«وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة. والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام؛ فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض».
مسألة الحلال والحرام تتبين بأمور:
أولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر.
ثانيها: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله ﷿ والنفور مما حرمه الله.
وهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه.
ولا شك أن الوصول إلى الحلال إنما يكون بطريق التجارة، كما قال تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فإذًا لابد من التكسب، ولا بد من التجارة، ومَن قال: وزعم أن الناس جميعًا يتقلبون في الحرام، فهو مبتدعٌ ضالٌّ، ولا شك أن هذا الأمر، أي: الحرام يَقل ويَكثر ويُوجد في بعض البيوع ويوجد في بعض التجارات، لكن لا نزعم أن كل التجارات وكل البيوع هي كسبٌ مُحَرَّم، ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه.
فلذلك هذا ردٌّ على زعم مَنْ يزعم أنَّ كل إنسان عنده غنى أو في نعمة: أن كسبه
[ ٢ / ٣٢٨ ]
حرام يجب اجتنابه، فالبعض يُفتي أنه إذا دعا هذا الغنيُّ أحدًا من الناس أنه لا تُجاب دعوته، بزعم أن ماله مَشبوه، وأنه على أمرٍ قد حرمه الله ﷾ من كسبه ومن التجارة، فيزعم هؤلاء أنهم لا يُجيبون دعوة الأغنياء من الناس تحت دعوى أن مال هؤلاء مالٌ مشبوه، وهذه دعوى البعض يَعتقدها، وهذا لا يقول به أهل السنة والجماعة.
فإن الأصل في أموال الناس الحلُّ، إلا إذا تبين لنا أن فيها حرامًا، فإذا تبين لنا فعند ذلك للإنسان أن يجتنب هذا المال؛ لأنه قد يكون مال شبهة، وهكذا الإنسان لو ابتلي بأبٍ أو بأسرة يوجد في أموالها ما هو حرام، فهل على الإنسان أن يجتنب ذلك كله، أو يقوم على أن الأصل هو الحل، وإنما وزر هذا الكسب يكون على مَنْ تسبب فيه .. وهذه أمور مبسوطة في كتب الفقه؛ يذكرها أهل العلم، ويبينون أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه، وأن الإنسان إذا كسب مالًا حرامًا فوزره عليه.
فمعلومٌ أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه فليس لك الحق في أن تأخذَ من مالِ أخيك حتى وإن كان شيئًا يسيرًا لم تطب به نفسه، لا يجوز لك أن تأخذه في هذا الشيء حتى لو كان المال الذي في يده مال حرام فهو ضامن له إلا إذا كان ولي أمر أو سلطان وأرادَ أن يًخرجَ هذا المال من يدِ هذا الذي اغتصبَ هذا المال فذاك في ولاية السلطان، أما أنت فليس لك حقٌ في أخذه فلعل الله ﷿ أن يتوبَ على هذا الشخص فيُرجِع هذا المال إلى أهله فلا تقول إنه مال حرام وأنا لي حق في أخذه، ليس لك الحق في أخذه مهما كان.
ثم المكاسب-بحمد الله تعالى-مطلقة إلا ما بانَ بيانُ تحريمه في هذا الشيء، ثم إن الأمر بالتكسُّب أمرٌ شرعي، وطلبُ القوت والرزق أمرٌ شرعي، وترك التكسُّب كما يدعو إليه المتصوفة؛ ويدعون إلى أن يعيشَ الناس على التكفف من غيرهم والسؤال من غيرهم والعيش بالأربطة وغير ذلك والتفرغ للعبادة، كل هذا ليس من دين الله ﷿، ونحن نعلم أن أصحابَ النبي ﷺ كان منهم التاجر، وكان منهم الفلاح المزارع، وكان منهم مَنْ يقوم بالاحتطاب؛ إلى غير ذلك فهم كانوا أهل صنعة وأهل حرفة.
وما كان من أصحاب السخرة فلأنهم من المهاجرين الذين لم يجدوا لهم فرصةً للعمل باعتبارِ أن المكاسب والأعمال في المدينة كانت في ذلك الوقت محدودة، ثم إن أهلِ السخرة بمجردِ أن تغير وجاءت الفتوحات على أهل الإسلام لم يبقوا في المسجد.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
فهذا أبو هريرة ممن كان في السخرة أصبحَ يومًا أميرًا للمدينة فلم يكن حالُ أهل السخرة حالُ تعبد، وإنما كان حال اقتصادي دعا إليه الحال الذي كان عليه حالُ الناس في ذلك الوقت من قلةِ المكاسب، ثم لما فتحَ الله ﷿ على النبي ﷺ لم يبقَ أحدٌ في السخرة.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
«ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه؛ جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته؛ فليس علينا الكشف عما ماله. فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز، إلا من داخل الظلمة.
ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصِّدِّيق (^١). وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: «كُلْ منه وعليه التبعة» (^٢)، والناس طبقات، والدين: الحنيفية السمحة».
وقال هنا: «ومَن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي»؛ أي: إذا كان المال خليطًا من الحلال والحرام فعلى الإنسان أن يتوقَّى، واستشهد على ذلك بفعل أبي بكر ﵁ مع غلامه في مسألة الكسب الذي أخذه، فلما علم أنه من كهانة أدخل أصبعه في فمه حتى قاءه.
فالإنسان يستبرأ لدينه، فإذا كان المال خليطًا؛ فبعض أهل العلم يُفتي بالحِل، والبعض يفتي بالحرمة من جهة أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٤٢) عن عائشةَ ﵂ قَالَتْ: «كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ».
(٢) روى الأثرين عبد الرزاق في «مصنفه» (٨/ ١٥٠)، برقم (١٤٦٧٥)، و(١٤٦٧٧). ومعنى التبعة: ما فيه إثم يتبع به صاحبه.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وقوله: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، فكل مَنْ ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك».
وقال هنا: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء»،
ولا شك أن المؤمن يَعيش بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فإن الإنسان يعيش بين المقامين إلا في حالة واحدة عند انقطاع العمل والإقبال على الله ﷾؛ فيُغَلِّب في هذا الحال جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لأن العمل قد انتهى.
فلا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، ويبعث على تحقيق العبودية أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: العارفُ يَسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح من حديث شَدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيِّدُ الاستغفار أن يَقول العبدُ: اللهم أنتَ ربِّي لا إله الا أنت، خَلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك مِنْ شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنَّه لا يَغفر الذنوب إلا أنت» (^١)، فجمع في قوله ﷺ: «أَبُوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ وأَبُوء بذنبي» مشاهدةَ المِنَّة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس ﵁.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه ﷿، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى» (^١). ولما كان رسولنا ﷺ أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له ﷿.
وهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء».
ومن نَظم شيخ الإسلام ﵀:
أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات
وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات
ولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي
فَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي» (^٢).
_________________
(١) «الوابل الصيب» (ص ٧، ٨).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٥٢٠، ٥٢١).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية».
فهذه كلها أفكار بعض الصوفية؛ إذ يزعمون أنهم في حالٍ من الترقي والتعبد حتى يصلوا إلى الكشف، وإذا وصلوا إلى مقام الكشف، فعند ذلك يسقطون عن أنفسهم جميع التكاليف.
فلا يرى الواحد منهم أنه مخاطب بأحكام العبودية، ويرى أنه قد وصل أي: قد انتهى، ورفعت عنه التكاليف. وهذا يفعله بعض المتصوفة اليوم، وهذا معلوم عند من يقرأ كلام المتصوفة، ويعلم أن عندهم في التعبد درجات، حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه الدرجة فإذا وصل إليها لا يخاطب بحلالٍ ولا بحرام.
ومن ذلك قول قائلهم:
يُطالب بالأوراد مَنْ كان غافلًا فكيف بقلبٍ كل أوقاته وِرْدُ
فإذا سئل أحد هؤلاء: لماذا لا تصلي الجمعة مع الناس؟ ولماذا لا تشهد الجماعة مع الناس؟
قال: هذه صلاة الغافلين، أما أنا فمع الله دائمًا.
فيفتَرون على الله ﷾ بمثل هذه المزاعم الكاذبة التي هي في حقيقتها افتراء وكذبٌ على دين الله ﷾، فأنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عندها عائشة ﵂: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غَفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» (^١).
_________________
(١) انظر: «صحيح البخاري»، كتاب (التهجد)، بَاب: (قِيَام النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ)، برقم (١١٣٠)، ومسلم كتاب (صِفَة القِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ)، بَاب (إِكْثَارِ الْأَعْمَالِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ) (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٢)، وابن ماجه (١٤١٩)، والنسائي (١٦٤٤)، وأحمد في «المسند، (أَوَّل مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ) (١٨١٩٨).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فالنبي ﷺ بلغ ما بلغ من الدرجة والمنزلة عند الله ﷾، ومع ذلك كان أشد الأمة حرصًا على عبادة الله جل وعلا، ولم يزعم هذا الزعم الذي زعمه هؤلاء.
فالشاهد: أن المتصوفة عندهم كثير من الزَّلَّات والأخطاء التي في حقيقتها انحراف عن منهج النبوة، فهم قومٌ استدرجهم الشيطان وأوقعهم في هذه المزالق.
الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال.
فهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ﷺ، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ﷺ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟
فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله ﷺ: أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه.
فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله ﷺ، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة.
فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول ﷺ، وأنَّه طريق أولياء الله ﷿ المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية.
وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر.
وهذا الفكر قد فُتِن به-أيضًا-بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن
[ ٢ / ٣٣٥ ]
ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي.
فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه.
فهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟!
أما المسلم فيحمد الله ﷿؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية (^١) بعلائق الآخرية، فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علة أو رأفة؛ فصار معتوهًا أو مجنونًا أو مبرسمًا (^٢)، وقد اختلط في عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة».
فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف).
فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله ﷿ وأنه الفاعل لكل شيء على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله.
ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف.
فيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ
_________________
(١) يقصدون بالأحدية: وحدة الوجود. فالأحدية تطلق عند الصوفية على كل موجود من إنسان وغيره. والمبدئية: من المبدأ، والمبدأ عند الصوفي هو الله تعالى. انظر: «معجم المصطلحات الصوفية» (ص ٢٢٤).
(٢) البرسام: كلمة معربة، وتعني: علة تُصيب الرأس. انظر: «لسان العرب» (١٢/ ٤٦).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.
فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم
هذا اللوث العقلي يقع من هؤلاء الصوفية بسبب أنهم لا يعملون عقولهم، وإذا أردت أن ترى إسقاط العقل عند هؤلاء فشاهد حضرة من حضرات الصوفية في أذكارهم، تراهم كالبهائم-بل أقل منهم درجة-بحركاتهم وأفعالهم التي ما أنزل الله بما من سلطان.
ولذلك فإن الغرب الكافر يحارب الإسلام بطائفتين:
يحاربهم بالرافضة؛ لأفعالهم الشنيعة.
ويحاربهم بالمتصوفة؛ لأفعالهم القبيحة.
والغرب يأتي إلى هؤلاء وهؤلاء؛ فيصورهم على أحوالهم التي يفعلونها، ثم ينقل إلى أتباعه هذه الصور التي عندما يراها الإنسان فلا يُمكن أن يقبل بدين أتباعه يفعلون هذا؛ لأن أفعالهم كأفعال المجانين.
فلو أن هؤلاء الذين يصورون؛ صَوَّرُوا المسلمين في صلاتهم لرأوا خشوعًا وإيمانًا وسكينة، وكم من إنسان أسلم بسبب ما رأى من أفعال المسلمين في الصلاة؛ لأن الصلاة غاية في الدقة والإتقان، وعلى هيئة تملأ النفس بالخشوع والرهبة.
أما أفعال الروافض والمتصوفة فتجلب الجنون، ولكثرة قيامهم وقعودهم يفقد الإنسان منهم عقله حتى يسقط مغشيًّا عليه، يفعلون كل هذا باسم الدين، والدين من ذلك براء، والله المستعان.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
«ومن زعم الإشراف على الخلق حتى يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله-بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة».
من تقسيمات المتصوفة أنهم يزعمون أن هناك أقطابًا وأوتادًا وأبدالًا وغوثًا، فالغوث عندهم هو رأس الهرم، ويتبعه الأقطاب، ثم يتبعه الأوتاد، ثم يتبعه الأبدال.
ويزعمون أن هذا الغوث هو الذي يُصَرِّف مجريات الكون، ويعلم ما تدور عليه هذه الأكوان، بمساعدة الأقطاب، ثم بعد ذلك الأوتاد، ثم الأبدال، فهذه درجات عند الصوفية. والله المستعان.
ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر.
وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان" (^١)
قال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول
_________________
(١) انظر «مجموعة الرسائل والمسائل» للإمام ابن تيمية (١/ ٥٧ - ٦٠) ط بيروت ١٩٨٣ م، كذلك «مجموعة فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٤٣٣، ٤٣٤، ٤٣٩).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب (المقامات) له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب (الإشارات) في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (^١)
هذا وقد أقر بذلك أحمد أمين المصري، فكتب: (إن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالًا وثيقًا، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا)، وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع، والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض)، ويلي القطب النجباء" (^٢).
يقول شيخ الإسلام ﵀: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست مدرجة في كتاب الله، ولا هي أيضًا عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا بلفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد (^٣) عن علي بن أبي طالب مرفوعًا إلى
_________________
(١) (انظر «مقدمة ابن خلدون» الفصل الحادي عشر في علم التصوف (ص ٤٧٣) ط القاهرة.)
(٢) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٤٥) ط القاهرة ١٩٥٢ م.
(٣) تأمل عدالة ابن تيمية في النقد وتحريه أبعد غايات النزاهة، وقد ذكر ابن تيمية قيمة الحديث بقوله: «منقطع الإسناد مرفوع» وحديث هذا شأنه لا يصلح أن يكون حجة أو دليلًا على شيء!! وقد جاء في الوجيز: «حديث الأبدال أورده عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة، والكل لا تخلو عن مجهول وضعيف وواضع»، وفي المقاصد: «حديث الأبدال له طرق عن أنس بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة».
[ ٢ / ٣٤٠ ]
النبي ﷺ، ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا، وإما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، ثم قال: «وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾، وقال: ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، فكيف يكن المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾.
وتتمة لذكر أحوال القطب وعلاماته ومقامته وأعوانه وغير ذلك فإن مما يعتقده الصوفية في تلك المملكة الباطنية وحول تلك الأسطورة من العقائدية الثابتة عند الصوفية كبيرهم وصغيرهم، والتي كانت من النتائج المباشرة لاعتناق فكرة الغنوصية (^١)، أن وجدت خرافة المملكة الباطنية، بجناحيها القطب الغوث والمحكمة الباطنية أو «الديوان» أرضًا خصبة عند أولئك الذين يستهويهم الضلال والإضلال، وعمى البصر والبصيرة.
ويحسن إعطاء نبذة عن فكرة الديوان الصوفي الباطن، وأين مكان اجتماعه؟ ومن له حق الحضور، وفيما يقضي هذا الديوان حسب زعمهم، (^٢) حتى يستبين لك الأثر السيئ الذي تجره تلك المضامين الباطلة، التي لا تستند إلى دليل من كتاب الله ولا
_________________
(١) : «الغنوص كلمة يونانية في الأصل «المعرفة»، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيًا خاصًا هو إدراك الأسرار الإلهية بواسطة الكشف؛ والذي أعطاها هذا المعنى طائفة من المفكرين، عاشوا في القرون الأربعة الأولى من ميلاد المسيح، ومنهم يهود ومسيحيون ووثنيون، وأهم ما يدينون به هو الثنائية بين المادة والذات الإلهية، ومحاولة اجتياز الفاصل بينهما عن طريق سلسلة الوسطاء.
(٢) كتاب هذه هي الصوفية (ص ١٥٩ - ١٦٠) ومجلة الهدي النبوي العدد ٥ سنة ١٣٨٦ هـ.
[ ٢ / ٣٤١ ]
من سنة رسوله ﷺ بل ولا يوجد واقع يؤيدها، وبذلك تكتمل عندك سورة «المملكة الباطنية» وما فيها من أساطير، وأول ما نبدأ به من حديث عن هذه العقائد الباطنية ما يسمى:
الديوان أو المحكمة الباطنية:
ولأقطاب الصوفية محكمة باطنية، أو ديوان يجتمع فيه القطب ورجاله، لتصريف أقدار الوجود، ومكان الديوان غار حراء، ووقته ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخيرة ورئيس الديوان هو القطب الغوث، ومكان جلوسه خارج الغار، وعن يمينه يجلس أربعة أقطاب على مذهب مالك، وعن يساره ثلاثة أقطاب من كل مذهب واحد، أما وكيل القطب، ويسمى قاضي الديوان، فيجلس أمام القطب، ومن يتكلم نائبًا عن جميع أهل الديوان، وهنالك ستة صفوف من وراء الوكيل، ويتكون الصف الأول من سبعة الأقطاب، ويحضر الديوان بعض الكمل من الأموات، وقد رآهم الدباغ واستقبلوه أحسن استقبال في الديوان، وكيف يحضر الموتى إلى هذا الديوان؟ يجيب الدباغ بأنهم يطيرون إليه من البرزخ بطيران الروح حتى إذا شارفوا الديوان هبطوا إلى الأرض، ومشوا على أقدامهم.
ويشهد جلسات الديوان الملائكة والجن؛ ليعينوا أهل الديوان في تصرفاتهم وأحيانًا يحضره النبي ﷺ، فيتخذ مكان الغوث، ويتخذ الغوث مكان الوكيل، ويدخل الملائكة في نور النبي ﷺ فلا يظهر منهم ملك، أما في ليلة القدر، فيشهده جميع الرسل والملائكة والرسول وزوجاته جميعًا، والصغار من الأولياء يحضرونه بذواتهم، أما الولي الكبير فيحضره بذات من ذواته، وتبقى في البلد الذي هو فيه ذاته لا تغيب عن أهل البلد.
ويكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء مرة في العام في موضع يقال له زاوية «أسا» خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ويجتمعون في غير هذين الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم (^١).
هذا هو الديوان الصوفي، كما وصفه كاهن صوفي كبير نقلته بلفظه نفسه، بل قل: هذه هي أسطورة الوثنية المخبولة الحمقاء، وكم للصوفية مثلها من أساطير.
ومن هذه الأساطير المخزية ما يدعونه من أن غياب القطب الغوث يسبب اضطرابًا
_________________
(١) (ص ٢ - ٩ ج ٢) الإبريز للدباغ.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
في الديوان ويحدث بين أهله ما يوجب اختلافهم (^١).
وسبب غياب القطب يكون لأمرين (^٢):
أحدهما: سكره وفناؤه في مشاهدة الحق.
والآخر: كونه في بداية توليته عقب موت الغوث الذي كان قبله.
وأما عن عمل أهل الديوان: فيزعمون أنه حين يجتمع الأقطاب يتكلمون في تصريف أقدار الوجود وفيما يحفظ عليه بقاؤه، وفيما يحتاج إليه أهله في اليوم المستقبل والليلة التي تليه، ولهم التصرف في ملكوت السماوات والأرض، وفي عرش الله وفيما فوق العرش، وفي خواطر الناس وهواجسهم.
وهذه «الأسطورة أتفه من أن يبذل الحق جهدًا، ليقضي عليها ببرهان، غير أن وراءها كتبًا، وكبار شيوخ، والذين عميت بصائرهم، وعقولهم يظنون أنه لا يوجد في الكتب إلا الحق، وأن كبار الشيوخ لا يكذبون، يظنون أن الأمر ما دام في كتاب فهو حق، وما دام يجري على لسان شيخ كبير فهو صدق بيِّن، آمنوا بكتب الناس وبالشيوخ، وكفروا بكتاب الله وبالرسول ﷺ، ومن هذا أُتي المقلدون في دينهم وعقولهم».
يقول ربنا سبحانه: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون * يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾، وهؤلاء الشيوخ يحكمون بأن لهم أولياء من دون الله يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض، مما فوق العرش، وأن الأمر كله يعرج إلى القطب الغوث الذي يعلم الغيب والشهادة.
_________________
(١) هذه هي الصوفية ص ١٩٣.
(٢) مجلة الهدي النبوي عدد ٥ لسنة ١٣٨٦ هـ ص ١٧.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
«ومَن ادَّعى أنه يعرف ما قال رسول الله ﷺ فقد باء بغضب من الله، ومن ادَّعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وأنهم على ماذا يموتون عليه ويختم لهم-بغير الوحي من قول الله وقول رسوله-فقد باء بغضب من الله».
وعن دعاوى هؤلاء قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهم اثنا عشر نقيبًا في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عشر، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات …
واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها، ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم، يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة" (^١)
وقال الجرجاني في تعريفاته: "القطب، وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو على قلب إسرائيل ﵇.
الإمامان: هما شخصان، أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف الغوث.
الأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.
البدلاء: هم سبعة، ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم ﵇.
النجباء: أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير.
_________________
(١) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٤٥) ط القاهرة ١٩٥٢ م.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس، وهم ثلاثمائة" (^١)
وقال داود بن محمود القيصري: "ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية، ولا يكون فيها أبدًا إلا واحد بعد واحد، ويسمى غوثا، لكونه مغيثًا للخلق في أحوالهم.
ثم مرتبة الإمامين، وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين، وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب، وثانيهما صاحب اليسار، وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند ارتحال القطب إلى الآخرة، لا يقوم مقامه، منهما وإلا صاحب اليسار، لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه، بَعْدُ، ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وصاحب اليسار نزل إليه، وكملت دائرته في السير والوجود.
ثم مرتبة الأربعة، كالأربعة من الصحابة، ﵃ أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة، الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به.
ثم مراتب الأولياء العشرة، كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الاثني عشر، الحاكمين على البروج الاثني عشر، وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين، مظاهر الأسماء الحسنى، إلى الثلاثمائة والستين.
وهؤلاء قائمون في العالم على سبيل البدل، في كل زمان، ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون، بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه.
وبعدهم: مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين، الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين.
وجميع هؤلاء المذكورين، داخلون في حكم القطب.
والأفراد الكمّل، الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة، هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله، سبحانه، ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه، فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه" (^٢)
إلى غير ذلك من الترهات التي جاء بها هؤلاء.
ومما يدِّعيه هؤلاء من أن لهم علم الباطن وهذا حالُ الباطنية، وهذا موجود عند
_________________
(١) التعريفات للجرجاني ص ١٥٤.
(٢) «شرح مقدمة التائية الكبرى» للقيصري مخطوط (ص ١٠٤) نقلا عن كتاب «ختم الأولياء» للترمذي الحكيم (ص ٤٩٥) ط بيروت.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
المتصوفة وغيرهم؛ أنهم يقولون نحن علماء الباطن وأنتم علماء الظاهر، أو نحن علماء الحقيقة وأنتم علماء الشريعة، فهذا كله من الدعاوى الباطلة، وهؤلاءِ أرادوا أن يُفسدوا الدين من جهةِ أن يجعلوا له معانٍ ظاهرة ومعانٍ باطنة، فهذه النصوص واضحةُ المعاني معلومةُ المعاني والله ﷿ خاطبنا بما يظهرُ منها.
وإن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة.
ومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا، وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطنية ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها.
ويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول ﷺ بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي " الكتاب والسنة " يعتبر في نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم.
والعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم.
وأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم.
ومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول ﷺ وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم.
قال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء): "إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول ﷺ من حيث إن جبريل ﵇ نزل بالشريعة أولًا فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة … من أعمال الشريعة فخص الرسول ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض" ثم قال في نفس الصفحة:
"وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السري السقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا" (^١).
وقد ذكر ابن عجيبة في " الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" شرح الحديث المكذوب على الرسول ﷺ والذي هو: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله» (^٢) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال: "قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه" (^٣).
وينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء.
فمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية:
أثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا
_________________
(١) «جمهرة الأولياء» للمنفوي (١/ ١٥٩).
(٢) قال ابن تيمية في «درء التعارض» (٥/ ٨٥) ليس له إسناد صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٩) إسناده ضعيف، وقال الألباني في «الضعيفة» (٨٧٠) ضعيف جدا.
(٣) «الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية» لابن عجيبة على هامش «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» لابن عجيبة على هامش (١/ ٢٩).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية.
والبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه.
وكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة.
وادعاء أن لها علم باطن هذا فيه اتهامٌ للنبي ﷺ أنه كتمَ الحق فأظهرَ لنا أمرًا وأخفى عنا غيره، وهذا الذي يزعمه هؤلاء؛ أن الذي أظهره النبي ﷺ هذا هو الظاهر، وأن ما عندهم هو علم الباطن، فكل هذا من الافتراء والكذب ومحاولة تشويه دين الإسلام.
فالله تعالى أنزلَ كتابًا وأرسلَ رسولًا، وهذه الآيات وهذه النصوص وهذه المعاني واضحة بيِّنة لأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] فهو بيِّن واضح ليس للأمرِ ظاهر وباطن كما يزعم هؤلاء الذين أرادوا تحريفَ دينِ الإسلام.
وفي سبيل ترويج باطلهم أظهروا ما يسمى بالذوق والكشف والوجد
فجعلت الصوفية «الذوق» هو وسيلة المعرفة، دون الشرع والعقل، فقصرت رحمة الله على فئة قليلة في عباده، وصيَّرت الإنسان كمن يمشي في ضوء الشمس وهو مغمض عينيه، فلا يستفيد من ضوئها، أو كمن يحاول أن يبصر في الظلام فلا يستفيد من عينيه.
وبذلك اختلفت طرائقهم وأفكارهم، وصارت مصادر المعرفة عند الصوفية مختلفة ومتباينة؛ لأن كل صوفي يتحدث عنها من واقع تجربته الخاصة.
ومن هذا المنطلق كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في كتابه «هذه هي الصوفية» عن مفهوم الذوق عند الصوفية، يقول: إن الصوفية تعتقد أن الذوق الفردي لا الشرع، ولا العقل هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها لمعرفة الله وصفاته، وما يجب له، فهو - أي الذوق - الذي يقوم حقائق الأشياء ويحكم عليها بالخَيْرِيَّة أو الشَّرِّية، بالحُسُنِ والقُبْحِ، بأنها حق أو باطل، فلا جَرَمَ أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلَةَ منها تخضع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب في ذلك كله ما دامت تجعل «الذوق» (^١) الفردي حاكمًا وقيمًا على المسميات وأسمائها (^٢).
_________________
(١) يعني الذوق الخاص بكل إنسان ونتيجة لهذا يصبح الدين والأخلاق بلا معيار ولا ميزان.
(٢) كتاب «هذه هي الصوفية» تأليف الشيخ عبد الرحمن الوكيل (ص ٣٣).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وعن تعريف كلمة الذوق عند الصوفية، يذكر الشيخ الوكيل ﵀ جانبًا من التعريفات التي قالوها:
١ - يعرف القيصري الذوق بقوله (^١): «ما يجده العالم على سبيل الوجدان والكشف، لا البرهان والكسب، ولا على طريق الأخذ بالإيمان والتقليد» (^٢).
٢ - أو هو: «أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث في التجلي البرقي» (^٣).
٣ - ويقول ابن عربي: «اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة» (^٤) (^٥).
وفي مجال إبراز مدى اعتقاد الصوفية في أن «الذوق» هو وسيلة المعرفة لديهم يقول الشيخ الوكيل يقول: «كل صوفي يؤمن بأن الذوق وحده وسيلة المعرفة، أما العقل عندهم فهو طاغوت أخرق، وأما الشرع فمادية تنشب مخالبها في الصخر دون أن ترمق السماء بنظرة واحدة، وهو نوع من عبادة التاريخ الميت، ولهذا تتباين عندهم قيم الأشياء تبعًا لتباين الذوق!! (٥).
وأما الكشف فقد روجت الصوفية لفكرة الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة الكشف وراء طور العقل، وبأن مرتبة الكشف هي نيلُ ما ليس له العقل يَنَال، لا نَيْلُ ما هو ببديهة العقل محال.
ويشرح الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ معنى «الكشف» عند الصوفية قائلًا: يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا، والله سبحانه هو القائل: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾.
وردًا على مقولتهم الباطلة: «وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال». يقول ﵀: من الذي جعل من الشرع قسمًا لا يناله العقل؟ بل الكشف، من قال هذا؟ ومن أين جاءوا بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص!! وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة
_________________
(١) طبقات الصوفية للسلمي ص ١٨١.
(٢) «مطلع خصوص الكلم» (ص ١٩٣).
(٣) (جامع الأصول للكمشخانلي ص ١٠١
(٤) (فصوص الحكم ص ١٠٧).
(٥) كتاب هذه هي الصوفية (ص ١٣٧). ويعني بالعين الواحدة: الذات الإلهية!!.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟! إن كان هو عين ما في الشريعة فما للكشف فائدة إذًا.
وإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطامة الكبرى (^١).
وكل صوفي يؤمن بالكشف، بل يزعمون أن الكشف أدنى مراتب الولي، والكشف يحصل بأسباب منها كما يروى عن الغزالي:
١ - التنبيه، وسماع الغناء منبهٌ.
٢ - ومنها صفاء القلب، والسماع يؤثر في تصفية القلب.
٣ - ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع.
إذًا فسماع الغناء أقوى الأسباب عند الغزالي للكشف؛ فأي كشف هذا؟ حسب الغزالي هويًا إلى أعماق الهاوية أن يزعم أن رؤية الله تحصل بسماع الغناء.
بل يرون مساواة الولي للنبي في انكشاف الحقائق:
فمن الصوفية من يفضل الولي على النبي؛ إذ يزعمون أن الولي يوحى إليه بلا واسطة، أما النبي فبواسطة، وزعيم هؤلاء ابن عربي، والغزالي يزعم أن الولي تنكشف له الحقائق، كما تنكشف للنبي ﷺ، ولا فرق بين الاثنين إلا في أن النبي كلف بإصلاح الخلق، وبذلك يقول: «إخبار الرسول عن الغيب وأمور في المستقبل، وإذا جاز للنبي جاز لغيره؛ إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق، ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبّيًا بل وليًّا».
وأما الذوق فإن الصوفية عندما تحدث عن وسيلة المعرفة عند الصوفية يعرفونها بأنها تقوم على الذوق والكشف، دون العقل والشرع، ساق في هذا المجال بعضًا من التعريفات التي اصطلح عليها كبار شيوخ الصوفية، كالقصيري، وابن عربي في تعريف الذوق.
فالقصيري يعرف الذوق بقوله: «ما يجده العارف على سبيل الوجدان والكشف لا البرهان والكسب، ولا عن طريق الأخذ بالإيمان والتقليد، وهو أول درجات شهود الحق بالحق. في أثناء البوارق المتتالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي».
_________________
(١) مصرع التصوف للبقاعي (ص ١٨٨، ١٩٢) - تحقيق عبد الرحمن الوكيل.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
كما يذكر عن ابن عربي قوله:
«اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله، مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة».
والمعروف عن التصوف أنه على نوعين:
النظري «الإشراقي»: والغاية منه معرفة الله «بالذوق» واكتناه أسرار ربوبيته بالمواجيد.
التصوف العملي: وهو قائم على الرياضيات والمجاهدات، أي على الذكر والزهد والعبادة وفي الحقيقة لا يمكن التفرقة بينهما، لأن النظري وليد العملي، لأن النظرية وليدة التطبيق (^١).
ولقد أكثر الصوفية في كلامهم عن الحديث عن المحبة والفناء، وجعلوا الذوق هو طريق المعرفة الحقة، وأن الشريعة للعوام، وأن الحقيقة للخواص، وأن لكل شيء ظاهر وباطن، فمن ثم اتسم فكرهم عن الجانب الإلهي بالغموض والإبهام، وظهرت فيه آثار الغنوصية (^٢) والباطنية، مما دعى بعض الباحثين إلى التساؤل، عما إذا كان هناك علاقة بين غلاة الصوفية والباطنية والإسماعيلية والفلاسفة (^٣).
_________________
(١) هذه هي الصوفية (ص ١٦٦).
(٢) انظر الغنوصية فصل وسيلة المعرفة عند الصوفية.
(٣) يقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتاب «من قضايا التصوف» (ص ٨٦): ومن يقرأ تاريخ القرن الثالث والرابع الهجريين وظروف نشأة هذه الفرق لابد أن يدرك الخيوط القوية بين هذه التيارات الجديدة الغريبة على الحياة الإسلامية، ولابد أن يدرك أن هناك خيوطًا مشتركة وعقلًا يفكر وينظم فليس من قبيل المصادفة، أن تجد فكرة الظاهر والباطن قاسمًا مشتركًا بين كل هذه الطوائف وليس من قبيل المصادفة أن تجد خصائص وأوصاف الإمام عند الشيعة هي أوصاف القطب، والولي عند الصوفية، وهذه العلاقة القوية أشار إليها ابن خلدون في المقدمة (ص ٢٢٣)، ويقول الدكتور الجليند أيضًا (ص ٧٩): ومن جهة أخرى لو قارنا بين فكرة الظاهر والباطن عند الباطنية، والحقيقة والشريعة عند الصوفية، سوف نجد صلة قوية بين الفكرتين. [فتحي عثمان].
[ ٢ / ٣٥١ ]
«ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته-ويشير في ذلك إلى غير الأيد والعصمة والتوفيق والهداية-وأشار إلى صفاته ﷿ القديمة-فهو حلولي قائل باللاهوتية (^١) والالتحام، وذلك كفر لا محالة».
هذا هو الحلول والاتحاد الخاص؛ وهو أن يتحد اللاهوت بالناسوت، فهم يرون أن صفات الخالق تَحل في صفات المخلوق، فعند ذلك يزعمون أن الله حَلَّ في شخصه، وقد صرخ أحدهم في بعض جلساته، وزعم أنه هو الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهل هنالك كفر أعظم من ذلك؟! والله المستعان.
_________________
(١) اللاهوتية: نسبة إلى (لاهوت)، وهو عند النصارى: العلم الذي يبحث في وجود الله وذاته وصفاته. انظر: «المعجم الفلسفي» (ص ١٦٠). ويقصد المؤلف هنا: أن من زعم أن صفات الله قائمة بصفته فهو قائل بمذهب فرقة (النسطورية) من النصارى القائلين: إن اللاهوت حلَّ في الناسوت كحلول الماء في الإناء. ومعنى اللاهوت: أي: الإله، والناسوت: عيسى. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٧١)، و«الملل والنحل» (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
«و(الفراسة) حق على أصول ما ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء».
• قال الراغب الأصفهاني: هي الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله.
• وقال فخر الدين الرازي: الفراسة هي الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.
ويقسمها ابن القيم (في كتاب مدارج السالكين) (^١) إلى ثلاثة أقسام:
• الفراسة الإيمانية: وهي نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.
وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُ فراسة … وهذا النوع مصاحب للأنبياء والصالحين وأهل العلم والايمان.
• فراسة الرياضة والجوع: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وهي من أبطل الباطل، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم.
• الفراسة الخلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخِلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على كبر العقل، وبسعة الصدر وبعد ما
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٦
[ ٢ / ٣٥٣ ]
بين جانبيه على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته، وبخمود العين وكلال نظرهما على بلادة صاحبها، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه …
• وقال ابن القيم " فراسة المتفرس تتعلق بثلاث " بعينه وأذنه وقلبه:
• فعينه: للسيماء والعلامات … أي لملاحظة العلامات الوجهية والجسدية والخلقية والتفرس فيها.
• وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشارته ولحنه وإيمائه ونحو ذلك.
• وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه … بمعنى إدراك القول الملفوظ والفعل المفعول، وفهم المقصود من وراءه في النية والقلب. (^١)
ولإتقان الفراسة سببان كما يرى ابن القيم:
• أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.
• والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه … أي ظهور العلامات الوجهية والجسدية والخلقية.
فإذا اجتمع السببان، لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.
الفراسة في الكتاب والسنة:
• قال تعالى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ " (الحجر: ٧٥) - ذكر عدد من أهل العلم أن هذه الآية عن أهل الفِراسة، وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة (السمات الخلقية).
• قال تعالى: " وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ " (محمد: ٣٠)
• قال تعالى: " تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ " (البقرة: ٢٧٣)
• قال ﵊ " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم (^٢) " رواه
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٥٦
(٢) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٧١ وإسناده حسن.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
البزار (^١) والطبراني في الأوسط (^٢)
• جاء في الأثر عن رسول الله انه قال " اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله " رواه الترمذي (^٣).
_________________
(١) البحر الزخار المعروف بمسند البزار: ١٣/ ٣٢٦ وقال: لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا أبو بشر.
(٢) المعجم الأوسط: ٣/ ٢٠٧ وقال: لم يروه عن ثابت إلا أبو بشر ولا عن أبي بشر إلا أبو عبيدة.
(٣) سنن الترمذي: ٣١٢٧
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وقوله: «ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.
وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: "النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح".
وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: "سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب"، إلى أن قال: "والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة".
وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) " (^١)
يقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان) (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٢١٦ - ٢١٧
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٧٩
[ ٢ / ٣٥٦ ]
«ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى-النسطورية-في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم».
من طوائف النصارى: النسطورية واليعقوبية.
فالنسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: (الوجود والعلم والحياة)، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يُثبت خواصَّ مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله، قال: هو واحد بالجوهر. أي: ليس هو مركبًا من جنسين، بل هو بسيط وواحد.
ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي: أصلين مبدأين للعالم، ثم فسَّر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودًا حيًّا ناطقًا، كما تقول الفلاسفة في حدِّ الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان؛ لكونه جوهرًا مركبًا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يُثبت لله تعالى صفات أُخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما، ولم يجعلوها أقانيم، كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم مَنْ أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حيٌّ ناطق إله، وزعم الباقون أن اسم الإله لا يُطلق على كل واحد من الأقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدًا من الأب، وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتَّحَدَا.
وهما جوهران أقنومان طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث إله تام وإنسان
[ ٢ / ٣٥٧ ]
تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحًا واحدًا طبيعة واحدة، وربما بدَّلوا العبارة، فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص، وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية.
قالوا: إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الإله لا تحلُّه الآلام.
ومن النسطورية قوم يُقال لهم: المصلين. قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفَّى جوهره حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله تعالى جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن النسطورية مَنْ ينفي التشبيه، ويُثبت القول بالقَدَر خيره وشره من العبد، كما قالت القدرية (^١).
وأمَّا اليعقوبية فهم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٣].
فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.
ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان. أو: ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركَّبَا تركيبًا، كما تركبت النفس والبدن، فصارا جوهرًا واحدًا أقنومًا واحدًا، وهو إنسان كله وإله كله.
_________________
(١) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فيقال: الإنسان صار إلهًا. ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار الإنسان. كالفحمة تطرح في النار، فيقال: صارت الفحمة نارًا. ولا يقال: صارت النار فحمة. وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة بل هي جمرة، وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي، ولربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج والادراع، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة (^١).
_________________
(١) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
«ومن قال: إن شيئًا من صفات الله ﷿ حالٌّ في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛
دعوى أن الله يحل في بعض الصور ذكرها غير واحد من علماء الفرق ونسبوها إلى غلاة الروافض ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي ﵀-لفرق المشبهة مختصرًا: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:
• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …
• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان (^١) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلا وجهه.
• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.
• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي (^٢)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …
• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب الأسدي (^٣)،
_________________
(١) بيان بن سمعان التيمي النهدي اليمني، ظهر بالعراق في أوائل القرن الثاني الهجري، زعم أن جزءًا إلهيًا حل في علي ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه، فلما ظفر به خالد بن عبد الله القسري قتله. الفرق بين الفرق ٢٣٧، الملل والنحل ١/ ١٥٢، مقالات الإسلاميين ٥.
(٢) أبو منصور العجلي، رجل من عبد القيس، عزا نفسه إلى أبي جعفر الباقر أولا، فلما تبرأ منه زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه. وزعم أن عليا هو الكسف الساقط، وأنه عرج به إلى السماء، حتى وقف على قصته يوسف بن عمر الثقفي فصلبه. الملل والنحل ١/ ١٧٨، مقالات الإسلاميين ٩، الفرق بين الفرق ٢٤٣.
(٣) محمد بن أبي زينب الأسدي، كان يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى الألوهية لنفسه، وخرج في أيام المنصور فقتله عيسي بن موسي والي الكوفة سنة ١٤٣ هـ. الملل والنحل ١/ ١٧٩، الفرق بين الفرق ٢٤٧، مقالات الإسلاميين ١٠.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر (^١).
• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.
• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي (^٢) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.
• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع (^٣) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.
• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.
وهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه" (^٤)
ولم يقتصر الأمر على الروافض وإنما شاركهم في ذلك غلاة المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود كالحلاج وبن عربي وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني.
فالاتحادية يقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى".
_________________
(١) عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب. كان فتاكا سيء الحاشية واتهم بالزندقة، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة ١٢٧ هـ بالكوفة. مات سنة ١٣١ هـ. الأعلام ٤/ ١٣٩، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٢١، لسان الميزان ٣/ ٢٦٣.
(٢) أبو حلمان الدمشقي، كان أصله من فارس، ومنشؤه حلب، وأظهر بدعته بدمشق، وكان يقول بحلول الإله في الأشخاص ذوي الصور الحسنة، وكان يقول بالإباحية. الفرق بين الفرق ٢٥٩.
(٣) اسمه عطاء ويعرف بالمقنع الخراساني مشعوذ مشهور، ادعى الربوبية من طريق التناسخ، وتبعه قوم وقاتلوا في سبيله وكان مشوه الخلقة فاتخذ وجهًا من ذهب تقنع به، واشتهر أمره سنة ١٦١ هـ فثار الناس عليه فاعتصم بقلعة فاحتسي سما فمات بها سنة ١٦٣ هـ. الأعلام ٤/ ٢٣٥، الكامل ٦/ ١٧، وفيات الأعيان ١/ ٣١٩.
(٤) الفرق بين الفرق ٢٢٥ - ٢٣٠، مختصرًا. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/ ١٠٦، ٢٨١، والملل والنحل ١/ ١٠٣.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٢)
لقد كان الحلاج من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و«سبحاني ما أعظم شأني» و«ما في الجبة الا الله».
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني … فإذا أنت أنا في كل حال (^٣)
وقوله (^٤) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):
أنا من أهوى ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته … وإذا أبصرته أبصرتنا
_________________
(١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.
(٢) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.
(٣) البداية والنهاية لابن كثير: ١١/ ١٣٤، تاريخ بغداد ٨/ ١١٥.
(٤) «أخبار الحاج» (١٦) «الطواسين للحلاج» (١٣٤) «تاريخ بغداد» (8/ 129). «الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة» (ص 112) بهامش المكتوبات.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
«أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات في مسألة التبعيض: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق؛ وأنه كيف ما تُلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ﷿؛ وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه ﷿ بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر».
اعتقاد السلف الصالح مِنْ أولهم إلى آخرهم: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ جل وعلا قوله وإليه يعود ﷾، وهو كلام الله إذا تلي، وهو كلام الله إذا كتب، وهو كلام الله جل وعلا إذا حفظ، ففي أيِّ صفة كان تناوله العبد فهو كلام الله ليس بمخلوق.
ومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.
لذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
قوله: «ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة».
يقصد بالقراءة الملحنة ما تفعله الصوفية، من قراءة القرآن بنوع من الطرب، وليس المقصود بالقراءة التي تقوم على أحكام التجويد، وإنما هي نوع من التطريب، فالمتصوفة بلغوا من الانحراف مبلغًا كبيرًا، بحيث يستمعون إلى من صورته جميلة وصوته جميل، وهيئته كهيئة النساء ويجتمعون عليه؛ ليقرأ لهم شيئًا من القرآن ببعض الألحان، وليس هذا من دين الله في شيء.
فعندهم قراءة ملحنة وقصائد ملحنة تصحبها المعازف يتمايلون عليها، وقد تكون مشتملة على بعض الشركيات.
وقد يفعلون هذ الغناء والإنشاد والمعازف في بيتٍ من بيوت الله ﷾، كل هذا تحت اسم الدين.
وبعض مجالس السماع تقتصر على الرجال والبعض الآخر يختلط فيها النساء مع الرجال.
ويسمون هذا ب "السماع" وهو مصطلح استعمله الصوفيون للدلالة على الإنشاد الديني والذي يكون ضمن مجالسهم والذي عادة ما يقترن باستعمال آلات الموسيقى وبالرقص على هيئة معينة.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
قوله: «وأن القصائد بدعة. ومجراها على قسمين:
فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعِلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والرباعيات (^١) على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقَّاصين على أحكام الدين فِسق، وعلى أحكام التواجد والنغام (^٢) لَهْوٌ ولعب».
أشار هنا إلى أن القصائد الشعرية تكون على قسمين:
قسم جائز.
وقسم ممنوع.
وقد أشار الله ﷿ إلى ذلك في محكم التنزيل بقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «٢٢٧) الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٧،
وقال النبي ﷺ «الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح» (^٣).
فالشعر يمكن القول بأنه تنطبق عليه الأحكام الخمسة:
_________________
(١) الرباعيات: هي منظومات شعرية تتألف من وحدات، كل واحدة منها أربعة أشطر تستقل بقافيتها. «معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب» (ص ١٧٤، ١٧٥).
(٢) النغام: من النغمة، وجمعها: أنغام. وهي جرس الكلمة وحسن الصوت والطرب.
(٣) هذا الحديث ذكره البخاري في: «الأدب المفرد» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وقد اختلف المحققون في الحكم عليه فقد حسَّنه جماعة منهم: الهيثمي ﵀ في: «المجمع»، وضعفه آخرون كالحافظ ابن حجر ﵀ في: فتح الباري. وله شاهد من حديث السيدة عائشة ﵂ أخرجه البيهقي السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٣٩ وصله جماعة والصحيح إرساله وقال الألباني (في السلسلة الصحيحة: ١/ ٨٠٨): إذا لم يكن له علة غير ابن ثوبان فهو حسن الإسناد لأن ابن ثوبان صدوق يخطئ.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فمنه ما هو مباح: -وهو الأصل في الشعر-كالشعر المشتمل على موضوعات أدبية لا تتضمن شيئًا مما حرم الشرع.
ومنه ما يكون مستحبًا: وهو ما كان من الشعر في وصف الله جل وعلا وصف آلائه، ووصف الصالحين، والتذكير بالدار الآخرة، والجهاد وأشباه ذلك من المعاني الإسلامية والدينية العظيمة، فإن هذا مما أمر به؛ فإن الشعر الذي يحث الناس على مكارم الأخلاق، والفضائل، ويرشدهم لما ينفعهم، يعتبر من الكلام الحسن الذي يثاب عليه قائله، فالنبي ﵊ أنشدت الأشعار بين يديه، وقال ﵊ لحسّان بن ثابت «اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ معكَ» (^١) وهذا أمر ثابت متفق عليه بين أهل العلم.
ومنه ما يكون واجبًا: إذا كان دفاعًا عن الإسلام ومبادئه في مقابل الشعر الذي يحارب القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية، فإذا حورب الإسلام شعرًا وجب التصدي له من جنسه، وهذا ما كان يفعله شعراء الصحابة كحسان بن ثابت وغيره في مقابل شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ وأصحابه ويطعنون في الدين.
ومنه ما هو مكروه: وهو الذي يحصل بالتشاغل به عن غيره أيضا من العلم الواجب أو من العلم المستحب هذا لا ينبغي؛ بل الانشغال بالعلم الواجب والمستحب هذا لا شك أولى بل آثر أن ينشغل عنه بإنشاد الأشعار في المعاني الإسلامية العامة.
ولذلك ورد في السنة ذم لبعض حالات الشعر، والمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين.
عن ابن عمر عن النبي ﷺ " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا (^٢) "
وقد بوب البخاري بابًا عن كراهة أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله.
ومنه ما هو محرم: كالشعر المشتمل على ما يخل بالعقيدة، أو ينافي الأخلاق الحميدة أو الأدب الرفيع، أو فيه دعوة إلى الباطل والمنكر والفحشاء، أو فيه هتك لأعراض المسلمين أو أذيتهم أو نحو ذلك، فكل هذا قبيح مذموم، ويعظم الجُرم فيه حسب الموضوع المشتمل عليه.
_________________
(١) صحيح البخاري: ٤١٢٣
(٢) صحيح البخاري تحقيق طه عبد الرؤوف الدار الذهبية من ص ١٢٦١ إلى ص ١٢٦٣
[ ٢ / ٣٦٨ ]
بل ومنه ما هو كفر وإلحاد كالشعر المشتمل على الدعوة لنبذ الأديان والتحرر من العقيدة والإباحية واستحلال الخمور والزنا وغيرها من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة.
وقد يكون الشعر من النوع الأول المباح أو المستحب لكن يصاحبه أحوال محرمة مثل الغناء والمعازف والرقص والاختلاط واجتماع المردان ونحو ذلك فحرمته تأتي من هذا الوجه.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
«وحرام على كل مَنْ سمع القصائد والرباعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذِّكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ﷿، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية [الزمر: ١٨]
وكل مَنْ جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل مَنْ جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف ما وصفت من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به ﷿ ما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك: أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة».
قال ابن القيم: "حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبعٍ لسبيل الله التي بعث بها رسوله، وهذا هو اتباع الهوى بغير هدًى من الله. " (^١)
وقال ابن القيم: "الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة، فالمقبول ما وافق الأمر وأريد به وجهُ الله، ولا يقبل الله عملًا سواه.
والمردود أن لا يكون خالصًا لله ولا موافقًا لأمره، أو ينتفي عنه أحدهما.
فالمقبول ما وُجِد فيه الأمران، والمردود ما انتفى عنه الأمران أو أحدهما، ولهذا اشتدت وَصاة الشيوخ المستقيمين بهذا الأصل، وأخبروا أن من عدل عنه فهو مطرود وعن طريق قصده مصدود.
فقال ابن أبي الحواري: من عمل عملًا بلا اتباع سنة فباطل عمله" (^٢).
وعن تطور هذه بدعة السماع يحدثنا ابن القيم ﵀ فيقول: "فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق والخشية
_________________
(١) الكلام على مسألة السماع ص ١٦٠
(٢) الكلام على مسألة السماع ص: ١٥٨
[ ٢ / ٣٧٠ ]
والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع.
ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مجمَعُ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنهَّم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: "هو من إحداث الزنادقة"، وقال أحمد: "بدعة".
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله-ﷺ-المتشبّهين من الرجال بالنساء (^١).
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.
فاقتضت هذه الهيئة الاجتماعية حركةً باطنة، فإنَّ استماعَ الأصوات المطربة يُثير حركةَ النفس بحسب تلك الأصوات، وللأصوات طبائع متنوعة بتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحرف المناسب، فيتولد من بينهما حركاتٌ نفسية تُثِير كامنَها وتُزعِج قاطنَها، وهذا أمر يشترك فيه بنو آدم من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، ويُثير من قلب كل
_________________
(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٨٨٥) عن ابن عباس.
[ ٢ / ٣٧١ ]
أحدٍ ما فيه. ومعلوم أنَّ النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيَّدةٌ لا بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافْتكَّها من أَسْرها، وأجلب عليها بكل مُعِين ومُمِدّ. وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين: إما غليظ كثيف الحجاب، وإما مكابر. فمضرة هذا السماع على النفوس أعظم من مضرَّة حُمَيّا الكُؤوس.
ولما كانت المفسدة فيه ظاهرة معلومة، أخرجه أهلُه في قالَبٍ يُلطِّف ما فيه من المنكر، فجمعوا عليه أخلاطًا من الناس، وقالوا: إنَّ هذا الاجتماع شبكةٌ نصطاد بها النفوسَ إلى التوبة، ونسوقُها بها إلى الله والدار الآخرة. ونعم واللهِ هو شبكة وأيُّ شبكة! يصطاد بها الشيطانُ النفوسَ المُبطِلة إلى ما هو أعظم من المعاصي الظاهرة، ويقودها بها إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه (١) هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكة لهم لصيدِ الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص:
فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ
وإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة حول القمر، وأداروا عليهم من الأعين النِّطاق، فللشيطان لا للهِ كم من زَعْقةٍ وصَرْخةٍ وزَفْرةٍ وأنَّةٍ وحَسْرة ووَجْدٍ وأسفٍ وحزنٍ، وكم من قلوبٍ تُشقَّق قبل الجيوب، وعبراتٍ تُسكَب في غير رضا علام الغيوب، فيا لها حضرةً ما أحبَّها إلى الشيطان! وما أبغضَها إلى الرحمن!
ويتزايد الأمر حتى يُغنُّوا بأشعارٍ طالما عُصِيَ الله بها في الأرض، من أشعار الفسّاق والفجّار، المتضمنة لتهييجِ النفوس على ما يُبغِضه الله ويَمقُت عليه، ومدْح ما حرَّمه ولعنَ فاعله، والابتهاجِ به، والافتخارِ بنيله، والتَبجُّح بالوصول إليه. وربما تعدَّوا ذلك إلى الغناء بالأشعار الكفرية التي تُحادُّ ما أنزل الله، كأشعار أهل الإلحاد من الاتحادية والحلولية، والأشعار المتضمنة لكثير من ألفاظ القرآن" (^١)
فهذه القصائد التي أحدثها هؤلاء المتصوفة لا تخلو من الشرك والغلو في
_________________
(١) الكلام على مسألة السماع: ص: ٢٠٧ - ٢١١
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الصالحين؛ لأن جل قصائدهم تدور حول تقديس أشخاص بأعيانهم، حتى إذا مدحوا النبي ﷺ غلوا في مدحه، فكل الفكر الصوفي يقوم على قاعدة تقديس الأشخاص، فلو كانت حتى مجرد قصائد فإنها لا تخلو من باطل وشطط وشطح.
قال ابن القيم: "واعلم أنَّ بدعة السماع تتضمن الغلوَّ في الدين واتباعَ الهوى والعَشْوَ عن ذكر الله، فإنهم حسبوا أنَّ هذه البدعة دين وقُربةٌ تُقرِّبهم إلى الله، وهذا من أقبح الغلو، وهو يوجب الانحراف عن الصراط المستقيم، واتباعُ الهوى يوجب الضلالَ عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
والعَشْو عن ذكر الله يوجب مقارنة الشيطان له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وذكر الله هنا هو كتابه، ومن العشو عنه: التعوُّضُ عنه بسماع الشيطان المحدث.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
فالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق. (^١) "
وقد أشار ابن خفيف هنا إلى أن سماع هذه القصائد لابد أن يصاحبه علم بأحكام التوحيد ومعرفة لأسماء الله وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ﷿، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ حتى يميز به بين ما يجوز وما لا يجوز من تلك الأشعار والقصائد فهناك قصائد تخلو من الغلو المحرم وهناك قصائد مليئة بالغلو وتجاوز حدود ما حرم الله.
_________________
(١) الكلام على مسألة السماع: ١٦٢ - ١٦٣
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ولكن الإشكال الأكبر هو أن تلك القصائد وإن خلا بعضها من ذلك الغلو في بعض عباراتها لكن ما يصاحبها في واقعنا المعاصر من حركات وإيقاعات ورقصات مع الأحوال التي لا ينكرها أصحاب تلك الطرق والتي تتمثل بمرور الصوفي بأربع مراحل:
الوجد: والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره، ومن قوي تمكن-قال أحدهم: إن الوجد مكاشفات، ألا تري أن أحدهم يكون ساكنا فيتحرك، ويظهر منه الزفير والشهيق؟؟ ويكون من هو أقوي منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شيء من ذلك.
وفرق بعضهم بين الجد والتواجد بقولهم: التواجد من الوجد بمنزله التباكي من البكاء.
الغلبة: وهي حال يمر بها الصوفي إذا زاد عليه الوجد حتى يغلبه، ويعرفونه بقولهم والغلبة حال تبدوا للعبد لا يمكنه معها ملاحظه السبب ولا مراعاة الأدب ويكون مأخوذا عن تمييز، فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه (أي صاحب الغلبة)، إذا سكنت غلبات ما يجده.
السكر: فإذا ازدادت غلبه الوجد على الصوفي وصل إلى حاله السكر، والسكر هو أن يغيب الصوفي عن تمييز الأشياء-
الشطح: أن يتحدث الصوفي في حال سكره وغلبه الوجد عليه ويعرف الصوفية الشطح بقولهم: هو عبارة مستغربه في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشده غليانه وغلبته. وقالوا: الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
«إلى أن قال: واتخاذ المجالس على الاستماع والغناء والرقص بالربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي (^١) ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قَدم عند المخلصين.
وبلغني أنه قيل لبِشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئًا يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله:
اصبري يا نفس حتى … تسكني دار الجليل
فقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال كذبوا-والله الذي لا إله غيره-لا يسكن بغداد مَنْ يستمع ذلك».
مسألة السماع مما تكلم فيه العلماء من قديم وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد، والتغبير سمي تغبيرا لأنهم يأخذون جلودا قديمة يَبِسَتْ عليها تراب والغبار فيبدؤون -يعني لأنهم … متزهدون كما يزعمون- فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف، فيترنّمون به مع الأشعار، فسمي الفعل مع الإنشاد تغبيرا؛ لأنه يظهر معه الغبار، وحقيقة التغبير هي إنشاد الأشعار الزهدية مع استخدام الدفوف، هذه حقيقة التغبير، والأشعار الزهدية أحدثها طائفة من المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية، انتشر الغناء المحرم يعني في أنواع من الألحان موجودة في كتب ومعروفة وأصوات، فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك، وتدرّج الأمر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لأنه هو القصب؛ قصب السكر يؤخذ ييبّس ويفرّغ وبعد ذلك … ثم يكون منه مزمارا، فأصبحوا يتقربون إلى الله بذلك، ينشدون الأشعار الزهدية، ويترنمون بهذه
_________________
(١) أي: الإمام الشافعي؛ محمد بن إدريس الشافعي المُطَّلبي القُرشي.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
الأصوات يعني بالقصب وبالمزمار والطبل بأشياء محزنة، ومعلوم أن هذه الآلات قد تُستخدم بألحان يكون معها نشوة، وقد تُستخدم بألحان يكون معها حزن ورِقّة، فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة والبكاء، وأثّرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها، وأثّرت في القلوب وفي ترقيقها ظنّوا أن هذا مشروع؛ لأنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله جل وعلا، فظنوا أنّ وسيلته مشروعة فلهذا ألف كثير من أهل العلم في السماع وفي ذمه، وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع، إلى أن آلَ الأمر بعد زمن إلى أنْ يصحب هذا السماع رقص، والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه الآن من الصوفية، لا. هو أول ما بدء رَقْصُ تمايل من التواجد كما يقولون
وقال القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي-﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم -حرس الله مدته-أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد-ﷺ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه.
هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق" (^١).
_________________
(١) تفسير القرطبي ص ٣١٨
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قوله: «قال أبو عبد الله: ومما نقول-وهو قول أئمتنا-: إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله»، الحديث».
أشار إلى الحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسِي بيدِه لأن يأخذَ أحدُكم حبلَه فيذهبُ إلى الجبلِ فيحتطبُ، ثم يأتِي به فيحملُه على ظهرِه؛ فيبيعُه فيأكلُ، خيرٌ له من أن يسألَ الناسَ، ولأن يأخذَ ترابًا فيجعلَه في فيه خيرٌ له من أن يجعلَ في فِيه ما حرَّم اللهُ عليه» (^١).
ومن المعلوم شرعًا أنه في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر-شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.
فمثلًا يسأل العبدُ ربَّه ﷿ الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله ﷿ القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.
ولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ﷾، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله ﷾: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ﷾، ولا يلجأ إليه ولا يشكره ﷿ على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله ﷾ في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.
ولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله ﷿ في كل شيء، حتى في إصلاح شِسع النَّعل (^٢)؛ فعن أنسٍ؟، قال: قال رسول الله ﷺ: «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢).
(٢) شسع النعل: سَيْر من سُيورها التي تكون على وجهها؛ يَدخل بين الإصبعين.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
انقطع» (^١).
قال ابن بطَّال: «ليستشعر العبدُ الافتقارَ إلى ربِّه في كل أمر وإن دَقَّ، ولا يَستحيى من سؤاله ذلك» (^٢).
فالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله ﷿، فإذا شُرع له سؤال الله في مثل هذا الأمر اليسير، فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء ثناء أو دعاء مَسألة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٣)، وحسَّنه الألباني في «المشكاة» (٢٢٥١).
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (١٠/ ١١٨).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
«ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس».
كما نعلم أن الصوفية تقوم على ترك التكسب، ويعيشون عالة على الناس وعلى أوقافهم، مع أنه لا يحل للإنسان ذلك إذا صحيحًا سليمًا، ويأكلون من أوقاف أهل الخير التي أوقفوها على المحتاجين والأرامل والأيتام؛ فتجد المتصوفة يستولون على مثل هذه الأوقاف ويستغلونها باسم الدين، والله المستعان.
وقد غلط بعض المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو الرزق عند الجوع ينافي التوكل، ويحثون الناس على ترك التكسب والأخذ بالأسباب.
وهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت أو شرعية، وهذا الأخذ لا ينافي التوكل والاستعانة بالله ﷿.
والأخذ بالأسباب مِنْ القدر، والله ﷾ هو مسبب الأسباب، وهو الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، ويَفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل، ومنه الإنابة، ومنه الخشية، ومنه الأمر بالمعروف، ومنه النهي عن المنكر، ومنه الجهاد في سبيل الله.
وكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرة، وعلينا أن نتمثلها في أنفسنا، وأن نُعَلِّمها لأسرنا ومجتمعاتنا وسائر أُمَّتنا، فلا بد من غرس المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس، حتى إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدِّين إلا تلك الصورة الباطلة، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والعياذ بالله.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
«ومَن جعل السؤال حرفة-وهو صحيح-فهو مذموم في الحقيقة خارج».
وفي النهي عن سؤال الناس أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، كقوله ﷺ: «لا تَزال المسألةُ بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم»، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مَسألته يوم القيامة خُدُوشًا-أو خموشًا أو كُدوحًا-في وجهه»، فهل يَرضى الإنسان أن يَلقى الله يوم القيامة على هذا الحال؛ نسأل الله العافية.
والمسألة لا تَصلح إلا لثلاث؛ لذي فَقر مُدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دَم مُوجع، كما جاء في الحديث.
والفقر المدقع، أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يُفضي بصاحبه إلى التراب، بحيث لا يكون عنده ما يتقي به التراب.
والغرم المفظع: أي: الشنيع المجاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها.
والدم المُوجع: هو الذي يُوجع أولياء المقتول من شِدَّة تحمُّلِ الدِّيات (^١).
ولذلك حث النبي ﷺ على العمل، وذمَّ المسألة؛ فقال: «لأن يَأخذ أحدُكم حَبْلَه، فيَذهب فيحتطب خير له من أن يَسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه».
ودعا ﷺ إلى الصبر والاستغناء والاستعفاف عمَّا في أيدي الناس؛ فقال: «مَنْ يَستغنِ يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبر يُصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
وأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يَسألوا الناس شيئًا، كما جاء في شأن أبي بكر أنَّه كان يسقط سوط الدابة من يده، فينزل عن دابته، وهذا فيه كلفة ومشقة، ويتناول سوطه؛ لكيلا يطلب من أحد أن يناوله إيَّاه، مع أن هذه الأمور قد تكون من أقل
_________________
(١) انظر: «الميسر في شرح مصابيح السنة» للتُّورِبِشْتِي (٢/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أنواع السؤال، ولكنها أمور تَرَبَّى عليها خواصُّ أصحاب النبي ﷺ حتى لا يَسألوا الناس شيئًا أبدًا.
وقد دَلَّت النصوصُ على الأمر بسؤال الخالق والنهي عن سؤال المخلوق في غير موضع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧]، فالرغبة تكون إلى الله ﷾ وحده.
[ ٢ / ٣٨١ ]
«ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﵇: «الغناء ينبت النفاق في القلب» (^١)، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة».
لا شك أن الغناء محرم، وللعلامة ابن القيم ﵀ رسالة في السَّماع مهمة، بعنوان: «الكلام على مسألة السماع»، بسط فيها الكلام على مسألة السماع والغناء، وردَّ على جُلِّ الشُّبه التي أُثيرت حولها، وفرق فيها بين السماع القرآني والسماع البِدعي والشيطاني.
وإنَّ من الأسباب الرئيسة لهجر استماع القرآن الكريم: استماع الغناء واللهو والمزمار، الذي أصبح منتشرًا الآن.
ولقد صَرَّح ابن القيم بأن «مِنْ مكايد عدو الله ومصائده، التي كاد بها مَنْ قَلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المُنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحَسَّنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا. فلو رأيتهم عند ذيَّاك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل
_________________
(١) حديث: «الغناءُ ينبِتُ النِّفاقَ في القلبِ كما ينبِتُ الماءُ البقلُ»، أخرجه أبو داود (٤٩٢٧)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٣٩)، والبيهقي (٢١٥٣٧)، عن عبد الله بن مسعود ﵁، وإسناده ضعيف. انظر: «خلاصة البدر المنير» لابن الملقن (٢/ ٤٤٠).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزًا، وأَزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًّا، فطورًا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الدمار.
فيا رحمتا للسقوف والأرض من دكِّ تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور الرحمن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيهم وَجْدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا حتى تُلِيَ عليه قرآنُ الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فَجَرَت، وعلى أقدامه فرَقَصت، وعلى يديه فصَفَّقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زمراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.
فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هَلَّا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأحوال السَّنيات عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (^١).
وأوضح ابن القيم أقسام الناس في سماع القرآن والغناء؛ فقال:
«والناس في السماع أربعة أقسام:
أحدها: مَنْ يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.
الثاني: عكسه (مَنْ يشتغل بسماع الشيطان عن سماع القرآن).
الثالث: مَنْ له نصيب مِنْ هذا وهذا.
الرابع: ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.
_________________
(١) «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» لابن القيم الجوزية (١/ ٢٢٩، ٢٣٠).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فالاشتغال بسماع القرآن الرَّحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.
والثاني: حال المشركين والمنافقين والفجار والفساق والمبطلين ومَنْ سلك سبيلهم.
والثالث: حال مؤمن له مادتان: مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منها.
والرابع: حال الفارغ مِنْ ذوق هذا وهذا، فهو في شأن وأولئك في شأن» (^١).
ففرقٌ بين سماع القرآن وسماع الغناء، فسماع القرآن يجعل النفس في استقامة وسلامة، وسماع الغناء يجعل النفس في حال خزيٍ وندامة.
_________________
(١) «كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء» لابن القيم (ص ٢٤٦).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
قوله: «والذي نختار: قول أئمتنا: ترك المراء في الدين».
مما لا شَكَّ فيه أن المراء مذموم إلا في أحوالٍ تدعو إليه، وهذا كله معروف في أحكام الدين، فيجب على الإنسان أن يترك المراء والجدال في الدين لغير حاجة أو ضرورة، وألا يبحث في المسائل التي لا يحتاج إليها، ولا تعود عليه بالنفع بحال، إلا إذا كان في ذلك رد على زعم باطل؛ فيبين الإنسان وجه الحق، ويدحض هذا الزعم.
وقد تقدم شرح هذه المسألة وبيان الفرق بين الجدال والمراء والفرق بين المحمود والمذموم منهما.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
قوله: «والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق».
هذه المسألة تفرعت عن مسألة خلق القرآن زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟
(فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون أن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا، وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ:» الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله (^١) «أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟. ومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله) (^٢)
وقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و(إيمانه)
_________________
(١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥)
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٥٥
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (^١)
قال الإمام أحمد-﵁: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي-قدس الله روحه -ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد-﵁-أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع. قال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله-﷿-ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله-تعالى-الموفق) (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٦٤
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٤٦
[ ٢ / ٣٨٧ ]
قوله: «ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي، وأن المرسل إليهم أفضل فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر». اه.
ختم الإمام أبي عبد الله بن خفيف كلامه بهذا الموضوع الذي زلت فيه أقدام بعض المتصوفة من دعوى أن الأولياء أفضل من الأنبياء، ودعواهم أن يتلقون عن الله مباشرة بينما النبي يتلقى بواسطة جبريل، ومن ذلك ما زعمه ابن عربي من أن خاتم الأولياء-يعني نفسه-أفضل من خاتم الأنبياء محمد ﷺ وذلك بناء على تفضيله الولي على النبي كما قال في شعره:
مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي
والذين جاؤوا بعد ابن عربي من المتصوفة السائرين في هذا الدرب المظلم رددوا هذه العقيدة في كتبهم وزاد كثير من مشايخهم فزعم لنفسه هذه الولاية الكبرى التي يتم بها -في زعمهم-الولاية، وقد تصدى الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي الله عنه لهذه المزاعم في أماكن كثيرة من كتبه ومن ذلك قوله:
"وكذا خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له. وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي. وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حموي، وابن عربي، وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه، إلى غير ذلك من الكفر والبهتان، وكل ذلك طمعًا في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء، وقد غلطوا، فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك، وليس كذلك خاتم الأولياء، فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن نقي يكون في الناس، وليس ذلك بخير الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق ﵁، ثم عمر اللذان ما طلعت
[ ٢ / ٣٨٨ ]
شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما" (^١)
والصواب أن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، هذه هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.
أما الكتاب: فقد قال ﷾ مبينًا مراتب أوليائه: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] النساء: ٦٩ [.
فالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية (^٢) مبينة أن من أطاع الله ورسوله يكون من نعيمه في الجنة أن يتمكن من مجالسة الأنبياء ورؤيتهم وزيارتهم، فلا يفوته ذلك ولذلك قال سبحانه): وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم). وقال: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) وهذه المعية والرفقة لا تعني تساويهم في الدرجة، بل هم متفاوتون، لكنهم يتزاورون ويتجالسون ويأنسون بقربهم كما كانوا في الدنيا، وهذا بفضل الله لاتباعهم الأنبياء، واقتدائهم بهم.
فالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق.
وذكر سبحانه جملة من الأنبياء في آيات من سورة الأنعام ثم قال في آخرها: وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ] الأنعام: ٨٦. [
قال ابن سعدي في تفسير الآية: (وكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فهؤلاء من الدرجة العليا (^٣). (وقال ﷾: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).] آل عمران: ٣٣. [
قال الرازي مبينًا وجه الترابط بين هذه الآية والآيات قبلها: (اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف
_________________
(١) مجموع الفتاوي: ج ١١ ص ٤٤٤.
(٢) تفسير الطبري ٥/ ١٠٤.
(٣) تفسير الكريم الرحمن ٢/ ٢٠٠.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
مناصبهم). (^١)
وقال في معرض تفسيره للآية: (بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين. (^٢)
فالآية في ذكر الأنبياء خاصة وإن قيل في تفسير لفظ (الآل) فيها بأن المقصود به سائر المؤمنين من ذرية إبراهيم، وعمران، أنبياء وغير أنبياء، ويشهد لتخصيصها الأنبياء فقط، وأنهم هم المعنيون بتفضيلهم على العالمين دون غيرهم أمور:
١ - قوله سبحانه: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى والمراد الاصطفاء بالنبوة كما قاله الحسن وغيره (^٣).
وكذا قد ورد الاصطفاء مرادًا به الاصطفاء بالنبوة في عدد من آيات الكتاب عند ذكر النبيين، كقوله سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ)] الحج: ٧٥. [وقوله في موسى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي)] الأعراف: ١٤٤. [وقوله: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ).
٢ - أنه قد أطلق ﷾ وصف الاصطفاء وعنى به الرسل خاصة في قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)] النمل: ٥٩. [
والرسل هم المصطفون من عباد الله الذين سلم عليهم في العالمين كما بينه سبحانه في كتابه جملة وتفصيلًا كقوله سبحانه: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)] الصافات: ١٨١. [فقوله: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) كقوله: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) وقال سبحانه: (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)] الصافات: ٧٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)] الصافات: ١٠٨ - ١٠٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)] الصافات: ١١٩ - ١٢٠ [
فكما أطلق سبحانه الاصطفاء في آية النمل وهو مقيد في الاصطفاء بالنبوة فكذا في آية آل عمران هذه.
٣ - أن الله قد ذكر في الآية النبيين آدم ونوحًا ثم ذكر آل إبراهيم وآل عمران وفيه إشارة إلى أن المراد بالآل الأنبياء خاصة من ذرية إبراهيم، وذرية عمران، لا عامة المؤمنين.
٤ - أن الله قد ذكر آل إبراهيم وآل عمران لأن الأنبياء بعد إبراهيم لم يكونوا إلا
_________________
(١) تفسير الرازي: ٨/ ١٩.
(٢) تفسير الرازي: ٨/ ٢٠.
(٣) تفسير الطبري ٣/ ١٥٧
[ ٢ / ٣٩٠ ]
من ذريتهما، فجمع ذكرهم في لفظ الآل، وهو سبحانه قد ذكر آل إبراهيم، وآل عمران فقط، ويكون في المؤمنين من ليس من ذريتهم، مما يشهد بأن الآية خاصة بالنبيين.
٥ - أن قوله سبحانه: عَلَى الْعَالَمِينَ شاهد على أن المراد بالآية الأنبياء من سائر المؤمنين، ذلك أن اصطفاء المؤمنين وتفضيلهم على الكافرين أمر ظاهر ظهورًا يستغنى به عن الذكر، فكيف بتفضيل النبيين واصطفائهم على الكافرين، والنبيون معنيون في الآية بلا خلاف، فأن يكون المراد اصطفاء النبيين وتفضيلهم على سائر المؤمنين أولى، والله أعلم.
هذا، وقد قال بعض المفسرين بأن المراد بآل إبراهيم وآل عمران الأنبياء منهم، وقال بعضهم أن المراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه (^١).
والحاصل فإن الآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر سواء كانت في الأنبياء خاصة وهو الأظهر، أو كانت فيهم وفي أتباعهم من المؤمنين عامة، فإنه إذا كان المؤمنون أفضل البشر قد اصطفاهم الله على العالمين فالأنبياء هم الأفضل إطلاقًا بطريق الأولى.
أما السنة: فمن أدلتها على أن الأنبياء أفضل البشر:
قوله ﷺ لما سئل عن أشد الناس بلاء قال:» الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (^٢) «وهذا صريح في أن الأنبياء أمثل البشر.
وقال ﷺ في أبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين (^٣) «وفي هذا الاستثناء الدليل على أن الأنبياء أفضل الأولين والآخرين.
_________________
(١) زاد المسير: ١/ ٣٧٤.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٣٢٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٣) (١٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٤١٢) (٢٧٨٣)، وابن حبان (٧/ ١٦١) (٢٩٠١)، والحاكم (١/ ١٠٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغري» (٨٣٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٩٧)، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٢٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٧) كما شار إلى ذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٣) رواه الترمذي (٣٦٦٥)، وابن ماجه (٩٥)، وأحمد (١/ ٨٠) (٦٠٢)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. والحديث روي من طرق عن أنس بن مالك، وأبي جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃.
[ ٢ / ٣٩١ ]
وروي عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين» (^١).
واستدل ابن تيمية ﵀ على فضل الأنبياء على سائر الناس بحديث: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصديق» (^٢).
أما الإجماع: فقد قال ابن تيمية ﵀: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء. (^٣)
وقال: (الأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون، والشهداء، والصالحون (^٤).
وذكر ﵀ أن تفضيل بعض الفرق غير النبي على النبي مخالف لإجماع الأمة (^٥).
أما النظر الصحيح: فإن العقل يقضي بكون الأنبياء خير الخلق وأفضلهم، لأنهم رسل الله، والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده، وشرف الرسول من شرف المرسل وشرف الرسالة، وهم المصطفون من عباد الله، اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم ولا يختار سبحانه من الخلق إلا أكرمهم عليه وأفضلهم عنده وأكملهم لديه، قال ابن القيم ﵀: (ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله ﷾ اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًّا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم
_________________
(١) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد) للهيثمي (١٠/ ١٨). من حديث جابر بن عبد الله ﵁. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغري» (٩٠٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
(٢) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ١٨٢)، وابن أبي عاصم (٢/ ٥٦) (١٢٣٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٣٢٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد» (١/ ٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٢٠٨).
(٣) مجموع الفتاوى: ١١/ ٢٢١.
(٤) منهاج السنة: ٢/ ٤١٧.
(٥) مجموع الفتاوى: ١١/ ٣٦٤.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض) (^١)
ولم يكتفي غلاة المتصوفة بإسقاط مكانة الأنبياء وتفضيلهم على من سواهم بل تجاوز ذلك إلى إسقاط مكانتهم في تبليغ شرع الله وزعموا أنهم يتلقون عن الله مباشرة دون واسطة
قال ابن تيمية: "ثم إن صاحب (الفصوص) يعني ابن عربي وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا وساطة والنبي يأخذ بوساطة الملك. ولهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة، وهذا باطل وكذب فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بوساطة الرسول وإن كان محدثًا، فقد ألقي إليه بشيء وجب عليه أن يزنه بما جاء الرسول من الكتاب والسنة" (^٢).
ومن تخبطات وترهات الصوفية وتناقضاتهم أنهم جعلوا من الأنبياء والأولياء واسطة بينهم وبين الله في التعبد، وهذا كلام باطل ترده النصوص، فالنبي ﷺ واسطة في التبليغ، ولكنه ليس واسطة بين العباد في التعبد، فالنبي ﷺ بشرٌ وعبدٌ ورسولٌ، ولا شك أنه ﷺ الواسطة في تبليغ الدين، لكنه ﷺ ليس وسيلة أو واسطة إلى الله ﷾ في قبول الأعمال أو الدعاء أو في قضاء الحوائج أو غير ذلك.
وأما عند الصوفية فالنبي ﷺ والأولياء وسيلة بين الله تعالى وبين عباده، ولذلك تجد بلدانهم مليئة بالقبور والأضرحة والقباب، وتصرف لهذه الأماكن الكثير من النذور والأموال، وتُذبح عندها الذبائح الكثيرة من هذا الباب؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن هؤلاء الأشخاص وسائط بينهم وبين الله تعالى، وهذه دعوى كفار قريش الذين قالوا عن الأوثان: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله).
والله ﷾ ما جعل بينه وبين عباده واسطة في العبادة أبدًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلم يأمر بأن يُدعى فلانًا أو يُجعل فلانًا واسطة بينه وبين خلقه، إذ دعوة التوحيد تقوم على أنه ليس بين الله وبين خلقه أي واسطة في هذا الشأن أبدًا.
فحقيقة الخلاف في مسائل توحيد الألوهية بيننا وبين أولئك: أن عقيدة السلف
_________________
(١) طريق الهجرتين: ٣٥٠.
(٢) حقيقة مذهب الاتحاديين لابن تيمية ص ١١٥ - ١٢٣
[ ٢ / ٣٩٣ ]
تقوم على أنه ليس بين الله تعالى وبين خلقه واسطة في العبادة، فالإنسان يدعو الله ﷿ ولا يدعو سواه، ويَسأل الله ولا يسأل غيره، ويسأله ﷾ بأسمائه وصفاته، ولا يسأله بجاه فلان أو بمكان فلانٍ من الناس.
أما الصوفية فيتخذون الوسائط في العبادة، حتى دعوهم من دون الله واستغاثوا بهم، ونذروا لهم، وذبحوا لهم، وإذا سألوا الله سألوه بجاههم.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
(١٣١) «ومن متأخريهم: الشيخ الإمام أبو محمد؛ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال في كتاب «الغنية»: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد.
إلى أن قال: وهو بجهة العلو، مُستو على العرش، مُحتو على الملك، محيط علمه بالأشياء؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، وذكر كلامًا طويلًا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا» (^١).
ولو ذكرت ما قال العلماء في هذا لطال الكتاب جدًّا».
قوله هنا: «ومن المتأخرين»، أي: من متأخري المتصوفة، وأشار في هذا إلى عبد القادر الجيلاني، وهو معروفٌ عند أهل التصوف ويُعظمونه، ويعتقدون فيه الولاية، وله كتابٌ اسمه «الغنية لطالبي طريق الحق»، وهو مطبوع، وفيه فصل في الاعتقاد، وقد دَوَّن فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة.
ومعلومٌ أن المتصوفة نَسَبوا لعبد القادر الجيلاني أشياءَ كثيرة لا شك أنه منها بَراء؛ فعقيدته هي التي دوَّنها في هذا الكتاب تدل على أنه من معتدلي المتصوفة، وأن ما نُسب إليه من بعض الكرامات أو أمور العجيبة إنما هي من الأمور التي يفتريها هؤلاء على بعض الصالحين.
_________________
(١) «الغنية» (ص ١٢١ - ١٢٨). وانظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (٣/ ٢٩٦)، و«اجتماع الجيوش» لابن القيم (ص ٢٧٧)، و«العلو» للذهبي (ص ١٩٣).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «فأمرُ الشيخ عبد القادر (الجيلاني) وشيخه حمَّاد الدباسي وغيرهما من المشايخ أهل الاستقامة ﵃: بأنه لا يريد السالك مرادًا قط، وأنه لا يريد مع إرادة الله ﷿ سواها، بل يجري فعله فيه، فيكون هو مراد الحق» (^١).
ونقل عنه هنا من كتاب «الغنية» بعض مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه ﷾ عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.
وتتمة كلام عبد القادر الجيلاني: «أمَّا معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يُعرف ويُتيقن أنَّ الله واحد أحد فرد صمد، ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا نِدَّ ولا مُشير» (^٢).
فهو في هذا الكتاب تكلم عن مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه ﷾ عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.
وقال هنا من ضمن ما ذكر: «إنه لا يجوز وصف الله تعالى بأنه في كل مكان»، وهذا مما يزعمه بعض المعطِّلة من قولهم: إن الله في كل مكان. وهو قول بعض الجهمية، ولا شك أنه كلام باطل شرعًا، فالله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه.
ومعلوم أن المعطلة لما عطلوا صفة الاستواء جاءوا بعددٍ من التأويلات، منها: قول مَنْ يقول: استوى معناه: استولى. وقولهم: إن العرش المراد به: المُلك. ومنها قولهم بأن الاستواء صفة للعرش، وليس صفة لله ﷾، وأنواع أخرى من التأويلات كلها تَعود إلى إنكار صفة الاستواء، وإنكار أن الله ﷾ استوى على عرشه حقيقة.
وقد نقل ابنُ القيم عن عبد القادر الجيلاني أنه حكى الإجماع على فوقية الله وعلوه على خلقه:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥١٦).
(٢) «الغنية» (١/ ١٢١).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
هذا وخامس عشرها الإجماع من … رسل الإله الواحد المنان
فالمرسلون جميعهم مع كتبهم … قد صَرَّحوا بالفَوْق للرَّحمن
وحكى لنا إجماعَهم شيخُ الوَرَى … والدِّين عبد القادر الجيلاني (^١)
وكل هذه الأمور تقدم ذِكرها في أول شرحنا للفتوى الحموية.
_________________
(١) «متن القصيدة النونية» (ص ٨٤).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
(١٣٢) «وقال أبو عمر بن عبد البر: «روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت».
قال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃ فهو عِلم يُدَان به؛ وما حَدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة» (^١).
وقال في «شرح الموطأ» لمَّا تكلم على حديث النزول قال: «هذا حديث ثابت النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو مِنْ حُجَّتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان.
قال: والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله-وذكر بعض الآيات-إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم.
وقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك مَنْ يحتج بقوله».
وقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مُجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز إلا إنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدون فيه صفة محصورة.
وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهم أئمة الجماعة» (^٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٨).
(٢) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٢٨ - ١٤٥).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
بعد أن انتهى المصنف من النقل عن المتصوفة بدأ في ذكر أقوال طائفة أخرى من العلماء؛ منهم الإمام أبو عمر بن عبد البر، وهو إمام معروف من أئمة المالكية، وله بعض التصنيفات في العلوم المختلفة، وعلى رأسها الفقه والحديث، ومن أشهر كتبه: «التمهيد»، و«الاستذكار»، و«جامع بيان العلم وفضله»، وهنا يقول: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت».
فهؤلاء أعلام التابعين ولهم مكانتهم وفضلهم قالوا: «أمروها كما جاءت»، والمقصود: أن هذه النصوص لا تُؤوَّل، ولما ظهر تأويلات الجهمية تصدَّى السلف لها وأبطلوها، وبينوا أن هذه النصوص إنما هي على ظاهرها وعلى ما كانت عليه حقيقة.
فقول أئمة السلف: «أمروها كما جاءت»، وجاء عن بعضهم: «أمروها كما جاءت بها»، فيه رد ما يزعمه البعض من أن السلف لم يُبينوا معاني هذه النصوص، وأنهم آمنوا بها دون فهم لمعانيها.
وليس هناك عاقل يَقبل أن السلف لا يفرقون بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وبين قوله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، فأهل السنة يؤمنون أن النزول له معنى، وأن الاستواء له معنى، ويَفهمون من هذه الآية معنى غير الذي يُفهمونه من قول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١).
فالسلف فهموا معاني هذه النصوص وأمرُّوها كما جاءت، وكما سبق وأسلفنا أن إيمانهم بهذه النصوص هو إثبات وجود، لا إثبات كيف.
فإذًا المقصود هنا: أن تُمَرَّ كما جاءت، أي: على ما دَلَّت عليه في ظاهرها من غير قولٍ بالكيفية.
وقال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃،
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فهو عِلْم يُدَان به»؛ بمعنى: أننا نعتمد في هذا الباب على ما جاء عن النبي ﷺ أو ما جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما أُحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة، ولا شك أن المقصود بهذا: أقوال الجهمية والمعتزلة ومَن جاء بعدهم.
وقال في «شرح الموطأ» لما تكلم على حديث النزول ذكر كثيرًا من مسائل الاعتقاد المتعلقة بباب الأسماء والصفات، وهو كلام نفيس أُوصي بالرجوع إليه.
وعمومًا فعلماء المالكية عرف عنهم أنهم كانوا من أكثر الناس تمسكًا بالسنة، ولم يُؤثر عنهم التأثر بالبدع إلا بعد دخول ابن تُومرت الذي قتل ما قتل من علماء المغرب الذين كانوا متمسكين بالسنة، وقتل أتباعه كثيرًا من العلماء المتمسكين بعقيدة أهل السنة والجماعة، وبعد ذلك انتشرت عقائد المعتزلة والجهمية والأشاعرة.
يقول هنا: لما ذكر حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ، وفيه دليل على أن الله جل وعلا في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سماوات، كما قالت أهل السنة والجماعة، وهو مِنْ حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة.
فهذا زعم المعتزلة، وهذا الدليل بما يُرَدُّ به عليهم، وذكر بعض الآيات التي جاءت في إثبات العلو، إلى أن قال: «وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم».
وهو الاضطرار هو دليل الفطرة، وهو الذي احتج به الهمداني على الجويني؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ أبي جعفر الهمداني مع الجويني (من رءوس الأشاعرة)؛ لما أخذ يقول على المنبر: «كان الله ولا عرش». فقال الهمداني: «يا أستاذ، دَعنا من ذِكر العرش-يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع-أخبرنا عن هذه الضرورة التي نَجدها في قلوبنا؛ فإنَّه ما قال أحد قط-يا الله-إلا وجد من قلبه ضرورة تَطلب العلو؛ لا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فَلَطم الجويني على رأسه، وقال: «حَيَّرني الهمداني، حيرني الهمداني»، ونزل» (^١).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
فهذه مسألة فُطر الناس عليها، ولا يمكن دفعها، فقال: هذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى هدايتهم؛ لأنه لم ينكره عليهم أحد.
ولو سألت طفلًا على فطرته، وقلت له: أين الله؟ لأجابك بفطرته النقية: الله فوق كل شيء، كذلك قال: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل أنهم قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: هو على العرش وعلمه في كل مكان، فالعلماء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فسَّروا المعية فقالوا: إن المقصود بها معية العلم، وقال: هو على عرشه وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك مَنْ يُحتج بقوله».
فمَن أراد أن يعرف أقوال السلف فليرجع إلى أقوال المفسسرين في تفسير المعية، وقد ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ذكر أقوال العلماء عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في تفسير المعية، وهذا أمرٌ واضح، فمن الذي على الحق في تفسير هذه الآية؟ هل هم السلف أم الجهمية.
وقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة».
فإذًا يثبتون الصفات ولا يَدخلون في شأن الكيفية، هذا هو منهج السلف، وهذا الذي يقرِّره الإمام ابن عبد البر، وهو من أعيان القرن الخامس.
قال ابن عبد البر: «وأمَّا أهل البدع؛ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه».
أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلهم والإمامية من الخوارج، كلهم ينكرون الصفات.
فالجهمية والمعتزلة والإمامية من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية، يوافقون المعتزلة في نفي الصفات، وكذلك الزيدية من الشيعة، والإباضية من الخوارج، وكذلك النجارية والكرامية، كل هؤلاء يقولون بنفي هذه الصفات عن الله تعالى، ولا يثبتونها حقيقة؛ لذا قال: «ويزعمون أن من أقرَّ بها فهو مُشَبِّه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهم أئمة الجماعة».
[ ٢ / ٤٠١ ]
(١٣٣) «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توَلِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وذَبِّه عنهم، قال في كتاب «الأسماء والصفات»: «باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين-لا من حيث الجارحة-لورود خبر الصادق به، قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]».
وذكر الأحاديث الصِّحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث، في حديث الشفاعة: «يا آدم، أنت أبو البشر، خَلقك بيده، ونفخ فيك من روحه» (^١)، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: «أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك الألواح بيده»، وفي لفظ: «وكتب لك التوراة بيده» (^٢)، ومثل ما في «صحيح مسلم»: «وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده» (^٣)، ومثل قوله ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفاها الجَبَّار بيده، كما يتكفى أحدكم خبزته في السفر؛ نزلًا لأهل الجنة» (^٤).
وذكر أحاديث مثل قوله: «بيدي الأمر» (^٥)، «والخير بيديك» (^٦)، «والذي نفس محمد بيده» (^٧)، و«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويَبسط يده
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٩١) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يَسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار».
(٦) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، في دعاء استفتاح النبي ﷺ لصلاة الليل الطويل، وفيه: «لبَّيْك وسعديك والخير كله في يديك».
(٧) جاء ذلك في أحاديث كثيرة؛ منها ما أخرجه البخاري (٦٤٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة …»، الحديث.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
بالنهار ليتوب مسيء الليل» (^١)، وقوله: «المُقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (^٢)، وقوله: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجَبَّارون؟ أين المتكبرون؟» (^٣)، وقوله: «يمين الله ملأى لا يَغيضها نفقة سحاء الليل والنهار؛ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يَغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يخفض ويرفع» (^٤)، وكل هذه الأحاديث في الصحيح.
وذكر-أيضًا-قوله: «إنَّ الله لمَّا خلق آدم قال له ويداه مَقبوضتان: اختر أيَّهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة» (^٥)، وحديث: «إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده» (^٦)، إلى أحاديث أُخر ذكرها من هذا النوع.
ثم قال البيهقي: «أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يُفَسِّروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب؛ وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية؛ مع أنه يَحكي قول بعض المتأخرين».
يُعد البيهقي من متقدمي الأشاعرة، ومتقدمو الأشاعرة كانوا يُثبتون الصفات الذاتية؛ فالأشاعرة على قسمين: المتقدمين، والمتأخرين، فمتقدمو الأشاعرة كانوا يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، وبالتالي هم يُفَرِّقون بين الصفات والأفعال، فعندهم أن الله لا تقوم به أفعال، ولذلك في صفة الكلام يُثبتون الجانب الذاتي منها وينفون الجانب الفعلي منها، ويثبتون الصفات التي جاءت في القرآن أكثر
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢٧)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤١٩) ومسلم (٢/ ٦٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٩١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وضعفه الألباني في «التعليق على كتاب السنة» (١/ ٨٩).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
من إثباتهم للصفات التي جاءت في نصوص السنة؛ بزعم أنها أخبار آحاد؛ فهم لا يعتقدون فيها في باب العقائد.
فتجد البيهقي يثبت الصفات الخبرية التي وردت في القرآن، ويميل إلى هذا كثيرًا، ثم بعد ذلك ما يأتي في السنة وبعض الصفات في القرآن يتوقف في إثباته.
وفي الجملة: هم يُثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، فإذًا أثبتوا شيئًا من الصفات الذاتية: (اليدين والوجه والقَدَم)، ولو قرأت في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، ستجد أنه يقول بإثباتها، مع أنه مِنْ الأشاعرة الذين نصروا منهجهم.
وممن ورد عنهم القول بإثبات هذه الصفات من قدماء الأشاعرة ما يلي:
قال القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (ت: ٤٠٣ هـ) - الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، كذا قال الذهبي (^١) - في كتاب "الذب عن أبي الحسن الأشعري": "كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله، إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، كما في الحديث وأنه مستو على عرشه" (^٢).
وقال أيضًا: "فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهًا؟ قيل: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.
فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟
قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا وإياكم لم نجد قديمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا، واعتلوا بالوجود (^٣).
وقال أيضًا: فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل معاذ الله، بل هو مستوٍ
_________________
(١) في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٣٧).
(٢) ينظر: العلو للعلي الغفار للذهبي (ص: ٢٣٨).
(٣) ينظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (ص: ٢٩٨)، والعلو للذهبي (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦].
قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله …
إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا (^١).
ويقول أبو الفتح الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ): "اعلم أن جماعة كثيرة (^٢) من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٤)
_________________
(١) ينظر: العلو للذهبي (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) كذا قال، والصواعق ٥٤ ب: أن هذا محل اتفاق بين السلف، والشهرستاني لم يكن عارفًا بمذهب السلف، كذا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض النقل والعقل (٢/ ٣٠٧، ٩/ ٦٧).
(٣) الملل والنحل (١/ ٩٢).
(٤) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
لَكِنِ المتأخرون من زمن إمام الحرمين الجويني لا يُثبتون إلا سبع صفات: (العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، تحت دعوى أن هذه الصفات هي الصفات العقلية، وأما عداها فلم يُثْبِتها العقل؛ فإمَّا أن يتوقفوا فيها، وإما أن ينفوها، وأكثرهم على النفي والتأويل.
والبيهقي من الفريق الذي يثبت بعض الصفات، وما كان منها فعلية فهم يثبتونها على الأوجه التي ذكرناها؛ فهنا قال: «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع تولِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبِّه عنهم قال في كتاب «الأسماء والصفات»، باب (ما جاء في إثبات اليدين صفتين)، لا من حيث الجارحة؛ لورود خبر الصادق به» (^١)؛ فيثبتون صفة اليدين،
وقال ابن تيمية موضحًا أن تأويلات المعطلة لا يمكن أن تصمد أمام النصوص الشرعية لأن النصوص من جهة هي في غاية الإحكام والوضوح من جهة نفسها، والخلل إنما يقع من جهة ذلك المعارض الذي ابتعد عن النصوص وسعى لردها بكل وسيلة؛ فقال ﵀: "وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَجْعَلُ الْكَلَامَ فِيهَا أُنْمُوذَجًا يُحْتَذَى عَلَيْهِ وَنُعَبِّرُ بِصِفَةِ " الْيَدِ " وَقَدْ:
• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا "خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
• وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ " الْيَدِ " فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ
_________________
(١) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (١١٨).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ.
فَالْقَائِلُ؛ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ: وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً فَهَذَا حَقٌّ.
وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ؛ فَهُوَ مُبْطِلٌ.
فَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ. أَمَّا
"الْأَوَّلُ " فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ:
o كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلَانِ عِنْدَهُ أَيَادٍ.
o وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا فَقَدَ النَّبِيَّ ﷺ:
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا … [اردده ربي] وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدًا.
o وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك.
"الثاني" وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا؛
o وَمِنْهُ قَوْلُ " زِيَادٍ " لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ.
o وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ.
"الثالث" وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ.
o قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
o وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
o وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَدَاك أَوْكَتَا. وَفُوك نُفِخَ: تَوْبِيخًا لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ.
والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا
• قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
• وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
عَلَى هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا:
١. إنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنِعْمَةُ الْآخِرَةِ.
٢. وَقَالُوا: بِقُدْرَتِهِ.
٣. وَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْجُودِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أَيْ: خَلَقْته أَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ.
قُلْت لَهُ فَهَذِهِ تَأْوِيلَاتُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت لَهُ: فَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ " الْيَدَيْنِ " بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ:
• اسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
• وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ﴾
• وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
أَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَدٌ وَهِيَ نُصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ وَيَعْنِي رَجُلَيْنِ وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ وَيَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنْ الْوَاحِدِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " لِمَا خَلَقْت أَنَا " لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ أَضَافُوا الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ فَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى الْيَدِ إضَافَةً لَهُ إلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.
أَمَّا إذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْفَاعِلِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ بِيَدَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى: أَنْ يُقَالَ فَعَلْت هَذَا بِيَدَيْك وَيُقَالُ: هَذَا فَعَلَتْهُ يَدَاك لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: فَعَلْت كَافٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ أَوْ فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ إلَّا وَيَكُونُ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.
وَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ؛ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ. قَالَ لِي: فَقَدْ "أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.
قُلْت لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَدْ قِيلَ تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَلْقِ أَلْقِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ وُجُودُهُمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ حَقِيقَةَ الْيَدِ وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا الْقُدْرَةَ أَوْ النِّعْمَةَ أَوْ يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَنْ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَنْ الْحَقِيقَةِ؟
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ " يَدٌ " تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟
قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيلُ هَذَا؛
"قُلْت " فَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟ وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ -وَصَحَّتْ الدَّلَالَةُ-سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ " يَدٌ " يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بَلْ كَالذَّاتِ وَالْوُجُودِ.
الْمَقَامُ الثَّالِثُ: قُلْت لَهُ: بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَلْ أَوْ دَلَالَةً خَفِيَّةً؟ فَإِنَّ أَقْصَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّفُ
• قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
• وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
• وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
وَهَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إنَّمَا يَدْلُلْنَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. أَمَّا انْتِفَاءُ يَدٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا " يَدَ " لَهُ أَلْبَتَّةَ؟ لَا " يَدًا " تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَلَا " يَدًا " تُنَاسِبُ الْمُحْدَثَاتِ وَهَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَلَوْ بِوَجْهِ خَفِيٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ؛ وَإِنْ فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ-عِنْدَ مَنْ يَدَّعِيهِ-وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ: لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ
[ ٢ / ٤١٠ ]
" جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ " بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ " بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ " وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى " الْخِرَاءَةَ " وَيَقُولَ: ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ "شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ الْكِتَاب الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَسُنَّتَهُ الْغَرَّاءَ مَمْلُوءَةً مِمَّا يَزْعُمُ الْخَصْمُ أَنَّ ظَاهِرَهُ تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَأَنَّ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ ضَلَالٌ وَهُوَ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَلَا يُوَضِّحُهُ وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟
(الْمَقَامُ الرَّابِعُ): قُلْت لَهُ: أَنَا أَذْكُرُ لَك مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ لِلَّهِ " يَدَيْنِ " حَقِيقَةً. فَمِنْ ذَلِكَ:
• تَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِنِعْمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.
قَالَ لِي: فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَبَيْتُ اللَّهِ.
قُلْت لَهُ: لَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ "تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.
• وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَوْ عَمِلَتْهُ يَدَاك فَهُمَا شَيْئَانِ:
(أَحَدُهُمَا) إثْبَاتُ الْيَدِ.
وَ(الثَّانِي) إضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.
[ ٢ / ٤١١ ]
وَالثَّانِي يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسِ لَهُ " يَدٌ " حَقِيقَةً وَلَا يَقُولُونَ: " يَدُ " الْهَوَى وَلَا " يَدُ " الْمَاءِ فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتِهِ لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْأَيْدِي.
(الثَّانِي): أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَيْ: يَدَيْهِمَا وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ: قَلْبَاكُمَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:
• قَوْلِهِ ﷺ ﴿الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• وَقَوْلِهِ ﷺ ﴿يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ؛ وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا أَظُنُّ.
• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يتكفؤها الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ﴾.
• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿يَأْخُذُ الرَّبُّ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ-وَجَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيْهِ وَيَبْسُطُهُمَا -وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟﴾ - ﴿وَفِي رِوَايَةٍ-أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الْجَبَّارُ﴾ وَذَكَرَهُ.
• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ اللَّهُ
[ ٢ / ٤١٢ ]
الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ وَمَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَبْرِ.
• وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت قَالَ: اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَة ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ﴾
• وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي﴾.
• وَفِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا تَحَاجَّ آدَمَ وَمُوسَى قَالَ آدَمَ: يَا مُوسَى اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ؛ وَقَدْ قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمَ الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ.﴾
• وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﴿قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ﴾
• وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ﴾.
فَذَكَرْت لَهُ " هَذِهِ الْأَحَادِيثَ " وَغَيْرَهَا؛ ثُمَّ " قُلْت لَهُ ": هَلْ تَقْبَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَأْوِيلًا؛ أَمْ هِيَ نُصُوصٌ قَاطِعَةٌ؟ وَهَذِهِ أَحَادِيثُ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَنَقَلَتْهَا مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ. فَأَظْهَرَ الرَّجُلُ التَّوْبَةَ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ. فَهَذَا الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ -أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك-أَنْ أَكْتُبَهُ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ " ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وَ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. (^١) "
بينما متأخرو الأشاعرة لم يُثبتوا صفة اليدين؟ فالبيهقي هنا أثبت الصفات الذاتية؛ لأنه على منهج المتقدمين، كما ذكر هنا جملة من النصوص، وبعد هذا ذكر كلام المتقدمين منهم، فقال البيهقي: «أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب، وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين».
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣
[ ٢ / ٤١٣ ]
فإن كان يقصد-كما يزعم بعض الأشاعرة-أنهم فوضوا المعنى، فإن السلف لم يفوضوا المعنى، وعلى من يتشكك في هذه القضية أن يرجع إلى النصوص، يرجع إلى المأثور من كلام السلف، فقد فسروا معاني هذه الصفات، والله ﷿ ذكر منها جملة من الصفات؛ فذكر اليد والكف واليمين والأصابع. وهذه كلها تشير إلى أنها صفات حقيقية، ولكن لا يتبع هذا أن نخوض في هيئتها وكيفيتها، إذ لا سبيل لنا إلى ذلك.
[ ٢ / ٤١٤ ]
(١٣٤) «وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل»: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها؛ لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة.
وذكر بعض كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والأسود بن سالم، وإسحاق بن راهوية، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طُول.
إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة».
القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي، المعروف ب ابن الفراء. وهو أحد فقهاء الحنابلة في العصر العباسي الثاني. ولد سنة ٣٨٠ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. والفراء نسبة إلى خياطة الفراء وبيعها. واشتهر بعد ذلك: بالقاضي أبي يعلى وله كتاب «إبطال التأويلات»، وهو مطبوع في جزأين.
وليس هو أبو يعلى الفراء ﵀، فالموصليّ هو صاحب المسند، وهو من أهل الحديث. واسمه أحمد بن علي بن المثنى بن يحيي التميمي الموصلي، واشتهر بأبي يعلى الموصلي، ولد سنة ٢١٠ هـ. حافظ، من علماء الحديث. ثقة مشهور، توفي سنة ٣٠٧ هـ.
أمّا صاحب " إبطال التّأويلات " فهو أبو يعلى الفرّاء، وهو معدود من متكلّمي أهل الإثبات، فهو بسبب انتمائه إلى مذهب أحمد ﵀ أثبت كثيرا من أسماء الله وصفاته، ولكن بحكم أنّه خاض في علم الكلام واعتمد قواعده خالف بعض قواعد
[ ٢ / ٤١٥ ]
اعتقاد السّلف ووقع في التّفويض تارة، وفي التّأويل تارة، لذلك نراه يوافق أبا الحسن الأشعريّ في بعض مقالاته.
ومن جهة أخرى نراه أثبت صفاتٍ لم يأت النصّ الصّحيح بها، كإثبات الحدّ لله، والقعود على العرش، وأخذ بلزوم صفة النّزول فأثبت الصّعود، وغير ذلك.
يقول الشيخ أحمد القاضي في كتابه عن كتاب أبي يعلي هذا:
وقد أراد أبو يعلى ﵀ إبطال طريقة أهل التأويل، وتقرير مذهب السلف في الإثبات، فوفق في تحقيق الهدف الأول، ووجهت إليه بعض الانتقادات في الثاني. وتنحصر هذه الانتقادات في رواية بعض الأحاديث الواهية واعتمادها في الدلالة على صفات الله، وشيء من التأويل والتفويض" (^١). اه
قال ابن تيمية ﵀: "وقد صنّف القاضي أبو يعلى كتابه في " إبطال التأويل " ردّا لكتاب ابن فورك، وهو -وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها- ففيها عدّة أحاديث موضوعة، كحديث " الرّؤية عيانا ليلة المعراج "، ونحوه. وفيها أشياء عن بعض السّلف رواها بعض النّاس مرفوعةً كحديث قعود الرّسول ﷺ على العرش، رواه بعض النّاس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلّها موضوعة، وإنّما الثّابت أنّه عن مجاهد وغيره من السّلف … ولهذا وغيرِه تكلّم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ، وشنّع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر بن العربي في " العواصم " كذب عليه عن مجهول، لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه، مع أنّ هؤلاء-وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه-ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها، وفي كلامه من التّناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعريّ والقاضي أبي بكر الباقلاّني وأبي المعالي وأمثالهم ممّن يوافق النّفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه! يقول الجمهور: إنّه جمع بين النّقيضين … " (^٢)
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينتقد القاضي أبي يعلى في أمور منها قوله بالتفويض فيقول: " ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن
_________________
(١) مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص: ٢٠٧
(٢) درء تعارض العقل والنّقل (٣/ ١٩).
[ ٢ / ٤١٦ ]
والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله" (^١).
وفي زمن القاضي أبي يعلى حصل نزاع مشهور في زمن الدولة السلجوقية بين الأشعرية والحنبلية، وكان ذلك في زمن أيضًا يقارب زمن أبي القاسم القشيري، حيث صَنَّف القشيري رسالة «الشكاية»، فحصل بين الأشاعرة والحنابلة بعضُ الاختلاف الشديد، وكان السلطان إذ ذاك مائلًا إلى الحنابلة في الجملة.
وهذا الخلاف مشهور عند أهل التاريخ والأخبار، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ طرفًا منه.
ولأبي يعلى كذلك تصنيفٌ فاضل في الإيمان، وهو باسم كتاب «الإيمان»، وهو مطبوع أيضًا (^٢).
_________________
(١) درء التعارض ٧/ ٣٢.
(٢) انظر: «شرح الحموية» ليوسف الغفيض درس رقم (١٥).
[ ٢ / ٤١٧ ]
«وذكر بعض كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والأسود بن سالم، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طُول».
كلام الأئمة الذين ذكرهم وغيرهم يدل على هذا الاعتقاد في الصفات، وتجده مدونًا في مصنفات من اعتنوا بالمأثور وجمع كلام السلف، وأكثره مطبوع وموجود، ولذلك يورد ابن تيمية ﵀ هذه النصوص عنهم؛ ليثبت أن هذا الكلام الذي يدعو بالرجوع إليه ليس أمرًا ابتدعه من تلقاء نفسه.
فأهل السنة مجمعون على أنهم يدورون مع النصوص فما ورد إثباته يثبت لله على الوجه اللائق به قال وهب بن منبه: "لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك) (^١)
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير: ٩/ ٣٥٠
[ ٢ / ٤١٨ ]
«إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة».
وكلامه هنا من أجمل ما يكون؛ إذ يقول: «فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه» أي لو كانت هذه التأويلات أمرًا مشروعًا لكان أولى بذلك الصحابة ومَن بعدهم من التابعين، ولسبقونا إليها.
وهنا التحدَّي لهؤلاء المعطلة بأن يأتوا بنصٍّ واحد عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ينص على أنهم لم يحملوا هذه الصفات على ظاهرها، أو تعرضوا لتأويلها؛ فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.
لأنَّ الصحابةَ هم أعرف الناس بما يجب على الله، وأدرى بمعاني هذه النصوص، فهم شاهدوا التنزيل، وهم أهل اللغة، وعندهم رسول الله ﷺ يَسألونه عما أشكل عليهم، ولو كان في هذا تشبيه لبينوا ذلك، فالشبهة تختلف عند بعض الناس.
وقد قال الذهبي ﵀: «وقال القاضي أبو يعلى بعد أن ذكر حديث الجارية: الكلام في هذا الخبر في فصلين؛ أحدهما: جواز السؤال عن الله سبحانه ب (أين هو؟). والثاني: جواز الإخبار عنه بأنه في السماء، وقد أخبرنا تعالى أنه في السماء؛ فقال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وهو على العرش، وسرد كلاما طويلًا …، وكان آية في معرفة مذهب الإمام أحمد، صَنَّف التصانيف الفائقة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكان عالي الإسناد؛ سَمِع مِنْ علي بن عمر الحربي وطائفة، وعاش نَيِّفًا وثمانين سنة» (^١).
_________________
(١) «العلو للعلي الغفار» باختصار (ص ٢٥٢).
[ ٢ / ٤١٩ ]
(١٣٥) «وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام، في كتابه الذي صَنَّفه في «اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين»، ذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم».
ذكر المصنف-رحمه الله تعالى-هنا كلام أبي الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين»، ومعلوم أن أبا الحسن الأشعري مَرَّ بثلاثة أطوار:
الطور الأول: كان على الاعتزال؛ إذ نشأ في بيت أبي علي الجبائي، وكان الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، وقد استمر على هذا الأمر إلى سِنِّ الأربعين، وأبو الحسن ولد عام مائتين وستين للهجرة، وتوفي ثلاثمائة وأربع وعشرين.
فهو إلى عام الثلاثمائة كان على الاعتزال.
الطور الثاني: ثم ترك الاعتزال وأخذ بقول الكلابية، واستمر على هذا فترة من الزمن.
الطور الثالث: إلى أن التقى بأبي زكريا الساجي، وهو شيخ أهل الحديث في البصرة؛ فأخذ عنه قول أهل الحديث، ثم انتقل إلى بغداد واجتمع بِمَنْ فيها من أهل الحديث، وكان هذا آخر أمره؛ أي: رجوعه إلى معتقد أهل السنة.
ولكن كما يقول شيخ الإسلام بن تيمية: «إن رجوعه كان رجوع جملة» (^١)، بمعنى: أنه بقيت هناك بعض المسائل عنده هو فيها على عقيدة الكلابية، ومنها مسألة الكلام، ومنها مسألة الرؤيا، ومنها بعض المسائل في القَدَر، ولا شك أن تلك الحقب الطويلة التي مَرَّ بها كان لها أثرها عليه، ومن المتعذر أن يحيط في فترة قصيرة بمعتقد أهل السنة والجماعة.
يقول الحافظ الذهبي: "وكان معتزليًّا ثم تاب، ووافق أصحابَ الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما
_________________
(١) انظر: كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الثاني صفحة (١٦).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك.
فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزليًّا، وحال كان سنيًّا في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنيًّا، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له ولسائر المسلمين" (^١).
ويقول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ: ("ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀-ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال، التي رجع عنها لا محالة.
والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.
والحال الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا، وشرحه القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم" (^٢).
وتجدر الإشارة إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) قد قام بتقسيم هذه الحال الثالثة إلى مرحلتين؛ فقال: "وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل، وأتبع لها؛ فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول.
وكنت أقرر هذا للحنبلية، وأُبيِّن أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم" (^٣).
فقد بين ابن تيمية أن انتقال الشيخ أبي الحسن من طريقة ابن كلاب إلى مذهب السلف في الصفات مر بمرحلتين:
الأولى: أخذه عن الشيخ زكريا الساجي أصول الحديث.
_________________
(١) العرش (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٢) طبقات الشافعيين (ص: ٢١٠ (.
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٨ (.
[ ٢ / ٤٢١ ]
الثانية: أخذه عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، كانت هي آخر أمره الذي توفي عليه-﵀
فهذه حقيقة أبي الحسن الأشعري، بينما يرى البعض أنه مَرَّ بطورين فقط، وهما: الطور الاعتزالي، وهذا الجميع يُقرُّ به، والطور الكلابي، ولا يعترف الأشاعرة برجوعه إلى عقيدة أهل السنة، ولكن هذا يردُّه كتاب «الإبانة»، وكتاب «مقالات الإسلاميين»، وما فيهما من ذكر معتقد أهل السنة والجماعة.
قال الحافظ أبي القاسم بن عساكر-وهو من أعظم الناس انتصارًا للشيخ أبي الحسن الأشعري-حيث قال بعدما ذكر طرفًا من كلامه في الإبانة: "وتبينوا فضل أبي الحسن، واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه؛ لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين" (^١)
_________________
(١) تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري (ص: ١٦٣).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
«ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة:».
وقال هنا: «مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وهذا يدل على أنه يميِّز بين أهل السنة وبين غيرهم؛ لأن أبا الحسن في كتاب مقالات الإسلاميين أشار إلى الكلابية، وتكلم عن آرائهم، وأشار إلى المعتزلة وتكلم عن آرائهم، ولا شك أنه خبير بآراء المعتزلة وآراء الكلابية.
وقوله هنا: «مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة» يشير إلى رجوعه إلى عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، وتمييزه لهم عن غيرهم من الفِرَقِ.
فكلامه هنا في «مقالات الإسلاميين» يدل على أنه عرف أصول أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وأقرَّ بذلك؛ إذ سيأتي موطن يشير فيه ابن تيمية-﵀-إلى إقراره بكلام الإمام أحمد بن حنبل ﵀ والاعتراف بإمامته لأهل السنة.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
«الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون شيئًا من ذلك، وأن الله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله».
أشار هنا إلى جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة مما يشير إلى إقراره بعقيدة أهل السنة فعقيدة أهل السنة مبنية على الإيمان بأركان الإيمان الستة التي أورد منها هنا أربعة أركان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله في إشارة لما ورد في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥ (.
وأشار كذلك إلى أساس مصادر الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة وهي الإقرار «بما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون شيئًا من ذلك» فالرجوع للكتاب والسنة باعتبارهما مصدر التلقي هو ما يميزهم عن غيرهم من فرق الضلال الذين ردوا نصوص القرآن والسنة تحت ذرائع كثيرة سبق بيانها في هذا الشرح في عدة مواطن.
ثم أشار بعد ذلك إلى جوهر الاعتقاد وأساسه وهو الإقرار بالشهادتين في قوله: «وأن الله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله».
فالإقرار بالشهادتين هما الأصلين العظيمين اللذين عليهما مدار مسائل الاعتقاد التي تقوم على الإخلاص والمتابعة كما جاء في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: ١١٠ (، فمن سلم له توحيده ومتابعته هدي وكفي ووفق للسداد والرشاد، ومن اختل لديه أحد هذين الأصلين أو كلاهما فهو على خطر عظيم.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
«وأن الجنة حق، وأن النار حق».
أي على المسلم الإيمان بالجنة والنار، فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله.
• قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]﴾ [لقمان: ٨]،
• وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.
قال الإمام ابن القيم: "يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون.
• فيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: "جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا" "ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري "والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان" (^١).
وأما الأقوال في مسألة كون الجنة والنار مخلوقتان فهي:
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة.
أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.
_________________
(١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أدلتهم:
وقد دل على ذلك من القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ النجم: ١٣ - ١٥ وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: "ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" (^١).
• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة" (^٢).
• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها " (^٣) وذكر الحديث.
• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم. من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره. والحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم. قال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).
(٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (^١).
• وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح "ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن" (^٢).
• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن " (^٣). وذكر الحديث.
• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: " أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.
(٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره. وقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا. وقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر). وقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه. فرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " (^١).
وقال رسول الله ﷺ: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت " (^٢).
• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: "إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: " بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله قال: " يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" (^٣).
• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: " قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل" (^٤).
القول الثاني: المعتزلة.
أنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.
شبهتهم: سبب هذا القول هو أن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم وضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.
_________________
(١) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧). أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).
(٣) أخرجه البخاري: رقم (٧١٢ (.
(٤) أخرجه البخاري: رقم (٩٠٤) - (٩).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
ويجاب عليهم:
أولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.
ثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.
ثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.
• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.
• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
«وأن الساعة آتية لا ريب فيها».
الساعة هي يوم القيامة، والقيامةَ قيامتان: قيامةٌ صُغرى، وهي الموتُ. وقيامةٌ كبرى، وهي التي يقومُ فيها النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العالمين.
قال القرطبيُّ ﵀: «قال علماؤنا: واعلم أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ مات فقد قامت قيامتُه، ولكنها قيامةٌ صُغرى وكُبرى.
فالصُّغرى: هي ما يقومُ على كل إنسانٍ في خَاصَّتِه من خروج رُوحه، وفِراق أهله، وانقطاع سَعْيه، وحُصوله على عمله؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فَشَرٌّ.
والقيامة الكبرى: هي التي تَعُمُّ النَّاسَ، وتأخذهم أخذةً واحدةً.
والدَّليلُ على أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يموتُ فقد قامت قيامتُه: قول النَّبي ﷺ لقومٍ من الأعرابِ وقد سألوه: مَتى القِيامةُ؟ فنظر إلى أحدث إنسانٍ منهم، فقال: «إِنْ يَعِشْ هذا لَم يُدركه الهَرَمُ قَامَت عليكم سَاعَتُكم» (^١)» (^٢).
ثم قال ﵀: «فَتُعادُ الأرواحُ إلى الأجسادِ»، وذلك بعد النفخة الثانية بالصُّور، وهذه الإعادةُ غيرُ الإعادة التي كانت في البرزخ.
قال ابنُ أبي العِزِّ ﵀: «الإيمانُ بالمَعاد مِمَّا دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة والعَقل والفِطرة السَّليمة.
فأخبرَ اللهُ- سبحانه- في كتابه العزيز، وأَقَامَ الدَّليل عليه، ورَدَّ على مُنكريه في غالب سُور القرآن، وذلك أنَّ الأنبياء- ﵈ كلهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالله، فإنَّ الإقرارَ بالربِّ عامٌّ في بني آدم، وهو فِطري، وكُلُّهم يُقِرُّ بالربِّ إلا مَنْ عانَدَ؛ كفِرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر فإنَّ مُنكريه كثيرون، ومحمَّد ﷺ لَمَّا كان خاتم الأنبياء، وكان قد بُعِثَ هو والسَّاعة كهاتين، وكان هو الحاشر والمُقَفِّي بَيَّن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٢) من حديث عائشة ﵂.
(٢) «التذكرة» (ص ١٨٧، ١٨٨).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
تفصيل الآخرة بيانًا لا يُوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظَنَّ طائفةٌ مِنْ المُتفلسفة ونحوهم أنَّه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا مُحَمَّد ﷺ، وجَعلوا هذه حُجَّة لهم في أنَّه من باب التخييل والخِطاب الجُمهوري.
والقرآنُ بَيَّن مَعاد النَّفس عند الموت، ومَعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير مَوضع، وهؤلاء يُنكرون القيامة الكبرى، ويُنكرون معاد الأبدان، ويقول مَنْ يقول منهم: إنَّه لم يُخبر به إلا محمَّدٌ ﷺ عن طريق التخييل.
وهذا كذبٌ؛ فإنَّ القِيامة الكبرى هي معروفةٌ عند الأنبياء من آدم إلى نُوح إلى إبراهيم ومُوسى وعِيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر اللهُ بها من حين أهبط آدم؛ فقال تَعَالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥]، ولمَّا قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
وأمَّا نوحٌ ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]، وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأمَّا موسى ﵇ فقال الله لَمَّا ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥ - ١٦].
بل مُؤمنُ آلِ فِرعون كان يَعلم المَعاد، وإنَّما آمَنَ بموسى؛ قال تَعَالى: حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]، إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقد أخبر في قِصَّة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].
وقد أخبرَ اللهُ أنَّه أرسلَ الرُّسل مُبَشِّرين ومُنذرين في آياتٍ مِنْ القُرآن، وأَخْبَر عن
[ ٢ / ٤٣١ ]
أهلِ النَّار أنَّهم إذا قال لهم خزنَتُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
وهذا اعترافٌ من أصناف الكفار الدَّاخلين جَهَنَّم: أنَّ الرسلَ أَنْذَرَتْهم لِقاء يومهم هذا.
فجميعُ الرُّسلِ أَنذروا بما أَنْذَر به خَاتَمُهم من عقوبات المُذنبين في الدُّنيا والآخرة، فَعَامَّةُ سُور القرآن التي فيها ذِكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدُّنيا والآخرة، وأَمَرَ نَبِيَّه أن يُقسم به على المعاد فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، الآيات، وقال تَعَالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تَعَالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧].
وقد ذَمَّ اللهُ المُكَذِّبين بالمَعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، إلخ» (^١).
وقد دلَّ-أيضًا-على قيام السَّاعة وحَشر الناس في اليوم الآخر أدلةٌ مُستفيضة مِنْ السُّنَّة، منها: ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه
_________________
(١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٤٠٤، ٤٠٥).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وشَرِّه» (^١)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (^٢).
وكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (^٣).
وقد أجمعَ على ذلك المُسلمون إجماعًا قطعيًّا، بل حتى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى.
وكذلك العَقلُ يقضي بأن هناك يوم آخر للجَزَاء والحِساب، وإلا لكان إيجاد الخلائق عَبَثًا، واللهُ مُنَزَّه عن ذلك، وهذا-أيضًا-من تمام إقامة العدل بين الخلق؛ قال ابنُ القيِّم: «ولهذا كان الصَّوَابُ أنَّ المَعاد معلومٌ بالعقل مع الشَّرع، وأنَّ كمالَ الرَّبِّ تَعالى، وكمالَ أسمائه وصفاته تَقتضيه وتُوجبه، وأنَّه مُنَزَّه عَمَّا يقولُه مُنكروه، كما يُنَزَّه كمالُه عن سائر العُيوب والنَّقائص» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁ ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١/ ٣٨٩) (١٦٨) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ١٧٢) (٣٠٤٤٥)، وصححها الألباني في «التعليقات الحسان» (١٦٨).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٠) ومسلم (٢٨٦٠).
(٤) «الفوائد» (ص ٢٩).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
«وأن الله يبعث من في القبور».
أول مراحل الحياة الآخرة حياة البرزخ وعذاب القبر ونعيمه، ثم بعد ذلك يأتي البعث، ويسبق البعث النفخ.
ومن الأدلة على إثبات البعث ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (^٢).
وكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (^٣).
ويوم البعث يخرج الإنسان من قبره فيجد ملكًا من قِبَل الله يأخذه ويوقفه في المكان الذي يريده الله له، أو يسوقه إلى موقفه المناسب قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١].
عن ابن عباس ﵄ قوله: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) قال: "السائق من الملائكة، والشهيد: شاهد عليه من نفسه" (^٤).
وروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١/ ٣٨٩) (١٦٨) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ١٧٢) (٣٠٤٤٥)، وصححها الألباني في «التعليقات الحسان» (١٦٨).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٠) ومسلم (٢٨٦٠).
(٤) انظر تفسير الطبري (٢٢/ ٣٤٨).
(٥) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)
[ ٢ / ٤٣٤ ]
«وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأنَّ له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأنَّ له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأن له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]».
فأشار هنا إلى إقراره بعقيدة أهل السنة في باب الصفات؛ سواء كانت الصفات الثبوتية، أو الصفات المنفية، أو الصفات الذاتية، أو الصفات الفعلية.
وبدأ بذكر صفة من الصفات الفعلية وهي صفة الاستواء، ثم ذكر جملة من الصفات الذاتية، فأقرَّ بعلوِّ الله تعالى، وأقر بأن له يدين، وأن له عينين، وأن له وجهًا ﷾، فاليدان والوجه والعينين هذه تسمَّى صفات ذاتية،
[ ٢ / ٤٣٥ ]
«وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج».
وقال من جملة ما ذكر: «إن أسماء الله تعالى لا يُقال: إنها غير الله»؛ لأن هذا هو قول المعتزلة والجهمية الذين يقولون: الاسم غير المسمَّى.
وهذه مسألة سبق أن تكلمنا عنها وبيناها، ولكن نبين هنا مقصود المعتزلة بها.
فالمعتزلة استغلوا الفرق اللغوي بين الاسم والمسمَّى، فعندنا الاسم والمسمَّى والتسمية، فالاسم هو: اللفظ الدال على المسمَّى، مثل أن تقول: زيد، والمسمَّى هو: الذات المسماة بهذا الاسم، أي: ذات زيد مثلًا، والتسمية فعل المسمَّى.
فلا شك أنه من حيث الناحية اللغوية: أن الاسم غير المسمَّى، وهذه حقيقة لغوية لم يقصدها المعتزلة هنا، ولكن أرادوا استغلال هذه العبارة، وهي عبارة أن الاسم غير المسمَّى؛ ليُحَمِّلوها معنىً باطلًا، وهي: أن أسماء الله غيره هو، وما كان غيره فهو مخلوق، فلذلك عندما يقولون: الاسم غير المسمَّى، فهم يريدون الفصل بين كلام الله تعالى وبين ذاته.
لأن أسماء الله من كلامه، وهم يقولون: كلام الله تعالى مخلوق، بمعنى: أنه خلقه كما خلق السموات والأرض، فإذًا على هذا الاعتبار ما دامت أسماء الله تعالى مخلوقة على اعتبار أن كلام الله تعالى مخلوق، فإنه بهذا يكون الاسم غير المسمَّى، فتكون الأسماء مخلوقة، بمعنى: أن الله تعالى لم يسمِّ نفسه حقيقة، فهذا هو قولهم.
وأهل السنة يردُّون هذا القول كما يردُّون قولَ الأشاعرة والماتريدية بقولهم: إن الاسم عين المسمَّى.
فقول أهل السنة: أن الاسم للمسمَّى.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
«وأقروا أن لله علمًا كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]».
وبعد أن انتهى من ذكر الصفات الفعلية والذاتية شرع في ذكر الصفات المعنوية، وقال هنا: «وأقرُّوا»، يعني: أن لله تعالى عِلمًا، كما قال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال.
والعلم والسمع والبصر والقوة، هذه تسمى صفات معنوية.
والفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية:
أن الصفات الذاتية هي التي لا يُمكن تصور الذات مع عدمها.
والصفات المعنوية: هي التي يمكن أن تتصور الذات مع عدمها.
هذا كله من الصفات اللازمة؛ لأنهم يقسمون الصفات إلى قسمين:
لازمة وعارضة، فاللازمة: هي التي لا تنفك عن الذات، بمعنى: أنها لازمة للذات، لا تقوم الذات إلا بقيامها ووجودها. أما الصفات العارضة: فالمقصود بها الصفات الفعلية، أو الصفات الاختيارية، وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
والصفات اللازمة تنقسم إلى قسمين:
صفات ذاتية، وصفات معنوية، فعندنا اليد والعلم، كلاهما من الصفات اللازمة، لكن اليد من الصفات الذاتية، والعلم من الصفات المعنوية، فهنا في تعريف الصفات الذاتية يُقال فيها: إنها هي التي لا تتصور الذات مع عدمها.
بينما الصفات المعنوية هي: التي تتصور الذات مع عدمها، فهنا إذا قلنا: اليد، فلو جئنا في المخلوق من باب تصوُّر المسألة، لو جئنا إلى مخلوق، فهل يمكن أن
[ ٢ / ٤٣٧ ]
نتصور ذات المخلوق بدون وجه؟ هذا تصور وجود، فلا يمكن، ولكن يمكن تصور ذاته بدون علمه؟
لكن صفة الحياة ذاتية أو معنوية؟
صفة الحياة تكون معنوية، فلأنك مثلًا في المخلوق يمكن أن تتصور ذات المخلوق بدون حياته، ولذلك لو فارقته الحياة وأصبح في عداد الأموات نُصَلِّي عليه وندفنه، فإذًا يكون له وجود. هذا طبعًا في التصور الذهني، وهذا ليس تصور كيفي في حق الله تعالى، وإنما هو تصور وجود وإثبات وجود.
فنفصل بين النوعين؛ بين الذاتية والمعنوية بهذا الفصل، فإذًا الوجه صفة ذاتية، واليدين والأصابع والقدم ذاتية، والعلم والحياة والقدرة معنوية.
والنوع الثاني: هي الصفات الفعلية، مثل الاستواء والنزول، وكذلك الغضب والإتيان والمجيء، هذه تسمى صفات فعلية، ويسمونها عارضة.
فهنا ذكر جملة من الصفات الذاتية، ثم أعقبها بالصفات المعنوية،
[ ٢ / ٤٣٨ ]
«وذكر مذهبهم في القَدَر».
الإيمان بالقدر خيره وشره: هو الاعتقاد الجازم بتقدير تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته؛ قال جل وعلا: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، ونؤمن مع ذلك أن الله تعالى جعل للعبد اختيارًا وقدرة بهما يكون الفعل، وإن كان لا يخرج بهما عن مشيئته سبحانه؛ قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
والاعتقاد أن الله تعالى أرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره ما بطلت حجته جل وعلا على الناس بإرسال رسله.
قد ضَلَّ في هذا الباب (باب أفعال الله) الجبريةُ والقدريةُ، وما زال إلى يوم الناس هذا مَنْ يَخبط فيه بين قائل بأن العبد مجبر على أفعاله، وبين قائل بأن العبد لا فِعل له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مَهَبِّ الرِّيح، وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين هذا وذاك.
وقد أوضَح شيخُ الإسلامِ ﵀ هذا في «مَجموع الفَتاوى» فقال: «وهم في باب خَلقِ الله وأمرِه وسطٌ بين المُكذِّبين بقُدرة الله الذين لا يُؤمنون بقُدرتِه الكاملة ومَشِيئته الشاملة وخَلقِه لكل شيء، وبين المُفسدين لدِين الله الذين يَجعلون العبدَ ليس له مَشِيئةٌ ولا قُدرة ولا عمل، فيُعطِّلون الأمر والنهي والثوابَ والعقاب، فيَصِيرون بمَنزِلة المُشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
فيُؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كل شيء قدير، فيَقدر أن يهدي العبادَ ويُقلِّب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في مُلكِه ما لا يُريد، ولا يَعجَز عن إنفاذ مُرادِه، وأنه خالِق كلِّ شيء من الأعيان والصِّفات والحَرَكات. ويُؤمنون أن العبدَ له قُدرة ومشيئة وعملٌ، وأنه مُختار ولا يُسمُّونه مَجْبورًا؛ إذ
[ ٢ / ٤٣٩ ]
المَجْبور مَنْ أُكْرِه على خلاف اختِياره، والله ﷿ جعَل العبدَ مُختارًا لِمَا يفعله، فهو مختارٌ مُريد، والله خالِقُه وخالِقُ اختياره، وهذا ليس له نَظِيرٌ؛ فإن الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاتِه ولا في صفاته ولا في أفعاله» (^١).
قال العلَّامة السِّعْدي ﵀: «وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجبريَّة والقَدَرية؛ فإن الجبريةَ يَزعمون أن العبد مَجْبُور على أفعاله لا قُدْرة له عليها، وأن أفعاله بمَنزِلة حرَكات الأشجار، وكل هذا غُلوٌّ منهم في إثبات القدَر.
والقدريَّةُ قابَلوهم فنَفَوْا مُتعلق قدرة الله بأفعال العباد تنزيهًا لله بزَعْمهم.
فأفعالُ العباد عندهم لا تَدخُل تحت مشيئة الله وإرادته، وكلٌّ مِنْ هاتين الطائِفتين ردَّتْ طائفةً كبيرة من نصوص الكتاب والسُّنة.
وهدَى الله أهلَ السُّنَّة والجَمَاعَة للتوسُّط بين الطائفتين المُنحرفتينِ، فآمَنوا بقضاء الله وقدَره وشُمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي مِنْ جُملتِها أفعالُ المُكلَّفين وغيرهم، وآمَنوا بأنه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعَل للعِباد قُدرة وإرادة تقَعُ بها أقوالُهم وأفعالهم على حسب اختِيارهم وإرادتهم، فآمَنوا بكلِّ نصٍّ فيه تعميمُ قدرة ومشيئة، وبكلِّ نصٍّ فيه إثباتُ أنَّ العباد يعملون ويفعلون كلَّ الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقُدْرَتِهم، وعَلِموا أن الأمرينِ لا يَتنافيانِ» (^٢).
من ثمرات الإيمان بالقدر:
أولًا: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب؛ لأن السبب والمسبب كليهما بقضاء الله وقدره.
ثانيًا: راحة النفس وطمأنينة القلب؛ لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله تعالى، وأن المكروه كائن لا محالة ارتاحت النفس واطمأن القلب ورضي بقضاء الرب، فلا أحد أطيب عيشًا، وأروح نفسًا، وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر.
ثالثًا: طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والنجاح؛ فيشكر الله تعالى على ذلك ويدع الإعجاب (^٣).
_________________
(١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٣، ٣٧٤).
(٢) «التنبيهات اللطيفة» (ص ٦١، ٦٢).
(٣) «مجموع رسائل وفتاوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين» (٣/ ٢٥٦ - ٢٦٠) بتصرف.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
«إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف؛ مَنْ قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق».
قال: ويقولون: «إن القرآن كلام الله غير مخلوق»، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، بخلاف قول الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى مخلوق.
وقد تقدم الحديث عن مسألة القول بخلق القرآن وكذلك مسألة اللفظ فليرجع إليها.
[ ٢ / ٤٤١ ]
«ويقرون أنَّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]».
ثبت بإجماع السلف والأئمة أن الله تعالى يُرى في الآخرة؛ يَراه أهلُ محبته ورضوانه، وهو خير ما وعد الله به عباده المؤمنين، بل هو كمال النَّعيم في الدار الآخرة، كما قاله ابن القيم ﵀ (^١)، لا يشك في صحة وقوعه إلا أهل البدع والضلالات.
ومن الأدلة على إثبات الرؤية من القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد فسرت الزيادة بأنها النظر إلى الله تعالى، كما ذهب إليه علماء السلف (^٢)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [١٥ - ١٧]، يقول الدارمي: «ففي هذا دليل أنَّ الكفار كلهم مَحجوبون عن النظر إلى الرَّحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه» (^٣)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]؛ فَسَّرها أنسُ بن مالك (بأنَّ الله يتجلى لهم كل جمعة» (^٤).
ومن الأدلة على إثبات الرؤية من السنة: ما جاء عن جرير قال: «كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنَّكم سَترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا» (^٥).
_________________
(١) «طريق الهجرتين» (ص ٥٩).
(٢) انظر: «الرد على الجهمية» (ص ٤٦)، و(٥٢)، و«السنة» (ص ٤٥).
(٣) «الرد على الجهمية» (ص ٤٦).
(٤) «الرد على الجهمية» (ص ٤٦).
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٣٤).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّكم لن تَروا ربَّكم حتى تموتوا» (^١).
فلا اعتبار لكلام المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله ﷿ وقول الرسول الكريم ﷺ وقول علماء السلف؛ يقول الطحاوي: «والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب رَبِّنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ويقول ابنُ أبي العِزِّ معلقًا على هذا الكلام: «المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومَن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المَنسوبون إلى السُّنَّة والجماعة» (^٢).
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: رؤية أهل الإيمان لله تعالى يوم القيامة بالأبصار، وهذه مسألة متفقٌ عليها عند أهل السنة، فهم يقولون رؤية الله- ﷿ في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.
فالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.
وقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٤) (٢٢٨١٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٤١٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٢٨)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٤٥٩).
(٢) «شرح الطحاوية» (ص ١٢٩).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له ﷾ مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة (^١).
وقال ابنُ القيِّم ﵀: «دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً- وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة- فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ …، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (^٢).
والإيمان برؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا دَاخل فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: فمن الإيمان الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ ﷾ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ.
فالله ﷾ سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك …»، الحديث (^٣).
وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].
قال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎».
وقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].
_________________
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).
(٢) «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (ص ٣٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٨٨) ومسلم (٢٦٧).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
فالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ﷿، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄.
وقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (^١).
قال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (^٢).
والمسألة الثانية: رؤية الكفار لله تعالى.
فذكر هنا قولًا من أقوال أهل السنة: أن الكفار لا يرونه.
والقول الثاني: أنهم يرونه رؤية حسرة؛ فيرونه رؤية تعذيب ثم يحتجب عنهم.
والقول الثالث: أنه يراه أهل الإيمان وأهل النفاق من هذه الأمة وغبرات من أهل الكتاب، يُحشرون؛ فيرون الله ﷾؛ لأن المنافقين يُحشرون مع أهل الإيمان، ثم بعد ذلك يُحال بينهم وبين اجتياز النار ودخول الجنة، فعند ذلك يُبعدون عن المؤمنين.
ويرى شيخ الإسلام أن مثل هذه المسائل إذا حدث فيها خلاف فلا يكون كبيرًا، وهي مسألة متأخرة لم يتكلم فيها الأوائل من أئمة السلف.
وقد بسطها شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، وسُئِل عنها فقال: «إن الأئمة من السلف القدامى لم يتكلموا فيها، إنما هي مسألة حدثت متأخرة، والخلاف فيها على الأقوال الثلاثة، وهذا الخلاف ليس كبيرًا، ولا يؤدي إلى تباين عن أهل السنة والجماعة (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦) من حديث صُهَيْبٍ؟.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦ - ٤٨٨).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
«وذكر قولهم في الإسلام والإيمان».
مسألة الإيمان والإسلام تقدم الحديث عنها.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
«والحوض».
مسألة الحوض تقدم الحديث عنها.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
«والشفاعة وأشياء».
مسألة الشفاعة تقدم الحديث عنها.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق».
مسألة الإيمان وتعريفه تقدم والقول بأنه يزيد وينقص تقدم الحديث عنها.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
«ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار».
مسألة مرتكب الكبيرة وحكمه في الدنيا والأخرة تقدم الحديث عنها.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
«والكلام في اللفظ والوقف؛ مَنْ قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق».
رأي الإمام أحمد وبعض الأئمة أنه لا يُقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق؛ لأن الكلام هنا محتمل، فعندما يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهل يقصد به القرآن الذي هو كلام الله تعالى، أو يقصد فعل المخلوق؟
فإن قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فقد لا يقصد هنا كلام الله تعالى، وإنما يقصد كلامه هو، وهذا خطأ؛ لأن نطق الإنسان مخلوق، فالمسألة تكون محتملة، فمن هذا الباب باب منع الإمام أحمد والأئمة من أهل السنة أن يُقال: لفظي القرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن هذا اللفظ محتمل.
بينما ينص الإمام البخاري وبعض أهل السنة على أن اللفظ بالقرآن الذي هو نطق الإنسان مخلوق، فإذًا فَصَّلوا وبيَّنوا أنه إذا قصد النطق فهذا مخلوق، وإذا قصد الأصل الذي هو كلام الله ﷾ الملفوظ، فهذا غير مخلوق.
وحدثت في هذه المسألة فتنة للبخاري، أثارها عليه شيخه محمد بن يحيى الذهلي، ودافع عنه ابن القيم في كتابه «الصواعق»، وقال: «إن البخاري في هذه المسألة أقعد وبيَّن ووضَّح وفصَّل في هذه المسألة، وتشنيع الذهلي عليه هذا من باب الغيرة والحسد الذي بين الشيخ وتلميذه؛ لأن البخاريَّ تفوق عليه.
فالمسألة محل خلاف، مثل مسألة الاسم والمسمَّى؛ لأن المخرج فيهما واحد؛ لأن كِلا المسألتين تعودان إلى صفة الكلام، والكلام: صفة من صفات الله ﷾ غير مخلوق، وبناء على ذلك ترتَّب خلاف في مسألة اللفظ وفي مسألة الاسم والمسمى؛ لأن أسماء الله تعالى من كلامه، والقرآن من كلامه ﷿، فحصل خلاف في هذه المسألة بناءً على ذلك.
ثم ذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء أخرى.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
«إلى أن قال: وينكرون الجدل والمِراء في الدين والخصومة فيه، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويُسَلِّمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت بها الآثار التي جاءت بها الثقات عدلًا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ لا يقولون: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك بدعة».
الجدل المبني على المنطق وعلى علم الكلام مرفوض، وإنما علم أهل السنة قائم على المأثور، فلذلك تلاحظ أن أهل السنة يذمُّون الكلام ويذمُّون الجدل والمراء في الدين، ولكن المدارسة والمذاكرة في هذه المسائل المبنية على العلم بالمأثور هذا أمرٌ لا شك أنه مطلوب.
فإذًا، الذمُّ هنا المقصود به: الذمُّ على الجدل والمنطق وعلى علم الكلام وعلى هذه المعقولات الفاسدة، لكن الروايات الصحيحة والمدارسة في ذلك والتدارس في هذا الجانب ومعرفة هذه الأصول المتعلقة بالعقيدة على أُسس مبنية على الكتاب والسنة، هذا لا شك أنه أمرٌ مرغوب ومطلوب.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة سابقًا.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
المسألة الأولى: الكلام في الجسم والجوهر
«إلى أن قال: ويُقرون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]».
يُقِرُّ أهلُ السُّنَّة بمجيء الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ قال الطبري: «يقول تعالى ذِكره: وإذا جاء ربُّك-يا محمد-وأملاكُه صفوفًا صفًّا بعد صفٍّ»، ثم أورد من الأحاديث والآثار ما يُثبت مجيء الله تعالى (^١).
وقال ابنُ كثير: «﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ؛ فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا» (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري في عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث: «وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا» (^٣).
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «أمَّا كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروريٌّ متفق عليه بين علماء السنة ومَن له عقل، فإن الصفات والأفعال تَتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مُباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها، ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته. ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى مِنْ كل شيء وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع … والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيُثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفى
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ٤١٧ - ٤١٩).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٨/ ٣٩٩).
(٣) «مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين» (ص ٢١١).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفى المِثل والسَّمِي والكفؤ والنِّدَّ» (^١).
«وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]».
ثم تكلم عن صفة القرب؛ فقال: «وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾».
والقرب في اللغة: الدنو، والمعنى: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، كما أنه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، فإنَّ علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليًا ولا يكون فوقه شيء ألبته، كما قال النبي ﷺ أعلم الخلق بربِّه: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (^٢)، وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قُربه، كما جاء في الحديث الصَّحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير؛ فقال ﷺ: «أيُّها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم (^٣)؛ فإنَّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا؛ إنَّ الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته» (^٤)، فأخبر ﷺ أنه أقرب إلى أحدهم مِنْ عُنُق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه، مُطَّلع على خَلقه، يرى أعمالهم ويعلم نِيَّاتهم، وهذا حقٌّ، ولا يناقض أحدهما الآخر، والله لا يعجزه شيء، ولا يستحيل عليه أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء؛ ﷾ وتقدست أسماؤه وعظمت صفاته (^٥).
فالله سبحانه تعالى يقرب من خلقه كيف شاء ومتى شاء، ولا تنافيَ بين هذا القرب وبين علوه على خلقه واستوائه على عرشه.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٢٢ - ٤٢٤).
(٢) رواه مسلم (٥٠١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أي: ارفقوا بها، ولا تُبالغوا في الجهر.
(٤) أخرجه البخاري (٤٢٠٥) ومسلم (٢٧٠٤).
(٥) انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٢٧١).
[ ٢ / ٤٥١ ]
«إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق، مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المآكل والمشارب.
قال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويَستسلمون إليه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان».
فأشار هنا إلى مجانبة أصحاب البدع، ولا شك أن أهل السنة يُحَذِّرون من أهل البدع ومن شرِّهم، وأن خطرهم شديد؛ لأنهم ينتسبون إلى الإسلام، أعني: أن أهل الكفر عداوتهم ظاهرة، لكن أمثال هؤلاء قد يُلَبِّسون على مَنْ لا علم عنده، وهكذا شأن الشُّبَه؛ لأنه يشتبه فيها الحق بالباطل، فيصبح الإنسان فيها غير مميز بينهما.
• فكما قال ابن مسعود ﵁: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدي" (^١).
• وقال عبد الله بن عمر-﵄: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " (^٢).
• وقال ابن عباس لعباس بن حاضر: «عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع» (^٣).
• وقال معاذ بن جبل-﵁: "إياكم وما ابتُدع فإن ما ابتدع ضلال" (^٤).
• وقال عبد الله بن مسعود-﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعةٍ ضلالة" (^٥).
• والعلم كما يقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد" (^٦). فهذه أول أسس التلقي.
_________________
(١) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد ١/ ٦٨.
(٢) الإبانة لابن بطة (١ - ٣٣٩ (.
(٣) سنن الدارمي (١٤١)، الإبانة لابن بطه (١٦٤).
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٤٦١١).
(٥) أخرجه الدارمي في سننه (٢١١).
(٦) انظر: كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب معرفة أصول العلم وحقيقته حديث رقم (٨٧٦). حديث مقطوع.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
• وذلك يعني أن من سن أو عمل بدعة ظن أنها حسنة فيقال له كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ قد خان الرسالة" (^١)، فأي إنسان يزعم أنه بهذه البدعة التي جاء بها جعلها بدعة حسنة، فهو يزعم أن النبي ﷺ قد خان الرسالة، لأن الله تعالى قد أخبر بكمال هذا الدين، فلا يمكن أن يكون النبي ﷺ قد كتم هذا الدين أو أخفى هذا الأمر من أمور الدين، لا في صغيرة ولا في كبير.
فلذلك على الإنسان أن يلزَم السنة وأهلها، حتى يتمكن من معرفة الحق، أما إذا اختلط بأهل البدع فسيقطعون عليه الطريق، وقد يلبِّسون عليه قبل أن يتمكن من معرفة الحق بدليله، أما إذا تمكَّن الإنسان من العلم، فعند ذلك لا يُخشى عليه من مجادلتهم ودعوتهم تفنيد شبههم، لكن مع عدم تمكُّنه فإنه قد تقع في نفسه شُبهَة من قِبَل هؤلاء؛ فتحول بينه وبين معرفة الحق والوصول إليه.
ثم بين أن أهل السنة يتشاغلون بقراءة القرآن وكتابة الآثار؛ فهذا شأنهم وديدنهم الاشتغال بقراءة كتاب الله ﷿ وحفظه وبسنة النبي ﷺ والنظر في مسائل هذا الدين، ومع ذلك لابد من خُلقٍ يتخلَّق به طالب العلم وهو الاستكانة والتواضع وبذل المعروف وترك الأذى وترك الغيمة والنميمة؛ لأن هذا العِلم نور الله ﷿، وهو يحتاج إلى نفسٍ مؤمنة مطمئنة؛ تؤمن بالله ﷿ ربًّا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالإسلام دينًا.
ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتحلَّى بالخُلُق الفاضل، وأن يكون صاحب طاعة، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب؛ لأن كل تلك الأمور تُعَدُّ عوائق في طلب العلم، فالإنسان إذا تلبَّس بالمعصية أو كان على خُلُقٍ سيِّئ، فإن مثل هذه الأمور تفسد عليه ما اكتسبه من العلم، بل وقد تحرمه من بركة هذا العلم الذي هو العمل به وتطبيقه والدعوة إليه.
فحريٌّ بطالب العلم أن يتفقَّه لنفسه، وأن يمتثل الخُلُق الحسن والخُلُق الفاضل، وحريٌّ به أن يمتثل بآداب الإسلام، وأن يكون من أشد الناس تمسكًا بالخلق والأدب، وحسن المعاملة.
ثم قال: «فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب».
وهذا يؤكد أن أبا الحسن الأشعري قد رجع إلى عقيدة أهل السنة، وأنه يقرُّ بها ويدعو إليها، كما بَيَّن في هذه المسائل.
_________________
(١) "الاعتصام"للشاطبي (١/ ٢٨ (.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
«وقال الأشعري أيضًا في «اختلاف أهل القبلة في العرش» (^١):
قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ولا يُشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول؛ بل نقول: استوى بلا كيف».
تقدم الحديث عن مسألة الجسم وعن مسألة الاستواء والعرش.
_________________
(١) انظر: كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري صفحة (٢١١).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
«وأن له وجهًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأن له عينين، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب وجاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ.
وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش، بمعنى: استولى. وذكر مقالات أخرى».
تقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقال-أيضًا-أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سَمَّاه «الإبانة في أصول الديانة»، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صَنَّفه، وعليه يعتمدون في الذَّبِّ عنه عند مَنْ يطعن عليه. فقال: «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة» (^١).
فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة؛ فعَرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تَدِينون؟
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل-نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته-قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل؛ الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكِّين؛ فرحمة الله عليه من إمام مُقَدَّم، وجليل مُعَظَّم، وكبير مُفَهَّم».
يقر كثيرٌ من الأشاعرة أن كتاب «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري، ويستشهدون بما ورد فيه، من الردِّ على مَنْ طعن فيه، والبعض يحاول إنكار أنه له.
وقد بين أبو الحسن الأشعري في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة إلا في مواطن منها: فمثلًا: عند ذكره لصفة الكلام لم يُحَرِّر المسألة تحريرًا يوافق أهل السنة، لكن من حيث الجملة فقد قرَّر في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة والجماعة.
وبين المصنف أن هذا الكتاب هو آخر ما صنفه كما يذكر أصحابه ذلك، ثم ذكر أن أبا الحسن الأشعري قال: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل قائلون».
_________________
(١) انظر: كتاب الإبانة عن أصول الديانة صفحة (٢٠).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فأقر هنا بعقيدة أهل السنة والجماعة، وسبق أن قلنا: إن هذا كله-كما يقول ابن تيمية-تقرير مجمل لمعتقد أهل السنة، فالأشعري ﵀ عاد جملة، وكثير من المسائل أقرَّ بقول أهل الحق فيها، ولكن بقيت بعض المسائل التي أخذت عليه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
«وجملة قولنا: أنَّا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نَرد من ذلك شيئًا؛ وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأنَّ الله مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وأن مَنْ زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًّا، وذكر نحوًا مما ذكر في الفرق، إلى أن قال:
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين بأن الله يُقَلِّب القلوب بين أصبعين من أصابع الله ﷿، وأنه ﷿ يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ».
قد تقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
«إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونُسَلِّم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلًا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ.
إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يُثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول: «هل مِنْ سائل؟ هل مِنْ مستغفر؟» (^١)، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل».
أهل السنة يقولون: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فلابد من هذه الأمور حتى يتضِّح معتقد أهل السنة والجماعة، وتارة يقولون كذلك: قول وعمل، أو نية وعمل، وهذا أن جانب الاعتقاد داخل في جانب القول، وكذلك داخل في جانب العمل، فالإيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ويعني بالتسليم هنا: التسليم بأخبار الآحاد، وأنها مقبولة في باب العقائد، بخلاف ما يزعمه أهل الكلام الذين ردُّوا أخبار الآحاد بعد ثُبوتها، وطعنوا فيها، وقالوا: لا يُحتجُّ بها في باب العقائد.
فهذه مقولة أهل الكلام بما فيهم الأشاعرة وبما فيهم المعتزلة، وهذا كله خلاف معتقد أهل السنة الذين يقبلون هذه الروايات التي رواها الثقات العدول، وثبتت عن النبي ﷺ.
وقد سبق الحديث عن هذه المسائل.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
«ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يَأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم،».
هذا أصل من أصول أهل السنة: أن الرجوع يكون إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فيما أجمعوا واتفقوا عليه.
عرف الإمام الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: «البدعة: طريقة في الدِّين مُخترعة، تُضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية» (^١).
فالبدعة عبارة عن التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن، واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء؛ وقد جاءت نصوصٌ شرعية كثيرة تذمُّ الابتداع في الدين وتُحذر منه، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته …»، الحديث، وفيه يقول: «أمَّا بعد، فخير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^٢).
وفي حديث العرباض بن سارية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «فإنَّه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا؛ فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (^٣)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (^٤).
وأخطر البدع ما يتعلق منها بالعقيدة؛ كالتكفير بالكبيرة، أو تعطيل الأسماء والصفات أو تأويلها، وادعاء سقوط التكليف، والحلول والاتحاد، وصرف العبادة للمقبورين، وتقديم العقل على النقل، والقول بعصمة الأئمة، وسب وتكفير الصحابة.
_________________
(١) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٤٨).
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، وأحمد (١٧١٤٤)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٣٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٧١٨).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
«ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وأن الله يَقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى • فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨٩]».
وقد سبق الكلام على اتصاف الله تعالى بالمجيء والقرب.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، فالأرجح: أن هذا في شأن جبريل ﵇ مع النبي ﷺ؛ قال الإمام الطبري: «وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ يقول: فكان جبرائيل من محمد ﷺ على قَدْر قوسين أو أدنى من ذلك، يعني: أو أقرب منه» (^١).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين، أي: بقدرهما إذا مُدَّا» (^٢).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٢/ ٥٠٢).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٤٦).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
«إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مِمَّا لم نذكره بابًا بابًا. ثم تكلم على أن الله يُرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه.
ثم قال: (باب في ذكر الاستواء على العرش) (^١).
فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]؛ كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات، قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما عَلا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ﷿ ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، فلم يُرد أن القمر يملؤهن، وأنه فيهن جميعًا».
وسبق الكلام على صفة استواء الله على العرش، وصفة علوه جل وعلا.
_________________
(١) انظر: كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» (ص ١٠٥).
[ ٢ / ٤٦١ ]
«ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه».
القرآن كلام الله، ليس ككلام البشر، وقد توعَّد الله من وصَف القرآن بأنه ككلام البشر، توعَّده بالنار فقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٥، ٢٦]، فإن كان كلام البشر مخلوقًا لهم، فكلام الله ليس مخلوقًا له، إنما هو صفةٌ من صفاته سبحانه.
وقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.
وادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:
الأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.
الثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.
ومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.
وقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ
[ ٢ / ٤٦٢ ]
سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة …»؛ الحديثَ (^١).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة» (^٢)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٨) باختلاف يسير، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٧/ ١٠١) واللفظ له.
(٢) «صحيح البخاري» (٩/ ١٥١).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
«ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يَرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يُحطونها إذا دعوا إلى الأرض».
من أدلة الفطرة على علو الله تعالى: رفع الأيدي إلى السماء أثناء الدعاء، وقد جاءت النصوص الشرعية بالأمر بذلك؛ قال أبو الحسن بن مهدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾: «اعلم أن الله تعالى في السماء فوق كل شيء مستو على العرش بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء. وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه» (^١).
وقال القاسمي ﵀: «ومن الحجة-أيضًا-في أنه ﷿ على العرش فوق السموات السبع: أنَّ الموحدين أجمعين من العرب والعجم، إذا كَرَبهم أمرٌ، أو نزلت بهم شِدَّة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، يَستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها؛ إن كانت مؤمنة. فاختبرها رسول الله صلى الله على وآله وسلَّم بأن قال لها: «أينَ اللهُ؟». فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: مَنْ أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مُؤمنة» (^٢). فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سِوَاه» (^٣).
فما يجده الناس بفطَرِهم هو ضرورة التوجه بقلوبهم نحو السماء، ورفع أيديهم تجاهها.
وقد شاع بين الأشاعرة شبهة ورثوها عن الجهمية: وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي
_________________
(١) انظر: «العلو للعلي الغفار» للذهبي (ص ٢٣١ - ٢٣٣).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.
(٣) تفسير القاسمي محاسن التأويل» (٥/ ٧٩، ٨٠).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
علو ذات الله تعالى؛ فزعموا أن المتوجه بالدعاء نحو السماء إنما يفعل ذلك لأنها قبلة للدعاء! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه لقبلة الدعاء، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين نُفاة الصفات عن الله تعالى في ذلك حديثًا نَسَبَه للنبي ﷺ، بلفظ: «السماءُ قِبلةُ الدعاء»!
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ عنه: «لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في «نتائج الأفكار» (^١) في (آداب الدعاء): «قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئًا صريحًا يختص به، وقد نقل الرُّوياني أنه يقول رافعًا بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: «السماء قبلة الدعاء»، فلعل ذلك مراد مَنْ أطلق.
كذا قال! وحديث ثَوبان تقدم عنده (^٢)، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح «العقيدة الطحاوية» ابن أبي العز (^٣) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح: «إن قولكم: إن «السماء قبلة الدعاء»: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان» (^٤).
وقد تكررت عبارة: «السَّماء قِبلة الدعاء» في كتب الأشاعرة، وقد أجاب ابن أبي العز الحنفي ﵀ عليها من عدة أوج؛ فقال:
«أحدها: أن قولكم: إنَّ السماء قِبلة للدعاء لم يَقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يَخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قِبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يُستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يَستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إنَّ للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعةَ المسلمين.
_________________
(١) يقصد الحافظ ابن حجر ﵀، في كتابه «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار» (١/ ٢٥٩، ٢٦٠).
(٢) نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (١/ ٢٤٥)
(٣) «العقيدة الطحاوية» ابن أبي العز (ص ٣٢٧)
(٤) «السلسة الضعيفة» (١٣/ ٤٤٣).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الثالث: أن القبلة هي ما يَستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذِّكر والذَّبح، وكما يُوَجَّه المُحتضر والمَدفون، ولذلك سُمِّيت (وجهة)، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يُسَمَّى (قبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يُوَجِّه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يُشرع، والموضع الذي تُرفع اليد إليه لا يُسَمَّى (قِبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يَستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك.
ومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يَقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفِطَر، والمستقبل للكعبة يَعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الدَّاعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل مِنْ عنده» (^١).
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنَّ الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعًا لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْدًا ضروريًّا، إلا من غُيِّرت فطرتُه باعتقادٍ يَصرفه عن ذلك» (^٢).
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٣٢٧، ٣٢٨).
(٢) «بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٥١٨).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
«ثم قال: فصلٌ: وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية: إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: أنه استولى ومَلَك وقَهَر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأنَّ الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء- وهو ﷿ مُستول على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.
وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يَجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل».
قال الذهبي في «العلو» نقلًا عنه: «قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: «اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مُستو على عرشه، بمعنى: أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى: علوتُه، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى: علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].
وزعم البلخيُّ أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول
[ ٢ / ٤٦٧ ]
العرب: استوى بشر على العراق، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون (الملك)، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسمًا خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وأمية (^١) يقول:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا
قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء: أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مُستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فسادُ قوله.
ثم يقال له أيضًا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكنًا، فلما كان الباري ﷿ لا يُوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنًا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي-وقد مرَّ-ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، بمعنى: على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فكذلك: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]. فإن قيل: فما تقولون في قوله: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]؟ قيل له: إن بعض القُرَّاء يجعل الوقف في: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ﴾، وكيفما كان فلو أن قائلًا قال: فلان بالشام والعراق مَلِكٌ، لَدَلَّ على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما …» (^٢).
وقد قال الذهبي عن القاضي أبي بكر الباقلاني: إنه ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، وذكر أنه قال في كتابه «الإبانة»: «فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦].
_________________
(١) هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلت، وقد روي أن أبياته هذه أُنشدت للنبي ﷺ. وسيأتي الكلام عنها.
(٢) أورده الذهبي في «العلو» (ص ٢٣١)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٣٥).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئه قائله».
وقال في كتاب «الذب عن أبي الحسن الأشعري» كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل على السماء الدنيا، كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه …».
إلى أن قال: «وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضلَّ.
قلت - أي: الذهبي معلقًا-: فهذا النَّفَس نَفَس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صُمٌّ بُكْمٌ غتم عَجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل» (^١).
فالاستواء خُصَّ بالعرش، وأمَّا القهر والمُلك فهذا عام، فلو كان العرض هو المقصود به؛ فما فائدة تخصيص العرش بالذِّكر.
وتفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء لا تَقبله لغة العرب ولا تقبله النصوص كما بَيَّنا.
_________________
(١) «العلو للعلي الغفار» (٢٣٨، ٢٣٩).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
«ثم قال: (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين)، وذكر الآيات في ذلك، ورَدَّ على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته؛ مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون: لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مَسح ظهر آدم بيده، فاستخرج منه ذريته» (^١)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده» (^٢)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيديَّ، ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهومًا من كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به: النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾: النعمة. وذكر كلامًا طويلًا في تقرير هذا ونحوه».
هذه المسائل تقدم شرحها
_________________
(١) صحيح ابن حبان ٦١٦٦ ورجاله ثقات رجال الشيخين، إلا مسلم بن يسار الجهني، لم يسمع من عمر، ولم يوثقه غير المصنف والعجلي.
(٢) انظر: صحيح البخاري كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ برقم (٣٣٤٠)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٤)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٩٦٢٣).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
(١٣٦) «وقال القاضي أبو بكر؛ محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم-وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده-».
بعد أن نقل المصنف-رحمه الله تعالى-هنا كلام أبي الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة»، وأعقبه بعد ذلك بكلام الباقلاني، وكلاهما من أئمة الأشاعرة، فأبو الحسن الأشعري هو مَنْ تُنسب إليه فرقة الأشاعرة.
والباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) من قدماء الأشاعرة، فما إن جاء أبوبكر الباقلاني، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٣).
وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي " الْإِبَانَةِ ". ولما رجع أبو الحسن الأشعري إلى عقيدة السلف وأثبت الصفات كلها من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، كما هي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا، شرحها القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم" (^٤).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.
(٢) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(٣) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).
(٤) طبقات الشافعيين (ص: ٢١٠ (.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وقد عده شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن من يثبت الصفات الخبرية فقال: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^١)
والجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية.
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
«قال في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا».
تقدم الحديث عن هذه الصفات
[ ٢ / ٤٧٣ ]
«فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟».
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الشبهة فقال: فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
قُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ " يَدٌ " تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟ (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٤.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
«قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم، إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عَرَضًا، واعتلوا بالوجود».
في هذا النص عدة مسائل:
المسألة الأولى: الكلام في الجسم والجوهر.
الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.
والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر
[ ٢ / ٤٧٤ ]
المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية في النصين التاليين مواقف الطوائف من استعمال لفظ الجسم إثباتًا ونفيًا، ويذكر كل قول والقائل به، وقد تكلم في النص الأول عن الخلاف في هذه المسألة بين من يقول بالإثبات فقسمهم إلى أربعة أصناف، وفي النص الثاني تحدث عن الخلاف بإضافة المعتزلة الذين يقولون بالنفي في باب الصفات، وبذلك نصبح الأصناف خمسة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي
[ ٢ / ٤٧٥ ]
يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).
وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:
الفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.
والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم
فقال: "وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.
وَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.
فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا "السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ" (^١)
المسألة الثانية: موقف أهل السنة الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.
قول أهل السنة في تلك الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع أنه لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^٢). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦.
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)
[ ٢ / ٤٧٧ ]
بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش وأمثال ذلك (^١)
والموقف من هذا النوع: "إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:
١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت
٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع
وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها" (^٢)
ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ
١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث.
أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم
ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.
فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله.
وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.
٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.
مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.
أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.
فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:
١ - بألفاظهم.
٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم.
وحينئذ يقال لهم الكلام إما:
[ ٢ / ٤٧٩ ]
أ-أن يكون في الألفاظ.
ب-وإما أن يكون في المعاني.
ج-وإما أن يكون فيهما.
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.
فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.
وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.
فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).
المسألة الثالثة: أن القول في الصفات كالقول في الذات.
فمن جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"، وهذه القاعدة هي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها، وهي قاعدة قد اتفق عليها أهل السنة والجماعة قاطبةً، ولأهميتها جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصلَ الثاني من الأصلين اللذين بنى عليهما كتابه التدمرية حيث يقول فيه: "وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات" (^٢).
فابن تيمية بنى رده على المعطلة على أصلين ومثلين على اعتبار أن التعطيل عند طوائف أهل الكلام ينقسم إلى قسمين هما:
أولًا: تعطيل جميع صفات الله ﷿ وهو تعطيل الجهمية والمعتزلة؛ وهؤلاء يرد عليهم بأن هذا النوع من التعطيل أصحابه يقرون بوجود الذات فيقال لهم إن القول في الصفات كالقول في الذات، فالأصل في هذا الباب: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله؛ فإذا كان لله ذات حقيقية لا تماثل الذوات بلا خلاف، فكذلك الصفات الثابتة له في الكتاب والسنة، هي صفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فالقول في الذات والصفات من باب واحد يطرد في الجميع (^٣).
ثانيًا: تعطيل بعض الصفات وإثبات بعضها وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم؛ وهذا يرد عليه بقاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر"، وسيأتي الحديث عن هذا في القاعدة الآتية بإذن الله تعالى.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).
(٢) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٣) ينظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء (ص: ٩١) نشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية.
[ ٢ / ٤٨١ ]
ومن أدلة هذه القاعدة:
قد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: الدليل من الكتاب العزيز:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وجه الدلالة:
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^١).
٢ - قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. يقول ابن قتيبة: "أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا" (^٢). ويقول الزجاج: "هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا" (^٣).
ووجه الدلالة: في الآية: الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.
قال الإمام أحمد: "إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار" (^٤).
_________________
(١) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).
(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).
(٤) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات" (^١).
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه" (^٢).
ثانيًا: الإجماع:
يقول ابن أبي يعلى: وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية (^٣).
وقد ذكر بعض علماء الأشاعرة هذه القاعدةَ في كتبهم، على جهة الإقرار بصحة الاستدلال بها في باب صفات الباري سبحانه، ومن أقوالهم:
قال الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): "ينبغي أن يعتقد أن كلامه سبحانه صفة قديمة ليس كمثلها شيء، كما أن ذاته ذات قديمة ليس كمثلها شيء" (^٤).
وقال أبو الحسن الآمدي (ت ٦٣١ هـ) في كتابه (غاية المرام): "نعم؛ لو قيل: إن كلامه [سبحانه] بحروف وأصوات، لا كحروفنا وأصواتنا، كما أن ذاته وصفاته ليست كذاتنا وصفاتنا، كما قال بعض السلف، فالحق أن ذلك غير مستبعد عقلًا … " (^٥).
_________________
(١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٢) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).
(٣) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).
(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٧١ - ٧٢).
(٥) غاية المرام في علم الكلام (ص: ١١٢).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
«قال: فإن قال: تقولون: إنه في كل مكان؟
قيل له: معاذ الله؛ بل هو مستوٍ على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].
قال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش، والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شِمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله (^١)».
سبق الحديث في مواطن متعددة عن مسألة صفة الاستواء وما يتعلق بها بما يغني عن إعادة شرحها.
_________________
(١) انظر: كتاب الإبانة الباب السادس صفحة (١٢٠).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
«وقال-أيضًا-في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي (الحياة، والعلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام، والإرادة والبقاء، والوجه، والعينان، واليدان، والغضب، والرضا) وقال في كتاب «التمهيد» كلامًا أكثر من هذا».
كتب المتقدمين من الأشاعرة نصَّت على إثبات هذه الصفات التي تُسمى الصفات الذاتية أو الصفات الخبرية، ويقولون بإثباتها كإثبات صفة العلو وإثبات صفة الوجه، وإثبات صفة اليدين، ونحوها من الصفات اللازمة لله ﷾.
فهنا لما ذكر كلام الباقلاني أشار إلى صفة الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا، وهذه كلها صفات ذاتية، فهم يتفقون مع أهل السنة على إثباتها، وإن كان بعضهم إنما يُؤوِّل في الصفات الاختيارية أو الصفات الفعلية، فالشاهد هنا أنهم أثبتوا هذه الصفات بينما كثيرٌ من متأخري الأشاعرة لا يُثبتون بعضها كالوجه والعينان واليدان والغضب والرضا.
وكتاب التمهيد اسمه «تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل»، للباقلاني، وهو من أشهر كتبه.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
(١٣٧) «وكلامه كلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يَطلبه، وإن كنَّا مُستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام.
وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانًا بحيث يكون له عقل ودين، حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يُغنيه عن كل شيء؛ ولكن كثير من الناس قد صار منتسبًا إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسنًا للظن بهم دون غيرهم، ومتوهمًا أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يُؤتى بشيء من كلامهم.
ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى، الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرُجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومَن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق، ففيه شَبَه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١].
فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل الله علينا. قال الله لهم: فلم قتلتم الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول سبحانه: لا ما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون. ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال مَنْ لم يتبع الحق، لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان».
فذلك يقال لمتأخري الأشاعرة: إنكم فضلًا عن كونكم خالفتم كلام السلف من الصحابة والتابعين ومَن سار على نهجهم، أيضًا فأنتم مخالفون لكلام أئمتكم؛ كأبي الحسن الأشعري، والبيهقي، وأبي الطيب الباقلاني ونحو هؤلاء الذين دَوَّنوا في كتبهم إثبات تلك الصفات.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فهم يثبتون هذه الصفات ويقرِّرونها.
كما ذكر شيخ الإسلام هنا أنه وإن كان لا حاجة لذكر أقوال هؤلاء؛ لأن الحُجَّة إنما هي في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، ولكن لما كانت نفوس البعض تُعَظِّم طوائف بعينها وأشخاصًا بأعيانهم، فإن في هذا الكلام إفحامًا لهم وإسكاتًا لهم؛ لعلهم يعودون إلى الحق في هذه الأمور، وإن كان بحمد الله في الكتاب والسنة الغُنية والكفاية، ولكن نظرًا لتعظيم هؤلاء في النفوس فإنه لعل ذلك يكون أدعى إلى قبول الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعةً برأي رجالٍ وتأويلاتهم، ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، ويحرف ألفاظه، ويتأول على وفق ما أصلوه
وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون الهدى منه، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجةً لا عمدة، وما خالفهم تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (^١)
وقال أيضًا: " وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى "الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ صنعه؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات ٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ. " (^٢)
وقال الشوكاني: "ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.
(٢) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢
[ ٢ / ٤٨٧ ]
والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان. بل الواجب عليه-إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز-أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق. ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه، إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم-وإن كان مقصرا-أن يقول: إن الحق بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره. فإن ذلك جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه" (^١)
_________________
(١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٥
[ ٢ / ٤٨٨ ]
(١٣٨) «وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتاب «الرسالة النظامية»
يعد إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) أول من استخدم الأقيسة المنطقية في تأييد العقيدة الأشعرية، وقد خالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^١) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٢).
وهنا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي المعالي الجويني، وهو من متأخري الأشاعرة، ما ورد عنه في «الرسالة النظامية» حيث عاد إلى التفويض؛ ف «الرسالة
_________________
(١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.
(٢) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
النظامية» في حقيقتها إنما تدعو إلى القول بالتفويض، ولكن في عمومها يَكفي أنه رجع عن التأويل، وإن كان التفويض ليس من منهج السلف كما زعم، لكن الشاهد من ذلك أنه أبطل التأويل، وفي هذا رجوع إلى نوعٍ من الحق.
قال ابن تيمية: "وإذا كانت الطائفة عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا، وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر" (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزًا وإما تفريطًا، فإنه يحتاج إلى مقدمتين:
أن الرسول قال كذا، وأنه أراد به كذا.
أما المقدمة الأولى: فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع مَنْ يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها، وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ، ولا يعرفون من كثرة طرقها وصفات رجالها، والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعًا يقينًا بعامة المتون الصحيحة التي في الصحيحين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
وأما المقدمة الثانية: فإنهم لا يعرفون معاني القرآن والحديث، ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. " (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٦.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
«اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر؛ فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب، وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب.
فقال: والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقدًا: اتِّباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حُجَّة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها، ودَرْك ما فيها وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا: لأوشَكَ أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المُتَّبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الله عن صفات المُحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويَكِلْ معناه إلى الرب؛ فليُجْرِ آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وما صحَّ من أخبار الرسول ﷺ؛ كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا».
زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^١).
ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
_________________
(١) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).
[ ٢ / ٤٩١ ]
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (^١).
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (^٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (^٣).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).
(٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^١).
والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزل حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض. "
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٢٥).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
(١٣٩) «قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب: ذِكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل مَنْ ذكرنا شيئًا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا وغيره؛ ولكن الحق يُقبل مِنْ كل من تكلم به
وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في «سننه»: «اقبلوا الحق مِنْ كل مَنْ جاء به؛ وإن كان كافرًا-أو قال فاجرًا-واحذروا زيغة الحكيم. قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق نورًا» (^١)، أو قال كلامًا هذا معناه».
نَبَّهُ المصنفُ هنا على أنَّه ما نَقَل هذه النُّقُول على أنها موافقة للحق من جميع الوجوه، ولكن قد تجد لبعضهم كلامًا حسنًا في باب الصفات، لكنه مخالف لقول أهل السنة في بعض المسائل الأخرى في باب الأسماء والصفات، أو في باب الإيمان مثلًا أو في باب القَدَر ونحو ذلك من أبواب العقيدة.
فالمصنف هنا ينقل من كلام هؤلاء ما كان فيه موافقة للحق، ولا يعني ذلك أن كل مَنْ نقل عنه أنه موافق للحق في كل مسائل الاعتقاد.
فعلى الإنسان أن يَتنبه لهذا، فهذا هو منهج شيخ الإسلام في إيراده لهذه النقول من أنه ينقل من كلام هؤلاء ما يوافق فيه الحق في هذه المسألة، ولا يعني ذلك أنَّ كل مَنْ نَقَل عنه نقلًا أنه موافق للحق في جميع المسائل.
فينبغي أن ينتبه طالب العلم إلى أن مقصود شيخ الإسلام مِنْ إيراده لكلام الجويني هنا ليس تقرير التفويض، وكما نعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يردُّ على منهج
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود برقم (٤٦١١)، والدارمي (٢٠٥)، وقال محقق سنن الدارمي الشيخ حسين سليم أسد: إسناده صحيح، وقال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود عقب (٤٦١١): صحيح الإسناد موقوف.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
المفوضة، وبيِّن بطلانه في كثيرٍ من المواضع منها هذا الكتاب، لكن مراده هنا أن هؤلاء قد أقرَّ أكابرهم بأن التأويل منهجٌ فاسد، وهو بعيد عن الحق.
فمن أَوَّل الاستواء أو مَنْ أَوَّل اليد وغير ذلك من التأويلات، ليس له في ذلك مُسَوِّغ ولا مستند من كلام سلف الأمة، ولا يُعلم عن سلف الأمة أنهم أوَّلوا شيئًا من هذه الصفات، فهذا تأكيدٌ لبطلان هذا المنهج وفساده.
ومعلوم أن رجوع الجويني والشهرستاني والرازي والغزالي وكل هؤلاء تقدم الحديث عن توبتهم، لا يعني بالضرورة أنهم عرفوا منهج السلف على وجه التفصيل، بالدرجة التي كانوا عليها في معرفة أقوال المتكلمين ومناهجهم.
وبالتالي ليس كلام الجويني بحجة على السلف فلأقوال السلف دواوينها ومصادرها التي تؤخذ منها أقوالهم وتستبين منها مناهجهم.
ومن القواعد التي تقرَّر في منهج أهل السنة والجماعة: أن الحق يُقبل من أيِّ كائن كان، فإن الإنسان إذا جاء بالحق فليس العبرة بأنه جاء من فلان، ولكن العبرة أن هذا هو الحق، وقد يكون الإنسان على عِلم وعلى هدى ولكنه قد يخرج عن الحق.
فإذًا كما يقول العلماء في ذلك: الحق لا يقوم بالرجال، ولكن الرجال يقومون بالحق، فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، فكون الإنسان جاء بالحق وقال بالحق وحتى لو كان كافرًا أو فاجرًا فيبقى الحقُّ حقًّا، والباطل يبقى باطلًا حتى وإن جاء من عالم.
فإذًا كما يقول شيخ الإسلام في تقرير هذه القاعدة: أنه لا يُنتصر لشخصٍ بعينه انتصارًا مطلقًا إلا شخص النبي ﷺ؛ لأنه هو المعصوم في التبليغ، فبالتالي يُقبل قوله ويُنتصر له انتصارًا مطلقًا، ولا يُنتصر لطائفة معينة انتصارًا مطلقًا إلا لطائفة واحدة وهم الصحابة؛ لأن الحقَّ لا يخرج عن جملتهم.
فبالتالي ليس في منهج أهل السنة تقديس الأشخاص أو الأعيان، بل كما يقول الإمام مالك كما جاء عنه: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا القبر» (^١)، فإذًا تبقى أقوال الرجال قابلة للحق وقابلة للخطأ.
وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله
_________________
(١) انظر: كتاب الرد على الأخنائي قاضي المالكية صفحة (١٩٧).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله". (^١)
_________________
(١) إعلام الموقعين ٤/ ١٤٨
[ ٢ / ٤٩٦ ]
(١٤٠) «فأما تقرير ذلك بالدليل، وإماطة ما يعرض من الشبه، وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامِةِ، فما تتسع له هذه الفتوى، وقد كتبت شيئًا من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض مَنْ يجالسنا، وربما أكتب-إن شاء الله-في ذلك ما يحصل المقصود به».
مقصد المصنف في إيراده لهذه المسائل ليس إيرادًا أو عَرْضًا دقيقًا أو عرضًا مفصَّلًا، فهو لم يَهدف بهذه الفتوى أن يَعرض المسألة عرضًا مُفَصَّلًا في هذا المقام، فهذا مقامه أكبر من مثل هذا، وإنما هنا يَعرض عرضًا إجماليًّا فينبغي أن يُتنبَّه لهذا.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
(١٤١) «وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يَحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتِّباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته».
إن من فضل الله ﷿ ونعمته على أهل السنة والجماعة أن وفقهم للعمل بكتابه، والأخذ بسنة رسوله ﷺ، فإن الهدى والنور والحق لا يخرج عن كلام الله ﷿، وكلام رسوله ﷺ، والله ﷿ أخبر في كتابه العزيز أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأن هذا القرآن هدىً ونور، وأن به يُخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، لقد قال ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال ممتنًا على نبيه ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وهذه الآية جمعت بين المصدرين: الكتاب والسنة، وقوله ﷾: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾، هذا في شأن كلام الله ﷿، وقوله ﷾: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هذا في شأن سنة المصطفى ﷺ.
ولاشك أن الله ﷿ من حين إهباط أدم إلى هذه الأرض بين له هذه الحقيقة كما بينها لنا، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٨: ٣٩]، إلى آخر ما جاء في هذه المسألة.
وقال في موضعٍ آخر: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه ١٢٣: ١٢٦].
فهذه حقيقة ينبغي على الإنسان أن لا يغفل عنها، فهي أساسٌ أولي في الهداية،
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فمن أراد الهداية والنور فإنه لا يمكن أن ينال ذلك إلا من طريقٍ واحد، وهو: إتباع شرع الله ﷿ الذي أنزله على رسوله ﷺ، فلا يمكن للإنسان أن يخرج من ظلمات الكفر والشرك، ومن ظلمات الجهل وغير ذلك من أنواع الظلمات إلى نور الإيمان إلى نور التوحيد إلى نور العلم إلى نور اليقين إلا من هذا الطريق.
فإن هو اعتمد على هذا الطريق هُدي إلى الحق ونال الحق بإذن الله ﷾، وإن ذهب يبحث عن الحق من غير هذا الطريق فلن يناله أبدًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فينبغي على الإنسان أن يضع هذه الحقيقة نصب عينيه، وأنه متى ما أراد النجاة، ومتى ما أراد النور لنفسه والحق لنفسه، والهداية لنفسه، فإن عليه أن يطلب ذلك من كلام الله ﷿ ومن كلام رسوله ﷺ.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
(١٤٢) «ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يُناقض بعضه بعضًا البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه في الظاهر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه» (^١)، ونحو ذلك، فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
فأخبر أنه فوق العرش يَعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: «والله فوق العرش، وهو يَعلم ما أنتم عليه» (^٢).
وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أُطلقت، فليس في ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين وشمال، فإذا قُيِّدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمُجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة.
ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: «إنه معهم بعلمه» (^٣)، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ، برقم (٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (٥٤٧)، وأبو داود (٤٧٩)، وابن ماجه (٧٦٣)، والنسائي (٧٢٤)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٤٨٤١)، والدارمي (١٤٣٧).
(٢) انظر: المعجم الكبير للطبراني برقم (٨٩٨٧)، قال الشيخ الالباني في مختصر العلو للعلي العظيم صفحة (١٠٣): إسناده صحيح.
(٣) انظر: كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل صفحة (١٥٤).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] كان هذا-أيضًا-حقًّا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم المعية هنا-مع الاطلاع-والنصر والتأييد.
وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] قالوا: هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذا الموطن: النَّصر والتأييد.
وقد يدخل على صبي مَنْ يخيفه، فيبكي، فيُشرف عليه أبوه من فوق السقف ويقول: لا تخف، أنا معك، أو أنا حاضر ونحو ذلك، يُنبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففَرْقٌ بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع.
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يَقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها-وإن امتاز كل موضع بخاصية-فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها».
إذًا هنا بعد أن بيَّن أن جماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، ولمن قصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، بيَّن أنه- أيضًا- لا يَظن ظانٌّ أو يعتقد معتقد أن هناك تناقضًا أو تعارضًا في كتاب الله ﷾؛ مثل أن يقول قائل: هناك تعارض بين نصوص العلو والاستواء ونصوص المعية.
والجواب على ذلك: أن مَنْ تدبر ورجع إلى كلام سلف الأمة في تفسير آيات المعية، فقد بيَّنوا فيها أنه لا تعارض ولا تناقض البتة بين النصَّين، بل إن الله تعالى جمع بين نصوص الاستواء ونصوص المعية كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، وهذا إثبات لصفة
[ ٢ / ٥٠١ ]
الاستواء، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
وهذا بيان لنصوص المعية.
فكون الله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا لا يتناقض مع أنه ﷾ يعلم ما يكون من خلقه، وأنه ﷾ معهم بعلمه ومعيته واطلاعه ﷾، ومعلوم أن المؤولة لو عادوا إلى لغة العرب لزال عنهم الإشكال الذي يتوهمونه.
فالبعض يعتقد أن المعية هنا هي معية ذاتية، والنص لا يفيد هذا، فكلمة (مع) إذا أطلقت هكذا ولم تقيَّد، فإنها تفيد معنى المصاحبة، ثم هذه المصاحبة يتحدَّد بعد ذلك نوعها بحسب السياق، فقد تكون مصاحبة بالذات، كما تقول: ذهبت مع فلان.
أما أن تقول مثلًا: أنا معك في هذه المسألة، أو معك في هذه القضية، فهنا مصاحبة لكنها مصاحبة نصرة أو تأييد أو موافقة على هذا الأمر.
فإذًا ينبغي أن نفهم أن كلمة (مع) في لغة العرب تُفيد مطلق المصاحبة من حيث هي، ثم السياق هو الذي يحدِّد نوع المصاحبة.
ونحن إذا نظرنا إلى كتاب الله ﷾ نجد أن الله ﷾ قد أخبر عن نوعين هنا من المعية والمصاحبة: معية عامة كما في هذه الآية: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ومعية خاصة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أو كما في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
فلو قلنا إن (مع) تفيد مصاحبة الذات، فكيف نفرِّق بين المعيتين هنا؟
نقول: أمَّا المعية العامة، فإنها معية العلم والاطلاع، وأما المعية الخاصة، فإنها معية نصرة وتأييد؛ لأن الله خصَّها بأهل الإيمان كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وغير ذلك من النصوص التي جاءت في إثبات المعيَّة الخاصة.
فقول شيخ الإسلام: «وذلك أن الله معنا حقيقة»، قد يفهم بعض طلبة العلم أنه قصد بهذا معية ذاتية. لا، هي معية حقيقية؛ لأن النص أثبتها، وهي معية العلم، وبالتالي كما جاء في «تفسير الطبري» من قول الضحاك في سورة المجادلة في هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا
[ ٢ / ٥٠٢ ]
عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، قال الضحاك عند هذه الآية: «هو فوق العرش وعلمه معهم» (^١).
وهكذا فسرها الإمام مالك بن أنس كذلك، كما نقل الآجري في «الشريعة»، وغيره عن الإمام مالك أنه قال: «أنه معنا بعلمه» (^٢)، وكذا قال ابن عبد البر، وكذا قال جمعٌ من أهل العلم: «إن المعية هنا معية عِلم»، ولم يُنقل عن واحدٍ من السلف أنه فسر المعية هنا بالمعية الذاتية.
فهنا أشار إلى أن كلمة (مع) في اللغة أنها إذا أطلقت، يعني بدون قيد، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، أي: تفيد مطلق المصاحبة، ثم المصاحبة قد تختلف فتقول: هذا المتاع معي، أو سرنا والقمر معنا، ففرق بين هذا وهذا، فلو قلت سرنا والقمر معنا، فالقمر في مكانه، وأنتم في مكانكم، فهو يُصاحبكم لكنها مصاحبة عن بعد.
وكما لو قلت: هذا المتاع معي، وقد يكون فوق رأسك، فهذه مصاحبة وهذه مصاحبة، لكن السياق هو الذي يحدد نوع المصاحبة في الأمرين، فيجب أن نتنبه لهذا، فوجه الخلل في فهم البعض أنه يريد أن يُلزم هذه الآية معنى معية الذات، وهذا الفهم لا يوجد إلا في ذهنه، فالخلل هنا ما جاء من النص قطعًا، وإنما مِنْ فهمه هو.
فعلى طالب العلم أن يتنبه لهذا، فالنصوص لا تتعارض ولا تختلف، ومثل هنا مثلًا أن صبيًّا دخل عليه مَنْ يخيفه فبكى؛ فطمأنه أبوه، فقال له من السطح مثلًا: لا تخف أنا معك، فهل يعني هذا أنه معه على الأرض؟ أبدًا لا يُفهم هذا.
_________________
(١) «تفسير الطبري» عند تفسيره للآية الكريمة.
(٢) «الشريعة» (٣/ ١٠٧٧).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
(١٤٣) «ونظيرها من بعض الوجوه الربوبية والعبودية، فإنها وإن اشتركت في أصل الربوبية والتعبيد، فلما قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ • رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإنَّ مَنْ أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره، فقد رَبَّه ورَبَّاه، وربوبيته وتربيته أكمل من غيره.
وكذلك قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
فإن العبد تارة يعنى به المُعَبَّد فيعم الخلق كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وتارة يعنى به العابد فيخص، ثم يختلفون، فمن كان أعبد علمًا وحالًا، كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع».
استُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام:
القسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ.
القسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله ﷾، وكلُّنا عبيدٌ لله ﷿.
وعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله ﷿، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
القسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر
[ ٢ / ٥٠٤ ]
عبدنا داود ذا الأيدي﴾ [ص: ١٧]، ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، فهذه العبودية الخاصة.
القسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله ﷺ: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ» (^١)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا.
لذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها.
فالعبودية على نوعين: عبودية عامَّة. وعبودية خاصَّة.
فالعبودية العامَّة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله؛ بَرِّهم وفاجرهم، مُؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القَهر والمُلك؛ قال تعالى: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ومَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.
وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧]؛ فسَمَّاهم عِبَادَه مع ضلالهم، ولكنها تسمية مُقَيَّدة بالإشارة، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦]، وقال: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨]؛ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة.
وأما النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، وقد جاءت تسميتهم مُطلقة.
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُون﴾ [الزخرف: ٦٨]، وقال: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الزخرف: ٦٨].
وأخرج الطبريُّ عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْركُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] يُقال: إنَّ عدوَّ الله إبليس قال: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٣٥). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: ثَوب أسود أو أحمر له أعلامٌ.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
[ص: ٨٣، ٨٢] فهؤلاء الذين لم يُجعل للشيطان عليهم سبيلٌ، وإنَّما سُلطانه على قومٍ اتَّخذوه وليًّا، وأشركوه في أعمالهم» (^١).
فعباد الله حقًّا هم الذين قال لإبليس عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِين﴾ [الحجر: ٤٢].
قال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] أي: الذين قَدَّرْتُ لهم الهدايةَ؛ فلا سبيلَ لك عليهم، ولا وصولَ لك إليهم، ﴿إلَّا مَنْ اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢] استثناء مُنقطع» (^٢).
والاستثناء المُنقطع معناه: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا بعضه.
والمعنى هنا: أنَّ هؤلاء الغاوين المتبعين لإبليس ليسوا عبادًا لله حقًّا؛ أي: العبودية الخاصة.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «وإنَّما انقسمت العبوديَّةُ إلى خاصَّة وعامة؛ لأنَّ أصلَ معنى اللفظة [أي: العبودية]: الذُّلُّ والخضوع؛ يُقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مُذَلَّلًا بوطء الأقدام، وفلان عَبَّده الحبُّ إذا ذلَّلَه.
لكِنْ أولياؤه خَضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه، وأعداؤه خَضعوا له قهرًا ورغمًا» (^٣).
ووصفُ عبيد ربوبيته بالعبودية لا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأمَّا أهل طاعته وولايته: فهم عبيد إلهيته.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء المُخْلَصِين.
وأمَّا وصف عبيد ربوبيته بالعبودية؛ فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
الأول: إمَّا مُنَكَّرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
والثاني: مُعَرَّفًا بالألف واللام؛ كقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨].
الثالث: مُقَيَّدًا بالإشارة أو نحوها؛ كقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧].
_________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٧/ ٢٩٥).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٣٥).
(٣) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الرابع: أن يُذكروا في عموم عباده؛ فيَندرجوا مع أهل طاعته في الذِّكر؛ كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامس: أن يُذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وقد يقال: إنَّما سَمَّاهم (عباده) إذا لم يَقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتَّبعوا أحسن ما أُنزل إليهم من ربهم؛ فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة (^١).
ومدار النزاع مع المخالف في هذا الباب جاء من عدم فَهمهم للفرق بين العبودية الخاصَّة والعبوديَّة العامَّة؛ فمن اتضح له الفرقُ بين العبودية الخاصة والعبودية العامة، عَرف أين مقام الثناء، وأين مقام الذَّمِّ؟
فمقام الثناء هو لأهل العبودية الخاصة؛ فلذلك نَعَتَهم اللهُ تعالى بجَمْعهم وأفرادهم؛ لأن مقامَ هذه العبوديةَ أشرفُ المقامات، ومرتبتها أعلى المرتبات؛ فبها تشَرَّفت الملائكة؛ قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقال ﷻ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].
والعبودية هي مقام التشريف لأنبياء الله ورسله، وهم أعلى مُكَلَّفين في مراتب العبودية؛ قال ﷿: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥]، ووصف سبحانه أيوبَ الذي ابتلي طويلًا بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأثنى على سليمان الذي وهبه الملك العظيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، أمَّا عيسى ﵇ فقد ردَّ سبحانه على مَنْ أَلَّهوه بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولذلك استشهد هنا شيخ الإسلام بقول النبي ﷺ: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبدُه، فَقولُوا: عبدُ اللهِ ورَسُولُه» (^٢).
فهذه العبودية تُطلق في مقام المدح والثناء، إذ هي شرفٌ للعبد؛ لذلك وصف الله ﷿ بها نبيَّه ﷺ في أعلى المقامات: ففي مقام الإسراء قال ﷻ:
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الوحي قال سبحانه: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وفي مقام الدعوة قال جل وعلا: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام التحدي قال ﷿: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، فذكره بوصف العبودية.
فعلى العبد أن يسعى جاهدًا في تحقيق العبودية؛ فهي شرفُه ودليل إيمانه؛ كما في الحديثِ: «واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُه بالليل» (^١).
وهذا مثل لفظ الربوبية أو لفظ العبودية، يعني مثله سواء بسواء، فلفظ الربوبية قد يكون في موضع يقتضي أمرًا آخر إضافة إلى الأمر الأول، فمثلًا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، فورد لفظ الرب هنا وأريد به رب العالمين، أي: رب جميع العالمين، وهنا خصَّ موسى وهارون مع أنهم من العالمين.
فإذًا لفظ الربوبية الذي هو التربية والإنشاء هناك لموسى وهارون مزية ليست في البقية، وهكذا لفظ العبودية؛ لفظ العبودية قد يُطلق ويراد به العبودية العامة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، لكن هناك إضافة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، فالجميع عباد.
لكن العبودية هنا في قوله: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ -عبودية عامة، وفي قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ -عبودية خاصة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٢٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (٧٩٢١) من حديث سهل بن سعد ﵁، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٨٣١).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
(١٤٤) «ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس (مشككة)؛ لتشكيك المستمع فيها، هل هي مِنْ قبل الأسماء المتواطئة، أو مِنْ قبل المشتركة في اللفظ فقط، والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعًا مختصًّا من المتواطئة، فلا بأس بتخصيصها بلفظ».
تنقسم الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى إلى:
أولًا: الألفاظ المختلفة.
الألفاظ عند اختلافها في اللفظ فهي على نوعين من حيث دلالتهما على المعاني:
-الألفاظ المترادفة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت واحد، أي أن الأسماء المترادفة اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها ك:
• الخمر.
• والراح.
• والعقار. (^١)
-المتباينة أو المتزايلة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معان مختلفة بالحد والحقيقة ك:
الفرس
والذهب
والثياب (^٢).
_________________
(١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.
(٢) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
ثانيًا: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم.
الألفاظ عند اتفاقها في اللفظ والرسم فهي على ثلاثة أنواع من حيث دلالتها على المعاني:
النوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء):
وهو اللفظ الواحد المتفق الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساوية.
ك "العين" تطلق على:
آلة البصر.
وينبوع الماء.
وقرص الشمس.
وهذه مختلفة الحدود والحقائق" (^١).
وعند ابن تيمية ﵀ فإن الأسماء المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ "سهيل" المقول على "الكوكب" وعلى "الرجل" (^٢).
النوع الثاني: المتواطئة: وهي الألفاظ الكلية التي يكون حصول معناها وصدقها على أفرادها الخارجية والذهنية على السوية كدلالة اسم الإنسان على أفراده الخارجيين (^٣)، وهذه الأسماء المتواطئة هي جمهور الأسماء الموجودة وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا … كلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة (^٤).
النوع الثالث: المشككة: وهي الألفاظ الكلية التي لم يشأ صدقها على أفرادها، بل حصولها في بعضها أولى أو أشد من بعضها الآخر كدلالة اسم النور على نور الشمس ونور السراج فإنه في الشمس أشد منه وأقوى من نور السراج (^٥).
_________________
(١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٥٢، والمعجم الفلسفي لصليبا: ٢/ ٣٧٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٣٤.
(٣) انظر: معيار العلم: ص: ٨١، التعريفات للجرجاني: ص: ٢٥٧، والمعجم الفلسفي: ٢/ ٣٣٤.
(٤) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٣/ ١٢٣، ١٢٩، ٢٠/ ٢٤٣.
(٥) انظر: التعريفات للجرجاني: ص: ٢٧٦، المعجم الفلسفي: ٢/ ٣٧٨.
[ ٢ / ٥١٠ ]
وسمي المشكك مشككا لأن الناظر فيه يتردد ويتشكك هل هو من المتباين أو من المتواطئ، فإذا نظر إلى التفاوت ظن أنه من المتباين وإذا نظر إلى الاتفاق في المعنى جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان يعد متواطئا، والضوء باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشككا " (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذ جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصا، زال اللبس (^٢).
فهذا النوع من الألفاظ يسمى الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، وقد ضربنا مثلًا بالنور، فتقول: نور المصباح وضوء الشمس؛ فتسمِّي هذا نورًا وهذا نورًا، فكونه يُطلق على هذا لفظ النور وعلى هذا النور، فهل هما تمامًا سواء بسواء؟ لا؛ فشتَّان بين النورين، فهناك تفاوت مع أن المعنى واحد.
_________________
(١) انظر: شرح التدمرية للشيخ البراك: ٣٦٥.
(٢) منهاج السنة: ٢/ ٥٨٥.
[ ٢ / ٥١١ ]
(١٤٥) «ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات؛ كإضافة الربوبية مثلًا،».
كلمة (مع) في لغة العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى.
ولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع واقتضت في كل موضع أمورًا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما:
والمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).
وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).
[ ٢ / ٥١٢ ]
وكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: "والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه".
المعنى الثاني: المعية الخاصة:
وهي معية الاطلاع والنصرة والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨].
فهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك (^١).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.
فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠)، و(٥/ ١٠٤).
[ ٢ / ٥١٣ ]
على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (^١).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.
قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير" (^٢).
وقال الآجري: "وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء" (^٣).
وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض (^٤).
وأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٥).
وقال الآجري: "وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون" (^٦).
_________________
(١) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).
(٢) التمهيد (٧/ ١٣٤).
(٣) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
(٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).
(٥) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).
(٦) الشريعة (٣/ ١١٠٤).
[ ٢ / ٥١٤ ]