهذه الطريقة، فقد تقرأ للقدماء فتقول يثبت الاستواء؛ لكن يثبته صفةً للعرش وليس صفةً لله اعتبارًا على قاعدته، وهي نفي صفات الأفعال الاختيارية.
_________________
(١) انظر كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الخامس برقم (٤٣٧).
[ ١ / ٢٨٨ ]
أما المتأخِّرون من الأشاعرة، فهم ينفون سائر الصفات ويؤوِّلونها ما عدا السبع التي ذكروها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، هذه السبع فقط. فإذًا قد يكون لهم كلام حسن في أشياء ولكنهم يوافقون هؤلاء في أشياء.
قال المصنف: "فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي". أي ما يوجد عندهم هو نفسه وبعينه أي ليس نوع وإنما عين التأويلات التي ذكرها بشر ذكرها هؤلاء، إذًا لهم سلف، وسلفهم الجهمية.
فالقول بتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء إنما هو قول الجهمية، وبالتالي بحمد الله لما كان هناك من الأئمة الأربعة من ردَّ على هؤلاء وأبطل دعوى الجهمية، فبالتالي فإن الكلام الذي ورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم في ذم الجهمية يشمل الأشاعرة والماتريدية؛ لأنهم جاءوا بنفس الكلام الذي جاء به الجهمية.
وأنت اعقد هذه المقارنة كما وجَّهك ابن تيمية رحمه الله تعالى، تعال إلى كتب ابن فورك وإلى كتب الرازي وإلى كتب الغزالي وخذها، ثم استخلص منها التأويلات التي جاءوا بها، ثم تعال إلى ردِّ الدارمي على بشر، وانظر إلى تأويلات بشر واعقد مقارنةً، هل هي عينها أو ليست عينها؟ حتى يتضح لك صحة الكلام، فإن كانت عينها فما قاله الإمام مالك وما قاله الإمام الشافعي وما قاله الإمام أحمد وما قاله أبو يوسف في حق أصحاب تلك التأويلات يشمل الأشاعرة والماتريدية، فهذا الذي يريد أن يرشدك إليه المصنف هنا.
[ ١ / ٢٨٩ ]
(٤٨) "ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: «رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد» حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "
يقصد المصنف رحمه الله تعالى كتاب الرد على بشر المريسي وهو كتاب مطبوع وموجود إلى يومنا هذا، وقد رد فيه عثمان بن سعيد الدارمي على تأويلات بشر المريسي، وقد أجاد فيه وأفاد كما سيذكر المصنف.
وقول المصنف: "حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته" أي أن كتاب الدارمي حفظ لنا تأويلات المريسي بحكم معاصرته له، وهذا يعطى الكتاب أهمية بكونه حفظ نسبة هذه التأويلات بأعيانها لقائلها الذي هو بشر المريسي، كما بين المصنف أن المريسي كان أقعد وأعرف وأعلم بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين؛ لأن هؤلاء أبعد عن السنة، فهم هجروا السنة وتركوها، وبالتالي هم من أجهل الناس بالسنة في هذه المسائل.
قال المصنف: "ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "
[ ١ / ٢٩٠ ]
(٤٩) "ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى-قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر ".
أجمع أئمة الهدى على ذم المريسية وأكثرهم كفَّروهم وضللوهم، وكلامهم ثابت ومنقول عنهم.
وقد يقول قائل مثلًا: إذا كان الأئمة يكفرونهم، فإن الإمام أحمد ﵀ كان يدعو للمأمون والمأمون معتزلي، فالأمر متناقض، فكيف يكفرونهم والإمام أحمد يدعو للمأمون؟
فالجواب هنا: أنه ينبغي أن يفهم هذا القائل الفرق بين مسألة الأعيان ومسألة المسائل، فهناك تفريق بين المسألتين، أما بأعيانهم، فهذه مسألة للسلف فيها ضوابط، وهي أربعة ضوابط في مسألة التكفير؛
أولًا: أن يكون عاقلًا بالغًا.
ثانيًا: أن يكون مختارًا غير مكره.
ثالثًا: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها.
رابعًا: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يعذر فيه صاحبه.
إذًا عند السلف أربعة شروط وأربعة موانع للتكفير، هذه مسألة واسعة.
فالشرط الأول يقول: أن يكون عاقلًا بالغًا، بمعنى إذا كان غير بالغ وغير عاقل فإن هذا مانع من تكفيره.
والشرط الثاني: أن يكون مختارًا؛ فإن الإكراه مانعٌ من التكفير.
والشرط الثالث: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها، فلا بد من قيام الحجة على هذا الشخص، فبالتالي إذا لم تقم الحجة فإنه لا يحكم عليه.
والشرط الرابع: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يُعذر فيه صاحبه، فإذا كان متأولًا تأولًا يعذر فيه صاحبه فلا يحكم بكفره.
[ ١ / ٢٩١ ]
وما يتعلق بالشرط الثالث فإن المسألة واسعة؛ لأنها تعود إلى اختلاف الأشخاص واختلاف الأزمان واختلاف الأماكن، فهناك مكان السنة فيه ظاهرة والبدعة غير ظاهرة، فبالتالي هذا زمان أو هذا مكان تظهر فيه السنة والحجة تكون قائمة، بخلاف مكان السنة فيه مجهولة والبدعة هي الظاهرة، فالأمر يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى شخص بحسب تفاوت الناس.
وهكذا الشرط الرابع أي ما يتعلق بالمسائل؛ فالمسائل تختلف بحسب ظهور وقيام الحجة، فهناك ما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، وهناك مسائل توجد فيها شُبَه للقوم.
فإذًا ما يتعلق بهذه المسألة إنما هو فيما يتعلق بالمسائل، أما فيما يتعلق بالأعيان فإن لهذا ضوابط وقواعد عند أهل السنة، وهذه مسألة عظيمة، في مسألة التكفير، ومسألة التكفير للأسف الشديد خاض فيها كثير من طلبة العلم وخاض فيها كثير من الناس وضلُّوا فيها.
وهي مسألة لا بد لطالب العلم أن يفهمها من طريقين؛ مسألة التكفير المطلق، ومسألة التكفير المعين، أي حكم المسائل والأقوال والأفعال، فلا بد أن يفرِّق الإنسان بين ما هو كُفرٌ وما ليس بكُفرٍ، ويعرف أقسام الكفر، ويعرف أقسام الشرك، ويعرف أقسام النفاق، ويعرف الردة ويعرف أنواعها، إلى غير ذلك.
فلا بد أن يعرف الإنسان ما هو الكُفر؛ لأن هذا أمر يتعلق بالشرع، فلا كافر إلا من كفَّره الله تعالى ورسوله ﷺ، فلا بد من معرفة المسائل.
ثم كذلك لا بد من معرفة مسائل تكفير المعين، فلا بد لطالب العلم إذا أراد أن يفهم هذه المسألة أن يدرسها من الجانبين؛ حتى لا يزيغ أو يضلَّ فيها.
ونحن نرى ونسمع من الناس من يكفِّر لأدنى شيء، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير بعضهم بعضًا، كما وقع في بعض هذه الجماعات التي تدَّعي العلم وتنتسب إلى الدعوة، فالحال خطير وقد يقع بينهم بسبب مسائل التكفير إباحة سفك الدماء وسلب الأموال وقتل الأنفس تحت هذه الدعوى التي هم لا يعرفون منها شيئًا، فضلًا عن أن يكونوا يحكمون ويتحاكمون فيها.
فإذًا المقصود بكلام العلماء هنا ما يتعلق بالتكفير المطلق، فكفَّروهم أو ضلَّلوهم، وهذا لا يعني تكفير الأعيان ما لم ينص العلماء على شخص بعينه أنه
[ ١ / ٢٩٢ ]
كافر، وقد نصُّوا على بعضهم، كما نصُّوا على بشر المريسي، وكما نصُّوا على الجهم بن صفوان، ولكن لا يعني هذا أنه يكفَّر كل واحد منهم.
قول المصنف: "وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله" أوضح المصنف أن ما قال به الفرق المتأخرة من المعطلة الجهمية هو امتداد لمذهب المريسي، كما سبق توضيحه من خلال بيان العلاقة بين طوائف الجهمية الخمسة أي الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فإذا علم هذا، تبين الهدى لمن يريد الله ﷿-هدايته.
وقول المصنف: "والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر ".
وقد سبق الإشارة بأن الفتوى لا تستوعب جميع جوانب الموضوع، وأن من العلماء من أفرد لهذه المسألة كتبًا ككتاب (العلو) وكتاب (العرش) للذهبي واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، فعلى العاقل أن يتتبع وينظر ويبحث في هذه المسائل ولا يكن إمعةً إن أحسن الناس أحسن، وإن أساء الناس أساء، فليس لأن هذا منهج درسْتَه أو تربَّيْت عليه أو نشأت عليه تتعصب له أو تدافع عنه، فالحق أحقُّ أن يتَّبع.
وغدًا حساب وعقاب، فمن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومعنى من سنَّ سنةً حسنةً، أي من أحيا سنةً من سنن الإسلام، فإذا أَحْيَيْتَ سنة المصطفى ﷺ-ودعوت لها فلك الأجر، ولكن من سنَّ سنة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فأنت تريد أن تُحسِن فإذا بك تسيء وإذا بك تضل عن سبيل الله ﷿-بسبب هذه الأمور التي خالفت شرع الله ﷿
[ ١ / ٢٩٣ ]
(٥٠) "وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَذْكُرَ هَهُنَا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُ؛ مِثْلَ:
• كِتَابِ السُّنَنِ للالكائي.
• وَالْإِبَانَةِ لِابْنِ بَطَّةَ.
• وَالسُّنَّةِ لِأَبِي ذَرٍّ الهروي.
• وَالْأُصُولِ لِأَبِي عَمْرٍو الطلمنكي.
• وَكَلَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ.
• وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ للبيهقي.
• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة للطبراني.
• وَلِأَبِي الشَّيْخِ الأصبهاني.
• وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ منده.
• وَلِأَبِي أَحْمَد الْعَسَّالِ الأصبهانيين.
• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة لِلْخَلَّالِ.
• وَالتَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَة.
• وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
• وَالرَّدُّ عَلَى الجّهْميَّة لِجَمَاعَةِ: مِثْلَ الْبُخَارِيِّ، وَشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجعفي.
• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد.
• وَالسُّنَّةُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَثْرَمِ.
• وَالسُّنَّةُ لِحَنْبَلِ.
• وللمروزي.
• وَلِأَبِي دَاوُد السجستاني.
• وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
• وَالسُّنَّةُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٩٤ ]
• وَكِتَابُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ.
• وَكِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة لِعُثْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَغَيْرِهِمْ.
• وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ صَاحِبِ الْحَيْدَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة.
• وَكَلَامُ نُعَيْمٍ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي.
• وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ. وَقَبْلُ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. وَعِنْدَنَا مِنْ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ. "
إذًا بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الكتب دليل على أن هذه هي عقيدة السلف، وبحمد الله أكثر هذه الكتب اليوم موجودة ومطبوعة، وقام من قام على إخراجها وطبعها وتحقيقها عدد من طلبة العلم، فهي حجة على كل إنسان.
فلا يقول إنسان: هذه عقيدة ابن تيمية أو عقيدة الوهَّابية، كما يزعم بعض المخالفين لعقيدة أهل السنة، والذين من عادتهم السب والشتم، فهذه العقيدة بحمد الله محفوظة، وهذه كتب الأوائل ممن كانوا في القرن الثالث والقرن الرابع والقرن الخامس، قبل ابن تيمية.
فهل ابن تيمية ﵀ جاء بشيءٍ من عنده؟ فأقرب الكتب إليك كما ذكر كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وهو شافعي، انظر في هذا الكتاب واقرأ فيه، فقد ذكر جملة كبيرة من كلام السلف الصالح بما يؤكد أن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السُنَّة والجماعة وليست أمرًا مستحدثًا.
وشيخ الإسلام ابن تيمية كان جهده وطريقته هي: أنه يؤصل هذه المسائل ويرجعها إلى الحق والصواب الذي كان عليه السلف، فهذا هو جهده ﵀، ولذلك بارك الله ﷿ في كتبه فانتشرت، بالرغم أن الأشاعرة كانوا يتتبعونها ويحاربونها ويسعون إلى إحراقها، حتى كان بعض أهل السُنَّة يخفي هذه الكتب من خلال بعض الكتب.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فكثير من كتب شيخ الإسلام وجدت في ضمن الكواكب الدراري، فأخفاها مصنف الكواكب الدراري خوفًا من إحراق الأشاعرة والصوفية لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإذًا ما جاء به شيخ الإسلام يرشد إلى أن هذا الأمر محفوظ بحمد الله، وللأسف فإن البعض من طلبة العلم إذا جئت تنصحه بمثل هذا الكتب يبخل على نفسه في شراءها، ويبدأ يشترى الكتيبات الصغيرة، ويقبل عليها، وما علم هذا الطالب أنه غدًا إن شاء الله سيكون في مصاف العلماء، وقد يعود إلى المكان الذي هو فيه ويكون أعلم من في هذا المكان، فما ينبغي له أن يكون نصف طالب عالم.
ولذلك فإن الناس كانت تقول: "ما أفسد الدنيا والدين إلا أربعة: نصف متكلم، نصف فقيه، نصف لغوي، نصف طبيب "
فينصح دائمًا أن تقتني طالب العلم مثل هذه الكتب، فهي الأصول، وهي المعتمد في هذا الباب، فينبغي على الإنسان أن يقتنيها في مكتبته وأن يقرأها ويكثر من قراءتها ويجعلها هي في المقام الأول في أول ما يقتني من كتب الاعتقاد.
وهكذا كتاب الإبانة لابن بطة مطبوع، وكلام ابن عبد البر تجده في (التمهيد) و(الاستيعاب) و(الاستذكار)، كل هذه كتب دوَّن فيها ابن عبد البر عقيدة أهل السنة، وفي التمهيد كلام كثير فيه خاصٌّ بشرح حديث النزول، فاقرأ كلام ابن عبد البر عند شرح حديث النزول، تجد أنه دَوَّن كثيرًا من عقيدة أهل السُنَّة في هذه المسائل.
وكذلك كتاب الأسماء والصفات للبيهقي موجود، وكذلك ابن مندة له كتاب التوحيد وله كتاب الإيمان، وكذلك السُنَّة للخلال مطبوعة، وكذلك التوحيد لابن خزيمة مطبوع، وكذلك الرد على الجّهْميَّة مطبوع.
كلُّها أو جلُّ هذه الكتب بحمد الله موجودة ومطبوعة، فينبغي على طالب العلم أن يحرص على اقتنائها؛ لكي من جهة نفسه هنا يطْمئِن إلى أن هذه عقيدة أهل السُنَّة والجماعة، ويتأكد ويتثبَّت، وكي يحفظ مثل هذه الأقوال ويعرف أنها عقيدة أهل السنة، وإن كان طرأ على هذا قرون، أنها قد أبعدت الناس عن السُنَّة وعن اتباع السنة، لكن هذا لا يعني أن هذا لم يكن عقيدة السلف، ودور شيخ الإسلام ابن تيمية إنما هو إحياؤها، فما جاء بشيءٍ من عنده، إنما أحيا هذه العقيدة وبصَّر الناس بها، وأرجع الناس إليها ودلَّهم عليها كما دلَّك الآن على هذه الأسماء، فهذا هو دوره "إحياؤها".
[ ١ / ٢٩٦ ]
ولكي يبصِّر الناس بأن هذا الشيء الذي أحدثه هؤلاء هو البدعة، ولكن للأسف أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سُنَّة في وقت انتشرت فيه الجّهْميَّة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وإلى يومنا هذا لايزال الصراع بين السُنَّة وبين هؤلاء المبتدعة قائم وعلى أشده، ولذلك طالب العلم قد يكون في حيرة من هذا.
فنقول له: لا تحتار، المقارنة بسيطة، فالقوم يزعمون أن هذه عقيدة مستحدثة وأن هذه عقيدة جديدة، وأنها جاءت من عند هذا الرجل ابن تيمية، فنقول له: بحمد الله هذه الكتب مطبوعة ومخدومة وموجودة، اعقد مقارنة بين ما يقوله هؤلاء ويقوله هؤلاء، تجد أن الحق في صف شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مسألة كما يقول: العاقل يسير فينظر، يعني أن على العاقل الذي يريد الحق أن يبحث فينظر ويعقد المقارنة بين ما جاء به ابن تيمية وبين ما يقوله هؤلاء، فسيجد أن عقيدة هؤلاء إنما أصلها عقيدة الجّهْميَّة وقول الجّهْميَّة، وأن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ليس إلا تجديدًا لما قاله السلف الصالح رضوان الله عليهم.
والأشاعرة بأنفسهم يقولون:
«وكل خيرٍ في اتباع من سلف … وكل شرٍ في ابتداع من خلف» (^١)
هذه يقولها صاحب الجوهرة، فإن كانوا يقولون هذا ولا يطبقونه، فاعلم أن الخير في اتباع السلف، وأن الشر في ابتداع هؤلاء الخلف.
_________________
(١) انظر كتاب جوهرة التوحيد رقم البيت (١٣٧).
[ ١ / ٢٩٧ ]
(٥١) "وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْنُّفَاةِ لَهُمْ شُبُهَاتٌ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي الْفَتْوَى فَمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَأَرَادَ إبَانَةَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الشُّبَهِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ. "
وهناك دلائل سمعية وعقلية في هذه المسائل كثيرة، المصنف لم يبسطها هنا، ولها مضامين لا تتسع لها هذه الفتوى لكن تم بسطها وشرحها في كتاب أخرى منها كتاب درء تعارض العقل والنقل، ومثل كتاب نقض تأسيس الجّهْميَّة، وبعض الكتب الأخرى التي حواها مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث تعرَّض لهذه المسائل ببسط أكبر من هذا، ولكن هنا أراد التنبيه على مجمل القضايا، وقال إن هؤلاء لهم شُبه يذكرونها، وطبعًا هذه الشُبه لها أجوبة، فبحمد الله أئمة السلف تعرَّضوا لهذه الشُبه وردُّوا عليها وفنَّدوها وبيَّنوها.
فمنهج السلف في التأليف على قسمين:
القسم الأول: منهج العرض.
والقسم الثاني: منهج الردِّ.
فهناك كتب تسلك منهج عرض المسائل، عرض تقرير للحق فيها دون التعرض لأقوال المخالفين والرد عليهم.
وهناك كتب تسلك منهج الرد، وذلك بأن يأتي بشُبه المخالف وتنقدها وترد عليها، كما رد الدارمي وكما رد الإمام أحمد، وغيرهم كثير، كما رد الإمام البخاري، ردوا على الجّهْميَّة وبينوا فساد شبههم، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكر من شُبه فإنه يسير وينظر.
[ ١ / ٢٩٨ ]
(٥٢) "فَإِذَا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ -مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّأْوِيلِ-مَأْخُوذًا عَنْ تَلَامِذَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ فَكَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُؤْمِنٍ -بَلْ نَفْسُ عَاقِلٍ-أَنْ يَأْخُذَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ الضَّالِّينَ وَيَدَعَ سَبِيلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؟ "
خلاصة ما يريد أن يقرِّره شيخ الإسلام في هذه المقدمة، أن أصل مقالة القوم هي مقالة المشركين والصابئة واليهود، وهي هي نفس مقالة الجّهْميَّة التي تصدَّى لها السلف، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين؟ كيف تطيب نفسك بعدها؟ وكيف يقبل العاقل أن يسير على نهج هؤلاء ويترك نهج الأنبياء والمرسلين ونهج الصالحين من أئمة السلف.
فمثل هذا أراد المصنف أن يبيِّنَهُ قبل الخوض في هذه المسألة؛ أي في مسألة الصفات، والعاقل الذي يتجرَّد عن الهوى ومراده أن يكون محقِّقًا لأمر الله ﷿ ولشرع الله تعالى ومصدِّقًا لما أخبر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ويريد الاتباع، فإن عليه أن يعرف أين الحق في هذا الباب ويعرف كيف يسلك في هذا الباب؛ لأن الاختلاف حاصل وقائم، وعلى الإنسان أن يميز بين الحق والباطل.
وأقول هنا: هذا الأمر يدركه من كان أقل الناس علمًا، صنف يقول: «الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة»، وصنف يقول - كما ترى وكما سمعت - يقول بالمعقولات، فبعد هذا في أي الصفين ومع أي الفريقين تكون؟
والله تعالى سيسألنا عن هذا الأمر، وقد استحفظنا هذا الدين، فطلبة العلم هم ورثة الأنبياء، وهذا الدين كما كان أمانة بأيدي الرسل والأنبياء، وكما كان أمانة بأيدي سلف الأمة رضوان الله عليهم، فهو الآن بين أيدينا، فإما أن ندعو للحق ونكون من أنصاره ومن أتباعه، وإما أن ندعو إلى الباطل ونكون من حزب هذا الباطل.
والله ﷿ وليُّ كل إنسان بما يعلم وبما يعمل، وسيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
[ ١ / ٢٩٩ ]