إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية" (^٢).
وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (^٣).
_________________
(١) نقض التأسيس (١/ ١٥٥).
(٢) نقض التأسيس (١/ ٥٧٥).
(٣) خرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠٧). وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٣، برقم ٤٧٢٣). وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٩). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥، برقم ٣٣٢٠). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣). وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ح ١٤٤). والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠، ح ٦٦٥). وابن منده في التوحيد (١/ ١١٧). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٠). والذهبي في العلو (ص ٤٩). ومدار الحديث من جميع طرقه على "عبد الله بن عميرة" وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (١/ ٢٥٤): "إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس". انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (١/ ٧٩) بصحة الحديث. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٩٢) حيث قال: "إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته". انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (٧/ ٩٢ - ٩٣). "
[ ١ / ٥٩٠ ]
وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهم العرش".
والقول بأن حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى استولى، وأن المراد بالعرش الملك، فإنهم أنكروا أيضا كون حملة العرش هم من الملائكة، فقالوا: إن قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، ﴿وَيَحْمِلُ﴾ بالجذب، ﴿عَرْشَ رَبِّك﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُم﴾ أي فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ أي السموات السبع والأرض (^١)، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي (^٢).
فقد أولوا هذه الآية كما أولوا آيات الاستواء والآيات التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎.
أما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط أو ما يسمونه الفلك التاسع (^٣).
وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش.
_________________
(١) تفسير القاسمي (١٦/ ٥٩١٥).
(٢) الفصل (٢/ ١٢٦).
(٣) تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات (رسالة في النبوات) (٨٧).
[ ١ / ٥٩١ ]
فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف أم صفوف وهل هم اليوم ثمانية أم أقل على عدة أقوال:
القول الأول:
إن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: "ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله" (^١).
وهو أيضًا مروي عن سعيد بن جبير (^٢)، والشعبي وعكرمة
والضحاك وابن جرير (^٣).
القول الثاني:
إن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس (^٤)، وقال به مقاتل (^٥)، والكلبي (^٦).
القول الثالث:
إن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة.
ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
الحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية.
وروي عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٥٨). وأورده الذهبي في العلو (ص ٨٨). وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤١٤). جميعهم من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس بمثله. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦١)، وفي الحبائك (ص ٥٠)، عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس من طرق بمثله.
(٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (ص ١٦٦) بسنده من طريق عبد الأعلى بن حماد عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله. وأورده الذهبي في العلو (ص ٨٨) عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله. وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢١٤) من طريق ابن أبي حاتم بسنده عن جرير عن أشعث عن جعفر بن سعيد بن جبير بمثله مقطوعًا، وإسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات سوى جعفر بن أبي المغيرة فإنه صدوق يهم.
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٢٧).
(٥) زاد المسير (٨/ ٣٥١).
(٦) فتح القدير (٥/ ٢٨٢).
[ ١ / ٥٩٢ ]
ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية أملاك في صورة أوعال بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة" (^١).
وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام" (^٢).
وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية من الملائكة" (^٣).
وعن شهر بن حوشب قال: "حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٩)، ولفظه (ثمانية أملاك في صورة الأوعال) اه. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٠٩). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٨) وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. جميعهم من طريق شريك بن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس موقوفًا. وأورده السيوطي في الحبائك (ص ٤٦) من طريق عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن عميرة.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم (٤/ ٤١٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٣١). وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦١) من طريق عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مثله. إسناده منقطع وفيه ضعف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٢٤). وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (ق ٢٨٤/ ب). والطبري في تفسيره (١٩/ ٧). كلاهما من طريق جعفر بن سليمان عن هارون بن رباب عن شهر بن حوشب من قوله. وعند عبد الرزاق زيادة في آخره (كلهم ينظرون إلى أعمال بني قدرتك) بدل قوله (كانوا يرون أنهم يرون ذنوب بني آدم). أما في تفسير ابن جرير فوقف على قوله (على عفوك بعد قدرتك) وقد روى الحديث من وجه آخر عن هارون بن رباب. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (ق ٨٥/ ب) بسنده عن رواد بن الجراح عن الأوزاعي عن هارون بن رباب نحوه. والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١/ ٩١/ ب، نسخة الشيخ حماد الأنصاري) بسنده عن العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رباب بنحوه. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٤٦)، والحبائك (ص ٤٧)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان. وجاء عندهم جميعًا زيادة (يتجاوبون بصوت حزين رخيم). وروي أيضًا من وجه آخر عن حسان بن عطية. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٤) عن أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله، ثنا عباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية بنحوه. وأورده الذهبي في العلو (ص ٥٨) قال: الوليد بن مزيد العذري، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، ثم ذكر نحوه، وقال: (إسناده قوي).
[ ١ / ٥٩٣ ]
القول الرابع:
إن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة ويوم القيامة ثمانية.
وهذا القول رجحه ابن كثير (^١)، وابن الجوزي (^٢) وقال هو قول الجمهور (^٣).
ويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها ما رواه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية" (^٤).
وروى الطبري أيضًا بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول لله ﷺ قال: "هم اليوم أربعة" يعني حملة العرش "وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية" (^٥).
واستدلوا أيضًا بما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال النبي ﷺ: "صدق" (^٦).
واستدلوا أيضًا بما جاء في حديث الصور المشهور فقد جاء فيه: "ويحمل عرش
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٧١).
(٢) زاد المسير (٧/ ٢٠٨).
(٣) زاد المسير (٨/ ٣٥٠).
(٤) رواه الطبري من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ وهو خبر مقطوع (٢٩/ ٥٩)، وإسناده ضعيف.
(٥) انظر تفسير الطبري (٢٩/ ٥٩).
(٦) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٥٦). والدارمي في سننه كتاب الاستئذان (٢/ ٢٩٦). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، رقم ٧٧١). وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ١٢)، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ورجاله ثقات وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة).
[ ١ / ٥٩٤ ]
ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم" (^١).
ولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح عن النبي ﷺ في المسألة. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٣٠). وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ١٧٢ - ١٧٦)، وعزاه للحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، وقال: (رواه جماعة من الأئمة في كتبهم كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات وغيرها، والحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضًا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف).
[ ١ / ٥٩٥ ]
وذكر حديث أبي رَزِين العقيلي؛ قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «في عَمَاء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» (^١).
قال محمدٌ (^٢): العَماء: السحاب الكثيف المُطبق؛ فيما ذكره الخليل»، وذكر آثارًا أُخَر،
اختلف في لفظة "عما" من حيث الشكل ومن حيث المعنى المراد بها.
القول الأول: فالأصمعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والأزهري وغيرهم يرون أن لفظة "عما" هي من حيث الشكل بالمد، وليست بالقصر، وأن معناها المراد في الحديث السحاب الأبيض، لأنه هذا هو معنى الكلمة في كلام العرب المنقول عنهم. ومما يشهد لذلك قول الحارث بن حلزة اليشكري:
وكأن المنون تردى بنا … أعصم ينجاب عنه العما
ومعنى البيت: أن الشاعر يقول هو في ارتفاعه، قد بلغ السحاب ينشق عنه،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة هود (٥/ ٢٨٨، رقم ٣١٠٩). والإمام أحمد في مسنده (٤/ ١١ - ١٢). وابن أبي شيبة في العرش (ح ٧). وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٤). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧١). وابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٤) وفي تاريخه (١/ ١٩). والحكيم الترمذي في الرد على المعطلة (ق ١٠٦/ أ). وأبو الشيخ في كتاب العظمة (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤، ح ٨٣) ابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية، ٣/ ١٦٨، ح ١٢٥). وابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ٨٩، ح ٣١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦، ح ٨٠١ و٢/ ٣٠٣، ح ٨٦٤). قال الترمذي: حديث حسن. وقال الذهبي في العلو (ص ١٩) إسناده حسن. وقال في كتاب العرش ٢/ ٢٧ "وهذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره. " وقال الألباني «تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم» (١/ ٢٧٢): "في تصحيحه نظر، فإن مداره على وكيع بن عدس ويقال حدس، وهو مجهول، لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، ولا وثقه غير ابن حبان".
(٢) هو ابن أبي زَمَنِين.
[ ١ / ٥٩٦ ]
ويقول نحن في عزنا مثل الأعصم، فالمنون إذا أرادتنا فكأنما تريد أعصم (أي الجبل الشاهق).
قال أبو عبيد: «قوله: «في عماء» في كلام العرب: السحاب الأبيض … وإنَّما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذلك العماء وما مبلغه، والله أعلم» (^١).
وقال الأزهري بعد أن رَجَّح قول أبي عبيد: «والقول عندي ما قاله أبو عبيد: أنَّه العماء-ممدود-وهو السحاب. ولا يُدرى كيف ذلك العماء بصفة تَحصره ولا نعت يَحُدُّه. ويُقَوِّي هذا القول قول الله جل وعز: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]، فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنَّا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله جل وعز يوم القيامة في ظُلل منه! فنحن نُؤمن به، ولا نُكَيِّف صفته. وكذلك سائر صفات الله جل وعزَّ» (^٢).
وقد نقل ابن عبد البر عن بعض أن الهاء في قوله: «فوقه» و«تحته» راجعة إلى العماء (^٣).
وهذا القول ليس فيه دليل، على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست مبتدعة، وذلك أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه بابتداء الخلق الذي يعيده، وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع، وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، وأخبر أيضًا أنه يغير هذه المخلوقات.
القول الثاني: ويرى يزيد بن هارون، وأقره على ذلك الترمذي أن لفظة "عما" هي من حيث الشكل بالمد، ولكن معناها في هذه الحديث هو: "أي ليس مع الله شيء" وعلى هذا يكون معنى الحديث أن الله كان ولم يكن شيء معه، ويشهد لهذا المعنى ما جاء في حديث عمران بن حصين من قوله ﷺ: "كان الله ولم يكن شيء معه".
القول الثالث: وهناك رأي ثالث في المسألة، يخالف القولين الأولين من حيث الشكل والمعنى: فمن حيث اللفظ يرى أنه بالقصر، وليس بالمد.
وعلى هذا يكون المعنى: أنه كان حيث لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه وصف، وذلك لأن كل أمر لا يدركه القلوب بالعقول فهو عمى (^٤).
_________________
(١) «غريب الحديث» (٢/ ٨، ٩).
(٢) «تهذيب اللغة» (٣/ ١٥٦، ١٥٧)
(٣) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٣٨).
(٤) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٨ - ٩)، تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٦)، نقص تأسيس الجهمية (١/ ٥٩١).
[ ١ / ٥٩٧ ]
ثم قال: «باب الإيمان بالكرسي.
قال محمد بن عبد الله (^١): ومِن قول أهل السُّنَّة: أنَّ الكرسي بين يدي العرش، وأنه مَوضع القدمين.
ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه «فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلِّيين على كرسيه، ثم يَحف بالكرسي منابر من ذهب مُكَلَّلة بالجواهر (^٢)، ثم يَجيء النبيون فيجلسون عليها» (^٣).
وذكر ما ذكره يحيى بن سلام صاحب التفسير المَشهور (^٤): حدثني المعلى بن هلال، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: «إنَّ الكرسي الذي وَسِع السماوات والأرض لموضع القدمين، ولا يَعلم قَدْرَ العرش إلا الَّذي خَلَقَه» (^٥).
وذكر حديث أسد بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عاصم (^٦)، عن زِرٍّ (^٧)،
_________________
(١) هو ابن أبي زَمَنِين.
(٢) محاطة ومحفوفة بها.
(٣) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص ٩٦)، والشافعي في «الأم» (١/ ١٨٥)، وفي «مسنده» (ص ٧٠، ٧١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ١٥٠، ١٥١)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب «العرش» (ص ٩٥)، وقد ذكر ابن تيمية روايات هذا الحديث وبعض طرقه، ثم قال: «فإذا كان الحديث قد روي من تلك الطريق-أي: من رواية ابن بطة، وهي من ضمن الطرق التي ذكرها-الجيدة، اندفع الحمل عليه». انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤١١ - ٤١٦)، وقد صححه ابن القيم في «حادي الأرواح» (ص ٣١٣)، وقال: «هذا حديثٌ كبير عظيم الشأن؛ رواه أئمة السُّنَّة وتلقوه بالقبول، وجَمَّل به الشافعيُّ مسندَه».
(٤) كتاب «تفسير يحيى بن سلام»، لم يطبع حتى الآن. وقد اختصره ابن أبي زمنين، باسم «مختصر تفسير يحيى بن سلام».
(٥) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص ٧٩)، والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ٤٥): «صحيح موقوف».
(٦) هو عاصم ابن بهدلة بن أبي النجود، أبو بكر الأسدي، مولاهم الكوفي، من القُرَّاء السبعة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. انظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ٩)، و«معرفة القراء الكبار» (١/ ٨٨).
(٧) هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس، الكوفي، أبو مريم الأسدي، أدرك أيام الجاهلية، وحدث عن جمع من كبار الصحابة. كان من القراء، وقرأ على ابن مسعود وعلي ﵄. توفي سنة إحدى وثمانين، وقد تجاوز عمره المائة. انظر: «الطبقات الكبرى» (٦/ ١٠٤)، و«حلية الأولياء» (٤/ ١٨١)، و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٦٦).
[ ١ / ٥٩٨ ]
عن ابن مسعود ﵁ قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (^١).
تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي:
القول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم.
وهذا القول هو قول الجهمية (^٢)، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فرارًا منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه.
وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: "كرسيه علمه" (^٣).
وهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: "وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن،
_________________
(١) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٤٣)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٤٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٥)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢٨)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (١/ ٨٦)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح».
(٢) انظر التنبيه والرد (ص ١٠٤)، والكشاف (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٦٠)، والرد على بشر المريسي (ص ٧١)، وتفسير روح المعاني (٣/ ١٠).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٩). وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (٢/ ١٦٧). وابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٥). وأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٠٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح. وقال الدارمي: (هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا قد خالفه الرواة المتقنون). وقال ابن منده: (لم يتابع عليه جعفر وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير).
[ ١ / ٥٩٩ ]
فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه أنه قال: هو علمه" (^١).
القول الثاني: أن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.
وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: "الكرسي هو العرش"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول (^٢)، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله" (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ١١).
(٢) في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولًا أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: (أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه)، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري على هذا التناقض وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر تفسير الطبري (٥/ ٤٠١) طبعة دار المعارف المصرية.
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص ٧٤)، مرسلا. وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢، برقم ٥٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٠١، ح ٥٨٥) موقوفا من قول عمر. وابن جرير في تفسيره (٣/ ١١) من طريق عبد الله بن أبي الزناد، قال: ثنا يحي بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني، عن عمر. وقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٤، ٢٤٥ برقم ١٥٠) وقال: "وقد روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة أظنه عن عمر "-وذكره. وقال: حدثنا، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا يحي بن أبي بكير، قال: ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: ما أدري، الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحي بن أبي بكير، أم من إسرائيل. قد رواه وكيع بن الجراح مرسلًا ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات" اه. والبزار في مسنده (١/ ٤٥٧، برقم ٣٢٥). وأخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٤٨) موقوفا. وابن بطة في الإبانة (كتاب الرد على الجهمية) (٣/ ١٧٨ - ١٨٠). والخطيب في تاريخه (٨/ ٥٢) مرسلا. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٥) وقال بعد سياقه للحديث: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة، فتارة يرويه ابن خليفة عن عمر، عن رسول الله ﷺ، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة" اه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٤) وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". وأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٠) وعزاه للبزار في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيرهما، والطبراني، وابن أبي عاصم في كتاب السنة لهما، والحافظ الضياء في كتاب المختارة. وقال ابن كثير: "من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها" اه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي ﷺ، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختاره". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي، وابن الجوزي، وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. وفيه قال "إن عرشه" أو "كرسيه" "وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع" أو "فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع" "وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه". ولفظ (الأطيط) قد جاء في حديث جبير بن مطعم. الذي رواه أبو داود في السنن. وابن عساكر عمل فيه جزءًا، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد، وأبي داود، وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ "الأطيط" قد جاء في غيره. وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثيرًا ممن رواه رووه بقوله: "إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع"، فجعل العرش يفضل منه أربعة أصابع. واعتقد القاضي، وابن الزاغوني، ونحوهما، صحة هذا اللفظ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: "هو موضع جلوس محمد ﷺ". والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره، ولفظه "وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع" بالنفي. فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين -هذه تنفي ما أثبتت هذه-. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله ﷺ أراد الإثبات، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر. وهذا باطل، مخالف للكتاب والسنة، وللعقل. ويقتضي أيضًا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد، مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب، فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما (حديث الأطيط) لما قال الأعرابي: "إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك! أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته هكذا" -وقال بيده مثل القبة- "وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه". فبين عظمة العرش، وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله، وأنه يأط به أطيط الرحل الجديد براكبه، فهذا فيه تعظيم العرش، وفيه أن الرب أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "أتعجبون من غيرة سعد! لأنا أغير منه، والله أغير مني". وقال: "لا أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، كما يقدر في الميزان قدره فيقال: (ما في السماء قدر كف سحابًا). فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع، وأصغر ما عندهم الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به، فقالوا: (ما في السماء قدر كف سحابًا)، كما يقولون في النفي العام ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ﴾ و﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾، ونحو ذلك. فبين الرسول ﷺ أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع. وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة، موافق لطريقة بيان الرسول ﷺ، له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال: (ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى، فاستثنوا، فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟ والعرش صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أن نعتبر الحديث، فنطابق بين الكتاب والسنة. فهذا هذا والله أعلم. قال حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾، قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا". وهذا له شواهد، مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، قال ابن عباس: "ما السموات السبع والأراضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا، فإن له حملة وله حول. قال تعالى ﴿اَلذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ". اه. مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٩). وانظر المسألة كذلك في منهاج السنة (٢/ ٦٢٨ - ٦٣١). "
[ ١ / ٦٠٠ ]
القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض (^١).
ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه (^٢).
القول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت (^٣).
وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا إن العرش هو الفلك التاسع.
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣)، أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات (ص ١١٦)، لسان العرب (٦/ ١٩٤).
(٢) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٣/ ١٨)
(٣) كتاب الكليات (٤/ ١٢٢)، البداية والنهاية (١/ ١٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠).
[ ١ / ٦٠٢ ]
القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ ﷿ (^١).
وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.
فالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بيانًا واضحًا لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:
حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" (^٢).
وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: "وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئًا معنويًا وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان".
وأيضًا ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد" (^٣).
وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود (^٤)، وأبو موسى الأشعري (^٥)،
_________________
(١) الفتاوى (٥/ ٥٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٠٩)، أقاويل الثقات (١١٦)، الأسماء والصفات (٥١٠)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٤٦.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريج الأثر الوارد عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٦٠). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧٠، ١٤٣) عن أبيه. وابن جرير في تفسيره (٣/ ٩) عن علي بن مسلم الطوسي. وابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٦) عن علي بن مسلم. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٠٩ - ٥١٠) عن هارون بن عبد الله. كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وأورده الذهبي في العلو (ص ٨٤). وقال الألباني في مختصر العلو (ص ١٢٣ - ١٢٤): (رجاله كلهم ثقات معروفون).
[ ١ / ٦٠٣ ]
ومجاهد (^١)، وغيرهم.
ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف" (^٢).
وقال شارح العقيدة الطحاوية: "وإنما هو-الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه" (^٣).
وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين" (^٤).
وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه" (^٥).
كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض" (^٦).
وقال ثعلب: "الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك" (^٧).
ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.
وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين "، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٤٥). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧١). والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١١). وأورده الذهبي في العلو (ص ٩٤). وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١١) وقال: (أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه.
(٢) الفتاوى (٦/ ٥٨٤).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).
(٤) أصول السنة (ص ٩٦).
(٥) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦).
(٦) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).
(٧) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).
[ ١ / ٦٠٤ ]
وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيرًا وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جدًا".
وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره" (^١).
وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه" (^٢).
ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.
أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضًا تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.
وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.
_________________
(١) البداية والنهاية (١/ ١٣).
(٢) الأسماء والصفات: ص ٤٩٣.
[ ١ / ٦٠٥ ]
ثم قال: «باب الإيمان بالحجب:
قال: ومن قول أهل السُّنَّة: أن الله بائنٌ من خلقه، يَحتجب عنهم بالحُجب، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا؛ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وذكر آثارًا في الحُجُب».
من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنَّ الله مُحتجب عن خلقه بالحُجُب، لا يَستطيع أن يَراه أحد في الدنيا؛ لأن الأبصار والأجسام خُلِقت في الدنيا للفناء، فلو كشف الله هذه الحُجُب حال وجود الناس في الدنيا لأَحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ولاندكَّت كما اندك جبل موسي؛ والله أعلم بكيفية هذه الحجب ومقدارها، لكن يوم القيامة تُرَكَّب الأبصار للبقاء وتُعطى قوة لم تكن لها حال خلقها في الدنيا؛ لذا تحتمل النظر إلى جَبَّار السموات والأرض.
وقد جاءت الأدلة بإثبات الحجب؛ ومن ذلك قوله ﷾: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشوري: ٥١].
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قام فينا رسولُ الله بخمس كلماتٍ فقال: «إنَّ الله ﷿ لا يَنام ولا يَنبغي له أن ينام؛ يَخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل. حجابه النور، وفي رواية: النار، لو كَشَفه لأحرقت سُبُحات وجهه (^١) ما انتهى إليه بصرُه من خلقه» (^٢).
والنصوص والآثار في ذلك كثيرة، وقد عقد الأئمة في هذا الموضوع أبوابًا وأوردوا فيه النصوص والآثار الدالة على ذلك؛ قال الإمام الدارمي في كتابه «الرد على الجهمية» (ص ٧١ - ٧٣): «باب الاحتجاب»، وساق بعض النصوص والآثار في ذلك، ثم قال: «مَنْ يَقدر قَدْرَ هذه الحجب التي احتجب الجَبَّار بها؟ ومَن يعلم كيف هي غير الذي أحاط بكل شيء علمًا، ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٨]؟ ففي
_________________
(١) سبحات وجهه: نوره وجلاله. انظر: «شرح النووي على مسلم» (١/ ٣١٩).
(٢) رواه مسلم (١٧٩).
[ ١ / ٦٠٦ ]
هذا-أيضًا-دليل أنَّه بائن من خلقه، مُحتجب عنهم، لا يَستطيع جبريلُ مع قُربه إليه الدُّنُوَّ من تلك الحُجُب، وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنَّه معهم في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحُجُب هناك معنى؛ لأن الذي هو في كل مكان لا يَحتجب بشيء من شيء، فكيف يَحتجب مَنْ هو خارج الحجاب كما هو مِنْ ورائه؟ فليس لقول الله ﷿: ﴿مِنْ وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] عند القوم مِصداقٌ!».
[ ١ / ٦٠٧ ]
«ثم قال في باب (الإيمان بالنزول):
قال: ومِن قول أهل السُّنَّة: أن الله ينزل إلى السَّماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرنا وهب، عن ابن وضاح، عن زهير بن عَبَّاد، قال: «مَنْ أدركتُ من المشايخ-مالك، وسفيان الثوري، وفُضيل بن عِياض، وعيسى، وابن المبارك، ووكيع-: كانوا يقولون: النزول حقٌّ».
قال ابن وضَّاح: سألت يوسف بن عدي عن النُّزول، قال: «نَعم. أُومن به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا». وسألت عنه ابنَ مَعين، فقال: «نعم، أُقِرُّ به ولا أَحُدُّ فيه حدًّا».
مسألة النزول من المسائل التي خالفَ فيها المعطِّلةُ أهلَ السُّنَّة، ولا شك أن الذي يُنكر عُلُوَّه- ﷾-سيُنكر نزولَه، فلذلك في صفة نزول الله تعالى، قال بعضهم: «المراد: نزول رحمته، أو قُدرته، أو مَلَك من ملائكته»، وأخذوا يُؤَوِّلون النزول، مع أن أحاديث النزول- بحمد الله- ثابتة، بل متواترة عن قُرابة سبعة وعشرين صحابيًّا من أصحاب النبي ﷺ؛ قال الإمام اللالكائي: «سِياق ما رُوي عن النبي ﷺ في نُزول الرب ﵎؛ رواه عن النبي ﷺ عِشرون نفسًا»، ثم ساق روايات الصحابة بأسانيدها في أحاديث النزول (^١).
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ عن حديث النُّزول: «يَنْزِلُ رَبُّنا كلَّ ليلة …»: «وهو حديث منقول من طرق مُتواترة ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي ﷺ» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀ في (تفسير سورة الإخلاص): «فالربُّ-سبحانه-إذا وصفه رسولُه بأنه يَنْزِل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنَّه يَدنو عَشية عرفة إلى الحُجَّاج، وأنه كلَّم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٣/ ٤٨١).
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» لابن عبد البر (٧/ ١٢٨).
[ ١ / ٦٠٨ ]
استوى إلى السماء وهي دخانٌ، فقال لها وللأرض: ﴿ائتيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نُزول هذه الأعيان المشهودة، حتى يُقال: ذلك يَستلزم تفريغ مكان وشَغل آخر» (^١).
فأحاديث النزول مُتواترة، ومنها الحديث المَشهور: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٢)، ومع ذلك يغالط البعض؛ فينكرون نزول الله ﷾!
وقول السلف هنا: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، معناه: أننا لا نعلم كيفية ذات الله حتى نعلم كيفية نزوله؛ فلذلك فسؤال السائل: كيف ينزل؟ هو مثل سؤاله: كيف استوى؟ سواء بسواء؛ فلا يُسأل عن كيفية نزوله كما لا يسأل عن كيفية استوائه؛ لأنه لا يَعلم كيفية استواء الله على عرشه، ولا كيفية نزوله إلى السماء الدنيا إلا هو ﷾.
لذلك قال أئمة السلف هذه العبارة: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، أي: لا يستطيعون وصف كيفية هذا النزول؛ فالله ﷾ قد أخبرنا عن طريق رسوله ﷺ: أنَّه يَنزل، فما علينا إلا أن نُؤمن بذلك، ولا سبيل لنا بعد ذلك إلى معرفة كيفية نزوله ﷾.
وهؤلاء المُؤَوِّلُون يُحدثون شُبهًا في ذلك؛ مثل قولهم: ثُلُث الليل يختلف في مكان عن آخر، فكل بلد لها ثُلُث ليل، فكيف يَنزل ربُّنا؟!
والجواب: أن النبي ﷺ قد أخبر عن الله ﷾ فقال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ …»، فلا سبيل لنا إلى معرفة كيفية هذا النزول، والله ﷾ يسمع كل شيء، ويبصر كل شيء، ولا يعزب عن علمه شيء، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا نعلم كيفية ذلك، لذا لا نستطيع أن نحدد كيفية نزوله إلا بعد معرفة كيفية ذاته، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الخبر عن النبي ﷺ، وقد جاء الخبر بنزوله ﷾؛ فيجب أن نؤمن به، ونعتقد صِدْقَه، وأما السؤال عن الكيف، فلا شكَّ أنَّ الكيف مجهول، وأنَّ السؤال عنه بدعة، كما هو حال السؤال عن الاستواء.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٣٥٠).
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكر ابنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ١ / ٦٠٩ ]
فقول أهل السنة: «نؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، من غير أن نحد فيه حدًّا»، معناه: أن النزول حق، ولكن لا نَصف كيفية نزوله سبحانه.
وقال ابن معين عن نزول الله تعالى: «نعم؛ أُقر به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا» (^١).
وقال صاحب «أصول السنة» ابن زمنين عن حديث النزول: «وهذا الحديث يُبين أن الله ﷿ على العرش في السماء دون الأرض، وهو-أيضًا-بَيِّنٌ في كتاب الله تعالى، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﷺ».
ومن المسائل المتعلقة بصفة النزول هل يخلو العرش منه حال نزوله
ولأهل السنة في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (^٢).
وهو قول طائفة من أهل الحديث (^٣).
القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (^٤).
وهو قول جمهور أهل الحديث (^٥).
ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان ابن سعيد الدارمي وغيرهم (^٦).
القول الثالث: نثبت نزولًا، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذا قول ابن بطة والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (^٧).
أما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (^٨)، (^٩).
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٦).
(٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
(٣) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٤) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
(٥) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).
(٦) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥).
(٧) شرح حديث النزول (ص ١٦١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤).
(٨) عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني، قال عنه الذهبي: (الحافظ العالم المحدث)، وقال عنه إسماعيل التيمي كما في طبقات الحنابلة: (خالف أباه في مسائل وأعرض عنه مشايخ الوقت)، وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته)، وقال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح -إن صح- فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) ا. هـ. توفي سنة (٤٧٠ هـ). انظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).
(٩) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
[ ١ / ٦١٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفًا في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه " الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول" (^١).
وقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم: (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (^٢).
وأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٣).
وذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين:
١ قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.
٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره.
وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر.
ثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك.
ومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (^٤).
والقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (^٥) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟
_________________
(١) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ١٦٢).
(٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ٢٠١).
(٣) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
(٥) ربط شيخ الإسلام بين المسألتين في شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١)، وكذا ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).
[ ١ / ٦١١ ]
وقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب "اختلاف الروايتين والوجهين" (^١)، وهذه الأقوال هي:
١ أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد.
٢ أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (^٢).
٣ الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (^٣) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (^٤).
والذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد.
قال القاضي أبو يعلى: "فذهب شيخنا أبو عبد الله-يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (^٥)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثًا، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفًا به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول" (^٦).
_________________
(١) قام الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف بتحقيق الجزء المتعلق بمسائل أصول الديانات من كتاب "الروايتين والوجهين"، وطبعته مكتبة أضواء السلف. وانظر المسألة (ص ٥٢ - ٥٧) من الكتاب المذكور.
(٢) انظر الرد على هذا القول في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٢).
(٣) قال ابن بطة: (فنقول كما قال: (ينزل ربنا ﷿ ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، ولا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول إن نزوله زواله). انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠).
(٤) شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٥) يعني بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه "ثم يعلو ﵎ على كرسيه".
(٦) كتاب اختلاف الروايتين والوجهين -مسائل من أصول الديانات- (ص ٥٥).
[ ١ / ٦١٢ ]
وقال ابن القيم ﵀: "أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤].
والانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.
قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور البتة ولا يستلزم ذلك نقصًا، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق" (^١).
القول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش.
وهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (^٢).
وقال: "ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم" (^٣).
قال القاضي أبو يعلى: "وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه" (^٤).
وسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: "يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء" (^٥).
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
(٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).
(٣) المصدر السابق (ص ١٤٩).
(٤) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).
(٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٣). وأخرجه ابن بطة في الإبانة، كما في المختار من الإبانة (ص ٢٠٣ - ٢٠٤، برقم ١٥). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٤)، وفي الأصفهانية (ص ٢٥)، وعزاه للخلال في السنة وابن بطة في الإبانة.
[ ١ / ٦١٣ ]
وقال إسحاق بن راهويه: "دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟
قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟
قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا.
قلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام.
قال: أينزل ويدع عرشه؟
قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟
قال: نعم.
قلت: ولم تتكلم في هذا؟ " (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: "وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه.
وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟
يقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا" (^٢).
القول الثالث: من يقول نثبت نزولًا ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذا القول قال به ابن بطة (^٣)، وعبد الغني المقدسي (^٤)، وغيرهما.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٦) مختصرًا. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٢). وأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٢) وصحح إسناده.
(٢) شرح حديث النزول (ص ١٥٣).
(٣) انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠). ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).
(٤) شرح حديث النزول (ص ١٦١).
[ ١ / ٦١٤ ]
قال ابن بطة: "فنقول كما قال: "ينزل ربنا ﷿" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله".
وروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: "قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟
قال: نعم.
قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟
قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف" (^١).
وقال القاضي أبو يعلى: "وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولًا لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتًا ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع" (^٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل.
قال ابن القيم ﵀: "وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و(الانتقال)، و(الحوادث)، و(العلة)، و(التغير)، و(التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل.
فهذه لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.
فإن الانتقال يراد به:
١ انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.
_________________
(١) المختار من الإبانة (ص ٢٤٠ - ٢٤٢).
(٢) كتاب الروايتين والوجهين (ص ٥٦ - ٥٧).
[ ١ / ٦١٥ ]
٢ ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا. فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.
٣ وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.
وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة" (^١)
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ١ / ٦١٦ ]
قال محمد (^١): وهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على عرشه في السماء دون الأرض، وهو- أيضًا- بَيِّنٌ في كتاب الله، وفي ما غير حديث عن رسول الله ﷺ؛ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]» (^٢).
وذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (^٣).
قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم» (^٤).
قول المصنف: «وهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على عرشه في السماء دون الأرض».
وهذا النص يتناول مكان العرش وقد دلت الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانًا قبل وجود
_________________
(١) هو الإمام محمد بن عبد الله؛ المعروف بابن أبي زمنين.
(٢) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنَّة» (ص ١١٣، ١١٤).
(٣) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاة)، بَاب (تَحْرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ)، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، ومالك (٨)، وأحمد في المسند؛ أحاديث رجال من أصحاب النبي ﷺ (٢٣٧٦٢)، والدارمي (١٥٤٣).
(٤) «أصول السنَّة» لابن أبي زمنين (ص ١١٤).
[ ٢ / ٥ ]
السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧]
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئًا" (^١).
وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض".
وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء".
وكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء".
فكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (^٢).
وقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: "كان على متن الريح" (^٣).
وعن سليمان التيمي أنه قال: "ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤١١).
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٩). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٥). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧، رقم ٨٠٢). كلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وإسناده جيد موقوف.
[ ٢ / ٦ ]
عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] " (^١).
هذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين:
الجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات.
والجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما.
أما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه.
ومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال" (^٢).
فالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه.
أما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟
فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ: "ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال
_________________
(١) خلق أفعال العباد (١٢٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (١٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة سبأ، (٥/ ٣٦٢ رقم ٢٣٢٤). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٧٨). وابن منده في التوحيد (ق ١٦/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢ - ٥١٣، رقم ٤٣٦). والطحاوي في المشكل (٣/ ١١٣). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣). كلهم بإسنادهم عن الزهري عن علي بن الحسين به، وبألفاظ متقاربة. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ٢ / ٧ ]
ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
فالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجودًا إلى ما بعد خلق السموات والأرض.
أما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة.
وكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" (^١).
فمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم.
وقول المصنف: «وذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (^٢).
قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم»
فقد سبق بيان أن الآيات في مسألة علو الله تعالى كثيرة ومتنوعة في الدلالة على صفة العلو ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، والعروج لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى؛ فلو كان الله في كل مكان- كما يقول الأشاعرة وغيرهم- فما الحاجة إلى العروج؟!
فبماذا يُجيب الأشاعرة وغيرهم عن مثل هذه الآيات؟!
ولماذا يغمضون أعينهم ويصمون أسماعهم عن مثل هذه الأدلة الصريحة؛ كقوله ﷾: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وكقوله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاة)، بَاب (تَحْرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ)، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، ومالك (٨)، وأحمد في المسند؛ أحاديث رجال من أصحاب النبي ﷺ (٢٣٧٦٢)، والدارمي (١٥٤٣).
[ ٢ / ٨ ]
١٦]، وكقوله ﷾: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والصعود والرفع كيف يكونان؟
بالطبع يكونان من أسفل إلى أعلى.
وماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله ﷿: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]؟!
ولا شَكَّ أنَّ نصوص العلو-كما قال السلف-: تبلغ قرابة الألف؛ أي: يُوجد ألفُ دليلٍ على إثبات علو الله ﷾.
ومن ذلك ما جاء في حديث الجارية التي سألها النبيُّ ﷺ: «أينَ اللهُ؟». فقالت: في السماء.
وهذا حديث صحيح؛ رواه مسلم (^١)، (^٢) وأبو داود (^٣)، (^٤) والنسائي (^٥)، (^٦) ومالك (^٧) في الموطأ (^٨).
هذا مع أن الأشاعرة يقولون: لا يجوز السؤال عن الله ب «أين»!
وهذا اعتراض على الرسول ﷺ الذي سَأَلَ بهذا السؤال.
الأحاديث كذلك في إثبات علو الله تعالى كثيرة جدًّا، ولكن مصيبة هؤلاء أنهم مُعرضون عن النصوص أصلًا؛ لأن أصولهم لا تَعتمد على قال الله وقال الرسول ﷺ!
ولذلك عندما احدثوا ما أحدثوا من البدع والأقوال الباطلة في هذه المسألة، نجد أن النصوص تَرُدُّ هذا الباطل وتُبَيِّنُ فساده؛ وخلاصة الأمر: أن على العبد أن يرجع إلى كلام الله تعالى وإلى كلام رسوله ﷺ، وأن يُحقق قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ يكون بالرجوع إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته.
_________________
(١) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، أبو الحسين النيسابوري، حافظ، من أئمة المحدثين، صاحب الصحيح المشهور، توفي بنيسابور سنة (٢٦١ هـ). تذكرة الحفاظ (٢/ ١٥٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٢٦).
(٢) أخرجه في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٢).
(٣) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني، ثقة حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٧٥ هـ). تذكرة الحفاظ (٢/ ١٥٢)، تاريخ بغداد (٩/ ٥٥).
(٤) سنن أبي داود (١/ ٥٧٢) كتاب الصلاة، "باب ١٧١ تشميت العاطس في الصلاة" رقم (٩٣٠).
(٥) أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن، النسائي، الحافظ، صاحب السنن وغيرها، مات سنة (٣٠٣ هـ) وله ثمان وثمانون سنة. تذكرة الحفاظ (٢/ ٢٤١)، وفيات الأعيان (١/ ٢١).
(٦) سنن النسائي (٣/ ١٤ - ١٨).
(٧) مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأحد أئمة السنة المشهورين، وإليه تنسب المالكية، له مؤلفات عدة، على رأسها "الموطأ" الكتاب المشهور، ولد بالمدينة وتوفي بها عام (١٧٩ هـ). الديباج المذهب (١/ ٨٢ - ١٣٥)، البداية (١٠/ ١٧٤).
(٨) كتاب العتق، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة (ص ٥٥٢ - ٥٥٣، ح ١٤٦٤). وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٤٧). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٥). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، ح ١٧٨). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٢). والذهبي في العلو (ص ١٦)، وانظر مختصر العلو للذهبي (ص ٨١).
[ ٢ / ٩ ]
فعلى العاقل أن يَعرض على ميزان الشرع قول مَنْ يقول: إن الله ﷾ عالٍ على خلقه، مُستو على عرشه، وقول مَنْ يقول: إنَّه في كل مكان، أو من يقول: لا داخل العالم ولا خارجه!
ليعلم أن الكفة الراجحة في صف مَنْ أثبت علوَّ الله ﷾ واستواءَه على عرشه ﷾، من غير إثبات الكيف؛ فقد أعمل النصوص الصريحة الثابتة ولم يُهملها، ووَكَلَ تفسيرَ كيفيتها إلى الله، ولم يَفتأت عليها بتعطيل، أو تشبيه، أو تحريف أو تأويل.
قال الإمامُ ابنُ عبد البرِّ ﵀: «أهل السنَّة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنَّة والإيمان بها وحملِها على الحقيقة لا على المجاز إلاَّ أنهم لا يُكيِّفون شيئًا مِنْ ذلك ولا يحدُّون فيه صفةً محصورةً، وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج فكلُّهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أنَّ مَنْ أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَنْ أثبتها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنَّةُ رسوله وهم أئمَّة الجماعة، والحمد لله» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-عن مذهب السلف في الصفات «فطريقتهم تتضمَّن إثباتَ الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل» (^٢).
_________________
(١) «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٥).
(٢) «التدمرية» لابن تيمية (ص ٨).
[ ٢ / ١٠ ]
«وقال (^١) قبل ذلك «باب (في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه)»:
قال: «واعلم بأنَّ أهلَ العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورُسله يَرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عمَّا لم يَدْع إليه إيمانًا، وأنهم إنما يَنتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه» (^٢).
هذه قاعدة عظيمة في هذه المسألة، وهي: أننا يجب علينا ألا نخوض فيما لا عِلم لنا به؛ وعلينا أن نقف على ما جاء به الخبرُ؛ فلا نَزيد عليه ولا نَنقص منه، ثم لا سبيل لنا إلى معرفة كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا يجوز لنا البحث في ذلك؛ لا في كيفية علوه تعالى، ولا في كيفية استوائه، ولا في كيفية نزوله!
فتأمل عبارة: «واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاء به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا»؛ أي أن أهلُ العلم يرون عدمَ الخوض فيما لم يَرِد به الخبرُ.
فما لم يَرد به الخبر بالنفي أو الإثبات لا نتكلم فيه؛ فإن هذا من العلم، فمن العلم: أن تقول: لا أدري. وأن تقف في هذا على الحدِّ الذي ورد فيه الخبرُ؛ لا تَزيد ولا تَنقص.
ثم قال ﵀: «والعجز عما لم يَدْعُ إليه إيمانًا»، وهو أمر الكيفية، «وأنهم إنما ينتهون مِنْ وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه»، يعني: نثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه؛ لا نزيد ولا ننقص، ولا نخوض في الكيف.
فهذه قاعدة عظيمة من تَمَسَّك بها مع الإيمان بما وَرَدَ سَلِمَ ونَجَا مِنْ داء التعطيل وداءِ التَّشبيه.
قال العَلَّامة الشنقيطي ﵀: «والجاهلُ المُفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات
_________________
(١) أي: ابن أبي زمنين.
(٢) «أصول السنة» (ص ٦٠).
[ ٢ / ١١ ]
الصفات لا يَليق بالله؛ لأنَّه كفر وتَشبيه- إنَّما جَرَّ إليه ذلك تنجيسُ قلبه، بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأَدَّاه شؤمُ التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه- جل وعلا- هو الذي وصف بها نفسَه؛ فكان هذا الجاهل مُشَبِّهًا أَوَّلًا، ومُعَطِّلًا ثانيًا، فارتكب ما لا يَليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظِّمًا لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه- لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله- جل وعلا- بالغ من الكمال والجلال ما يَقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فيكون قلبه مستعدًّا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فلو قال مُتنطع: بَيِّنُوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليَدِ ونحو ذلك؛ لِنَعْقِلَها! قلنا: أَعَرَفْتَ كيفيةَ الذَّات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟
فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات مُتوقفة على معرفة كيفية الذات؛ فسبحان مَنْ لا يستطيع غيرُه أن يُحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه؛ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾، ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾.
فتَحَصَّل مِنْ جميع هذا البحث: أن الصفاتِ من باب واحد، وأنَّ الحقَّ فيها مُتَرَكِّب من أمرين:
الأول: تَنزيه الله-جل وعلا-عن مُشابهة الخلق.
والثاني: الإيمان بكلِّ ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يَشُكُّون في شيء من ذلك، ولا كان يُشْكِلُ عليهم» (^١).
_________________
(١) «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» لمحمد الأمين الشنقيطي (٢/ ٣١).
[ ٢ / ١٢ ]
«وقد قال الله تعالى- وهو أصدق القائلين-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وَقَالَ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، ومثل هذا في القرآن كثير.
فهو-﵎-نُورُ السموات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وَجْهٌ وَنَفْسٌ وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويَسمع، ويرى، ويتكلم، الأول ولا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن؛ بَطُنَ علمُه بخلقه، فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]؛ حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ.
وذكر أحاديثَ الصفات، ثم قال: «فهذه صفاتُ رَبِّنا التي وصف بها نفسَه في كتابه ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تَحديد ولا تشبيه ولا تَقدير؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، لم تَرَهُ العيون فتَحُدَّه كيف هو؟ ولكن رأته القلوبُ في حقائق الإيمان». اه (^١)».
مِثْلُ هذا يُؤكد أن المصدر والأصل في هذا الباب هو: قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ.
_________________
(١) «أصول السنة» (ص ٦٠ - ٧٤). وإلى هنا انتهى النقل عن ابن أبي زمنين ﵀.
[ ٢ / ١٣ ]
وقد عرض لك هنا بعضَ آيات القرآن في هذه المسألة.
ومسألة الأسماء والصفات حقيقة هي الباب الذي تَعَرَّفَ الله ﷾ به إلى الخلق، والمعطلة إنما يُريدون أن يُوصدوا هذا الباب!
فالله تعرف إلينا بأسمائه وصفاته، فإذا جهلناها-أو جَهَّلْنا الناس بها-أو حَرَّفناها، انطمس بابُ معرفة الله ﷾، ولذلك يقول ابن القيم في فصل مشهد الأسماء والصفات: «وهو مِنْ أَجَلِّ المشاهد، والمطلع على هذا المشهد: مَعرفة تعلق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العُلى، وارتباطه بها، وإن كان العالمُ بِما فيه مِنْ بعض آثارها ومقتضياتها.
وهذا مِنْ أَجَلِّ المعارف وأشرفها، وكلُّ اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإنَّ أسماءه أوصافُ مَدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل؛ إمَّا لازم وإما متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو مِنْ لوازمه، وهذا في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها.
ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته.
وإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حِكَمًا ومصالح، وأسماؤه حُسنى؛ ففرض تعطيلها عن موجباتها مُستحيل في حقه، ولهذا يُنكر- سبحانه- على مَنْ عَطَّله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نَسَبَه إلى ما لا يليق به وإلى ما يَتنزه عنه، وأن ذلك حُكْمٌ سَيِّئ ممن حَكَم به عليه، وأنَّ مَنْ نسبه إلى ذلك فما قَدَره حقَّ قَدْرِه، ولا عَظَّمه حقَّ تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى في حقِّ منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال في حق من جَوَّزَ عليه التسويةَ بين المختلفين؛ كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]؛ فأخبر أن هذا حكم سَيِّئ لا يليق به؛ تَأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٥] عن هذا الظن والحُسبان؛ الذي تأباه أسماؤه وصفاته.
[ ٢ / ١٤ ]
ونظائر هذا في القرآن كثيرة، يَنفي فيها عن نفسه خلافَ مُوجب أسمائه وصفاته؛ إذ ذلك مُستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.
فاسمه الحَميد المجيد يَمنع ترك الإنسان سُدى مهملًا مُعَطَّلًا، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه الملك، واسمه الحي يمنع أن يكون معطلًا من الفعل، بل حقيقة الحياة الفعل، فكلُّ حَيٍّ فَعَّالٌ، وكونه سبحانه خالقًا قَيُّومًا من موجبات حياته ومقتضياتها، واسمه السميع البصير يوجب مسموعًا ومرئيًّا، واسمه الخالق يقتضي مخلوقًا، وكذلك الرازق، واسمه المَلِك يقتضي مملكة وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاء ومنعًا، وإحسانًا وعدلًا، وثوابًا وعقابًا، واسم البَرِّ والمُحسن المعطي المَنَّان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها …
والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه …
وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق. والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح ﷺ: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، لستَ كمن يغفر عجزًا، ويُسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقك، قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به.
فمَن تَأَمَّل سَرَيان آثار الأسماء والصفات في العالَم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها: هو مِنْ كمال الأسماء والصفات والأفعال. وغاياتها أيضًا: مُقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته.
فله في كلِّ ما قضاه وقَدَّره الحكمة البالغة والآيات الباهرة، والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ كلُّ اسم فله تعبد مختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يَطَّلع عليها البشر؛ فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يَحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، أو يَحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع، أو عبودية
[ ٢ / ١٥ ]
اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك.
وهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها.
وهو سبحانه يُحب موجبَ أسمائه وصفاته …
إلى أن قال ﵀: «وهذا المشهد أَجَلُّ مِنْ أن يحيط به كتابٌ، أو يَستوعبه خطابٌ، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تُطلع على ما وراءها، والله الموفق المُعِين» (^١).
فأراد المعطلة والمؤولة أن يغلقوا هذا الباب؛ لأنه إذا أُغلق لم يَعرفوا الله سبحانه حق المعرفة ولم يقوموا بحقه كما يَنبغي، ولذلك نرى في المجتمعات-التي لا تَعرف أسماء الله وصفاته معرفة صحيحة-أنه ينشأ فيها الجهل بالله ﷾!
فتراهم يطوفون بالقبور ويدعونها ويتمسحون بها وينذرون لها، وترى الخرافات منتشرة؛ من عبادة الكواكب والشجر والحجر، والاستعانة بالجن، وادعاء علم الغيب … إلى غير ذلك، ومع أن أسماءهم أسماء مُسلمين، لكن كأنهم ليس من المسلمين.
كل هذا نشأ بسبب الجهل بالله ﷾ وأسمائه وصفاته، وإلَّا فنصوص الصفات يُقدِّرها العلماء بثُلُثِ القرآن؛ أخذًا من قول النبي ﷺ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (^٢)؛ ولأنَّها صفة الرحمن ﷾، فعن عائشة ﵂ قالت: «إنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب ﴿قل هو الله أحد﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: «لأنَّها صفة الرحمن، وأنا أُحِبُّ أن أقرأ بها، فقال
_________________
(١) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٤١٨ - ٤٢٢) بتصرف واختصار.
(٢) انظر: صحيح البخاري، كِتَاب (فَضَائِلِ القُرْآنِ)، بَابُ (فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) برقم (٥٠١٥)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، ومسلم كِتَاب (صَلَاة المُسَافِرِينَ وَقَصْرهَا)، بَاب (فَضْلِ قِرَاءَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) برقم (٨١١)، عن أبي الدرداء ﵁، ورواه أحمد في المسند، المُلْحَق: المُسْتَدْرَك من مُسْنَدِ الأَنْصَارِ، بَقِيَّة خَامِس عَشَر الأنصَار (٢٧٤٩٥)، والدارمي (٣٤٧٤).
[ ٢ / ١٦ ]
النبي ﷺ: «أَخبروه أنَّ الله يُحِبُّه» (^١).
فثلث النصوص جاءت في الأسماء والصفات، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فخبر، وحقه التصديق، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وهكذا جميع ما أخبر الله ﷾ من أسمائه وصفاته يجب أن نُصَدِّق بها، ولذلك قال هنا: «فهذه صفاتُ ربِّنا ﷿ التي وصف بها نفسَه في كتابه، ووصفه بها نبيه ﷺ»، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه، وإن الذي أخبر بها هو الله ﷿ ونبيُّه ﷺ، ولم يخبر بها زيد أو عمرو.
فقد جاءت في كلام الله تعالى وفي كلام رسوله ﷺ، والله ﷿ أولى وأحقُّ مِنْ ينزِّه نفسه عن التشبيه، وأعرفُ الخلق به هو رسوله ﷺ.
فلذلك لو كان في هذا دعوى تشبيه لَمَا وصف الله ﷾ بها نفسَه، ولَمَا وصفه بها رسولُه ﷺ، ولَمَا قال الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١]؛ لأن المرسلين قد وصفوه بالكمال، أمَّا غيرهم فإنهم وصفوه بالنقص، فالله ﷾ نزَّه نفسه عن النقص فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، سلام عليهم؛ لأنَّ كلامهم سالم من وصف الله بالنقص.
فيجب على كل مخالف لمنهج السلف: أن يرجع إليه، وأن يتمسك به، فمنهج السلف هو: قال الله تعالى، وقال رسوله ﷺ، وقال سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ويجب على كل مسلم ألَّا يَحِيد عن منهج السلف إلى مناهج عقلية فلسفية؛ لأنها قد هدمت دين الله ﷾، وألغت كلامه جل وعلا وكلام رسوله ﷺ، ويجب-أيضًا-على كل مسلم أن يبتعد عن مناهج الصوفية أو الرافضة الذين قدَّسوا أشخاصًا ورفعوهم لدرجة العصمة، بل وجعلوا لهم حقَّ التشريع.
ولنعلم أن من معتقد أهل السنة: أنه لا يجوز الانتصار لشخص بعينه إلا لشخصٍ واحد، وهو النبي ﷺ؛ إذ لا معصوم إلا محمدٌ ﷺ، ولا يجوز الانتصار لطائفة إلا لأصحاب النبي ﷺ؛ لأن الحقَّ لا يخرج عنهم.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣).
[ ٢ / ١٧ ]
فهذه عقيدة أهل السنة التي يجب على الجميع التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ؛ تنفيذًا لوصية النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^١).
_________________
(١) انظر: «سنن أبي داود» برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الشَّامِيِّين) (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، وقال الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (٢/ ٨٠٥): «صحيح».
[ ٢ / ١٨ ]
(١٢٢) «وكلامُ الأئمة في هذا الباب أطولُ وأكثرُ مِنْ أن تَسَع هذه الفُتْيا عُشْرَه، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم.
مثل ما ذكره أبو سليمان الخَطَّابي في رسالته المشهورة في «الغُنية عن الكلام وأهله»، قال: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف، وإنَّما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقَصِّر عنه.
والأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه؛ ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنَّ القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات». هذا كله كلام الخَطَّابي (^١).
وهكذا قال أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له؛ أَخبر فيها: أن مذهب السلف على ذلك».
هذا نقل آخر عن إمام من الأئمة، وهو الإمام الخطابي صاحب كتاب «معالم
_________________
(١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٧٢، ١٧٣) إلى قوله: «ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، وانظر: «مختصر العلو» (ص ٢٥٧)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٦).
[ ٢ / ١٩ ]
السنن»، وهو شرح لسنن أبي داود، وصاحب كتاب «شأن الدعاء»، وله كذلك كتاب «الغُنية عن الكلام وأهله».
وشيخ الإسلام ابن تيمية أراد أن يُؤكد بإيراده لهذه النقول: أن هذه العقيدة هي عقيدة السلف الصالح، وأن ما يقول به شيخ الإسلام ليس من نتاج أفكاره، وليس أمرًا ابتدعه وأحدثه، وإن كان قد طرأت فترة من الزمن ابتعد الناس فيها عن منهج أهل السنة والجماعة؛ فأراد هذا الإمام أن يُجَدِّد عقيدة أهل السنة والجماعة مرة أخرى، وأن يؤكد عليها من خلال هذه النقول.
فهذا الإمام الخطابي عندما سئل عن الصفات، أجاب بهذا الجواب الذي هو جواب أهل السنة كافَّة، فقال: «فإنَّ مذهب السلف: إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، وهذا الجواب يَحمل الثوابت في معتقد أهل السُّنَّة في هذا الباب، وهي ثلاثة:
أولًا: الوقوف في هذا الباب على ما ورد به الكتاب والسنة، فلا نسمِّي الله ﷾ ولا نَصِفه إلا بما سمَّى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، وهذا ما أكده عليه الإمام الخطابي بقوله: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها».
فهذا الباب توقيفي، أي: يجب الوقوف فيه على ما ورد في الكتاب والسنة، فما ورد إثباته يُثبَت، وما ورد نفيه يُنفَي، لا يزاد على ذلك لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنَّ مَنْ المخالفين مَنْ بالغ في النفي، ومنهم مَنْ بالغ في الإثبات.
فالمشبِّهة بالغوا في الإثبات؛ فأثبتوا لله تعالى أمورًا لم يُثبتها لنفسه، وخاضوا في شأن الكيفيات؛ فزلُّوا في هذا الباب. وكذلك المعطِّلة بالغوا في النفي؛ حتى نفوا ما أثبته الله لنفسه.
وأمَّا منهج أهل السنة فهو وسط بين الإثبات والنفي، بمعنى: أنهم أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه فلم يزيدوا على ذلك، ويتقيدون بما ورد من ألفاظ في القرآن والسنة، ويتحرَّزون عن إطلاق ما أطلقه بعض المخالفين من ألفاظ؛ مثل: الجوارح، أو الأبعاض، أو الجسم، أو غير ذلك.
فأهل السنة لا يتكلمون بهذه الألفاظ؛ لأنها لم تَرِد في النص لا إثباتًا ولا نفيًا، فتقيدوا بما ورد.
فينبغي على طالب العلم المتبع لمنهج أهل السنة والجماعة ألَّا يخفى عليه هذا الأصل.
[ ٢ / ٢٠ ]
ثانيًا: عدم الخوض في الكيفية، فدائمًا أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى يقولون: نؤمن بأن لله يدًا، ونؤمن بأن له سمعًا، وأن لله بصرًا، ولكن لا نعلم كيفية ذلك، فهذه عقيدة أهل السنة في جوهرها وُلُبِّها.
ثالثًا: أن ما أثبته الله ﷾ لنفسه لا يُشبه فيه أحدًا من خلقه، وذلك أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلله ﷾ سمع يليق بجلاله، واستواء يليق بجلاله، ويد تليق بجلاله، فإنه ﷾ ليس كمثله شيء، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وكما قال جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فينبغي التقيد بما ورد من غير تشبيه.
ولذلك قال الخطابي هنا: «ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، أي: لا نَعلم كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا نُشبهه بأحد من خلقه.
فهذه الثوابت أقرها العلماء؛ لذا يجب أن تكون منطلقًا للاعتقاد في الأسماء والصفات.
ففي الإثبات والنفي يجب أن نقف على ما جاء به النص؛ لأن مسائل الصفات بين الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه يُثبَت، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وما نفاه عن نفسه سبحانه يُنفى، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله ﷿: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله ﷻ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا.
وينبغي أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله لا يُماثله في ذلك أحدٌ من خلقه أخذًا بما دلت عليه النصوص من عدم المماثلة، وقلنا: إن المقصود بعدم المماثلة: أن لله ﷿ في تلك الصفات خصائص انفرد بها؛ فلحياة الله خصائص، ولعلم الله خصائص، ولقدرة الله خصائص، ولقوة الله خصائص، وهذه الخصائص لا يماثله فيها أحد من الخلق، ونحن لا نعلم كيفية ذاته فبالتالي مِنْ باب أولى أننا لا نعلم كيفية اتصافه ﷾ بتلك الصفات.
وبعد أن قَرَّر الإمامُ الخطابيُّ هذا المعتقد تعرَّض لنقض كلام المخالف، فقال: «وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله»، ويعني بذلك: المعطِّلة، الذين منهم من نفى جميع الأسماء والصفات. ومنهم من كان دون ذلك؛ فنفى الصفات وأثبت الأسماء، وهؤلاء المعتزلة. ومنهم مَنْ أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وهؤلاء هم الكلابية والأشاعرة والماتريدية فهم في تعطيلهم درجات؛ لكنهم اشتركوا جميعًا في أمر واحد، وهو التعطيل.
[ ٢ / ٢١ ]
ثم قال: «وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف»، يقصد بهم: المشبهة (الممثلة).
ثم قال: «والقصد: إنما هو سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين»؛ أي: إن معتقد أهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين؛ (المعطلة والمشبهة).
فلم ينفوا أمرًا أثبته الله لنفسه، وما بالغوا في الإثبات حتى وصلوا به إلى التشبيه والتكييف؛ فنجوا من آفة التعطيل ومن آفة التشبيه، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
فالتعطيل والتشبيه ضدان؛ فمن نجا منهما سَلِم له توحيد الأسماء والصفات نقيًّا صافيًا.
فمعرفة الله بأسمائه وصفاته لا ينبغي أن يخالطها داء التعطيل أو داء التشبيه؛ لأن كلًّا منهما مفسد لها.
فمن رام أن يبقى له باب معرفة الله ﷿ مفتوحًا سليمًا صحيحًا، فإنه لا بد له من الاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة، وذلك بالتقيد بهذه الثوابت، وعدم الميل إلى أحد هذين الداءين.
ثم قال الإمام الخطابي ﵀ كلمة رائعة بديعة، وهي: «دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقصر عنه»، وهذه وسطية أهل السنة والجماعة: وسط في باب الإيمان، وسط في باب القَدَر، وسط في باب الصفات، وسط في باب الصحابة، وسط في باب الإمامة، وسط في كلِّ أبواب العقيدة، فلم يصلوا إلى درجة الغالين ولم يصلوا إلى درجة الجافين.
ثم قال الإمام الخطابي: «والأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف».
فبعد التقعيد العام أكد الخطابي على قاعدة: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
وهذه حجة على أهل التعطيل النُّفاة.
لأن شُبهة النفاة: هي اعتقادهم أن إثبات الصفات يستلزم منه التشبيه.
فيُقال لهم: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، أي: كما يقال في الذات يقال في الصفات.
[ ٢ / ٢٢ ]
فمعلومٌ أن إثبات ذات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ونقول لهؤلاء: هل الله موجود أو معدوم؟
فقطعًا، الله ﷾ موجودٌ.
فهل معنى إثباتنا لوجود الله تعالى أننا كيَّفنا؟!
بالطبع لا، فكذلك إثباتنا لصفاته إنما هو إثبات وجود، فأن تُثبت لله سمعًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله استواءً مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله يدًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وهكذا، ولا دخل للتكييف أو التشبيه في ذلك، وإنما التكييف أو التشبيه عندما تقول: استوى استواء كاستوائي، أو له يد كيدي.
فهذا أحد الأدلة العقلية في هذا الباب؛ لأنَّ كثيرًا من هؤلاء المخالفين لمنهج السلف إذا أوردت له الأدلة من الكتاب والسنة طلب دليلًا عقليًّا؛ لأن طريق الأشاعرة-مثلًا-في إثبات ما أثبتوه من صفات: إنما هو العقل؛ فيحتجُّون بأن هذه الصفات أثبتها العقل، ونحن كذلك يمكن أن نحتجَّ عليهم بالأدلة العقلية؛ فنقول: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيف.
ثم فصل الخطابي معتقد أهل السنة في الصفات؛ فقال: «فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه»؛ أي: أثبت وجودها. ثم نفى وقوع التحريف فيها؛ فقال: «ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح»؛ لأن هؤلاء المعطلة أتوا بألفاظ-في مسألة إثبات الصفات-لم تَرِد بها النصوص، وأرادوا أن يلصقوها بها؛ فقالوا: إنه يلزم من إثبات اليد لله سبحانه إثبات الجارحة له، أو إثبات الأجزاء، أو الأبعاض، أو الجسمية، وهكذا قالوا في الاستواء: يلزم منه إثبات الحيز، وإثبات المكان.
وأهل السنة قاطبة في هذا الباب متقيِّدون بالنص؛ فلا هم الذين يحرفون ويقولون: اليد بمعنى النعمة أو القوة أو القدرة، ولا يقولون: إنَّ استوى بمعنى استولى، ولا غير ذلك من التحريفات أو التأويلات، ولا هم الذين يبالغون فيقولون: إنها جوارح، أو إنها أبعاض.
فمثل هذه الألفاظ يُمنع استعمالها عند السلف؛ لأن النص لم يَرد بإثباتها،
[ ٢ / ٢٣ ]
فالله ﷾ ما أثبت لنفسه لفظ الجوارح، ولا لفظ الأبعاض، ولا لفظ الأجزاء، ولا لفظ الجسمية.
وأهل السنة يقفون على ما ورد؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، والنفي كذلك يحتاج إلى دليل، وهذا أمر يتعارض مع القاعدة الأولى التي ذكرناها، من أن أهل السنة يَقفون على ما ورد في الكتاب والسنة؛ ولا يزيدون عليه ولا ينقصون منه.
فهذه عقيدة أهل السنة الثابتة التي لا تتزحزح ولا تتغير، ولو نظرتَ إلى الأشاعرة لوجدت أن لمتقدميهم معتقدًا، ولمتأخريهم معتقدًا، فلو نظرت في كتاب «الإرشاد» للجويني ستجد أنه يرد على المتقدمين؛ فالمتقدِّمون من الأشاعرة كانوا يُثبتون اليدين، ويثبتون الصفات الذاتية ولا يُؤوِّلونها، ويقرُّ بذلك الجويني، ولكن مع ذلك جاء فنفى تلك الصفات.
فترى أن متأخِّريهم يناقضون متقدِّميهم في هذا، ولكن لا ترى في منهج السلف هذا الاضطراب وهذه الحيرة؛ لأن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
[ ٢ / ٢٤ ]
(١٢٣) «وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي، قد نقل نحوًا منه من العلماء مَنْ لا يُحصى عددهم، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهَرَوي صاحب «منازل السائرين» و«ذم الكلام»، وهو أشهر من أن يُوصف، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البَر النَّمَري إمام المغرب، وغيرهم».
سيأتي ذكر أقوال هؤلاء الأئمة على وجه التفصيل فيما سيذكره المصنف من نقول للاستدلال على اجتماع قول هؤلاء على ما عرف من عقيدة السلف في بعض مسائل الاعتقاد.
[ ٢ / ٢٥ ]
(١٢٤) وقال أبو نُعيم الأصبهاني صاحب «الحِلية» (^١) في عقيدة له قال في أوَّلها: «طريقتُنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة»، قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه، يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يَحِلُّ فيهم، ولا يَمتزج بهم، وهو مُستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه».
يريد المصنف أن يؤكد ما ذكره سابقًا من أن هؤلاء العلماء قد توافرت النصوص عنهم بمثل هذا المعتقد؛ معتقد أهل السنة والجماعة في سائر أبواب الاعتقاد.
فعقيدة أهل السنة والجماعة تتميز بأمرين:
- الأول: التوحيد.
- الثاني: الاتباع.
وهذا معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؛ فمن تمسك بهذين الأمرين، فقد سار على نهج أهل السنة والجماعة، وهذا هو الميزان الذي يَعرف الإنسان به نفسه؛ هل هو على المنهج الحق أو على غير ذلك؟
وهو الميزان الذي ينبغي أن نَزِنَ به الآخرين؛ فننظر في موقفهم من هذين الأصلين: من توحيد الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ؟
لأن (لا إله إلا الله) تعني التوحيد. (محمد رسول الله) تعني الاتباع.
ولذلك نسمع بين الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ مَنْ يدعو إلى المُوازنة بين ذِكر الحسنات وذكر السيئات؛ فيقول: اذكروا لهؤلاء حسناتهم كما تَعُدُّون عليهم سيئاتهم، واذكروا للجماعة الفلانية، أو للشخص الفلاني، أو للعالم الفلاني الحسنات والسيئات!
فيقال لهؤلاء: إنَّ أيَّ إنسان-أو أي جماعة-أو أيَّ فئة ينبغي إذا قُيِّمت، أن
_________________
(١) أي: كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء».
[ ٢ / ٢٦ ]
تقيَّم أولًا على هذين الأصلين: هل هي آخذة بتوحيد الله تعالى مُحققة له؟ وهل هي مُتَّبعة لسنة رسوله ﷺ متقيدة به؟
عند ذلك يتميز، فعلى سبيل المثال مَنْ يقول مثلًا: لماذا تتكلمون في الأشاعرة؟ أو يقول مثلًا: لماذا تحذرون من جماعة التبليغ، أو من غيرها من الجماعات؟
فنقول: تعال إلى الأشعرية واعرضها على هذين الأصلين؛ هل توحيدها هو التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ؟ وهل حققت التوحيد علمًا وعملًا ودعوةً أم لا؟
فترى أنها بعيدة عن ذلك التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ؛ علمًا وعملًا ودعوة.
وهكذا جماعة التبليغ، هناك من يقول: إنَّ لها نشاطًا ملحوظًا، فكم مِنْ العصاة اهتدوا على أيدي أتباعها؟
فنقول: قبل أن تتعجل في ذِكر هذه المحاسن عليك أولًا أن تَعرض منهج هؤلاء على هذين الأصلين، هل حققوا التوحيد لله؟ هل حققوا الاتباع لرسول الله ﷺ؟
فإذا فعلت ذلك سرعان ما تنكشف لك الحقائق وتتجلى لك الأمور.
فلا ينبغي على الإنسان أن يغفل عن هذا الميزان الصحيح، ودليل ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَنَعَم؛ التنازع حاصل، وكلٌّ يدعي أنه على الحق، ولكن متى ما عرفت ما عند كل قوم، ووزنته بهذا الميزان انجلت لك الأمور، وظهرت لك الحقائق، فلا تغفلن عن هذا الميزان.
فبالتالي الطريقة الصحيحة ليست طريقة فلان أو فلان من الناس، إنما هي طريقة واحدة هي طريقة المتبِّعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فبهذه الثلاثة (كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، بفهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم) تكون الطريقة صحيحة، أمَّا ما عداها فهي طرق باطلة.
وقد يقول قائل: إن عند بعض الناس-وعند بعض الطرق-شيئًا من الحق؛ فيكون لهم من الفضل مثله.
فنقول: إن ما عندهم من الحق موجود عند أهل السنة وزيادة، فلا فضل لهؤلاء.
وهذه المناهج القديمة والحديثة-كما ذكرنا-لا تخرج عن ثلاثة: إما منهج عقلاني يقوم على تقديس العقل وتقديمه، وبالتالي إقصاء الكتاب والسنة، وعلى هذا جرى مَنْ جرى قديمًا وحديثًا من الفلاسفة وأهل الكلام، وكذلك الأفكار والجماعات التي تخرج اليوم تعود إلى هذه الأصول والجذور التي خرجت منها الفلاسفة وأهل الكلام؛ فجماعة تنشأ في بيئة أشعرية أو في بيئة صوفية، لا يمكن أن
[ ٢ / ٢٧ ]
تَخرج عن تلك الثوابت التي عند هؤلاء، فبالتالي تلازمهم هذه الثوابت.
ويقابلها فئة أخرى قدَّست الأشخاص وقدَّمتهم.
وبالتالي فإن كل فساد قديم وحديث لا يَخرج عن:
- أناس قدموا آراءهم وأهواءهم وعقولهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
- أناس قدسوا أشخاصًا ورفعوهم فوق قدرهم، وقدموهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
ومِن منهج أهل السنة: أن الانتصار لشخص بعينه لا يكون إلا لشخص واحد، وهو الرسول ﷺ، ولا يكون إلا لطائفة بعينها، وهم الصحابة رضوان الله عليهم. فبالتالي عندما يقرر أبو نُعيم الأصبهاني هذه الحقيقة؛ فيقول: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة»، يرسم لك بذلك منهجًا تسير عليه إن جعلته نصب عينيك وهدفًا تسعى لتحقيقه، وهو الاتباع وترك الابتداع.
ولذلك لا بد من محاربة داءين:
- الشرك.
- والبدعة.
لأن كلًّا من الشرك والبدعة كانَا نتاجين لانحرافات أهل الباطل؛ لأن الشرك هدم التوحيد، والبدعة هدمت السنة، فَلِكَي يَنتصر الإنسان للكتاب والسنة فعليه اتباع هذا المنهج.
فقال الأصبهاني: «مما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»، وهذا يؤكد أن السلف ليسوا مُشَبِّهة، وليسوا مُفَوِّضة؛ لأنه قال هنا: «وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه»، ما قال: نقرؤها ولا نعلم معناها، بل أكد معناها بقوله: «وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»
لفظة "بائن" وكذلك لفظة "ذات" هذه الألفاظ تحمل معان صحيحة دلت عليها النصوص، وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها، وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب.
والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع.
كقول أهل السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته".
[ ٢ / ٢٨ ]
فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.
وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم".
فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود-هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (^١).
وقال أيضًا: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.
ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.
ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل" (^٢).
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني.
وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.
فهذا النقل يدل على إثبات علوه تعالى وإثبات استوائه، ويؤكد على أن عقيدة أهل السنة ليست تشبيهًا ولا تكييفًا ولا تفويضًا فيقول هنا: «لا يحل فيها، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه»، فهذا الكلام-أيضًا-يصبُّ في
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٢٩ ]
نفس الأمر وهو إثبات العلوِّ وإثبات الاستواء وإثبات سائر الصفات ما دام أن النص جاء بها.
لذا لا ينبغي أن يكون عند طالب العلم ذرَّةُ شكٍّ أو تردُّدٍ في إثبات صفة جاء بها الحديث الصحيح؛ فإذا صح الحديث فلا تتردَّد أن تثبت ما أثبته الله لنفسه، وأن تعتقد الاعتقاد الجازم أن ما أخبر به الرسول ﷺ حقٌّ كما أن ما أخبر الله به حقٌّ، وإلا يصبح حالنا كحال من وصفه النبي ﷺ بقوله: «يُوشِكُ أنْ يَقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقول: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فمَا وَجَدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ» (^١)، فأولئك القوم الذين يقولون: ما جاء في القرآن نصدِّق به، وما لم يَأت في القرآن لا نُصَدِّق به، وهؤلاء يُسمُّون أنفسهم: القرآنيين، وهم قومٌ قد وصفهم النبي ﷺ وسمَّاهم؛ ونحن نصدِّق بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فينبغي التصديق والتسليم بما جاء به النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر: «سنن أبي داود» (٤٦٠٥)، والترمذي (٢٦٦٣)، وابن ماجه (١٣)، وأحمد في «المسند» أَحَادِيث رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٢٣٨٦١)، وضعفه الألباني في «المشكاة» (١/ ٥٨).
[ ٢ / ٣٠ ]
(١٢٥) «وقال الحافظ أبو نُعَيْم في كتابه «محجة الواثقين ومَدرجة الوامقين» (^١)، تأليفه: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه (^٢)، كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان (^٣)، خلافًا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وَسِعَ السموات والأرض، وهو قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وكرسيه جِسم، والسموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فَلَاة (^٤)، وليس كرسيه علمه، كما قالت الجهمية، بل يُوضع كرسيه يوم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما زال مخطوطًا؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٧١)، والسفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٩٦). والوامق: هو المحب. والمدرجة: المذهب والمسلك.
(٢) انظر: «شرح الأصول الخمسة» (ص ٢٢٦، ٢٢٧)، و«أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٢ - ١١٤)، و«مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٤). وقد رَدَّ شيخُ الإسلام على مَنْ فَسَّر الاستواءَ بمعنى الاستيلاء من وجوه عِدَّة. انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٤٩، ٢٢٦)، و«درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٧٨، ٢٧٩). وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٣١، ١٣٢)، و«أقاويل الثقات» لمرعي بن يوسف الحنبلي (ص ١٢٣ - ١٢٦). وقد أبطل ابن القيم ﵀ قولهم هذا من اثنين وأربعين وجهًا. انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ١٢٦ - ١٥٢).
(٣) ذكر شيخ الإسلام أنَّ نفاة العلو من الجهمية قِسمان: قسم يرون أنه في كل مكان، وهذا يَغلب على الصوفية العُبَّاد والعوام. وقسم يذهبون إلى النفي المطلق، وينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعًا. وهذا يغلب على نُظَّارهم والمتكلمين منهم، وأهل البحث والقياس، ومِن هؤلاء الفلاسفة. انظر «الفتاوي» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣).
(٤) ورد في الأثر عن ابن عباس ﵁: أنَّ الكرسيَّ مَوضع القدمين. رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٤٨) (١٥٤)، وابن أبي شيبة في «العرش» (٦١)، والدارمي في «الرد على المريسي»، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٨٢)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٠٢)، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ١٦٣). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل». رواه عبد الله بن أحمد في «السنة»، وابن أبي شيبة في «العرش» (٦٠)، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٧)، والألباني في «مختصر العلو» (ص ١٢٣، ١٢٤).
[ ٢ / ٣١ ]
القيامة لِفَصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ (^١)، وأنَّه- تعالى وتقدس- يَجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، والملائكة صفًّا صفًّا»؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده؛ فيغفر لمن يشاء من مُذنبي الموحدين، ويُعَذِّب مَنْ يشاء، كما قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]».
الأمر جارٍ نفس المجرى، وهو إثبات ما جاءت به النصوص، ولكن هنا تعرَّض لقضايا تفصيلية، وهي إثبات العلوِّ، وإثبات الاستواء، وإثبات العرش، وإثبات الكرسيِّ. فهذه النصوص تشهد بعقيدة أهل السنة، وهذا يُفَنِّد زعمَ الأشاعرة والماتريدية الذين أنكروا ذلك، وحقيقة قول الأشاعرة والماتريدية إنما هو قول الجهمية.
فانظر إلى سلف أهل السنة، وانظر إلى سلف هؤلاء؛ تجد أن سلف أهل السنة هم الصحابة والتابعون هم من ساروا على هذا النهج، وانظر إلى سلف الأشاعرة والماتريدية تجد أن منهجهم هو منهج الجهمية. فهذه التأويلات التي يردِّدها الأشاعرة اليوم إنما هي بعينها تأويلات بشر المريسي، وبشر المريسي كان يقول بقول الجهمية. فأين سلف هؤلاء مِنْ سلف هؤلاء؟!
_________________
(١) عن جابر ﵁ قال: «لمَّا رجَعتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ مُهاجرةُ البحرِ قالَ: «ألا تحدِّثوني بأعاجيبِ ما رأيتُمْ بأرضِ الحبشَةِ». قالَ فِتيةٌ منهم: بلَى يا رسولَ اللَّهِ؛ بينا نحنُ جلوسٌ مرَّت بنا عجوزٌ من عجائزِ رَهابينِهِم تحملُ علَى رأسِها قُلَّةً من ماءٍ فمرَّت بفتًى منهم، فجعلَ إحدى يدَيهِ بينَ كتفيها، ثمَّ دفعَها فخرَّت علَى رُكْبتَيها؛ فانكسَرت قُلَّتُها، فلمَّا ارتفَعتِ التفتَتَ إليهِ، فقالَت: سوفَ تعلَمُ يا غُدَرُ إذا وضعَ اللَّهُ الكرسيَّ وجمعَ الأوَّلينَ والآخِرينَ وتَكَلَّمتِ الأيدي والأرجلُ بما كانوا يَكْسِبونَ؛ فسوفَ تعلَمُ كيفَ أمري وأمرُكَ عندَهُ غدًا! قالَ: يقولُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «صدَقَتْ، صدَقَتْ، كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يُؤخَذُ لضَعيفِهِم من شديدِهِم». أخرجه ابن ماجه (٤٠١٠) واللفظ له، وأبو يعلى (٢٠٠٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١٨٩٥٤)، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٥٥).
[ ٢ / ٣٢ ]
فتجد أن منهج أهل السنة منهج إثبات وتصديق وإيمان وتسليم. وأما منهج أولئك فهو منهج رد وطعن؛ إمَّا طعن في الأدلة من حيث ثبوتها، وإما طعن في دلالتها؛ فما استطاعوا أن يطعنوا في ثبوته طعنوا فيه، وما لم يستطيعوا الطعن في ثبوته طعنوا في دلالته. وبالتالي حرَّفوا وبدَّلوا وغيَّروا، وهذا لا يمكن أن يُقبل في أصل الدين الذي هو توحيد الله ﷾ الذي قام على أصلين: (التوحيد والاتباع).
وكل مَنْ في قلبه غيرة لدينه ولعقيدة أهل السنة والجماعة، فإنه لا يَقبل أن يخدش توحيد الله ﷾ بأي خدش.
وقد أجمع السلف على أن الله ﷾ فوق سماواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه، لا مُستولٍ عليه كما تقول الجهمية، وكما يقول أذنابهم وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية الذين قالوا: إن الله بكل مكان.
وكلام هؤلاء دائر بين حالين:
الحال الأولى: نفي وجوده ﷾؛ فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته. فبهذا لم يثبتوا له وجودًا أصلًا.
والحال الثانية: حال مَنْ قالوا: إنه في كل مكان.
وليس أشر من هذا إلا هذا، فهم بين شَرَّين: إما أن ينفوا وجوده ﷾، وإمَّا أن يزعموا أنه في كل مكان.
ولا ندري ما يَضيرهم لو أثبتوا لله ﷿ عُلُوًّا يَليق بجلاله بدل هذا التخبُّط الذي وَقعوا فيه، ومعهم في ذلك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، ألم يقل ﷾: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؟ ألم يقل ﷾: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]؟ ألم يقل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]؟ ألم يُعرج بالنبي ﷺ حتى بَلَغ سدرة المنتهى وخاطبه الله ﷿ بالصَّلاة؟ فما موقفهم من هذه النصوص؟
فوالله ما أبعدهم عن الاعتقاد الصحيح إلا آراؤهم الفاسدة؛ لأنهم في الأساس لم يَجعلوا من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ سبيل هداية وطريق نجاة، فبالتالي زَلُّوا وضلُّوا، والله تعالى تعهَّد بالهداية لمن تمسَّك بالكتاب والسنة؛ قال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، إذًا ضمن الله تعالى الهداية لمن أخذ بكتابه وأخذ بسنة نبيه ﷺ، ولا شك أنَّ من حاد عن ذلك فهو في ضلال، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[ ٢ / ٣٣ ]
[الإسراء: ٩]، ويقول جل وعلا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ فينبغي على الإنسان أن يَعلم أن سبيل الهداية إنما هو الأخذ بالكتاب والسنة.
فلذلك ذكر الحافظ أبو نُعيم-في هذا الأمر-النصوصَ الواردة من إثبات علوه سبحانه، وإثبات استوائه، وإثبات الكرسي، وإثبات مجيئه ﷻ، وهذا ما شهدت به النصوص، وكَذَّب به هؤلاء؛ فكذبوا بعُلُوِّهِ، وكذبوا باستوائه، وكذبوا بوجود عرشه، وكذبوا بوجود كرسيِّه؛ فقالوا: «العرش: المُلْك، والكرسيُّ: العلم»، وكلما جاءهم نص أخذوا في إنكاره أو تأويله، لا لشيء إلا لأن عقولهم وأباطيلهم تقول بضد ذلك.
فمن هنا كما يقال: العاقل من اتَّعظ بغيره.
فهذه عظة ودرس لطالب العلم ينبغي أن يستفيد منه أمرًا عظيمًا، وهو: أن البعد عن الكتاب والسنة يؤدي إلى الإنكار والتكذيب، فإذا ابتعد الإنسان عن هذا الأصل (الكتاب والسنة)، وأخذ ينحى تلك المناحي وتلك السبل، فلا شك أنه على باطل، والله ﷾ قد نصحنا ووجَّهنا في ذلك؛ فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
لذا نكرر دائمًا أن على طالب العلم أن يلزم هذا المنهج، وأنه متى ما لزمه أنار الله ﷿ بصيرته، وأعطاه قدرة على التمييز بين ما هو حق وبين ما هو باطل، في هذا الباب وفي غيره من أبواب الدين؛ لأن هذه الأصول تلازم طالب العلم في كل أحواله.
وقوله: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه».
قال ابن القيم ﵀: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.
فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.
وأما المقيد فثلاثة أضرب:
أحدها: مقيد "بإلى" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
[ ٢ / ٣٤ ]
السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
الثاني: المقيد "بعلى" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون "بواو مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم" (^١).
ومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه".
قال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل -وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: "حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه" (^٢).
وقال ابن القيم: "إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول" (^٣).
ولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).
(٣) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).
[ ٢ / ٣٥ ]
بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^١).
وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٢).
وقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٣).
وقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع" (^٤).
وفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.
وأما أقوال المخالفين في هذه المسألة فهي على النحو الآتي:
الفريق الأول: نفاة الاستواء
سبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.
وإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).
[ ٢ / ٣٦ ]
وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.
وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:
القول الأول:
من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.
وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)،
والغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:
قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقال الآخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
وقال الآخر:
فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر-رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).
(٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).
(٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).
(٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).
[ ٢ / ٣٧ ]
قال: "استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان" (^١).
ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.
ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^٢)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٣).
الرد عليهم:
لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.
ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:
أولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣٢). وقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.
(٢) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).
(٣) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).
[ ٢ / ٣٨ ]
استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.
أما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^١).
ثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^٣).
فالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٤).
ثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).
(٣) "أخرجه البخاري في صحيحه، كتب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ (ح ٧٤١٨)، لفظ البخاري "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء.
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).
[ ٢ / ٣٩ ]
(٨٦)﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^١).
رابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^٢).
خامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم: إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.
فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: "هو كما أخبر ﷿"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: "اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٣)
"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟
فقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).
والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل" (^٤).
وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى
_________________
(١) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).
(٢) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)
[ ٢ / ٤٠ ]
استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.
وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب" (^١).
فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.
وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقول آخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.
قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما" (^٢).
فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
(٢) زاد المسير لابن الجوزي.
[ ٢ / ٤١ ]
﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد" (^١).
وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.
القول الثاني:
أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.
وهذا هو قول بعض الجهمية (^٢)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٣).
الرد عليهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.
وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!
هذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.
ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك" (^٤).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣١).
(٢) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).
(٣) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).
[ ٢ / ٤٢ ]
على ما لم يقله مسلم" (^١).
القول الثالث:
أن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (^٢)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.
الرد عليهم:
أن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^٣).
القول الرابع:
وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.
وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٤)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٥).
والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته-كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية -كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).
(٢) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).
(٣) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).
(٤) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.
(٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣). الأسماء والصفات (٥١٧). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).
[ ٢ / ٤٣ ]
وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية" (^١).
وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.
وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز" (^٢).
الرد عليهم:
لقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.
ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.
وقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.
ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).
(٢) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).
[ ٢ / ٤٤ ]
وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات المباينة له صفات كمال" (^١).
وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى" (^٢).
الفريق الثاني: القول بالتفويض
ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٣).
وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٤) وهو أحد قولي الرازي (^٥).
وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.
وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٦).
ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
_________________
(١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.
(٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).
(٤) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).
(٥) تلخيص المحصل (ص ١١٤).
(٦) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).
[ ٢ / ٤٥ ]
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (^١).
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (^٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (^٣).
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).
(٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).
[ ٢ / ٤٦ ]
والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^١).
والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
الفريق الثالث: قول المشبهة
والمقصود بهم الهشامية (^٢) من الروافض، والكرامية (^٣)، وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٤).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٢٥).
(٢) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة. انظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية. انظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٤) الملل والنحل (٢/ ٢٢).
[ ٢ / ٤٧ ]
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (^٢).
وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم".
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (^٣).
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).
(٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).
[ ٢ / ٤٨ ]
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾ لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.
ومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: "ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة") (^١).
وقال ابن القيم: "إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا
_________________
(١) تفسير القرطبي.
[ ٢ / ٤٩ ]
يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم" (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٥٠ ]
(١٢٦) «وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني-شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده-قال: أحببتُ أن أُوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين».
معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية، والصوفية قد مرت بمراحل؛ فكان أولها زهد وتجرد ولزومٌ لعقيدة أهل السنة؛ ولو قرأت في «الغنية لطالبي طريق الحق ﷿» لعبد القادر الجيلاني، أو في غيرها من كتب الصوفية للمتقدمين، تجد أن كلامهم في الاعتقاد هو نفس كلام السلف من أهل السنة، ولكن بعد ذلك صار فيهم ما صار من الانحراف والبعد عن المنهج الحق؛ بسبب ما دخل عليهم من الجهل.
وترك العلم الصحيح أدى بهؤلاء وغيرهم إلى الانحراف والشطط الذي عليه البعض الآن؛ لأن الإنسان إنما يهتدي بالعلم وبالنور، الذي جعله الله ﷾ طريقًا للهداية.
أمَّا إذا ترك الإنسان العلم فهذا أضر ما يكون عليه؛ لأن ترك العلم معناه الجهل، والجهل يُصيب الإنسان في العلم والعمل؛ فأصيب الصوفية بترك العلم، وهذا شيء خطير؛ لأن منهج أهل السنة يقوم على العلم والعمل معًا.
وأهل السنة في هذا الأمر يقابلهم فئتان: أهل الكلام وأهل التصوف.
فأهل السنة منهجهم يقوم على العلم والعمل معًا، فالعلم وحده لا يكفي لكي يكون العبد من أهل السنة؛ فلا يعتقدن بعض طلبة العلم أنه بمجرد ما فهم مسائل اعتقاد أهل السنة أن هذا يكفيه ويُغنيه عن العمل! فهو بهذا يكون قد حاد عن منهج أهل السنة، وهذا للأسف أمر يقع فيه بعض طلبة العلم؛ حيث تراه عارفًا بالمسائل ومدركًا لها، ويجيب فيها الجواب الصحيح، لكن تنظر له من ناحية العمل تجد أن عنده تقصيرًا فيه.
فهذا واقع وملموس، وهذا للأسف انحراف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن
[ ٢ / ٥١ ]
تيمية: «من دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلًّا، ومَن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًّا، وأضل منهما مَنْ سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورًا تُخالف الكتاب والسنة يظنها علومًا وهي جهالات. وكذلك مَنْ سلك في العبادة طريق أهل البدع؛ فيعمل أعمالًا تُخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات، وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة.
وطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقًا الشريعة.
فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يَسلك بعلم يُوافق الشريعة، وإلَّا كان ضالًّا عن الطريق، وكان ما يُفسده أكثر مما يصلحه. والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يُتابع الشريعة ويَعمل بعلمه وإلَّا كان فاجرًا ضالًّا عن الطريق. فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم» (^١).
فمن كان عنده علم بدون عمل ففيه شَبَهٌ بأهل الكلام؛ لأنهم اهتموا بالعلم وامتدحوه وأهملوا العمل، وجاء الصوفية في المقابل؛ فاهتموا بالعمل وامتدحوا وأهملوا العلم.
فهذه القسمة مهمة لطالب العلم جدًّا؛ لأنها أشبه بجناحي الطائر، فإذا أردت أن تكون سُنِّيًا سلفيًّا فلا غنى لك عن هذين الجناحين: (العلم والعمل).
ولذلك حمل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الحارث المحاسبي؛ حيث وجده مهتمًّا بالكلام في محاسبة النفس وأخذها بالشدة وسلوك طريق التقشف التي لم يَرد بها الشرع مُتَقَلِّلًا من شأن العلم النافع (الكتاب والسنة).
ومنهج أهل السنة يرفض ذلك رفضًا تامًّا، فأهل السنة يقولون: لا بد من العلم والعمل معًا، وينبغي أن يكون كلٌّ من العلم والعمل مبنيًّا على الكتاب والسنة، فينبغي أخذ العلم من الكتاب والسنة، وينبغي كذلك أخذ العمل من الكتاب والسنة.
فأهل الكلام اهتموا بالعلم فقط، وأهملوا العمل، ولذلك إذا قرأت في كتبهم تجد التركيز على القضايا العلمية (النظرية)، ولا تجد فيها ذكرًا لجانب العمل.
ولذلك تلمس الآن في واقعهم: أنَّ الأشعرية منهم بحاجة ماسة إلى العمل؛
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ١١، ١٢).
[ ٢ / ٥٢ ]
فيلجأون إلى الصوفية؛ فيضمون إلى باطلهم باطلًا آخر؛ لأن علمهم لم ينبنِ على الكتاب والسنة.
وهذا أوقعهم في تخبط شديد، حتى إن الشيطان دخل عليهم من هذا الباب، وخيَّل لهم أنهم يرون الله، وأنه يُكشف لهم الحجاب، وغير ذلك من أباطيلهم وترهاتهم.
ولذلك نحذر طلبة العلم-الذين يحرصون على اتباع منهج السلف-من إهمال جانب العمل، ونعم، نرى في الكثير من طلبة العلم حرصًا على طلب العلم وتحصيله وجمعه، ولكنهم في العمل على حال بعض أهل الكلام، وبالتالي نذكرهم بقول شيخ الإسلام: «إن مَنْ كان فيه ترك للعمل ففيه شبه بأهل الكلام» (^١). وليس هذا من منهج أهل السنة، وإنما منهج أهل السنة هو (العلم والعمل) معًا؛ لأن العلم حجة على صاحبه إذا لم يَعمل به.
وقد ثبت في الحديث الصَّحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذَبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فَأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تَعَلَّمت العلم وعَلَّمْتُه وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وَسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فَأُتِي به فعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار» (^٢).
فإذا كان هدفك من تحصيل العلم أن تَجعله مجرد أداة تتحصل بها على متاع الدنيا؛ كمنصب أو منزلة أو مال دون أن تعمل بما علمت، فلا بد أن هناك خللًا في النية وبعدًا عن منهج أهل السنة والجماعة.
فالصوفية في بدايتها كانت زُهدًا وتجردًا، ولكن بسبب الميل إلى جانب العمل
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الثامن صفحة (٧٠).
(٢) رواه مسلم (١٩٠٥).
[ ٢ / ٥٣ ]
والتقليل من جانب العلم، نتج عن ذلك ظهور فئة منهم عندهم جهل، ثم تبع ذلك انحراف عن معتقد أهل السنة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فترى المتصوفة ليسوا من أهل علم، ولا عندهم حرص عليه.
وتجد أن ما عندهم من أذكار وأوراد يقدمونها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وترى من حرصهم على التربية أنهم يهملون جانب العلم تمامًا، فبالتالي نتج عن ذلك التخبط الذي وقعوا فيه.
[ ٢ / ٥٤ ]
«قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تَشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه ﷿ مُستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة؛ لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق». (^١)
فهذا الأصبهاني من شيوخ الصوفية في حدود المائة الرابعة أوصى أصحابه بهذه الوصية، ومن هذه الوصية إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الاستواء على العرش.
فهذه أمور واضحة قرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة العلو والاستواء وقد سبق تقريرها في بداية الشرح.
_________________
(١) انظر: «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٥٥ ]
«وإنَّ الله ﷿ سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا (^١)، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: «فيقول: هل مِنْ داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل مِنْ تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (^٢).
ونزول الربِّ إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل؛ فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا» (^٣).
ثم بعد ذلك ذكر جملة من الصفات منها السمع، والبصر، والعلم، والخبرة، والكلام، والرضى، والسخط، والضحك، والعجب، والتجلي، والنزول، وقرَّر عقيدة أهل السنة في هذه المسائل.
والأصبهاني ليس وحده في هذا، حتى عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية»، يقرر-أيضًا-هذه العقيدة، وسينقل عنه شيخ الإسلام بعد ذلك، وهكذا-أيضًا-وأبو إسماعيل الهروي صاحب «منازل السائرين» يقرِّر هذه العقيدة.
فقديمًا كانت مسائل الاعتقاد واضحة عند الصوفية المتقدمين، وكانوا على الطريق المستقيم فيها، وإن وجد بعض الخلل في النواحي الأخرى، لكن كانت أمور الاعتقاد العلمية صافيةً إلى أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت الآن الصوفية شريكة الأشعرية أو شريكة الماتريدية، وأصبح لا يستغني أحدهما عن الآخر، وقامت مدارس ومعاهد تقرر معتقد الأشعرية؛ وترى أحدهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة، أو رفاعي الطريقة، أو أحمدي الطريقة، أو شاذلي الطريقة، إلى غير ذلك من الطرق التي لا حَصر لها ولا عدد.
وهذا يؤكد البعد عن الكتاب والسنة؛ مصداقًا لقوله ﷾: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
_________________
(١) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٩).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ١٩١)، و«اجتماع الجيوش» لابن القيم (ص ٢٧٦)، و«العلو» للذهبي (ص ١٧٧).
[ ٢ / ٥٦ ]
(١٢٧) «وقال الشيخ الإمام أبو بكر؛ أحمد بن محمد بن هارون الخَلَّال في كتاب «السنة»: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا إبراهيم بن الحارث-يعني العبادي-حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر-وهو صاحب الفُضَيْل-قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.
وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة (^١)، وهذا الاطلاع (^٢)، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع؛ فليس لنا أن نتوهَّم كيف وكيف. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن بربٍّ يَفعل ما يشاء».
ونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري في «خلق أفعال العباد» (^٣).
ونقله شيخ الإسلام (^٤) بإسناده في كتابه «الفاروق» فقال: حدثني يحيي بن عمار، ثنا أبي، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حَرَميّ بن علي البخاري، وهانئ بن النضر، عن الفضيل».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كما في حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما مِنْ يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟». رواه مسلم (١٣٤٨).
(٢) كما في حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وفيه: فقال عمر بن الخطاب ﵁: «دعني يا رسول الله، أضرب عنقه-أي: حاطب-فقال رسول الله ﷺ: «إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله ﷿ اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». رواه البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤).
(٣) وقد نقل البخاري الجزء الأخير من ذلك من قوله: «فإذا قال لك الجهمي …»، ورواه عنه معلقًا. انظر: «خلق أفعال العباد» (ص ٣٦). ورواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٥٢)، وأبو إسماعيل الصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٥٠).
(٤) أي: أبو إسماعيل الهروي.
[ ٢ / ٥٧ ]
هذا نقلٌ عن الفضيل بن عياض في مسألة الكيفية، وقد علمنا أن من معتقد أهل السنة والجماعة عدمَ الخوض في الكيفية، وقد قَعَّد الإمام قاعدةً في هذا فقال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه».
فلا يجوز للإنسان أن يخوض في الكيفية؛ لا بفكره ولا بخواطره ولا بلسانه، ولا حتى بمجرد السؤال عن ذلك؛ باعتبار أن هذا الأمر أمرٌ قد غَيَّبه الله ﷾ عن عباده، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله ﷿ لم يُطْلِعِ الخلقَ على كيفية ذاته؛ قال ﷻ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فلذلك مِنْ وصية الفضيل بن عياض هنا أن قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو» (^١)، أي: أنه ليس لواحد منا أن يَخوض في هذه المسألة بفكره أو برأيه، فينبغي على الإنسان أن يُوصد هذا الباب؛ لأن أيَّ كلام فيه يُعَدُّ من التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وقد قال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فلا يجوز التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنه ليس لقائل ولا لطالب علم ولا لخائض في هذه المسائل: أن يتحدث عن أمر الكيف، وإذا خطر للإنسان خاطر في ذلك، فعليه أن يَرُدَّ هذا الخاطر إلى النصوص، وأن يقف عند الحد الذي أوقفنا الله ﷿ عنده.
والمؤمن يَمتثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فأمرٌ لا عِلم لك به، لا يجوز لك أن تَدخل فيه بأي حال من الأحوال.
وعلَّل الفضيل بن عياض ذلك فقال: «لأنَّ الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤: ١]».
_________________
(١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٦٢).
[ ٢ / ٥٨ ]
والشاهد من هذه السورة: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فمعلوم أن الشيء إنما تُعْلَم كيفيته من وجوه:
الأول: برؤيته ومشاهدته، فالإنسان متى ما شاهد الشيء ورآه استطاع أن يصفه، وهذا كما نعلم جميعًا أنه في حق الله تعالى مُمتنع، وحديث النبي ﷺ واضح في ذلك حيث قال للصحابة رضوان الله عليهم: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فإذًا فباب رؤية الله تعالى والاطلاع على كيفية ذاته-مَوصود إلى قيام الساعة.
الثاني: وجود النظير المماثل أو المساوي للشيء؛ فأنت إذا رأيت شخصًا، ثم رأيت من يشبهه قلت: هما في الهيئة والشكل سواء، ولذلك قال الله ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ومعنى الكفو أو الكفؤ على القراءة الأخرى المتواترة: هو المَثيل والشبيه والنظير. فإذًا ليس هناك مثيلٌ لله حتى نقيس الله ﷾ عليه.
فإذًا لم يبقَ لنا أيُّ طريق لمعرفة الكيفية، فهذا باب موصود، وبالتالي لا يجوز الخوض فيه بأيِّ حال من الأحوال، وهذه من الأسس الثابتة في منهج أهل السنة والجماعة.
ثم قال بعد ذلك: «وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع»، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، كيف يضحك؟ كيف ينزل؟ كيف استوى؟ كيف يباهي؟ كل هذه أمور غيبية بالنسبة لنا، فينبغي على طالب العلم ألا يتجرَّأ في هذا الباب وألا يخوض فيه ولو بمجرد التعبير.
فَمِنْ معتقد أهل السنة: أن الإنسان إذا أثبت صفةً من الصفات، فقال مثلًا: ينزل ربنا ﵎ للسماء الدنيا، أن يقول في ذلك: كما يليق بجلاله وكماله، والله أعلم بكيفية نزوله، وهكذا، والله يضحك ﷾ كما يليق بجلاله وكماله ﷾، والله أعلم بكيفية ذلك.
ففي كل هذه الصفات يجب على الإنسان أن يقف فيها على النص، ومعلوم أن العبد إذا تمسك بذلك فقد تميَّز عن طوائف التعطيل وطوائف التشبيه؛ لأن طوائف
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ٢ / ٥٩ ]
التعطيل يقولون مثلًا: لا نعقل من الضحك إلا تكشير الأنياب. وهذا سوء تعبير؛ لأن الذي أخبر بالضحك هو النبي ﷺ. وضحك الله هو كما يليق بجلاله وكماله ﷿.
فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يخوض في شأن هيئة هذا الضحك، أو كيفيته، وفي الوقت ذاته لا يجوز له أن يُؤَوِّل أو يُحَرِّف هذه النصوص؛ لأنها نصوص واضحة في إثبات تلك الصفات، ولا تقبل تلك التأويلات بأيِّ حال من الأحوال.
ثم يقول الفضيل: «فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء» (^١). فهكذا جواب أهل السنة؛ أنهم يتمسكون بهذه النصوص ويعتصمون بها ويثبتونها لله ﷿؛ لأن الله ﷿ قد أخبر بها، وكذلك رسوله ﷺ قد أخبر بها.
ولذلك لما قال بعض هؤلاء: إذا أثبت جهة العلو يَنبغي أن تثبت جهة السفل؛ لأن مَنْ له فوق له تحت (^٢)!
وهذه شُبهة من شبهات الجهمية؛ قالوا: إذا أثبت لله ﷿ جهة العلو فيجب أن تثبت له جهة السُّفل، أو تثبت له التحتية كما أثبتَّ له الفوقية والعُلُوَّ.
فما كان جواب أهل السنة إلا أن قالوا: لو أثبتَ الله لنفسه التحت، لأثبتناه له كذلك، لكننا لم نثبت العلوَّ له من تلقاء أنفسنا، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه ﷿؛ لذلك فنحن نُثبت له ما أثبته لنفسه ابتداء.
فانظر إلى جواب أهل السنة الذي يلجم كلَّ معارض في هذا، فالله ﷿-هو الذي أثبت لنفسه جهة العلوِّ، وهو الذي أثبت لنفسه الاستواء على العرش، فهذا أمر لم يَصدر من البشر ولم يصدر منا في حقه ﷾!
فعندما قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكان، كان جواب السنِّي: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء.
فالمؤمن يُسَلِّم بخبر الله ﷿ ويؤمن به ولا يُكذبه، بخلاف أهل التعطيل الذين أنكروا ذلك وحاولوا جاهدين أن يَنفوا تلك الصفات بأنواع وطرق من التأويلات قد ذكرناها سابقًا.
فمثلًا لو جئت للجهمية أو المعتزلة، وكذا غالب الأشاعرة والماتريدية، لوجدتهم
_________________
(١) انظر: «خلق أفعال العباد» للبخاري (ص ٣٣).
(٢) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٣١٩).
[ ٢ / ٦٠ ]
-مثلًا-ينكرون الاستواء، ويُؤوِّلونه بالاستيلاء، ويؤوِّلون اليد بالنعمة، أو القوة، أو القدرة، وهكذا.
وقدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وقالوا: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.
وتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.
وبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.
وتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (^١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.
فطرقهم في التأويل متعددة، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر من ذلك كله، وأن يُثبت الصفة كما أثبتها الله ﷿ لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ، ويؤمن بمعناها، ويَكِلُ أمر الكيف إلى الله ﷿، مع اعتقاده في نفس الأمر أن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ بمعنى: أن لله ﷿ خصائص في ذلك الأمر لا يعلمها البشر.
_________________
(١) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص ٥٨).
[ ٢ / ٦١ ]
(١٢٨) «وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سَمَّاه: «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، وذكر أنه يُوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد».
نقل المصنف كلام الهروي في كتابه «الفاروق»: الذي سَمَّاه «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، وذكر «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، يقصد وسائل الشيطان في هذا الباب، ومعلوم أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم.
فالشيطان يأتي لبني آدم من بابين هما:
باب الشهوات.
وباب الشبهات.
فإن وجد في العبد ميلًا للشهوات جاءه من باب الشهوات، وإن وجد فيه صلابةً وقوة دين دخل عليه من باب الشُّبهات.
فعلى الإنسان أن يحذر من ذلك، فلا يظنن أنه بمجرد نجاته من الشهوات المحرمة وبُعْدِهِ عنها أنه قد سلم ونجا! لا، فإن الشيطان سيدخل عليه من الباب الآخر؛ باب الشبهات.
ومن الشبهات التي يلقيها الشيطان على ابن آدم: القنوط، أي: يُيَئِّسُ الإنسان من رحمة الله ﷿، ويجعله يظن أنه هالك، وأنه لا سبيل إلى نجاته لما وقع فيه من مُحرمات؛ فيأتيه الشيطان من هذا الباب.
أو يأتيه من باب الغرور وطول الأمل، فيجعله يسوِّف الساعة وراء الساعة، واليوم وراء اليوم، والشهر وراء الشهر؛ وتمضي الأيام وهو في غرور وطول أمل.
فالشيطان يأتي للإنسان من هذا الباب، وله طرق متعددة.
ومما لا شك فيه أن الجهل من أخطر ما يكون على المسلم، لذا فإن الشيطان إذا وجد في الإنسان جهلًا أوقعه في أحد أمرين خطيرين: إمَّا التساهل والانحلال، وإمَّا الغلو والتشدد.
[ ٢ / ٦٢ ]
وهذا كثير في الناس اليوم، إمَّا أن تراه متساهلًا غير ملتزم بأمور الدين، فقد يكون مضيعًا لفرائص الإسلام، واقعًا في الشهوات المحرمة، مبتعدًا عن هدي الإسلام في هيئته ولباسه وكلامه وحياته كلها.
وإما أن تراه غاليًا متشددًا في الدين على جهل.
فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، لما يَرى عنده من قلة علمٍ، فيبدأ بعد ذلك يزين له الآراء والأحكام والأقوال المتشددة، حتى يوقعه في غلُوٍّ يُخرجه عن هذا الدين، والنبي ﷺ حَذَّرنا من الغلُوِّ في الدين؛ فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (^١)، وقال هذا عند لقط الحصى من المزدلفة، فنهى عن الغلُوِّ في قدر الحصى، فما بالنا في سائر أمور الدين؟
وبَيَّن النبي ﷺ حال الخوارج، فقال: «تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» (^٢).
إذًا هم أهل دين والتزام، حتى إن أحدهم من كثرة تعبُّده وصلاته وصيامه يفوق الصحابة في ذلك، ويحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وفي كتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم، بيان لمسالك ودروب الشيطان التي يَسلكها مع بني آدم فيجدر الاطلاع عليه.
وينبغي على الإنسان أن يحذر هذه الأبواب، وأن يُغلقها جميعًا، ولا يظن أنها باب أو بابان أو ثلاثة، بل هي أبواب كثيرة، والنجاة من ذلك كله أن يعتصم الإنسان بالعلم الصحيح والعمل الصحيح؛ لأن الشهوات تأتي في ناحية الإرادة والعمل؛ والشبهات تأتي في ناحية التفكير والنظر، فإذا سلِم الإنسان في فكره ونظره لا يسلَم حتى يكون على علم، وإذا سلِم في إرادته لا يسلَم حتى يكون على عمل صحيح، فبالتالي يغلق أبواب الشر كلها على الشيطان.
_________________
(١) انظر «سنن ابن ماجه» برقم (٣٠٢٩)، والنسائي (٣٠٥٧)، وأحمد في «المسند»، (ومِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (١٨٥١)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٦/ ٧٠): «صحيح».
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ)، بَاب (قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ)، برقم (٦٩٣١)، ومسلم كِتَاب (الزَّكَاةِ)، بَاب (ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ) (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، وابن ماجه (١٦٩)، والنسائي (٢٥٧٨)، ومالك (١٠)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٢٨٥).
[ ٢ / ٦٣ ]
فإذا بنى الإنسان فكره ونظره على علم صحيح، مَيَّز فيه بين ما هو من دين الله تعالى وما ليس من دينه ﷿. وهذا كله إنما يتأتى من العلم المبنيِّ على الكتاب والسنة، ولذلك لا تَستغرب عندما يبوِّب البخاري بابًا بعنوان: «باب العلم قبل القول والعمل»؛ لأن العلم يَحرس الإنسان ويحميه وينجيه بإذن الله-﷿-من المهالك.
فالإنسان بحاجة إلى ما يُصحِّح به نظره وفكره، حتى تستقيم لديه الموازين؛ فيَعرف ما ينفعه وما يضره، وهذا إنما يتأتى بالعلم؛ لأن هذا العلم مِنْ أول ما يغرس في هذا الإنسان معرفة الله ﷿، ولذلك الجهل إنما يؤدي إلى الجهل بالله ﷿، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وتأمل قوله تعالى: ﴿فأنساهم أنفسهم﴾؛ بمعنى: أن يصل الإنسان إلى حالٍ لا يَعرف فيه ما يصلحه وينفعه.
وانظروا إلى أولئك الذين نراهم في هذه الدنيا وقد أصبحوا في عداد البهائم وصاروا لا يعرفون الله ﷿، وترى مِنْ أحوالهم ما الله به عليم، من ضياع لأنفسهم في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا.
فانظر-مثلًا-إلى الأماكن التي يجتمع فيها هؤلاء؛ فترى الواحد منهم يتعاطى السم الزعاف، ويُهلك صحته التي وهبها الله ﷿ له، وتراه غارقًا في لهوه وتجري به الأيام حتى ينتهي عمره، ثم بعد ذلك يلقى مصيره عند الله ﷿.
وانظر في المقابل إلى الذين عرفوا الله ﷿، وتعلموا العلم؛ فأصبح هذا العِلم يَقيهم مصارع السوء، وأصبح حصنًا لهم يَرجعون إليه في نظرهم وفكرهم وموازينهم، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ فأنقذهم الله ﷿ به.
فالشاهد: أن الشيطان يأتي للإنسان من هذين البابين: (باب الشهوات، وباب الشبهات)، خاصَّةً إذا كان عند الإنسان دين؛ لأن صاحب الشهوة قد صار في حزب الشيطان وسلك طرقه، فيكون الشيطان قد انتهى من شأنه، ولا حاجة للشيطان أن يشغله بشيء آخر، وإنما يسعى الشيطان سعيًا حثيثًا إلى مَنْ هو على طريق الهداية.
وقد أخذ عدو الله عهدًا على نفسه؛ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣: ٨٢].
فمن كان من عباد الله المخلصين نجا من هذا العدوِّ اللعين؛ الذي يتربَّص بالإنسان إلى آخر لحظات حياته.
هذا وليعلم مع ذلك أن كيد الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
[ ٢ / ٦٤ ]
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، فلا يظنن أحد أنه لا سبيل إلى دفعه أو رده.
والنبي ﷺ يقول عن الشيطان: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (^١)؛ فلا يملك إلا الوسوسة؛ بأن يلقي في نفس الإنسان الهمزات السيئة لفعل المعاصي والشبهات.
وإذا تحصن العبد بالعلم الصحيح وبالعمل الصحيح فهيهات للشيطان أن يجد منفذًا إليه، فينجو بذلك من وساوسه وهمزاته وخطواته.
_________________
(١) انظر: «سنن أبي داود»، برقم (٥١١٢)، وأحمد في «المسند»، (ومِن مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (٢٠٩٧)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٩/ ٣٦): «حسن صحيح».
[ ٢ / ٦٥ ]
«فقال: «من أعظم ما يُوسوس في التوحيد بالتشكيك، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل». فقال بعد ذكر حديث الوسوسة».
الشيطان جاء لكثير من المتصوفة وخيَّل لهم وأوهمهم أنه هو الله، ولذلك نذكر قصة النبي ﷺ مع ابن صَيَّاد، حيث قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ: «ماذا ترى؟». قال: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ» (^١).
هذا في قصة ابن صياد، وابن صياد كان يُظن أنه هو الدجال، وهو من يهود المدينة؛ فرآه النبي ﷺ واجتمع به، وكان بينه وبين النبي ﷺ حوارًا، فقال له النبيُّ: «إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا فَمَا هُوَ؟». قَالَ: الدُّخُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْسَأْ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (^٢)، وكذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماذا ترى؟ قال: «أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ».
فبعض المتصوفة إنما انحرفوا وصاروا إلى ما صاروا إليه؛ لما تركوا العِلم؛ فكثر فيهم الجهل، إلى أن أوهمهم الشيطان أنه يكشف لهم الحجاب، وأنهم يرون الله ﷿.
فهذا هو المقصود بالتشكُّل: أن الشيطان يَتشكل لهؤلاء، ويوهمهم أنهم يرون الله ﷿، وهم في الحقيقة إنَّما يرون شيطانًا.
ومن مداخل الشيطان على هؤلاء: إيهامهم بالتشبيه والتمثيل، والخوض في الكيفية، أو بالجحد لها والتعطيل: «فقال بعد ذِكر حديث الوسوسة»، وحديث الوسوسة معروف، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا للنبي ﷺ: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. فقال النبي ﷺ: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟». قَالُوا:
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٥)، والترمذي (٢٢٤٧)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٩٢٦).
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْر ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٤)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦١٠)
[ ٢ / ٦٦ ]
نَعَمْ. قَالَ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^١).
فالذي وجدوه هو ضيق الصدر وتعاظم واستكبار هذا الأمر؛ لأنهم قالوا: «إن أحدنا ليجد في نفسه ما لِأَن يَخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به»؛ فقال النبي ﷺ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ».
فضيق الصدر دليل على قوة الإيمان، ودليل على أن هذا خاطر يَمر من خواطر الشيطان؛ وعلاجه: أن يقطعه، وأن يستعيذ الإنسان من الشيطان الرجيم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
فالشيطان دائم الوسوسة لابن آدم، فعليه أن يعود إلى حِصن الإيمان، وإلى العقيدة الصحيحة ليستمسك بها ويلجأ إليها؛ فهي النجاة والمخرج من هذه الوساوس.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (^٢)، أي: لينتهِ عن التفكير في هذه الخطرات الشيطانية، وليستعذ بالله ﷿ من هذا الخاطر ولا يسترسل في التفكير فيه.
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم» كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا)، برقم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٩٦٩٤).
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْء الخَلْقِ)، بَاب (صِفَة إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ)، برقم (٣٢٧٦)، ومسلم، كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا) (١٣٤)، وأبو داود (٤٧٢١)، وأحمد في «المسند»؛ مُسْنَد (الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٨٣٧٦).
[ ٢ / ٦٧ ]
«واعلم-رحمك الله-أن كُلَّ ما توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حُسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح (^١) مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك».
أحيانًا تأتي للإنسان خواطر وسوانح وأفكار وأوهام في ذات الله، والله ﷿ منزَّه عن ذلك.
قال: «من حُسن، أو بهاء، أو ضياء، أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك». يعني: ثِق ثقةً تامَّةً أن هذا الذي رأيت، أو هذا الذي خَطر في بالك، أو هذا الذي توهمته ليس هو الله ﷿؛ لأن بعض الصوفية إنما زلَّت أقدامهم وضلَّت أفهامهم لدخول هذا الأمر عليهم، فلذلك هم يقولون: حدثني قلبي عن ربي، أو جئت من الحضرة الإلهية، وذهبت إلى الحضرة الإلهية، ويقولون: أنتم تأخذون عن الله بواسطة، ونحن نأخذ بلا واسطة، وغير ذلك من كلامهم الذي استزلَّهم الشيطان به؛ فأخرجهم به إلى البدع والضلالات في دين الله ﷿، وكل ذلك سببه الجهل؛ فلما جهلوا أمر دينهم خَيَّل لهم الشيطان ما خيَّل، وأوقعهم فيما أوقعهم فيه.
_________________
(١) الشبح: الممدود؛ كالظل.
[ ٢ / ٦٨ ]
«بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مِثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه (^١)، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فردَّ بما بَيَّن الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمِثل والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك مِنْ قِبَل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ، فقال لك: «إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه».
تذكر قول النبي ﷺ في هذا: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^٢)، إذًا يفنى هذا الوجود كله لو كشف الحجاب، ثم يأتي أحدهم ويزعم أنه رأى الله ﷿. فكل هذا لا يخرج عن كونه أوهام وضلالات.
ثم قال: «فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يَتوهمه إلا هلك؛ فرُدَّ بما بَيَّن الله ﷿ في كتابه من نفسه عن نفسه»، يعني: ادفع التشبيه والتمثيل.
فينبغي أن تردَّ بالكتاب وبالسنة هذه الأوهام، التي قد تُوقع في التكييف أو التشبيه أو التمثيل، فإن اعتصمت بها وامتنعت منها جاءك الشيطان من باب آخر، وهو باب التعطيل؛ لأن مقصد الشيطان أن يَصرف الإنسان عن الله ﷿؛ لأن العلم بالله ﷿ يتم بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
_________________
(١) قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
(٢) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (الْإِيمَان)، بَاب (فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللهُ لَا يَنَامُ»، وَفِي قَوْلِهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، برقم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥)، وأحمد في «المسند»؛ أَوَّل (مُسْنَد الْكُوفِيِّين) (١٩٥٨٧).
[ ٢ / ٦٩ ]
والله-﷿-ما تعرف إلينا بذاته، وإنما تعرف إلينا بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا أتاك الشيطان مِنْ قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدَّس التي في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ؛ فقال لك: إذا كانت له يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه الجارحة؛ لأن الله ﷿ يستحيل أن يخاطبنا إلا بما نعقل (^١).
وهذا شبهة فاسدة؛ لأنه لا يلزم أن يكون كل ما أخبرنا الله ﷿ معلومًا لنا، فهذه الجنَّة وما فيها مع أنها مخلوقة، لكننا لا نعلم كيفية ما فيها؛ قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وكما قال النبي ﷺ: «فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢).
وكل منا يحمل روحًا في جسده، ومع ذلك لا نعقل كنهها وكيفيتها.
فليس من شرط الإيمان بالشيء: أن تُعقل كيفيته.
فهذه شُبَه باطلة كاسدة فاسدة، لا تأتي إلا من جاهل.
_________________
(١) انظر: «التسعينية» (٣/ ٧٤٣).
(٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْءِ الخَلْقِ)، بَابُ (مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)، برقم (٣٢٤٤)، ومسلم، كتاب (الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا) (٢٨٢٤)، والترمذي (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١٠٥٧٧)، والدارمي (٢٨٧٠).
[ ٢ / ٧٠ ]
«لأنه اللعين إنما يريد أن يَستزلك ويُغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
واعلم-رحمك الله تعالى-أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».
الاعتصام بهذه النصوص هو الذي يجعل الإنسان في جُنَّة وفي حصن من التكييف؛ لما يعلم أن الله تعالى لا يُماثله أحد، ولما يعلم أن الله تعالى لم يكن له كفوًا أحد، وأن الله تعالى ليس له مثيل، وليس له سَمِيّ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، فكل هذه النصوص تؤكد أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية ذات الله ﷾.
[ ٢ / ٧١ ]
«إلى أن قال: «خلصت له الأسماء السَّنِيَّة (^١) فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفةً كان منها خليًّا، أو اسمًا كان منه بريًّا ﵎».
أي أن الله ﷿ متصف بهذه الصفات أزلًا؛ فهي صفات ثابتة له ﷾ أزلًا، فبالتالي لا يجوز القول بأنها حوادث أو غير ذلك، ولا يجوز فَصْلُها عن ذات الله ﷿.
الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. ٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح (^٢).
_________________
(١) من السناء، وهو الجلال والجمال.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ٢ / ٧٢ ]
«فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل».
أي أن الله متصف بهذه الصفات أزلًا، فلا يقول قائل مثلًا: إن الله تعالى لم يكن خالقًا حتى خلق الخلق، أو لم يكن رازقًا حتى رزق العباد، بل هذه صفات الله ﷿ هو متصِّف بها أزلًا.
فلا يجوز القول بأن هذه الصفات حدثت بعد أن لم تكن موجودةً في ذات الله ﷾، وهذا رد على الذين يقولون: إنَّه يلزم من وصف الله ﷿ بالصفات حلول الحوادث في ذاته ﷾!
فنقول: إن هذه الصفات ما دامت قائمةً بذات الله ﷾، فإن هذا الأمر يدل على أن الله ﷾ متصِّف بها أزلًا.
[ ٢ / ٧٣ ]
«ولم يَحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يُسمى به في جملة فعله».
أي: وإن كان الاستواء صفة فِعل، وإن كان الضحك والنزول صفة فعل، لكن الله ﷿ في الأزل عالم بأن هذا الأمر سيكون منه ﷾، فلذلك هذه الصفات تُثْبَت له جميعًا.
وفي هذا ردٌّ على الأشاعرة الذين يقولون: إن إثبات الصفات الفعلية يَلزم منه حلول الحوادث في ذات الله ﷾.
وهذا لازم فاسد؛ لأن هناك فرقًا بين ما يكون للمخلوق وبين ما يكون للخالق ﷾؛ فالله ﷾ متصِّف بهذه الصفات أزلًا، فلا يجوز القول بأنها مَجاز في حقه، أو أنه ﷾ يَلزم من وصفه بتلك الصفات أن تَحل الحوادث بذاته ﷾.
[ ٢ / ٧٣ ]
كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يَستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا، ولا مُشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وَقِفْ عند خبره لنفسه مسلمًا، مُستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير».
ثم ذكر المجيء، وذكر قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تَلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ فالله أعلم بكيفية مجيئه، ف «جاء» بمعنى: أنه سيجيئ، قال الله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، فبالتالي نؤمن به ونَكِلُ حقيقة علم ذلك إلى الله ﷿؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فيَستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين؛ لا في جانب التعطيل ولا في جانب التشبيه، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقِف عند خبره لنفسه مُسَلِّمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.
يعني: لا تفعل فِعل المعطلة الذين نَفَّروا الناس بألفاظهم التي ألصقوها بهذه الصفات، فقالوا: أجزاء وجوارح وأبعاض وحَيز ومكان، وغير ذلك من العبارات المنفِّرة، ولا كذلك تُنَقِّب وتبحث عن كيف نَزَلَ؟ وكيف استوى؟ وكيف ضحك؟ وكيف؟ وكيف؟ فهذا لا سبيل إليه.
[ ٢ / ٧٤ ]
«إلى أن قال: «فهو-﵎-القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾، لا الشجرة (^١)».
هذا رَدٌّ على المعتزلة وعلى الأشاعرة الذين يُنكرون أنَّ الله ﷾ كلَّم موسى حقيقةً.
ومعلوم أن الجهمية والمعتزلة يُنكرون صفة الكلام؛ أما الأشاعرة والماتريدية والكلابية فيقولون: كلام الله: معنى نفسي قائم بالذات (^٢)، فعلى زعمهم يُثبتون أصل الكلام، ولكنهم ينفون أن الله ﷾ تكلم بهذه الكلام حقيقة، ويقولون: إنه معنى نفسي قائم بالذات، والله-﷾-جعل القرآن إمَّا عبارة أو حكاية، فالكلابية يقولون: حكاية. والأشاعرة والماتريدية يقولون: عبارة. بمعنى أن هذه الألفاظ ألفاظ جبريل ﵇ عبَّر بها عن مراد الله، وأن الله تعالى لم يَتكلم بها حقيقة.
ولا شك أن هذا الزعم خلاف ما جاءت به النصوص، ويكفينا في هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله ﷾ كَلَّم موسى ﵇، والأحاديث في الكلام كثيرة، والقرآن كلام الله ﷿.
_________________
(١) أي: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠]. وهذا ردٌّ على الجهمية ومتأخري المعتزلة القائلين: إنَّ ابتداء الكلام كان من الشجرة. وهذا وجه من وجوه فساد شبهتهم؛ حيث إن قولهم هذا يَلزم منه أن الشجرة هي القائلة: يا موسى، إني أنا الله رب العالمين! انظر: «مجموع الفتاوي» (٦/ ١٥٣)، و«شرح الطحاوية» (١/ ١٨٢)، و«النونية لابن القيم مع شرحها لهراس» (١/ ١١٤).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٩٢).
[ ٢ / ٧٥ ]
«الجائي قبل أن يكون جائيًا (^١) لا أمره، المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج (^٢) به على الجاحدين حُجَّتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كَلَّم موسى تكليمًا، وأراه مِنْ آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو مُحدثًا أو مَربوبًا، والوارث لخلقه (^٣)، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نِعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه- وهو أمره- تعالى وتقدس أن يَحل بجسم، أو يُمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالِم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا؛ ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة (^٤)، القريب في قُربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يُشبه بالناس».
إلى أن قال: «﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧: ١٦]؛ تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء؛ جَلَّ عن ذلك علوًّا كبيرًا» (^٥).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: يُوصف بالمجيء على الوجه اللائق به، وإن لم يقع منه هذا الفعل، لتحقق وقوعه منه، كما قال تعالي: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا﴾، وهذا سيكون يوم القيامة، ونظائر هذا كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. وأيضًا فكما أنَّه يُوصف بأنه غفور وإن لم يغفر، ورحيم وإن لم يرحم …، فكذلك يُوصف بالمجيء وإن لم يحصل منه هذا الفعل؛ لقدرته على ذلك كله وتحقق وقوعه.
(٢) تَظهر وتَقوم.
(٣) قال الله تعالي: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾ [مريم: ٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص: ٥٨]. ومعني كونه ﷻ: وارثًا لخلقه: أنه كتب على الخلق جميعًا الفناء والهلاك، ولا يبقى إلا هو سبحانه، فهو وحده الوارث لجميع الخلق.
(٤) أي: بالتقرب إليه؛ قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧].
(٥) روى أبو نُعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٩١، ٢٩٢) بعض كلامه هذا، والبغدادي في «تاريخه» (١٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤)، والسُّلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٢٠٢).
[ ٢ / ٧٦ ]
يعني: كذلك لا ننفي ولا نُؤوِّل المجيء بمجيء الأمر.
فإذًا كل هذا في إثبات حقائق الصفات، وأنها ثابتة لله حقيقة ردًّا على المعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، خالق بلا خلق. إلى آخر ما قالوه في نفي الصفات.
فهنا أثبت عمرو بن عثمان المكي هذه الصفات، وبَيَّن أنها ثابتة لله ﷿ حقيقة، كما يشاء ﷾، وكما أخبر الله ﷾ في كتابه وكما جاء على لسان رسوله ﷺ.
فينبغي على طالب العلم أن يَعتصم بهذه النصوص، وأن يُؤمن ويصدق بها، وأن يُغلق بابين من الشَّرِّ هما: (باب التعطيل، وباب التشبيه)؛ ليَسْلَم بذلك وينجو، ويبقى له باب معرفة الله تعالى صافيًا سليمًا نقيًّا من هذه الشوائب التي حاول هؤلاء إفساده بها، وذلك بإنكارهم لصفات الله ﷿، أو بتأويلها.
فحافظ عليها-أيها السني-حتى تحَفظ بابَ العلم بالله ﷿، وبالتالي يَسْلَم لك اعتقادك.
وقد أشار هنا إلى جملة من الصفات كالمجيء، والتجلي، والاستواء، والكلام، والقرب، ووراثة الخلق، والسمع، والبصر، واليدان، والخلق، والمشيئة، والبسط.
وأشار إلى أتصاف الله بهذه الصفات هو اتصاف حقيقي كما يليق بجلاله ﷾، وأنه لا تعارض بين نصوص العلو والقرب، وأن علوه سبحانه صفة ذاتية لا تنفك عن الذات.
[ ٢ / ٧٧ ]
(١٢٩) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن».
هذا كلام الإمام المحاسبي ﵀، والمحاسبي وإن كان قد أُخِذَ عليه بعضُ الأمور في جوانب العقيدة؛ لأنه كان موافقًا لابن كلاب في مسألة نفي صفات الأفعال الاختيارية، وكذلك في أمورٍ انتقدها عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وأَمَرَ بهجره، ولكن المعلوم أنه قد يكون عند الإنسان شيء من الخطأ وشيء من الصواب؛ فيُقبل منه ما كان من الصواب والحق لموافقته للحق، ويُردُّ عليه ما كان من باطل لمخالفته للحق.
وكما هو معلوم أنَّ الحق لا يقوم بالرجال، بل الرجال يقومون بالحق، فمن كتاب الحارث المحاسبي المسمى «فهم القرآن»؛ تكلم عن مسألة: أن النسخ لا يجوز في باب الأخبار، ومعلوم أن النصوص دائرة بين الأخبار والأوامر، فالنسخ إنما يقع في جانب الأمر ولا يقع في جانب الخبر.
[ ٢ / ٧٨ ]