فَصْلٌ:
(٥٣) "ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁ لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. "
شرع المصنف رحمه الله تعالى في بيان معتقد أهل السُنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وبيان بطلان عقائد المعَطِّلَة والمشبِّهة، فقال هنا: «ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ»، فعقيدة أهل السُنَّة والجماعة تقوم على أساس أن الأصل في هذا الباب هو الكتاب والسنة، فما سمَّى الله ﷿ به نفسه في كتابه أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، فإن هذا أمرٌ يجب إثباته؛ لأن الوحي دائرٌ بين أمرين: إما الإخبار وإما الأوامر.
والإخبار يُقابَل بالتصديق، والأوامر تقابَل بالانقياد، فالشريعة والوحي بين الخبر والأمر، فالله ﷾ أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بشيءٍ من أسماءه وصفاته ﷿، فإذًا كل ما ورد في كلام الله ﷿ أو كلام رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته فإن هذا حقٌ يجب إثباته لله على الحقيقة.
فالأساس الأول من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) (^١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٥)، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.
ولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٦)، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
كما يجب الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع،
_________________
(١) معارج القبول ١/ ٣٣٠ - ٣٣١
(٢) الآية ١٤٠ من سورة البقرة
(٣) الآية ١٢٢ من سورة النساء
(٤) الآية ١٤ من سورة فاطر
(٥) الآية ٥٩ من سورة الفرقان
(٦) الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم
[ ١ / ٣٠١ ]
فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل.
كما يجب رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^١).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٢).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ نافعٌ في أحوال المخالفين لما عليه السلف في باب الصفات يقول فيه:
(فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف
[ ١ / ٣٠٢ ]
بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول؛ ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع:
(النوع الأول): نوع: ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة من الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقًا لهم، وإما أن يُعرِضوا عنه مفوضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.
(النوع الثاني) والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي وأمثالهم، ومن هذا النوع: بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
(النوع الثالث) ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وهؤلاء قد يُدخِلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
(النوع الرابع): ومن الناس: من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة؛ كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبًا مركبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأمثالهما.
ولهذا تجد أفضل هؤلاء - كالأشعري -؛ يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها عالم بتفصيلها.
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة.
وإلا فمن كان عالمًا بالآثار وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء:
إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث.
أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم؛ كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن
[ ١ / ٣٠٤ ]
مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل؛ فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك) (^١).
مسألة: يجب أن يُعْلَم أن توحيد الأسماء والصفات يشتمل على ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب الأسماء
الباب الثاني: باب الصفات
الباب الثالث: باب الإخبار
فنحن إذا وقفنا وقفةَ تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية:
أولًا: أن الله أطلق على نفسه أسماء ك (السَّميع) و(البصير)، وأوصافًا ك (السمع) و(البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها؛
• فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١].
• وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ١٥].
فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد.
ثانيًا: وأطلق على نفسه أفعالًا ك (الصُّنع) و(الصِّبغة) و(الفعل) ونحوها.
• قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ [النمل ٨٨].
• وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة ١٣٨]
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧].
لكنه لم يَتَسَمَّ ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، ممَّا يدل على أنَّها تخالف الأوَّل في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد.
_________________
(١) درء التعارض ٧/ ٣٢.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ثالثًا: ووصف نفسه بأفعال في سياق المدح ك (يريد) و(يشاء)
• فقال جلَّ شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥].
• وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٩].
إلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالف للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ
رابعًا: ووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء.
• فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ [النساء ١٤٢].
• وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه﴾ [الأنفال ٣٠].
ولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكمٌ خاصٌ فوجب الوقوف على ما ورد.
فهذه الحقائق السابقة قررت عند العلماء النتائج التالية:
١. أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي (باب الأسماء) و(باب الصفات) و(باب الإخبار)
٢. أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسمًا صحَّ صفة وصحَّ خبرًا وليس العكس.
٣. باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صحَّ صفة فليس شرطًا أن يصحَّ اسمًا، فقد يصحُّ وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته.
٤. أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، فالله يُخْبَرُ عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه) و(المعلوم)، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
فباب الأسماء والصفات توقيفيان، فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته.
وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقًا (^١)
_________________
(١) رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٤٦ - ٤٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ" (^١)
أما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:
القول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص ك (الشيء) و(الصنع) ونحوها.
وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (^٢).
القول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، ك (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (^٣) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (^٤).
مسألة: الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها.
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).
(٢) انظر رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)
(٤) رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).
[ ١ / ٣٠٧ ]
يمكن تقسيم الألفاظ المجملة-أي التي لم يرد استعمالها في النصوص-على النحو التالي:
أولًا: ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف.
ومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و(بائن)
وهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص
وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها.
وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب.
والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع.
كقول أهل السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته" فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.
وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم" فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (^١).
وقال أيضًا: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل
ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل" (^٢)
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني.
وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: "وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٠٨ ]
له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! " (^١)
فرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: "أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره" (^٢)
فأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته" (^٣)
ثانيًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.
ومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه.
ثالثًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.
ومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة).
رابعًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.
ومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و(الحيز) و(واجب الوجود) و(الجوهر) و(العرض).
وأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان:
النوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.
فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًا استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢).
(٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
(٣) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٥).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وهذا:
• كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤].
• وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته.
• وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
• وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣].
• وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]،
وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ، فهذا كله حق.
النوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.
فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^١).
فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش وأمثال ذلك (^٢)
الموقف من هذا النوع: "إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:
١. أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت.
٢. وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).
[ ١ / ٣١٠ ]
يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع، وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها" (^١)
ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.
١. فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها.
أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم، فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث.
أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.
فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٣١١ ]
في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله، وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.
٢. وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.
مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.
فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:
١ - بألفاظهم
٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما:
أ-أن يكون في الألفاظ.
ب-وإما أن يكون في المعاني.
ج-وإما أن يكون فيهما.
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.
فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.
[ ١ / ٣١٢ ]
٣. وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.
فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة" (^١).
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).
[ ١ / ٣١٣ ]
(٥٤) «وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ».
يشير هنا المصنف رحمه الله تعالى إلى وسطية أهل السُنَّة والجماعة، ووسطية السلف بين فريقين ضَلَّا في هذا الباب، وهما المعَطِّلَة من جهة بطوائفهم من أهل الفلاسفة وأهل الكلام كالجّهْميَّة والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، والممثِّلة والمشبِّهة من جهة كالكرامية والهشامية وغيرهم.
توحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
ا-التعطيل.
٢ - التشبيه والتمثيل.
فمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده.
ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده (^١).
معنى قوله: "من غير تحريف ولا تعطيل":
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل، وهذه العبارة يمكن توضيحها من خلال النقاط الآتية:
أ-معنى التحريف وبيان أنواعه:
ا-معنى التحريف:
التحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.
فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرته.
والتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٦
[ ١ / ٣١٤ ]
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (^١).
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢ - أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
ا-الزيادة في اللفظ.
٢ - النقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢) من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (^٣) فبهت المحرف.
مثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٤) وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (^٥).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (^٦). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا وسموه
_________________
(١) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥
(٢) الآية ١٦٤ من سورة النساء
(٣) الآية ١٤٣ من سورة الأعراف
(٤) الآية ٥ من سورة طه
(٥) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٨
(٦) الصواعق المنزلة ١/ ٢٠١
[ ١ / ٣١٥ ]
تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (^١).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
كقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢).
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ (^٣) النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (^٤) وجاء أمر ربك.
وقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.
وقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (^٥).
وأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (^٦).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
_________________
(١) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧
(٢) الآية ٥ من سورة طه
(٣) الآية ٦٤ من سورة المائدة
(٤) الآية ٢٢ من سورة الفجر
(٥) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥ - ٢١٦
(٦) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧، ١٤٨
[ ١ / ٣١٦ ]
فإذًا «من غير تحريفٍ»، أي من غير تغيير في ألفاظ النصوص أو معانيها، فيبقى اللفظ على صورته ويبقى على معناه الذي جاءت به لغة العرب، لا نغيِّر ولا نبدِّل.
وقول المصنف: «ولا تعطيل».
معنى التعطيل:
التعطيل لغة: مأخوذ من "العطل": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (^١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (^٢).
والتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.
القسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.
القسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (^٣).
وهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.
فالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.
أو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^٤).
وقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى "المعطلة".
وينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:
القسم الأول: الفلاسفة.
وهم صنفان:
الصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.
الصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:
أ-رافضية. ب-صوفية.
_________________
(١) الآية ٤٥ من سورة الحج
(٢) شرح الواسطية ص ٢٠
(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص ١٥٣
(٤) شرح الواسطية ص ٢٠
[ ١ / ٣١٧ ]
والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.
وهم خمسة أصناف:
ا-الجهمية.
٢ - المعتزلة.
٣ - الكلابية.
٤ - الأشاعرة.
٥ - الماتريدية.
والتعطيل - كما ذكرنا - أعمُّ من التحريف، فمثلًا يأتي صاحب الفلسفة فيقول: هذه النصوص مجرد وهم وخيال ولا حقيقة لها، فيعطلها دون الحاجة إلى تحريفها، وبهذا يكون قد عَطَّل دون أن يحرِّف، أو مثلًا كما يفعلون في التفويض؛ لأن التفويض كذلك صورة من صور التعطيل؛ لأنه في الحقيقة إنكار للصفة دون تحديد لمعنى آخر لهذه الصفة.
فيأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول: الله أعلم بمراده، ولذلك يقول قائلهم:
وكل لفظ أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها
فهم في النتيجة سواء، إن أوَّلت وإن فوَّضت، فالنتيجة واحدة وهي ماذا؟ تنزيه الله جل وعلا عن أن يوصف بهذه الصفات.
فعلى هذا يكون التعطيل أعمُّ من التحريف، والتحريف إنما هو صورة من صور التعطيل، لأن مسالك التعطيل كما سيأتي تنقسم إلى مسلكين:
المسلك الأول: مسلك التبديل.
المسلك الثاني: مسلك التجهيل.
ومسلك التبديل:
ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسلك التخييل.
القسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.
ومسلك التجهيل كذلك ينقسم إلى قسمين وكل هذا إن شاء الله سيأتي في حينه، لكن أن يفهم هنا أن التعطيل أَعَمُّ من التحريف، فكل محرِّفٍ معطِّل، ولكن ليس كل معطلٍ محرف.
[ ١ / ٣١٨ ]
فمثلًا قد تقرأ لأحد من الأشاعرة أنه يأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول الله أعلم بمراده، فهنا لا يظن أنه نجا من التعطيل، إنما هو توقف بمسألة التحريف التي هي مسألة التأويل عنده، فهو إن كان قد ترك مسلك التحريف لكنه لجأ إلى مسلك التعطيل الذي نسميه التجهيل، وهذه المسالك ستأتي في حينها.
فإذًا «من غير تحريف ولا تعطيل»، أي من غير أن نبدل أو نغير في ألفاظ النصوص أو في معانيها، ومن غير أن ننكر شيئًا من أسماء الله وصفاته.
فهذا ردٌ على المعَطِّلَة، لأن المعَطِّلَة منهم من حرَّف، وكلهم متفقون في النتيجة وهي التعطيل، أي إنكار تلك الصفات أو بعضها.
فقوله هنا: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ» هذا ردٌ على المعَطِّلَة، والتعطيل أعمُّ من التحريف، فكل محرِّف معطل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المعطِّل محرِّفًا.
وهؤلاء المعَطِّلَة وضعوا هنا اصطلاحات أرادوا بها أن يمرِّروا هذا الباطل على النصوص، وهو ما يسمَّى «بالمجاز والتأويل»، فأحدثوا اصطلاحًا هو «التأويل»، وأحدثوا اصطلاحًا هو «المجاز» وفي هذين الأمرين أرادوا أن يلبِّسوا على الناس في هذه النصوص بغية تحريفها وتبديلها من حيث معانيها.
وأما قول المصنف: «ومن غير تكييف ولا تمثيل».
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.
"فالتكييف" هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (^١).
مثال ذلك: قول الهشامية عن الله: "طوله كعرضه " (^٢).
أو قولهم: " طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه".
وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.
وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.
فكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٢٧
(٢) مقالات الإسلاميين ص ٣١
[ ١ / ٣١٩ ]
وليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.
ومعنى قول أهل السنة: "من غير تكييف" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: "من غير تكييف" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١).
فمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
"ولا تمثيل":
المثيل لغة: هو الند والنظير.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.
وهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^٢).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (^٤).
وقد وقع في التمثيل والتكييف "المشبهة" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
التمثيل نزعة يهودية الأصل، "فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (^٥)
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية ص ٢١
(٢) القواعد المثلى ص ٢٧
(٣) الآية ١١ من سورة الشورى
(٤) الآية ٧٤ من سورة النحل
(٥) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي ﵀: "وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٢) " (^٣).
ولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:
الأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل البارئ سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة: ٣٠.
فاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ: «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (^٤).
الأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي ﵀-بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن
_________________
(١) الفرق بين الفرق ٣٢٥.
(٢) هشام بن الحكم الكوفي الرافضي، المشبه المعثر، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة قال في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، وذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ويزعم أن علم الله محدث. مات بعد نكبة البرامكة بمديدة مستترًا وقيل عاش إلى خلافة المأمون. لسان الميزان ٦/ ١٩٤
(٣) الفتاوي ٣/ ١٨٦.
(٤) رواه البخاري: كتاب الاعتصام ٨/ ١٥١، ورواه مسلم، كتاب العلم ٦.
[ ١ / ٣٢١ ]
سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (^١).
قال ابن رجب الحنبلي": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. " (^٢)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^٣). "
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. " (^٤)
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١٥٩، ١٦٠.
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢
(٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣
(٤) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٣٢٢ ]
مقصود المخالفين بمعنى التشبيه:
التشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).
ومقصود المتكلمين بنفي التشبيه:
أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.
فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٣).
أقسام التمثيل:
قال ابن القيم: "حقيقة الشرك هو:
١ التشبه بالخالق.
٢ التشبيه للمخلوق به.
هذا هو التشبيه في الحقيقة" (^٤).
وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).
(٣) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.
(٤) الجواب الكافي (١٥٩).
[ ١ / ٣٢٣ ]
أولًا: التمثيل في جانب الربوبية
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:
١ شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.
٢ شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.
ولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^١).
القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:
١ من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٢).
ففي الصحيح عنه ﵁ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته".
ثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:
السجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.
فمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:
١ غاية الحب
٢ مع غاية الذل
هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
_________________
(١) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
[ ١ / ٣٢٤ ]
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.
فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).
القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:
من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.
أقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:
ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.
وهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله" (^٣).
ومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.
فقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم
_________________
(١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
(٣) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).
(٤) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٣٢٥ ]
يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا" (^١)
القسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق
وهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب" (^٢).
وإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).
ويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.
فرق المشبهة ومقالاتهم:
وأما قدماؤهم فهم:
١ البيانية: من غالية الشيعة وهم أتباع بيان بن سمعان التيمي الذي كان يقول: إن الله على صورة الإنسان وإنه يهلك كله إلا وجهه، وادعى بيان أنه يدعو الزُهَرَة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد ابن عبد الله القسري (^٤).
٢ المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، ويزعمون أنه كان يقول إنه نبي وإنه اسم الله الأكبر وإن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة، وإن حروف (أبي جاد) على عدد أعضائه، قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها، وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرًا عظيما، يعرِّض لهم بالعورة وبأنه قد رآه، لعنه الله وأخزاه (^٥).
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).
(٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).
(٤) مقالات الإسلاميين (ص ٥)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٢).
(٥) مقالات الإسلاميين (ص ٧)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
[ ١ / ٣٢٦ ]
٣ الهشامية: ويسمون بالهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي، وأحيانًا تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم (^١).
٤ الجواربية: أتباع داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية (^٢).
وقال: "أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك" (^٣). تعالى الله عما يقوله علوًا كبيرًا.
وقال الأشعري في المقالات: "وقال داود الجواربي: إن الله جسم، وأن له جُثةٌ وأنه على صورة الإنسان له لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره" (^٤).
وحكي عن داود الجواربي أنه كان يقول: إنه أجوف من فِيهِ إلى صدره، مُصْمَتٌ ما سوى ذلك (^٥).
قال أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين": "اختلف الروافض وأصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق:
فالفرقة الأولى: (الهشامية)، أصحاب هشام بن الحكم الرافضي.
يزعمون أن معبودهم جسم، وله نهاية وحَدٌّ، طويل، عريض، عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يُوفي بعضه على بعض، وزعموا أنه نور ساطع، له قدر من الأقدار، في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم، ورائحة، ومجسَّة، لونه هو طعمه، وطعمه هو رائحته" وذكر كلامًا طويلًا.
وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام.
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص ٦٥).
(٢) الفرق بين الفرق (ص ٢٢٨)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٥).
(٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥).
(٤) المقالات (١/ ٢٠٩).
(٥) منهاج السنة (٢/ ٦١٨).
[ ١ / ٣٢٧ ]
الفرقة الثانية: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام، وإنما يذهبون في قولهم: إنه جسم، إلى أنه موجود، ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
الفرقة الثالثة: من الرافضة، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، ويمنعون أن يكون جسمًا.
الفرقة الرابعة: من الرافضة (الهشامية) أصحاب هشام بن سالم الجواليقي، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا. ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضًا، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، له يد، ورجل، وأنف، وأذن، وعين، وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عنده.
وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وَفْرَة (^١) سوداء وأن ذلك نور أسود.
الفرقة الخامسة: يزعمون أن لرب العالمين ضياءً خالصًا، ونورًا بحتًا، وهو كالمصباح الذي من حيث جئته يلقاك بأمر واحد، وليس بذي صورة ولا أعضاء، ولا اختلاف في الأجزاء. وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
الفرقة السادسة: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس. وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم، فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
قال شيخ الإسلام: "وأما متأخريهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم" (^٢).
وقال أيضًا: "وكتب الشيعة مملوءة بالاعتماد في ذلك -يعنى مسائل الصفات والقدر-على طرق المعتزلة وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي والطوسي.
_________________
(١) الوفرة، الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين، أو ما جاوز شحمة الأذن. القاموس المحيط.
(٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وأما قدماء الشيعة فالغالب عليهم ضد هذا القول، كما هو قول الهشامية وأمثالهما.
فالرافضة الإمامية وكذلك الزيدية على عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات إلى يومنا هذا.
غلاة المتصوفة
من نُسب إلى التشبيه:
الكرامية:
الفرق بين التشبيه والتجسيم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.
فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن
[ ١ / ٣٢٩ ]
خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
التعريف بالكرامية:
الكرامية (^١) هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥ هـ).
_________________
(١) يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتا عشرة فرقة وأصولها ستة هي:
(٢) العابدية، ٢ - النونية، ٣ - الزرينية، ٤ - الإسحاقية، ٥ - الواحدية، ٦ - الهيصمية. "وهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هو القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار". انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦). وانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٣٠ - ١٣٧)، والملل والنحل (١/ ١٨٠ - ١٩٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:
المسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة).
ومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام (^١).
ومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا (^٢).
ويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلوا من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عمَّا من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركَّبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق (^٣).
ويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك (^٤).
ويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا (^٥).
ويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له (^٦).
وقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش (^٧).
وادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة،
_________________
(١) لسان الميزان (٥/ ٣٥٤).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).
(٥) الفرق بين الفرق (ص ١٩٨)، والملل والنحل (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٦) التبصير في الدين (ص ١١٢).
(٧) الملل والنحل (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٣٣١ ]
ولا يفضل منه شيء على العرش (^١).
المسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
فعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك (^٢).
ومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة (^٣).
مقاتل بن سليمان: (^٤)
نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبهة وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل، ومقاتل مشبه" (^٥).
وقال ابن حبان: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث" (^٦).
_________________
(١) الفرق بين الفرق (ص ١٩٩)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٧٣، ١١٢)، والملل والنحل (١/ ١٠٩).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٧٦).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩، ٥٢٠ - ٥٢٥).
(٤) هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء، البلخي، الخراساني، المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها. ذكره الذهبي في آخر ترجمة ابن حيان (تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤) وقال: (فأما مقاتل بن سليمان المفسر فكان في هذا الوقت، وهو متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحرًا في التفسير). وقد توفي بالبصرة سنة (١٥٠ هـ). وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٠ - ١٦٩)، وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١ - ٣٤٣).
(٥) لسان الميزان (١٠/ ٢٨١).
(٦) ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٥).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقال أبو الحسن الأشعري في "المقالات": "وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم وإنه جثة على صورة الانسان لحمٌ ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله، والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره واطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، مثل مسألة الخنزير البري ونحوها، وما يبعد أن يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب" (^٢).
وجاء في "وفيات الأعيان" في ترجمة مقاتل بن سليمان: "حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة، على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام" (^٣).
ويلاحظ من هذا السياق لفرق المشبهة الملاحظات الآتية:
ا-أن التشبيه نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.
٢ - تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:
(١) الغلاة: وهم الذين مثلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حاك فيه -سبحانه-وهؤلاء خارجون عن الملة إجماعًا، وغالبا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية كالفرق العشر الأولى.
(ب) المكيفة: وهم الذين يكيفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج لكن غير مقيدة بمماثل معين، كالهشاميين.
(ج) ممثلة الأفعال: الذين يمثلون الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.
_________________
(١) المقالات (ص ٢٠٩).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٦١٨ - ٦٢٠).
(٣) وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١).
[ ١ / ٣٣٣ ]
٣ - براءة أهل السنة من تهمة التمثيل التي حاول بعض نفاة الصفات من المتكلمين نبزهم بها. فليس في هذه الفرق المذمومة طائفة من أهل السنة، إلا أن المتكلمين بناء على أصولهم الفاسدة عدوا إثبات الصفات الخبرية تمثيلًا، فوصموا المثبتين لها بوصمة التمثيل، كما صنع الشهرستاني (^١) في مبحث «المشبهة، حيث أدخل في مقالات المشبهة ما هو من صريح مذهب السلف (^٢) " (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الأشعري: وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعل، ربما، هو.
ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.
ومنهم من يجوِّز على الله تعالى المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، ومنهم من يزعم أن الله تعالى ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح.
وكان من الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.
وفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم -من الزنا وغيره-مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين.
ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين.
وقلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري -وذكروا أعظم منها-موجودة في
_________________
(١) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح، الشهرستاني، كان إمامة في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٧٩ هـ في شهر ستان، وله من المؤلفات: «الملل والنحل»، و«نهاية الإقدام في علم الكلام، والإرشاد إلى عقائد العبادة وغيرها، وتوفي في بلده سنة ٥٤٨ هـ. الأعلام ٦/ ٢١٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، مفتاح السعادة ١/ ٢٦٤، آداب اللغة ٣/ ٩٩، لسان الميزان ٥/ ٢٦٣، طبقات السبكي ٤/ ٧٨.
(٢) انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٥، وما بعدها.
(٣) المصدر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٧٩ - ٨٢.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده أو صفات معبوده أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول إنه يرى الله مطلقًا ولا يعيِّن الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول: إن المواضع المخضرَّة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها.
وأما القول بالإباحة وحل المحرمات -أو بعضها-للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية وغير الإسماعيلية وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.
ففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي -وأشنع منها-موجودة في الشيعة.
وكثير من النسَّاك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله تعالى وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.
ومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضًا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرًا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج.
وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشًا أو نورًا على العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنياًّ، كما قد وقع لغير واحد.
لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه
[ ١ / ٣٣٥ ]
من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.
وكثير من الجهَّال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانًا في الدنيا، وأنه يخطو خطوات" (^١).
فأدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يُرى في الدنيا بالأبصار، ويصافح، ويعانق، وينزل إلى الأرض، وينزل عشية عرفة راكبًا على جمل أورق يعانق المشاة ويصافح الركبان. وقال بعضهم: إنه يندم ويبكي ويحزن، وعن بعضهم أنه لحم ودم، ونحو ذلك من المقالات التي تتضمن وصف الخالق ﷻ بخصائص المخلوقين.
والله سبحانه منزه عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين، وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص، والله تعالى منزَّه عن كل نقص ومستحق لغاية الكمال، وليس له مثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن النقص مطلقًا، ومنزه في الكمال أن يكون له مثل، كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، فبين أنه أحدٌ صمدٌ، واسمه الأحد يتضمن نفي المثل، واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال، كما قد بيَّنا ذلك في الكتاب المصنَّف في تفسير قل هو الله أحد" (^٢).
بقي هنا مسألة وهي: هل التمثيل والتشبيه بمعنى واحد؟
في أصل اللغة هما بمعنيين؛ لأن المماثلة مساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فتقول: هذا مِثْلُ هذا بمعنى أنه تمامًا بتمام، هذا هو التمثيل، فمساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فهذا يسمى التمثيل.
أما مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه فهذا هو التشبيه، هذا في أصل الاستعمال أن التمثيل: هو مساواة الشيء بغيره من كل وجه، والتشبيه: مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه.
ولكن هنا في استعمال العلماء يقصدون بهما أمرًا واحدًا؛ لأنه لا نجد أن هناك من يقول: إن لله ﷾ مماثلًا له من كل وجه، ومثلَا الذي قال: «له يدٌ كيدي، ووجهٌ كوجهي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري» (^٣) فهذا يكون قد ساوى مثلًا في الجسم
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٥).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠).
(٣) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).
[ ١ / ٣٣٦ ]
أو في الصورة، ولكن لم يساوِ في العلم أو في القدرة، فلم يقل: له علمٌ كعلمي أو قدرةٌ كقدرتي.
فلذلك السلف غالبًا ما يطلقون لفظ «المشبِّهة»؛ قال: المشبِّهة أكثر من إطلاقهم للفظ الممثلة، وإن كان الأولى في هذه المسألة هو استعمال لفظ القرآن وهو: «التمثيل»، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فإذًا المقصود بذلك الرد على المشبِّهة من الكرامية والهشامية الذين يعتقدون أن هذه الصفات مماثلة لصفات المخلوقين وبالتالي خاضوا في شأن الكيفية فقالوا: «له يدٌ كيدي وسمعٌ كسمعي» (^١).
فهذا معنى قول المصنف: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ»، أراد بذلك الفصل بين عقيدة أهل السنة، وعقيدة المعَطِّلَة من جهة، وعقيدة المشبِّهة من جهة، ومعنى هذا أن أهل السُنَّة يثبتون النصوص على حقيقتها وعلى الوجه الذي يليق بالله ﷾، فلا يحرِّفون ولا يعطِّلون ولا يمثِّلون ولا يكيِّفون.
ومقولة الإمام مالك، أصبحت قاعدة مسلمة عند أهل السُنَّة حيث قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة» (^٢)، فلا يخوض السلف في الكيفيات.
ومعنى: «نفي المماثلة بين صفات الخالق والمخلوق عند أهل السنة» معناه أن لله سبحانه في تلك الصفات خصائص لا يماثله فيها أحدٌ من خلقه ﷾:
_________________
(١) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).
(٢) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول صفحة (٩٣).
[ ١ / ٣٣٧ ]
(٥٥) "وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ؛ بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. "
قول المصنف: «وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ»، «الأحجية» يعني ميلك بالشيء عن وجهه من الإحجاء والإلغاز، فالنصوص واضحة وليس فيها لبس، وليس فيها إشكال من جهة نفسها، وإنما الإشكال قد يقع من جهة الناس لا من جهة النصوص.
فهي نصوص واضحة في إثبات هذه الصفات، سواء كانت ذات أو صفات فعل، يجب أن تُثبت لله ﷾ على الوجه اللائق به.
وقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ»، فالله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة العرب، ومن يعرف لغة العرب لاشك أنه يميِّز بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وبين قوله: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١)، يميز بين هذا وبين هذا، وبين قوله تعالى يعني: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويميز كذلك بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤].
فهذه النصوص نزلت بلغة العرب، فدعوى هؤلاء - دعوى التعطيل - وهو أن هذه الألفاظ لا نعقل ولا نعرف معانيها، هذه دعوى باطلة، بل ألفاظ هذه النصوص مفهومة المعنى، وأعتقد أي عاقل لا يقبل هذه الدعوى لو تأمَّل فيها.
عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هل وأنت تعرف
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ١ / ٣٣٨ ]
لغة العرب لا تعرف معنى «الاستواء» ولا تعرف معنى «العرش»؟ هل يُعقل هذا؟ فلا شك أن القارئ يعرف ألفاظ هذه النصوص ويعرف معانيها.
وشتان بينك وبين شخصٍ لا يعرف لغة العرب، فقد يقرأ اللفظ دون فهم لمعناه، وأما إذا كنت من العرب أو ممن درس لغة العرب، فلا شك أنك تفهم هذه المعاني.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولستبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
ولابد أن نركز على مسألة دعوى الجهل بمعاني النصوص؛ لأن التفويض نوعان: تفويض المعنى وتفويض الكيف.
_________________
(١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة
[ ١ / ٣٣٩ ]
أما تفويض المعنى فقد قال به المعَطِّلَة ونسبوه إلى السلف وقالوا: «إن السلف مفوضة» بمعنى أنهم لم يبحثوا ولم يتحدثوا عن معاني النصوص، وهذا زعمٌ باطل، وردُّ هذا الزعم بمجرد أن تقرأ كلام السلف في كتب التفسير أو في كتب الحديث أو في كتب الاعتقاد، تقرأ للسلف أن مثلًا مجاهد يقول: «ثم استوى على العرش، قال: استوى بمعنى علا وارتفع» (^١)، ولا يعقل - حتى أقل الناس معرفة بلغة العرب - لا يعقل أنه لا يفهم معنى هذا الكلام ولا يفرق بين قوله يعني ﷺ: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا له معنى وهذا له معنى، وهذا الزعم، يعني بطلانه من أوضح ما يكون.
وكما قال الشاعر:
وليس يطيب في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
فالأمر واضح، فلا يمكن لنفسك أن تقبل هذا الأمر وتقول: لا أفهم هذا الكلام، بل أنت تفهم هذا الكلام، وتفهم معنى الاستواء، وتفهم معنى العرش، وإن كنت تجهل كيفية الاستواء أو كيفية العرش.
وهذا يبين مقصود المصنف بقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. "»، يعني بذلك النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، باب وكان عرشه على الماء هود وهو رب العرش العظيم التوبة، الجزء التاسع صفحة (١٢٤).
(٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (١٩).
[ ١ / ٣٤٠ ]
(٥٦) "وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ".
«وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، دخل المصنف إلى نقطةٍ أخرى من أسس أهل السُنَّة وهي: أن أهل السُنَّة مع إثبات تلك الصفات يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن الله تعالى لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله.
وهذا الأساس الثاني من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.
توضيحه يكون وفق ما يلي:
أولًا: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين:
ا-قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢).
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٣).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٤).
٥ - وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٥).
٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٦).
٧ - وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٧).
وجه دلالة الآيات:
ا-قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله (^٨).
_________________
(١) الآية ١١ من سورة الشورى
(٢) الآية ٧٤ من سورة النحل
(٣) لآية ٦٠ من سورة النحل
(٤) الآية ٢٧ من سورة الروم
(٥) الآية ٦٥ من سورة مريم
(٦) الآية ١ من سورة الإخلاص
(٧) الآية ٤ من سورة الإخلاص
(٨) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٨
[ ١ / ٣٤١ ]
والآية في تفسيرها وجهان:
الأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل "المثل "في الكلام توكيدًا للكلام.
والثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون "الكاف" هي المدخلة في الكلام توكيدًا (^١) وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر (^٢).
وقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٣).
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:
قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: "فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه" (^٤).
وقال ابن كثير: "أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا" (^٥).
٣ - وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٦).
٥ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا (^٧).
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٥/ ١٢ - ١٣
(٢) شرح الطحاوية ص ١٤٦
(٣) شرح الطحاوية ص ٩٩
(٤) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٨
(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٨
(٦) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤
(٧) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦
[ ١ / ٣٤٢ ]
وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (^١).
٦ - وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.
٧ - وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص (^٢).
ثانيًا: دلالة العقل على بطلان شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين:
ا-القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات (^٣).
فقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى (^٤).
وبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى.
٢ - أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا (^٥).
٣ - (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) (^٦).
(فإن الله ﷾ أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١
(٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٩
(٣) لرسالة التدمرية ص ٤٣
(٤) القواعد المثلى ص ٢٦
(٥) القواعد المثلى ص ٢٦
(٦) الرسالة التدمرية ص ٥٠
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء".
فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح (^١).
ثالثًا: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل:
قال شارح الطحاوية: " اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ولكن لفظ "التشبيه" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به:
ا-المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
٢ - المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به.
فإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به.
_________________
(١) المصدر السابق ص ٤٧
(٢) شرح الطحاوية ص ٩٩ بتصرف.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا.
وأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا.
وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^١).
ومن أقوال العلماء في تقرير هذا الأساس:
قال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٢) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٣).
وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^٤) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٥).
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ١٠٤ بتصرف.
(٢) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).
(٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).
(٤) أي: مسألة الصفات.
(٥) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).
[ ١ / ٣٤٥ ]
(٥٧) "فَكَمَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً وَلَهُ أَفْعَالٌ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقَةً. وَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ "
من جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"، وهذه القاعدة هي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها، وهي قاعدة قد اتفق عليها أهل السنة والجماعة قاطبةً، ولأهميتها جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصلَ الثاني من الأصلين اللذين بنى عليهما كتابه التدمرية حيث يقول فيه: "وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات" (^١).
قد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: الدليل من الكتاب العزيز:
١ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وجه الدلالة:
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٢).
_________________
(١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٢) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤.
[ ١ / ٣٤٦ ]
٢ قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. يقول ابن قتيبة: "أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا" (^١). ويقول الزجاج: "هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا" (^٢).
وجه الدلالة:
في الآية الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه" (^٣).
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات" (^٤).
ثانيًا: الإجماع:
يقول ابن أبي يعلى: وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية (^٥).
وفيما يلي ذكر جملة من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة؛ لبيان شهرتها عندهم.
١ - قول الإمام أبي الحسن عبد العزيز الكناني المكي (ت ٢٤٠ هـ):
قال الإمام عبد العزيز الكناني في كتابه (الحيدة): "فقلت له [أي: لبشر
_________________
(١) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).
(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).
(٤) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٥) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]
المريسي]: قال الله ﷿. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أفتقول: إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت؟! فصاح المأمون بأعلى صوته-وكان جهير الصوت-معاذَ الله، معاذَ الله، معاذَ الله، فقلت: إذًا-ورفعت صوتي-معاذَ الله معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأنفاس الميتة، وكلامه خارج عن الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه خارجة عن الأنفس الميتة" (^١).
٢ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ):
قال الإمام أحمد: "إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار" (^٢).
٣ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
قال الخطابي في رسالته المشهورة (الغنية عن الكلام وأهله) (^٣): "والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. ". هذا كله كلام الخطابي (^٤).
٤ - قول الإمام أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ):
قال أبو نصر السِّجزي: "واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه [يعني القرآن الكريم] غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة. والصحيح الأوّل؛ لأن من قال: إنه مخلوق؛ صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير" (^٥).
وقال أيضًا: "الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في
_________________
(١) الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن (ص: ٥٣ - ٥٤).
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).
(٣) انظر: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (١/ ١٣٧ - ١٤٧).
(٤) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ١٦٧، ٥/ ٥٨ - ٥٩).
(٥) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٥٣).
[ ١ / ٣٤٨ ]
الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات" (^١).
٥ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (ت ٤٤٩ هـ):
قال الشيخ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث): "فلما صحَّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرَّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا" (^٢).
٦ - قول أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٧ هـ):
قال ابن أبي يعلى في كتابه (طبقات الحنابلة): "اعتقد الوالد السعيد [يعني: أبا يعلى محمد بن الحسين] ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يُطْلع الباري سبحانه على كنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان، واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء" (^٣).
٧ - قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
أسند الحافظ الذهبي (^٤) عن الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي قوله: "أما الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها.
والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٢٨١).
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٤٨).
(٣) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٠٨).
(٤) في كتابه العرش (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨)، كما أوردها الحافظ الذهبي في كتبه: العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣).
(٥) ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جوابه عن سؤال أهل دمشق في الصفات، وقد طبعت هذه الرسالة في مكتبة العلم بجدة سنة ١٤١٣ هـ، كما وضعت في ذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٦٤ - ٦٥ ط. دار الريان).
[ ١ / ٣٤٩ ]
٨ - قول الإمام محيي السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ):
قال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي في كتابه (شرح السنة) -بعد ذكره جملةً من صفات الله تعالى-: "فهذه ونظائرها صفات لله ﷿، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقَبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله ﷿" (^١).
٩ - قول ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ):
قال ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة): "ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات" (^٢).
١٠ - قول الإمام قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ):
قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني الملقب بقِوام السنة في كتابه (الحجة في بيان المحجة): "الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف-رحمة الله عليهم أجمعين-إثباتُها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وذهب قوم من المثبتين إلى البحث عن التكييف.
والطريقة المحمودة هي الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ وهذا لأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، وإنما أثبتناها؛ لأن التوقيف ورد بها، وعلى هذا مضى السلف.
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١٧٠ - ١٧١).
(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢١١).
[ ١ / ٣٥٠ ]
قال مكحول والزهري: "أمرّوا هذه الأحاديث كما جاءت"، فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إن إيماننا صحيحٌ بحق من كلَّفَناه، وعلمُنا محيطٌ بالأمر الذي ألزمَناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرَنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفناه الإيمان بها جملة" (^١).
١١ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ):
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقةً لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقةً لا تماثل سائر الصفات" (^٢).
١٢ - قول الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ):
قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء): "ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف؛ فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة. وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقةً، لا مِثلَ لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها" (^٣).
١٣ - قول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ):
قال الإمام ابن القيم في (الصواعق المرسلة): "فكان الباب عندهم [يعني: عند السلف] بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنِسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفرَ منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقَّوه بالقَبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار؛ لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته" (^٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان كثرة من نقل عنه تقرير هذه القاعدة
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨ - ١٩٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢).
(٤) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٣٥١ ]
ونصرها-: "وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوًا منه من العلماء من لا يحصى عددهم: مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب (منازل السائرين) و(ذم الكلام)، وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب، وغيرهم" (^١). (^٢)
وقد أفادت القاعدة جملة من الفوائد منها (^٣):
أولًا: أنه إذا كانت ذات لله تعالى ثابتة حقيقة، من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك يقال في صفاته تعالى: إنها ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين.
ثانيًا: وبها يرد على من شبه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين: فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟
ومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب سبحانه-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضل في عقله ودينه (^٤).
ثالثًا: كما أفادت القاعدة أيضًا: أن إثبات الذات لله سبحانه إذا كان إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد، فكذلك إثبات صفات الباري سبحانه إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد (^٥).
قال بعض المحققين: صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فالمؤمن مبصر بها من وجه، أعمى من وجه، مبصر من حيث الإثباتُ والوجود، أعمى من حيث التكييفُ والتحديد (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٩).
(٢) لمزيد من الاطلاع على أقوال العلماء انظر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.
(٣) المصدر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.
(٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٣).
(٥) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص: ٣٨).
(٦) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ٣٥٢ ]
رابعًا: وبها يرد على الجهمية النافين للصفات: فإذا قال الجهمي: كيف استوى على العرش؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك.
يقال له-جوابًا عن شبهته-: كيف هو في نفسه؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
فإذا قال لك الجهمي: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.
فيقال له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، ولم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له (^١).
خامسًا: وبها يرد على من توهم المماثلة بين صفات الله تعالى وصفات خلقه: فمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير:
١ منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
٢ ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.
٣ ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^٢).
_________________
(١) ينظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٤).
(٢) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]
(٥٨) "وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ"
قول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^١).
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^٢).
ومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:
أ-قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ب-قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾؛ وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.
ج-قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.
_________________
(١) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).
(٢) «الصفدية» (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٣٥٤ ]
وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: «يَنزل ربُّنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا» (^٣).
وقوله ﷺ: «لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (^٤).
وفي مقام النفي قوله ﷺ: «ارْبَعُوا على أنفسكم (^٥)؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» (^٦)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله تعالى ليس بأعور» (^٧)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٨).
وإثباتُ الصفة أو نفيُها مردُّه إلى وُرود ذلك نصًّا في القرآن أو السُّنَّة الصحيحة، إذ الصفاتُ توقيفية كالأسماء، ولذلك يقول السفاريني: «لا خلاف بين العقلاء أن الله-﷾-متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص؛ فتراهم يُثبت أحدهم لله ما يظنُّه كمالًا، وينفي الآخرُ عينَ ما أثبته هذا لظنِّه نقصًا، وسبب ذلك: أنهم سَلَّطوا الأفكار على ما لا سبيل إليه من طريق الفكر، فإن الله-تعالى-خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها ووفَّت النظر حقه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حدَّه الله لها، رَكِبَت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يَثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه، فإن معرفة الله التي وراء طورها مما لا تستقل العقول بإدراكها من طريق الفكر وترتيب المقدمات، وإنما تدرك ذلك بنور النبوة وولاية المتابعة؛ فهو اختصاص إلهي يختص به الأنبياء وأهل وراثتهم مع حسن المتابعة، وتصفية القلب من وضر البدع والفكر من نزغات الفلسفة، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٩).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أي: ارفقوا بأنفسكم.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٧) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسه مِنْ ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^١).
ومِن هنا يتبين لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه-سبحانه-على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها؛ فيوصف من الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته … فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا …، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها: اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٢).
وقال الشيخ حافظ حكمي: «اعلم أنَّه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدحٌ وكمالٌ، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى: مخادع، ماكر، ناسٍ، مُستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
(٢) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٧٢، ٥٧٣).
(٣) «معارج القبول» (١/ ٧٦).
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن الأدلة استدل بها أهل السنة على إثبات الكمال لصفات الله.
أولًا: دليل السمع:
جاء في القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^١).
ومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٢)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٣)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^٤).
لذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٥).
فالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل-كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^٦).
ثانيًا: الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:
قال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟
قلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
(٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
(٦) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).
[ ١ / ٣٥٧ ]
تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿، وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.
فإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.
قلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي ﷺ حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١)» (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: «الصفات ثلاثة أنواع:
صفات كمال.
وصفات نقص.
وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا.
وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^٣).
والدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا-أيضًا-دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
[ ١ / ٣٥٨ ]
يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
فتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^١).
ثالثًا: دليل الفطرة
الفطرة السليمة أو النفوس المجبولة على الفطرة السليمة تحبُّ الله وتعظمه؛ لكماله، إذ إن المجهول لا يُحب ولا يُعظم، ومَن عُلم نَقصه لا يُحَب ولا يُعَظَّم؛ فالفطرة (التي هي: محبة الله وتعظيمه) مبنية على أصل، وهو: علم الإنسان فطريًّا بكمال صفات مَنْ يعبده ﷾ (^٢).
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^٣).
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٤).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٥٩ ]
(٥٩) "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ، وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. "
سبق وأن بين المصنف في النص السابق أن الله ﷿ يمتنع عليه النقص والحدوث حيث قال: "وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً" وناقشنا فيما سبق ما يتعلق بالنقص والكمال وبيان أن الله موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص.
وبين المصنف هنا امتناع الحدوث على الله واستدل لذلك بأربعة أمور:
الأمر الأول: قوله: "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. "
الأمر الثاني: قوله: "وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ "
الأمر الثالث: قوله: "وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ".
الأمر الرابع: قوله: "وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. ".
فالله سبحانه يمتنع عليه الحدوث بدليل امتناع العدم عليه كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد الآية ٣.
وهذه الأسماء فسرها النبي ﷺ تفسيرًا كاملًا واضحًا فقال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (^١).
قال ابن جرير: هو (الأول) قبل كل شيء بغير حد، و(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجودًا سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨] (^٢).
وقال الخطابي: (الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه. ثم ذكر الحديث (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) تفسير الطبري: ٢٧/ ١٢٤.
(٣) شأن الدعاء ص ٨٧.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال الحليمي: (الأول): الذي لا قبل له، والآخر هو الذي لا بعد له، (وهذا لأن) (قبل وبعد) نهايتان، فقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للموجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر (^١).
وقال البيهقي: (الأول) هو الذي لا ابتداء لوجوده (^٢)
وقال الخطابي: (الآخر): هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ما له، كما ليس معنى الأول ما له الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أول ولا آخر (^٣).
قال البيهقي: (الآخر) هو الذي لا انتهاء لوجوده (^٤).
وقال السعدي: "فالأول: يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى.
والآخر: يدل على أنه هو الغاية. " (^٥)
فالحدوث الذي أشار إليه المصنف هنا هو الحدوث الذي يسبقه العدم، حيث قال: "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. " والحدوث المقصود هنا هو: حدوث الذات والصفات التي لم يزل متصفًا بها أزلًا وأبدًا؛ لأن الحدوث قسمان:
القسم الأول: حدوث الموصوف.
وحدوث الموصوف محال؛ لأن الله ﷾ الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا.
القسم الثاني: حدوث الصفة.
فيجب الاعتقاد بأن الله متصف بتلك الصفات أزلًا باعتبار أصلها، ولكن من الصفات ما يحدث بعد أن لم يكن كما في الصفات الفعلية.
فالصفات الثُّبوتية تنقسم من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (^٦):
القسم الأول: الصفات الذَّاتية.
القسم الثاني: الصِّفات الفعلية.
_________________
(١) المنهاج ١: ١٨٨.
(٢) الاعتقاد ص ٦٣.
(٣) شأن الدعاء ص ٨٨.
(٤) الاعتقاد ص ٦٣.
(٥) الحق الواضح المبين ص ٢٧.
(٦) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٢٩).
[ ١ / ٣٦١ ]
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^١).
قوله: "وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ " معناه أن من لوازم حدوث الموصوف أن يكون مسبوقًا بعدم أو ملحوقًا بعدم.
وقوله: "وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ".
فالله هو الخالق وكل ما سواه مخلوق قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر ٦٢
قوله: "وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. " وبالتالي فإن الله ﷿ منزه عن الحدوث.
ومسألة حلول الحوادث بذات الله من المسائل التي أثارها أهل الكلام وإليك خلاصة عنها.
أ-معنى كلمة (حلول): الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز (^٢).
ب-معنى كلمة (الحوادث): الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثًا زمانيًا.
وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثًا ذاتيًا.
والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير.
والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا (^٣).
ج-معنى (حلول الحوادث بالله تعالى) أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.
د-مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق: مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.
هـ-حجتهم في ذلك: أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.
وإذا قامت به أصبح هو حادثًا بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع، فهذه هي حجتهم.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٩٧
(٣) التعريفات للجرجاني ص ٨٥٨٦
[ ١ / ٣٦٢ ]
و-جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفيا ولا إثباتًا، كما أنه ليس معروفًا عند سلف الأمة.
أما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح؛ فالله ﷿ ليس محلًا لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.
وإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.
بل يقال له: إن تلك الصفات ثابتة، وإن مثبتها -في الحقيقة-مثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ (^١).
تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. (^٢)
_________________
(١) رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد ص ٢٣٥
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ١ / ٣٦٣ ]
(٦٠) "وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَه بِذَاتِ خَلْقِهِ وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ. فَيُعَطِّلُوا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَيُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُلْحِدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. "
قال الإمام السفاريني (^١) ﵀، في بيانه لمعتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات:
من غير تعطيل ولا تشبيه (^٢) … فأثبتوا النصوص بالتنزيه
وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (^٣) ﵀-في منظومته سلم الوصول:
مع اعتقادنا لما له اقتضت … نُمِرُّها صريحة كما أتت
وغير تكييف ولا تمثيل … من غير تحريف ولا تعطيل
طوبى لمن بهديهم قد اهتدى (^٤) … بل قولنا قول أئمة الهدى
هذه هي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، عقيدة أهل السنة والجماعة التي أجمعوا عليها، يثبتون لله ﷿ الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه.
_________________
(١) أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أحد علماء الحديث والأصول والأدب، ولد في نابلس من قرى لبنان وتوفي بها سنة ١١٨٨ هـ، له تصانيف عدة منها: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، ولوامع الأنوار. انظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ١٤).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٣).
(٣) حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد بجيزان وتوفي بمكة سنة ١٣٧٧ هـ، تولى عدة مناصب تعليمية في عهد الملك سعود، وله عدة مؤلفات من أشهرها: أعلام السنة المنشورة، ومعارج القبول. انظر ترجمته في: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومقدمة كتابه معارج القبول بقلم ابنه أحمد (١/ ١١ - ٢٦).
(٤) معارج القبول (١/ ٣٥٦).
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقد سبق ذكر معاني التعطيل في اللغة، وفي الاصطلاح الشرعي، وذكرت هناك أن التعطِّيل في جانب الأسماء والصِّفات: هو نفي أسماء الله أو صفاته أو بعضها، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^١).
وهذا المعنى هو الذي تبرأ منه السلف، وميزوا عقيدتهم عن عقيدة المعطلة كما سيأتي شيء من أقوالهم في ذلك، بإذن الله تعالى.
أما التشبيه (^٢) الذي يراد نفيه في هذا الباب، فهو: اعتقاد ثبوت شيء من خصائص المخلوق لله ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله، أو إثبات شيء مما يختص به الخالق ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو حقوقه للمخلوق مما يجعل فيه حظًا من الألوهية (^٣).
والمراد بالتشبيه في الصفات: الغلو في إثباتها إلى حدّ اعتقاد مساواتها لصفات المخلوقين، وقد يعبّر عنه بالتمثيل (^٤).
فالله جلَّ وعلا ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأنه ﷾ القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥)، فمن هذا الأصل القرآني العظيم، يقوم معتقد السلف الصالح ﵏ في إثبات الصفات لله ﷿؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ردٌّ على أهل التمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ردٌّ على أهل التعطيل (^٦)، والله ﷿ قد جمع في هذا الأصل القرآني العظيم بين الإثبات والتنزيه.
ولهذا فإن السلف-رحمهم الله تعالى-أثبتوا لله الصفات، مع تنزيهه ﷾ عن مشابهة المخلوقات في شيء مما يثبت له.
وهم يعتقدون أن الواجب في نصوص الأسماء والصفات الواردة في القرآن
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس ص (٢١)، الكواشف الجلية عن معاني الواسطية ص (٨٧)، مقالة التعطِّيل ص (١٨، ٢٢).
(٢) التشبيه في اللغة: مصدر شبَّه يُشبِّه تشبيهًا، وهو التمثيل، انظر: المعجم الوسيط (١/ ٤٧١). والتشبيه في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في المعنى، انظر التعريفات ص (٦٦).
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٢٧)، التدمرية (ص ٣٩ - ٤٠)، إغاثة اللهفان (٢/ ٣٢٢)، فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص ٢٠).
(٤) انظر: التشبيه والتمثيل في الصفات (ص ٢٣).
(٥) الآية [١١] من سورة الشورى.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦، ٥/ ١٩٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
والسنة هو إجراؤها على ظاهرها، وأن لا يُتَعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطِّلة.
ولا يُعتقد أن صفات الله ﷿ تشبه شيئًا من صفات المخلوقين، كما فعل المشبهة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فتبين من هذا أن التنزيه في الصفات الثبوتية، لا يكون بنفيها وتعطيل الخالق عنها، وأن السلف الصالح رضوان الله عليهم، لم يمنعهم تنزيه الله ﷿ عن إثبات الصفات له.
كما لا يفهم منه تعطيل المعنى، وأن مذهب السلف هو الإيمان بالألفاظ فقط دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم: "مذهب التفويض"، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت» وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.
وهم أيضًا لما أثبتوا هذه الصفات لم يعتقدوا أنها تماثل أو حتى تقارب صفات المخلوقين، لعلمهم بعظم الفرق بين الخالق والمخلوق.
ومن أعظم الافتراءات التي أشاعها المعطلة النفاة لأسماء الله وصفاته، وصفهم أهل السنة والجماعة-كذبًا وزورًا-بأنهم مشبِّهة مجسِّمة، وما ذلك إلا لتمسكهم بما جاءهم عن الله ﷿ في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
وهي فرية قديمة تلقفها المعطلة النفاة خلفًا عن سلفٍ، يدل على ذلك تقدم كلام السلف في دحض هذه الشبهة ودفع هذه الفرية، من ذلك قول الإمام ابن خزيمة-﵀: «فاسمعوا يا ذوي الحجا ما نقول في هذا الباب، ونذكر بهت الجهمية، وزورهم وكذبهم، على علماء أهل الآثار، ورميهم خيار الخلق-بعد الأنبياء-بما الله قد نزههم عنه، وبرأهم منه، بتزور الجهمية على علمائنا أنهم مشبِّهة» (^١).
وسبب هذه الفرية على أهل السنة ما قاله شيخ الإسلام: «فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفاة الصفات، يجعلون كل من أثبتها مجسِّمًا مشبِّهًا» (^٢).
وقد تواترت النصوص من القرآن والسنة والآثار عن السلف الصالح في إثبات
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١٤)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ١٧٩، ٥٣٣)، المختار في أصول السنة (ص ٨٢).
(٢) منهاج السنة (٢/ ١٠٥).
[ ١ / ٣٦٦ ]
الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، فأصل النصوص التي وردت في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
قال الإمام مالك-﵀-حينما سأله رجل عن قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢)، كيف استوى؟ قال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا"، فأمر به فأخرج» (^٣).
وقال وكيع بن الجراح-﵀: «نسلِّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لِمَ كذا» (^٤).
وقال حنبل بن إسحاق (^٥): «قلت لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد): يُكَلِّم الله عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلق إلا الله؟! يكلِّمه الله ﷿ ويسأله، الله ﷿ متكلِّم لم يزل بما شاء، ويحكم، وليس لله عدل ولا مثل ﵎، كيف شاء وأنَّى شاء» (^٦).
وقال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٧) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٨).
_________________
(١) الآية [١١] من سورة الشورى.
(٢) الآية [٥] من سورة طه.
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٦٦)، وغيره كثير، انظر تخريجه بالتفصيل في كتاب العرش للذهبي (٢/ ١٨١ - ١٨٤) رقم (١٥٥ - ١٥٧).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٦٧) رقم (٤٩٥)، والدارقطني في الصفات (ص ٤١) رقم
(٥) حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني، الحافظ المحدث، ابن أخ الإمام أحمد، وتلميذه، له من التصانيف: كتاب القتن، والمحنة، ومسائل الإمام أحمد، توفي بواسط سنة ٢٧٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١).
(٦) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) رقم (٧٣٨).
(٧) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).
(٨) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال الإمام ابن عبد البر-﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^١) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٢).
إلى غير ذلك من الآثار الواردة عن السلف في ذم التشبيه وأهله، كلها تدل على سلامة مذهب السلف مما نسب إليهم من التشبيه والتمثيل، وأن مذهبهم إثبات الصفات من غير تمثيل ولا تكييف، وتنزيه الله ﷿ من غير تعطيل ولا تحريف.
ويقال أيضًا في الرد على الطائفتين: من خلال أثر الإمام نعيم بن حمَّاد الخزاعي-﵀-الذي قال: «من شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (^٣)، أي ليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه مما يحوجنا إلى تعطيل صفاته، كما تتوهم ذلك المعطلة، فإنهم لم يفهموا من هذه الصفات إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، وتعطيل الله ﷿ عن صفاته اللائقة به من صفات الكمال (^٤).
وهم في ذلك يستدلون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على نفي الصفات، ويعمون عن تمام الآية في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥).
وليس في إثباتهم للصفات دليل للمشبهة، الذين قالوا: أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فمحال أن يخاطبنا بما لا نعقله ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٦)، ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا ما كان مشاهدًا، فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد، فأخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كأيدينا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (^٧).
لأن التباين الذي يقرُّ به كل مثبتة الذات، بين ذات الله ﷿ وذوات المخلوقين يوجب اضطرارًا التباين بين صفات الخالق والمخلوق (^٨)، ثم إن إثبات المماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه، والله منزه عن كل نقص (^٩).
_________________
(١) أي: مسألة الصفات.
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).
(٣) أخرجه عنه الذهبي بإسناده في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٠).
(٤) انظر: التدمرية ص (٧٩ - ٨٠).
(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢١).
(٦) الآية [٧٣] من سورة البقرة.
(٧) انظر: مختصر الصواعق (١/ ٨٣)، تقريب التدمرية (ص ٢٢).
(٨) تقريب التدمرية (ص ٢٣ - ٢٤).
(٩) المصدر نفسه (ص ٢٣).
[ ١ / ٣٦٨ ]
فمع إثبات حقائق الصفات، فإن أهل السُنَّة يعتقدون في نفس الأمر أن لله تعالى خصائص في تلك الصفات، فمثلًا إذا قلنا: حياة الله تعالى؛ فإن حياةَ اللهِ تعالى لها خصائص يختصُّ الله ﷾ بها دون سائر المخلوقات، فمن خصائص حياة الله ﷾ أن حياته الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبَق بالعدم ولا يلحقها الزوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه، وهذا المقصود بنفي المماثلة.
فإذًا هذه الصفات تثبت لله تعالى على الحقيقة مع اعتقاد أن الله ﷾ منزَّه في ذلك عن مماثلة الخلق، فالله ﷾ يعلم الحقيقة، ولكنه ﷾ في علمه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وكذلك يتكلم حقيقة، وكذلك ﷾ لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، مع الأمر الثالث وهو عدم الخوض في الكيفية، كيف يتكلَّم؟ وكيف استوى؟ وكيف ينزل؟ هذا أمرٌ لا نخوض فيه؛ لأننا لم نطلع عليه ولا سبيل لنا إليه.
قول حافظ المغرب ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة" (^١).
فأهل السُنَّة يثبتون تلك الصفات على الحقيقة، وهذا ردٌ لمسألة «المجاز» ودعوى أن هذه الصفات في حق الله مجاز؛ بمعنى أنها ليس لها حقيقة في ذات الله تعالى، فمثلًا إذا جئت إلى الجّهْميَّة والمعتزلة فلو قالوا في كلام الله تعالى، فهم يقولون: «نعم نثبت صفة الكلام لكن على أساس أن الكلام شيءٌ مخلوق خلقه الله تعالى كما خلق السماوات والأرض» وبالتالي يقولون: «إن إطلاق هذا الوصف في حق الله مجاز ليس على حقيقته»، فينكرون وصف الله ﷾ بصفة الكلام، ويقولون إن الكلام خلقٌ خلقه الله ﷾ كما خلق السماوات وكما خلق الأرض، بائن عن ذاته، هذا قول المعتزلة، فلذلك يقولون: «القرآن مخلوق» (^٢) على هذا الأساس.
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٥).
(٢) انظر كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية الجزء السادس صفحة (٨٧).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وهكذا يتعامل الأشاعرة بنفس المنطلق مع الصفات التي ينكرونها، فينكرون اتصاف الله ﷿ على الحقيقة.
وأما علماء السلف فيقولون إن الله يتكلم حقيقة، واستوى حقيقة، ويعلم حقيقة، ويرحم حقيقة، فيثبتون حقائق تلك الصفات، وأن الله ﷾ كما أن له ذاتًا حقيقة فإن له صفات حقيقة وأفعالًا حقيقة، فإذا أثبتنا ذاتًا لله ﷾، فإن هذه الذات متصفة بصفات حقيقة كما أن الذات حقيقة والأفعال حقيقة.
[ ١ / ٣٧٠ ]
(٦١) "وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَرِيقَيْ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ: فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ. أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصَفَاتِهِ إلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ؛ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَتَعْطِيلٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاَللَّهِ ﷾. فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَلَزِمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ الْعَرْشِ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ مُسَاوِيًا وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ إلَّا مَا يَثْبُتُ لِأَيِّ جِسْمٍ كَانَ عَلَى أَيِّ جِسْمٍ كَانَ وَهَذَا اللَّازِمُ تَابِعٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ. إمَّا اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَخْتَصُّ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَجِبُ نَفْيُهَا كَمَا يَلْزَمُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَصَارَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ الْممَثَلِ: إذَا كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا. وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ؛ إذْ لَا يَعْقِلُ مَوْجُودٌ إلَّا هَذَانِ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ فَهُوَ مُمَاثِلٌ لِاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى السَّرِيرِ أَوْ الْفَلَكِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ الِاسْتِوَاءُ إلَّا هَكَذَا فَإِنَّ كِلَيْهِمَا مَثَّلَ وَكِلَيْهِمَا عَطَّلَ حَقِيقَةَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَامْتَازَ الْأَوَّلُ بِتَعْطِيلِ كُلِّ اسْمٍ لِلِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَامْتَازَ الثَّانِي بِإِثْبَاتِ اسْتِوَاءٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. "
كل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.
الأمر الأول: بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
أما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.
فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.
[ ١ / ٣٧١ ]
وتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.
وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.
وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.
مثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
نصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١).
فإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.
وكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.
فأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:
الأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.
الثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.
الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^٢).
الأمر الثاني: بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل (^٣):
أما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب
_________________
(١) الآية ٥ من سورة طه
(٢) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠
(٣) انظر: الفتوى الحموية ص ٦٢ - ٦٣ ط: دار فجر للتراث
[ ١ / ٣٧٢ ]
الكامل بالمخلوق الناقص.
الثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢).
أما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.
_________________
(١) الآية ١١ من سورة الشورى
(٢) الآية ٤ من سورة الإخلاص
[ ١ / ٣٧٣ ]
(٦٢) "وَالْقَوْلُ الْفَاصِلُ: هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ؛ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ فَكَمَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ خَصَائِصُ الْأَعْرَاضِ الَّتِي لِعِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ وَقُدْرَتِهِمْ فَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا يَثْبُتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصَائِصُ فَوْقِيَّةِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَلَوَازِمهَا. "
(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك
[ ١ / ٣٧٤ ]
من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) (^١).
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧.
[ ١ / ٣٧٥ ]
(٦٣) "وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ النَّقْلِ الصَّحِيحِ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقِ السَّلَفِيَّةِ أَصْلًا؛ لَكِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ لَا يَتَّسِعُ لِلْجَوَابِ عَنْ الشُّبُهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْحَقِّ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شُبْهَةٌ وَأَحَبَّ حَلَّهَا فَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ.
يجب تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع. فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف في ذلك على النص، لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة المغيبات حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^١)، فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته؟!.
(ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ (^٢) (^٣).
_________________
(١) الآية ٨٥ من سورة الإسراء
(٢) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة
(٣) الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٢١ بتصرف
[ ١ / ٣٧٦ ]
(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو "مسألة العقل"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول.
وأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) (^١).
وبهذا امتاز أهل السُنَّة عن المعَطِّلَة؛ لأن الأصل عند المُعَطِّلَة في هذا الباب هو العقل، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم ردُّوه وسعوا في نفيه وفي تأويله وتحريفه.
فهذا شأن أهل السُنَّة وهذا شأن المعَطِّلَة، وهذا هو الفيصل بين عقيدة أهل السُنَّة وبين عقيدة المعَطِّلَة؛ أن أصل أهل السُنَّة هو كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، وما ورد إثباته يُثبَت وما ورد نفيه يُنفَى عن الله ﷿، لا نتجاوز الكتاب والسنة، كما قال الإمام الأحمد رحمه الله تعالى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يُتجاوز القرآن والحديث» (^٢).
فالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن "العقل" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:
أهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.
فهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.
وأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٢٠
(٢) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى صفحة (٢٦٥).
[ ١ / ٣٧٧ ]
ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.
وكلا الطرفين مذموم.
وأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاًّ بذلك.
فالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.
فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.
وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.
فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه (^١).
فائدة: "مسكن العقل":
سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية: أين مسكن العقل في الإنسان؟
فأجاب بقوله: "العقل قائمٌ بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا البدن فهو متعلق بقلبه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (^٢).
وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟
قال: "بلسانٍ سؤولٍ وقلبٍ عقولٍ"، لكن لفظ القلب قد يُرَادُ به:
ا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه (^٣).
٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ بتصرف
(٢) الآية ٤٦ من سورة الحج
(٣) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ ح ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ - ٥١
[ ١ / ٣٧٨ ]
وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).
والتحقيق "أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:
مبدأ الفكر والنظر في الدماغ.
ومبدأ الإرادة في القلب.
والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.
وكلا القولين له وجه صحيح" (^١).
_________________
(١) رسائل في العقل والروح ٢/ ٤٨ - ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)
[ ١ / ٣٧٩ ]
(٦٤) "ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية، يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك، فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل.
(٦٥) ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله.
(٦٦) فيا ليت شعري بأي عقل يُوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: "أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ "" (^١).
تدرج المصنف ﵀ في دفع دعوى الخصم في تقديم العقل على النقل وبين أن هذه الدعوى مردودة:
فمن الردود عليهم أن أصحاب هذا القول مختلفون فيما بينهم في القدر الذي يثبت وينفى مما وردت به صوص الكتاب والسنة، فإذا كان الأشعري والماتريدي يثبتون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فإن المعتزلي والجهمي ينكرون ذلك وحجتهم هي أن العقول لا تجيز ذلك.
وإذا كان الأشعري والماتريدي يقرون بصفة العلم والقدرة والكلام بحجة أن العقول تثبت ذلك، فإن المعتزلة والجهمية على خلاف ذلك ينكرون هذه الصفات ويؤولونها بحجة أن العقل لا يجيزها.
_________________
(١) انظر حليلة الأولياء لأبي نعيم الجزء السادس، صفحة (٣٢٤).
[ ١ / ٣٨٠ ]
وإذا كان الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة يثبتون حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، فإن الفلاسفة ينكرونها بحجة أن العقل لا يجيزها يؤولون النصوص التي وردت بذلك.
وإذا كانت جميع طوائف أهل الكلام تنكر علو الله واستوائه على العرش بزعم أن العقول تحيل ذلك وأنهم مضطرون إلى تأويلها، بالرغم من ورود النصوص بإثبات هذه الصفات.
وقول المصنف: "ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل".
يؤمن أهل السنة بعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه وهم بائنون منه.
وقد وافقهم على قولهم في إثبات العلو عامة الصفاتية، كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه، وأبي العباس القلانسي (^١)، وأبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه.
وهو قول الكرامية ومتقدمي الشيعة الإمامية (^٢).
وقد استدل أهل السنة والجماعة على إثبات صفة العلو بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
ودعوى هؤلاء المعطلة بأن العقل يحيل إثبات العلو هي دعوى مردودة فقد استدل علماء أهل السنة على إثبات صفة العلو بأدلة عقلية كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:
الدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟
فسيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟
_________________
(١) قال عنه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٢٩٨): «أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري ﵀ لا من تلاميذه، كما قال الأهوازي، وهو من جلة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات، (أي موافق لاعتقاد الأشعري).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧)، ونقض تأسيس الجهمية (١/ ١٢٧، ٢/ ١٤).
[ ١ / ٣٨١ ]
فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:
واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.
وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع" (^١)
الدليل الثاني: قول ابن القيم: "إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.
فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟
فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟
فإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.
وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.
فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.
قيل: هذا -والله أعلم-حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.
وأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها
_________________
(١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).
[ ١ / ٣٨٢ ]
للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره" (^١).
الدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.
والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلًا عنه.
ولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^٢).
وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.
فالسؤال الذي يفرض نفسه إذا كان العقل هو الحكم على هذه الأمور نفيًا وإثباتًا فعقل من نتبع وكل واحد من هؤلاء فيما ينفيه يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل على حد قوله، فالحجة واحدة والمزاعم مختلفة.
والجواب كما قال المصنف: "ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله".
فكيف يطلب هؤلاء تحكيم عقولهم في نصوص الكتاب والسنة، ثم استشهد المصنف هنا بمقولة الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال: "فيا ليت شعري بأي عقل يُوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: "أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ " (^٣).
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).
(٣) انظر حليلة الأولياء لأبي نعيم الجزء السادس، صفحة (٣٢٤).
[ ١ / ٣٨٣ ]
(٦٧) "وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:
أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.
والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات.
الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملًا إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه".
أورد المصنف أربعة ردود في هذا النص وهي:
أولًا: "بيان أن العقل لا يحيل ذلك".
فالنصوص الشرعية فيما أخبرت به من أمور الغيب وغيرها العقل لا يحيلها، وإن كان قد لا يدركها، فمما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول ﷺ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقا وتعضيدا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع
[ ١ / ٣٨٤ ]
تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
ثانيًا: "أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل".
من قول أهل السنة الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل الفاسد، يقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم على حد تعريفهم: ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (^١).
فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ.
ومراد المتكلم يعلم:
أ - إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة.
ب - أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه.
ت - أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده.
وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم-تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل (^٢).
إذ لم يعرف القول بالتفويض بهذا المعنى في القرون الثلاثة الأولى، بل ظهر في القرن الرابع، كما قال ابن تيمية وقال: وأول من قال به أبو منصور الماتريدي -المتوفي ٣٣٣ هـ- وأبو الحسن الأشعري -المتوفي ٣٢٤ في محاولة للتوسط بين منهج السلف في إثبات النصوص وبين المنهج العقلي المستمد من الفلسفة
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).
(٢) التأويل: هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٣٨٥ ]
اليونانية … وإنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. انتهى بتصرف.
ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدهما: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
الثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه.
قال ابن الوزير ﵀: "من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل" (^١).
الرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح (^٢).
ومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن - والعياذ بالله - معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم …» (^٣).
ودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان
_________________
(١) «إيثار الحق» لابن الوزير (ص ١٢٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، و«الصواعق المرسلة» لابن قيم الجوزية (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠)، و«بدائع الفوائد» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٠٠٩).
(٣) رواه مسلم (١٨٤٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ١ / ٣٨٦ ]
باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: (يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم) (^١).
وقال ابن تيمية ﵀: "لم يكن في الصحابة من تأول شيئا من نصوصه - أي نصوص الوحي - على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت" (^٢).
وفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل - ولو كان مستكرهًا - ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف" (^٣).
ويقول ابن تيمية ﵀ مبينًا خطورة التأويل: "فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد" (^٤).
يقولُ شيخُ الإسلامِ: "فعُمدَةُ مَنْ يُخالِفُ الكتاب والسنَّة هو الاحتجاجُ بقياسٍ فاسد، أو نقلٍ كاذب، أو خطابٍ شيطاني، وأشنعُ مِنْ هؤلاء مَنْ يؤصِّلُ بعقلِهِ الفاسدِ أو ذوقِه الشيطاني أصولًا يتَّخذَها دينًا وشرعًا يعارِضُ بها نصوص الكتاب والسنَّة، فإنْ وافَقَتْ النصوصُ ما أصَّلَهُ هو بعقله أو ذوقه احتجَّ بها اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفت ما أصَّلَهُ كانت له معها إحدى ثلاث طرق:
_________________
(١) انظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١١) و«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٨٨).
(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٥٢).
(٣) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٢٦٧).
(٤) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٤/ ٢١٦).
[ ١ / ٣٨٧ ]
الأولى: ردُّ النصوص وتكذيبها إن كانت أحاديث، وبخاصةٍ أحاديث الآحاد.
الثانية: صرفُها عن ظواهرها التي وُضعت لها.
الثالثة: إبقاؤها على ظواهرها مع اعتقاد نفي مقتضى الظاهر، ويسمِّى ذلك تفويضًا " (^١).
ففي لزوم الإيمان بالنصوص على ظاهرها ودفع التأويل المتعسف بغير دليل موافقة لنصوص الكتاب والسنة لفظا ومعنى، مع بعد عن التكلف في الدين، والقول على الله بغير علم، والافتراء على رسوله الأمين، فضلًا عن ما في ذلك من مصلحة سد باب الخروج على العقيدة ببدعة محدثة، وسد باب الخروج على الشريعة، والاجتراء على الحرمات، والتهاون بالطاعات والوقوع في المنكرات، بصرف ألفاظ الوعد والوعيد عن حقيقتها وظاهرها، ودعوى أن كل ذلك غير مراد.
"وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها" (^٢).
وسيأتي مزيد تفصيل لمسألة التأويل فيما سيأتي من كلام المصنف.
ثالثًا: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن رسول الله ﷺ بيَّن جميع الدين أصولَه وفروعَه، باطنه وظاهرَه، عِلمَهُ وعملَهُ، فإنَّ هذا الأصل هو أصلُ أصولِ العلمِ والإيمان" (^٣)
بل كان قول أهل العلم: من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه ﷺ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها مما يظهر منها: قول ابن مسعود ﵁: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل
_________________
(١) (الفتاوى (ص ٦٤ وص ١٤٢).
(٢) «القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ٣٥).
(٣) الفتاوى: ١٩/ ١٥٥.
[ ١ / ٣٨٨ ]
لركبت إليه (^١).
وقال مسروق ﵀: كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحثنا فيها ويفسرها عامة النهار. (^٢)
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (^٣).
وقال مجاهد ﵀: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها (^٤).
فلم يتوقف الصحابة عن تفسير النصوص والأخذ بظواهرها؛ ويستثنى من ذلك النصوص الخاصة بصفات الله تعالى، فقد أخذوا بظواهرها فأثبتوها دون تفسير أو تكييف لمعناها.
قال ابن تيمية ﵀: "إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" (^٥).
قال الذهبي: قال سفيان (^٦) وغيره: قراءتها - أي آيات الصفات - تفسيرها، يعني
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٦٠).
(٣) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٤٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٨٣، وأحمد في «فضائل الصحابة» (ص ٨٤٧) (١٥٥٦)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥). والحاكم (٣/ ٦١٨) كلهم موقوفًا عن ابن مسعود ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٣): إسناده صحيح، وقال الألباني في كتاب «العلم» لأبي خيثمة: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني (١١/ ١٠٨)، والأصبهاني في «حلية الأولياء» (١/ ٣١٦) مرفوعا عن ابن عباس. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٤٩): رواه الطبراني وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٥٤)، والدارمي (١/ ٢٧٣) (١١٢٠)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥)، والطبراني (١١/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٣٠٧).
(٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٨٥).
(٦) وهو الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، روى ذلك عنه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١)، والدارقطني في «الصفات» (ص ٤١، ٤٢) وانظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص ١١٨)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن قيم الجوزية (١/ ١١٤، ١١٥).
[ ١ / ٣٨٩ ]
أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف (^١). (^٢)
والواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.
ودليل ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
• فقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
• وقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: ٢].
• وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الزخرف: ٣].
وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان.
• فقال: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: ٧٥].
• وقال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) الآية [النساء: ٤٦].
وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (^٣).
واعلم أن من قواعد أهل السنة المقررة أن الأصل أن يحمل النص على ظاهره، وأن الظاهر مراد، وأن الظاهر ما يتبادر إلى الذهن من المعاني، وأنه لا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدليل، فإن عدم الدليل كان الحمل على الظاهر هو المتعين، والحمل على خلافه تحريف، فالنصوص الشرعية نصوص هداية ورحمة لا نصوص
_________________
(١) «العلو» للذهبي (٥٧٤).
(٢) المصدر: علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري ص ٣٥٣.
(٣) المصدر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين -ص ٤٢.
[ ١ / ٣٩٠ ]
إضلال، فلو قدر أن المتكلم أراد من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته من غير قرينة ولا دليل ولا بيان لصادم هذا الفعل مقصود الإرشاد والهداية وأن ترك المخاطب والحالة هذه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى … ومن أسباب إخراج النصوص عن ظواهرها عند البعض دعوى معارضتها للمعقول كالشأن في كثير من العقائد الإسلامية، إذ أن من طالع كتب المؤولة وجد عندهم توسعا عجيبا في هذا الباب، وكلما خاضوا بالتأويل في باب جرهم ذلك إلى استسهال التأويل في باب آخر وهكذا حتى آل الأمر بالباطنية مثلا إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر، … والذي يعنينا هنا أن نؤكد على أن هذه النصوص الشرعية يجب حملها على ظواهرها ولا يصح تأويلها لمجرد تنزيلها على واقع حالي أو لتوهم معارضتها للمعقول، وأن تأويلها والحالة هذه مخرج لها عن قصد الشارع وبالتالي فتنزيلها بعد التأويل تنزيل لها على واقع غير مراد ولا مقصود للشارع (^١).
أمَّا أهلُ البدع والتأويل فردوا النصوص بعقولهم الفاسدة: فقد وصفهُم الإمام أحمد ﵀ بقوله: (مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهُون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلِّين). (^٢)
ونقل الشاطبيُّ آثارًا تؤكدُ أنَّه لا يعارَضُ النقلُ بالعقلِ ثم قال: (فالحاصلُ من مجموع ما تقدَّم أن الصحابة ومَن بعدهم لم يعارِضوا ما جاء في السنن بآرائهم، علموا معناها أو جهلوه) (^٣).
رابعًا: "أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملًا إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. "
بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الكلام على مسألة التعارض المتوهم في كتابه
_________________
(١) المصدر: منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري ص ٨
(٢) الرد على الجهمية (ص ٥٢).
(٣) الاعتصام (٢/ ٣٣٦).
[ ١ / ٣٩١ ]
(درء تعارض العقل والنقل) ومما قاله في ذلك: "ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، ولا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ولا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السفسطائية، وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع" (^١)
"فالعقل الصريح عند أهل السنة يوافق النقل الصحيح، وعند الإشكال يقدمون النقل ولا إشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كل ما أخبر به ولا العكس.
ولا يقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إن العقل لا يتقدم على الشرع -وإلا لاستغنى الخلق عن الرسل-ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سموا أهل السنة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النبي ﷺ. قال الله تعالى): فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)] القصص: ٥٠ (^٢).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١١١
(٢) الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري ص ١٥٧.
[ ١ / ٣٩٢ ]
(٦٨) "ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنه بيّن للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.
والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] قالوا:
وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده".
قرن الله ﷿ بين باب الإيمان بالله وبين باب الإيمان باليوم الآخر في أكثر من آية من كتاب الله ﷿ كما أشار المصنف ومما وردت به نصوص الكتاب والسنة:
• قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. البقرة: ٦٢.
• وقال تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة: ٢٢٨.
• وقال تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة ٢٣٢.
• وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾. آل عمران: ١١٣ - ١١٤.
[ ١ / ٣٩٣ ]
• وقال تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾. النساء: ١٦٢.
وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في الإثبات.
ومن الآيات التي ذكر فيها الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في النفي:
• قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ البقرة: ٨.
• وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة: ٢٦.
• وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. النساء: ١٣٦.
• وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾. التوبة: ٥.
• وقوله تعالى: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾. التوبة: ٤٤ - ٤٥ [وفي هاتين الآيتين اجتمع النفي والإثبات في اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله].
وأما الأحاديث فهي أيضا كثيرة، ومنها:
o حديث أبي شريح، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا) (^١).
o ومنها: حديث أبي هريرة، ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا) (^٢).
o ومنها حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، قال قال رسول الله ﷺ: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) (^٣).
ومعلوم أن طوائف التعطيل مختلفون في إثبات الإيمان باليوم الآخر فالفلاسفة ينكرون حقيقة الإيمان باليوم الآخر ويتعاملون مع نصوصها كما يتعاملون مع كل أمر غيبي باعتبار أنه عندهم مجرد وهم وخيال لا حقيقة له.
بينما يقر كل من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية باليوم الآخر على خلل
_________________
(١) البخاري (٢/ ٣٥).
(٢) البخاري (٦/ ١٤٥).
(٣) مسلم: (١/ ٨٦).
[ ١ / ٣٩٤ ]
عند الجهمية والمعتزلة في بعض مسائل هذا الباب، وإذا كانت بعض هذه الطوائف كالأشاعرة والماتريدية يقولون بالأخذ بالنصوص الشرعية في هذا الباب ويدرجونها تحت ما يسمونه باب السمعيات، ومقصدهم بالسمعيات أن أصول هذا الباب تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة مع تأكيدهم على أن باب الإلهيات (أي الإيمان بالله) وباب النبوات (أي الإيمان بالنبي) لا يستدل لها بالنص وإنما دليلها عندهم هو العقل وحده.
وعليه يقال لهم إن النصوص جاءت بالأمرين أي أمر الإيمان بالله، وأمر الإيمان باليوم الآخر، فما بالكم تفرقون بينهما وتجعلون باب الإيمان بالله ﷿ مصدره عقولكم فتثبتون وتنفون بناء عليه، وباب الإيمان باليوم الآخر تقبلون فيه بما وردت به النصوص، فمصدر البابين واحد، وكما قال المصنف: " وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده".
فكيف يفرق بين البابين ومصدرهما واحد وهو النبي ﷺ، فالنصوص جاءت بهذا وهذا، وكلا مسائل البابين من الأمور الغيبية الغير مشاهدة والتي لا سبيل للعلم بها إلا من طريق الوحي.
وعليه فإن حق باب الإيمان بالله أن يعامل معاملة الإيمان باليوم الآخر بأن يرجع فيه إلى النصوص، والنصوص الواردة فيه أكثر بكثير من نصوص الإيمان باليوم الآخر.
[ ١ / ٣٩٥ ]
(٦٩) "ومعلومٌ للمؤمنين أن رسول الله ﷺ أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره، وأفصح من غيره عبارة وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، وقد اجتمع في حقه ﷺ كمال العلم والقدرة والإرادة.
ومعلومٌ أن المتكلم والفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته: كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان.
والرسول ﷺ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة، والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد، فعلم قطعًا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان هو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك هو أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذه منه، أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين لا من المؤمنين، والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على سبيل الاستقامة".
أدلة الكتاب والسنة وكلام السلف دالة على أن النبي ﷺ قد أكمل الرسالة وأدى الأمانة وبلغ م أنزل إليه من ربه ومن تلك الأدلة:
• قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (^١) فالآية تؤكد أن الأمة لم تعد تحتاج إلى نبي يكمل لها دينها أو يتم عليها نعمة ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ولأمته دينا يعبدون الله به إلى يوم القيامة (^٢).
_________________
(١) الآية (٣) من سورة المائدة.
(٢) كتاب عقيدة ختم النبوة (ص ٢٧ - ٢٨).
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … " (^١).
فمن تمام نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.
وهذه الآية دليل على كمال الدين وحيا من الله، وتبليغا من رسوله ﷺ، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.
وهي شهادة من الله تعالى لنبيه ﷺ على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.
ووجه الدلالة من الآية على ذلك "أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه ﷺ قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده" (^٢).
وما كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.
• فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ".
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات … " الحديث (^٣).
فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفا (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥، ١٥٦) بتصرف.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٤/ ٤١).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧).
[ ١ / ٣٩٧ ]
ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح
• فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).
• وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (^٢).
• وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (^٣).
• وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ (^٤).
وهذا الأمر والحث من الله لرسوله ﷺ على البلاغ لشرع الله والدين الذي أوحاه إليه نابع من كون الرسول ﷺ هو الطريق الوحيد الذي يعرف بواسطة ما شرعه من دين يدين العباد له به، فليس ثمت طريق آخر إلى معرفة شرع الله وأوامره ونواهيه إلا طريقه بها فهو المبلغ عن الله تعالى، وهذه هي سنة الله في خلقه حيث جعل طريق معرفته وعبادته عن طريق من أرسله من الرسل "فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، كما أنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث والحلال من الحرام إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير" (^٥) وبهذا وبغيره نلمس عظم الحاجة إلى تبليغ الرسل.
ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أعظم الأنبياء بلاغا فقد كان ﷺ حريصا على هداية أمته،
• وقد قال تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦)
وسيرته ﷺ كلها دليل على مدى حرصه على إبلاغ رسالة ربه والتفاني في إبلاغها دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وهو ﷺ أحق الناس بالوصف الوارد في:
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (^٧)
_________________
(١) الآية (٦٧) من سورة المائدة.
(٢) الآية (٨٢) من سورة النحل.
(٣) الآية (٥٤) من سورة النور، والآية (١٨) من سورة العنكبوت.
(٤) الآية (٤٨) من سورة الشورى.
(٥) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٦٩).
(٦) الآية (١٢٨) من سورة التوبة.
(٧) الآية (٣٩) من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٣٩٨ ]
"فقد امتدح الله ﵎ في هذه الآية الذين يبلغون رسالته إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد إبلاغ رسالات الله، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب وإلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع" (^١).
ولقد أيد الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ بكل ما يلزم لتبليغ وحي الله وشرعه، فأعطاه العصمة في التبليغ
• فقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٢)،
فهذه الآية دليل واضح على عصمته ﷺ في كل أمر بلغه عن ربه ﵎، كما أنها شهادة وتزكية من الله ﵎ لنبيه ﷺ على سلامة شرعه الذي أوحاه إليه من كل ما ينقص منه.
• وقال ﷺ: "إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" (^٣)
وبالإضافة إلى عصمته في أمر التبليغ فقد عصمه الله كذلك من الناس حتى يتم له أمر إبلاغ هذا الدين وإكماله.
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.
ومع عصمة الله لنبيه في التبليغ، وعصمته من الناس، فكذلك عصم الله كتابه الذي أنزله إليه ليكون محفوظا من كل تحريف أو تغيير
• قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٤).
كما تعهد كذلك بحفظ هذا الدين وإبقاء طائفة في كل زمان من الأزمنة تنصر هذا الدين وتحفظه وتبلغه، كما جاء عن النبي ﷺ،
• وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٢) بتصرف.
(٢) الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا (٧/ ٩٥).
(٤) الآية (٩) من سورة الحجر.
[ ١ / ٣٩٩ ]
خذلهم حتى يأتي أمر الله" (^١).
وفي هذه الأمور ضمان لاستمرار هذا الدين وإبلاغه لكل أهل زمان، لأنه شامل لكل الناس في كل وقت إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وقد أخبر ﷺ في مواطن متعددة بأنه قد أبلغ أمور الرسالة وأوضحها لأمته، وهو ﷺ الصادق المصدوق ومن ذلك:
• قوله ﷺ: "قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (^٢)
وهذا هو الحق فقد بلغ وحي ربه وصدع بأمره، ونهض بأعباء الرسالة كما أراد الله منه، فأدى الأمانة ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، وما ترك لأمته من شيء يقربهم إلى الجنة إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا من شيء يبعدهم عن النار إلا وقد حدثهم به وحذرهم منه، وبين لهم كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم فهذه هي مهمته ورسالته ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقد أتم ﵊ ما أوكل إليه على أتم وجه وأكمله فأبان الطريق ودل على صراط الله المستقيم وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
ولقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم بهذا. فهم الذين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، وكانوا ملازمين له في كل أحواله وحركاته فهم أعلم بما كان. وسأورد بعض ما ورد عنهم في هذا الشأن.
o فقد سئل سلمان الفارسي (^٣) ﵁ فقيل له: "أقد أعلمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله من: "لا تزال طائفة من أمتي … " (٦/ ٥٢، ٥٣).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧) ح ٤٩، وابن ماجة في السنن، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) ح ٤٣، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٧٠). "حديث صحيح".
(٣) سلمان أبو عبد الله الفارسي أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان سمع بالنبي ﷺ قبل مبعثه فتغرب بحثا عنه وتسبب ذلك إلى وقوعه في الرق ومنّ الله عليه بالإسلام. أول مشاهده الخندق، وكان ﵁ خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا، توفي عام ٣٥ هـ. الإصابة (٢/ ٦٠، ٦١) رقم ٣٣٥٧.
[ ١ / ٤٠٠ ]
فقال: "أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع (^١) أو بعظم" (^٢).
o وعن أبي ذر ﵁ قال: "لقد تركنا محمدا ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما" (^٣).
o وعن عائشة (^٤) ﵂ قالت: "من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ " (^٥). وفى رواية "من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ " (^٦).
o وعن عائشة ﵂ قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٧) " (^٨).
فمن حقه ﷺ على أمته أن يقروا له بفضله وصدقه وأمانته في تبليغ رسالة ربه التي ائتمنه عليها، وكلفه أن يقوم بها فلا يكون إيمان للمرء إذا لم يقر للرسول ﷺ بأنه قد بلغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وقام بأدائها أعظم ما يكون القيام واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله البشر، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك في صدقه فهو كافر مارق عن الإسلام مكذب لله ولرسوله.
وقد تنوع طعن المخالفين لأهل السنة في رد النصوص الواردة في القرآن والسنة، فمن الطعن في نصوص القرآن من حيث دلالتها والقول بأنها ظنية الدلالة، والطعن
_________________
(١) الرجيع: القذرة والروث، سمي رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علقا. النهاية (٢/ ٢٠٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (١/ ١٥٤).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٣).
(٤) هي الصديقة أم المؤمنين واسمها عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع وكانت ﵂ من أعلم الصحابة وأفقههم، وكانت أحب نساء النبي ﷺ، توفيت عام ٥٨ هـ. الإصابة (٤/ ٣٤٨ - ٣٥٠) رقم ٧٠٤٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥) ح ٤٦١٢.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٠٣) ح ٧٥٣١.
(٧) الآية (٣٧) من سورة الأحزاب.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣).
[ ١ / ٤٠١ ]
في نصوص السنة من حيث كونها أخبار آحاد، وتلون البعض منهم من حيث قبول النصوص في بعض أبواب الدين وعدم قبولها في البعض، مع أن الناقل لها واحد وهو رسول الله ﷺ.
من المعلوم النبي ﷺ في هذه المسائل لم يتكلم بخلاف الحق ولم يرد خلاف الحق كما يزعم هؤلاء، فكلهم شكَّكوا في هذه الأمور على ما سيأتي، فإذا كل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذا منه أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين لا من المؤمنين، فينبغي التنبه لهذه الحقيقة، والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على الاستقامة.
لأن هؤلاء شكَّكوا حتى في علم الصحابة، فلم يكتفوا بالتشكيك في النصوص، ولم يكتفوا كذلك بالتشكيك في إبلاغ النبي ﷺ بالحق، بل زعموا أن قول الصحابة في هذا الباب قولٌ مشكوك في علمه، إلى درجة أن زعموا أن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد، ولذلك لم يتفرغوا لمثل هذه المسائل ولبحثها، وهم الذين تفرغوا وتصدروا لبحثها.
فكل هذا تشكيكٌ في الحق، ومحاولة لهدم الحق فتنبه لذلك، وسيأتيك بعض كلامهم هنا، فجاء إلى هؤلاء وإلى كلامهم في هذه المسائل.
[ ١ / ٤٠٢ ]
(٧٠) "وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل".
قول المصنف: "وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل".
قوله: "وأما المنحرفون" المقصود بهم المعطلة على اختلاف وتنوع درجات تعطيلهم، وهؤلاء المنحرفون هم في الأساس على قسمين:
القسم الأول: الفلاسفة.
القسم الثاني: أهل كلام.
والمصنف هنا يتكلم عن الفلاسفة.
وقوله: "عن طريقهم" أي عن منهج وطريق السلف.
قوله: "فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل" يتكلم المصنف عن أقسام المعطلة في مسالك تعطيلهم إلى ثلاث طوائف:
"أهل التخييل".
"وأهل التأويل".
"وأهل التجهيل".
ومسالك التعطيل في الأصل تعود إلى مسلكين:
المسلك الأول: مسلك التبديل. وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسلك الوهم والتخييل.
القسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.
والمسلك الثاني: مسلك التجهيل. وينقسم إلى قسمين:
وهم الذين سيأتي الكلام عنهم عند شرح قول المصنف:
القسم الأول: "فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله،
[ ١ / ٤٠٣ ]
ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم".
القسم الثاني: "وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات".
[ ١ / ٤٠٤ ]
(٧١) "فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف. فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق.
ثم هم على قسمين:
منهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه.
ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة، وباطنية الصوفية.
ومنهم من يقول: بل الرسول عَلِمَها لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.
ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.
وأما الأعمال: فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.
قول المصنف: "فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف".
بدأ المصنف بتفصيل القول عن أصحاب مسلك التبديل وبدأ بالصنف الأول منهم
[ ١ / ٤٠٥ ]
وهم أصحاب الوهم والتخييل، وهؤلاء المقصود بهم أهل الفلسفة
"الفلاسفة، اسم جنس لمن يُحِبُ الحكمة ويُؤثِرُها.
وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.
وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المَشَّاؤُون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها، بل لا يعرفُ سواها، المتأخرون من المتكلمين" (^١).
أما الفلاسفة فإن إيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق، -أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة-، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة" (^٢).
ويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.
فالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.
فالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات، ويقولون بدلًا من ذلك: (إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعالم ومعلوم وعلم)، وجعلوا كل ذلك أمورًا عدمية.
ودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله، وفساد هذا القول جلي واضح.
فالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلًا.
كما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٥٧).
(٢) الرد على المنطقيين (ص ١١٤).
(٣) انظر الرد على المنطقيين ص ٣١٤.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمدًا عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح جلي في النقل والعقل.
أما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. وكذا العقل أيضًا شاهد بفساد هذا المعتقد، فكيف يجهل الله أمورًا سيرها بأمره وأجراها بقدره وأخبر عنها في كتابه (^١).
ومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيار أكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم. وهذا القول مردود بقول الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَار﴾ [القصص ٦٨]. ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يُشبَّه فعله بفعل الجماد.
والفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نَعْتَ، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا.
ولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا عالمًا قادرًا حيًا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة.
ففساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيه فساد، وسنعرض لأقوالهم في أسماء الله وصفاته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.
"وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبيُّ بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانِية، هي العقول عندهم، وهي مجرَّدات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبِّر شيئًا، ولا
_________________
(١) انظر الرد على المنطقيين ص ٤٦١.
[ ١ / ٤٠٧ ]
تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تُصَفُّ عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.
وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القوى الخَيِّرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرَّديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.
وأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئًا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب إليهم ممن ينتسب للمسلمين يقول: الكتب المنزلة فَيْضٌ فاضَ من العقل الفَعَّال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعاني، وتشكلت في نفسه بحيث توهم أصواتًا تخاطبه، وربما قَوِيَ الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه، وربما قوي ذلك حتى يُخَيِّلها لبعض الحاضرين، فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج.
وأما الرسل والأنبياء فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبيُّ:
أحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة.
الثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل في نفسه أشكالًا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره.
الثالثة: قوة التأثير بالتصرف في هيولي العالم. وهذا يكون عنده بتجرد النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة.
وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب؛ ولهذا طلبَ النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهم. والنبوة عند هؤلاء صنعةٌ من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هي سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة.
وأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه.
فلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء.
وحَسبُكَ جهلًا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانًا، وضلالًا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول" (^١).
والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:
الأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.
الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.
فتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.
وهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: أهل فلسفة محضة كالفارابي والكندي وابن رشد الحفيد (^٢).
القسم الثاني: أهل فلسفة باطنية وتنقسم إلى قسمين:
الأول: فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا وإخوان الصفا (^٣).
الثاني: فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.
وقوله: "فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق".
فالفلاسفة دعواهم العريضة في هذا الباب هي قوله: إن ما ذكره الرسول ﷺ إنما هو من باب الوهم والتخييل، وهم يقولون: ليس هناك أصلًا نبوَّة على الحقيقة، وأن النبوَّة على زعمهم إنما هي أمرٌ مكتسب كأي مهنة من المهن، وأن هذا النبي استطاع
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٢) -منهاج السنة ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤.
(٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
[ ١ / ٤٠٩ ]
بقوة ذكائه أن يخيِّل للناس أن هناك رباًّ على الحقيقة، وأن نتجلى على الحقيقة، وأن هناك بعثًا وحشرًا وإلى غير ذلك، وهذا كله عندهم من باب الوهم والخيال.
تحت هذا الزعم يقولون: إن هذه الأمور لا حقيقة لها، وأن هذا الرجل إنما هو مجرد مصلحٍ زعم بأنه بهذه الطريقة استطاع أن يصلح الناس، وعند بعضهم لا بأس بالإبقاء على ذلك لأن في ذلك مصلحة، فعقول عامة الناس لا تتسع لغير ذلك، وليس بمقدور كل أحدٍ أن يدرس الفلسفة التي هم عليها حتى يعرفوا الأمر على حقيقته.
وهذا مسلك الفلاسفة، ولذلك هم ينكرون كل غيب، فعندهم أن وجود الله ﷿ لا حقيقة له وإنما هو أمر مقدر في الخيال والذهن لا في الخارج، وأن الملائكة هي قوى الخير في النفس، والشياطين هي قوى الشر في النفس، وأن الجنة هي السعادة النفسية، وأن النار هي الشقاء النفسي، إلى غير ذلك من التأويلات التي قالوها تحت هذا الزعم، فهم ليسوا مع ذلك بحاجة إلى أن يؤوِّلوا على وجه التفصيل.
فهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لينتفع به خواص الناس وإنما هو فقط خطابٌ للعوام والجمهور من الناس، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق، فإذًا طعنوا في علمه، وطعنوا في بيانه، وطعنوا حتى في قدرته على الحق عند بعضهم.
وأما قول المصنف: "ثم هم على قسمين:
منهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه.
ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة، وباطنية الصوفية.
ومنهم من يقول: بل الرسول عَلِمَها لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.
ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر".
أما في القدرة على بيان الحق فهم على قسمين:
القسم الأول: يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، هذا أيضًا
[ ١ / ٤١٠ ]
طعن في العلم وأيضًا في القدرة،، وهذا قول الفارابي أو بشر بن فاتك من الفلاسفة يقولون: إن الفيلسوف الكامل أعلم من الرسول لأن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونه أولياء وهذا عند ابن عربي، أن الوليَّ الكامل أعلى وأولى من الرسول، وعلمهم أعلى من علمه، ويزعمون أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة الغلاة من الفلاسفة والباطنية، ويقصد بذلك باطنية الشيعة وهم الإسماعيلية وباطنية الصوفية وهم الاتحادية.
ليس هذا القول عند كل الرافضة، ولا عند كل الصوفية، ولكن هذا القول عند الإسماعيلية والاتحادية.
القسم الثاني: ومنهم من يقول وهذا ابن سينا يقول: الرسول عَلِمَها ولكنه لم يبيِّنها ويقول: إن الرسول أعلى من الفيلسوف لأن الرسول استطاع أن يخيِّل للناس هذه الأمور واستطاع أن يقنعهم بذلك، فهو أولى من الفيلسوف وأعلى منه.
وقالوا: الرسول عَلِمَها لكن لم يبيِّنها وإنما تكلَّم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق، فهم يقولون: لا يمكن لهؤلاء أن يفهموا إلا أن يخيِّل لهم الرسول أن هناك رباًّ جالس على العرش، وأن له يدان وأن له كذا وكذا، بهذه الصورة يمكن لعقول هؤلاء أن تقبل هذه الأمور لا بغيرها، هذا قولهم هذا قول ابن سينا وأمثاله كابن رشد الحفيد وغيره.
فيقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، اعتقاد معادن الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل، وقالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمَّن الكذب لمصلحة العباد، فاتهموا الرسول بالكذب، وهذا قولهم فيما يتعلق في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقول المصنف: "وأما الأعمال: فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم".
أما إذا جاءوا إلى الأمور العملية فمنهم من يقرِّرها على سبيل أنها رياضات نفسية تستوي كرياضة اليوجا أو غيرها من الرياضات لأنها كلها تصبُّ في بابٍ واحد وهو
[ ١ / ٤١١ ]
تزكية النفس.
ومنهم من يقول: هي فقط للعوام وليست للخواص، ولذلك ترسخ هذا الفكر عند بعض الناس فترى أنه لا يصلي ولا يصوم ويزعم أنه مسلم لأنه يرى هذه النظرة أن الصلاة والزكاة لطائفة دون طائفة أخرى.
فإذًا في العمليات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، منهم من يقول: تبقى على ما هي عليه لأنها من سبيل الرياضات النفسية، فالنفس تتروَّض بمثل ذلك وتزكو فلا مانع من بقائها على ما هي عليه، ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.
قال ابن تيمية: "وكان لهؤلاء الفلاسفة أقوال فاسدة تلقوها من أسلافهم الفلاسفة، ولما رأوا أن ما تواتر عن الرسل يخالفها، سلكوا طريقهم الباطنية فقالوا: إن الرسل لم تبين العلم والحقائق التي يقوم عليها البرهان في الأمور العلمية، ثم منهم من قال: إن الرسل علمت ذلك وما بينته، ومنهم من يقول: إنها لم تعلمه وإنما كانوا بارعين في الحكمة العملية دون الحكمة العلمية، ولكن خاطبوا الجمهور بخطاب تخييلي، خيلت لهم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما ينفعهم اعتقاده في سياستهم، وإن كان ذلك اعتقادًا باطلًا لا يطابق الحقائق.
وهم يقرون بالعبادات، ولكن يقولون مقصودها إصلاح أخلاق النفس، وقد يقولون إنها تسقط عن الخاصة العارفين بالحقائق فكانت بدعة أولئك المتكلمين مما أعانت إلحاد هؤلاء الملحدين" (^١)
فهذا الفريق هذا شأنه مع النصوص، طعن في النصوص وطعن في علم الرسول ﷺ، وطعن في إرادته وطعن في قدرته؛ وهذا قولهم في الجملة.
أما قولهم في باب أسماء وصفات الله تفصيلًا فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة.
وهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^٢) وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله. (^٣).
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا
_________________
(١) -منهاج السنة ١/ ٣٢١، ٣٢٢. «بتصرف»
(٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.
(٣) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.
[ ١ / ٤١٢ ]
مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (^١) فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات. (^٢)
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة.
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة. (^٣)
فهؤلاء هم غلاة الغلاة (^٤) لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات. (^٥)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات) (^٦)
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللا أدرية.
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧، شرح الأصفهانية ص ٥١، ٥٢.
(٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٨.
(٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
(٤) -مجموع الفتاوى ٣/ ١٠٠.
(٥) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.
(٦) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
[ ١ / ٤١٣ ]
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه. (^١)
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود.
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون … فمنه إليه بدؤه وختامه (^٢)
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ (^٣) ﴿وما علمت لكم من إله غيري﴾ (^٤) وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (^٥). بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله) (^٦)
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر ويفتقر إليه وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده … ويحمدني وأحمده (^٧)
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (^٨) فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم
_________________
(١) -الصفدية ١/ ٩٦، ٩٨.
(٢) -الفتوحات المكية ٤/ ١٤١ ط: دار صادر، بيروت.
(٣) -الآية ٢٤ من سورة النازعات.
(٤) -الآية ٢٨ من سورة القصص.
(٥) -الآية ١٤ من سورة طه.
(٦) -بغية المرتاد ص ٣٤٩.
(٧) -فصوص الحكم ١/ ٨٣.
(٨) -بغية المرتاد ص ٣٩٧، ٣٩٨.
[ ١ / ٤١٤ ]
والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين. (^١)
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى".
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^٢)
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٣)
«خلاصة أقوال غلاة المعطلة»
كلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:
_________________
(١) -بغية المرتاد ص ٤٠٨.
(٢) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.
(٣) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.
[ ١ / ٤١٥ ]
١ - الأصل الأول:
النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللا أدرية.
٢ - الأصل الثاني:
أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
[ ١ / ٤١٦ ]
(٧٢) "وأما أهل التأويل: فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك".
يذكر المصنف هنا القسم الثاني من مسلك التبديل وهو مسلك التأويل والتحريف، وأهل هذا المسلك الذين قصدهم المصنف بقوله: "وأما أهل التأويل" هم طوائف أهل الكلام وهم: الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
والفرق بين مسلك أهل الوهم والتخييل ومسلك أهل التأويل والتحريف من وجهين:
الوجه الأول: فأحد الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام:
• أن الفلاسفة يعمِّمون قولهم في كل غيب، فيتكلمون بهذا الزعم في مسائل الإيمان بالله وفي مسائل الإيمان باليوم الآخر، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الأمور العملية.
• أما أهل الكلام فيطلقون هذه العبارات في أبواب دون أبواب، فهم دونهم في هذا الأمر، فهم يعمِّمون مثل هذه الأقوال في مسائل الصفات دون مسائل الإيمان باليوم الآخر، مع ما عند الجهمية والمعتزلة من خلل في بعض مسائل المعاد كمسائل عذاب القبر، وكذلك الشفاعة وفناء الجنة والنار وغيرها من المسائل التي تتعلق باليوم الآخر.
فإطلاقهم بمثل هذه العبارات خاص في باب الصفات ولذلك قال المصنف: "فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات" فخص بالذكر باب الصفات دون غيره من الأبواب.
[ ١ / ٤١٧ ]
الوجه الثاني: من الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام: هو أن الطريقة اختلفت.
• فالفلاسفة يقولون: إن ما جاء به الرسول وهم وخيال.
• أما أهل الكلام فيقولون: إن الرسول ﷺ لم يقصد أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين تلك المعاني ولا دل الناس عليها ولكن ترك ذلك امتحانًا لعقولهم.
وقول المصنف: "لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك".
مراده هل يعقل أن أعظم بابٍ في الدين، يتركه النبي ﷺ من غير بيان وتوضيح؟ وهل يُعقل أن النبي ﷺ يتكلم بخلاف الحق ثم يترك ذلك ولم يبينه امتحانًا لعقول الناس، إذًا ما هي وظيفة الرسل إذا لم يكن مبينًا للناس؟
فالله تعالى قال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ» (^١)، فهل هذا يمكن أن يُقبَل أن نطعن في كمال قدرة النبي ﷺ في بيان الحق، أو نطعن في كمال إرادته؟
فهؤلاء طعنوا في كمال قدرته، وفي كمال إرادته؛ لأنهم قالوا: إنه قصد بها معني ولكن لم يبين تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم؛ لأن هذا الكلام الذي جاءوا به وتلك التأويلات ما جاء بها النبي ﷺ، ولا دل الأمة عليها، فلابد أن يختلقوا مثل هذا الزعم، وهذا الزعم فيه طعنٌ في الرسول ﷺ، فشتان بين ما قدم له المصنف من بيان كمال علم النبي ﷺ وكمال إرادته وكمال قدرته على الحق وبين هذا التشكيك الذي جاء به هؤلاء وزعموه في شأن الرسول ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).
[ ١ / ٤١٨ ]
فإذًا هذا هو كلام الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية، وإن كان المصنف هنا لم يصرح بأسماء هؤلاء نظرًا للحال الذي كان في ذلك العصر، ولكن اللبيب بالإشارة يفهم.
يقول: والذين قصدنا الرد عليهم.
وأصحاب مسلك التأويل هم:
أولًا: الجهمية.
وقد كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
فكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:
١ - إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
٢ - وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها.
وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما. (^١)
وهذا حال الجهمية دائمًا يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق، وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء.) (^٣)
_________________
(١) -بغية المرتاد ص ٤١٠، ٤١١.
(٢) -نقض تأسيس الجهمية ٢/ ٤٦٧.
(٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
ولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهالًا به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه. (^١).
وأما أهل الكلام فقد شاركوا الفلاسفة في بعض أصولهم، وأخذوا عنهم القواعد المنطقية والمناهج الكلامية، وتأثروا بها إلى درجة كبيرة.
وسلكوا في تقرير مسائل الاعتقاد المسلك العقلاني على حد زعمهم، وهم وإن كانوا يخالفون الفلاسفة في قولهم إن هذه الحقائق مجرد وهم وخيال، إلا أنهم شاركوهم في تشويه كثير من الحقائق الغيبية، فلا تجد في كتب أهل الكلام على اختلاف طوائفهم تقريرًا لمسائل الاعتقاد كما جاءت بها النصوص الصحيحة، فبدل أن تسمع أو تقرأ "قال الله" أو "قال رسوله ﷺ" أو "قال الصحابة"، فإنك لا تجد في كتبهم إلا "قال الفضلاء"، "قال العقلاء"، "قال الحكماء"، ويعنون بهم فلاسفة اليونان من الوثنيين، فكيف جاز لهم ترك كلام الله وكلام رسوله ﷺ والأخذ بكلام من لا يعرف الله ولا يؤمن برسوله؟!
والمطَّلِع على كتب أهل الكلام يدرك عِظَم الضرر الذي جَنَتْهُ على الأمة المسلمة، إذ تسببت تلك الكتب في حجب الناس عن المعرفة الصحيحة لله ورسوله ولدينه، وجُعِلَ بدل ذلك مقالات التعطيل والتجهيل والتخييل.
وأهل الكلام ليسوا صنفًا واحدًا بل هم عدة أصناف، وهم:
١ الجهمية، ٢ المعتزلة، ٣ الكلابية، ٤ الأشاعرة، ٥ الماتريدية.
وهذه الأصناف الخمسة كل له قوله ورأيه بحسب الشبه العقلية التي استند إليها.
أولًا: الجهمية.
فأما الجهمية فهم أتباع جهم بن صفوان الذي أخذ عن الجعد ابن درهم مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة (^٢)، وقد نشر الجهم مقالة التعطيل وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المغالاة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه نظرًا لما كان عليه من سلاطة اللسان وكثرة الجدال والمراء.
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٤٨. «بتصرف»
(٢) مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠)، والبداية (٩/ ٣٥٠).
[ ١ / ٤٢٠ ]
من أشهر معتقداتهم:
١ إنكارهم لجميع الأسماء والصفات كما سيأتي تفصيله.
٢ أنهم في باب الإيمان مرجئة، يقولون: إن الإيمان يكفي فيه مجرد المعرفة القلبية، وهذا شر أقوال المرجئة.
٣ أنهم في باب القدر جبرية، ينكرون قدرة العبد واختياره في فعله.
٤ ينكرون رؤية الخلق لله يوم القيامة.
٥ يقولون إن القرآن مخلوق.
٦ يقولون بفناء الجنة والنار.
إلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة التي قال بها الجهمية.
ثانيًا: المعتزلة.
وهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي:
١ التوحيد، ٢ العدل، ٣ الوعد والوعيد، ٤ المنزلة بين المنزلتين، ٥ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والاعتزال في حقيقته يحمل خليطًا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة بين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج، والرافضة.
فقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات، فزعموا أن ذات الله لا تقوم بها صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.
كما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.
كما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وأنه إذا ذهب بعضه زال كلّه.
وبناءً على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.
وأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ١ / ٤٢١ ]
كما أنهم شاركوا الروافض في الطعن في أصحاب النبي ﷺ، فقد كان من كلام واصل بن عطاء في أهل صفين قوله: "إن كليهما فاسق لا بعين" وقوله عن علي ومعاوية ﵄: "لو أن كليهما جاء عندي يشهد على حزمة بقل ما قبلت شهادتهما"، وأواخر المعتزلة كانوا أقرب إلى التشيع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة بذلك (يعني مسائل الصفات والقدر)، فأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك، فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء إلى ما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى ونحوهم هو من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع إما تسوية علي بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر.
وقدماء المعتزلة كعمرو بن عبيد وذويه كانوا منحرفين عن علي حتى كانوا يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها، لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه. فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم" (^١).
كما أخذوا عن الشيعة الرافضة أكثر آرائهم الخاصة بالإمامة.
وعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم.
وأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية، والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.
فالمعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات (^٢) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق (^٣) فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.
الطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤ - ٥٥).
(٢) -مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣١.
(٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.
[ ١ / ٤٢٢ ]
والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.
والمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته. (^١)
وهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. (^٢)
وهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية (^٣) والإباضية. وابن تومرت (^٤)، وابن حزم. (^٥)
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.
وردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. (^٦)
النجارية:
وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبًا
وكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء. (^٧)
_________________
(١) -المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٠٠.
(٢) -المصدر السابق ص ١٠١.
(٣) -لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورًا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية ص ٦٨.
(٤) -كان أبو عبد الله محمد بن تومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية ص ٢٣.
(٥) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨، ٣٥٩.
(٧) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص ٢٠٧، والملل والنحل ١/ ٨٩، ٩٠.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الضرارية:
وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) (^١)
فكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه) (^٢)
وكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن. (^٣)
ثالثًا: متكلمة الصفاتية (الكلابية -الأشاعرة -الماتريدية).
١ أما الكلابية:
وهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (^٤) (ت ٢٤٣ هـ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله" (^٥).
فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن
_________________
(١) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣٩.
(٢) -الفرق بين الفرق ص ٢١٥.
(٣) -مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١، ٣٥٢.
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).
(٥) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).
[ ١ / ٤٢٤ ]
كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول". (^٣)
فابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية. (^٤)
وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي" (^٥)
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري (^٦).
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٧).
ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).
(٥) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).
(٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).
(٧) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٢٥ ]
أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.
ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول" (^٢).
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).
قولهم في الصفات.
الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (^٣) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني
_________________
(١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).
(٢) الاستقامة (١/ ١٠٥).
(٣) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^١)
وهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٢)
وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٣) لا فعل ولا غير فعل. (^٤)
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٥)
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٦) (^٧)
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.
(٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.
(٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.
(٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.
(٧) -تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٨) قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
(٩) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(١٠) قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(١١) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ١ / ٤٢٧ ]
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^١)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٢)
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٣) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٤) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٦) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل.
كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٨) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٩)
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
١ - إما قديمًا قائمًا به.
٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.
_________________
(١) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.
(٣) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٤) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.
(٥) -الآية ١٣ من سورة الشمس.
(٦) -الآية ٢٦ من سورة الحج.
(٧) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٨) -الآية ١ من سورة المائدة.
(٩) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^١) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
(١) -إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٢) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٣)
(٢) -وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٤)
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٥)
(٣) -أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٦)
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٧)
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٨)
ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.
(٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.
(٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.
(٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.
(٨) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.
[ ١ / ٤٢٩ ]
فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)
وفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤ هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.
٢ الأشعرية:
يعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.
وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.
(٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ثم التقى بزكريا بن يحي الساجي فأخذ عنه ما أخذ من أصول أهل السنة والحديث (^١)، وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها (^٢) ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى وذلك بآخر أمره.
ولكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك (^٣).
وقال عنه السجزي: "رجع في الفروع وثبت في الأصول" (^٤) أي أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الأعراض وغيره (^٥).
وقال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا" (^٦).
وقال أيضًا: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك" (^٧).
وقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.
فالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٨).
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).
(٢) العلو (ص ١٥٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٤).
(٤) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٨).
(٥) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٣٦٧).
(٦) الاستقامة (١/ ٢١٢).
(٧) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
(٨) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
[ ١ / ٤٣١ ]
عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).
لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قولهم في الصفات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^٣).
فما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
[ ١ / ٤٣٢ ]
وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٣).
ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٤) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٥).
والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.
(٢) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(٣) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).
(٤) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.
(٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.
[ ١ / ٤٣٣ ]
القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث (^١).
وهناك عدة عوامل أدت إلى انتشار الأشعرية واشتهارها لعل من أبرزها ما يلي:
أولًا: نشأةُ المذهب في "بغداد" التي كانت حاضرة الخلافة العباسية ومحط أنظار طلاب العلم الذين كانوا يفدون إليها من شتى الأقطار، فهذا العامل أدى بدوره إلى تبني البعض للمذهب الأشعري والسعي لنشره في الأقطار الأخرى (^٢) بسبب تواجد كثير من أعيان المذهب الأشعري في بغداد في ذلك الحين.
ثانيًا: التقارب الذي كان موجودًا بين الأشعرية والحنبلية وما نفقت الأشعرية وراجت إلا بتوالفها مع الحنبلية. ولولا ذلك لكان مصيرها مصير المعتزلة الذين كان للحنابلة دور كبير في مقاومتهم والرد عليهم. وقد كان بين الأشعرية والحنبلية شيء من التوالف والمسالمة وكانوا قديما متقاربين.
فإن أبا الحسن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وكان عداده في متكلمي أهل الحديث.
والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم.
وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري (^٣) وكان تلميذًا لابن فورك الذي كان من أشعرية خراسان الذين انحرفوا إلى التعطيل، فلما صنف القاضي أبو يعلى الحنبلي كتابه «إبطال التأويلات» رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره مائلين إليه. فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة (^٤).
قال ابن تيمية: " فَالْأَشْعَرِيَّةُ " وَافَقَ بَعْضُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ وَافَقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحديثية؛ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ:
o فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُمْ يُثْبِتُونَهَا.
o وَبَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِبَعْضِهَا؛
وَفِيهِمْ تَجَهُّمٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).
(٢) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٣).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٤).
[ ١ / ٤٣٤ ]
• فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ؛
• وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي " الْإِبَانَةِ ".
• وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَانِي ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ.
• وَ" أَمَّا الجُوَيْنِي " وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.
• والقشيري تِلْمِيذُ ابْنِ فورك؛ فَلِهَذَا تغلظ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ حِينَئِذٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ تَنَافُرٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا متوالفين أَوْ مُتَسَالِمِينَ.
وَ" أَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ:
• فَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادٌّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛
• وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى؛ لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ.
• وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ كَأَبِي بَكْرٍ الآجري فِي " الشَّرِيعَةِ " واللالكائي فِي السُّنَنِ وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ.
• [وَ" أَمَّا التَّمِيمِيُّونَ " كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ وَابْنِ رِزْقِ اللَّهِ] (*) فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَتْبَعُهُمْ الصُّوفِيَّةُ وَيَمِيلُ إلَيْهِمْ فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ: كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ.
• وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ. فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامُهُمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ؛ وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَدْ يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ بَلْ هُوَ مُقَصِّرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَ" الْأَشْعَرِيَّةُ " فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ -فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ-فَرْعٌ عَلَيْهِمْ؛
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري. وَلَا رَيْبَ أَنَّ " الْأَشْعَرِيَّةَ " الخراسانيين كَانُوا قَدْ انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كِتَابَهُ فِي " إبْطَالِ التَّأْوِيلِ " رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ فورك شَيْخِ القشيري وَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ مَائِلِينَ إلَيْهِ؛ فَلَمَّا صَارَ للقشيرية دَوْلَةٌ بِسَبَبِ السَّلَاجِقَةِ جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ وَأَكْثَرُ الْحَقِّ فِيهَا كَانَ مَعَ الفرائية مَعَ نَوْعٍ مِنْ الْبَاطِلِ وَكَانَ مَعَ القشيرية فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاطِلِ.
فَابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلِهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ " إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ " وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ " الْإِرْشَادِ " مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنْبَلِيَّةِ أَنَا أُثْبِتُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ تَعْطِيلِ ابْنِ عَقِيلٍ وَتَشْبِيهِ ابْنِ حَامِدٍ.
• وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي " الشفا " وَغَيْرِهِ؛ " وَرَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ وَكَلَامُهُ فِي " الْإِحْيَاءِ " غَالِبُهُ جَيِّدٌ لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ وَمَادَّةٌ مِنْ تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ؛ وَمَادَّةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكْفُرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ؛ وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا.
• وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ؛ بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. (^١) "
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١ - ٥٦.
[ ١ / ٤٣٦ ]
ثالثًا: انتساب بعض الأمراء والوزراء للمذهب الأشعري وتبنيهم له ومن أبرزهم:
أ الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاه مدة ثلاثين سنة وذلك من سنة (٤٥٥ هـ إلى ٤٨٥ هـ).
وفي عهده أنشئت المدارس النظامية نسبة إليه وذلك في عدة مدن منها البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد.
وكان نظام الملك معظمًا للصوفية والأشعرية، إذ كان هؤلاء الذين يلقون الدروس في هذه المدارس، فكان لذلك دوره الكبير في نشر أصول العقيدة الأشعرية (^١).
ب- المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة (^٢).
فكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ج-صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (^٣).
_________________
(١) انظر موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٥٠٠).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٥).
(٣) الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا.
والأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد.
ومنها على سبيل المثال:
١ أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات، نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك.
وسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل.
٢ زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.
٣ بناءً على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نظير له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلًا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلّموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.
٤ وبناءً كذلك على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الاتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.
٥ خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته وهذا سيأتي بيانه.
٦ خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.
٧ خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.
٨ خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي. إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.
[ ١ / ٤٣٨ ]
٣ الماتريدية:
تعد الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لما بينهما من الائتلاف والاتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق بينهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة والماتريدية بأن كلًا من أبى الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم (^١).
ولعل هذا التوافق مع كونه يرجع إلى سبب رئيسي وهو توافق أفكار الفرقتين وقلة المسائل الخلافية بينهما وخاصة مع الأشعرية المتأخرة، إلا أن هناك أسباب مهمة يرجع إليها ويجب اعتبارها وأخذها في الحسبان ولعل أهمها التزامن في نشأة الفرقتين مع كون كل فرقة استقلت بأماكن نفوذ لم تنازعها فيها الفرقة الأخرى. فالماتريدية انتشرت بين الأحناف الذين كانوا متواجدين في شرق العالم الإسلامي وشماله فقل أن تجد حنفيًا على عقيدة الأشاعرة إلا ما ذكر من أن أبا جعفر السمناني -وهو حنفي-كان أشعريًا.
بينما نجد الأشعرية قد انتشرت بين الشافعية والمالكية وهم اليوم يتواجدون في وسط وغرب وجنوب وجنوب شرق العالم الإسلامي، فجل الشافعية والمالكية على الأشعرية. ولست أعني بذلك عوامهم وإنما الطبقة المثقفة منهم.
والماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) (^٢) كان معدودًا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار (^٣)، وقد نهج منهجًا كلاميًا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما. وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها (^٤).
ومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عمومًا كانوا من أسبق الناس تأثرًا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: "وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب
_________________
(١) مفتاح السعادة (٢/ ١٥١، ١٥٢) تأليف: طاش كبرى زاده
(٢) انظر ترجمته في كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (١/ ٢٠٩) للدكتور شمس الدين الأفغاني.
(٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية (ص ٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع.
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٣)، كتاب الإيمان (ص ٤١٤)، منهاج السنة (٢/ ٣٦٢).
[ ١ / ٤٣٩ ]
عمرو بن عبيد بالبصرة. " (^١).
فبشر بن غياث المريسي (٢٢٨ هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علمًا من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه.
فالماتريدي لا يبعد كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لَدُود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرًا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الاعتقادية شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعتبر امتدادًا لمدرسة ابن كلاب التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرًا بين أهل السنة والجماعة من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجًا ثالثًا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.
فالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كانت تغص بمختلف الطوائف والفرق (^٢).
ولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.
_________________
(١) الرد على الجهمية (ص ١٠٣ - ١٠٥).
(٢) انظر أحسن التقاسيم للمقدسي (ص ٣٢٣).
[ ١ / ٤٤٠ ]
(٧٣) "والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا، بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه.
(٧٤) وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب.
(٧٥) فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به.
(٧٦) وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات، مثل: لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقولهم: استراح لما خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
(٧٧) والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٤١ ]
يقول المصنف: "والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء" يقصد المتكلمة ولم يقصد المؤلف بتأليف هذه الفتوى الرد على الفلاسفة، فالفلاسفة لهم ردٌ آخر، فهو أراد أن يرد على أهل الكلام.
وقوله: "إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا" أي أن قول الفلاسفة وكلامهم واضح البطلان، ونفور الناس عنه مشهور.
وقوله: "بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة" أي بخلاف أهل الكلام فإنهم تظاهروا بنصر السنة، بل وتظاهروا أنهم ضد الفلاسفة ولهم ردود وكتبٌ في ذلك.
وقال المصنف: "وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه. " فأعظم القضايا التي فيها النزاع مع الفلاسفة هي مسألة المعاد، وحشر الناس، وتكلم هؤلاء فيها كثيرًا وردوا على الفلاسفة، والفلاسفة ردوا عليهم في مسألة الصفات، فيقول: أولئك الفلاسفة في رد نصوص الميعاد بنظير ما ادعاه أهل الكلام في نصوص الصفات أي إذا كنتم لا تقبلون الاستدلال بالنصوص في باب الصفات فمن باب أولى ألا يقبل الاستدلال بالنصوص في باب المعاد، فلم يكن عند أهل الكلام من جواب إلا أن قالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فاحتجوا بالنصوص في إثبات المعاد.
وقول المصنف: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد".
فبالتالي أهل السنة يحتجون على أهل الكلام بجنس دليلهم، فيقولون: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد إلى آخر الكلام الذي قاله المصنف في هذه المسألة، كل هذا في تقرير أن الأصل في المسألتين واحد، وكلا المسألتين من الأمور المعلومة بالاضطرار من دين الرسول ﷺ.
فإن كنتم أجزتم التأويل في الصفات فينبغي كذلك أن تجيزوا التأويل في المعاد،
[ ١ / ٤٤٢ ]
فتشاركون الفلاسفة أو يكون الأمر أنكم تقرُّون صفات ما تقرون به في الميعاد فتكونون في أهل السنة، وأنتم لا الإسلام نصرتم، لا كنتم مع أهل السنة الذين نصروا الإسلام، ولا الفلاسفة كسرتم؛ لأنكم وافقتموهم في شيء وخالفتموهم في شيء، ووافقتم أهل السنة في شيء وخالفتموهم في شيء.
فلا كسرتم الفلاسفة ولا نصرتم الإسلام بهذا، بل قولكم أصبح حجة للفلاسفة عليكم، فمثل هذا ينبغي أن يواجه به كل متكلم من الأشاعرة وغيرهم، فقل له: لماذا أنت في نصوص الميعاد تقبل هذه النصوص على ظاهرها، ولا تقبل ذلك في نصوص الصفات، فلماذا فرَّقت بين الأمرين، ولماذا أنت عندما يأتي النقاش مع الفيلسوف تحتج بمثل هذا في نصوص الميعاد وتترك ذلك في نصوص الصفات؟
وقوله: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب".
أراد المصنف هنا أن يقرِّر أن الأمر واحد، بل إن نصوص الصفات أكثر وأعظم من نصوص المعاد، وهؤلاء، يعني مشركو العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول، (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) يس ٧٨، ولكن ما أنكروا الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحدٌ من العرب شيئًا من الصفات.
وقوله: "فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به".
أي فعُلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم وقوعًا عند المنكرين من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟
يعني كيف يقبل هذا في المعاد ولا يقبل في الصفات؟، فإذًا أنتم فرَّقتم بين النصوص، فقبلتم ذلك في المعاد ولم تقبلوه في الصفات، مع أن نصوص الصفات أوضح، وأكثر في النص،
وقوله: "وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم
[ ١ / ٤٤٣ ]
أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات"
أي قد عُلم أنه ﷺ ذم أهل الكتاب على ما بدَّلوه وحرَّفوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما حُرِّف وبُدِّل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يعني يضحك ويتعجب منهم تصديقًا له.
ألم يأتي ذلك اليهودي إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد إن الله يُمسك السموات على أصبع، والجبال على أصبع والشجر على أصبع والخلائق على أصبع،، حتى بدت نواجذه.
فكان ﷺ لم يعبهم قط على ما ذكروه في هذا، كما يعيب هؤلاء على أهل الإثبات، فعندما تُذكر هذه النصوص يقولون: مشبِّهة مجسِّمة حشوية، هكذا ينبزون أهل السنة بألفاظ التجسيم والتشبيه.
فالعيب وقع على اليهود لما وصفوا الله بالنقص، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، لو كان في إثبات اليدين أو في إثبات الوجه أو في إثبات الأصابع نقص لنفاه الله ﷾، فهل يُعقل أنه يَذُمُّ الواصفين له بالنقص، ثم في نفس الوقت يصف نفسه بالنقص؟، ألا يكون هذا تناقضًا؟، فكيف يظنُّ من يصف نفسه بوصف ثم يمدح نفسه بأمرٍ هو في حقه نقص كما زعم هؤلاء.
ففي أول الآية، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، أليس هذا ذم لهم؟ ثم قال بعدها ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فكيف يذم الواصفين له بالنقص ثم يصف نفسه بالنقص لو كان في إثبات اليدين نقص، هل يُعقل هذا؟ فهذا لا يمكن أن يقبله عاقل.
وقوله: "والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان".
أي أن التوراة مملوءة بذكر الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، مع أن التوراة ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا أجاز أن تتأوَّل الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى.
والثاني: مما يُعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأوَّل أولى بالبطلان،
[ ١ / ٤٤٤ ]
إما أن يجمعوا بين المسألتين، أو يعني يكونون على الباطل، فلماذا يقبلون التأويل في الصفات ويتركون التأويل في نصوص المعاد؟، فهذا من الأمور التي يُحتج بها على هؤلاء.
[ ١ / ٤٤٥ ]
(٧٨) "وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.
وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بهذا ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه.
وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهو وقف صحيح [لكن] لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعمله، وظنوا أن التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك.
من الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت»، وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.
وهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله ﷿، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله ﷿ وصفاته.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).
ومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^٢).
ودعوى تفويض معاني النصوص دعوى مرفوضة وهي دليل على جهل المخالفين بأقوال السلف في هذا الباب.
وقد حاول أولئك تمرير هذا الباطل تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.
أشار المصنف هنا بشيء من الإجمال إلى أصحاب هذا القول، وبين في أخر الفتوى الحموية تفاصيل بعض قولهم فقال: "وأما القسمان الواقفان:
- فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
- وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات".
_________________
(١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١ / ٤٤٧ ]
الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:
- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.
- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.
ويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: "هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنما هي نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى.
وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها.
الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا
الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
الثانية تقول: بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.
وهم أيضا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص
الأولى تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم.
والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة.
وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل
[ ١ / ٤٤٨ ]
الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (^١).
ويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (^٢)
وهذه الشبه سيرد عليها المصنف في النصوص الآتية وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أن النصوص معلومة المعنى، وذلك من خلال بيان معاني لفظ (التأويل) والمقصود منه.
والوجه الثاني: النقول الواردة عن سلف الأمة في بيان معاني نصوص الصفات وتفسيرهم لها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
(٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٤٤٩ ]
(٧٩) "فإن التأويل يراد به ثلاث معان:
فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك.
فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون.
ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد. مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.
والمعنى الثاني: [أن] التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة وغيرهم.
وكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في مواضع أُخَر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق.
والمعنى الثالث: أن التأويل: هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك، هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٥٠ ]
وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.
فتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول» فالاستواء معلوم يعلم معناه وتفسيره ويترجم بلغة أخرى، وأما كيفية ذلك الاستواء، فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقد رُوي عن ابن عباس ﵁ ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿ من ادعى علمه فهو كاذب.
وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال النبي ﷺ: «يقول الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْن رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْب بَشَر».
وكذلك عِلْم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا».
وقال مجاهد: «عرضتُ المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها».
وقال الشعبي: «ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها».
وقال مسروق: «ما قال أصحابُ محمد ﷺ عن شيء إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصُرَ عنه».
وهذا بابٌ واسعٌ قد بُسط في موضعه."
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٥١ ]
بين المصنف أن التأويل يراد به ثلاثة معانٍ:
الأول: تفسير اللفظ وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^١).
الثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبرًا، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح.
الثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين (^٢).
ولفظ التأويل في القرآن يراد به:
أولًا: ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر.
ثانيًا: ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره.
وأما القسم الثالث الذي يراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن بذلك.
فتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه "الآيات
_________________
(١) الآية [٧] من سورة آل عمران.
(٢) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤). وللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).
[ ١ / ٤٥٢ ]
والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا ﷺ ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا ﷺ كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: "ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
قال ابن القيم: «والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.
فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.
فتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ عن ما هي عليه، إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.
فالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
فمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.
ومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.
ولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.
ومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.
ولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (^١).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).
[ ١ / ٤٥٣ ]
(٨٠) "والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس.
(٨١) ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأمته في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا في هذا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة".
فبعد أن بين المصنف-رحمه الله تعالى-أقسام أهل التعطيل وبين مسالكهم في تعطيلهم نبَّه هنا إلى أمرٍ هام، وهو: أن تلك المقالات الفاسدة أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان، الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وكذلك في تلك المقالات هدمٌ لأصلي الدين، وهدمٌ للأمور التي يُستمد منها هذا الدين.
ولذلك رحم الله السجزي في رسالته إلى أهل زبيد، لما أرسل إليه بعض أهل السنة من أهل زبيد يسألونه في مسألة الحرف والصوت، فذكر في هذه الرسالة في رسالته إلى أهل زبيد الرد على من أنكر الحرف والصوت، أرسل إليهم وبين لهم قواعد بها يعرف الإنسان من على السنة ومن ليس على السنة.
فقال-﵀-في أول ما قال:
"ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده، وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى: " ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[ ١ / ٤٥٤ ]
فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضًا على أن رجلًا لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافرًا مباح الدم.
فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير.
ووجدنا أيضًا القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه،
ونجدهم أيضًا يقولون اليوم قولًا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.
ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه.
وقد وجب علينا الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.
وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك؛ وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى. (^١) "
وقال ﵀: "اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.
فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه ﵃ فيمالم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾، وقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص: ١٣٤ - ١٣٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
" عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " وقال عبد الله بن عمر ﵄: "من خالف السنّة كفر" (^١)
"وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع ١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ وأنه لا يستحق أن يصغا ٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم ٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي ٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ، فإن وجده موافقًا له"
"ومستخرجًا منه قبله، وإن وجده مخالفًا له رمى به ١.
ولا خلاف أيضًا في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ، لا يسمى محدثًا بل يسمى سنّيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علمًا وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله ويعلم أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق" (^٢)
وهكذا بدأ السجزي في رسالته إلى أهل زبيد يؤصِّل أصولًا لكي يقف بها طالب العلم على حقيقة أقوال المخالفين وحقيقة بُعدِها عن الكتاب والسنة.
وهكذا ينبغي لطالب العلم أن ينظر في هذا الكتاب، لأنه عقد فيه فصولًا تستطيع بها أن تميز بين أهل السنة وبين غيرهم، وتستطيع كذلك أن تجابه بها أي معترض، وأي مبتدع، ثم إن المبتدع غالبًا يحاول أن يُلقي ظلالًا من الشك، أو يُلقي بعض الشُبه لكي تصدَّ طالب العلم المبتدئ عن الحق.
_________________
(١) "ذكره الهيثمي عن مورق قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنّة كفر، وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح " أ. هـ. مجمع الزوائد ٢/ ١٥٤ - ١٥٥، ولم أجده في المطبوع من المعجم. "
(٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص ١٤٢ - ١٤٧.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فيقول السجزي: إن أهل البدع يشوِّشون على المبتدئين وعلى عامة الناس، لكن من طبق هذه القواعد يستطيع بذلك أن يميز بين الحق والباطل، لذلك ينبغي علينا أن نحرص على مثل هذا الكتاب وعلى قراءته، لأنه يعرض لنا نموذجًا من الخلاف الحاصل بين أهل السنة وبين المبتدعة.
فالمصنف كما بين وقال: هؤلاء دائمًا يشككون في النصوص ولا يستندون إليها ويطعنون فيها، وبالتالي إذا حيل بينك وبين الأصل واستطاع هؤلاء أن يصدوك عن الحق تصبح بعد ذلك عرضة لأهل الباطل ولشبههم وأقوالهم.
[ ١ / ٤٥٧ ]
(٨٢) فقال هنا: "والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس".
فهذا هو شأنهم مع الأصل ومع النصوص، يحاولون التشكيك في دلالتها والتشكيك في ثبوتها، وحتى التشكيك في قائلها الذي هو النبي ﷺ.
ثم هؤلاء يُنكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية لأنهم يقولون: إن هؤلاء مفوضة كانوا يقرؤون هذه النصوص ولا يدرون ما هي معانيها.
فهكذا يستمر هجومهم على الحق وعلى القائلين به، وهؤلاء جعلوا النبي ﷺ وجعلوا سلف الأمة أُناسًا يقرؤون القرآن ولا يفقهون معناه، وأنهم هم الذين استطاعوا أن يفقهوا تلك المعاني وأن يعرفوها، فهؤلاء كما يقول المصنف شاركوا الملاحدة من وجوهٍ متعددة، فإذا كان الملاحدة يقولون: هذه خيالات فأيضًا هؤلاء شاركوهم في بعض الأحيان في ذلك، فيقولون: إنما قال النبي ﷺ هذه الأمور من باب أن يخاطب هؤلاء بما يعقلون.
فيقولون: إن النبي ﷺ خاطبهم بذكر الاستواء وذكر اليد، وذكر الرضا وذكر الغضب وغير ذلك لأن هؤلاء لا يؤمنون إلا بهذا الأسلوب، فهذا وجه مشاركة بين الأشاعرة أهل الكلام وبين الملاحدة من الفلاسفة، ولاشك أنهم مخطئون فيما نسبوه إلى النبي ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.
[ ١ / ٤٥٨ ]
(٨٣) "ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم".
فبعد أن أصل المصنف لمنهج السلف وبين حال المنحرفين عن هذا المنهج، انتقل إلى ذكر ألفاظ السلف، والمقولات عن السلف؛ لأنه للأسف مرَّت فترة من الزمن عمت فيها الأشعرية والماتريدية وانتشرت بسبب تمكين بعض السلاطين لها كما أسلفنا، وبالتالي نتج عن ذلك البعُدٌ عن كتب السلف، وعن تركٍ للمعتقد الصحيح.
وحتى لا يقول القائل هذا الكلام من أفكار ابن تيمية ومن آرائه الخاصة، هذا الكلام ما كان عليه السلف الصالح، فالمصنف هنا يريد أن يوصل القارئ بكلام السلف ليعرف حقيقة أقوال السلف، ويزيل عنها التشويه الذي أراد هؤلاء أن يلحقوه بمذهب السلف وبمعتقدهم؛ لأن هؤلاء نشروا أن معتقد السلف هو التفويض وأنهم كانوا يقرؤون النصوص ولا يفقهون معانيها.
فبدأ المصنف هنا وسيستمر ذلك في جُلِّ الكتاب على هذا المنوال، في سائر الكتاب إلا في صفحات قليلة في آخره سيستمر على هذه النقول، وهذا فيه ردٌ على من يقول من المبتدعة اليوم هذه أفكار ابن تيمية وأراء ابن تيمية، وابن تيمية بذلك شذَّ وخرج عما عليه أهل السنة والجماعة، وأنت ترى أن مِنْ منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وهذه طريقته في سائر كتبه، إذا أراد أن يقرر الحق في مسألة من المسائل يرجع بك إلى أصولها فتنبه لهذا.
عندما تقرأ في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليك أن تعلم أن من طريقته في كل مسألة وقع فيها اختلاف، اعتماده الخطوات الآتية:
أولًا: يؤصل للمسألة بحيث يبين أصول أهل السنة فيها والتي تتمثل بالرجوع إلى الكتاب السنة وفق فهم السلف الصالح.
ثانيًا: يبين معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مستدلًا لذلك بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فهذا هو معتقد أهل السنة: كتابٌ وسنة وفق فهم سلف الأمة،
[ ١ / ٤٥٩ ]
ثالثًا: يبين أقوال المخالفين يتعرض للشُبهة التي يحاول هؤلاء أن يلحقوها بالحق، ثم بعد ذلك من منهجه أنه يردُّ على الأُسُسَ التي اعتمدها أولئك في باطلهم.
فهذه طريقته وهذا منهجه في سائر المسائل التي يتكلم عنها، فهو من جهة يعيد الأمر إلى أصله وأساسه ويحيي ما اندثر من علم السلف، وهذه قضية ميزت كلام وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فامتاز بذلك أنه في سائر كتبه إذا ناقش مسألة من المسائل فإنه يعيدك إلى أصولها حتى تفهم أن هذا هو قول الله فيها، وهذا هو قول رسوله ﷺ، وهذا قول السلف الصالح.
فهنا يقول: "ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم". فهذا إحياءٌ لمذهب السلف.
[ ١ / ٤٦٠ ]
(٨٤) "روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (^١).
(٨٥) فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك.
(٨٦) وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت".
نقل المصنف عن البيهقي الذي نقل عن الأوزاعي، والأوزاعي هو الأوزاعي الذي له وزنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، فانظر إلى هذا النص: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".
فهو هنا فسَّر الاستواء وأثبت الفوقية، لأن استوى بمعنى علا وارتفع، فالله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا هو منهج السلف الصالح، كنا والتابعون متوافرون نقول: أن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. فهل يقال بعد ذلك هذا تفويض للاستواء وللعلو كما يزعم المعطلة.
فهذا نقلٌ من النقول عن أحد أئمة السلف وهو الأوزاعي، الذي يقول عنه المصنف: "أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل
_________________
(١) انظر كتاب الأسماء والصفات صفحة (٣٠٤).
[ ١ / ٤٦١ ]
الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق"، فهذا يعني شهرة هذا القول الذي نقله الأوزاعي في الإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، والإيمان بالصفات التي جاءت بها النصوص.
فقوله هنا: "ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" فيه رد على المعطلة، فمثلًا الأشاعرة يقولون لا نؤمن إلا بالصفات العقلية، لأن الصفات السبع الذي يجمع بينها عندهم كونها صفات دل عليها العقل، أما ما لا يدل عليه العقل فهذا لا يثبتونه (^١).
وقال المصنف: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك"، فالجهم ظهر في أواخر عصر التابعين، والأوزاعي في عصر تابعي التابعين، فذكر هذا ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا.
فهذا نقلٌ من النقول فيه:
• إثبات للاستواء بل تفسيرٌ له.
• الإيمان بجميع ما جاءت به السنة من الصفات.
• أن السنة هي مصدرٌ من المصادر التي يُعتمد عليها في هذا الباب.
فهذه بعض الفوائد في هذا النقل.
وذكر نقلًا آخر عن الأوزاعي كذلك فقال: "وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت" (^٢). يحاول بعض المعطلة أن يأخذ أمثال هذه النصوص ويقولون: انظر هذا
_________________
(١) يُثبت الأشاعرة لله ﷿ سبع صفات فقط، وينفون الباقي، وهي: (الحياة والسمع والعلم والكلام والإرادة والبصر والقدرة)، على خلافٍ مع أهل السُّنَّةِ في كيفية الإثبات؛ فهم يُثبتون إثباتًا ذاتيًّا لا فعليًّا؛ فيقولون: كلام الله نفسيٌّ في ذاته بلا لفظ، وهذا الذي في المصاحف فهو مَخلوق يُعَبِّر عن كلام الله. وقد جُمعت هذه الصفات السَّبع في قول ناظمهم: حيٌ عليمٌ قديرٌ والكلام له … إرادة وكذاك السمع والبصر انظر: «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى»، لابن عثيمين (ص ٨٢).
(٢) روى الخلال في «السنة» (١/ ٢٥٩) عن الوليد بن مسلم قال: سألت سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث! فقالوا: نُمِرُّها كما جاءت». هذا في أحاديث الصِّفات، وهو مذهب السلف: إثبات حقيقتها ونفي علم الكيفية»، ورواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٧٧) عن الوليد بن مسلم أيضًا، قال: «سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التَّشبيه! فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية».
[ ١ / ٤٦٢ ]
نقلٌ عن السلف يقولون: أمروها كما جاءت، أي على حد تفسيرهم لهذا أنهم يقولون: اقرؤوها بدون فهم وبدون معنى.
ولكن بلا شك أن هذا ليس مقصود السلف، وهذا الغمز منهم وحمل هذا القول على هذا الزعم، هو زعمٌ باطلٌ فالتفويض نوعان:
النوع الأول: تفويض في المعنى.
النوع الثاني: تفويض في الكيفية.
فتفويض المعنى هذا ليس من منهج ومعتقد السلف الصالح، بدليل: أن السلف فسروا نصوص الصفات، وهذه كتب التفسير وكتب الحديث، تشهد أنهم يفسرون معاني النصوص، فقد سبق أن ذكرنا لكم عن مجاهد كما ذكر البخاري في صحيحه أنه لما جاء إلى معنى الاستواء قال: استوى: علا وارتفع (^١)، ومجرد إلقاء نظرة على كتب التفسير للمأثور وكتب الحديث وكتب العقائد التي نقلت من المأثور، تجد أن السلف لم يريدوا تفويض المعنى ولم يذهبوا إليه.
وإنما قالوا: مثل هذه العبارات ردًا على المعطلة الذين حرَّفوا وأوَّلوا، فلما حرَّف أولئك وأوَّلوا قال السلف: "أمروها كما جاءت" (^٢) أي لا تأوِّلوها، أي لا تحرِّفوها عن معانيها، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فلو كان السلف مفوِّضة لمَّا ثبت عنهم تفسير هذه الصِّفات وإثبات معانيها.
وارجع لصحيح البخاري، أو ارجع إلى تفسير الطبري، أو ارجع إلى الكتب التي حوت أصول أهل السنة، تجد أنهم لم يريدوا هذا، فهذا الأوزاعي بنفسه كما نقل المصنف عن البيهقي يقول: نؤمن بأن الله فوق عرشه، فهل هذا يكون مفوضًا؟
_________________
(١) انظر: «صحيح البخاري» (٩/ ١٢٤)، في ترجمة باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩])، من كتاب (التوحيد).
(٢) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٣).
[ ١ / ٤٦٣ ]
(٨٧) "ورُوي أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: "سألتُ مالكَ بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمِرَّها كما جاءت بلا كيف" (^١).
(٨٨) فقولهم ﵃: "أمِرُّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما.
(٨٩) روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرِّف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: "سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (^٢).
(٩٠) وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: "سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق" (^٣).
(٩١) وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر كتاب السنة لأبي بكر الخلال صفحة (٢٥٩).
(٢) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد صفحة (٣٥٧).
(٣) انظر: كتاب الفتوى الحموية الكبرى الجزء الأول صفحة (٣٠٦).
[ ١ / ٤٦٤ ]
كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج" (^١).
فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (^٢)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
(٩٢) وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
(٩٣) وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.
(٩٤) وأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول".
جاءت عبارة "بلا كيف" في آثارٍ كثيرةٍ عن السلف الصالح عند حديثهم عن نصوص الصفات، كما أورد المصنف هنا، ومعنى قولهم: "بلا كيف"، أي: بلا
_________________
(١) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (٣٠٥).
(٢) تقدم الإشارة إليه.
[ ١ / ٤٦٥ ]
كيف يعقله البشر، لا أن المراد نفي الكيفية مطلقًا، فإن كلَّ شيء لابد وأن يكون على كيفية معيَّنة، ومرادهم هو نفي العلم بهذه الكيفية، فلا يعلم كيف الله ﷿ ولا كيف صفاته إلا هو، وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا سبيل للوصول إليه (^١).
وعدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها
فمن المقرر في منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن عدم العلم بالكيفية والذي سبق تأكيده من خلال النقاط السابقة، لا يقدح أبدًا في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها، فإن الكيفية وراء ذلك، فإثبات السلف للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، يؤمنون بتلك الصفات، ويفهمون معانيها ويفسرونها ويعتقدون ما دلت عليه من الأحكام ويعملون بمقتضياتها من الآثار (^٢).
فكثيرٌ من الأمور التي أخبر الله ﷿ بها، لا تُعلم كيفيَّتها ولا كنهها، ولم يمنع ذلك من الإيمان والتصديق الجازم بها.
فمنها ما أخبر الله ﷿ به من حقائق الإيمان باليوم الآخر، فإنا نؤمن بها وإن لم نعلم حقيقتها وكيفيتها، ومن ذلك الروح التي بين جنبي الإنسان، كل واحدٍ منا يشعر بها ويوقن بوجودها لكن لا يدرك كنهها وحقيقتها، ومع ذلك لم يمنعه عدم علمه بكيفيتها من الإيمان بوجودها.
فكان الإيمان بالصفات مع الابتعاد عن طلب كيفيتها من منهج الراسخين في العلم المتبعين لهدي الكتاب والسنة، والذين يقولون وفق هذا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٣)، أما طلب علم الكيفية، فيترتب على ذلك: إما تعطيل للصفات، أو تمثيلها بالمخلوقات، وهذا هو سبيل أهل الأهواء والبدع، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٤).
كما هو شأن أهل السنة والجماعة دائمًا فإنهم ينطلقون في جميع ما يستنبطونه من قواعد وأسس لمنهجهم في توحيد الأسماء والصفات، وفي سائر الأبواب، من
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٢)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٩).
(٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٠)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، الصواعق المرسلة (١/ ٢١٠).
(٣) الآية [٧] من سورة آل عمرن.
(٤) الآية [٧] من سورة آل عمرن. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص (١٠٣ - ١٠٤).
[ ١ / ٤٦٦ ]
نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهذه القاعدة شأن مثيلاتها مما سبق ذكره أيضًا، مستند أهل السنة والجماعة فيها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مستنيرين بفهم السلف الصالح، وأقوالهم الموافقة لمضمون هذه القاعدة، فمما استدل به أهل السنة والجماعة في تقرير هذه القاعدة ما يلي:
• قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (^١).
• وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٢).
فمدلول هاتين الآيتين واحد، تفيدان أن البشر لا يطلعون على شيء من علم ذات الله ﷿ وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه (^٣)، والله ﷿ لم يطلعنا على كيفية ذاته ولا صفاته، فدخل علم كيفية ذات الله ﷿ وصفاته، في الأمور التي لا يحيط البشر بها علمًا، وشاء الله ﷿ في نفس الوقت أن يحيطنا علمًا بمعاني ما اتصف به ﷾، فتُثْبَت له على الوجه اللائق به ﵎.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (^٤) ﵀: «… لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نَصَّ الله عليه في سورة طه حيث قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فقوله: "يحيطون به" فعل مضارع، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي، ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما قال ابن مالك (^٥) في الخلاصة (^٦):
المصدرُ اسمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ منْ … مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعيِّة، أنه يَنْحَلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ ونسبةٍ، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، ف "يحيطون" تكمن في مفهومها الإحاطة،
_________________
(١) الآية [٢٥٥] من سورة البقرة.
(٢) الآية [١١٠] من سورة طه.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٩٢).
(٤) محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، العلامة المحقق، وحيد عصره، برع في فنون كثيرة، وصنف التصانيف البديعة، منها: أضواء البيان في التفسير، وآداب البحث والمناظرة، والمذكرة في أصول الفقه، وغيرها كثير. توفي بمكة سنة ١٣٩٣ هـ. انظر ترجمته في: مشاهير علماء نجد ص (٥١٧ - ٥٢٠، ٥٤٠ - ٥٤٣)، الأعلام (٦/ ٤٥).
(٥) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجَيَّاني، أبو عبد الله الأندلسي الدمشقي، أحد أئمة علوم العربية، له مؤلفات عدة منها: الخلاصة، المشهور بألفية ابن مالك وعليها شروح لا تعد، توفي سنة ٦٧٢ هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات (٢/ ٢٢٧)، نفح الطيب (١/ ٤٣٤).
(٦) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٦٩).
[ ١ / ٤٦٧ ]
فيتسلَّط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنكرة المبنيَّة على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين» (^١).
وفي الحديث: «تَفَكَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَرُوا فِي اللهِ» (^٢).
قال شيخ الإسلام-﵀، بعد أن أورد هذا الأثر: «… لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة، والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي المخلوقات.
وأما الخالق-ﷻ ﷾-فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد. وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه.
فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك، فيدخل فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسنة» (^٣).
فبيَّن-﵀، أن الله ﷿ والمراد ذاته وصفاته-لا يدخل تحت مجال التفكير الإنساني، والعقل البشري القاصر؛ لأن مبنى التفكير على قياس الغائب على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله ﷿ ليس له ندٌّ ولا مثيلٌ ولا مسامٍ ولا نظيرٌ حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته.
وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «أَنَّ النَّبِي ﷺ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ» (^٤).
قال عيسى بن يونس (^٥) ﵀، وهو أحد رواة الحديث: «والأغلوطات ما لا
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص (٢٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩ - ٤٠).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٤٤)، كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا برقم (٣٦٥٦). والإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٣٥)، وقال محقق المسند حمزة أحمد الزين: "إسناده حسن"، (١٧/ ٧٨) برقم (٢٣٥٧٧ - ٢٣٥٧٨) ط/ دار الحديث؛ وضعف إسناده الألباني كما في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح (١/ ٨١).
(٥) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، أبو عمرو السبيعي، الكوفي الإمام القدوة، الحافظ الحجة، أخو الحافظ إسرائيل بن يونس، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة ١٨٧ هـ. انظر ترجمته في: السير (٨/ ٤٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٧١).
[ ١ / ٤٦٨ ]
يحتاج إليه من كيف وكيف» (^١).
وقال الخطابي-﵀-في معالم السنن: «وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به» (^٢).
ولا شك أن معرفة حقيقة كنه الله ﷿، وكيفية ذاته وصفاته، مما لا يحتاج إليه أحد، ولا يتوقف الإيمان به ﷾ على معرفة كيفية ذاته وصفاته، فالبحث في ذلك من التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه، فوجب التوقف عما لا علم للإنسان به، ولا يمكنه أن يحيط به بحال من الأحوال.
وقول المصنف: "فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة".
فقد علَّق الإمام الذهبي-﵀، على قول الإمام مالك بقوله: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله ﷾) (^٣).
وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر-﵀ (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: «يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانًا وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^٤).
وقال الإمام البغوي-﵀ (ت ٥١٠ هـ): «إن الامتناع عن الخوض
في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما
_________________
(١) أورده ابن بطة في الإبانة (١/ ٤٠١).
(٢) معالم السنن (٥/ ٢٥٠).
(٣) العلو (٢/ ٩٥٤).
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ١ / ٤٦٩ ]
يقول الظالمون علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ (ت ٧٢٨ هـ) أن طلب معرفة كيفية صفات الله ﷿ بدعة، وأن معرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (^٢).
وأكدَّ على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (^٣).
ومما ذكره الإمام ابن القيم-﵀ (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه القاعدة قوله: «إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: "بلا كيف"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم» (^٤).
فعُلم مما تقدم من آثار عن سلف الأمة وأئمتها، أن أهل السنة والجماعة متفقون على النهي عن طلب كيفية صفات الله ﷿، وأن ذلك من الطرق المفضية إلى التشبيه والتمثيل، مجانبين في ذلك لطريق المعطِّلة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه أولًا، ثم فروا منه إلى التعطيل، ومجانبين أيضًا طريق المشبِّهة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه والتمثيل المذموم، فأثبت أهل السنة والجماعة الصفات، ونزهوه ﷾ عن مشابهة المخلوقات.
وإلى جانب ما استدلَّ به أهل السنة والجماعة من أدلة نقلية وآثارٍ واردة عن أئمة
_________________
(١) شرح السنة (١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) انظر: التدمرية ص (١٥)، نقض المنطق، ضمن مجموع الفتاوى (٤/ ٦ - ٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٩).
(٣) انظر: درء التعارض (١٠/ ٢٧٧)، التدمرية ص (١٦ - ١٨)، الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٤، ١٩٧ - ١٩٩).
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).
[ ١ / ٤٧٠ ]
السلف في أن نفي العلم بالكيفية لا يتعارض مع الإيمان بأصل الصفة، فقد استدلوا أيضًا بأدلة عقلية تدل على هذه القاعدة المهمة.
من ذلك أن يقال: إن كيفية الشيء لا تدرك إلا بأحد طرق ثلاث:
إما بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه.
ونحن لم نشاهد الله ﷿، فإن ذلك من الأمور المستحيلة في هذه الدنيا، والله ﷿ ليس له نظير حتى يقاس عليه، فتعرف كيفية صفاته، ولم يأتنا الخبر الصادق من الله ﷿ أو من رسوله ﷺ، عن كيفية صفاته تعالى، والذي جاءنا هو الإخبار عن اتصاف الله ﷿ بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فوجب الإيمان بها والوقوف حيث وقف الله ﷿ ورسوله، وعدم الخوض في شأن الكيفية (^١).
كما استدلوا أيضًا في هذه المسألة بقياس الأولى، فإن الإنسان يؤمن بحقائق كثيرة، ولا يعلم كنهها وكيفيتها، وعدم علمه بكيفية هذه الأشياء التي يؤمن بها لم يقدح في إيمانه بها، لعجزه وضعفه عن إدراك أشياء كثيرة تحيط به في هذا العالم من حوله، بل مثال ذلك أقرب الأشياء إليه وهي روحه التي بين جنبيه، يؤمن الإنسان ويجزم بوجودها، وإن لم يعرف حقيقتها وكنهها، فالله ﷿ أولى أن يُؤمن العبد بصفاته الثابتة له، وإن لم يعلم كيفيتها، وعدم علمه بكيفيته ليس مسوغًا أبدًا، لجحدها وإنكارها، أو تعطيلها عن معانيها التي تدل عليها (^٢).
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٨ - ١٠٢).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٩٣)، مدارج السالكين (١/ ٤٦١، ٣/ ٣٧٦)، اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٦٢).
[ ١ / ٤٧١ ]
(٩٥) وروى [الأثرم في السنة] وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، [وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم] بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب وقد سئل فيما جحدت به الجهمية:
«أما بعد: فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب [العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكَلَّت الألسن عن] تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره ردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال «كيف»؟ لمن لم يكن ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يَزَلْ، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت، ولا يبلى، وكيف [يكون] لصفة شيء منه حد أو منتهى؟ يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء، أبين منه. الدليل على عجز العقول في تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل (^١) بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادات، وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
اعرف رحمك الله غناك عن تَكلُّف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟
فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١] فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن [قال]: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا (^٢)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: اشتد واستغلق عليك فهمه.
(٢) كما تقول الجهمية: إنه يلزم من إثبات الصفات لله: أن يكون جسمًا أو عَرَضًا؛ فيكون محدثًا. كما سيذكر المصنف عنهم هذا بعد قليل.
[ ١ / ٤٧٢ ]
فعمي عن البَيِّن بالخفي، وجحد ما سَمَّى الربُّ من نفسه بصمتِ الرَّبِّ (^١) عَمَّا لم يُسَمِّ منها، فلم يَزل يُملي له الشيطان حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة، فجَحَد- واللهِ- أفضل كرامة الله التي أَكرم بها أولياءه يوم القيامة من النَّظَر إلى وجهه (^٢)، ونضرته إيَّاهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد قضى أنَّهم لا يَموتون؛ فهم بالنَّظر إليه يَنظرون.
إلى أن قال: وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا.
وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا؟
فقال رسول الله ﷺ: «هل تُضَارُّون في رؤيةِ الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فهل تُضَارُّون (^٣) في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم كذلك» (^٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إطلاق «الصمت» على الله من باب الإخبار، وهو باب واسع، وقد ورد وصف الله بالسكوت كما في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وفيه: قوله ﷺ: «وسَكَتَ عن أشياء من غير نسيانٍ فَلا تبحثوا عنه»، رواه الدارقطني في «سننه» (٥/ ٣٢٥) برقم (٤٣٩٦)، وحسنه الألباني في تحقيق كتاب «الإيمان» لابن تيمية (ص ٤٤).
(٢) وهو أعظم نعيم أهل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالله-﵎-وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم: الحُسنى، وهي أن يجزيهم على طاعتهم إيَّاه الجنة، وأن يُبَيِّض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى: الزيادة عليها. ومن الزيادة على إدخالهم الجنة: أن يُكرمهم بالنَّظر إليه. انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٧١). وروى مسلم في «صحيحه» (١٨١) عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجَنَّةَ، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أَزيدُكم؟ فيقولون: أَلَم تُبَيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيَكشف الحجاب؛ فما أُعطوا شيئًا أَحَبَّ إليهم مِنْ النَّظَرِ إلى ربِّهم ﷿».
(٣) «تُضَارون» بتشديد الراء من الضَّرَر، وبتخفيفها من الضَّيْر، أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جَلِيَّة بَيِّنَة لا تَقبل مِراء ولا مِرية؛ فيُخالف فيها بعضُكم بعضًا ويُكَذِّبه، كما لا يشك في رؤية الشمس والقمر ولا يُنازع فيهما. انظر: «شرح الطيبي على مشكاة المصابيح» (١١/ ٣٥٠٨).
(٤) رواه البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وقال رسول الله ﷺ: «لا تَمتلئ النارُ حَتَّى يَضع الجَبَّارُ فيها قَدَمه، فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» (^١).
وقال لثابت بن قيس ﵁: «لقد ضَحِك اللهُ مِمَّا فعلت بضيفك البارحة» (^٢).
وقال فيما بلغنا: «إن الله ليضحك من أَزلِكم وقنوطكم (^٣) وسرعة إجابتكم»، فقال له رجل من العرب: إنَّ رَبَّنا ليضحك؟ قال: «نعم». قال: لا نَعْدِمَ مِنْ ربٍّ يَضحك خيرًا» (^٤). في أشباهٍ لهذا مِمَّا لم نُحْصِه.
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
فوالله ما دلَّهُم على عِظَم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صِغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في رُوعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه، ولم نتكلف منه صِفة ما سواه-لا هذا ولا هذا-لا نَجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يَصِف.
اعلم-رحمك الله-أنَّ العِصمة في الدِّين أن تنتهي في الدِّين حيث انْتُهي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك؛ فإنَّ مِنْ قِوام الدِّين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفةُ وسَكنت إليه الأفئدةُ وذُكِر أصلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوارث علمَه الأُمَّةُ؛ فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته مِنْ رَبِّك ما وصفه من نفسه عيبًا، ولا تكلفنَّ لما وصف لك من ذلك قدرًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٧٩٨) ومسلم (٢٠٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: أن المقول له ليس ثابت بن قيس ﵁، وإنما هو أبو طلحة ﵁. وقد بَيَّنَ الإمامُ ابنُ حجر «فتح الباري» (٧/ ١١٩، ١٢٠) أن هذا وهم وقع في بعض الروايات، والصحيح أن المقول له: هو أبو طلحة ﵁، كما نصَّت على ذلك روايةُ مسلم.
(٣) الأزل: الشدة والضيق. والقنوط: اليأس. كأنَّه أراد من شدة ضيقكم ويأسِكم. انظر «النهاية» لابن الأثير (١/ ٩٨).
(٤) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).
[ ١ / ٤٧٤ ]
وما أنكرته نفسك، ولم تَجد ذكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نبِيِّك-مِنْ ذِكر ربك-فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تَصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الربُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِم تَكَلُّف ما وصف الواصفون مما لم يَصف منها (^١).
فقد-والله-عَزَّ المسلمون (^٢) الذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مَرِض من ذِكر هذا وتَسميته قلبُ مسلم، ولا تَكَلَّف صفة قدرة ولا تسمية غيره من الربِّ مؤمنٌ.
وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه.
والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا؛ لأنَّ الحقَّ تركُ ما ترك وتسميةُ ما سمَّى، ومَن يَتَّبِعْ ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وَهَبَ اللهُ لنا ولكم حُكْمًا، وألحَقَنا بالصالحين». اه (^٣).
وهذا كله كلام ابن المَاجَشون الإمام فَتَدَبَّرْه! وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقة لغيره من الأئمة؟ وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسمًا أو عَرَضًا فيكون».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهذا معنى قول الإمام أحمد المتقدم: «لا يُوصف اللهُ إلا بما وَصف به نفسَه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ؛ لا يُتجاوز القرآن والحديث».
(٢) أي: قَلُّوا حَتَّى كادوا لا يُوجدون. انظر: «لسان العرب» (٥/ ٣٧٦).
(٣) رواه ابنُ بَطَّة في «الإبانة الكبرى» (٧/ ٦٣)، باب (باب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصار رءوسهم؛ فيُكلمهم ويكلمونه لا حائلَ بينه وبينهم ولا ترجمان). ورواه الذهبي في «العلو» (ص ١٤١، ١٤٢)، ثم قال: «كان عبد العزيز مِنْ بُحُور العلم بالحجاز نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور: لا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مالكٌ وعبدُ العزيز بن الماجشون. توفِّي ابن الماجشون سنة أربع وستين ومائة، وكان ابنه عبد الملك مِنْ كبار تلامذة مالك».
[ ١ / ٤٧٥ ]
يستفاد من قول الإمام عبد العزيز بن الماجشون السابق الأمور الآتية:
أولًا: الإثبات، وذلك من قوله: «فما وصف اللهُ مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه»، أي: أثبتنا ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ثانيًا: عدم الزيادة، وذلك من قوله: «ولم نَتَكَلَّف منه صفة ما سواه؛ لا هذا ولا هذا»، أي: لا نزيد على ما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه وعلى لسان رسولِه ﷺ.
ثالثًا: التوقف فيما لم يَرِد إثباته أو نفيه؛ وذلك من قوله: «ولا نَتَكَلَّفُ معرفةَ ما لم يَصِف»، أي: لا نخوضُ في معرفة ما لم يَرِد به نصٌّ، ولا نتكلف معرفةَ ذلك».
رابعًا: عدم النقص، وذلك من قوله: «لا نَجحد ما وصف»، أي: لا نُنقص مما أَثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ونستفيد قاعدة جليلة جدًّا من قوله ﵀: «اعلم-رحمك الله-أنَّ العصمة في الدِّين أن تَنتهي في الدِّين حيث انْتُهِي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك». فهذه قاعدة عظيمة النفع لو التزمها العبد لَسَلِم ونجا، أي: قِف عند ما أخبرك الله من الغَيب، ولا تتجاوز ذلك الحدَّ.
وبَيَّن العلة من ذلك فقال: «فإنَّ مِنْ قِوَام الدِّين: معرفةَ المعروف وإنكارَ المنكر»: أي: من إقامة الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، «فما بُسِطت عليه المعرفةُ، وسَكنت إليه الأفئدةُ، وذُكر أَصْلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوَارَثَ عِلْمُه الأمة، فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيبًا»، أي: اصدع به، وقل كما صحَّ: «يضحك رَبُّنا»، و«يَغضب ربُّنا»، و«يرضى ربنا»! فلماذا تَجبن في هذه المواقف؟ مع أنَّ عندك من كلام الله تعالى وما صحَّ من كلامِ رسوله ﷺ ما يُؤَيِّد ذلك؛ فقد جاءت هذه الصفاتُ صريحةً فيهما؟!
وقوله: «فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربِّك ما وصفه من نفسه عيبًا»، يعني: لا تَخف أن يُعاب عليك بما تذكره من صفات الله الصحيحة الثابتة؛ فيُقال عنك: مُشَبِّه، أو مجسِّم، أو حشوي، أو وهَّابي، أو غير ذلك من الألقاب التي يُطلقونها على مَنْ يثبت صفات الله من غير تكييف.
فلا تَخْشَ-أيها المُسلم على منهج أهل السُّنَّة والجماعة-على نفسِك مِنْ ذِكْرِ أمرٍ أخبر الله به؟
[ ١ / ٤٧٦ ]
إن كنتَ مصدقًا بثبوته؛ فَلِمَ تَخافُ مِنْ الألقاب التي يُطلقها هؤلاء وأنت معك على ذلك أدلة من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله ﷺ؟!
فلا بُدَّ من إقامة المعروف ولا بُدَّ من إنكار المنكر!
كيف تَصمت، وكيف لا تصدع بالحق وأنت ترى فِرقة تعطِّل صفات الله وتَجحدها؟
كيف لا تُنكر منكرَ تَعطيل صفات الله؟!
ثم قال ابن الماجشون ناصحًا من سأله: «ولا تتكلفنَّ لما وُصف لك من ذلك قدرًا»، يعني: لا تَخُض في الكيفية كما وَقَع المُشَبِّه فيها.
«وما أنكَرَتْه نفسُك ولم تجد ذِكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نَبِيِّك مِنْ ذِكر صفة ربِّك؛ فلا تَتكلفَنَّ علمَه بعقلك»؛ لأنَّ هذا الباب ليس فيه رأي وليس فيه اجتهاد، بل فيه نصٌّ فقط، فإن جاء النصُّ أخذتَ بِهِ، وإلَّا فاسكت ولا تَخض فيما لا عِلْمَ لك بك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيرها: «نهى الله تعالى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث: «إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث» (^١)» (^٢).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ مَسائل الدِّقِّ (^٣) في الأصول لا يَكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لَمَا تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد يُنكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ما قد ذكرتُه في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سُمِّيَت تلك (مسائل أصول) وهذه (مسائل فروع)، فإن هذه تسمية مُحْدَثَة قَسَّمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سِيَّما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.
وأمَّا جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أنَّ الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كلِّ مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحقُّ أنَّ الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول) والدقيق؛ (مسائل فروع).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٦٦) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٧٥)، بتصرف يسير.
(٣) أي: المسائل الدقيقة.
[ ١ / ٤٧٧ ]
فالعلمُ بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة؛ كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا مَنْ جَحَد تلك الأحكام العملية المُجمع عليها كفر، كما أنَّ مَنْ جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبَعْث بعد الموت والإيمان بالقَدَر؛ خيره وشره.
وأما الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مُفَصَّلَة؛ ولهذا تُقر الأمة مَنْ يفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء؛ وإن كان قد يُنكر على مَنْ يتكلم في تفصيل الجمل القولية؛ للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة» (^١).
فهذه نصيحة غالية من الإمام ابن الماجشون للسائل: وهي أن ما جاء به النصُّ فآمن به وسَلِّم له، وما لم يَرِد فيه نصٌّ فأمسك عنه ولا تَخُض فيه، ولا تَصِفه بلسانك؛ ولا تتجاوزْ الحَدَّ الذي حُدُّ لك، لأنَّ عندنا هنا في هذا الباب ثلاثةَ أُمُورٍ:
- أمورٌ أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ؛ فنُثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبتها له رسولُه ﷺ.
- أمورٌ نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ؛ فنَنفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ.
- وأمورٌ لم يَرِد فيها عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ نفيٌ ولا إثبات؛ فنتوقف فيها ونسكت عنها، ولا نخوض فيها.
لأن «تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها»، يعني: يستوي هذا وذاك، فهذا محظور وهذا محظور؛ فتعطيل الصفات الثابتة محظور، وكذلك التقول على الله بغير علمٍ محظور؛ لذلك قال: «فكما أَعْظَمْتَ ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِمْ تَكَلُّفَ ما وصف الواصفون مما لم يَصِف منها!».
أي: إذا كنت تستعظم ما فعله المُعَطِّلة مِنْ جحد الصفات، فكذلك استعظم التَّقَوُّلَ على الله بغير علم؛ لإن هذا من طرق إغواء الشيطان للخلق؛ فقد قال الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٦، ٥٧).
[ ١ / ٤٧٨ ]
فإذًا من القول على الله-﷿-بغير علم: أن تَصِفَه بما لم يَصف به نفسه.
وهل هناك أَسْلَمُ من هذا المنهج في التعامل مع صفات الله ﷻ؟!
منهجٌ يقف مع النصِّ ولا يتجاوزه، فكلُّ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ يُثبته، وكل ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ يَنفيه، وما لم يأت فيه نصٌّ بإثبات أو نفي-يَتوقف فيه، ويَنهى عن الخوض فيه إثباتًا أو نفيًّا.
ثم انتقل الإمام ابن المَاجِشُون إلى الرد على مَنْ جحد رؤية الله تعالى في الآخرة، وبَيَّن أنَّ الشيطان لم يَزل يُملي له حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة … إلى أن قال: «وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا».
ولذلك نقول للذين يتبجحون ويزعمون أنهم يَرون الله ﷾ في الدنيا-: أين أنتم من هذا الحديث الذي هو في «صحيح مسلم»، وفيه يقول النبيُّ ﷺ لأصحابه وهم خير هذه الأمة وأفضلها وأشرفها-: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (^١).
فباب رؤية الله-﷾-لا سبيل إليه في هذه الحياة الدنيا، ولم يتحقق حتى لكليم الله ﷿ موسى ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وهذا من عقيدة أهل السنة؛ ولذا ينبغي أن نذكِّرهم بمثل هذه الأحاديث، وعلينا أن نُعَلِّمَ عوامَّ الناس أمثالَ هذه الأحاديث حتى لا تَروج أكاذيب الصوفية ودعاواهم عليهم.
فهم يزعمون أنهم يرون الله ﷾، وأن الحجاب يُكشف لهم، وهذا زعم باطل، قالوه لكي يروِّجوا أقاويلهم على العوام.
ولذلك يزعم هؤلاء: أن أهل السنة يأخذون علمهم بواسطة، وأما هم-أي: المتصوفة-فيأخذون علمهم عن الله بدون واسطة!
فإنهم لم يَبْقَ أمامهم بعد ذلك إلا أن يَدَّعوا النبوة، ولولا الخوف من أن تَطير رءوسهم لفعلوها، ولتبجحوا بذلك.
فينبغي الحذر من ذلك، ويجب تذكير عامة الناس بهذه الأحاديث التي تَرُدُّ على هذه الدعاوى.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كتاب الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ١ / ٤٧٩ ]
وهذه قضية خطيرة ينبغي للإنسان أن يتنبه لها؛ لأن الصوفية إنما تُروج أفكارها من طريق واحد إذا أُغلق سُدَّ عليهم الباب، وهو تقديس الأشخاص، فيجعلون لأنفسهم هالة ومهابة بدعاوى يزعمونها حتى يَعظم في نفوس الناس قَدْرُهم، فإذا عَظَّمُوهم وقَدَّسوهم عند ذلك يَقبلون منهم ما يقولون.
فإذا قُطِع هذا الطريق على الصوفي، وعرف الناسُ قَدْرَه، استطاعوا أن يتبينوا حقيقة باطله.
وكذلك المعطِّلة وأهل الفلسفة إنما تَروج أفكارهم بسبب غرسهم فكرة تقديس العقل وتقديمه.
فعلى طالب العلم أن يهدم صنم تقديس الأشخاص عند الصوفية، حتى تزول هذه المنزلة لهم، وبعدها سيُمَيِّز الناس أقوالهم ويتبيونها ولن يقبلوها مُسَلَّمَةً.
وهؤلاء الصوفية قد استعبدوا الناس، وسلبوا أموالهم وعقولهم، ومن قبل ذلك سلبوا دينهم، ومَن يَعِش قريبًا منهم-أو يقرأ عنهم-يرى مثل هذه الأوضاع، ويُوقن بخطرهم، ويتبين له ما هم عليه من دَجَل وباطل، ونشر للشرك والخرافة والبدعة، وتبديل لدين الله ﷿ وإحداث فيه؛ فنسأل الله ﷿ أن يُقَيِّض من طلبة العلم مَنْ يَكسر شوكة هؤلاء، وكذلك يُزيل ما عندهم من باطل قد رَوَّجوه على ضعفاء البَصيرة والعِلم.
ثم نعى ابن الماجشون ﵀ حال الأمة في زمانه فقال: «فقد-والله-عَزَّ المسلمون» يعني: قَلَّ الَّذين هم على المُعتقد الصحيح؛ «الَّذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعْرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر؛ يَسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بَلغهم مثله عن نَبِيِّه».
وإذا كان يقول هذا عن زمانه؛ فماذا نقول عن زماننا؛ فإلى الله المشتكى!
ثم قال: «فما مَرِضَ مِنْ ذكر هذا وتَسميته قلبُ مُسلم، ولا تَكَلَّفَ صِفة قدره ولا تَسمية غيره من الربِّ مُؤمنٌ، وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه». فلا شَكَّ أن قلب المؤمن الحيِّ المُستسلم لله ﷿؛ لا يَستشكل ما أثبته الله لنفسه ولا ما أثبته له رسوله ﷺ، ولا يَستريب فيه، ولا يستثقل وصف الله به، بخلاف هؤلاء الذين مَرضت قلوبهم من ذلك؛ فحملهم على تعطيل صفات الله ﷿.
وكذلك لا يتكلف المؤمن أن يصف الله ﷿ بصفة لم يَصف بها- ﷾ نفسَه، ولم يصفه بها رسولُه ﷺ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وقوله: «وما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنَّه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سَمَّى وما وصف الربُّ تعالى من نفسه»، أي: ما جاء في السُنَّةِ الصَّحيحةِ مِثْلُ ما جاء في القرآن؛ لا نُفَرِّق بين القرآن والسنة في الإيمان والاستدلال؛ فالقرآن وحيٌ مَتْلُوٌّ، والسُّنَّة وحيٌ غيرُ مَتْلُوٍّ، ونحن متعبدون بالقرآن والسُّنَّة، مُؤمنون بهما ومصدقون بما جاء فيهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فهذه نصوصٌ واضحة لو أنَّ الإنسان نظر لها نظرة سليمة لاهتدى إلى الاعتقاد الصحيح بيقين وطمأنينة، ولكن كما قال الشاعر:
وكمْ من عَائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقيمِ
فالسبب في هذا: الأفهام السقيمة؛ لأن النصوص واضحة وثابتة.
فالخلل هنا إمَّا أن يكون في النصوص، وإمَّا أن يكون في عقول هؤلاء!
وحاشا أن يكون في النصوص خللٌ؛ إذ النصوص ثابتة؛ ففي القرآن-مثلًا-أخبر الله عن استوائه على عرشه، وفي السُّنَّة مثلًا: أخبر النبي ﷺ عن نزول الله تعالى إلى السماء الدُّنيا في الثلث الأخير من الليل كلَّ ليلة (^١). وهكذا في سائر صفاته-جل وعلا-نجدها نصوصًا ثابتة صريحة صحيحة في الكتاب والسُنَّة، وقد امتلأت بها كتب الاعتقاد.
لكن الخلل في أفهامٍ تنظر إلى هذه النصوص بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة؛ إذ يَرُومون-تنزيه الله-بزعمهم-عن مُشابهة خلقه؛ فيقعون في تعطيلها.
ثم قال ابن الماجشون ﵀: «والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا».
فأهل السُّنَّة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح: يُثبتون ما أثبته الله لنفسه ولا يَجحدونه، وكذلك ما أَثبتوه لا يَخوضون في كيفيَّتِه؛ «لأنَّ الحقَّ تَرْكُ ما تَرَكَ، وتَسمية ما سَمَّى».
فإذًا نسألُ اللهَ بما سأل به الإمام ابن الماجشون أن يَهب لنا-﷾-حُكْمًا، وأن يُلحقنا بالصَّالحين.
فهذا كلام أحد أئمة أهل السُّنَّة مِنْ قبل ابنِ تيمية بِقُرُونٍ، حتى لا يَقول قائل: هذا
_________________
(١) كما في الحديث الذي رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يَنزل ربُّنا-﵎-كُلَّ ليلة إلى السَّماء الدنيا حين يَبقى ثُلُث الليل الآخر يقول: مَنْ يَدعوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يَسألني فأُعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأغفرَ له؟».
[ ١ / ٤٨١ ]
قولُ ابن تيمية! وهذه عقيدة ابن تيمية! أو هذه عقيدة الوَهَّابية! أو غير ذلك من الألفاظ والألقاب التي يُطلقها هؤلاء زُورًا وبهتانًا.
ثم قال المصنفُ ﵀: «هذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فَتَدَبَّرْه، وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقةً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: إنَّه يَلزم أن يكون جِسْمًا أو عَرَضًا فيكون مُحْدَثًا».
فهذا إمامٌ من أئمة السلف الصالح؛ انظر كيف يتكلم في هذه المسائل، هل عطَّل منها شيئًا؟! هل دعا إلى التَّعطيل؟! هل دعا إلى التَّشبيه؟! أو دعى إلى تفويض المعنى؟!
أَلَم يَدْعُ إلى إثبات ما أثبته الله-﷿-لنفسه، وما أثبته له رسولُه ﷺ، وفي الوقت نفسه نهى عن الزيادة على ذلك وعن النقصان عنه، وعن التكَلُّف بإحداث صفةٍ لم تَرِد في الكتاب ولا في السُّنَّة الصحيحة. فهذه وصيته
فالجهمية، فإذا قلنا: إن لله-﷾-صفات. قالوا: يَلزم من ذلك أن يكون جسمًا، أو أن يكون عَرَضًا، ويلزم منه أن يكون ذا أجزاء، ويلزم منه أن يكون مُرَكَّبًا!
وهذه لوازم المخلوق فيُقولون: إننا لو أثبتنا هذه الصفات للخالق، فيكون مشابهًا للمخلوق، وبالتالي عَطَّلُوها.
وهي شُبهة ميِّتة وضعيفة لا تَروج-والله-إلا على إنسانٍ جاهل ما عنده أثارة من علم ولا له أدنى بَصيرة.
فإن لله تعالى فيما وُصِف ما يَخُصُّه، وللمخلوق فيما يَتَّصف به ما يخصُّه، فلا تُعْطَى خصائص الخالق للمخلوق، ولا تُعطى خصائص المخلوق للخالق ﷾؛ فكما نقول: لله حياةٌ تخصُّه وعلمٌ يخصُّه، فلنقل: له استواءٌ يخصُّه ونزولٌ يخصُّه.
فنؤمن بما أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فهل هناك أوضح وأَسْلَم مِنْ هذا المنهج؟!
وهذا الذي يتفق مع النصوص؛ فلا تُنْكَر، ولا تُعَطَّل، ولا يُزاد فيها ولا يُنقص منها. وتلك عقيدة السلف الواضحة الجَلِيَّة؛ نسأل اللهَ أن يَختم لنا بها، وأَلَّا يَتوفانا إلَّا عليها.
[ ١ / ٤٨٢ ]
(٩٦) "وفي كتاب [الفقه الأكبر] المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرنَّ أحدًا بذنب، ولا تنف أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ-ولا توالي أحدًا دون أحد، وأنت تردَّ أمر عثمانٍ وعليٍّ إلى الله ﷿".
قال الإمامُ أبو حنيفة-﵀-في كتاب «الفقه الأكبر»: «ولا تُكَفِّرَنَّ أحدًا بذنبٍ»، والمقصود هنا: تكفير مُرتكب الكبيرة، وكما هو معلوم؛ فإن الخوارج قالوا: إنَّ مرتكب الكبيرة يُعَدُّ خارجًا من الإيمان؛ فكفروا مرتكب الكبيرة. وهكذا فعلتِ المعتزلةُ؛ على اختلافٍ بينهم في حكم مُرتكب الكبيرة في الدنيا؛ فإن المعتزلة قالوا: إنَّه في منزلة بين منزلتين، واتفقوا مع الخوارج في الحُكم عليه في الآخرة بأنه مُخَلَّدٌ في النار.
ومسألة التَّكفير مسألةٌ عظيمة وخطيرة، وقد حصل فيها زَلَلٌ في القديم وفي الحديث، ونحن في هذا العصر نلمس شيئًا من هذا الزَّلل بسبب أنَّ كثيرًا من الناس لا يَفهم هذه المسألة على ما هي عليه، وعلى الوجه الحقِّ الذي هي فيه.
ولذلك، فإنَّ بعضَ طلبة العلم المُبتدئين-للأسف الشديد-لا يَفهمون هذه المسألة فهمًا صحيحًا، ولا يَرجعون فيها إلى مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ولذلك لا بد أن نتوقف وقفة عند هذه المسألة؛ (مسألة التكفير)، أو ما يُسَمَّى: (الكفر المُطلق والكفر المُعَيَّن).
ولا بد أن يَعلم طالبُ العِلم أن عند أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب أمرين:
- الأمر الأول: أن يعلم ما هي المسائل التي تُوجب الكفر؟ وما هو الكفر؟ وهذا ما يُسمى ب (الكفر المُطْلَق)، أي: متى يكون حكم القول أو الفعل أو الاعتقاد كفر، وهذا أمرٌ مهم.
[ ١ / ٤٨٣ ]
- الأمر الثاني: متى يكون القائل أو الفاعل أو المعتقد لهذا الأمر كافرًا؟ وهذا ما يُسمى بمسألة: (تكفير المُعَيَّن).
فلا بُدَّ لطالب العلم أن يفهم هذين الأمرين: ما هو الكفر؟ ومتى يكون الإنسان كافرًا؟
فالإيمان ضده الكفر، والإيمان-كما هو معلوم-شُعَبٌ، وشعب الإيمان نُسَمِّيها: الطاعات، فالإيمان أصلٌ وله شُعَبٌ؛ فأصل الإيمان في القلب، والقلب عليه واجبان؛ هما:
واجب العلم والمعرفة، وهذا الذي يُسَمِّيه أهل السُّنَّة: التصديق.
وواجب الانقياد والطاعة، وهذا الذي يُسَمُّونه: العمل؛ لذلك يُعَبِّرون عن الإيمان؛ بقولهم: الإيمان قول وعمل؛ فالمقصود بذلك: قول القلب: الذي هو التصديق، الذي هو العِلم والمعرفة. وعمل القلب: الذي هو الانقياد والطاعة.
والإنسان لا يَصير مؤمنًا إلا بهذين الأمرين:
الأمر الأول: أن يكون على علمٍ ومعرفة.
الأمر الثاني: وعلى انقيادٍ وطاعة؛
فلو اختل التصديق لا يبقى الإيمان، وكذا الأمر إذا اختل الانقياد؛ لأنَّ التصديق وحده لا يَكفي؛ فإبليس-عليه لعنة الله-كان يَعلم مَنْ يخاطب؟ وعلى من اعترضَ؟ ويهود المدينة كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ وقد قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، لكن لم ينفعهم هذا العِلم ولم تنفعهم تلك المعرفة، كما لم ينفع إبليس علمه بمن يخاطب وعلى مَنْ اعترض، وكذلك فرعون وقومه لم ينفعهم علمُهم بأن الآيات التي جاءتهم هي حقٌّ من عند الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣، ١٤]؛ لأن هؤلاء جميعًا لم يضيفوا إلى العلم الإذعان والانقياد والقبول لما علموا صدقه.
وقد سُئل سفيان بن عيينة ﵀ عن الإرجاء؛ فقال: «يقولون: الإيمان قول. ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لِمَنْ شهد أن لا إله إلا الله مُصِرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسَمُّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المَحارم، وليس بسواءٍ؛ لأن ركوبَ المحارم من غير استحلال مَعصية، وترك الفرائض متعمدًا
[ ١ / ٤٨٤ ]
من غير جهل ولا عُذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود؛ أمَّا آدم فنهاه الله ﷿ عن أكلِ الشَّجرة وحَرَّمها عليه؛ فأكل منها متعمدًا؛ ليكون مَلَكًا أو يكون من الخالدين؛ فسُمِّي عاصيًا مِنْ غير كفر، وأمَّا إبليسُ- لعنه الله- فإنَّه فُرض عليه سجدةٌ واحدةٌ؛ فجَحَدها مُتعمدًا فَسُمِّي كافرًا. وأمَّا علماء اليهود فَعَرَفوا نعتَ النبي ﷺ، وأنه نبيٌّ رسولٌ، كما يعرفون أبناءهم، وأَقَرُّوا به باللسان ولم يَتَّبعوا شريعة؛ فَسَمَّاهم الله ﷿ كُفَّارًا؛ فركوب المحارم مِثلُ ذَنْب آدم ﵇ وغيرِه من الأنبياء، وأمَّا تركُ الفرائض جُحودًا فهو كفرٌ؛ مِثل كفر إبليس لعنه الله، وتَركهم على معرفة من غير جُحود فهو كفر؛ مِثل كفر علماء اليهود، والله أعلم» (^١).
وقال الأوزاعي ﵀: «لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يَستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية مُوافقة للسنة. وكان مَنْ مضى مِنْ سلفنا لا يُفَرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنَّما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمَن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه ولم يَعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله؛ لم يُقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين» (^٢).
ونقله عنه المصنفُ في «مجموع الفتاوى»، وعَلَّق عليه بقوله: «وهذا معروفٌ عن غير واحد من السَّلَف والخلف: أنَّهم يجعلون العمل مصدقًا للقول» (^٣).
فإذًا القلب عليه واجبان:
الواجب الأول: واجب التصديق، أو ما نُسَمِّيه: واجب العلم والمعرفة،
الواجب الثاني: واجب الانقياد والطاعة، فإذا اختلَّ أحد الأمرين زال الإيمان؛ فهذا أصل الإيمان.
وأمَّا أصل الكفر فهو التكذيب والجحود؛ لأن التكذيب يقابل التصديق، والجحود يقابل الانقياد.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٤٧)، وأورده ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ٢٥)، وفي «جامع العلوم والحكم» (ص ٤٤).
(٢) رواه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٢/ ٨٠٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٦).
[ ١ / ٤٨٥ ]
فلا يصير العبد مؤمنًا إلا بإيمان وانقياد؛ لذلك من عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإيمان قولٌ وعمل، فإذا زال أحدُ الأمرين زال الإيمان، والإيمان كما-تقَدَّم-شُعَبٌ، وهذه الشعب نُسَمِّيها: طاعات.
ومِن شعب الإيمان ما لو زَالَ زَالَ الإيمانُ، ومِن شُعب الإيمان ما لو زال لم يَزل الإيمان، وشُعَب الإيمان متفاوتة في الرُّتبة؛ فهناك الأفضل وهناك الأدنى؛ كما قال النبيُّ ﷺ: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-أَوْ بِضْعٌ وسِتُّون-شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ» (^١)، فلو زالت لا إله إلا الله فلا يبقى إيمان، لكن لو زالت إماطة الأذى عن الطريق لم يَزل الإيمان.
ولذلك في المقابل: الكُفْرُ-أيضًا-شُعُبٌ؛ ونسميها: معاصي؛ فالكفر معصية، والشرك معصية، والنفاق معصية، كما أنَّ الصلاة إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله ﷺ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (^٢).
فمعنى الإيمان هنا في الآية والحديث: الصلاة، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: أي: صلاتكم؛ لأنها نزلت بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؛ عندما سأل الصحابةُ عن شأنِ صلاتهم السابقة إلى بيتِ المقدس، وكذلك معنى الحديث: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، أي: الوضوء نصف الصلاة.
فتُسمى شُعَب الإيمان-التي هي الطاعات-إيمانًا، كما تسمى شُعَب الكفر-التي هي المعاصي-كفرًا؛ لذلك جاء في هذه الأحاديث: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٣)، «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٤)، «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»،
_________________
(١) رواه مسلم في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (شُعَبِ الإِيمَانِ)، برقم (٣٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم في كِتَابِ (الطَّهَارَةِ)، بَاب (فَضْلِ الْوُضُوءِ)، برقم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
(٣) رواه البخاري في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ)، برقم (٤٨)، ومسلم في كتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٦٤)، والترمذي (١٩٨٣)، وابن ماجه (٦٩)، والنسائي (٤١٠٨)، والإمام أحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦٤٧).
(٤) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، برقم (٦٧)، والترمذي (١٠٠١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠٤٣٤).
[ ١ / ٤٨٦ ]
«مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١)، وهكذا.
فإذًا شُعَبُ الكفر نُسَمِّيها معاصي، ولذلك مِنْ شعب الكفر ما لو وُجد زال الإيمان، ومِن شعب الكفر ما لو وُجد لم يَزل الإيمان، وعلى هذا يُفهم أنَّ الكفر كفران: كفرٌ يُخرج من المِلَّة، وكفرٌ لا يُخرج من الملة، فإذا كان تلك المعصية تُوجب الخلل في التصديق أو في الانقياد، فعند ذلك تُسَمَّى كفرًا أكبر.
لذلك مِنْ أصح ما يكون في تعريف الكفر، أن نقول: هو الجحود، فإمَّا جحود الوحدانية، أو جحود النبوة، أو جحود الشريعة، فإذا اختلَّ هذان الأصلان، أي: أصل التصديق وأصل الانقياد، فهذا الذي يُسَمَّى الكفر، لكن إذا لم يختل هذان الأصلان فعند ذلك لا يَقع الكفر المخرج من الملة.
لذلك نقول في تعريف الكفر الأصغر: هو كل معصيةٍ أَطلق عليها الشارعُ اسمَ الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على صاحبها؛ كقتال المسلم الذي جاء في حديث النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٢).
فالقتل-وقد أُطلق عليه اسم الكفر-لا يُوجب الخروج عن الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذًا لم تَزل أخوةُ الإيمان باقيةً لهم.
فعند أهل السنة-كما قلنا-: شُعَبُ الإيمان تتفاوت، ولذلك فإن الوقوع في بعض المعاصي واختلال بعض الطاعات قد لا يُوجب الخروج من الإيمان.
ولِكَيْ تَفْقَهَ مسألة الكفر جيدًا عليك أن تتصور مواقف الفِرَق المختلفة من الإيمان:
فالخوراج والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكن يرون أن الإيمان شيءٌ واحد؛ إذا زال بعضه زال كله.
وفي المقابل المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، وما دام العلم موجودًا فإن ذلك لا يُوجب زوال الكفر ولو وقع الإنسان فيما يخالف ذلك من العمل، وهو قول الجهمية وقول الأشاعرة.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود برقم (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠١٦٧)، والدارمي (١١٧٦)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الأول صفحة (١٧٣): صحيح.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ولذلك عرَّفَ الأشاعرة الكفر فقالوا: «الكفر هو التكذيب»؛ فحصروا الكفر في التكذيب، كما حصروا الإيمان في التصديق؛ فمقابل التصديق: التكذيب. وهذا هو قول الأشاعرة.
ولذلك الناس مختلفون في مسألة الكفر؛ فهناك مَنْ يقول: لا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة. وهناك مَنْ يكفِّر بأدنى بدعة. وأمَّا أهل السُّنَّة فيقولون: إن الأمر يختلف باختلاف البدع؛ فمن البدع ما هي مُضَلِّلة، ومنها ما هي مُكَفِّرة.
فمثلًا لو أنَّ إنسانًا أقامَ مَوْلِدًا؛ فلا نقول: إنه يكفر بهذا. ولكن لو أن إنسانًا فعل أمرًا يناقض أصل الإيمان؛ فإننا نقول: إن هذا القول-أو هذا الفعل-كُفْرٌ، كما نقول مثلًا: إن نفي الصفات وتعطيلها كفرٌ.
فينبغي لطالب العلم أن يتصور ما الإيمان؟ وما الكفر؟ ثم بعد ذلك يَعرف لماذا ينقسم الكفر إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، وهو الذي نُسَمِّيه كفرًا دون كفر، أو كفرًا لا يُخرج من الملة.
فهذه مسألة واسعة، وينبغي على طالب العلم أن يعرف ما الكفر؟ وما أقسامه؟ وما الشرك؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما النفاق؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما الردة؟ وما أقسامها؟
فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يتصورها تصورًا واضحًا، حتى يعرف ما هو الإيمان؟
لأن الناس لما اختلفوا في مسألة الإيمان تَفَرَّع عن هذا الاختلاف اختلافٌ في مسألة الكفر.
فذلك الذي قال بِكُفْر مُرتكب الكبيرة، إنما وقع في هذا الزَّلل؛ لكونه يرى أن الإيمان شيءٌ واحدٌ إذا ذهب بعضُه ذهب كله.
وكثير من الناس لا يستطيع أن يتصور ما النفاق؟ وأنه نوعان.
فأصل النفاق: اختلاف الظاهر عن الباطن، ولذلك تارةً يكون أكبر، وتارةً يكون أصغر.
فيكون أصغر إذا اختلف السر والعلانية في الواجبات، ولذلك جاء في الحديث: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»، وفي رواية: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (^١).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ، برقم (٣٣)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ (٥٩)، والترمذي (٢٦٣١)، والنسائي (٥٠٢١)، والإمام أحمد في المسند، مُسْنَد المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٨٦٨٥).
[ ١ / ٤٨٨ ]
فمثلًا: لو أن إنسانًا أعطى موعدًا لآخر وهو ينوي في قرارة نفسه أنه لن يحضر في ذلك الموعد. فهذا نسميه نفاقًا أصغر؛ لأن السرَّ خالف العلانية في الواجبات، وليس في أصل الاعتقاد.
أما إذا اختلف السرُّ والعلانية في أصل الاعتقاد فهذا نسميه: كفرًا أكبر، ومعناه: أن الإنسان يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.
وهكذا؛ فالشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.
والشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟
فعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر.
لذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشِّرك الأول نوعان:
أحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣].
وقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]،
[ ١ / ٤٨٩ ]
فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.
القسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
القسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
النوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.
ومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة.
ومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس.
ومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا.
ومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر
[ ١ / ٤٩٠ ]
هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم.
ومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.
ومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.
وأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (^١).
فالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
أي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا».
وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
_________________
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٦٠)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦٦).
[ ١ / ٤٩١ ]
حنفاء﴾ [البينة: ٥].
فمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (^١).
وهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].
ومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟!
فأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١].
فعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (^٢).
وخلاصة القول: فالشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (٤٢٠٢) ومسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه».
(٢) «الجواب الكافي» (ص ١٢٩ - ١٣٣).
[ ١ / ٤٩٢ ]
القسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته ﷾.
ثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق-﷾-نوعان:
النوع الأول: شرك تعطيل.
النوع الثاني: شرك تمثيل.
ففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان.
فلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية.
أما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل.
فالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان:
الأول: شرك تعطيل:
وتعريفه هو:
١ - أن يَجحد الخالق ﷾ وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد.
٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا.
الثاني: شرك التمثيل.
وتعريفه هو:
أن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.
فمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.
وكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه
[ ١ / ٤٩٣ ]
شركَ التمثيل.
والشاهد: أنَّ هذا بابٌ واسعٌ، وهو ما نُسَمِّيه: الكفر المطلق، وعلى طالب العلم أن يتصور المسائل التي تُوجب الكفر؛ لأن التكفير حقٌّ لله ولرسوله ﷺ، فلذلك لا يمكن أن نحكم على المسائل بأنها كفرٌ أكبر أو كفرٌ أصغر، إلا بعد أن نعرف النصوص التي وردت في هذا، ونُفَرِّق بين ما هو أكبر وبين ما هو أصغر، وبين ما ينافي أصل الإيمان وبين ما ينافي كمال الإيمان، حتى لا نَقع في الخَلَل الذي وقع فيه المُرجئة والذي وقع فيه الخوارج والمعتزلة، وتفرع عنه حكمهم على مرتكب الكبيرة.
والأصل في هذا كله: أن يَعرف الإنسان ما هو معتقد السلف في الإيمان.
وأردنا بهذا أن نُلقي بعض الضوء على هذه المسألة التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا، حتى يستطيع أن يُفَرِّق بين الحق والباطل في هذا الباب؛ فلا يميل إلى رأي المرجئة ولا يميل إلى رأي الخوارج والمعتزلة، بل يكون وسطًا، كما كان عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
ولن يكون كذلك حتى يعلم مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ويعلم ما هو الإيمان؟ وما هو الكفر؟ وما هي أقسامه؟ وما هي شُعَبُه؟
مسألة تكفير المعين:
وننتقل إلى مسألة مهمة-وهي تكفير المعين-التي أثار سوء الفهم لها كثيرًا من الجدال، بل واستحلال الدماء.
فنظرًا لاختلاف الناس في مُسمى الإيمان ترتب عليه اختلافهم في مسمَّى الكفر، ونتج عن ذلك-أيضًا-اختلافهم في تكفير المعين.
فالناس في هذه المسألة ثلاثة أصناف:
- صنف لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة.
- وصنف يُكَفِّرون كل مبتدع، بل يكفرون حتى أصحاب الكبائر.
- وأهل السُّنَّة والجماعة الذين هم وسط بين الصنفين السابقين.
ونحن في زمنٍ قد كثر فيه اللغط والغلط حول هذه المسألة، وعدم فهمها على مذهب السلف، ولذلك نتج عن ذلك خروج جماعات التكفير، ونسمع منهم وممن اغترُّوا بهم الشيء العظيم الذي بسببه كفَّروا الناس وخرجوا عليهم؛ حتى استحلوا دماءهم، وغير ذلك من أمور بسبب الخطأ في فهم هذه المسألة.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتصوَّر هذه المسألة، وأن يعرفها ويفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا حتى لا يُخطئ فيها؛ فيقع فيما وقع فيه أولئك من خطأٍ وزَلَل.
فلا بُدَّ أن نعلم أولًا: أنه لا يلزم من كون الفعل كفرًا أكبر-مثلًا-أن يكون فاعله كافرًا إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع عند أهل السُّنَّة، والشروط أربعة والموانع-كذلك-أربعة.
فلا بُدَّ للحكم بكفر معين أن نعلم أنه لا بُدَّ من اجتماع هذه الشروط الأربعة، وانتفاء ما يُقابلها، وهي:
الشرط الأول: العقل.
الشرط الثاني: البلوغ.
فلا بُدَّ أن يكون هذا القائل-أو هذا الفاعل، أو هذا المعتقد-عاقلًا بالغًا، بمعنى: أن الإنسان لو كان دون سِنِّ البلوغ أو كان مَجنونًا، فإنه بَذلك يَسقط عنه التكليف، ويكون هذا مانعًا من تكفيره ولو أَتَى بِمُكَفِّر؛ فالشرط: العقل والبلوغ، ويقابله الجنون والصِّغر.
فعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتَّى يحتلِمَ، وعن المجنونِ حتَّى يَعقِلَ» (^١).
فمثلًا لو أن صبيًّا دون سِنِّ البلوغ عبث بأوراق المصحف وأهانه، فإنه لا يَكفر بذلك، وكذلك المجنون؛ لأنهما غير مُكَلَّفَيْن.
الشرط الثالث: العِلم، ومقابله: الجهل؛ ومن الدليل عليه: قصة الرجل الذي أوصى بَنِيه بإحراقه، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «كان رجلٌ يُسرف على نفسه، فلما حَضَرَه الموتُ قال لِبَنيه: إذا أنا مُتُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذَرُّوني في الريح، فوالله لَإِن قَدر عليَّ ربي ليُعَذِّبَنِّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا، فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتُك، فَغَفَرَ له» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا الرجلُ ظَنَّ أن الله لا يَقدر عليه إذا تفرَّق
_________________
(١) رواه الترمذي (١٤٢٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٤٦)، وأحمد (٩٥٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٢/ ١٩٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٤٢٣).
(٢) رواه البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦).
[ ١ / ٤٩٥ ]
هذا التفرُّق؛ فظَنَّ أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: مِنْ إنكاره لقدرة الله، وإنكاره مَعاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًّا في هذا الظَّنِّ مُخطئًا، فَغَفَر اللهُ له ذلك. والحديث صريحٌ في أنَّ الرجل طَمِع أن لا يُعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد وذلك كفر؛ إذا قامت حُجَّة النبوة على مُنكره حُكم بكفره» (^١).
الشرط الرابع: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر؛ فمَن قصد الفعل المكفِّر-وإن لم يَعلم أنه كُفْر-وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا.
والإكراه منافي للقصد، فإذا أُكره على الكفر؛ فنَطق بالكفر أو فعل مُكَفِّرًا-وكان قلبه مُطمئنًا بالإيمان-لم يُحكم بكفره؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
والقَصْد مقابله: الخطأ؛ فالخطأ مانع من موانع التكفير؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعند مسلم: «أنَّ الله ﷿ قال: «قَدْ فَعَلْتُ» (^٢)، وقال ﷺ: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيان وما اسْتُكرهوا عليه» (^٣).
فالواجب الحذر من إطلاق الكفر على إنسان معين أو طائفة معينة حتى يُعلم تحقق شروط التكفير في حقها وانتفاء موانعه.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٩، ٤١٠).
(٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٣) من حديث أبي ذر الغفاري، ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩)، والدارقطني في «سننه» (٤٣٥١) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «المشكاة» (٦٢٩٣).
[ ١ / ٤٩٦ ]
(٩٧) قال «أبو حنيفة»: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير من أن يجمع العلم الكثير. اه.
قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.
ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام.
قال: وذكر الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» (^١).
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفَّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أم في الأرض! فكيف يكون الجاحد النَّافي الذي يقول: ليس في السماء أو ليس في الأرض ولا في السماء؟ واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: وعرشه فوق سبع سماوات.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) «الفقه الأكبر»، رواية أبي مطيع البلخي (ص ٤٠، ٤٤، ٤٩ - ٥٠).
[ ١ / ٤٩٧ ]
وبَيَّنَ بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يُبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنَّه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعَى من أعلى لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء.
واحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عِلِّيين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحُجَّتين فِطرية عقلية؛ فإن القلوب مَفطورة على الإقرار بأنَّ الله في العلو، وعلى أنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
وروى هذا اللفظ عنه بالإسناد شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهَرَوي بإسناده في كتاب «الفاروق» (^١).
قال المصنف ﵀: قال أبو حنيفة: «الفقه الأكبر في الدين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يَفقه الرجل كيف يعبد ربَّه خير من أن يَجمع العلم الكثير».
لا شَكَّ أن الإنسان إذ تفقه في أصول دينه، وفي معرفة كيفية عبادة ربه ﷿ فإنه سيعبده على يَقين وعلى بصيرة من أمره، وهذا خير من أن يجمع مسائل الفروع ويكون جاهلا بمسائل الأصول.
قال المصنف ﵀: «قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.
ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله
_________________
(١) وذكر-كذلك-ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٣٩)، وابن أبي العز الحنفي في «شرح الطحاوية» (٢/ ٣٨٦): أنَّ هذا الأثر رواه أبو إسماعيل الهروي بسنده في كتاب «الفاروق» عن أبي مطيع البلخي. والكتاب ما زال مفقودًا.
[ ١ / ٤٩٨ ]
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام».
فهنا سأل أبو مُطيع الإمام أبا حنيفة ﵀ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طائفة من الناس، يُلِمِّح إلى كل من الخوارج والمعتزلة، الذين يَرَوْن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون ضوابط شرعية، مما أدى إلى لازم ذلك من الخروج على جماعة المسلمين بالسيف والقتال.
ولا شَكَّ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الإسلام، وشريعة من شرائعه، لكن لا بد أن تؤدى بالوسائل الشرعية، فيجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهي عن المنكر، لكن لا يخرج على جماعة المسلمين بحجة أنه يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر؛ لأنه إذا خرج عليهم بالسلاح كان إفساده أكثر من إصلاحه؛ ويترتب على خروجه من المنكر أعظم مما هم موجود وقائم.
وهناك شواهد عبر التاريخ مما صنع الخوارج والمعتزلة الذين خرجوا بالقوة على جماعة المسلمين بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفسدوا أكثر مما أصلحوا، والقاعدة الأصولية العامة تقول: إن درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؛ فإذا كان هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيجلب مَفسدة، أو سيترتب عليه مفسدة أعظم من المفسدة القائمة؛ فتركه أَوْلَى، وكذلك لا يُزال المنكر بمُنكر أشد منه؛
قال الإمامُ ابن القيم ﵀: «فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يَزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزل بجُملته.
الثالثة: أن يَخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يَخلفه ما هو شَرٌّ منه.
فالدرجتان الأُولَيَان مَشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
فإذا رأيت أهلَ الفجور والفسوق يَلعبون بالشِّطْرَنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك.
وإذا رأيت الفُسَّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلَّا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تُفَرِّغَهم
[ ١ / ٤٩٩ ]
لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسِّحْر؛ فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا بابٌ واسعٌ.
وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيمية-قَدَّس الله روحه ونور ضريحه-يقول: مَررت أنا وبعض أصحابي في زمن التَّتار بقومٍ منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حَرَّم الله الخمر؛ لأنَّها تَصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يَصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال؛ فَدَعْهُم» (^١).
قال المصنف ﵀: «قال-أي: أبو مطيع-وذكر-أي: أبو حنيفة-الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر».
لا زال المؤلف يذكر كلام الإمام أبي حنيفة، كما رواه أبو مطيع البلخي ﵀، ففي هذا الكلام نرى أن الإمام أبا حنيفة كَفَّر مَنْ أنكر صفة العلو لله ﷿، والكلام في هذا صريح لا يحتمل التأويل، بل إنه ﵀ كَفَّر مَنْ تَوَقَّف في هذه المسألة، فقال: لا أدري اللهُ في السماء أم في الأرض!
لكن ينبغي التنبه هنا إلى أن كلام الأئمة في تكفير مَنْ خالف في بعض هذه المسائل هو من باب التكفير المُطلق، وليس من باب تكفير المُعَيَّن.
فالتكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، مثل أن يتوعد الله ﷿ بالنار مَنْ يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، فلا يجوز أن نحكم على من
_________________
(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٣/ ١٢، ١٣).
[ ١ / ٥٠٠ ]
نعلم أنه أكل أموال اليتامى بأنه في النار، وكذلك توعد الله آكل الربا بالنار، وتوعد القاتل المتعمد بالنار؛ فلا يجوز أن نَحكم على مسلم بعينه بأنه من أهل النار وإن فعل ما توعد الله من فعل هذا الفعل بالنار بإطلاق.
وكان الأئمة يُكَفِّرون ببعض المقالات، ومع ذلك لا يحكمون بكفر من يقول بها؛ فالإمام أحمد اشتهر عنه أنه قال: «مَنْ قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر»، ومع ذلك كان يصلي خلف مَنْ يقول: القرآن مخلوق. لأنه-كما قلنا-لا بد من الحكم على معين بالكفر مِنْ تحقق شروط وانتفاء موانع.
فكلام الإمام أبي حنيفة هنا لا يعني أن كل من أنكر صفة العلو نقول له: أنت كافر خارج من الملة. لا، فكلام الأئمة يُؤخذ على عمومه، ولا يحكم به على شخص معين إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الموانع وزوال ما عنده من شُبهة.
وكذلك ينبغي أن نَبُثَّ مثل هذه الآثار عن الإمام أبي حنيفة؛ لأن بعض أتباع مذهبه يتعصبون له، ويُشنعون على المخالفين له، وينكرون صحة نسبة هذه النصوص إليه، وبعضهم يؤولها، مع أنَّها نصوص ثابتة عنه ﵀، وهي صريحة في إثبات صفة العلو والإنكار الشديد على مَنْ أنكرها، فكلامه ﵀ لا يحتمل التأويل؛ لأنه كَفَّر حتى المتوقف الذي يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ فقال: «هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل».
وقد ذكر هنا ﵀ حُجَّتين فطرية عقلية؛ وهما: أن القلوب مَفطورة على الإقرار بأن الله في العُلو، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا يُقر به كل أحد.
أما الأقوال في صفة العلو فهي على النحو الآتي:
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم
يؤمن أهل السنة بعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه وهم بائنون منه.
وقد وافقهم على قولهم في إثبات العلو عامة الصفاتية، كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه، وأبي العباس القلانسي (^١)، وأبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه.
_________________
(١) قال عنه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٢٩٨): «أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري ﵀ لا من تلاميذه، كما قال الأهوازي، وهو من جلة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات، (أي موافق لاعتقاد الأشعري).
[ ١ / ٥٠١ ]
وهو قول الكرامية ومتقدمي الشيعة الإمامية (^١).
وقد استدل أهل السنة والجماعة على إثبات صفة العلو بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتوى الحموية الكثير من الأدلة من القرآن، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأئمتها، فلا حاجة إلى تكرار ذلك. فقد وفى هذا الجانب حقه.
وسأشير هنا إلى دليل العقل، والفطرة.
أما الأدلة العقلية فهي كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:
الدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟
فسيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟
فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:
واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.
وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع" (^٢)
الدليل الثاني: قول ابن القيم: "إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.
فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧)، ونقض تأسيس الجهمية (١/ ١٢٧، ٢/ ١٤).
(٢) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).
[ ١ / ٥٠٢ ]
فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟
فإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.
وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.
فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.
قيل: هذا-والله أعلم-حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.
وأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره" (^١).
الدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.
والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلا عنه.
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
[ ١ / ٥٠٣ ]
ولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^١).
وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.
أما دليل الفطرة:
فمن المعلوم أن الفطرة السليمة قد جبلت على الاعتراف بعلو الله ﷾، ويظهر هذا الأمر عندما يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى أن يقصد جهة العلو ولو بالقلب حين الدعاء، وهذا الأمر لا يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه فضلًا عن أن يرد على قائله وينكر هذا الأمر عليه.
ومن أجل ذلك لم يجد الجويني-إمام الحرمين-جوابًا حين سأله الهمداني محتجًا عليه بها، فقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الاستاذ أبا المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: "كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان". فقال الشيخ أبو جعفر: "يا أستاذ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع-أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة على قلوبنا؟
قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٤، ٦١)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥ - ٣٢٦).
[ ١ / ٥٠٤ ]
قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك" (^١).
القول الثاني: قول المعطلة من الفلاسفة (^٢)، والجهمية (^٣)، والمعتزلة (^٤)، ومتأخري الأشاعرة (^٥)، والقرامطة الباطنية (^٦).
وهؤلاء جميعًا ينفون علو الله وارتفاعه فوق خلقه، وكل ذلك تحت دعوى التوحيد والتنزيه ونفي التشبيه، فهم يزعمون أن إثبات العلو لله تعالى فيه إثبات للجهة، والمحايثة، والحد، والحركة، والانتقال، وهذه الأمور على زعمهم تستلزم الجسمية، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث فمن أجل ذلك نفوا العلو، وأولوا النصوص الثابتة فيه بأن المراد بها علو القهر والغلبة.
وقد انقسم الجهمية المعطلة النافون لعلو الله إلى فريقين في هذه المسألة:
الفريق الأول:
وهم الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا هو مباين له ولا محايث له.
وهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة (^٧)، وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربًا منهم-على حد زعمهم-من إثبات
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.
(٢) النجاة لابن سينا (ص ٣٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، (٥/ ١٢٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، (٥/ ١٢٢).
(٥) تأويل مشكل الحديث لابن فورك (ص ٦٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (٢٩، ٣٤).
(٦) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٧٨)، والقرامطة من الباطنية وهم ينتسبون إلى حمدان بن الأشعث الذي كان يلقب بقرمط لقرمطة في خطه أو خَطْوِه، انظر الفرق بين الفرق (٢٨١، ٢٩٣)، المنتظم لابن الجوزي (٥/ ١١٠، ١١١).
(٧) الرسالة الأضحوية (نقلا عن مختصر الصواعق ١/ ٢٣٧)، والاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٤)، تأويل مشكل الحديث (ص ٦٣ - ٦٤)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨، ٥/ ١٢٢ - ١٢٤)، نقض التأسيس (١/ ٦ - ٧).
[ ١ / ٥٠٥ ]
الجهة والمكان والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيمًا وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات فنحن نسد الباب بالكلية.
وقد استند أصحاب هذا القول في قولهم هذا على حجج زعموا أنها عقلية أسسوها وابتدعوها وجعلوها مقدمة كل نص، وليس لهؤلاء أي دليل من القرآن أو السنة على صحة قولهم هذا. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم إلا الجهمية، فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي" (^١).
وسنأتي بعد ذكر بعض تلك الحجج التي زعمها هؤلاء.
القول الثالث:
وهم الذين يقولون بأن الله بذاته في كل مكان.
وهذا القول هو ما يذهب إليه النجارية (^٢)، وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم وصوفيتهم وعوامهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم (^٣).
ويحتج هؤلاء ببعض الحجج العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب.
وقد يجمع كثير من هؤلاء المعطلة بين القولين، فهو في حالة نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول لا هو داخل العالم ولا خارجه.
وفي حالة تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء (^٤).
شبهة المعطلة العقلية:
إن جل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي صفة العلو وغيرها من الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة بناها هؤلاء المعطلة على
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢).
(٢) هم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله بن النجار، وقد كان أكثر معتزلة الري ومن حولها على مذهبه، وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل (١/ ١١٣ - ١١٤) عن الكعبي قوله: (إن النجار كان يقول: إن الباري بكل مكان وجودا لا معنى العلم والقدرة). وانظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٥ - ١٣٧، ٢٨٣ - ٢٨٥)، والفرق بين الفرق (١٢٦ - ١٢٧)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٣٣٤)، والتبصير في الدين (١٠١، ١٠٢، ١٠٣).
(٣) انظر نقض التأسيس (١/ ٧).
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٠٦ ]
أصول فلسفية كانوا قد تأثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ.
وقد جعل هؤلاء المعطلة لتلك الحجج حكم الأمر المحكم الذي يجب اتباعه واعتقاد موجبه والتسليم به، وقد بلغ من تقديسهم لها أنهم جعلوها مقدمة على الكتاب والسنة فإذا ورد النص من الكتاب أو السنة عرضوه على تلك الأسس العقلية، فإن وافقها احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا، وإن خالفها فهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيؤولون نصوص القرآن ويطعنون في نصوص السنة، وكل ذلك تحت دعوى التنزيه والتوحيد ونفي التشبيه.
وقد أفرط هؤلاء المعطلة في هذا الجانب -أي جانب نفي التشبيه- فجعلوا من قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] جنة يتترسون بها لنفي علو الله سبحانه فوق عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله، وغير ذلك مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ، حتى إنه قد آل ببعض هؤلاء المعطلة إلى نفي ذاته خشية التشبيه فقالوا: هو وجود محض لا ماهية له، ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه -على حد زعمهم- حيث قالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات والكلام والعلو فنحن نسد الباب بالكلية (^١).
وسوف نتعرض لبعض أسس تلك الشبه العقلية المزعومة التي جعلها هؤلاء المعطلة مستندا لهم في نفي صفة العلو وغيرها من الصفات، ونبين ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ مع بيان ما في تلك الأسس من تناقض وبخاصة من الناحية العقلية.
ونظرًا لتعدد مذاهب المعطلة واختلاف بعضها عن بعض في القول والرأي، فسوف نعرض شبهة كل فرقة من الفرق السابقة الذكر على حدة فنبدأ أولًا ب:
١ شبهة الفلاسفة (^٢):
الفلاسفة ينفون صفة العلو وباقي صفات الباري ﷿ -كما سبق أن ذكرنا-تحت دعوى التوحيد والتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فابن سينا يقول: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، فهو ليس بجسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة في
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٢٨٥).
(٢) أقصد بهم فلاسفة المسلمين كابن سينا والفارابي.
[ ١ / ٥٠٧ ]
الكلم ولا في المبادئ المقومة له، ولا في قول الشارح ولا غير ذلك مما ينافي وحدة واجب الوجود وبساطته المطلقة" (^١).
والمتأمل لهذه العبارات التي أوردها ابن سينا يعرف أنها إنما هي مجرد اصطلاحات اصطلحها هو وأمثاله من الفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة اليونان، فجعلوا من تلك العبارات المبتدعة ما أسموه بالتوحيد، وادعوا أن ما تضمنته هو التنزيه، مع أنها في الحقيقة متضمنة لنفي جميع الصفات بما فيها العلو والاستواء.
فقوله: (إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه) يعني به أنه ليس لله تعالى صفة ولا قدر، لأن ذلك على رأيه يستلزم التجسيم والتجزئة والتركيب فيلزم نفيه، لأنه يلزم من ذلك الحدوث والافتقار وذلك ينافي واجب الوجود.
فابن سينا وأمثاله من الفلاسفة يعتمدون في نفي الصفات على حجة التركيب والتي هي: (أنه لو كان له صفة لكان مركبًا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه) وهم بهذا الكلام تجدهم قد نفوا صفات الباري جميعها.
ولو توقفنا عند العبارة السابقة وهي قوله: (أن واجب الوجود بذاته واحد بسيط …) من أجل بيان ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحتى مخالفتها للعقل الذي يقدمه هؤلاء على كل شيء. لوجدنا هذه العبارة هي تفسير للواحد بما لا أصل له في الكتاب أو السنة، بل هو تفسير باطل شرعًا وعقلًا ولغة.
أما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن هذا القول ليس هو معنى الواحد في اللغة، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض عند من يجعلها غيرها أو زائدة عليها.
وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يوجد في اللغة اسم الواحد إلاّ على ذي صفة ومقدار لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، ومعلوم أن النفس الواحدة المراد بها
_________________
(١) النجاة لابن سينا (ص ٣٧).
[ ١ / ٥٠٨ ]
هنا آدم ﵇، وحواء خلقت من ضلع آدم، فمن جسده خلقت لا من روحه حتى لا يقول القائل: الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام التي سماها الله نفسًا واحدة علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة. وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد من باب أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام.
وأما في العقل:
فإن الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، فليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز من شيء عن شيء بحيث يمكن أن يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسمًا.
وأما في الشرع:
فنقول: إن مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم، تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم (الواحد) في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدعها هؤلاء (^١).
وأما حجة التركيب التي اعتمد عليها هؤلاء الفلاسفة في نفي الصفات وهي قولهم: (إنه لو كان صفة لكان مركبا والمركب يفتقر إلى جزئيه وجزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه) فهي تتكون من ألفاظ مجملة بمعنى أن كل لفظة منها تحتمل عدة معان فلا بد من توضيح المراد من كل لفظ أولًا حتى يتكلم فيه.
فلفظ (المركب) مثلًا: قد يراد به ما ركبه غيره، أو ما كان مفترقًا فاجتمع، أو ما يقبل التفريق، والله منزه عن هذه المعاني باتفاق.
وأما الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها فإذا سميتم هذا تركيبًا كان ذلك اصطلاحًا لكم، وليس هو المفهوم من لفظ المركب ولن تستطيعوا أيها الفلاسفة إقامة الدليل على نفيه.
وأما قولهم: (لكان مركبًا) فإن أرادوا لكان غيره ركبه، أو لكان مجتمعًا بعد
_________________
(١) انظر نقض التأسيس (١/ ٤٨٢، ٤٨٤، ٤٨٨).
[ ١ / ٥٠٩ ]
افتراقه، أو لكان قابلًا للتفريق. فاللازم باطل فإن الكلام إنما هو في الصفات اللازمة للموصوف الذي يمتنع وجوده بدونها.
وإن أراد بالمركب الموصوف أو ما يشبه ذلك فلِم قالوا أن ذلك يمتنع؟!
وأما قولهم (والمركب مفتقر إلى غيره) فالجواب عنه: أما المركب بالتفسير الأول فهو مفتقر إلى ما يباينه وهذا ممتنع على الله تعالى.
وأما الموصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته الذي سميتموه أنتم مركبًا فليس في اتصافه هذا ما يوجب كونه مفتقرًا إلى مباين له.
وإن قالوا: هي غيره وهو لا يوجد إلا بها وهذا افتقار إليها، قيل لهم: إن أرادوا بقولهم هي غيره أنها مباينة له فذلك باطل. وإن أرادوا أنها ليست إياه، قيل لهم: إذا لم تكن الصفة هي الموصوف فأي محذور في هذا.
وإذا قالوا: هو مفتقر إليها، قيل: أتريدون بالافتقار أنه مفتقر إلى فاعل يفعله أو محل يقبله؟ أم تريدون أنه مستلزم لها فلا يكون موجودًا إلا وهو متصف بها؟
أما الثاني فأي محذور فيه؟ وأما الأول فباطل إذ الصفة اللازمة للموصوف لا يكون فاعلًا لها (^١).
أما قولهم: (أنه لو كان صفة لكان مركبًا والمركب مفتقر إلى جزئيه)، فهذا القول لا يتم إلا عند من يثبت الجوهر الفرد، أما نفاته فعندهم أن الجسم في نفسه واحد بسيط ليس مركبًا من الجواهر المنفردة.
وهذه المسألة خلافية قد توقف فيها أذكى المتأخرين من الأشعرية وإمامهم أبو المعالي الجوني وكذلك أذكى متأخري المعتزلة أبو الحسين البصري (^٢) وكذلك الرازي (^٣)
_________________
(١) انظر منهاج السنة (١/ ١٨٨ - ١٩٠) بتصرف.
(٢) أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة ومن أئمتهم، توفي سنة (٤٣٦ هـ). انظر الملل والنحل (١/ ١٣٠ - ١٣١)، ولسان الميزان (٥/ ٥٩٧).
(٣) أبو عبد الله، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الرازي، ويعرف بابن الخطيب، وبابن خطيب الري، ولد سنة (٥٤٤ هـ) وتوفي سنة (٦٠٦ هـ)، من أئمة الأشاعرة الذين مزجوا المذهب الأشعري بالفلسفة والاعتزال. انظر ترجمته في وفيات الأعيان (٣/ ٣٨١ - ٣٨٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢١)، طبقات الشافعية (٥/ ٣٣ - ٤٠).
[ ١ / ٥١٠ ]
فهي مقدمة ممنوعة لا تصلح دليلا لوجود النزاع فيها حتى بين الفلاسفة أنفسهم (^١).
٢ شبهة المعتزلة:
وأما شبهة المعتزلة التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ بما فيها صفة العلو فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^٢) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^٣).
والمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.
_________________
(١) نقض التأسيس (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦).
(٢) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية. انظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).
(٣) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥١١ ]
الرد عليهم:
مما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسمًا ولا محيزًا لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فهم بهذا القول نفوا صفات الباري وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:
أولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرش والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري ﷿ حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^٢).
_________________
(١) انظر شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض التأسيس الجهمية (١/ ٥٠٤، ٥١١)، وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٨ - ٤٣٠).
(٢) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).
[ ١ / ٥١٢ ]
ثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^١).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٢).
ثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٣) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٤)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلًا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.
وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٥).
٣ شبه متأخري الأشاعرة:
وهم أيضًا ينفون صفة العلو لأنها من الصفات الخبرية (^٦)، ومعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات فقط وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).
(٢) موقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).
(٣) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٣).
(٤) انظر كتاب رسالة إلى أهل الثغر (ص ١٦٤ - ١٧٢) تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
(٥) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٦، ٢٥٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨ - ٤٠).
(٦) الصفات الخبرية وتسمى الصفات السمعية وهي: ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول دون استناد إلى نظر عقلي كالاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.
[ ١ / ٥١٣ ]
١ أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.
٢ أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.
٣ أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلًا للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.
٤ أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلًا وأبدًا فهو في القدم كان حيًا قادرًا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا (^١).
فهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.
ومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات (^٢).
ويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسمًا، وكونه جسمًا يقتضي كونه مركبًا، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث (^٣).
فعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيمًا وقولا باطلًا فهذا كذلك.
_________________
(١) انظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٨٤ - ١٠١)، بتصرف.
(٢) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٥).
(٣) نقض التأسيس (١/ ٥٠٣).
[ ١ / ٥١٤ ]
وإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.
قيل لهم: وكذلك هذا.
فإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.
قيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين (^١).
٤ شبه النفاة السمعية في نفي صفة العلو:
لقد سبق وأن ذكرنا أن المعطلة قد انقسموا في هذه المسألة إلى فريقين:
فأما الفريق الأول: وهم القائلون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته وهؤلاء كما سبق أن ذكرنا ليس لهم دليل واحد من الكتاب أو السنة.
وأما الفريق الثاني: وهم القائلون بأن الله بذاته في كل مكان فقد احتجوا لقولهم هذا بنصوص "المعية" و"القرب" الواردة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُم﴾ [النساء ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
وقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه النصوص معية الذات وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان.
الرد عليهم:
قد أبطل علماء السلف زعم هؤلاء الجهمية واستدلالهم بهذه الآيات ويبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما زعمه هؤلاء، وذلك لأن كلمة (مع) في لغة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٥).
[ ١ / ٥١٥ ]
العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى.
ولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع واقتضت في كل موضع أمورًا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما:
المعنى الأول: المعية العامة
والمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).
وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.
وكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه".
المعنى الثاني: المعية الخاصة
وهي معية الاطلاع والنصرة والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).
[ ١ / ٥١٦ ]
وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨].
فهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك (^١).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.
فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ " (^٢).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.
قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير" (^٣).
وقال الآجري: "وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠)، و(٥/ ١٠٤).
(٢) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).
(٣) التمهيد (٧/ ١٣٤).
[ ١ / ٥١٧ ]
السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء" (^١).
وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض" (^٢).
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٣).
وقال الآجري: "وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون" (^٤).
القول الرابع:
وهو قول من يقول: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^٥)، وزهير الأثري (^٦)، وأصحابهما (^٧)، وهو موجود في كلام السالمية (^٨) كأبي طالب المكي (^٩)
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٢) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).
(٣) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).
(٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٥) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).
(٦) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).
(٧) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).
(٨) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية. انظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).
(٩) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ). انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).
[ ١ / ٥١٨ ]
وأتباعه كأبي الحكم برجان (^١) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٢) فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٣).
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
ويزعم أصحاب هذا القول أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
_________________
(١) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش. انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩).
(٣) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).
[ ١ / ٥١٩ ]
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات.
أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).
وقد عرف عن الإمام أبو حنيفة تصديه لمقالات الجهمية ومن ذلك ما رواه البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا ابن حيان، أنا أحمد بن جعفر بن نصر، ثنا يحيى بن يعلى، سمعت نعيم ابن حماد ٤ يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: "كنا عند أبي حنيفة ﵀ أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا أن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ١ قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه" (^٢)
قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الرب من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء (^٣). "
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٣). وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٧ - ١٣٨)، وإسناده ضعيف جدا لأن نوح بن أبي مريم كذاب وضاع.
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥٣٩ - ٥٤٠).
[ ١ / ٥٢٠ ]
(٩٨) وروى هو-أيضًا-وابنُ أبي حاتم: أن هشام بن عُبيد الله الرَّازي (^١) -صاحب محمد بن الحَسَن، قاضي الرَّي-حبس رجلًا في التَّجَهُّم (^٢)؛ فتاب، فجيء به إلى هشام ليُطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أنَّ الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه! فقال: رُدُّوه إلى الحبس؛ فإنه لم يَتب» (^٣).
فلا بد من إثبات العلو لله تعالى وأنه بائن من خلقه، وقد أتى العلماء بلفظة (بائن)؛ للرد على الجهمية الحلولية الذين زعموا أن الله مختلط وممتزج بالخلق؛ ولهذا لما قال هذا الرجل: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام بن عُبيد الله الرَّازي-فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أنَّ الله على عرشه، لكن ما أدري (ما بائن من خلقه)! فقال: رُدُّوه إلى السجن؛ فإنه لم يتب.
فلا بد من اعتقاد أن الله بائن من خلقه؛ بمعنى: منزه-سبحانه-عن أن يختلط بهم.
_________________
(١) هشام بن عبد الله الرازي، فقيه حنفي، من أهل الرأي، أخذ عن أبي يوسف ومحمد ابن الحسن صاحبي أبي حنيفة. قال الذهبي: "كان داعية إلى السنة ومحطًا على الجهمية" قال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٣٠٧ "هشام بن عبد الله من أئمة الفقه على مذهب أبي حنيفة، أخذ عن محمد بن الحسن وغيره وهو معروف عند الفقهاء، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء. توفى محمد بن الحسن في منزله. ". انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٥٤)
(٢) أي: بسبب انتحاله لمذهب الجهمية؛ الذي أَسَّسَه الجهم بن صفوان.
(٣) وذكر هذا الأثر أيضًا في «درء العقل والنقل» (٦/ ٢٦٥)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٤٠، ١٤١). والذهبي في العلو ص ١٢٣ وفي كتاب العرش ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ٥٢١ ]
(٩٩) وروى-أيضًا (^١) -عن يحيى بن معاذ الرَّازي أنه قال: «إنَّ الله على العرش بائنٌ من الخَلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يَشك في هذه المقالة إلا جهميٌّ رديء ضِلِّيل وهالك مُرتاب، يمزجُ الله بخلقِه، ويَخلط منه الذَّات بالأقذار والأَنْتَان (^٢)» (^٣).
تعددت الأقوال في صفة الاستواء ويمكن استعراض تلك الأقوال على النحو الآتي:
أولًا: مذهب السلف في الاستواء
والمقصود بالسلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم.
ولقد كان قولهم في الاستواء كقولهم في سائر صفات الله فهم وسط بين طائفتين هم المعطلة والمشبهة.
فهم لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ذاته بذوات خلقه كما يفعل المشبهة.
وكذلك لا ينفون عن الله ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، فيعطلون أسماءه وصفاته، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسمائه وآياته كما فعل المعطلة.
بل كان مذهبهم في سائر الصفات-بما في ذلك الاستواء-أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه محمد ﷺ نفيًا وإثباتًا.
_________________
(١) أي: الإمام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي.
(٢) الأنتان: جمع النَّتَنْ، وهي الأماكن المستقذرة ذوات الروائح الكريهة. والمعنى: أنَّ الجهمي يريد أن يخلط ذات الله بالأماكن المستقبحة المستقذرة. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
(٣) ذكر الذهبي في «العلو» (ص ١٣٩، ١٤٠) جزءًا من هذا الأثر من رواية أبي إسماعيل الهروي.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وطريقتهم في الإثبات أنهم يثبتون ما أثبته الله من الصفات من غير تكييف لها، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.
وطريقتهم في النفي أنهم ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه مع إثبات كمال ضد ذلك المنفي.
فطريقة السلف هي إثبات أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلة المخلوقين، إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، ففي قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (^١).
ولقد كانت هذه طريقة السلف في جميع الصفات دون تفريق بين صفة وصفة، وفي ذلك يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة" (^٢).
وبناءً على هذه القاعدة كان مذهب السلف في صفة الاستواء أنهم يثبتون استواء الله على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ويناسب كبريائه، وهو بائن من خلقه وخلقه بائنون منه.
فالاستواء صفة ثابتة في القرآن والسنة وقد أجمع سلف الأمة على إثباتها.
وذكر صفة الاستواء جاء في سبعة مواضع من القرآن الكريم، كما أن السنة مليئة بالأحاديث الثابتة الصحيحة الدالة على علو الله واستوائه على عرشه.
والسلف يقولون إن معنى هذا الاستواء الوارد في الكتاب والسنة معلوم في اللغة العربية، كما قال ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فقولهم: (الاستواء معلوم): أي أن معنى الاستواء معلوم في اللغة، وهو ههنا بمعنى العلو والارتفاع.
قال ابن القيم ﵀: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.
فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾
_________________
(١) انظر الرسالة التدمرية (ص ٤ - ٧)، المطبعة السلفية، الفتوى الحموية الكبرى (١٦ - ١٧)، المطبعة السلفية.
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦).
[ ١ / ٥٢٣ ]
[القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.
وأما المقيد فثلاثة أضرب:
أحدها: مقيد "بإلى" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
الثاني: المقيد "بعلى" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون "بواو مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم" (^١).
ومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه".
قال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بضبضاء قفرة
وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل-وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: "حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ١ / ٥٢٤ ]
الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه" (^١).
وقال ابن القيم: "إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول" (^٢).
ولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^٣).
وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٤).
وقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٥).
وقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع" (^٦).
وفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.
ومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: "ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة") (^٧).
وقال ابن القيم: "إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).
(٢) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).
(٣) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).
(٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).
(٧) تفسير القرطبي.
[ ١ / ٥٢٥ ]
البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم" (^١).
ثانيًا: أقوال المخالفين
الفريق الأول: نفاة الاستواء
سبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.
وإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.
وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:
القول الأول:
من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).
[ ١ / ٥٢٦ ]
وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)، والغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:
قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقال الآخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
وقال الآخر:
فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: "استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان" (^٨).
ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).
(٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).
(٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).
(٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).
(٨) التمهيد (٧/ ١٣٢). وقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.
[ ١ / ٥٢٧ ]
ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^١)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٢).
الرد عليهم:
لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.
ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:
أولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.
أما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^٣).
ثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي
_________________
(١) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).
(٢) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).
(٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ١ / ٥٢٨ ]
حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^٢).
فالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٣).
ثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^٤).
رابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).
(٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق فقرة (١٢٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).
(٤) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).
[ ١ / ٥٢٩ ]
إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^١).
خامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.
فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: "هو كما أخبر ﷿"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: "اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)
"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟
فقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).
والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل" (^٣).
وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.
وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب" (^٤).
فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقول آخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.
قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما" (^١).
فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد" (^٢).
وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.
القول الثاني:
أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.
_________________
(١) زاد المسير لابن الجوزي.
(٢) التمهيد (٧/ ١٣١).
[ ١ / ٥٣١ ]
وهذا هو قول بعض الجهمية (^١)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٢).
الرد عليهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.
وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!
هذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.
ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك" (^٣).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم" (^٤).
القول الثالث:
أن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (^٥)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).
(٢) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).
(٥) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).
[ ١ / ٥٣٢ ]
الرد عليهم:
أن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^١).
القول الرابع:
وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.
وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٢)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٣).
والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته -كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية-كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.
وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية" (^٤).
وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة
_________________
(١) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).
(٢) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣). الأسماء والصفات (٥١٧). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).
[ ١ / ٥٣٣ ]
الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.
وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز" (^١).
الرد عليهم:
لقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.
ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.
وقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.
ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات
_________________
(١) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).
[ ١ / ٥٣٤ ]
المباينة له صفات كمال" (^١).
وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى" (^٢).
الفريق الثاني: القول بالتفويض
ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٣).
وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٤) وهو أحد قولي الرازي (^٥).
وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.
وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٦).
ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول أن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].
_________________
(١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.
(٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).
(٤) المصدر السابق.
(٥) تلخيص المحصل (ص ١١٤).
(٦) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).
[ ١ / ٥٣٥ ]
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (^١).
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (^٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (^٣).
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^٤).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).
(٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).
(٤) الفتوى الحموية (ص ٢٥).
[ ١ / ٥٣٦ ]
والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
الفريق الثالث: قول المشبهة.
والمقصود بهم الهشامية (^١) من الروافض، والكرامية (^٢)، وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٣).
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.
_________________
(١) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة. انظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية. انظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) الملل والنحل (٢/ ٢٢).
[ ١ / ٥٣٧ ]
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (^٢).
وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم".
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (^٣).
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).
(٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).
[ ١ / ٥٣٨ ]
لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.
[ ١ / ٥٣٩ ]
(١٠٠) وروى-أيضًا-عن ابن المديني لما سُئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى؛ فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)» (^٢).
وهذا-أيضًا-قول ابن المديني؛ الإمام الحُجَّة، أمير المؤمنين في الحديث؛ أبو الحسن، علي بن عبد الله، شيخ الإمام البخاري الذي قال عنه: «ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند عليِّ بن المديني» (^٣).
يقول-﵀-لما سُئل: ما قول أهل الجماعة-أي: ما قول أهل السنة والجماعة؟ فقال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، أي: يُثبتون رؤية الله ﷿ وكلامَه، وأن الله فوق السماوات- وهذا هو الشاهد- على العرش.
فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾!
وهذه الآية في سورة المجادلة يحتج بها دائمًا مَنْ ينكرون صفة العلو لله تعالى، ويحتج بها-كذلك-مَنْ يقول بالحلول: أن الله حالٌّ ومُختلط بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فأجاب الإمام ابن المديني ﵀ إجابة مفحمة حيث قال للسائل: اقرأ ما قبل هذه، أي: أول الآية؛ فأولها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾». والمراد: أن الله تعالى قد افتتح الآية بالعلم واختتمها كذلك بالعلم، فقال: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾؛ فدلَّ على أن المراد بالمعية هنا ليست مَعية الذات قطعًا، وإنما معية العلم.
وبنفس هذا الاحتجاج قد احتج الإمام أحمد فقال: «﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ
_________________
(١) أي: أن هذه المعية: هي معية العلم والإحاطة والاطلاع.
(٢) ذكر هذا الأثر الذهبي في كتابه «العلو» (ص ١٢٩).
(٣) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٩/ ١٠٧).
[ ١ / ٥٤٠ ]
هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني: الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني: بعلمه فيهم؛ ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه» (^١).
وقال الإمام ابن بطة ﵀: «واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. فقالوا: إنَّ الله معنا وفينا. واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فَسَّر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها» (^٢).
وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀: أن غير واحد حكى الإجماع على أن المراد بهذه الآية: مَعِيَّة علم الله تعالى (^٣).
_________________
(١) «الرد على الجهمية والزنادقة» (ص ١٥٤).
(٢) «الإبانة» (٣/ ١٤٤، ١٤٥).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٦٧).
[ ١ / ٥٤١ ]
(١٠١) وروى-أيضًا-عن أبي عيسى الترمذي، قال: «هو على العرش كما وصف في كتابه، وعِلْمُه وقدرته وسلطانه في كلِّ مكان» (^١).
علم الله تعالى محيط بجميع خلقه؛ لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ومعيته نوعان: معية عامة لسائر الخلق. ومعية خاصة، وهي مَعية النصر والتأييد لعباده المخلصين؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكقوله ﷿: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله جل وعلا: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦].
_________________
(١) انظر: «سنن الترمذي» (٥/ ٤٠٤)، كتاب (تفسير القرآن)، باب (ومن سورة الحديد)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، وذكر جزء منه الذهبي في العلو (ص ١٤٦، ١٤٧). وعَلَّق المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي» (٤/ ١٩٤) على هذا الأثر، فقال: «وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان-أي: يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينها، وهو على العرش كما وصف في كتابه، قال الطيبي: الكاف في (كما) منصوب على المصدر، أي: هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه».
[ ١ / ٥٤٢ ]
(١٠٢) وروى عن أبي زُرْعَة الرَّازي أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: «تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، مَنْ قال غير هذا فعليه لعنة الله» (^١).
فالإمام أبو زرعة الرازي ﵀ لما سئل عن تفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قال: «تفسيره كما تقرأ»، أي: كما يَظهر منها واضحًا؛ فمعنى «استوى» يعرفه العرب بأنه: علا وارتفع، فالله-جل علا-على الخلق بذاته، ولكن علمه شامل لكل المخلوقات وفي كل مكان.
_________________
(١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٣٧)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٣٤).
[ ١ / ٥٤٣ ]
الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن والأحاديث:
(١٠٣) وروى أبو القاسم اللالكائي-صاحب أبي حامد الإسفرائيني-في «أصول السُّنَّة» بإسناده عن محمد بن الحَسَن-صاحب أبي حنيفة-قال: «اتفق الفقهاءُ كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير ولا وَصف ولا تشبيه؛ فمن فَسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبيُّ ﷺ وفَارَقَ الجماعةَ، فإنهم لم يَصِفُوا ولم يُفَسِّروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسُّنَّة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة؛ فإنه قد وصفه بصفة لا شيء». اه (^١).
(١٠٤) محمد بن الحَسَن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى على هذا الإجماع، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا (^٢).
(١٠٥) وقوله: «مِنْ غير تفسير»؛ أراد به: تفسير الجهمية المُعَطِّلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات».
ذكر الذهبي أن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: «مِنْ أين لك هذه المسائل الدقاق؟ فقال: «مِنْ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن» (^٣).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣، برقم: ٧٤٠). وأورده الحافظ عبد الغني في عقيدته (ص ١٠٩ - ١١٠، برقم: ٢١٧). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١١٧، برقم: ٩٨). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٤ - ٥)، وحكم بثبوته، و(٥/ ٥٠)، وضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧). وأورده الذهبي في العرش ٢/ ٢٤٩ العلو (ص ١١٣)، وفي الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٨٢ - ٨٣، برقم: ٨٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٢). وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٧). والسيوطي في الإتقان (٣/ ١٣).
(٢) قال الإمام الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٥٠ " روى هذا الإجماع عن محمد بن الحسن، أبو القاسم اللالكائي، وأبو محمد بن قدامة في كتابيهما".
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٤٤ ]
فهذا الإمام محمد بن الحَسَن الذي أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء قد حكى الإجماع على أن الفقهاءَ كلَّهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير …»، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا».
وقوله: «من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه» أي: من غير تفسير الجهمية ومن غير تأويل المعطلة؛ الذين يقولون: ﴿استوى﴾ بمعنى: استولى، و﴿خلقت بيدي﴾، أي: بقدرتي .. ونحو ذلك.
وقد بَيَّن الإمام محمد بن الحسن هنا: أن السلف قد أثبتوا هذه الصفات من خلال أدلة الكتاب والسنة من غير أن يتعرضوا لها بشيء من تفسيرات الجهمية التي تصف الله تعالى بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
[ ١ / ٥٤٥ ]
(١٠٦) وروى البيهقيُّ وغيرُه بأسانيد صحيحة عن أبي عُبيد؛ القاسم بن سلام (^١) قال: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: «ضحك ربُّنا مِنْ قُنُوط عِباده وقُرْب غِيَره (^٢)» (^٣)، «وإنَّ جهنمَ لا تَمتلئ حتى يضع ربُّك قَدَمَه فيها» (^٤)، «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» (^٥)، وهذه الأحاديث في (الرؤية) هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نُفَسِّرُها، وما أدركنا أحدًا يُفَسِّرها». اهـ (^٦).
«أبو عبيد» أحدُ الأئمة الأربعة الذين هم: الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد. وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يُفَسِّرها. أي: تفسير الجهمية.
قوله «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا
_________________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلاّم -بالتشديد-، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف، علامة، مات (٢٢٤). تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦)، تقريب التهذيب (٢٧٨).
(٢) أي: وقرب تغيُّر حالهم من الجدب والقحط إلى حدوث الخصب بنزول المطر.
(٣) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).
(٤) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص ٧٩)، والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ٤٥): «صحيح موقوف».
[ ١ / ٥٤٦ ]
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهًا على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب" (^١).
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٥٤٧ ]
(١٠٧) وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك أن رجلًا (^١) قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أَكره الصفة-عنى صفة الرب-فقال له عبد الله بن المبارك: «أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثارُ بشيء جَسَرْنا عليه» (^٢)، ونحو هذا.
أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.
هذا منهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على الاتباع والاقتداء وينهى عن الابتداع والابتداء كما قال ابن مسعود ﵁: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدئ" (^٣).
ويشهد لهذا أيضًا ما وذكره ابن كثير عن وهب بن منبه فقال: (وذكر أن الجعد بن درهم كان يتردد إلى وهب بن منبه ٢، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك (^٤) ".
_________________
(١) الرجل هو: أفلح بن محمد، كما هو مصرح به عند اللالكائي والبيهقي والذهبي في «العلو».
(٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٦٣)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٠، ١١١).
(٣) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد ١/ ٦٨.
(٤) البداية ٩/ ٣٥٠
[ ١ / ٥٤٨ ]
(١٠٨) «وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيدَ صِحَاحٍ عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنَّه ههنا في الأرض» (^١)، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره» (^٢).
قد ذكر الإمام ابن القيم-﵀-أنَّ هذا الأثر ثابت عن ابن المبارك فقال: «روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصحِّ إسناد إلى عليِّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نَعرف رَبَّنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه. ولا نقول كما قالت الجهمية، وفي لفظ آخر قلتُ: كيف نَعرف ربَّنا؟ قال: في السَّماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (^٣).
قوله: «بائن من خلقه» لفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود -هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١١، ١٧٥، ٣٠٧)، والدارمي في «النقض على المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٦٩)، والذهبي في «العلو» (ص ١١٠).
(٢) انظر: «الرد على الجهمية» لأحمد بن حنبل (ص ١٣٥)، و«إثبات صفة العلو» لابن قدامة (ص ١٦٧)، و«العلو» للذهبي (ص ١٣٠)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤).
(٣) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤، ١٣٥).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٥٤٩ ]
وقال أيضًا: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.
ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.
ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل" (^١).
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (بائن) هي من القسم الثاني.
ومثل هذه الألفاظ كما إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.
والمصنف ﵀ يسرد هذه الآثار؛ ليبين أن مذهب متأخري الأشاعرة الذين نفوا صفة العلو هو مذهب متقدمي الجهمية الذي أنكره علماء السلف، وأن ما ذكره الأئمة المتقدمون منهم من اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب الجهمية هي نفسها التي تلزم على مذهب متأخري الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى؛ علمًا بأن الأشاعرة يَزعمون أنهم ضد الجهمية والمعتزلة، وينكرون عليهم أشد النكير، وقد وقعوا في شيء مما وقعوا فيه.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥٥٠ ]
(١٠٩) وروى بإسناد صحيحٍ عن سليمان بن حرب-الإمام-: سمعت حَمَّاد بن زيد-وذكر هؤلاء الجهمية-فقال: «إنَّما يُحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).
حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ). (^٢)
قال الذهبي بعد ما ذكر قول حماد: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم" (^٣)
وهنا بين يبين حماد بن زيد ﵀ أن لازم مذهب الجهمية ومنتهى قولهم: أنه ليس في السماء شيء، أي: ليس ثَّم إله.
يقول ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: وهذا الذي كانت الجهمية يُحاولونه قد صَرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السُّنَّة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحول بينهم وبين التصريح به، فلما بَعُد العهدُ وخَفيت السُّنَّةُ وانْقَرَضت الأئمة صَرَّحت الجهمية النُّفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره» (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١٧، ١١٨)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأخرجه الذهبي في العلو (ص ٩٨) وقال: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم". وكذلك أخرجه في كتاب العرش ٢/ ٢١٨ وفي السير (٦/ ٢٤).
(٢) التقريب (ص ٢٦٨ (.
(٣) العلو (ص ٩٨).
(٤) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٥١ ]
(١١٠) وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، عن سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ أحمد-أنَّه ذكر عنده الجهمية، فقال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه شيء» (^١).
لما ذُكِر عند سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، ومن شيوخ أحمد-قولُ الجهمية في نفي العلو عن الله ونفي الصفات عن الله-قال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى»؛ أي: قد اجتمع اليهود والنصارى مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالت الجهمية: ليس عليه شيء. لذلك كان قولهم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى.
_________________
(١) ذكر هذا الأثر الذهبي في «العلو» (ص ١١٧) من رواية ابن أبي حاتم، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٨٢)، وذكره البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٢). ودرء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأورده أيضًا في الصواعق كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
[ ١ / ٥٥٢ ]
(١١١) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة-إمام الأئمة-: «مَنْ لم يقر: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه-وَجَبَ أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة»، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح (^١).
قال الذهبي "توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة؛ ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: "ما قلدت أحدًا منذ بلغت ست عشرة سنة". أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني" (^٢).
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين" (^٣).
والأثر رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن ابن خزيمة، وهذا يدل على شناعة هذا القول، فحكم الإمام ابن خزيمة على مَنْ لم يقل: «إنَّ الله فوق سماواته على عرشه بائن مِنْ خلقه» بأن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة؛ لأن أهل الذمة في الأصل لا ينكرون علو الله على عرشه فوق خلقه.
_________________
(١) رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٧٤)، والصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٢٠، ٢١)، وابن قدامة في «العلو» (ص ١٨٥)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٥٢)، من رواية الحاكم. وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٤) وقال: "وهذا معرف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة"، وفي نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٥٢٨)، وفي الفتوى الحموية (ص ٣٥) وصححه. وأورده ابن القيم في الصواعق. انظر مختصر الصواعق (٢/ ٢١٢)، وعزاه للحاكم في علوم الحديث والتاريخ. وأورده الذهبي في العلو (ص ١٥٢). وفي كتاب العرش ٢/ ٣٥٥.
(٢) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٣) العرش للذهبي ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وهذا الحكم بالردة ليس على التعيين، وكذلك لا يحكم بذلك آحاد الناس على الأشخاص المُعينين، وكذلك إقامة حد الردة-وغيره من الحدود-مما يختص بها ولي أمر المسلمين بعد رفع الأمر للقضاء والاستتابة وغير ذلك من الأمور المرعية؛ فينبغي مراعاة ذلك حتى لا تصير الأمور إلى الفوضى ويَحكم على الناس مَنْ لا علم عنده، ومن غير تحقق من شروط التكفير وانتفاء موانعه.
[ ١ / ٥٥٤ ]
(١١٢) وقد روى عبد الله بن أحمد، عن عَبَّاد بن العوام الواسطي-إمام أهل واسط، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد-قال: «كَلَّمت بِشْرًا المَرِيسي وأصحاب بِشْرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).
قول عَبَّاد بن العوام الواسطي (١٨٥ هـ) هذا يُبين أن لازم قول هؤلاء المعطلة-ومنهم بشر بن غياث المَرِيسي، وهو من أئمة الجهمية، وممن ينفي الصفات عن الله ﷿ الذي رَدَّ عليه الإمامُ الدَّارمي في كتابه القيم «نقض الإمام أبي سعيد؛ عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله-﷿-من التوحيد».
يذكر عَبَّاد بن العوام الواسطي: أنه ناظر بِشْرًا المَرِيسي وأصحابَه؛ فرأى آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٦، ١٢٧)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، وزاد في آخره: «أرى ألَّا يناكحوا ولا يوارثوا».
[ ١ / ٥٥٥ ]
(١١٣) وعن عبد الرحمن بن مهدي-الإمام المشهور-أنَّه قال: «ليس في أصحاب الأهواء شرٌّ من أصحاب جَهْمٍ، يَدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى-والله-أن لا يُناكحوا، ولا يُورثوا» (^١).
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة (١٩٨ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة (^٢)؛ الذي قال فيه ابن المديني ٢: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت أعلم منه (^٣)
تقدم الحديث عن الجهمية وأصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم بما يغني عن تكرار الكلام في ذلك فليرجع إليه.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٠، ١٢١)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٣٢٠)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣٤، ٣٥) بألفاظ أخرى متقاربة.
(٢) التقريب (ص ٦٠١)
(٣) العرش للذهبي ٢/ ٢٥٣
[ ١ / ٥٥٦ ]
(١١٤) وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أصحاب جَهْمٍ يُريدون أن يقولوا: إن الله لم يُكَلِّم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا» (^١).
وهذا-أيضًا-لبيان شناعة قول هؤلاء الجهمية ومَن دار في فلكهم؛ فإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي-﵀-كفَّر من قال بهذا؛ فالذي لا تجوز مناكحته ولا توارثه هم الكفار.
والسبب في شناعة هدا القول: كون أنَّ الله غيب، بل هو أعظم الغيب ﷾؛ فمقصود الجهمية: إنكار وإبطال حقيقة وجوده، فإذا تحقق لهم هذا لم يَبق لأيٍّ من الغيبيات الأخرى أي حقيقة أو وجود.
وسبب تسَلُّط الجهمية ومَن وافقهم على هذه الصفة: هو الأصل الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة: أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد. وبالتالي لا يؤمنون بأي أمر غيبي، ويبقى حديثهم عن وجود الله أنَّه أمر مُتخيل في الذهن لا وجود له في الحقيقة. وخلاصة ما يقوله هؤلاء: إذا ذُكر عُلو الله أن يقولوا: لا داخل العالم
_________________
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٧). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٢١، برقم ٤٨) بلفظ مقارب. وابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية) (٢/ ٩٤ - ٩٥، برقم ٣٢٧) بنحوه، وأيضا (برقم ٢٥٥). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٧ - ٨). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٤٦، ٦٠٨). وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) وصحح إسناده، وأورده أيضا في الفتوى الحموية (ص ٨٤). وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وقال: «نقله غير واحد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي»، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٤١، برقم ١١). وأورده في سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤ - ٢١٥) "
[ ١ / ٥٥٧ ]
ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو يقولوا: إنه في كل مكان؛ وحاصل القولين واحد، وهو إنكار وجوده حقيقة، ومن هذا المنطلق كان قولهم شر الأقوال، كما قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وغيره من أئمة السلف.
[ ١ / ٥٥٨ ]
(١١٥) وعن الأصمعي قال: «قدمت امرأة جهم فنزلت الدبَّاغين (^١)، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود! وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة» (^٢).
مما ذكر في أخبار امرأة جهم ما جاء في بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^٣).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٤).
فقول امرأة جهم: محدود على محدود، إنكار منها لاستواء الله على عرشه، وتريد أن تثير شبهة أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودًا على العرش المحدود.
فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة؛ التي لازمها إنكار صفة العلو.
وقولها: «محدود على محدود»: فالحد من الألفاظ المجملة التي لم تَرد في
_________________
(١) نِسبة إلى دباغة الجلود، ولعله مكان عُرف بهم.
(٢) أورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٥) وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وفي «الأربعين» (ص ٨١)، وقد أنكر الأصمعي على هذه المرأة بسبب نفيها للاستواء؛ فكأنها تقول: إن من قال: إن الله على العرش فقد وصفه بأنه محدود.
(٣) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).
(٤) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).
[ ١ / ٥٥٩ ]
الكتاب ولا في السُّنَّة؛ لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا رُوي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، ورُوي عن بعضهم نفي ذلك؛ فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك مِمَّنْ رُوي عنه إثبات الحَدِّ الدَّارميُّ وابنُ المبارك.
قال الإمام الذهبي (^١) في: «مسألة الحد (^٢):
«الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، الذي يُمَيِّزُ بينهما؛ لئلا يَختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يَتَعَدَّى أحدهما على الآخر، وهو مأخوذ من حَدَّ الشيء عن غيره يَحُدُّهُ حَدًّا؛ إذا مَيَّزه» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحدُّ: ما يَتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره» (^٤).
سبق أن أسلفنا أن إطلاق السلف للحَدِّ ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، ولهم فيه استعمالان:
الاستعمال الأول: في حال الإثبات.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الخلال بسنده، عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: «قلت لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك-وقيل له: كيف نَعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بِحَدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا» (^٥).
_________________
(١) كتاب «العرش» (١/ ٢٥١ - ٢٦٠)
(٢) الأقوال في هذه المسألة على النحو التالي: القول الأول: قول مَنْ يقول: هو فوق العرش، ولا يُوصف بالتناهي ولا بعدمه؛ إذ لا يقبل واحدًا منهم، فعندهم أن الله فوق العرش، ولا يُوصف بأن له قدرًا. وهذا يقوله بعض أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومَن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. القول الثاني: قول مَنْ يقول: هو غير مُتناه؛ إمَّا من جانب وإما من جميع الجوانب، وهذا يقوله-أيضًا-طوائف من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في «المقالات» عن الطوائف. القول الثالث: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف الذين يقولون: له حد لا يَعلمه غيره. انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٣٠٠، ٣٠١).
(٣) انظر: «الصحاح» للجوهري (٢/ ٤٦٢)، و«لسان العرب» (٣/ ١٤٠).
(٤) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٣).
(٥) أخرجه القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (ق ١٥١/ ب)، وفي «الروايتين والوجهين» (ص ٤٩)، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٦٧)، وأورده ابن تيمية في «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٢٨).
[ ١ / ٥٦٠ ]
وعن حرب بن إسماعيل قال: «قلت لإسحاق-يعني ابن راهويه-: هو على العرش بِحَدٍّ؟ قال: نعم، بحد». وذكر عن ابن المبارك قال: «هو على عرشه بائن من خلقه بِحَدٍّ» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ كثيرًا من أئمة السنة والحديث (^٢) أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد» (^٣).
الاستعمال الثاني: في حال النفي.
قال حنبل: «قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة» (^٤).
وفي رسالة الإصطخري قال الإمام أحمد: «والله ﷿ على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده» (^٥).
توضيح المسألة:
أما الاستعمال الأول: فهو استعماله في حال الإثبات.
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ٣٤).
(٢) كعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن المبارك، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، والخلال، وحرب الكرماني، وإسحاق بن راهويه، وابن بطة، وأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وأبي القاسم ابن منده، وقَوَّام السنة الأصبهاني، وإسماعيل بن الفضل التيمي، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن بن الزاغوني، والحافظ أبي العلاء الهمداني، وغير هؤلاء. انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، و«الرد على الجهمية» للدارمي (ص ٥)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٢)، و«إثبات الحد لله تعالى» لمحمود بن أبي القاسم الدشتي (ق ٣ - ٦)، و«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٢/ ٣٣، ٣٤، ٥٦ - ٦٠)، و«نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧، ٤٢٦ - ٤٣٣) و(٢/ ١٦٠ - ١٨٠).
(٣) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧).
(٤) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٤٠٢)، برقم (٦٧٥)، وأورده ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١١٦)، برقم (٩٥)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص ١٣٠)، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٦٥)، برقم (٥٠)، وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٦)، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٠٠)، وعزاه للالكائي. وانظر في مسألة الحد: «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).
(٥) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٩).
[ ١ / ٥٦١ ]
فقد استعمل في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم؛ فلما زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم، قال بعض أئمة السلف: إن الله سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذكروا الحَدَّ؛ لأن الجهمية زعموا أنه ليس له حد. وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي تَمَيَّز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون: إنه لا يُباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاًّ في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات.
فبين ابن المبارك أن الرب ﷾ على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد» (^١).
وبناءً على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثبت السلف الحد؛ لِما في إثبات هذا اللفظ من ردٍّ على الجهمية فيما زعموا، ولما في معنى (الحد) من إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه.
وإن كان السلف يقولون: إنه حَدٌّ لا يعلمه إلا الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل الآثار الواردة عن السلف في إثبات الحد: «فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ فبَيَّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم يَنفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا عِلْمَ الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة يَنفون علم الخلق بقدره وكيفيته» (^٢).
الاستعمال الثاني: استعماله في حال النفي.
وذلك في مسألة نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا، فلا منازعة بين أهل السنة بأن الله
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٢، ٤٤٣).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٥).
[ ١ / ٥٦٢ ]
تعالى غير مدرك الإحاطة والخلق عاجزون عن الإحاطة به، فهم لا يستطيعون أن يحدوا الخالق جل وعلا، أو يُقَدِّرُوه، أو يبلغوا صفته؛ فمن نفى الحد على هذا المعنى فهو مُصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المحفوظ عن السلف والأئمة: إثبات حد لله في نفسه، وقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يَحُد أحدٌ الله» (^١).
وقال أيضًا: «وقوله: بلا حد ولا صفة» نَفَى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه؛ ليبين أن عقول الخلق لا تُحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يَصفه به خلقه» (^٢).
ولهذا قال أحمد: «لا تُدركه الأبصار بحد ولا غاية»؛ فنفى أن يُدرك له حد أو غاية» (^٣).
وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يحد أحد الله، كما ذكره حنبل عنه في كتاب «السنة والمحنة». وقد رواه الخلال في «كتاب السنة»: أخبرني عبد الله بن حنبل، حدثني حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: «نحن نؤمن بالله ﷿ على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يَبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات الله ﷿ منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علمه وقدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكان الله قبل أن يكون شيء، والله الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحدٌ حَدَّ صفاته؛ فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه، نسأل الله التوفيق والسداد؛ إنه على كل شيء قدير.
وذلك أن لفظ (الحد) عند كل من تكلم به يراد به شيئان:
يُراد به: حقيقة الشيء في نفسه. ويراد به: الوجود العيني، أو الوجود الذهني؛
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).
(٢) «الرسالة» للشافعي (ص ٨).
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٣).
[ ١ / ٥٦٣ ]
فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يَحده أحد أو صفة يبلغها واصف، وأتبع ذلك بقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ بحد ولا غاية، وهذا التفسير الصحيح للإدراك: أي: لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته؛ ثم قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾؛ وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء.
وقال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا»، و«أن الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها ولا كيف، ولا معنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صِحاح، ولا نَرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ولا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.
قال: وقال حنبل في موضع آخر قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما وصف به نفسه، فقد أجمل-﵎-بالصفة لنفسه؛ فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء؛ فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه؛ قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.
قال: وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا يتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا يتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخُلُوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش﴾ كيف شاء، المشيئة إليه ﷿، والاستطاعة له ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه، سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾؛ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه، لا تعدى القرآن والحديث والخبر، يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن، ولا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد؛ تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة» (^١).
_________________
(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠ - ٣٢).
[ ١ / ٥٦٤ ]
قال ابن القيم: «أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد حدًّا يُدركه العباد ويَحُدُّونه» (^١).
فتبين مِنْ هذا: أنَّ مَنْ أطلق الحدَّ على الله ﷿ وأراد بالحد: ما يَتميز به الشيء عن غيره. فهذا المعنى صحيح، والعلماء الذين أطلقوا على الله الحد أرادوا الرد على الجهمية الذين قالوا: إنَّ الله مُختلط ممتزج بعباده. فقالوا: لا، الله له حَدٌّ يَتميز به عن خلقه، مُنفصل مباين عن الخلق، غير مُختلط بهم، كما تزعم الجهمية.
أمَّا من أراد بالحدِّ: أن الله ﷿ يُحيط به شيء من مخلوقاته؛ فلا شك أن نفي الحد بهذا المعنى هو الصَّحيح؛ ولهذا الإمام أحمد نفى الحد بهذا المعنى، وأثبت الحد بالمعنى الآخر، وهو: أن الله متميز عن خلقه، مباين لخلقه، منفصل عن الخلق، عال عليهم ﷾.
ولهذا قال أبو سعيد الدارمي عن بشر المريسي: «وادعى المعارض-أيضًا-أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية. وهذا هو الأصل الذي بَنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يَبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من العالمين.
فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمتُ مرادك بها-أيُّها الأعجمي-وتعني: أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حَدٌّ وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لا محالة، ولا شيء يُوصف بلا حد ولا غاية. وقولك: لا حد له يعني: أنه لا شيء.
قال أبو سعيد: والله-تعالى-له حد لا يَعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لِحَدِّه غاية في نفسه، ولكن يُؤمن بالحدِّ ويَكِل عِلم ذلك إلى الله، ولمكانه-أيضًا-حد، وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حَدَّان اثنان.
وسئل ابن المبارك: بِمَ نَعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل: بِحَدٍّ؟ قال: بِحَدٍّ» (^٢).
فعلم الإمام الدارمي مراده أي: لمَّا نفى عن الله الحد، أراد أن الله ممتزج بالخلق؛ فأنكر عليه نفي الحد بهذا المعنى.
فالمعنى الباطل في الحد: هو أن هناك شيئًا من الخلق يُحيط بالله ﷿؛ وعلى هذا المعنى فلا شك أنه ليس لله حد، أي: ليس لله شيء يُحيط به من الخلق.
_________________
(١) انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٢١٣).
(٢) انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٧٦).
[ ١ / ٥٦٥ ]
(١١٦) وعن عاصم بن علي بن عاصم-شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما-قال: «ناظرتُ جهميًّا؛ فتبَيَّنَ من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا» (^١).
قال الذهبي: "عاصم بن علي، إمام، حافظ، ثقة، حدث عن شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، ونحوهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وروى الخطيب في ترجمته قال: "وجه المعتصم من يحزر مجلسه، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا، حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، وكان هارون المستملي يركب نخلة يستملي عليها فحزروا المجلس، فكان عشرين ومائة ألف" (^٢).
وقال يحيى بن معين فيه: عاصم بن علي، سيد المسلمين" (^٣).
_________________
(١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٢٣)، وكتاب العرش ٢/، ٢٩٣، وأورده ابن تيمية في مجموع الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٩) وانظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٦١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢١٨).
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٤٨
(٣) كتاب العرش ٢/، ٢٩٣
[ ١ / ٥٦٦ ]
(١١٧) وروى الإمام أحمد: ثنا سُرَيْج بن النعمان، قال: سمعتُ عبدَ الله بن نافع الصائغ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «اللهُ في السِّماء، وعلمه في كلِّ مَكان، لا يَخلو من علمه مكان (^١)» (^٢).
(١١٨) وقال الشافعي: «خلافة أبي بكر ﵁ حقٌّ قَضاها الله في سمائه، وجمع عليه قلوب عباده» (^٣).
هذه الآثار صحيحة عن الإمام مالك وعن الإمام الشافعي رحمهما الله، فلماذا لا يتبعها بعض مَنْ يأخذون بمذهبهم؛ ممن ينفون صفة العلو، ونقول لهم: هذا إمامكم وإمامنا الإمام مالك يصرح بكلام لا يَقبل التأويل أن الله في السماء، وعلمه في كل
_________________
(١) في «السنة» لعبد الله بن أحمد: «لا يخلو منه شيء». أورده الذهبي في العلو (ص ١٢٢). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٧ - ٢١٨). "
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٠٦، ١٠٧)، ورواه أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص ٦٣)، وابن منده في كتاب «التوحيد» (٣/ ٣٠٧)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٧، برقم ٦٥٢ - ٦٥٣). وابن بطة في الإبانة (-تتمة الرد على الجهمية-)، (٣/ ١٥٣، ح ١١٠). وابن مندة في التوحيد (٣/ ٣٠٧، برقم ٨٩٣). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٠١). وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨). والقاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٣). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٣)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٢)، وقال: "كل هذه الأسانيد صحيحة". وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٢٨ وقال: "هذا حديث ثابت عن مالك ﵀، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" عن أبيه، عن سريج بن النعمان، عن عبد الله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه. "، وفي سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠١)، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٥٩، برقم ٣٩) و(ص ٦٣، برقم ٤٥). وأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣) وقال: "ذكره الطلمنكي وابن عبد البر وعبد الله بن أحمد وغيرهم". وصححه الألباني في مختصر العلو (ص ١٤٠). "
(٣) ذكره ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١٨١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٥)، وحكم على هذا الأثر بالصحة.
[ ١ / ٥٦٧ ]
مكان، لا يخلو من علمه مكان، وكذلك الإمام الشافعي وغيره من الأئمة.
وأبو بكر الصديق ﵁ هو القائل لما مات النبي ﷺ: "من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الذي في السماء فإنه حي لا يموت".
أخرجه هكذا الدارمي (^١) بإسناد صحيح (^٢)، والبخاري في تاريخه من حديث نافع (^٣)، عن ابن عمر.
_________________
(١) عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد، التميمي السجستاني، الدارمي نسبة إلى بني دارم، إمام علامة حافظ، مات سنة (٢٨٠ هـ) وقد جاوز الثمانين. طبقات الحنابلة (١/ ٢٢١)، السير (١٣/ ٣١٩).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص: ٤٦٣ - ضمن عقائد السلف). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠١ - ١٠٢، برقم: ٧٠). وأورده الذهبي في العلو (ص: ٦٢) وعزاه لابن قدامة في العلو، وأورده أيضًا في الأربعين (ص ٥٦ - ٥٧، برقم: ٣٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١١٩) وعزاه للبخاري في تاريخه. وأصله في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت (ح ١٢٤٢، ص ٢٤٤)، ط: دار السلام، وفيه "ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
(٣) نافع، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٩٩٦).
[ ١ / ٥٦٨ ]
(١١٩) وفي الصَّحيح عن أنس بن مالك، قال: «كانت زينبُ تَفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُن وزَوَّجَني الله مِنْ فوق سبع سماوات» (^١)، وهذا مثل قول الشافعي.
ولهذا شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز" فقال: "ويلك أتدري ما هي؟، هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة (^٢) التي أنزل الله فيها ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ اَلتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٣) ".
أخرجه عثمان الدارمي في "الرد على المريسي" (^٤).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة،
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٢٠) من حديث أنس ﵁. ومعنى الحديث: أن الله هو الذي زَوَّجها رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(٢) خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أسرم الأنصارية الخزرجية، صحابية مشهورة، هي التي ظاهر منها زوجها فنزلت فيها سورة ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ويقال لها خويلة، وزوجها هو أوس بن الصامت. الإصابة (٤/ ٢٨٢).
(٣) الآية ١ من سورة المجادلة.
(٤) أخرجه البخاري في التاريخ (٧/ ٢٤٥). وأخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ٧٧٣ - ٧٧٤). وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٧٤ - ضمن عقائد السلف). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٢، رقم ٨٨٦). وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٢٩١ بهامش الإصابة). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٢ - ١٠٣، برقم ٧٢). وأورده الذهبي في العلو (ص ٦٣) وقال: "هذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو زيد لم يلق عمر". وأورده ابن كثير في التفسير (٨/ ٦٠ - ٦١) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: "هذا منقطع بين أبي زيد وعمر، وقد روي من غير هذا الوجه". وأوردهما ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٠ - ١٢١). وله طريق آخر عن قتادة.
[ ١ / ٥٦٩ ]
حتى إذا تيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سموات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخله النار".
رواه أبو القاسم اللالكائي الشافعي، وغيره بإسناد صحيح عن خيثمة (^١) عنه (^٢).
وعن أنس بن مالك قال: "قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ انطلق بنا إلى أم أيمن (^٣) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقلنا ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: صدقتما ولكن أبكي أن الوحي انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء".
رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، مات دون المائة بعد سنة ثمانين، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٣٠٤).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (-ضمن عقائد السلف-ص ٢٧٤ - ٢٧٥). وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٦٦٨، ح ١٢١٩). وأورده الذهبي في العلو (ص ٦٤) وعزاه للالكائي وقال: "أخرجه اللالكائي بإسناد قوي، رواه الثوري عن الأعمش عن خيثمة". وأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق وقال: (إسناده صحيح)، (٢/ ٢١٠)، وأورده أيضا في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٢ - و٢٥٤).
(٣) أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته واسمها بركة بنت ثعلبة وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أم أيمن ﵂ (٧/ ١٤٤، ١٤٥). وأخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب ما جاء في الجنائز (٦٥)، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠، ح ١٦٣٦).
[ ١ / ٥٧٠ ]
(١٢٠) وقصة أبي يوسف-صاحب أبي حنيفة-مشهورة في استتابة بشر المَرِيسي حتى هرب منه؛ لما أنكر الصفات وأظهر قولَ جَهْمٍ. قد ذكرها ابنُ أبي حاتم وغيرُه (^١).
فأبو يوسف استتاب بشرًا المَرِيسي؛ لمَّا تبين له أنه ينفي عن الله ﷿ صفة العلو؛ قال الإمام الذهبي عن بشر المريسي: «قد أُخذ المريسي في دولة الرشيد وأُهين من أجل مقالته. روى أبو داود عن أحمد بن حنبل أنه سمع ابن مهدي أيام صُنِع بِبِشْر ما صُنِع؛ يقول: مَنْ زعم أنَّ الله لم يكلم موسى يُستتاب فإن تاب، وإلا ضُربت عنقه.
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله-وذكر المريسي-فقال: كان أبوه يهوديًّا؛ أي شيء تراه يكون؟!
وقال أبو عبد الله: كان بِشر يحضر مجلس أبي يوسف فيَصيح ويَستغيث؛ فقال له أبو يوسف مَرَّة: لا تَنتهي أو تُفسد خشبة (^٢).
ثم قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حُجج، بل صاحب خُطَب.
وقال أبو بكر الأثرم: سُئل أحمد عن الصلاة خلف بِشر المَرِيسي؛ فقال: لا تُصَلِّ خلفَه.
وقال قتيبة: بِشر المريسي كافر.
وقلت-أي: الذهبي-: وقع كلامُه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ؛ فصنف مجلدًا في الردِّ عليه.
ومات: في آخر سنة ثماني عشرة، ومائتين وقد قارب الثمانين؛ فهو بِشْر الشَّرِّ،
_________________
(١) والقصة ذكرها الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، من رواية ابن أبي حاتم، وانظر: «مختصر العلو» (ص ١٥٤، ١٥٥).
(٢) ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٣٢٣)، وزاد: «يَعني: وتُصلب». ووقع في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٧/ ٦٣): «حتى تصعد خشبة».
[ ١ / ٥٧١ ]
وبِشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السُّنَّة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة.
ومن كفر ببدعة-وإن جَلَّت-ليس هو مثل الكافر الأصلي ولا اليهودي والمجوسي؛ أبى الله أن يَجعل مَنْ آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصَلَّى وحَجَّ وزكى وإن ارتكب العظائم وضَلَّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعبدَ الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نَبرأ إلى الله من البدع، وأهلها» (^١).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٣٣٦، ٣٣٧).
[ ١ / ٥٧٢ ]
(١٢١) وقال أبو عبد الله؛ محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنِين-الإمام المشهور من أئمة المالكية-في كتابه الذي صَنَّفه في «أصول السُّنَّة»، قال فيه: «باب: الإيمان بالعرش».
ثبوت العرش أمر يقر به أهل السنة حيث وردت بثبوته الأدلة الصحيحة ومن الأدلة على إثبات العرش من الكتاب والسنة.
الأدلة القرآنية على إثبات العرش
لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعًا:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤]
٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس ٣].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود ٧].
٥ - وقال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد ٢].
٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٤٢].
٧ - وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥].
٨ - وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الأنبياء ٢٢].
[ ١ / ٥٧٣ ]
٩ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦].
١٠ - وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٦].
١١ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٩].
١٢ - وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]
١٣ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة ٤].
١٤ - وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥].
١٥ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر ٧].
١٦ - وقال تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر ١٦].
١٧ - وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف ٨٢].
١٨ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤].
١٩ - وقال تعالى ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٧].
٢٠ - وقال تعالى ﴿ذو قُوةٍ عِنْدَ ذِي العرشِ مَكِين﴾ [التكوير ٢٠].
٢١ - وقال تعالى ﴿ذُو العرشِ المجِيد﴾ [البروج ١٥].
ومن الأدلة من السنة على إثبات العرش
١ - فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال:
[ ١ / ٥٧٤ ]
يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى" (^١).
والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش"، حيث إن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع.
٢ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٢).
وفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقًا على الماء قبل خلق السموات.
٣ - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: "لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (^٣).
٤ - وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ "، قالت: نعم، قال النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٧٠ مع الفتح) كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. ومسلم في صحيحه (٤/ ١٠١ - ١٠٢) كتاب الفضائل.
(٢) أخرجه مسلم في القدر (٨/ ٥١).
(٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، واللفظ له. فتح الباري (١٣/ ٤٠٥). مسلم في الذكر والدعاء (٨/ ٨٥).
(٤) أخرجه مسلم في الذكر (٨/ ٨٣) واللفظ له. وأخرجه أبو داود في تخريج أبواب الوتر، باب التسبيح بالحصى (٢/ ١٧١). وأخرجه الترمذي في الدعوات، وقال: (حديث حسن صحيح). (٥/ ٥٥٦).
[ ١ / ٥٧٥ ]
قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان" (^١).
٥ - وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (^٢).
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" (^٣).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" (^٤).
٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ " (^٥).
٩ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي" (^٦).
١٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله" (^٧).
_________________
(١) الرسالة العرشية (ص ٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).
(٤) أخرجه مسلم في البر والصلة (٨/ ٧).
(٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب صفة الشمس والقمر. فتح الباري (٦/ ٢٩٧).
(٦) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).
(٧) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧). وابن حبان (٢٥١٠). والحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠). وابن المبارك في الزهد (ص ٧١٥) من طريقين صحيحين عنه.
[ ١ / ٥٧٦ ]
قال: «ومن قول أهل السنة: إن الله ﷿ خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٤]؛ فسبحان من بَعُدَ وقَرُبَ بعلمه، فَسَمِعَ النَّجوى.
أشار هنا إلى خلق العرش وذكر بعض صفات العرش وخصائصه
فأما خلق العرش وهيئته فإن أول صفة تذكر لعرش البارئ ﷾ كونه مخلوقًا من مخلوقات الله تعالى، ذلك لأن كل ما على الوجود هو مخلوق خلقه الله تعالى وأوجده، قال الله تعالى ﴿ذَلكُمُ الله رَبُّكم لا إِلهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيء﴾ [الأنعام ١٠٢]، فكل شيء في هذا الكون مخلوق والعرش من ضمن هذا الكون فهو مخلوق أيضًا.
وسلف الأمة وأئمتها يقولون: إن القرآن والسنة قد دلا على أن العرش مخلوق من مخلوقات الله تعالى خلقه وأوجده، قال تعالى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩]، فالعرش موصوف بأنه مربوب وكل مربوب مخلوق، فالعرش مخلوق من مخلوقات الله.
وقد دلت الآيات والأحاديث على أن خلق العرش متقدم على خلق السموات والأرض، قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود ٧]، فالآية تدل على أن العرش كان موجودًا على الماء قبل خلق السموات والأرض ويؤيد تفسير الآية بهذا المعنى حديث عمران بن حصين ﵁ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ اَلّذِي يَبْدَأُ اَلخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٨٦، رقم ٣١٩٠).
[ ١ / ٥٧٧ ]
وأما مسألة خلق العرش فقد جاء ذكرها في حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء" (^١).
هذه الأدلة التي استدل بها السلف على إثبات خلق العرش، فيها أبلغ الرد على من زعم من الفلاسفة أن العرش هو الخالق الصانع، أو أنه لم يزل مع الله تعالى.
ولقد خالف السلف في قولهم هذا بعض أهل الكلام الذين زعموا أن السموات والأرض كانتا مخلوقتين قبل العرش، وهم بزعمهم هذا الذي لا دليل لهم عليه إنما يحاولون به إخراج الاستواء عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ليكون معنى الاستواء في الآية على زعمهم بمعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه، ذلك لأنهم لو سلموا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض لقيل لهم إنكم تزعمون أن (استوى) بمعنى استولى، فلماذا تأخر الاستيلاء إلى ما بعد خلق السموات مع أنه كان موجودًا قبل ذلك، فهم فرارًا من هذا الأمر ادعوا أن العرش مخلوق بعد السموات والأرض.
وقد رد ابن القيم ﵀ على زعمهم هذا بقوله: "إن هذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلًا، وهو مناقض لما دل عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة، فإنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء، وهذه واو الحال، أي خلقها في هذه الحال، فدل على سبق العرش والماء للسموات والأراضين وفي الصحيح عنه ﷺ: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٢)، (^٣).
وكذلك فيما ذكرناه من أدلة على سبق خلق العرش للسموات والأرض فيه رد على زعم هؤلاء ومدى مخالفة قولهم للكتاب والسنة.
وبعد أن علمنا أسبقية خلق العرش على خلق السموات والأرض وإجماع سلف الأمة على ذلك، نود أن نتطرق في هذا البحث أيضًا إلى ترتيب خلق العرش مع غيره من المخلوقات من حيث الأولوية في الخلق.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
القول الأول:
إن القلم أول المخلوقات، وأنه أسبق في الخلق من العرش، وهذا
_________________
(١) سيأتي تخريجه في التحقيق برقم (١٥).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٦١.
(٣) مختصر الصواعق (٢/ ١٣١).
[ ١ / ٥٧٨ ]
القول هو اختيار ابن جرير الطبري (^١) وابن الجوزي (^٢) وهو ما يفهم في الظاهر من قول من صنف في الأوائل كابن أبي عروبة الحراني، وأبو القاسم الطبراني (^٣).
والدليل على هذا القول حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة … " الحديث (^٤).
قال ابن جرير عند تخريج هذا القول: "وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله ﷺ: "إن أول شيء خلقه الله القلم"، كل شيء وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غير ذلك" (^٥).
القول الثاني:
إن الماء أول المخلوقات، وإنه مخلوق قبل العرش.
وهذا القول ذكره ابن جرير ونقله عنه ابن كثير (^٦)، وذكره أيضًا ابن حجر (^٧)، واستدل له بما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا "إن الماء خلق قبل العرش".
وقال ابن حجر: "وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة "أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء" ".
القول الثالث:
أن أول شيء خلقه الله ﷿ من خلقه النور والظلمة.
وهذا القول ذكره ابن جرير وعزاه إلى ابن إسحاق (^٨).
القول الرابع:
أن العرش هو أول المخلوقات.
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٩)، وابن القيم (^١٠)، وابن كثير (^١١)،
_________________
(١) تاريخ الطبري (١/ ٣٦).
(٢) البداية والنهاية (١/ ٨).
(٣) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وأبو داود في سننه (٥/ ٧٦، رقم ٤٧٠٠). الترمذي في سننه (٥/ ٤٢٤، رقم ٣٣١٩).
(٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٥، ٣٦).
(٦) البداية والنهاية (١/ ٩).
(٧) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).
(٨) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).
(٩) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٣).
(١٠) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٥٣ - ٢٥٤). وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٢٣).
(١١) البداية والنهاية (١/ ٩).
[ ١ / ٥٧٩ ]
وشارح العقيدة الطحاوية (^١)، ونسبه ابن كثير وابن حجر-نقلًا عن أبي العلاء الهمداني-إلى الجمهور، ومال إليه ابن حجر أيضًا (^٢).
واستدلوا على قولهم هذا بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٣).
ففي هذا الحديث تصريح بأن التقدير وقع بعد خلق العرش وحديث عبادة صريح بأن التقدير وقع عند أول خلق القلم، فدل ذلك على أن العرش سابق على القلم.
ومما يؤيد هذا القول أيضًا حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^٤).
فالحديث يدل على أن العرش كان موجودًا قبل كتابة المقادير.
وهذا هو الراجح من الأقوال.
وأما القول الثاني (أن الماء أول المخلوقات) واستدلال ابن حجر بحديث أبي رزين (أن الماء خلق قبل العرش) فغير صحيح، لأنه لم يرد في حديث أبي رزين هذا اللفظ، وإنما ورد فيه (ثم خلق عرشه على الماء) وليس في هذا ما يدل على أولية الماء.
وأما ما رواه السدي فهو أيضًا لا يصلح للاحتجاج لكونه أثرًا ولم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك
وأما القول الثالث: وهو قول ابن إسحاق فهو أيضًا غير صحيح، ولعله أخذه من الإسرائيليات كما أخذ غيره من الأمور، وقد قال ابن جرير في هذا القول: "وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله ﷿ أو من خبر رسول الله ﷺ" (^٥).
أما القول الأول فقد أجاب الجمهور على استدلالهم بحديث عبادة ابن الصامت بقولهم لا يخلو قوله "أول ما خلق الله القلم … الخ" من أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة-وهو الصحيح-كان معناه أنه عند أول خلقه قال له
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥).
(٢) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).
[ ١ / ٥٨٠ ]
(اكتب) كما في اللفظ، (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) بنصب (أول) و(القلم) فعلى هذا تكون الأولية راجعة إلى الكتابة لا إلى الخلق.
وإن كانت جملتين وهو مروي برفع (أول) و(القلم) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق بهذا الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم (^١).
أما هيئة العرش: فقد دلت الأحاديث على أنه مقبب الشكل وأنه على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما كهيئة القبة وهذا ما يدل عليه حديث الأعرابي الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة.
ويؤيد وصف هيئة العرش بهذه الصفة ما جاء في الحديث الآخر "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن". فالحديث يبين أن الفردوس أوسط الجنة وأعلاها كما جاء في الحديث الآخر: "مائة درجة وما بين كل درجة ودرجة كما بين السموات والأرض".
فكون العرش سقفًا للفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها يدل على أنه مقبب لأن هذه الصفة لا تكون إلا في المستدير.
والعرش له قوائم كما جاء في الحديث الصحيح "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" الحديث.
وفي إثبات كون العرش مقببًا وأن له قوائم تحمله، رد على من زعم من الفلاسفة أن العرش فلك من الأفلاك أو أنه الفلك التاسع، وقد تقدم الرد على زعم هؤلاء.
وكذلك فيه رد على من زعم أن العرش بمعنى الملك لأنه لا يعقل أن يكون ماسكًا بقائمة من قوائم الملك.
وقد ذكر ابن كثير والذهبي أن العرش من ياقوتة حمراء (^٢) وقد استدلوا لهذا القول بما رواه إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: "العرش ياقوتة حمراء" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥ - ٢٩٦). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤). العلو للذهبي (ص ٥٧)
(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ص ٤١٣ - ٤١٤، ح ٤٧).
[ ١ / ٥٨١ ]
وأما مكان العرش
فإن الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ لتدل دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانًا قبل وجود السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧]
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئًا" (^١).
وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض".
وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء".
وكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء".
فكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (^٢).
وقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: "كان على متن الريح" (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤١١).
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٩). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٥). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧، رقم ٨٠٢). كلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وإسناده جيد موقوف.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وعن سليمان التيمي أنه قال: "ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] " (^١).
هذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين:
الجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات.
والجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما.
أما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه.
ومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال" (^٢).
فالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه.
أما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟
_________________
(١) خلق أفعال العباد (١٢٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (١٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة سبأ، (٥/ ٣٦٢ رقم ٢٣٢٤). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٧٨). وابن منده في التوحيد (ق ١٦/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢ - ٥١٣، رقم ٤٣٦). والطحاوي في المشكل (٣/ ١١٣). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣). كلهم بإسنادهم عن الزهري عن علي بن الحسين به، وبألفاظ متقاربة. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٥٨٣ ]
فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ: "ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
فالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجودًا إلى ما بعد خلق السموات والأرض.
أما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة.
وكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" (^١).
فمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم.
وأما خصائص العرش فقد خص الخالق ﷾ عرشه الكريم بخصائص عديدة ميزته على كثير من المخلوقات الأخرى، وذلك لما للعرش من المكانة الرفيعة عند البارئ ﷿، وقد ذكر عرش الرحمن في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم، ومجيء ذكر العرش بهذا العدد يدل على ما له من مكانة ومنزلة عالية عند الخالق ﷾.
فالله ﷾ قد مدح نفسه في أكثر من موضع من كتابه الكريم بأنه صاحب العرش العظيم والكريم والمجيد، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
فالله سبحانه يصف لنا في هذه الآيات وغيرها العرش بأنه عظيم، وكريم،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
ومجيد، فهو عظيم لكونه أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، وذلك لما خص الله به هذا العرش من الاستواء عليه، ومجيد وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات، فهو إنما اتصف بهذه الصفات لجلالته وعظيم قدره. كما أن في قوله تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إخبار منه تعالى عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع خلقه، ومما يدل أيضًا على عظمة هذا العرش اقترانه باسم (الرحمن) كثيرًا في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
ففي هذا الاقتران بين اسم الرحمن والعرش حكمة وهي إخباره ﷿ بأنه قد استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، ذلك لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة بالخلق واسعة لهم (^١)، كما قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وسنذكر في هذا المبحث بعض الخصائص التي اختص بها العرش وكرم بها، والتي جعلته يوصف بهذا الوصف في القرآن الكريم ويجعل له تلك المنزلة الرفيعة.
أولًا: الاستواء عليه:
يعتبر استواء الله ﷾ على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله ﷿ عليه، وذلك أن الله تعالى لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات كارتفاعه وعظم خلقه وكبره وثقل وزنه؛ لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه.
ومسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو ليؤكد عظم هذا الأمر وأهميته، وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده.
وإن مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله عليهم أجمعين أنهم يقولون: إن الله استوى على عرشه بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٣ - ٣٤)
[ ١ / ٥٨٥ ]
وعظمته، واستواؤه حقيقة لا مجاز كما يزعم الجهمية وأتباعهم الذين ينكرون العرش وأن يكون الله فوقه، وأما كيفية ذلك الاستواء فهي مجهولة لدينا والسؤال عن كيفية ذلك الاستواء بدعة، لأن الله سبحانه لم يطلعنا على كيفية ذاته فكيف يكون لنا أن نعرف كيفية استوائه، وهو ﷾ يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾.
ثانيًا: العرش أعلى المخلوقات أرفعها وسقفها.
إن مما اختص به الخالق ﷾ العرش مع استوائه عليه كونه أعلى المخلوقات وأرفعها وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة وقد سبق أن أوردنا جزءًا منها خلال حديثنا عن مكان العرش.
والقول بأن العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه:
قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه " أصول السنة ": "ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء" (^١).
وكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقرب إلى الله تعالى وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء والله تعالى فوق ذلك" (^٢).
وكذلك ما جاء عن ابن مسعود: "بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه" (^٣).
ثالثًا: العرش أكبر المخلوقات وأعظمها وأثقلها.
إن عرش الرحمن ﵎ يعتبر أكبر مخلوقات الله وأوسعها وأعظمها على
_________________
(١) أصول السنة (ص ٨٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٦، ٢٧). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٦). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٠٠) وقال: «رواه سنيد بن داود بإسناد صحيح».
[ ١ / ٥٨٦ ]
الإطلاق، فقد خص الله ﷿ العرش بهذه الميزة العظيمة وشرفه بها مع غيرها من الميزات لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ ﷿ عليه.
وعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله ﷾ يقول في محكم التنزيل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فالله سبحانه وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيمًا في خلقه وسعته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى" (^١).
ومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش أنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما وكالسقف عليهما.
وفي هذا بيان واضح على عظم العرش وكبر مساحته.
وفي حديث أخر يبين لنا مدى عظم العرش وكبر مساحته، فليس العرش أكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئًا يذكر، فعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة".
وفي رواية "ما السموات السبع والأراضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة".
فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه، وأما مقدار ذلك الحجم وتلك السعة فلا يعلمها إلا الله تعالى.
قال عبد الله بن عباس ﵄: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٧١، ٧٣، ٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧٠، ١٤٢). وابن جرير في التفسير (٣/ ١٠). والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٩، برقم ١٢٤٠٤). والدارقطني في الصفات (ص ٣٠). والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٣). والخطيب البغدادي في تاريخه (٩/ ٢٥١ - ٢٥٢) من أوجه. والهروي في الأربعين (ص ١٢٥). كلهم من طريق سفيان الثوري عن عمار الذهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وذكر هـ الذهبي في العلو (ص ٦١) وقال: (رواته ثقات). وقال الألباني: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الذهني) انظر مختصر العلو (ص ١٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٣): (رجاله رجال الصحيح).
[ ١ / ٥٨٧ ]
والعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات وزنته أثقل الأوزان، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لجويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".
قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان" (^١).
رابعًا: العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى.
لقد خص الله ﷾ العرش بخصائص منها ما انفرد بها العرش عن غيره من المخلوقات، ومنها ما اشترك بها العرش مع بعض المخلوقات الأخرى، ولقد سبق الحديث عن بعض الخصائص التي انفرد بها العرش، وأود هاهنا أن أبين بعض ما اشترك به العرش مع غيره من المخلوقات من الخصائص.
فقد سبق أن علمنا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض فهو بهذا ليس داخلا فيما خلق في الأيام الستة، ومعلوم أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه محمد ﷺ أنه يقبض يوم القيامة السموات والأرض ويطويها ويبدلها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقبض الله الأرض
_________________
(١) الرسالة العرشية (ص ٨).
[ ١ / ٥٨٨ ]
يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" (^١).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "يطوي الله السموات والأرض ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" (^٢).
فالآيات والأحاديث السابقة تدل على أن السموات والأرض وما فيهما تقبض وتطوى وتبدل.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى كالجنة والنار والعرش (^٣).
فعلى هذا يكون العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى ويبدل، والأدلة على بقاء العرش كثيرة في الكتاب والسنة، فالله ﷾ يقول مخبرا عن بقاء عرشه يوم القيامة: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٤ - ١٧].
وكذلك ما جاء في سورة الزمر من إخباره تعالى بقبضه للأرض وطيه للسموات بيمينه وذكر نفخ الصور وصعق من في السموات والأرض إلا ما شاء الله، ثم ذكر النفخة الثانية التي يقومون بها، وأن الأرض تشرق بنور ربها وأن الكتاب يوضع، ويجاء بالنبيين والشهداء، وأنه توفى كل نفس ما عملت، وذكر سوق الكفار إلى النار، وسوق المؤمنين إلى الجنة إلى أن قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٤ - ٧٥].
فالآيات فيها إخبار عن الموقف يوم القيامة وفيها شاهد على أن العرش باق حتى بعد انتهاء الحساب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة ولا يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على
ما دل عليه القرآن من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، انظر فتح الباري (١٣/ ٣٦٧). ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، (٨/ ١٢٦).
(٢) صحيح مسلم كتاب صفة القيامة (٨/ ١٢٦).
(٣) الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).
[ ١ / ٥٨٩ ]
بقاء العرش، فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن قال ﷺ: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن" " (^١).